← Джавами‘

Джавами‘ · id 36543

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

الشوكاني

Полный текст (5 091 стр.). Показаны 4691–4730 · переход к 4696.

стр. 4691

(١٩٣) ٣٨/ ١ سؤال وجواب عن الصلاة المأثورة على رسول الله صلي الله عليه وسلم تأليف محمد بن علي الشوكاني حقَّقه وعلَّق عليه وخرَّج أحاديثه محمد صبحي بن حسن حلاق أبو مصعب

стр. 4692

وصف المخطوط: ١ ـ عنوان الرسالة من المخطوط: سؤال وجواب عن الصلاة المأثورة على رسول الله صلي الله عليه وسلم. ٢ ـ موضوع الرسالة: آداب. ٣ ـ أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وحده وصلى الله على لا نبيَّ بعده وآله وصحبه وبعد. فإنه اشتمل السؤال الوارد منكم كثر الله فوائدكم على أربعة أطراف. ٤ ـ آخر الرسالة: كمل من خطَّ المجيب حفظه الله وجعله لكل معضلة ومشكلة محلاً. بحق محمد الأمين وصحبه الأكرمين. ٥ ـ نوع الخط: خط نسخي جيد. ٦ ـ عدد الصفحات: ١٠ صفحات. ٧ ـ عدد الأسطر في الصفحة: ٢٦ سطرًا. ٨ ـ عدد الكلمات في السطر: ١٠ ـ ١٢ كلمة. ٩ ــ الرسالة من المجلد الأول من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.

стр. 4693

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله وحده وصلَّى اللهُ على من لا نبيَّ بعدَه وآله وصحبِه وبعدُ: فإنه اشتملَ السؤالُ الواردُ منكم ـ كثَّر الله فوائدكم ـ على أربعةِ أطرافِ: الأول: منِ اسْتُؤُجِرَ أنْ يصلي على النبيَّ ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ عددًا معروفًا بأجرةٍ معلومةٍ، وشرَطَ عليه أن يُصلِّي الصلاة المأثورةَ، (١) والأجيرُ لم يكن عندَهُ حقيقةُ لفظةِ الصلاةِ المأثورةِ، فكرَّر الصلاةَ القدْرَ المستأجرَ عليهِ بلفظِ: اللهمَّ صلِّ وسلِّم على محمدٍ، وعلى آل محمدٍ، فهل قد أجزتْ هذهِ الصلاةُ مع شرطِ أنْ تكونَ الصلاةَ المأثورةَ؟ الطرف الثاني: هل قال قائلٌ بأنها الصلاةُ المعروفةُ بالخمسِ، وهي قولُهُ: اللهمَّ صلِّ على محمدٍ، وآل محمدٍ، كما صلِّيتَ على إبراهيمَ، وعلى آلِ إبراهيمَ، إنكَ حميدٌ مجيدٌ. اللهمَّ ترحَّمْ، اللهم تحنَّن، اللهم بارك، اللهم سلِّمْ إلى آخرها باللفظ المذكورِ أولاً، هل يكونُ صلاة واحدةً، أو خمسًا، لأنَّ التحنينَ والتبرُّكَ والتسليمَ والترحُّم لفظُها غيرُ لفظِ الصلاةِ. (٢) الطرف الرابع: ما هوَ الذي أجمعَ عليه العلماءُ أنَّه هو الصلاةُ المأثورةُ؟ انتهى.

стр. 4694

وأقول: أمَّا الطرفُ الأولُ فالجواب عليه أنَّ المستأجِرَ أرادَ بقولِهِ المأثورةَ نوعًا من الصلاةِ خاصًّا فلا يُجزي الأجيرَ إلاَّ فعلُه دونَ غيره، ولا يستحقُّ الأُجْرَةَ إلاَّ بهِ، ولكن فرَّطَ المستأجرُ بعدمِ البيانِ، والأجيرُ بعدمِ الاستفصالِ؛ فلا يستحقُّ الأجيرُ لما فعلَه أَجْرَهُ، فإذا وقعَ الخلافُ بينَهما بعد أن فعلَ الأجيرَ الصلاةَ التي ذكَرَها السائلُ ـ حفظه الله ـ فقال المستأجرُ: أردتُ نوعًا خاصًّا من الصلاةِِ المأثورةِ، وأنكر الأجيرُ، فإنْ نظَرْنَا إلى الأصلِ، والظاهرُ فهما يقضيانِ بأنَّ قولَ الأجيرِ، لأنَّ المستأجِرَ مدعي إرادة نوع خاصٍّ، فهو كالمعيَّنِ، ومن عيَّن بيَّنَ، ولكن لما كانت الإرادةُ مما لا يمكنُ إقامةُ البيِّنةِ عليهِ لكونِها من الأمورِ القلبيةِ، وهي لا تُعْرَفُ إلا مِنْ جِهَةِ صاحِبها كان القولُ قوله مع يمينه، (١) لا يقال مجرَّدُ تَرْكِ البيانِ من المستأجِرِ يوجِبُ عليهِ أُجْرَةَ المِثلِ، لما فعله الأجيرُ [١] من الصلاة لإيقاعِه الأجيرَ بذلكَ التَّركِ في نوعٍ من أنواعِ اللَّبسِ، وهو ينزَّلُ منزلةَ التعزير (٢): لأنا نقول: الأجير جان على نفسه بترك الاستفصال؛ فلا يبقى لما فعله الغير به تأثير مع فعل نفسه فلا يستحق أجره هذا على فرض إرادة المستأجر نوعًا خاصًّا من الصلاة المأثورة وأما إذا أراد ما يصدق عليه أنه صلاة شرعًا فهذه الصلاة المذكورة في السؤال صلاة شرعية، وسلام شرعي، فيستحق الأجير جميع الأجرة المسماة لأنه قد فعل الصلاة والسلام على النبي ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ، وذلك المفعول فرد من الأفراد التي يصدق عليه مطلق قوله تعالى: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٣)

стр. 4695

ومطلق الأحاديث الواردة بالأمر بذلك، والترغيب فيه مطلقًا ومقيدًا. (١) وقد تقرر أن المطلق يطابقه كل فرد من الأفراد التي يصدق هو عليها، وإن لم يرد مطلق ما يصدق عليه أنه مشروع، بل أراد المشروع الخاص؛ وهو ما ورد التعليم به من طريقه ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ في الأحاديث الصحيحة فهذا اللفظ المذكور في السؤال لم يرد في حديث صحيح على الصفة المذكورة فيما أعلم، فلا يجزئ المستأجر، ولا يستحق به الأجرة، فيما تقدم. وإذا وقع الاختلاف كان الحكم ما سلف، وسبب عدم الإجزاء في صور المخالفة أن النوع الذي أراده المستأجر قد حصله شرط في الإجازة. وقد تقرر في الأصول أن الشروط يؤثر عدمها في عدم المشروط فيكون المشروط إذا عدم واحد منها معدومًا حكمًا؛ فالإجارة المذكورة حينئذ معدومة لا حكم للصورة الموجودة منها. وأما الطرفُ الثاني: فالجوابُ عليه أنَّ السائلَ ـ حفظه الله ـ إنْ أرادَ بقولِهِ: هل قال قائلٌ بأنَّها الصلاةُ المأثورةُ؟ النوعُ الخاصُّ وهو الثابتُ في أحاديثِ التعليم، (٢) فقد أسلفنا أنَّها لم ترِدْ بذلك اللفظِ في حديثٍ صحيحٍ. (٣). وإذا لم تردْ كذلكَ فلا قائلَ بأنَّها المأثورةُ، لأنَّ الجزمَ بهِ فرع ورودها في الأحاديث، لأنَّ قولَ القائلِ هذهِ صلاةٌ مأثورةٌ، بذلكَ الاعتبارَ في قوةِ هذهِ، صلاةٍ ثابتةٍ بطريق التعليمِ لنا منه ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ، وإنْ أرادَ مطلقَ ما يصدُقُ عليه أنَّهُ صلاةٌ وسلامٌ شرعًا، فلعلَّه لا يحالفُ في ذلكَ أحدٌ من المسلمينَ لما سلفَ مِنْ أنَّ ذلكَ فردٌ من الأفرادِ التي يصدْقُ عليها المطلقُ وتُطابقُهُ. وأما الجوابُ عن الطريق الثالثِ فنقول: ليس هذهِ صلواتٍ متعددةً، إما هذه صلاةٌ مشتملةً على أدعيةٍ للمصلَّى عليه، بدليلٍ أنه لو قال قائلٌ: اللهم تحنَّنْ على محمدٍ، وعلى

стр. 4696

آل محمدٍ، أو ترحم إلخ لم يكُنْ فاعلاً للصلاةِ لا شرعًا ولا عُرْفًا. نعم يمكنُ أنْ يُقالَ: إنه فاعلٌ للصلاةِ لغةً على فَرَضِ أنها في اللغةِ مطلقُ الدعاء [٢] أعمُّ من أنْ يكونَ للنَّفسِ أو للغيرِ. وأما إذا كانتْ في اللغةِ لما هو مختصٌّ بالنَّفسِ، أو لتحريكِ الصَّلويْنِ كما صرَّحَ بهِ الزمخشريُّ في كشَّافِهِ (١) فلا، وإذا سلَّمنا صِدْقَ الصلاةِ اللغويةِ على هذهِ فذلكَ أيضًا غيرُ نافعٍ، فلا يصِحُّ الاستدلالُ بهِ على أنَّ تلكَ الألفاظَ الخمسةَ صلواتٌ خمسٌ، لأنَّا الواجبَ تقديمُ الحقيقةِ الشرعيةِ والعُرفيَّةِ على اللغويةِ، كما تقرَّرَ في الأصولِ. (٢) فإن قلتَ: إذا كان المرادُ الصلاةَ الشرعيةَ فهي عندَ أهلِ الشرعِ حقيقةٌ في ذاتِ الأركانِ، فلا يصدُقُ على الصلاةِ النبيِّ ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ أنها هي الصلاةُ الشرعيةُ حتى يتمَّ لك أنَّ لفظَ الصلاةِ هو المرادُ من المطلقِ، ويترجَّحُ بذلكَ على إرادةِ اللُّغويةِ. قلت: الصلاةُ في لسان أهلِ الشرعِ للمعنى المذكورِ، لكنْ بشرطِ ورودِها مطلقةً، فإنْ وردتْ مقيَّدةً بكونها على النبيِّ كما في قولهِ: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، وكما في الأحاديثِ التي فيها الأمرُ بالصلاةِ عليه، وعلى الآلِ، فلا شكَّ ولا ريبَ أن المرادَ بها اللفظيةَ باللفظِ المخصوصِ، لما تقرَّر من أنَّ المرادَ بهِ ليسَ مجرَّدُ الدعاءِ فقط، بل مع كونٍ فيهِ شعارٌ له ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ وتعظيمٌ، ولفظُ التحنُّنِ والترحيمَ ونحوِهما ـ وإن أفادَ الدعاء ـ فليسَ فيه إفادةُ ذلكَ الشعارِ والتعظيمِ، فثبتَ بما ذكرنا أنه لا يصدُقُ على تلك الألفاظِ أنَّها خمسُ صلواتٍ، بل صلاةٌ واحدةٌ. وقد أخرج الحديثَ المشتملَ على تلكَ الألفاظِ أبو طالبٍ في أماليهِ (٣) فقال: حدثنا

стр. 4697

أبو عبد الله أحمدُ بنُ محمد البغداديُّ قال: أخبرنا أبو القاسمِ عبدُ الله بنُ إسحاقَ بن جعفرٍ الزيدي قال: حدثني عليُّ بن محمدٍ النُّخعي الكوفي وعدَّهُنَّ في يدي قال: حدثني إبراهيمُ المجازني جدي أبو أمي قال: عدَّهُنَّ نصرُ بنُ مُزاحِمٍ في يد إبراهيمَ بنِ الزيرِ، قال التيميُّ، قال إبراهيمُ بنُ الزبرقانِ: عدَّهُنُّ في يدي علىُّ بن الحسينِ، قالَ عدُّهُنَّ في يدي الحسينُ بنُ علي، قال: عدَّهُنَّ في يدي أمير المؤمنينَ عليٌّ ﵇ قال: عدهنّ في يدي رسول الله ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ، قال رسول الله ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ: عدَّهنَّ في يدي جبريلُ ﵇. قال جبريلُ: هكذا أُنْزِلْتُ بِهِنَّ من عندِ ربِّ العِزَّّةِ. اللهمَّ صلِّ على محمدٍ، وعلى آل محمد، كما صلَّيتَ على إبراهيمَ وآل إبراهيمَ، إنك حميدٌ مجيدٌ، وترحم على محمد وعلى آل محمد، كما ترحمت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد وتحنَّنْ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ، كما تحنَّنتَ على إبراهيمَ وآل إبراهيمَ، إنك حميدٌ مجيدٌ وسلم على محمد وعلى آل محمد كما سلمت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد. قال أبو طالب (١): عدَّهنَّ زيدُ بنُ علىٍّ بأصابعِ الكفِّ مضمونةٌ، واحدةٌ واحدةُ مع الإبهام. [٣]. وأما الجوابُ عن السؤال الرابعِ فأقول: الذي أجمعَ عليهِ العلماءُ أنَّه هو الصلاةُ المأثورةُ هو ما ثبتَ في أحاديثِ التعليمِ مطلقًا ومقيَّدًا بالصلاة من طريق صحيحةٍ، لا مطعنَ فيها لأحدٍ من أئمةِ الحديثِ، لأنَّ أهلَ العلمِ باعتبارِ هذا الشأنِ أتباعٌ لأهلِهِ، فما اتفقوا علي تصحيحهِ وافقهم غيرُهم عليهِ من أئمةِ الأصولِ، والفقهِ، والتفسيرِ، والآلاتِ وسائر أنواعِ العلومِ.

стр. 4698

وقد ثبتَ من صفاتِ الصلاةِ عليهِ ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ صفاتٌ كثيرةٌ، قال بِصحَّتِها جميعُ أهلِ الحديثِ، أو بعضُهم، وتابَعهُمُ الباقونَ. منها ما اتفق عليه أهلُ الأمَّهاتِ الستِّ كحديثِ كعبِ بنِ عُجْرَةَ (١) قال: قلنا: يا رسول الله، قد علمنا، أو عرفنا كيفَ السلامُ عليكَ، فكيف الصلاةُ؟ قال: قولوا: اللَّهمَّ صلِّ على محمدٍ، وعلى آل محمدٍ، كما صليت على إبراهيم إنك حميدٌ مجيد، اللهم بارك على محمدٍ، وعلى آله محمدٍ، كما باركت على إبراهيمَ إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمدٍ، وعلى آل محمدٍ، كما باركت على إبراهيمَ إنك حميد مجيدٌ. إلا أنَّ الترمذيَّ (٢) قال فيه: على إبراهيمَ في الموضعينِ لم يذكر آله، وهكذا في رواية لأبي داود، (٣) وفي رواية أخرى (٤) له: على إبراهيمَ وآلِ إبراهيمَ. وبهذه الروايةِ يُرَدُّ على ما زعمهُ بعضُ أهلِ العلم أنه لم يَثْبُتِ الجمعُ محمدٍ وآل محمدٍ، وإبراهيمَ وآل إبراهيمَ في روايةٍ واحدةً في الأمَّهاتِ، مع أنَّ الجمعَ المذكورَ ثابتٌ في صحيح البخاري (٥) في الأبوابِ (٦) التي عقدَها لإيرادِ الآياتِ والأحاديثِ الواردةِ في إبراهيمَ ﵇، ولفظُهُ (٧): حدَّثنا قيسُ بنُ حفصٍ، وموسى بن إسماعيلَ، قالا: حدثنا عبدُ الواحد بنُ زياد، قال: حدَّثنا أبو فروةَ مسلمُ بنُ سالمٍ الهمدانيُّ، قال: حدثني عبد الله بن عيسى، سمعَ عبد الرحمن بنَ أبي ليلى قال: لقيني كعبُ بنُ عُجْرَةَ فقال: ألا أُهْدِي لكَ هديَّةً سمعتُها من النبيِّ ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ؟ فقلتُ: بلى فاهْدِها لي فقال: سأَلْنا رسولَ اللهِ ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ فقلنا: يا رسولَ اللهِ

стр. 4699

كيفَ الصلاةُ عليكم أهلَ البيتِ؛ فإن الله قد علَّمنا كيف نسلِّم عليكم، قال: قولوا: «اللهم صلِّ على محمدٍ، وعلى آل محمدٍ، كما صليتَ على إبراهيمَ، وعلى آل إبراهيمَ إنكَ حميدٌ مجيدٌ». اللهمَّ باركْ على محمدٍ، وعلى آل محمدٍ، كما باركتَ على إبراهيمَ وعلى آل إبراهيمَ إنك حميدٌ مجيدٌ، اللهمَّ. انتهى بحروفِه. ومن الأنواع التي اتَّفق عليها أهلُ الأمَّهاتِ (١) إلا الترمذيَّ حديثُ أبي حُميدٍ الساعديِّ أنَّهم قالوا: يا رسول الله، كيف نصلِّي عليك؟ قال: «قولوا: اللهم صلي الله عليه وسلم على محمد وعلى أزواجه وذريته كما صليت علي إبراهيم، وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد» ومن الأنواع التي لا يختلِفُ أهلُ الحديثِ في صِحَّتِها ما أخرجه أحمد، (٢) ومسلمٌ، (٣) والترمذي (٤) وصححه، وأبو داودَ، (٥) والنسائي، (٦) وصحَّحه ابنُ خزيمةَ، (٧) وابن حبانَ والحاكم والبيهقيُّ [٤] عن أبي مسعود البدريِّ قال: أتانا رسول الله ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ ونحنث في مجلسِ سعدِ بن عبادةَ، فقال له بشيرُ بن سعد: أمرَنَا الله أنْ نصلِّي عليك، فكيفَ نصلِّي عليك؟ قال: فسكت رسول الله ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ حتى تمنينا أنّه لم يسأله، ثم قال: قال رسول الله ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ:

стр. 4700

«اللهم صلِّ على محمدٍ، وعلى آل محمدٍ، كما صلِّيتَ على آل إبراهيمَ، وباركْ على محمدٍ، وعلى آل محمدٍ، كما باركت على آل إبراهيمَ في العالمين إنك حميدٌ مجيدٌ، والسلام كما قد علمتم». وزاد أبو داود (١) في رواية: «اللهم صلي على محمد النبيِّ الأميِّ، وعلى آله محمدٍ». وفي أخرى له: «كما باركتَ على آل إبراهيمَ في العالمينَ». وأخرج البخاريُّ (٢) عن أبي سعيد الخُدريِّ قال: قلنا يا رسول الله، هذا السلام، فكيف نصلِّى عليك؟ قال: «قولوا: اللهم صلِّ على محمدٍ عبدك ورسولِكَ، كما صلَّيتَ على إبراهيمَ، وباركُ على محمدٍ، وعلى آل محمدٍ، كما باركتَ على إبراهيمَ» قال أبو صالح عن الليثِ: وبارْك على محمدٍ، وعلى آل محمدٍ، كما باركتْ على إبراهيمَ وآلَ إبراهيمَ. وأخرجَهُ أيضًا النسائيُّ، (٣) وابن ماجهْ. (٤) وفي الباب أحاديثُ منها ما هو صحيحٌ عند بعض أئمةِ الحديثِ دونَ بعضٍ، كحديث أبي هريرةَ عند أبي داودَ (٥) عن النبيِّ ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ أنه قال: «مَنْ سرَّهُ أنْ يكتالَ بالمكيالِ الأوْفى إذا صلَّى علينا أهلَ البيتِ فليقلْ: اللهمَّ صلِّ على محمدٍ النبيِّ وأزواجهِ أمهاتِ المؤمنينَ، وذرِّيتِه، وأهلِ بيتهِ، كما صليتَ على آل إبراهيمَ إنك حميدٌ مجيدٌ»، وهذا الحديثُ سكتَ عنه أبو داودَ، وسكتَ عنه المنذريُّ في مختصرِ السُّننِ. (٦)

стр. 4701

وقدِ اختلفَ فيه على أبي جعفرٍ محمدِ بنِ عليٍّ عن المجمرِ، عن أبي هريرةَ. وأخرجه النسائي في مسند (١) عليٍّ ﵇ من طريقِ عَمْرو بن عاصمٍ، عن حِبَّانَ بنِ يسارٍ الكِلابيِّ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ طلحةِ الخُزاعيِّ، عن أبي جعفر المذكورِ، عن محمدٍ بنِ الحنفيةِ، عن أبيهِ أميرِ المؤمنينَ، عن النبيِّ ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ بلفظ حديثِ أبي هريرة. وقد اختُلِفَ فيه على أبي جعفرٍ أيضًا، وعلى بن حِبَّانَ بن يسارٍ. وأخرج أحمدُ (٢) عن بريدةَ مرفوعًا بلفظِ: «اللهمَّ اجعلْ صلواتِكَ، ورحمتَك، وبركاتِكَ على محمدٍ، وآل محمدٍ، كما جعلتَها على إبراهيمَ إنكَ حميدٌ مجيدٌ». في إسنادِهِ أبو داود الأعمى، واسمُه نُفيعٌ وهو ضعيفٌ جدًّا، ومُتَّهَمٌ بالوضع. (٣) وأخرج أحمدُ نُفيع بن الحارث، أبو داود النخعي الكوفي القاضي الهمداني الأعمى. قال البخاري يتكلمون فيه، وقال يحيى بن معين: ليس بشيء. قال النسائي: متروك. (ميزان الاعتدال) (٤/ ٢٧٢ رقم ٩١١٥). (٤) في (المسند) (١/ ١٩٩). عن زيد بن خارجةَ مرفوعًا بلفظِ: «قولوا: اللهمَّ صلِّ على محمدٍ، وعلى آله محمدٍ». وفي الباب أيضًا عن رُوَيْفِعِ بن ثابت، وجابرٍ، وابنِ عباسٍ أخرَجَهَا المستغفريُّ في الدَّعواتِ. وفي الباب غيرُ ذلكَ، ولكنَّ المقصودَ من السؤالِ هو بيانُ الصلاةِ التي أجمعَ العلماءُ على أنَّها مأثورةٌ. وقد قرَّرْنا أنما أجمعَ أئمةُ الحديثِ على صحته فهو مجمعٌ عليه عند غيرِهم من العلماء [٥] لما سلفَ. ومن جملةِ ما وقعَ الإجماعُ على صِحَّتِهِ ما في الصحيحينِ من الأحاديثِ المسْنَدَةِ: قال:

стр. 4702

ابنُ الصلاح (١): إنَّ العلمَ اليقينيَّ النظريَّ واقعٌ بهِ، خلافًا لقول من نفَى ذلكَ، يعين: حصولَ اليقينِ، مُحْتَجًّا بأنَّه لا يفيدُ في أصلِهِ إلا الظنَّ، وإنما تلقَّتْهُ الأمُّةُ بالقَبولِ. قال ابن الصلاحِ (٢): وكنت أميلُ إلى هذا أو أحْسَبُهُ قويًّا، ثم بانَ لي أنَّ المذهبَ الذي اخْترناهُ أوَّلاً هو الصحيحُ، لأنَّ ظنَّ مَنْ هو معصومٌ من الخطأ لا يخطئ .. إلى آخر كلامه. وقد سبقه إلى ذلكَ محمدُ بنُ طاهرٍ المقدسيُّ، وأبو نصرٍ عبدُ الرحيم بنُ عبدِ الخالقِ بن يوسفَ. واختارَهُ ابنُ كثيرٍ (٣) وحكَى في علوم الحديثِ لهُ أنَّ ابنَ تيميةَ (٤) حكَى ذلكَ عن أهلِ الحديثِ، وعن السلفِ، وعن جماعاتٍ كثيرةٍ من الشافعيةِ، والحنابلةِ، والأشاعرةِ، والحنفيةِ، وغيرِهم. قال النوويُّ (٥): وخالفَ ابنَ الصلاحِ المحققونَ والأكثرونَ فقالوا: يفيدُ الظنَّ ما لم يتواتر، ونحوَ ذلك. حكَى زينُ الدينِ (٦) عن المحققينَ واختاره، والمقصودُ من نقلِ هذا الكلامِ أنَّ العلماء متفقونَ على صحَّةِ ما في الصحيحينِ، وإنما اختلفوا هلْ هو يفيدُ العلمَ اليقينيَّ أو لا يفيدُ إلاَّ الظنَّ في غيرِ ما لم يتواتَرْ. وقد حكى الاتفاقَ على تلقي الأمَّةِ لما في الصحيحينِ بالقَبولِ السيدِ العلامةُ محمدُ بنُ إبراهيمَ الوزيرُ في تنقيحِ الأنظارِ، (٧) وقال: هو الظاهرُ. وحكى عن جماعةٍ من أئمةِ أهلِ البيتِ ما يوافقُ ذلكَ، ثم قال بعد ذلكَ: وقد استمرَّ ذلكَ يعني: الاحتجاجَ بأحاديثِ الصحيحينِ، وشاعَ وذاعَ، ولم يُنْقَلْ عن أحدٍ فيهِ نكيرٌ.

стр. 4703

وهذه طريقٌ من طُرُقِ الإجماعِ المحْتَجِّ بهِ بين لعلماء. وهذه في ديارِ الزيديةِ، فأما بلادُ الشافعيةِ وغيرِهم من الفقهاء، فلا شكَّ في ذلكَ ... انتهى. ومعَ اتِّفاقِهم على الصِّحَّةِ يلزمُ الاتفاقُ على كل صفةٍ من صفات الصلاةِ على النبيِّ ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ المذكورةِ فيهما، وكذلكَ يلزمُ الاتفاقُ على سائر الصِّفاتِ التي يصدُقُ عليها اسمُ الصحيحِ، وإن لم تكنْ مذكورةً فيهما؛ فإنَّ الصحيحَ عندَ المحدِّثينَ مراتبُ. أولها: ما اتفقَ على إخراجهِ البخاريُّ ومسلمٌ. الثانية: ما انفردَ به البخاريُّ. الثالثة: ما انفردَ بهِ مسلمٌ. الرابعة: ما كان على شرْطِهما، ولم يخرجاهُ في كتابيهِمَا. الخامسةُ: ما كان على شرطِ البخاريِّ. السادسة: ما كان على شرطِ مسلمٍ. السابعة: ما كان صحيحًا عندَ غيرِهِما من الأئمة المعتمدينَ، وليس على شرطٍ واحدٍ منْهما. هكذا حكَى هذهِ المراتبَ عن أئمةِ الحديثِ جماعةٌ من المصنِّفينَ من متأخرِّيهم: السيدُ العلامةُ محمدُ بنُ إبراهيمَ الوزير ـ (١) ﵀؛ فإذا وجدنا صفةً من صفاتِ الصلاةِ الثابتةِ عنه ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ وهي من أحدِ هذهِ الطُّرُقِ السَّبْعِ، ولم ينازِعْ في صِحَّتِها منازعٌ من الأئمةِ المعتبرينَ فهيَ صفةٌ متفقٌ عليها لما سلفَ [٦]؛ فإنْ قلتَ: هل يمكنُ جمعُ ألفاظِ الصلاةِ الواردةِ في الأحاديثِ الصحيحةِ، حتَّى يكونَ المصلِّي بها مصلِّيًا بجميعِ المأثورة؟ قلت: نعمْ، قد تصدَّى لجمعِ ذلكَ النوويُّ في شرحِ المهذَّبِ (٢) فقال: ينبغي أنْ يجْمَعَ ما في الأحاديثِ الصحيحةِ فيقولُ: اللهمَّ صلِّ على محمدٍ النبيِّ الأميِّ، وعلى آل

стр. 4704

محمدٍ، وأزواجِهِ، وذريَّتِهِ، كما صليتَ على إبراهيمَ وعلى آل إبراهيمَ، وباركْ على محمدٍ، وأزواجِهِ، وذريَّتِهِ، كما باركتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ في العالمينَ إنك حميدٌ مجيدٌ. قال العراقيُّ: بقيَ عليه مما في الأحاديثِ الصحيحةِ ألفاظٌ أُخَرُ، وهي خمسةٌ بجمع الجميعِ. قولك: اللهمَّ صلِّ على محمدٍ، عبدِكَ ورسولِكَ، النبيِّ الأميِّ، وعلى آلِ محمدٍ وأزواجِه أمَّهاتِ المؤمنينَ، وذريَّتِهِ وأهل بيتهِ، كما صلَّيتَ على إبراهيمَ، وعلى آل إبراهيمَ إنك حميدٌ مجيدٌ. اللهم باركْ على محمدٍ النبيِّ الأميِّ، وعلى آلِ محمدٍ وأزواجِه وذريته، كما باركتَ على إبراهيمَ في العالمينَ، إنكَ حميدٌ مجيدٌ انتهى. فهذا جملةُ ما اشتملتْ عليهِ الأحاديثُ الصحيحةُ من الألفاظِ، فينبغي للمصلِّى إذا أرادَ أن يَجْمَعَ بين جميعَ ألفاظِ الصلاةِ المأثورةِ أنْ يصلي هذه الصلاةَ، فإنِ اقتصرَ على نوعٍ من الأنواعِ الثابتةِ من طريقٍ صحيحةٍ كما أسلفنا من تلكَ الصفاتِ، فلا شكَّ أنَّه قد صلَّى على النبيِّ ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ صلاةً مُتَّفَقًا على أنَّها مأثورةٌ لما تقدّمَ، ولكنَّ الأكَمََلَ الجَمْعُ ليكونَ متمثِّلاً لجميع ما أرشدَ إليه الشارعُ. وفي هذا المقدارِ كفايةٌ. انتهى من تحرير المجيبِ عزِّ الدينِ محمد بن على الشوكانيِّ حفظه الله تعالى، ومتَّع بحياته. كان تاريخ الجوابِ عَشْرَ شهرِ الحجةِ الحرامِ سنة ١٢٠٨ ثمانٍ ومائتينِ وألفٍ.

стр. 4705

ثم عاود المجيبُ ـ حفظه الله ـ السائل عافاه الله ـ بسؤال لفظُهُ: حَرَسِكُمُ الله تعالى وتولاَّكُم. قد أفدتُم في الجواب بما يُثْلِجُ الصَّدرَ، وينشرحُ بهِ الخاطرُ أدام الله إفادتَكُم، وكافاكم بالحُسنى، وجزاكم اللهُ خيرَ الجزاء. وبقيَ طرفانِ سهَى السائلُ عن إيرادهِهما، وهو أنَّ مَنْ صلَّى على النبيِّ ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ تلكَ الصلاةَ التي لفظها: اللهم صلِّ وسلِّم على محمدٍ، حيثُ لم يَرِدْ بها حديثٌ صحيحٌ، هل يشمَلُهُ قولُهُ ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ: «من صلَّى عليَّ صلاةً واحدةً صلَّى الله عليه بها عشرًا» أم لا يشتملُ إلا مَنْ صلَّى الصلاةَ التي أرشدنا إليها المصطفى ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ؟. الطرف الثاني: أنَّ العلماء قد قالوا: إنَّ الصلاةَ من الله الرحمةُ ومن الملائكةِ الاستغفارُ ومن العبدِ الدعاءُ، ما تلكَ الصلاةُ العشْرُ الذي جازى الله بها العبدَ على صلاته، على النبيِّ ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ، هل هي رحمانةُ عشرٍ يرحمُ اللهُ بها العبدَ، وإن زاد الفرعُ على الأصلِ [٧] فهوَ فضلٌ من اللهِ، وهل هي الرحمةُ تعمُّ النبيَّ ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ والعبدَ، أو تختلفُ الرحمةُ باختلافِ النبيِّ ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ والعبدِ؟ فأفضلوا بإيضاحِ الفائدةِ. جزيتم الجنةَ ونعيمَها، فارقموا الجوابَ في قفا هذه الورقةِ وسأنقله في تلك النسخةِ، وأنقله لنفسي، وأرسل ذلك إليكم ـ تولى الله إعانتكم، وكتب ثوابَكُم، بحقِّ محمد (١) وآله، والسلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ وبركاتُهُ.

стр. 4706

ثم ذكر المجيبُ ـ حفظه الله، ومتع بحياته ـ. ولفظه: حفظكم الله، وتولاَّكم، وشريفُ السلام عليكم، ورحمةُ اللهِ وبركاتُهُ، ولا زالتْ فوائِدُكُم وافدةً. قد عرفتم مما سلفَ أنَّ أقوالَ القائلِ: اللهمَّ صلِّ على محمدٍ، وعلى آل محمدٍ صلاةٌ يصْدُقُ عليها مُطْلَقِ القرآن (١) ومطلقُ الأحاديثِ (٢) الصحيحةِ، فيستحقُّ فاعلُها ما وردَ من الإثابةِ على مُطلَقِ الصلاةِ، وليس من شرطِ ذلكَ أنْ تكونَ الصلاةُ التي يفعلها العبدُ على صفةٍ ثبتتْ عنه ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ بلِ المعتبرُ صدقُ اسمِ الصلاةِ المأمورِ بها عليها، وإن كانتِ الصلاةُ التي وردَ بها التعليمُ أتمَّ وأكملَ وأفضلَ، ولكنَّ ذلك لا يستلزمُ أنْ تكونَ غيرُها من الصَّلواتِ غيرَ داخلةٍ تحتَ ما رسمَهُ ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ من الأجورِ للمصلِّي، ورغَّبَ فيه. والحاصلُ أن الترغيباتِ المطلقةِ صادقةٌ على صفاتِ الصلواتِ المطلقةِ، والصلاةُ المسئولُ عنها فردٌ من الأفرادِ، وصفةٌ من الصفاتِ، ولا مانعَ من أنْ يكْتُبَ اللهُ للعبدِ المصلِّي بإحدى تلكَ الصلواتِ الثابتةِ عنه ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ بطريقِ التعليمِ زيادة على ما يكتبه لمن صلَّى بغيرِها، ولكنَّ تلك الزيادةَ غيرُ مانعةٍ من استحقاقٍ لأصلِ المزيدِ عليهِ، بمجرَّدِ فِعْلِ ما يصدُقُ عليه أنَّه صلاةٌ، كالصورةِ المسئولِ عنها مثلاً، وردَ في حديثِ أنسٍ عندَ النَّسائي (٣) قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ: «من صلَّى عليَّ صلاةً واحدةً صلَّى الله عليهِ بها عَشْرَ صلواتٍ، وحُطَّتْ عنهُ عَشْرُ

стр. 4707

خطيَّاتٍ، ورُفِعَتْ له عشْرُ درجاتٍ». وللنسائيِّ (١) أيضًا في طريقٍ أخرى عن أبي طلحةَ أنَّه جاءَ النبيَّ ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ ذاتَ يومٍ، والبِشْرُ في وجههِ، فقلنا: إنَّا نرى البِشْرَ في وجِهِكَ، فقالَ: «إنه أتاني مَلَكٌ فقال: يا محمدُ، إنَّ ربَّكَ يقولُ: أما يُرْضيكَ أنْ لا يصلِّيَ عليكَ أحدٌ إلا صلَّيتُ عليهِ عشرًا، ولا يسلِّمُ عليكَ أحدق إلا سلَّمتُ عليهِ عشْرَا»، وأخرج الترمذيُّ (٢) عن ابن مسعود قالك قال رسول الله ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ: «أولى الناس بي يوم القيامةِ اكثرُهُم عليَّ صلاةً». ولا شكَّ أن فاعل الصلاةِ المسئول عنها يصدُقُ عليهِ أنَّه مُصَلٍّ [٨]؛ فيستحقُّ ما ذكرَهُ من صلاةِ اللهِ عليه، ومن حطِّ الخطيَّاتِ، ورفعِ الدرجاتِ، ومن أولويَّتِه بالنبيَّ ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ يومَ القيامةِ، لأنَّ النبي ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ أخبرنا بأنَّه يستحقُّ ذلكَ فاعلُ مطلق الصلاةِ، ولم يقيَّد ذلكَ الاستحقاقَ بكونِ الصلاةِ المفعولةِ هي الصلاةُ التي علَّمنا، وليسَ معنى مطلقِ الصلاةِ المذكورة في الآيةِ والأحاديثِ مجملاً حتى يتوقَّفَ على البيانِ، ولا أولويةُ فِعْلِ الصلاةِ المأثورةِِ يستلزمُ نُقْصاَ مُطْلَقِ الصلاةِ عن استحقاقِ ذلكَ المقدارِ، بل غايتُهُ أن يكونَ فاعِلُها مستحقًا لأجْرٍ زائدٍ على الأجر المذكورِ لمزيَّةِ التأسِّى، وخِصَّيْصةِ التبرُّكِ باللفظ المصْطَفَويَّ.

стр. 4708

وأما سؤالكم عن ماهيَّةِ الصلواتِ الواقعةِ منه ـ جلَّ وعلا ـ في قولِهِ ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ: «صلَّى اللهُ عليه بها عشرًا». فأقول: قد تقرَّر لكم أنَّ الصلاةَ هي منه تعالى الرحمةُ، كما حقَّقها بتلكَ الحقيقةِ علماءُ الشريعةِ، فيكون المرادُ أنَّ الله تعالى يرحَمُهُ عشرَ رحَمَاتٍ، وليس في تعدُّدِ الرحمةِ أمرٌ مُسْتَبْعدٌ، فإنَّه قد ثبتَ تعدُّدُها في الأحاديثِ الصحيحةِ. فأخرج الشيخانِ، (١) والترمذي (٢) عنه ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ أنه قال: «جعل الرحمةَ مائة جزء، فأمسكَ عندَه تسعةً وتسعين، وأنزل في الأرض جزءًا واحدًا، فَمِنْ ذلكَ الجزء يتزاحَمُ الخلائقُ، حتى ترفَعَ الدابةُ حافِرَها عن ولدِهَا خشية أن تصيبه». وأخرجَ مسلمٌ (٣) عن سلمانَ الفارسيِّ قالَ: قال رسول الله ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ: «إنَّ لله تعالى مائةَ رحمةٍ، فمنها رحمةٌ يتراحمُ بها الخلقُ، ومنها تسعٌ وتسعون ليوم القيامةِ». وفي أُخرى له (٤): «أنَّ الله تعالى خلقَ يومَ السماوات والأرضَ مائةَ رحمةٍ، كلُّ رحمةٍ طِباقُ ما بين السماء والأرضِ، فجعلَ منها في الأرضِ رحمةً، فبها تعطفُ الوالدةُ على ولدِها، والوحشُ والطيرُ بعضُها على بعضٍ، فإذا كان يوم القيامةِ أكملَها الله تعالى لهذهِ الرحمةِ».

стр. 4709

وأما سؤالكم ـ حفظكم الله ـ عن كون هذهِ الرحمةِ تعمُّ النبيَّ وسائرَ العبادِ، أو تختلفُ باختلافِ النبيِّ والعبدِ. فأقول: لم يفرِّقِ الجماهيرُ من أهل العلمِ في ذلكَ، بل جعلوا الصلاةَ من الله هي الرحمةَ، سواءٌ كانتْ صلاةً منه تعالى على النبيِّ ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ أو على غيرِه من العبادِ، وهكذا. قال أهل اللغةِ (١) وقال القشيريُّ: هي مِنَ اللهِ لنبيِّهِ تشريفٌ وزيادةُ تكرِمَةٍ، ولسائرِ عبادِهِ رحمةٌ. قال في شرح المنهاجِ (٢): إن معنى قولِنا اللَّهمَّ صلِّ على محمدٍ عظمةٌ في الدنيا بإعلاء ذكُرِهِ، وإظهارِ دعوتِهِ، وإبقاء شرعيَّتِهِ، وفي الآخرةِ تشفيعُهُ في أمَّتِهِ، وتضعيفُ أَجْرِهِ ومثوبتِهِ. انتهى. وهذا المعنى للصلاةِ عليه ـ صلي الله عليه وآله وسلم [٩]ـ هوَ الظاهرُ، ولأنَّ جَعْلَهَا للرحمةِ في حقِّهِ ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ مع عِلْمِنا بأنَّ الله تعالى قد غفرَ له من ذنبِهِ ما تقدَّمَ وما تأخَّرِ، وأتمَّ نعمتَهُ عليهِ، وألحقَه بالصالحينَ من إخوانهِ من الأنبياء، بل رفعَ درجتَه عليهم، وَجَعْلَهُ سيِّدَهُم يكونُ قليلَ الجدْوَى، لأنَّ الرحمةَ في الأصلِ الرأفةُ والمغفرةُ كما في القاموس (٣) وغيره (٤) من كتب اللغةِ، فالصلاةُ على النبيِّ ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ إذا كانت لمجرَّدِ الرحمةِ التي هي المغفرةُ كانتْ تحصيلاً للحاصلِ، وهو ما قد علمناه بنصِّ القرآنِ قبل موتِهِ ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ وما كانَ بهذهِ المثابَةِ لا ينْدُبُ اللهُ تعالى العبادَ إليهِ، ولا يرغِّبُهُم فيه ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ ويبالغ في الترغيبِ، حتى يُرشدَهم إلى فعلِهِ في كل صلاةٍ، ويذمُّ تارِكَهُ عندَ ذكرِهِ، كما أخرجه الترمذيُّ من حديثِ أمير المؤمنين قال: قال رسولُ الله ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ: «البخيل من

стр. 4710

ذُكرتُ عنده فلم يصلِّ عليَّ» (١) وكما في حديثِ: «رَغِمَ أنفُ من ذُكِرْتُ عندَه فلم يصلِّ عليَّ». (٢) إذا تقرَّر هذا فلا بُدَّ أنْ يُجْعَلَ معنى الصلاةِ عليهِ لمعنَى يليقُ بهِ كالتعظيمِ، وإظهارِ الدعوةِ، وإبقاء الشريعةِ، والتشفيعِ، وتضعيفِ الأجرِ، والتشريفِ وإلاَّ لزم تحصيلُ الحاصلِ، واللازمُ باطلٌ فالملزومُ مثلُه. وفي هذا المقدارِ كفايةٌ. والله المسْتَعَانُ، وهو حسبي ونِعْمَ الوكيلُ، وصلَّى الله على سيدنا محمدٍ، وآلهِ، ورضيَ اللهُ عن صَحْبِهِ الراشدينَ. آمينَ آمينَ أمينَ. كمل من خطَّ المجيب حفظه الله وجعله لكل معضلة ومشكلة محلاً. بحق محمد الأمين وصحبه الأكرمين.

стр. 4711

(١٩٤) ٤/ ٥ طيب الكلام في تحقيق لفظ الصلاة على خير من حملته الأقدام تأليف محمد بن علي الشوكاني حقَّقه وعلَّق عليه وخرَّج أحاديثه محمد صبحي بن حسن حلاق أبو مصعب

стр. 4712

وصف المخطوط: ١ ـ عنوان الرسالة من المخطوط: طيب الكلام في تحقيق لفظ الصلاة على خير من حملته الأقدام. ٢ ـ موضوع الرسالة: آداب. ٣ ـ أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم، وبه الثقةُ، الحمد لله رب العالمين، الذي علا بحوله ودنا بطوله علا فدنا ودنا فعلى ...... ٤ ـ آخر الرسالة: نقل هذا من خط يده الكريمة دامت إفادته، وكان نقل هذا بعنايته حفظه الله وأعلاه وحسبي الله وكفى وصلى الله على محمد وآله وسلم. ٥ ـ نوع الخط: خط نسخي غير واضح. ٦ ـ عدد الصفحات: ٥ صفحات، ما عدا صفحة العنوان. ٧ ـ عدد الأسطر في الصفحة: ٢٩ سطرًا. ٨ ـ عدد الكلمات في السطر: ١٥ كلمة. ٩ ــ الرسالة من المجلد الخامس من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.

стр. 4713

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه الثقةُ، الحمد لله رب العالمين، الذي علا بحوله ودنا بطوله علا فدنا ودنا فعلى، وملك الآخرة والأولى، الذي دل على ذاته بذاته، وتعالى عن شبهِ الخلائقِ بصفةٍ من صفاته، سبحانه عن إلحاد الملحدين، وجلَّ عن تعطيل المعطِّلين. هو هو لا يعلم قدرَه إلاَّ هو، لا أحد بقادرٍ قدَرَهُ، ولا هو الخليقُ بأن يخالف مخالفٌ بهديه وأمرِه. أحمدُهُ على جزيل نعمهِ، وأشكره على سنى آلائه، ووافر قسْمِهِ، والصلاة والسلام على نبي الرحمة، وسراج الظلمة، وكاشف الغمَّة، من زاده الله على خليقته شرفًا وفخرًا، القائلِ «من صلَّى عليَّ مرةً صلَّى الله عليه بها عشرًا» (١) وعلى آله الذين لن يُقْبَلَ من عبد صلاةٌ إلاَّ بالصلاة عليهم، ولن يوفي رسول الله أجره، كل من جان بمودته لهم، وعنايته بهم، وميلِه إليهم، ورغبته فيهم، وأخْذِه عنهم. وصلاتُه عليهم كلِّ حينٍ آمينَ، اللهم آمينَ. وبعدُ: فهذا سؤال صدَّره الحقير الفقير إلى البحر الغزير، والخِضمِّ الزِّخار، والغيثِ المدرارِ والعمرِ النوار، أستاذِ البشرِ، والعقل الحادي عشرَ، شمس سماء المعالي، وبدرِها المنير العالي، مجتهد العصرِ على جهة الحصر والقصر، عزِّ الملَّةِ، وخرِّيْتِ الأدلةِ، ركنِ الدين اليماني محمد بن على بن محمد الشوكاني (٢) ـ حرس الله ذاته عن الغير، وحماه من كل ضيم وشرٍّ ـ وعليه من ولده شريف السلامُ الأتمُّ، ورحمة الله وبركاته باللفظِ الأعمِّ. نعم هذا السؤال لا يزال يخطرُ بالبال ويحك فيه، ولم يزل الأقل يتطلب، أو عسى نجد

стр. 4714

لدائِه ما يشفيه، ولفاقت ذهنه منه ما يغنيه، فمع كثرة التطلُّب، ومحبة الوقوف على ما تُسْقَى به الغلَّة، وتبرأُ به العِلَّةُ لم أقف منه على طائل، ولم يزده مع الإشكال إلاَّ وفورًا وتكاملاً، حتى أني وقفت على نقل لبعض المحققين فسررتُ حين الوقوفِ عليه، وتاقت النفس لمطالعته، وصرفِ الهمة إليه، وعضضته، بالناجذِ والنابِ، ونظرتَ فيه نظر الناقد البصيرِ من أولى الألباب، وكان وقوفي عليه وقوفَ شحيحَ ضلَّ في التربِ خاتَمُهُ، فلم أعد فيه بسوى خفَّيْ حنينٍ، (١) ووجدت دندنَته وما إليه لمحَ في البينِ، وفهمت أن محطَّ نظره، وغاية مقصده غيرُ ما أريد فهو في وادٍ وأنا في واد، فحينئذٍ قلت: سبحانه الله [أتبلهِتُ] (٢) من أنت في وقته وأوانه، أو [تطيل] (٣) الفكر من قرَّبك الله له في حَلَبةِ ميدانه! هذا لعمري هو التغافُل البالغ إلى غاية، والتساهل الواصل أرفَ نهاية، فتراني قد وجَّهته إليك، وعوَّلت في كشف مُدْلهمَّه بعد الله عليك، فأنت ـ حفظك الله ـ وارثُ العلوم عن أربابها بالتعصيب لا بالرَّحامة، وفاتحُ مربحاتِها بفتوح من الله تعالى وكرامة، مع مدة تعب ونصَبٍ فُقْتَ به جميعَ الأقران، وسُدْتَ به كلَّ ما هو في جميع البلدان [١أ] ومحطّ إليه إلى هو أن يقال: قال الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٤)

стр. 4715

وفي الصحيح (١) أنها لما نزلت جاء جماعة من الصحابة ﵃ إليه ـ عليه وآله الصلاة والسلام ـ فقالوا: يا رسول الله قد عرفنا السلامَ عليك، فكيف نصلي عليك إذا نحن صلَّينا؟ فقال: «قولوا: اللهمَّ صلَّ على محمد وعلى آل محمد». إلخ. الرواية على اختلاف ألفاظها، وفي جميعها التصريحُ بأنَّ الصلاة على الجملة الإنشائية الطلبيةِ. (٢) وإذا تقرر هذا فلم أكَدْ أسمعُ، بل وكأني به لم يقع من أحد من المحدثين، ولا غرمتم في قراءة ولا كتب سوى أنه إذا ذكر ـ عليه وآله الصلاة والسلام ـ قال الذاكر هكذا: ـ صلي الله عليه وآله وسلم. وهذه جملة خبريةٌ تفيد الإخبارَ بوقوع صلاة وسلامٍ من الله لا أنها تفيدُ أحداثَ صلاة في الحال كما هو لفظهُ. فإن قيل هذا من باب تنزيل المطلوبِ وقوعُه بمنزلةِ الواقعِ كما إذا قيل لك: ادع لفلان. فقلت: غفر الله له، فكأنك تريد أن تقولَ: اللهم اغفر له، فنزَّلتَ المطلوبَ وقوعُه بمنزلة كأنه قد طلب ووقع. (٣) قلت: هاهنا فرق واضح هو أن الصلاة عليه وآله معلومةُ الوقوعِ من الله ـ سبحانه ـ فالإخبار بوقوعها تحصيلُ حاصل، ولا كذلك طلبُ المغفرة لزيد لنحو حديث: «ولا أنا

стр. 4716

إلاَّ أن يتغمَّدني الله برحمته» (١) وإذا كان المهمُّ هو إحداثَ صلاةٍ من العبد في الآن عند ـ عليه وآله الصلاة والسلام ـ أو يبدأ فكأن القائل ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ يقول أخبركم أنها قد وقعتْ عليه صلاةٌ من الله ـ سبحانه ـ فلم يمتثلْ، إذْ يقول الله: إن الله، ويقول صلُّوا فالمغايرةُ تدل عليه لا سيما أنَّ الصحابة وهم فصحاءُ الألسنِ ومن صميم العرب احتاجوا أن يفزعوا إلى [ ..... ] (٢) جبريل للتعليم، كيف تكون هذه الصلاة المطلوبة من العبد فَعَلَّمَهُمُ، فكيف يكون التخلُّص عن العهدة بغير ما أمر الإنسان به! وكأني بهذه النكتة عقلَ عن التنبه لها المخلَّفون، ولم يعلم ما يترتب عليها المصلون، وكأني بإبليسَ الرجيمِ ـ نعوذ بالله منه ـ ألقى هذه الدسيسةَ، ونمقَ هذا الهجّيرا يريد إحرام المصلين آخر الصلاة لما علم عِظَمَ أجرها، وإكثارَ أهل العلم من ذكرها، فإنْ والبرهان، وإن لم يكن إجمالاً للمعاني، وغفلةٌ عن تصحيح المباني فمثلي أهل لذلك، ومحل يكن ما حررته إشكالاً يحتاج إلى تفكيك وإيضاحٍ وبيانٍ فلديكم غايةُ ما يكون من التبين

стр. 4717

لما هنالك. والذي يجهل يعلم فقد جعلكم الله حملة شريعته [١ب] وجِرانَ علمه وتراجمه. دمتُم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وتحياته كلِّ حين آمين والصلاةُ والسلام على محمد الأمين وآله الميامين كلَّ آنٍ آمين. حرره الحقير إسماعيل بن حسين جغمان (١) ـ غفر الله لهما ـ حامدًا لله مصليًا ومسلمًا على رسوله وآله الطاهرين بتاريخ شهر القعدة الحرام سنة ١٢٤٥.

стр. 4718

وهذا جواب شيخ الإسلام حفظه الله منقول من خط يده الكريمة ولفظُهُ: بسم الله الرحمن الرحيم ـ كثر الله فوائدك ـ: اعلم أنَّ الله ـ سبحانه ـ أمر عباده بالصلاة على رسوله ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ فكان حقُّ الامتثال أن يقولوا صلَّينا على رسول الله بالذي هو يقتضيه الأمرُ بالصلاة من الله لعباده، فكيف وقع منه تعالى الأمر لعباده بالصلاة فوقع امتثالهم بغير ما يقتضيه ذلك الأمر في لغة العرب، فقالوا: اللهم صلّ على محمد إلخ فهو مثل قول الآمر لغيره: قم فقال المأمور له قم. قال لنا : صلُّوا فقلنا: صلِّ. فهذا الإشكال يحتاج إلى جواب قبل الجوابِ على سؤال السائلِ. فإن قلت: أبِنْ لنا جوابَ هذا. قلت: هذه الصلاةُ التي أمر بها ربنا ـ سبحانه ـ عبادَه أنْ يقولوها لرسلِه على شعارٍ عظيم، ولهذا كان مختصًا بالأنبياء مع أنَّ أصل الصلاة في اللغة الدعاءُ كما هو منصوصٌ عليه في صحاح الجوهري، (١) وفي غيره من كتب اللغة، (٢) فكان مقتضى هذه المعنى اللغوي جوازَ قول البعض من العباد للآخر: صلَّيت عليك، لأنه بمعنى دعوتُ لك، لكن هذا الشعارَ لا يجوز أن يكون في غير الربَِ ـ سبحانه ـ. فإن قلت: إذا كان المعنى اللغويُّ ما ذكرتَ فما المانع من التكلُّم به على مقتضى لغة العرب، وإرادة المعنى فيكون قولُ القائل صلَّيت عليك بمنزلةِ قوله دعوتُ لك. قلت: قد عُلم من رسول الله ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ أنه لما نزل الأمر القرآني بالصلاة عليه قالوا له: كيف نصلِّي عليك؟ قال: «قولوا: اللهم صلِّ على محمد

стр. 4719

وعلى آل محمد» إلى آخره، وبيَّنت في ذلك تعليمات منه ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ لأمَّته، وليس في واحد منها أنه قال: «قولوا: صلَّينا عليك»، بل كلُّها واردة بإرجاع الأمر إلى الله ـ سبحانه ـ. وكذلك لم يقل رسول الله ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ لأحد من الأحد: صلِّيتُ عليك، بل كان يحيل ذلك على الله كما في قوله: «اللهمَّ صلِّ على آل أبي أوفي». (١) والنكتةُ في ذلك الاعتراف بعظم أمرِ هذا وتقاصُرِ القُوى البشريةِ عن القيام به، فكأنهم قالوا بلسان الحال في هذا [٢أ] المقام: نحن يا ربَّنا لا نقدِرُ على ما أمرتنا به، فقِوَانا تتقاصَرُ عن القيام به، فرددنا ذلك إليك. ولا بد من هذا التنكيت، لأنَّ تعليم رسول الله ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ لنا كيفية الصلاة التي أمرنا الله ـ سبحانه ـ بها اقتضى أنَّ ذلك هو الحقيقة الشرعيةُ للصلاة المأمورِ بها، والحقيقة الشرعية تنقلُ عن الحقيقةِ اللغويةِ ويكون الاعتماد عليها، لأنَّ الشارع ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ بعثه الله تعالى ليبين للناس ما نزل إليهم، فكان اللائق تفسيرَ الكتاب العزيز بهما. وأمَّا ما سأل عنه السائل ـ كثر الله فوائده ـ فاعلم أنه قد كثر مثلُ ذلك من النبي ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ فكان يقول في الدعاء لأصحابه ﵀ كما قال لآل عامر، فقالوا: يا رسول الله، لو أمتعتنا به (٢) فقد أراد النبيُّ ـ صلي الله عليه وآله

стр. 4720

وسلم ـ بهذا اللفظ إنشاء الدعاء له فالرحمة كما يختص (١) الصحابةَ ولو كان ذلك إخبارًا عن وقوع الرحمةِ له فيما مضي لنزلَ به ما يدلُّ من الشهادة في ذلك الوقت، ومعلوم أنه لم ينزل به إلا بعد هذه الدعوةِ. وهكذا كان يقول لمن يطلب منه الاستغفارَ له: غفر الله لكَ، ونحوُ هذا كثيرٌ. وقد أطلق على ذلك السلف والخَلفُ، فإنهم يقولون عند رواية الحديث عن الصحابي ﵁، ويقولون عند الرواية عن غير الصحابي: ﵀. وقد جعل أهلُ علم البيان هذا اللفظَ أبلغَ مما يدل على الاستقبالِ كالأمر، وجعلوا النكتة في ذلك هي دلالة الماضي المعبر به عن المستقبل على الوقوع، أي أنه قد تحقق وقوعُه فهي وإن كانت بصيغة الماضي فالمراد بها إنشاء الوقوع بخلاف الأمر، فإنه لا يدلُّ إلاَّ على مجرد الإنشاء، ولا يدل على تحقيق الوقوع. ومن ذلك قول القائل: بعتُ شريت، تزوجت، زوَّجْتُ، وهبْتُ، نذرتُ، فهذه جمل إنشائيةٌ لا إخبار به بالاتفاق. ولو كان المراد بها الإخبارَ لم يصحَّ بها شيء من تلك الأمورِ، لعدمِ وقوع مضمونها في الماضى. ومع هذه النكتة التي ذكرها علماء البيان نكتةٌ أخرى هي تأدُّب العبد مع ربه حيث جاء بغير صيغة الأمر، فظهر بهذا أن صيغة الماضي تدل هاهنا على معنى الاستقبال مع زيادة هي تلك النكتة اللطيفة البيانيةُ، والنكتة الأخرى التي ذكرنا، وليس في صيغة الأمر شيء من هاتين النكتتين. ومن هذا القبيل تسليمه على كثير من أنبيائه كما في القرآن

стр. 4721

الكريم، كما في تسليمه على نوح ﵇ (١) ـ، وعلى مَنْ بعدَه من الأنبياء بلفظ: سلامٌ، (٢) فإنَّ أصل ذلك الجملة الفعلية، أي سلَّمتُ سلامًا، وهذا إنشاء سلام عليهم من الربَّ إخبارٌ، وإنما عدل به إلى الرفع ليفيدَ الدوامَ والثباتَ الذي هو مدلول الجملِ الاسميةِ، كما هو مقرَّر [٢ب] في علم البيان بخلاف الجمل الفعلية، فإنها ربما تدل على مجرد الحدوث مع زيادة التجدُّدِ في المضارعية. فعرفت بهذا أنَّ صيغة المضيِّ في مثل ذلك أدلُّ على الوقوع وأبلغ، وفي هذا المقدار كفاية، والله ولي التوفيق. وقد اقتصرنا على بيان تسويغ مثل ذلك اللفظ الذي سأل عنه السائل، ولا يقال أنه لم يوجد في البيانات النبوية كهذه الصلاة، لأنا نقول لم يرد في التعليمات النبوية ما يدل على انحصار الصلاة المشروعة في اللسان النبوي، ولهذا كثُرتِ الأحاديثُ المبيَّنة لألفاظ الصلاةِ، واختلفتْ اختلافًا كثيرًا وهي ما بين صحيح لا شك في صحته، وحسنٍ لذاته أو لغيرهِ، وبعضُها فيه مقالٌ، لكنه لا يخرج عن القسم المعمولِ به لكثرةِ طرقِه، وشهادة بعضِها لبعضِ، مع أنه قد ورد ما يصلُح للاحتجاج به على ذلك. فأخرج النسائي (٣) بإسناد صحيح، والطبراني، (٤) والحاكم (٥) في الدعاء في قنوت الوتر أنه قال النبي ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ في آخره: وصلى الله على النبيِّ، وهو

стр. 4722

من حديث الحسنِ السِّبْطِ ﵁ قال: علمني رسول الله ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ كلمات أقولهنَّ: «اللهم أهدني فيمن هديت» إلى آخره. وقد اتفق عليه أهلُ السنن الأربع، (١) وابن حبان، (٢) والحاكم، (٣) وابن أبي شيبة. (٤) وإلى هنا انتهى الجواب. كتبه محمد بن على الشوكاني ـ غفر الله لهما ـ نقل هذا من خط يده الكريمة دامت إفادته، وكان نقل هذا بعنايته حفظه الله وأعلاه وحسبي الله وكفى وصلى الله على محمد وآله وسلم.

стр. 4723

(١٩٥) ٢٤/ ٤ بحث في الأذكار الواردة في التسبيح تأليف محمد بن علي الشوكاني حقَّقه وعلَّق عليه وخرَّج أحاديثه محمد صبحي بن حسن حلاق أبو مصعب

стр. 4724

وصف المخطوط: ١ ـ عنوان الرسالة من المخطوط: بحث في الأذكار الواردة في التسبيح. ٢ ـ موضوع الرسالة: الأذكار. ٣ ـ أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم. سبحانك اللهمَّ وبحمدك، لا أحصى ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك، والصلاة والسلام على رسولك وآله وبعد. فإنه ورد في الأذكار من الكتاب والسنة ..... ٤ ـ آخر الرسالة: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم. وفي هذا المقدار كفايةٌ لمن له هداية والله ولي التوفيق .. ٥ ـ نوع الخط: خط نسخي. ٦ ـ عدد الصفحات: ٣ صفحات. ٧ ـ عدد الأسطر في الصفحة: ٣٠ سطرًا. ٨ ـ عدد الكلمات في السطر: ١٣كلمة. ٩ ــ الرسالة من المجلد الرابع من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.

стр. 4725

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سبحانك اللهمَّ وبحمدك، لا أحصى ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك، والصلاة والسلام على رسولك وآله وبعد: فإنه ورد في الأذكار من الكتاب والسنة عمومًا وخصوصًا ما هو معروف، ولكنه ورد في خصوص التسبيحِ من الآيات أكثرُ مما ورد في غيره من الأذكار وكان ذلك مشعرًا بمزيد شرفِهِ، ودالاً علي أنافةِ فضلِه، وعظيم أجْرِه. فمن ذلك قوله ـ سبحانه ـ: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (١) ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (٢) فإن المجيء بالتسبيح من الملائكةِ عند الاعترافِ منهم بعدم العلم إلاَّ العلمَ الذي علَّمهم الله ـ سبحانه ـ يدل على أن التسبيح عظيم الشأن, جليلُ المقدار. وفمن ذلك قوله ـ سبحانه ـ ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ (٣) , فإنه ـ سبحانه ـ جاء بهذا التسبيح ردًَّا على من قال إنه اتَّخذ تعالى ولدًا. ومن ذلك قوله ـ سبحانه ـ ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ , (٤) فإنهم جعلوا ذلك وسيلةً إلى الوقاية من عذاب النار. وقال ـ سبحانه ـ ردًا من جعلَ الآلهة ثلاثةً: ﴿وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ

стр. 4726

وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ (١) ثم قال المسيح ﵇ ردًا من قال إنه أدَّعى الألهية: ﴿سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ (٢) وكذلك قال الله ـ سبحانه ـ ردًا على من جعل لله شركاء الجنَّ كما حكاه عنهم بقوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (٣) وكذلك قال موسى ـ عند توبته من سؤال ما ليس له كما حكاه الله عنه ـ بقوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤) وكذا حكى الله ـ سبحانه ـ عن الذين لا يستكبرون عن عبادته فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ , (٥) وقال في الآية الأخرى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ

стр. 4727

عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (١) وقال في ذكر أهل الجنة: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ (٢) وقال: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٣) وقال سبحانه: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ (٤) وقال: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٥) وقال مرشدًا إلى التسبيح: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ (٦) وقال سبحانه منزِّلهاً لنفسِه عن الشركِ به: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٧) وقال سبحانه عند الإسراء برسوله ـ صلي الله عليه وسلم ـ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (٨) فعنون هذا الأمرَ العظيم في صدرِ هذه

стр. 4728

السورة بالتسبيح. وقال ـ سبحانه ـ منزِّها لنفسه عما كان يفعلُه المشركون: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ , (١) ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (٤٢) سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤٣)﴾ (٢) وقال ـ سبحانه ـ حاكيًا عن السماوات والأرض ومن فيهنَّ ـ: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ , (٣) فانظر هذه الخصيصةَ الجليلةَ للتسبيح حيث صارَ ذكرًا لكل حيوانٍ, وكلِّ جماد, وليس في الأذكار الواردةِ في الكتاب والسنةِ ما له المزيةُ العظيمةُ, والفضيلة الشريفة. وقال ـ سبحانه ـ معلمًا لرسوله ـ صلي الله عليه وسلم ـ بما يجيب به على المشركينَ حيث قالوا: ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ (٤) وقال ـ سبحانه ـ حاكيًا عن أهل العلم وما يصنعونَه عند تلاوة آيات الله عليهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨)﴾ (٥).

стр. 4729

وكذلك قال في الإرشاد إلى الاستكثارِ من التسبيح: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ [٢أ] أَنْ سَبِّحُوا [بُكْرَةً] (١) وَعَشِيًّا﴾ (٢). ومن ذلك قوله ـ سبحانه ـ: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٣) وقال سبحانه: ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (٣٤) إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا (٣٥)﴾ (٤) فذكر التسبيحَ بخصوصِه, ثم عمَّمَ الذِّكْرِ فداَّ ذلك على مزيد شرفِهِ. وقال في أمره ـ سبحانه ـ لرسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ أن ستدفع شر المشركين بالتسبيح: فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ (٥). وقال ـ سبحانه ـ حاكيًا عن الملائكة المقرَّبين أنهم يسبِّحون دائمًا: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ (٦). وقال سبحانه في ردِّ قول من قال بتعدُّد الآلهةِ: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (٧).

стр. 4730

وكذلك قال في لردِّ على من قال: إنه اتَّخذ ولدًا: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ (١). وكذلك حكى ـ سبحانه ـ عن ذي النون أنه استغاثَ بالتسبيح فقال: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (٢). وكذا قال سبحانه في الردِّ على من زعم أنه اتَّخذ ولدًا أو كان معه شريكٌ: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (٣). وكذلك قال سبحانه في مثل ذلك: ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ (٤). وقال سبحانه حاكيًا عن قوم لازَمُوا التسبيح: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ (٥) وقال ـ سبحانه ـ حكايةً عن جميع مخلوقاته أنها مسبِّحةٌ له: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ (٦)
следующие страницы →