وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ (١)
ثم قال المسيح ﵇ ردًا من قال إنه أدَّعى الألهية: ﴿سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ (٢)
وكذلك قال الله ـ سبحانه ـ ردًا على من جعل لله شركاء الجنَّ كما حكاه عنهم بقوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (٣)
وكذلك قال موسى ـ عند توبته من سؤال ما ليس له كما حكاه الله عنه ـ بقوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤)
وكذا حكى الله ـ سبحانه ـ عن الذين لا يستكبرون عن عبادته فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ , (٥) وقال في الآية الأخرى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ
стр. 4727
عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (١)
وقال في ذكر أهل الجنة: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ (٢) وقال: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٣)
وقال سبحانه: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ (٤)
وقال: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٥)
وقال مرشدًا إلى التسبيح: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ (٦)
وقال سبحانه منزِّلهاً لنفسِه عن الشركِ به: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٧)
وقال سبحانه عند الإسراء برسوله ـ صلي الله عليه وسلم ـ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (٨) فعنون هذا الأمرَ العظيم في صدرِ هذه
стр. 4728
السورة بالتسبيح.
وقال ـ سبحانه ـ منزِّها لنفسه عما كان يفعلُه المشركون: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ , (١) ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (٤٢) سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤٣)﴾ (٢) وقال ـ سبحانه ـ حاكيًا عن السماوات والأرض ومن فيهنَّ ـ: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ , (٣) فانظر هذه الخصيصةَ الجليلةَ للتسبيح حيث صارَ ذكرًا لكل حيوانٍ, وكلِّ جماد, وليس في الأذكار الواردةِ في الكتاب والسنةِ ما له المزيةُ العظيمةُ, والفضيلة الشريفة.
وقال ـ سبحانه ـ معلمًا لرسوله ـ صلي الله عليه وسلم ـ بما يجيب به على المشركينَ حيث قالوا: ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ (٤)
وقال ـ سبحانه ـ حاكيًا عن أهل العلم وما يصنعونَه عند تلاوة آيات الله عليهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨)﴾ (٥).
стр. 4729
وكذلك قال في الإرشاد إلى الاستكثارِ من التسبيح: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ [٢أ] أَنْ سَبِّحُوا [بُكْرَةً] (١) وَعَشِيًّا﴾ (٢).
ومن ذلك قوله ـ سبحانه ـ: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٣)
وقال سبحانه: ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (٣٤) إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا (٣٥)﴾ (٤) فذكر التسبيحَ بخصوصِه, ثم عمَّمَ الذِّكْرِ فداَّ ذلك على مزيد شرفِهِ.
وقال في أمره ـ سبحانه ـ لرسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ أن ستدفع شر المشركين بالتسبيح: فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ (٥).
وقال ـ سبحانه ـ حاكيًا عن الملائكة المقرَّبين أنهم يسبِّحون دائمًا: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ (٦). وقال سبحانه في ردِّ قول من قال بتعدُّد الآلهةِ: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (٧).
стр. 4730
وكذلك قال في لردِّ على من قال: إنه اتَّخذ ولدًا: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ (١).
وكذلك حكى ـ سبحانه ـ عن ذي النون أنه استغاثَ بالتسبيح فقال: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (٢).
وكذا قال سبحانه في الردِّ على من زعم أنه اتَّخذ ولدًا أو كان معه شريكٌ: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (٣).
وكذلك قال سبحانه في مثل ذلك: ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ (٤).
وقال سبحانه حاكيًا عن قوم لازَمُوا التسبيح: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ (٥)
وقال ـ سبحانه ـ حكايةً عن جميع مخلوقاته أنها مسبِّحةٌ له: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ (٦)
стр. 4731
وقال ـ سبحانه ـ: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ (١)
وقال ـ سبحانه آمرًا لرسوله ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ بالتوكُّل عليه، والتسبيحِ له: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾ (٢)
وقال ـ سبحانه ـ: ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٣)
وقال ـ سبحانه ـ: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٤)
وقال سبحانه مرشِدًا إلى ملازمة التسبيحِ: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ (٥)
وقال سبحانه: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. (٦)
وقال سبحانه في وصف المؤمنين بآياتهِ: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ .................................
стр. 4732
لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾. (١)
وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢)﴾ (٢)
وقال سبحانه حاكيًا عن صالحي عبادِهِ: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ (٣)
وقال ـ سبحانه ـ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٤)
وقال ـ سبحانه ـ: ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٥)
وقال ـ سبحانه ـ حاكيًا عن ذي النون: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤)﴾ (٦) وقال ـ سبحانه ـ دافعًا لما قاله المشركون: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٥٨) سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٥٩)﴾ (٧) وقال ـ سبحانه ـ في مثل ذلك: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠)
стр. 4733
وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ (١)
وقال ـ سبحانه ـ في الردّ على المشركين: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ (٢)
وقال ـ سبحانه ـ في مثل ذلك: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٣)
وقال ـ سبحانه ـ حاكيًا عن الملائكة أنهم يسبِّحونه: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٤)
قال ـ سبحانه ـ: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ (٥).
قال ـ سبحانه ـ مخبِرًا عن تسبيحِ ملائكِته: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ (٦).
قال سبحانه مرشدًا عباده إلى التسبيح: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ
стр. 4734
مُقْرِنِينَ﴾ (١).
وقال ـ سبحانه ـ: ﴿سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (٢).
وقال سبحانه: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ (٤٠)﴾ (٣). وقال في الرد على المشركين: ﴿أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٤).
وقال - سبحانه - مرشدًا لرسوله - صلي الله عليه وسلم - إلى التسبيح: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (٤٨) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ (٤٩)﴾ (٥). وقال سبحانه: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ (٦).
وقال سبحانه حاكيًا عن مخلوقاته في السماء والأرض: ﴿(سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)﴾ (٧).
وقال - سبحانه - في مثل ذلك: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ
فهذه جملةُ ما ورد من الكتاب العزيز, ولم يردْ في غيره من الأذكار في الكتاب العزيز ما ورد فيه, وهذه الآياتُ الكريمات قد دلَّت على أن هذا اللفظَ ليس هو لمجرد التنزيهِ فقط كما يفهم ذلك من له فهمٌ صحيح.
وإذا قد عرفتَ ما ورد في شرفهِ وفضلهِ في الكتاب العزيز فلنذكرْ بعضَ ما ورد في ذلك من السنةِ المطهرةِ فمن ذلك حديثُ أبي الدرداء أنه - صلي الله عليه وسلم - قال له: ((ألا أعلِّمك شيئًا هو أفضلُ من ذكركَ لله الليلَ مع النهارِ؟ سبحان الله عدَدَ ما خلَقَ الله, وسبحانَ الله عددَ كلِّ شيءِ, وسبحان الله ملءَ كل شيءٍ, وسبحان الله عددَ ما أحْصَى كتابُه, وسبحانَ الله ملءَ ما أحصَى كتابُه)) الحديثُ أخرجهُ البزار (١) والطبرانيُّ. (٢)
قال في مجمع الزوائد: (٣) رواه الطبرانيُّ والبزَّار, وفيه ليثُ بن أبي سليم, وهو ثقةٌ, ولكنه مُدَلِّسٌ, (٤) وأبو إسرائيلَ الملائي حسنُ الحديثِ, (٥) وبقية رجالهما رجالُ الصحيح, وأخرجه النسائي, (٦) وابن حبان, (٧) وأحمد, (٨) والطبراني (٩) من حديث أبي أمامةَ, وصححه ابن حبان, (١٠) وأخرجه أيضًا الحاكم (١١) وصحَّحَهُ.
стр. 4737
وأخرج الترمذي (١) من حديث أبي ذرِّ قال: قال رسول الله - صلي الله عليه وآله وسلم -: ((ألا أخبرك بأحبِّ الكلام إلى الله؟)) قال: قلت: يا رسول الله, أخبرني بأحبِّ الكلام إلى الله, قال: ((إن أحبِّ الكلام إلى الله سبحان الله وبحمده)).
وأخرجه أيضًا مسلمٌ (٢) من حديثه ولفظُه: إن رسول الله - صلي الله عليه وآله وسلم - سئل أيُّ الكلامِ أفضلُ؟ قال: ((ما اصْطَفى الله لملائكتِه أو لعبادِه سبحانَ الله وبحمدِه)).
وأخرجه أيضًا النسائي, (٣) وقال الترمذيُّ: (٤) حسن صحيحٌ.
والأحاديث في فضل هذه الكلمة على انفرادها, وفضلِها وعظيمِ أجرهِا مع غيرها من التوحيد والتكبيرِ والتحميدِ متواترةٌ معروفةٌ. فلا نطيل البحثَ بذكرها فهي معروفةٌ لكل من يعرف السنةَ.
ومنها ما هو في الصحيحين (٥) أو ...............................................
стр. 4738
في أحدهما، (١) ومنها ما هو في غيرهما (٢) وهو صحيح، أو حسن، وناهيك أن الله ـ سبحانه ـ جعل أذكارَ الركوع والسجودِ في الصلاة من التسبيحِ بسبحانَ ربِّيَ العظيم في الركوع، (٣)، وسبحان ربِّيَ الأعلى في السجود.
قد كان رسول الله ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ يعِّلمها من يَفِدُ [٤أ] إلى مكة من طوائفِ العرب وهم مشركونَ كما ورد بذلك الحديثُ. ولم لم يرد في ذلك إلاَّ ما ثبت في صحيح البخاريّ (٤) وغيره (٥) عنه ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ: «كلمتانِ ثقيلتانِ
стр. 4739
في الميزان، خفيفتانِ على اللسان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان اللهِ وبحمدهِ سبحانَ اللهِ العظيم».
وفي هذا المقدار كفايةٌ لمن له هدايةٌ والله ولي التوفيق [٤ب].
стр. 4740
(١٩٦) ٢٤/ ٥
نزهة الأبصار في التفاضل بين الأذكار
تأليف
محمد بن علي الشوكاني
حقَّقه وعلَّق عليه وخرَّج أحاديثه
محمد صبحي بن حسن حلاق
أبو مصعب
стр. 4741
وصف المخطوط:
١ ـ عنوان الرسالة من المخطوط: نزهة الأبصار في التفاضل بين الأذكار.
٢ ـ موضوع الرسالة: الأذكار.
٣ ـ أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه الطاهرين، وبعد.
فإنه ما زال يتكرر السؤال عن من يسبح أو يهلل أو يكبر أو يحمد ....
٤ ـ آخر الرسالة: قوله سبحانه: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ بفحوى الخطاب وفي هذا المقدار كفاية لمن له هداية. كتبه مؤلِّفه محمد بن علي الشوكاني غفر الله لهما.
٥ ـ نوع الخط: خط نسخي مقبول.
٦ ـ عدد الصفحات: ١٢ صفحة + صفحة العنوان.
٧ ـ عدد الأسطر في الصفحة: ٣٦ سطرًا.
٨ ـ عدد الكلمات في السطر: ١٣ كلمة.
٩ ــ الرسالة من المجلد الخامس من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.
стр. 4742
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه الطاهرين.
وبعد.
فإنه ما زال يتكرر السؤال عن من يسبح أو يهلل أو يكبر أو يحمد أو يشكر أو نحوِ ذلك من الأذكار، أو الأدعية مرَّة بعد مرة، حتى يبلغَ ذلك عددًا كثيرًا، وعن من يقول ذلك مرَّة واحدة مضيفًا له إلى عددٍ كثيرٍ، كأن يقول أحدُهما: سبحان الله مثلاً ثم يكرِّر ذلك حتى يبلغَ ألف مرَّةٍ، ويقول الآخر: سبحان الله ألفَ مرَّة، أو قال: فعدد كذا أو زِنَةَ كذا، أو ملء كذا من غير تكريرِ كما فعل الأول، فهل ثواب الأول فوقَ ثواب الآخر لما وقع منه من التكرارِ الذي فيه كثير تعبٍ، ومزيد عمل باللسان، أم هما في الثواب سواء؟
стр. 4743
أقول الجواب فيه أبحاث أربعةٌ، وبها يتضح المراد.
البحث الأول: أنه قد ثبت عن النبي ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ أنه أحال على الأعداد ونحوِِها من العظم والكبرِ، وعلى الوزنِ ونحوِه، فمن ذلك ما أخرجه مسلم في صحيحه، (١) وأبو داود، (٢) والترمذي، (٣) والنسائي (٤) من حديث جويرية. وقد خرجَ من عندها ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ حين صلَّى الصبحَ، وهي تسبح، ثم رجعَ إليها وهي جالسةٌ بعد أن أضحى، فقال لها: «ما زلت على الحالِ التِي فارقتك عليها؟» قالت: نعم. قال: «لقد قلتُ بعدَك ثلاثَ مرَّات. أربع كلماتٍ لو وزِنَتْ بما قلتِ منذ اليوم لوزنتهنَّ، سبحان الله وبحمدِه عددَ خلقه، ورضاءَ نفسِه، وزنةَ عرشه ومِدَادَ كلماتِه».
وفي لفظ لمسلم (٥): «سبحانه الله عدد خلقه، سبحان الله زنَة عرشه، سبحان الله مدادَ كلماتِه». وزاد النسائي (٦) في آخر الحديث: «والحمد لله» كذلك، وفي رواية له «سبحان الله وبحمدِه، ولا إله إلاَّ الله والله أكبر عددَ خلقِه، ورضاءَ نفسِه، وزنةَ عرشِه، ومداد كلماته» فهذا الحديث يدلُّ أعظمَ دلالةِ على أنَّ من أحال على عددٍ ونحوِه يكون له من الثواب بقدرِ ذلك، ولهذا قال ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ لجويرية: «لقد قلتُ بعدَك ثلاثَ مرَّات أربعَ كلماتٍ لو وُزِنَتْ بما قلتِ لوزنتهنَّ» فهذا تصريحٌ منه ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ بأنَّ هذه الكلماتِ التي قالها تعدلُ ما قالته جويرية من
стр. 4744
بعد صلاة الصبح إلى الضحى.
وأخرج أبو داود، (١) والترمذي، (٢) وحسَّنه، (٣) والحاكم، (٤) وابن حبان (٥) وصحَّحاه من حديث سعد بن أبي وقاص أنَّه دخل فتكلَّم على امرأة وبينَ يديها نوى أو حصًى تسبِّحُ به فقال: «ألا أخبرك بأيسرَ عليك من هذا، أو أفضل؟ فقال: سبحان الله عددَ ما خلق في السماء، وسبحان الله عدد ما خلق في الأرض، وسبحان الله عدد ما بينَ ذلك، وسبحان الله عدد ما هو خالقٌ، والله أكبر مثلُ ذلك، والحمد لله مثلُ ذلك، ولا إله إلا الله [١أ] مثلُ ذلك، ولا حول ولا قوة إلاَّ بالله مثلُ ذلك» فهذا فيه أنَّ هذا الذي قاله ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ يعدلُ عدد ما جعلتْه تلك المرأةُ بيد يديها من النوى أو الحصَى، مع كونه أيسرَ عليها، وأفضل مما قالتْه لاشتمالِه على عدد المخلوقاتِ في السماء، وعددِ المخلوقاتِ في الأرضِ التي تلكَ النوى أو الحصى من جملة ما خلقَه سبحانَه في الأرض، وعدد ما سيخلقه الله إليه من بعد ذلك الوقت فلولا أنَّه حصل للذاكر بهذه الأعدادِ جميعُ ما تضمَّنته لما صحَّ الخبر من الصادق المصدوق الذي لا يقول إلاَّ الحقَّ ولا يخبر إلاَّ بالصدق.
وأخرج الترمذي، (٦) والحاكم في ..................................
стр. 4745
المستدرك، (١) وابن حبان (٢) وصحَّحاه عن صفيةَ أمِّ المؤمنين أنَّ النبي ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ دخل عليها وبين يديها أربعةُ آلاف نواةٍ تسبِّح بهنَّ فقال: «يا بنتَ حُييِّ ما هذا؟» قالت: أسبِّح بهنَّ. قال: «قد سبحت منذ قمت على رأسكِ أكثر من هذا» قالت: علِّمني يا رسول الله، قال: «قولي: سبحان الله عددَ ما خلقَ من شيء» ففيه أنَّ هذه الكلمةَ منه ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ عدلتْ أكثر من تلك النوى بل عددَ المخلوقاتِ التي تلك النوى من جملتها.
وأخرج البزار، والطبراني من حديث أبي الدرداء (٣) أنَّه ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ قال له: «ألا أعلِّمكَ شيئًا هو أفضلُ من ذكركَ لله الليلَ مع النهارِ؟ سبحان الله عدد ما خلقَ الله، وسبحان الله ملء ما خلق، وسبحان الله عدد كلِّ شيء، وسبحان الله ملءَ كل شيء، وسبحان الله عددَ ما أحصى كتابُه، وسبحان الله ملءَ ما أحصى كتابه، والحمد لله ملءَ ما خلق، والحمد لله عدد كلِّ شيء والحمد لله ملء كل شيء، والحمد لله عدد ما أحصى كتابُه، والحمد لله ملءَ ما أحصى كتابُه».
قال في مجمع الزوائد (٤): وفيه ليثُ بن أبي سليم وهو ثقةٌ، وأبو إسرائيل الملائي حسنُ الحديث، وبقية رجالهما رجالُ الصحيح.
стр. 4746
فدلَّ هذا على وقوع جميع ما اشتمل عليه الحديث من الأعدادِ وغيرِها. ولهذا جعلَه أفضلَ من ذكر أبي الدرداء لله ـ سبحانه ـ الليلَ مع النهار. وظاهره تفضيلُ ذلك على ذكر أبي الدرداء في ليله ونهار مدَّة عمرِه إلى هذا الوقتِ الذي علَّمه رسول الله ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ أن يقول هكذا.
ومعلوم ذلك، لأنَّ أبا الدرداء وأفعاله من جملةِ ما خلق الله فضلاً عن سائر ما اشتملَ عليه الحديثُ. والظاهر أنَّ المراد بالكتاب هنا اللوحُ المحفوظ الذي يقولُ فيه ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (١)
وأخرج النسائي، (٢) وابن حبان، (٣) والطبراني (٤) من حديث أبي أمامةَ أنَّه قال له النبي ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ: «ألا أخبرك بأكثر أو أفضل من ذكرك الليل مع النَّهارِ والنهارِ مع الليلِ؟ يقول: سبحان الله عددَ ما خلقَ، سبحان الله ملءَ ما خلق، سبحان الله عدد ما في الأرض والسماء، سبحان الله ملءَ ما في الأرض والسماء، وسبحان الله عدد ما أحصى كتابُه، وسبحان الله عدد كلِّ شيء، وسبحان الله ملءَ كلِّ شيء، والحمد لله مثلَ ذلك»، وزاد الطبراني (٥) «وتحمدُ وتسبِّح مثلَ ذلك، وتكبِّرُ مثلَ ذلك» ولم يذكر أحمدُ التكبيرَ، وأخرجه من هذا الوجه ابنُ حبان في صحيحه، والحاكم وقال على شرط الشيخين، وفي إسناده ليثُ بن أبي سليم وهو ثقة وقال في مجمع .....................................
стр. 4747
الزوائد (١): رواه الطبراني من طريقين، وإسنادهما حسن.
وأخرجه الطبراني (٢) من وجه ثالث، وفي إسناده محمد بن خالد الواسطي، (٣) وقد تُكُلِّم فيه، ووثَّقه ابن حبان، وقال: يخطئ ويخالفُ، وبقية رجاله رجال الصحيح.
قال في مجمع الزوائد (٤): ورجال أحمدَ رجال الصحيح [١ب]. والمراد بما وقع في هذه الأحاديث من قوله ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ: «ملء كذا، زنة كذا مداد كذا» الدلالةُ على الكثرة التي لا تحيط بها العقولُ، لأنَّ الكلماتِ الواقعةَ بهذه الألفاظِ هي مجرد أغراض لا تُتَخيَّرُ بنفسها، ويمكن أن يكون المراد أنَّ هذه الكلماتِ لو تجسَّمت وتُخيِّرَتْ كانت ملءَ الأمور وزنتَها ومدادَها.
والمراد بالمدادِ المدُّ وهو: ما يكثُر به الشيء ويزيد. ومن هذا ما ورد في حديث ابن عباس عند مسلم (٥) والنسائي (٦): أنَّه ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ كان إذا رفع رأسه من الركوع قال: «اللهم ربَّنا لك الحمد ملءَ السماوات، وملءَ الأرض، وملءَ ما شئت من شيء بعدُ» الحديث.
وأخرجه أيضًا مسلم، (٧) وأبو داود، (٨) والنسائي (٩) من حديث أبي سعيد الخدري.
стр. 4748
وقد يكون المراد بهذه المقاديرِ المذكورة في هذه الأحاديث هو أجرُ هذه الكلمات، وأنه يحصل لمن تكلَّم بها من الأجر زنةَ عرشِ الله ـ سبحانه ـ، ومداد كلماتِه، وملء السماوات، وملءَ الأرض، وملء ما شاء الله .
ومن ذلك أيضًا ما أخرجه مسلم (١) والترمذي، (٢) والنسائي (٣) من حديث أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ: «الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملأ ما بين السماء والأرض» فإنَّه يجري في هذا الحديث ما ذكرناه من تلك الوجوه، ويؤيد الوجهَ الثالثَ ما ورد من أنَّ ﴿(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)﴾.
تعدِلُ ثلثَ القرآن (٤) وسورةَ إذا زلزلت تعدلُ نصفَ القرآن، (٥) وسورة الكافرين تعدل ربعَ القرآنِ، (٦) وسورة إذا جاء نصر الله تعدل ربعَ القرآن. (٧)
стр. 4749
فإنَّ المراد بالعدلِ هنا الثوابُ، وحصول الأجرِ، وليس المراد المعادلةَ للمقدارِ الذاتي.
ومما يفيد أن هذه الكلماتِ تتجسَّم، وتأتي كذلك ما ثبت عند مسلم (١) من حديث أبي أمامة الباهلي قال: سمعت رسول الله ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ يقول: «اقرءوا الزَّهراوَيْنِ البقرةَ وآل عمران، فإنهما يأتيان يومَ القيامةِ كأنَّهما غمامتانِ أو كأنَّهما غيايتان، أو كأنهما فرقانِ من طيرٍ صوافَّ تحاجَّانِ عن صاحبهما». وهذا وجه رابعٌ، وهو الظاهر لكونه غيرَ محتاج إلى تأويلٍ كما تقدم في الوجوه السابقةِ. ومنه ما ثبت في الصحيحين (٢) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ: «كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان» الحديث.
البحث الثاني: اعلم أنَّه ليس للإنسان في العدد الذي ورد عن الشارع تقديرُه بمقدار معيَّن كأنْ يقول الشارع: من قال: كذا مائةَ مرَّة فله من الأجر كذا فيقول: الذاكر مثلاً: أستغفر الله [٢أ]ـ مائةَ مرَّة، ويكتفي بهذا اللفظ، بل لا بد أنْ يفعلَ ذلك العددَ، ولا يحصلَ له الأجرُ إلاَّ به كما ثبت عند مسلم، (٣) وأبي داود (٤) قال: قال رسول الله ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ: «من قال حين يصبح ويمسي: سبحان الله وبحمده مائةَ مرة لم يأت أحدٌ يوم القيامة بأفضلِ مما جاء به إلاَّ أحدٌ قال مثلَ ذلك أو زاد عليه».
وفي صحيح ............................................
стр. 4750
مسلم (١) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ: «من قال: سبحان الله وبحمده مائةَ مرة حُطَّتْ عنه خطاياه، وإن كانت مثل زبَدِ البحرِ».
وفي صحيح مسلم (٢) من حديث سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ: «أيعجزُ أحدُكم أن يكسبَ كلَّ يوم ألف حسنةٍ؟ يسبِّح مائةَ تسبيحةٍ فيكتب له ألفُ حسنةٍ، أو يُحَطُّ عنه ألفُ خطيئةٍ» وعند الترمذي (٣) والنسائي، (٤) وابن حبان (٥): «وتحطُّ» بدونِ ألفِ التخييرِ.
وفي الصحيحين (٦) من حديث علىٍّ أنَّ فاطمة أتت النبي ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ تسأله خادمًا فقال: «ألا أخبرك بما هو خير لك منه؟ تسبِّحينَ الله عند منامكِ ثلاثًا وثلاثين، وتحمدينَ الله ثلاثًا وثلاثين، وتكبرين الله أربعًا وثلاثين».
وأخرج مسلم، (٧) والترمذي، (٨) والنسائي (٩) من حديث كعب بن عجرة قال: قال رسول الله ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ: «معقباتٌ لا يخيبُ قائلُهنَّ أو فاعلُهن دُبُرَ
стр. 4751
كلَّ صلاة مكتوبةٍ: ثلاثٌ وثلاثون تسبيحةً، وثلاث وثلاثونَ تحميدةً، وأربع وثلاثون تكبيرةً».
وفي الصحيحين (١) وغيرهما (٢) من حديث أبي هريرة قال: جاء الفقراء إلى رسول الله ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ وقالوا: ذهب أهل الدثور من الأموال بالدرجاتِ العُلا والنعيم المقيم، يصلُّون كما نصلِّي، ويصومون كما نصوم، ولهم فضلُ أموالهم، يحجُّون بها ويعتمرون، ويجاهدون ويتصدَّقون فقال: «ألا أخبركم بشيء بما إن أخذتم به أدركتم من سبقكم ولم يدركُّم أحدق بعدكم، وكنتم خيرَ من أنتم بظهرانيهِ إلاَّ من عمل مثلَه؟ يسبحونَ ويحمدونَ ويكبرونَ خلف كلَّ صلاة ثلاثًا وثلاثين» الحديث وورد في الصحيح من كل واحدة منهنَّ عشرًا، وورد أيضًا في الصحيح من كل واحدة منهن إحدى عشْرَةَ.
وفي الصحيحين (٣) وغيرهما (٤) من حديث أبي أيوبَ أنَّ النبي ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ قال: «من قال لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له، له الملكُ، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. من قالها عشر مراتٍ كان كمن أعتق رقبة من ولد إسماعيل» ونحوُ هذه الأعداد المنصوصِ عليها من الشارع فلا يتمُّ ما يترتب عليها من الأجرِ إلاَّ بتكريرها حتى يبلغَ العددَ المنصوص عليه.
البحث الثالث: اعلم أنَّ مقادير ثواب الأقوال والأفعال التي هي غالب الأعمال ليس للعقل فيها مجال، ولا للرأي فيها مدخل بحال من الأحوال، بل ذلك راجع إلى الشرع.
ولا خلاف في هذا بين جميع المتشرعين من المسلمين، وإذا كان الأمر هكذا فمالنا ولهذا السؤال الذي أورده السائل حسبما حكيناه في عنوان هذا البحث! فواجب علينا أن
стр. 4752
نقولَ: سمعْنا وأطعْنا، وليس لنا في ذلك حَلٌّ ولا عقدٌ، ولا قيل ولا قالَ، وهذا الشارعُ الذي بيَّن لأُمَّته ما شرعَهُ الله في كتابه الكريم، وعلى لسانه الطاهرة قال: تلك المقالةَ التي ذكرناها في البحث الأول، ورواها [٢ب] من رواها من صحبه الذين هم خيرُ القرون مسألةً أوضحناها، ثم تلقاه من بعدهم قرنًا بعد قرن، يرويها الآخر عن الأول، والخلف عن السلف. وهل بعد قوله ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ لجويرية: «لقد قلتُ بعدَك ثلاثَ مرات أربعَ كلماتٍ لو وزنتْ بما قلتِ منذ اليومِ لوزنتهنّ».
فهذا تصريح منه ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ فإنَّ هذه الكلماتِ التي قالها ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ تعدُل ما قالتْه جويرية من بعد صلاة الصبح إلى الضحى (١) وقال للمرأة التي بين يديها نوى أو حصَى تسبَّح بهنَّ: «ألا أخبركِ بأيسرَ عليك من هذا أو أفضلَ» وقال في الرواية الأخرى لصفيةَ أمِّ المؤمنين: «لقد سبَّحتُ منذ قمت على رأسك أكْثَرَ من هذا» (٢) وقال لأبي أمامةَ: «ألا أخبرك بأكثرَ أو أفضلَ من ذكرك الليل مع النهار، والنهار مع الليل» (٣) حسبما قدمنا في البحث الأول.
فهل بقي بعد هذا إشكال، أو محلُّ سؤال وهل يحتاج إلى زيادة عليها في حل إشكال الإشكال والخلالِ ما زعمه من انعقاد ما أورده من السؤال، وانكشافِ وجهِ ما ظنَّ أنه محجوبٌ عن أبصار أهل الكمال.
وإذا أراد الزيادة على هذا المقدارِ فلينظرْ ما ذكرناه في البحث الثاني من ثواب الكلمة أو الكلمات التي يتحرَّك بها لسان الذاكرِ من غير تعبٍ، ولا مشقةٍ، ولا قطعِ وقتٍ يعتد به. وقد عدَلَتْ ما عدلت الأعمال الكثيرة، وتأمل ثواب من قال: «لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، له الملك، وله الحمد وهو على كل شيء قدير عَشْرَ مرَّاتٍ فكأنما
стр. 4753
أعتق أربعةً من ولد إسماعيل» (١) فإنَّ تحصيل أربعَ رقاب بالثمن لا سيَّما وهم ممن له شرف في الأصل يحتاجُ إلى القيمة الكثيرة، ثم إلى البحث عنهم حتى يحصلُوا لديه، ثم نقلهم من ملك من كانوا معه إلى ملكه مع كثره الحركة باللسان وبغيره من الجوارحِ، وقد يكون مجر المساومة للبائع في واحد منهم يحتاج أن يتكلَّم بلسانه كلامًا أكْثَرَ من الذكر بذلك الذكر عَشْرَ مرَّات مع ما لاقاه في تحصيل القيمة المدفوعة، وإن كان حصولُهم له من السببي فالأمر أشدُّ وأعظم، لأنَّ من دالة القتالِ والمخاطرةِ بالنفس هي أشدُّ من كل عمل، ومن ظنَّ ممن يلاقي الحروبَ بأن لا يصابَ فقد ظنَّ عجْزًا.
ومما ذكرناه تعلم أنه لا وجه لقول العامَّة من الناس أنَّ الثوابَ على قدر المشقةِ، انظر إلى ما أخرجه أحمدُ، (٢) ومالك في الموطأ، (٣) والترمذي، (٤) والحاكم في المستدرك، (٥) والطبراني في الكبير، (٦) والبيهقي في الشعب، (٧) وابن شاهين في الترغيب (٨) في الذكر كلُّهم من حديث أبي الدرداء قال: قال رسول الله ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ: «ألا أخبركم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليكِكُم، وأرفِعها في درجاتكم، وخيرٌ لكم من إنفاقِ الذهب والفضةِ، وخير لكم من أن تلقوا [٣أ] عدوَّكم فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقكم؟» قال: بلى. قال: «ذكر الله ».
стр. 4754
وقد صححه الحاكم وغيره، وأخرجه أحمد (١) أيضًا من حديث معاذ. قال المنذري (٢) بإسناد حسن. وقال (٣) في حديث أبي الدرداء أنَّ أحمد أخرجه بإسناد حسن. وقال الهيثمي (٤): في حديث أبي الدرداء: إسناده حسن. وقال: في حديث معاذ رجاله رجالُ الصحيح. فتأمَّل ما اشتمل عليه الحديث من ارتفاع فضيلةِ الذكر حتى جعلًه خير الأعمالِ وأزكاها وأرفعَها، فجمعَ بين هذه العباراتِ الثلاثِ، (٥) ولم يقتصر على واحدة منها، وهذا يفيد التأكيد المتبالغَ إلى حد يقصُر عنه الوصفُ، وتعجزُ الأذهانُ عن تصوُّره.
ثم ذكر بعد هذا التأكيد العظيم، والمبالغةِ البليغةِ أنَّ الذِّكر خيرٌ من إنفاقِ ما هو أحبُّ إلى القلوب من جميع عروض المال فقال: «وخير لكم من إنفاقِ الذهبِ والفضة» لأنَّ هذين الجنسين هما أثمانُ جميعِ الأموالِ، وأكثرِها نفعًا لبني آدم، والنفوس بها أشحُّ، وعليهما أحرص، يعلم هذا كلُّ عاقل. ثم جاوز هذا إلى ما النفوس به أشحُّ، وإليه أرغب، وعليه أحرصُ، وهي نفوس بني آدمَ فقال: «وخير لكم من أن تَلْقوا عدوَّكم فتضربوا أعناقَهم، ويضربوا أعناقكم»، ولم يكن التفضيلُ على مجرد بذْل النفوس مطلقًا، بل قيده بما يفيد أنه القتلُ في الجهادِ حيث جعلَ القتال مع من هو عدوٌّ لا يقبل الإسلامَ، فيكون المعنى أنَّ ذكر الله أحبُّ وأزكى وأرفعُ من جميع الأموال التي اقتصر على ذكرِ أعلاها وأكملِها وأحبِّها إلى النفوس، وأرفعها عند الله، فكان دخول غيرِ الذهبِ
стр. 4755
والفضة بفحوى الخطاب، ومن جميع الأفعال التي أعلاها وأفضَلها وأشدُّها الجهادُ مع من يحقٌّ الجهادُ له، وذلك يفوقُ جميعَ الأعمال كائنةً ما كانت، وبذلها في الحق والجود بها لا يساويه عملٌ.
يجودُ بالنفس إنْ ضنَّ الجبان بها ... والجود بالنفس أقصى غاية الجود
فما عدا القتال من الأعمال داخلٌ بفحوى الخطاب. فانظر إلى هذا الأمر العظيم، فإنَّ ذكر الله ـ سبحانه ـ هو مجرَّد حركة لسانِه ليس فيها من التعب والنَّصبِ ما يساوي اشتغالَ المجاهدِ بإلجام فرسِه، أو وضع السُّّرجِ عليها فضلاً عما وراء ذلك، فسبحانه المتفضِّل على عباده بما تقصُر عقولهم عن إدراك كُنْهِهِ، وأفهامُهم عن تصور حقيقتهِ، بل عن تصور رسْمِهِ! ومما يقوي هذا الحديث ما أخرجه أحمد (١) والطبراني (٢) من حديث معاذ عن رسول الله ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ: أنَّ رجلاً سأله: أيُّ المجاهدين أعظمُ أجرًا؟ قال: «أكثرهم لله ﵎ ذكرًا» ثم ذكر الصلاة، والزكاةَ، والحجَّ والصدقةَ كل ذلك ورسول الله ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ يقول: «أكثرهم لله ﵎ ذكرًا [٣ب]». فقال ابو بكر لعمر ﵄: يا أبا حفص ذهب الذاكرونَ بكل خير، فقال رسول الله ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ: «أجل».
ويؤيده أيضًا ما أخرجه الترمذي (٣): أنَّ رسول الله ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ سُئل: أيُّ العباد أفضلُ درجةً عند الله يوم القيامة؟ قال: «الذاكرون الله كثيرًا». قال: قلتُ: ومن الغازي في سبيل الله؟ قال: «لو ضرب بسيفِهِ في الكفارِ والمشركينَ حتى ينكسِرَ ويختضبَ دمًا لكان الذاكرون الله تعالى أفضلَ منه درجةً» قال ...................................
стр. 4756
الترمذي (١) بعد إخراجه: حديثٌ غريب، وما أخرجه ابن أبي الدنيا (٢) والبيهقيُّ (٣) من حديث ابن عمر مرفوعًا وفيه: «ولا شيء أنجى من عذاب الله من ذكر الله » ما أخرجه أحمد، (٤) والطبراني في الكبير (٥) والأوسط (٦)، وابن أبي شيبة في مصنَّفه (٧) من حديث معاذ أنَّ رسول الله ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ قال: «ما عمل ابنُ آدم عملاً أنجى له من عذاب الله من ذكر الله» قالوا: ولا الجهادُ في سبيل الله؟ قال: «ولا الجهاد في سبيل الله إلاَّ أن يضرب بسيفه حتى ينقطَع، إلاَّ أن يضرب بسيفه حتى ينقطع، إلاَّ أن يَضْرِبُ بسَيفِهِ حتى يَنقَطِعَ».
قال المنذري في الترغيب والترهيب (٨): بعد أنْ عزاه إلى الطبراني في الصغير (١/ ٧٧). (٩) رقم (٢٢٩٦). (١٠) في (المجمع) (١٠/ ٧٤). (١١) في (الصغير) (١/ ٧٧) وفي (الأوسط) (٢٢٩٦).
стр. 4757
عن جابر بسند رجاله رجال الصحيح.
وأخرج الطبراني في الكبير (١) من حديث أبي موسى قال: قال رسول الله ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ: «لو أنَّ رجلاً ي حجرِه دراهمُ يقسِمُها، وآخر يذكر الله لكان الذاكر لله أفضلَ». وأخرجه من حديثه الطبراني في الأوسط، (٢) وابن شاهين في الترغيب في الذكر، وفي إسناده جابر أو الوزاع (٣) قال النسائي: منكر الحديث انتهى.
قلت: أخرج له مسلم فلا وجْهَ لإعلال الحديثِ به، وقد حسَّنَ إسنادَهُ المنذريُّ في الترغيب والترهيب. (٤) قال البيهقي: رجاله وُثِّقوا. انتهى.
وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة (٥)، وعنه البيهقي وأحمد في زوائد الزهد (٦) من حديث أبي برزةَ الأسلمي.
وأخرج الطبراني في الأوسط (٧) من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ: «ما صدقةً أفضل من ذكر الله تعالى» هكذا في الجامع الصغير (٨) للسيوطي، وذكره المنذري في الترغيب والترهيب (٩) معزوًّا إلى الطبراني من حديث أبي موسى، وحسَّنه. قال الهيثمي (١٠): في حديث ابن عباس: إنَّ رجاله موثَّقون. وهذه
стр. 4758
النكرة وقعت في سياق النفي فتشملُ الصدقةَ القليلةَ والكثيرةَ من أي نوع كانت، ومن الأدلة الدالة على أنَّ العمل القليلَ قد يكون أفضلَ من العلم الكثير ما أخرجه البخاري (١) ومسلم (٢) وغيرُهما (٣) من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال النبي ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ: «أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلثَ القرآن في ليلة» فشقَّ ذلك عليهم، وقالوا: أيُّنا يطيقُ ذلك يا رسول الله! قال: «الله الواحدُ الصمدُ ثلثُ القرآن» وأخرجه [٤أ] مسلم (٤) من حديث أبي هريرة، وأخرجه أحمد في المسند، (٥) والنسائي، (٦) والضياء المقدسي في المختارة (٧) من حديث أبيِّ بن كعب، أو من حديث رجل من الأنصار عنه ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ: «من قرأ قل هو الله أحد فكأنما قرأ ثلثَ القرآنِ» قال الهيثمي (٨): ورجاله رجال الصحيح.
وفي الباب أحاديثُ كثيرةٌ استوفيناها في شرحنا لعدة الحصنِ الحصينِ، (٩) فانظر ـ أصلحك الله ـ كم قابلتْ هذه السورةُ! فإنَّ تلاوة ثلثِ القرآن تستغرقُ تلاوتُه شطرَ اليومِ إن لم تستغرقه كلَّه. وهذه السورة يتلوها التالي عند أن ينهضَ للقيام فلا يستوي قائمًا إلا وقد فرغَ منها.
ومن هذا القبيل حديثُ ابن عباس قال: قال رسول الله ـ صلي الله عليه وآله
стр. 4759
وسلم ـ: «إذا زلزلتِ الأرضُ تعدلُ نصفَ القرآن» أخرجه الترمذي (١) والحاكم (٢) وقال: صحيح الإسناد، وفي إسناده يمانُ بن المغيرة، (٣)، وفيه ضعف. ومن هذا القبيل من حديث أنس قال: قال رسول الله ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ: «﴿(قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ)﴾ تعدلُ رُبُعَ القرآن». أخرجه الترمذي (٤) وحسَّنه، وفي إسناده سلمةُ بن وِرْدَانَ، (٥) وفيه مقال. وأخرجه أيضًا الترمذي (٦) والحاكم (٧) وقال: صحيح الإسناد، وفيه يمان بن المغيرة، وفيه المقال المتقدم.
ومن ذلك حديث ابن عباس قال: قال رسول الله ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ: «﴿(إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ تعدل ربع القرآن» أخرجه الترمذي (٨) وحسَّنه، وفي إسناده سلمة بن وردان, وفيه مقال كما تقدم.
من أول ص٥٩٣١ إلي آخر ص٦١٢٢
стр. 4760
البحث الرابع: اعلم أيها السائل ـ أرشدك الله ـ أنا قد أوضحنا لك الجواب, وعددنا الطرق الرافعة للإشكال, بحيث إن طريقة واحدة منها تشرح صدرك, وتميط إشكالك, وترفع إعضالك, لأن الأمر الذي سألت عنه وتحيرت قد قاله وفعله الصادق المصدوق ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ.
والعباد مأمورون بقبول ما جاء به, والتسليم له, والإذعان لما دل عليه, فكيف لا ينثلج لذلك خاطرك, وينشرح له قلبك, وأنت واحد من عباد الله المخاطبين بقوله سبحانه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (١)
وقال سبحانه: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (٢) الآية.
وما دار في خلدك من استبعاد قيام العمل القليل مقام العمل الكثير فهذا وإن كان مجرد وسوسة شيطانية, وتشكيكات نفسية فقد أخبرناك في البحث الثالث المصدر قبل هذا البحث بما ورد في الشريعة المطهرة من الأعمال التي قام القليل اليسير منها مقام الكثير الخطير من جنسها, فهل بقي بعد هذا إشكال لذي عقل صحيح وفهم رجيح!.
فإن قلت: قد زال عن صدرك الحرج, واتضح لك الأمر, ولم يبقى لديك شيء من هذا الوسواس الذي زينه لك الخناس الذي يوسوس في صدور الناس, فها أنا أزيدك بيانًا, وأورد لك [٤ب] بعد هذه البراهين برهانًا يجتث الإشكال من أصله ويقطع الإعضال من عرقه, وهو ما أخرجه البخاري (٣) ومسلم (٤) وغيرهما (٥) من حديث أبي هريرة قال: جاء الفقراء إلى رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ وقالوا: ذهب أهل
стр. 4761
الدثور من الأموال بالدرجات العلا والنعيم المقيم, يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم, ولهم فضل أموالهم يحجون بها, ويعتمرون, ويجاهدون, ويتصدقون, فقال: "ألا أحدثكم بشيء بما إذا أخذتم به أدركتم من سبقكم ولم يدركم أحد بعدكم, وكنتم خير من أنتم بين ظهرانيه إلا من عمل مثله: تسبحون وتحمدون وتكبرون خلف كل صلاة ثلاثًا وثلاثين" واختلفنا بيننا فقال بعضنا: يسبح ثلاثًا وثلاثين, ويحمد ثلاثًا وثلاثين, ويكبر أربعًا وثلاثين, فرجعت إليه فقال: "يقول سبحان الله, والحمد لله, والله أكبر حتى يكون فيهن كلهن ثلاثًا وثلاثين" وفي رواية لمسلم من هذا الحديث: "يسبحون, ويحمدون, ويكبرون دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين, إحدى عشرة, وإحدى عشر, وإحدى عشرة؛ فذلك كلُّه ثلاثًٌ وثلاثون". وفي رواية للبخاري (١) من هذا الحديث "يسبحون في دبر كل صلاة عشرًا, ويحمدون عشرًا, ويكبرون عشرًا".
وزاد مسلم (٢) فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله, فقال رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ: "ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء". فعند هذا النص النبوي الثابت في الصحيح طاحت الوساوس, وذهبت الشكوك وارتفع الإشكال, ولم يبق لسؤال سائل مجال, فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
وأخرج البخاري (٣) وغيره (٤) من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ: "إنما بقاؤكم فيما سلف قبلكم من الأمم كما بين صلاة العصر
стр. 4762
إلى غروب الشمس, أوتي أهل التوراة التوراةَ يعملوا بها حتى انتصف النهار, فعجزوا فأعطوا قيراطً قيراطا, ثم أوتي أهل الإنجيل الإنجيلَ, فعملوا به إلى صلاة العصر فأعطوا قيراطًا قيراطا, ثم أوتينا القرآن, فعملنا به إلى غروب الشمس فأعطينا قيراطين قيراطين, فقال أهل الكتابين: أي ربي لأعطيت هؤلاء قيراطين قيراطين, وأعطيتنا قيراطًا قيراطا, ونحن أكثر عمل منهم. قال الله : هل ظلمتكم من أجركم شيئًا! قالوا: لا. قال: فهو فضلي أوتيه من أشاء".
وأوضح من هذه الرواية رواية أخرى للبخاري (١) وغيره (٢) من حديث أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ: "مثلكم ومثل اليهود والنصارى كمثل رجل استأجر قومًا يعملون له عملاً إلى الليل على أجر معلوم, فعملوا له إلى نصف النهار, فقالوا: لا حاجة لنا إلى أجرك الذي شرطت لنا وما عملناه باطلٌ فقال لهم لا تفعلوا, لأكملوا بقية يومكم, ثم ذكر عمل النصارى كذلك [٥أ] إلى العصر, فاستأجر قومًا يعملون بقية يومهم فعملوا فاستكملوا أجر الفريقين كليهما, فذلك مثلهم ومثل ما قبلُوا من هذا النور".
فقوله: "فهو فضلي أوتيه من أشاء", نص بأن مرجع التفضيل بالأجور إلى الرب , فليس لأحد أن يقول: لم كان كذا, أو كيف كان كذا؟ وبعد هذا كله فانظر إلى ما صرح به القرآن الكريم من قوله : ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ (٣) فانظر إلى ما تفيده هذه الأكبريةُ المذكورة بعد الصلاة التي هى أشرف أركان الدين,
стр. 4763
مع كونها تنهى عن الفحشاء والمنكر, فإنها تفيد أن الذكر أكبر من هذه الصلاة الناهية عن الفحشاء والمنكر.
ثم انظر حذف التعلق ما يفيده من الفوائد الجليلةِ, فإنه إذا قدَّر كان عامًَّا فيكون الذكر أكبرَ من كل شيء من الطاعات, وأكبر العبادات, وما عداها من الطاعات دونها, فتكون جميعها داخلة تحت ما يدل عليه قوله ـ سبحانه ـ: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ بفحوى من الخطاب.
وفي هذا المقدار كفاية لمن له هداية, كتبه مؤلفه محمد بن علي الشوكاني ـ غفر الله لهما [٥ب]ـ.
стр. 4764
(١٩٧) ١٢/ ٥
الاجتماعُ على الذكرِ والجهرِ بهِ
تأليف
محمد بن علي الشوكاني
حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه
محمد صبحي بن حسن حلاق
أبو مصعب
стр. 4765
وصف المخطوط:
١ـ عنوان الرسالة من المخطوط: الاجتماع على الذكر والجهر به.
٢ـ موضوع الرسالة: الأذكار.
٣ـ أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم. لا يخفاكم أطال الله بقاءكم, وحرس بكم معالم العلم الشريف, وأقام بكم دعائم الدين.
٤ـ آخر الرسالة: وفي هذا المقدار كفاية لمن له هداية والله ولي التوفيق انتهى.
ولشيخ الإسلام ﵁ في ذلك رسالة أطول من هذا.
٥ـ نوع الخط: خط نسخي مقبول.
٦ـ عدد الصفحات: ٥ صفحات.
٧ـ عدد الأسطر في الصفحة: ٢٣ سطرًا.
٨ـ عدد الكلمات في السطر: ٨ كلمات.
٩ـ الرسالة من المجلد الخامس من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.