فيقال: هؤلاء الذين أجمعوا على ذلك اقتدوا بأهل اللغة العربية, ونطقوا كما نطقوا وقد وجدوهم ينطقون بالابتداء بحرف الهمزة, ونقل ذلك الرواة عنهم في كتبهم المعتمدة فهذا شيء من لغة العرب.
فليت شعري ما وجهُ تخصيصهِ بالسؤال! فإنه لا يختص بمزيد إشكال, بل الوجه فيه كالوجه في غيره من جميع الألفاظِ العربيةِ, وهو السماع المنقول تواتُرًا عن أهل اللغة (١).
стр. 4797
فإن قلت: ربّما كان مراد السائل بالسؤال عن وجه ابتداء المصنفين في علم اللغةِ [٢ب] بالهمزة، فهذا إن كان هو المراد بالسؤال فما أبرده، وأقلَّ جدواه! لأن تقديم بعض الحروف في مصنَّفات الجامعين لمفردات اللغة هو موقوف على الاختيار، فيبدأ من صنَّف بأيّ حرف شاءَ ولا حرجَ عليه في ذلك، وإن أردنا بيان الوجه فهم وجدوا الصبيان في المكتب يبدؤون بها، فرتَّبوا كتب اللغة على ذلك تقريبًا لمن يريد البحث عن شيء من المفردات، لكون ذلك الترتيب هو المألوفَ في تعليم الصبيانِ في المكتبِ. وكان يلزم السائلَ أن لا يقصرَ السؤال على الهمزة، بل يجعل السؤال عامًا فيقول: ولم قدِّمَت الباء على التاء؟ ثم كذلك إلي آخر الحروف. وأما:
الجواب عن السؤال السادس
وهو قوله كلمة [أبجد و] (١) هوَّز ... إلخ، هل هي مهملة أو مستعملة، وما عني بها وما أصلها؟ (٢)
стр. 4798
فيقال: قال مجد الدين في القاموس (١) ما لفظه: (وأبجدْ إلى قَرشَتْ وكَلمن رئيسهم: ملوك مدينَ، وضعوا الكتابة العربية على عدد حروف أسمائهم، هلكوا يوم الظُّلَّةِ فقالت [٢أ] ابنة كَلَمُنْ:
كَلَمنْ هدَّ رُكْنِي ... هُلْكُهُ (٢) يوم المحلَّه
سيِّد القوم أتاه الـ ... حتفُ نارٍ وسط ظلِّه
جُعلتْ نارًا عليهم ... دارُهمْ كالمُضْمَحِلَّةْ
ثم وجدوا بعدَهم ثخذٌ ضَظِغٌ فسموها الروادف) (٣) انتهى.
وقال بعض شعراء مدينَ:
ملوك بني حطي وهو بينهم ... وسعفصُ أهل للمكارم والفخر
هم صمُّوا أهلَ الحجاز بغارةٍ ... كمثل شعاعِ الشمسِ أو طالعِ الفجرِ
وقال آخر أبو جاد، وهواز، وحُطِّي تمادوا في القبيحِ من الخطاب. ولو قدرنا أن الأمر لم يكن هكذا، وأن واضعًا جمعَ حروف الهجاء وجعلَها في هذه الكلماتِ ليسهِّلَ حفظَها لم يكن ذلك بعيدًا من الصواب، ولا يحتاج مثل هذا إلى السؤال.
وقد فعل هذا جماعة قاصدين جمعَ الحروف، إمَّا لأجل ما يتعلق بها من الأعداد، كما في هذه وفي قول القائل: بر تذنق في حيش إلخ، وقول الآخر: قاصد البيان معرفة ترتيب الكتب المرتبةِ على حروف المعجم عليها: أبتْ ثِجَحٌ خَد ذرزٌ [٣أ] وهذا كثير، والمتقدم على الجميع هو الخليل، (٤) فإنه جمع الحروف في بيت له ...............................
стр. 4799
معروف (١) وأما قوله وما ضبطُها؟ فجوابه أنه كما يسمعُه السامعُ من ألسن الناس، فإنه حفظوا ذلك طبقةً بعد طبقة إلى الواضع لها. وأمَّا:
الجواب عن السؤال السابع
وهي قوله وما حكمها في الابتداء والوقف ... إلخ.
فأقول: حكمها حكم الألفاظ قبل التركيب. وقد صرح النحاة أجمعُ اكتعُ أنه ينطقُ بها ساكنةَ الأواخر حتى تُركَّبَ، فإذا ركبت استحقت ما تسحقّه سائر الألفاظ بعد تركيبها، وهذا ظاهر مكشوف ما أظنه يلتبسُ على صغار الطلبة. وأما قوله والمنع والصرف ... إلخ.
فقد عرفت من كلام صاحب القاموس (٢) ما يفيد أنها أسماءُ ملوكٍ من ملوك العجم، فإن صح ذلك كان لها حكم الأسماء التي قد اجتمع فيها العجمةُ والعلميّةُ، والأمر ظاهر لا غبار عليه، وإن كانت موضوعةً من واضع لأحد المقصدين المذكورين فلها حكم ما جاء كذلك، وهو ما ذكره من الكلمات التي هي مسرودة لقصدِ التعديد، لا لقصد التركيب ولا لقصد معانيها. وقد ذكر ذلك جماعةٌ من المفسرين منهم الزمخشري في كشَّافه (٣) عند الكلام على فواتح السَّورِ المفتتحةِ بأسماء الحروفِ [٢ب]، ثم قال الدماميني: فهذه سبعة أسئلة من أجاب عنها فهو من الرجال، وإلاَّ فلا مزية له على الأطفال.
стр. 4800
أقول: هذا مما يقضي منه العجبُ، فإنَّ هذه الأسئلة الباردة القليلةَ الفائدةِ والعائدة كيف يكون من لم يجب عنها فهو في عداد الأطفال، فإن أنواع العلوم مختلفة، وقد رزق الله عباده المشتغلين بالعلم ما رزقهم من أنواعه، وقد يكون الرجلَ جَبَلاً من جبال العلم وبحرًا من بحار الكتابِ والسنة، ويخفي عليه تخريج هذه الأسئلة الزائغة، أو يرغب عن الجواب عنها لما يراه [٣ب] من عدم الفائدة المعتدِّ بها، فكيف يكون من هو بهذه المنزلة العلية لا مزية له على الأطفال! يا عجبًا كلَّ العجب من الدماميني! ولا جرم فالخنفساء تسمِّي بنتِها قمرًا، وقد كان ـ رحمه الله تعالى ـ كثيرَ الزَّهْوِ بنفسه كما يراه الإنسان في كثير من أبحاثه، والسبب خلوه عن العلم بالكتاب والسنة، وما اشتملا عليه من القوارع والزواجر الموجبة على من عرفها أن يميط عن بدنه الكبر والخُيَلاء والزَّهوِ والعُجْبِ، ويغسلَ ثيابَه عن أدران هذه النزغاتِ الشيطانية، ورحم الله صاحبَ ضمد، فإن الدماميني لما دخل اليمن قال البيتين المشهورين له وهما:
لما دخلت اليمنا ... رأيتُ وجهي حسَنا
أَقْبِحْ بها من بلدٍ ... أحسنُ من فيها أنا
ولما وصل إلى ضمد راجعًا، وقد شاع هذان البيتان قصده الضمدي، وطلب منه المناظرة في فنِّه، وهو النحو، وكان قاعدًا على سرير فقال للضمدي: ما قرأت من كتب النحو؟ فذكر له الكافية، ومختصراتِ شروحها فقال: كتاب وضع لتدريب الصبيانِ ثم ماذا؟ قال: ثم الرَّضي، قال: قاربت الكفاءةَ، ثم ماذا؟ قال: ثم شرح التسهيل فقال: كفؤ كريمٌ، ونزل عن سريره، ودارت المباحثة بينهما، فأجاب الضمدي عن كل ما سأله الدماميني عنه، وأورد على الدماميني [٣أ] إشكالاتٍ عجز عن الجواب عنها، فقال له الضمدي: من أحسن من فيها؟ يشير إلى البيتين السابقين، فقال: أنت، وهذا إنصافٌ منه في الجملة، وقد كان عنه في سعَة، ويروي أنه حرَّف البيتين بعد هذه المباحثة فقال:
لما دخلت اليمنا ... رايتُ وجهي خَشِنا
стр. 4801
أكرِمْ بها من بلدةٍ ... أقْبَحُ من فيها أنا
وقد ذكر المسعودي على تقدم عصره، وشُهرِةِ كتابه، (١) فقال: [وقد كان ملوك عدة] (٢) تفرَّقوا في ممالكِ متصلةٍ [ومنفصلة]، (٣) فمنهم المسمَّي [بأبي جاد] (٤) وهوز، وحطي، وكلمن، وسعفص، وقرشات، وهم على ما ذكرناه بنو المحصن بن جندلٍ. وأحرف الجمل هي أسماء هؤلاء الملوكِ. قال: وقد قيل في هذه الحروف [٤أ] غيرُ ما ذكرنا من الوجوه، فكان أبجد ملكَ مكةَ وما يليها من الحجاز، وكان هوَّز وحُطِّي ملكينِ ببلاد وجَّ، وهي أرض الطائف وما اتصل بذلك من نجدٍ، وكلمُن وسعفص وقرشاتُ ملوكًا بمدينَ. وقيل ببلاد مصرَ، وكان كلمن على ملك مدينَ ومن الناس من رأى أنه كان مَلِكَ جميعَ من سمينا مشاعًا متصلاً على ما ذكرناه، وإن عذاب يوم الظلة كان في ملك كلمنْ منهم، وإن شعيبًا ﵇ دعاهم فكذَّبوه فوعدهم بعذاب يوم الظُّلِّةِ ... إلخ كلام المسعودي.
وقد ذكره المقريزي في الخطط والآثار (٥) بأكثرَ من هذا.
وإلى هنا انتهي الجواب والهداية بيد من هي بيده، والحمد لله أولاً وآخرًا.
[انتهى جاب مولانا الإمام، الحافظ، البدر، الهمام، عزَّ الأنام محمد بن علي الشوكاني ـ رحمه الله تعالى ـ وصلى الله على خير خلقِه محمدٍ وآله وصحبِه وسلِّم] (٦).
[وعبارة العلامة عبد الرؤوف المناوي في شرحه على .................................
стр. 4802
القاموس (١) ما لفظه: (وأبجد قرشتْ أي: وقول الناس: أبجد هوز حطي كلمن سعفص قرشت، وكلمن رئيسُهم ملوكُ مدين، أي: أسماء ملوكهم، فقوله: وكلمن رئيسُهم جملة معترضةٌ وضعوا أي الأوائلُ هذه الكتابة العربية على عدد حروف أسمائهم. أصل هذا قول حمزةَ الأصفهاني يُقال أن أول من وضع الكتابة العربيةَ قومٌ من الأوائل نزلوا على عدنانَ بن أدَدٍ، واستعربوا ووضعوا هذه الكتابة على عدد حروف أسمائهم، وكانوا ستة أبجد، هوز، حُطِّي، كلمن، سعفص، قرشتْ، وهم ملوك مدينَ ورئيسهم كلمنْ هلكوا كلهم يوم الظُّلَّةِ فقالت ابنة كلمن تؤنِّبه وترثيه (٢):
كلمن قد هدَّ ركني ... هُلْكُهُ وسْط المحلَّهْ
سيِّد القوم أتاه الـ ... حتفُ نارًا وسط ظْلَّهْ
جُعِلَتْ نارًا عليهم ... دارهُم كالمضمحلَّة] (٣)
стр. 4803
(٢٠٠) ١١/ ١
سؤال: عن الفَرْقِ بينَ الجِنْسِ واسْمِ الجِنْس
وبينَهما وبينَ عَلَمِ الجِنْسِ.
وبينَ اسمِ الجِنْسِ واسْمِ الجمْعِ
وبينَ اسْمِ الجمْعِ
مع الجواب للشوكاني
تأليف
محمد بن علي الشوكاني
حقَّقه وعلَّق عليه وخرَّج أحاديثه
محمد صبحي بن حسن حلاق
أبو مصعب
стр. 4804
وصف المخطوط:
١ ـ عنوان الرسالة من المخطوط: (سؤال عن الفرق بين الجنس واسم الجنس وبينهما وبين علم الجنس وبين اسم الجنس. واسم الجمع وبين اسم الجمع مع الجواب للشوكاني).
٢ ـ موضوع الرسالة: لغة عربية.
٣ ـ آخر الرسالة: وإنَّما نبَّهنا عليه تكميلاً للفائدة، وفي هذا المقدار كفاية وإن كان المقام محتملاً للتطويل.
منقول من نسخة المؤلف حفظه الله تعالي.
٥ ـ نوع الخط: خط نسخي معتاد.
٦ ـ عدد الصفحات: (٤) صفحات.
٧ ـ عدد الأسطر في الصفحة: (٢٧ ـ ٣٣) سطرًا.
٨ ـ عدد الكلمات في السطر: (١١ ـ ١٣) كلمة.
٩ ـ الرسالة من المجلد الأول من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.
стр. 4805
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
هذا جوابُ سؤالٍ وردَ على القاضي العلاَّمة محمد بن علي الشوكاني حفظه الله في شهر ربيع سنةَ ١٢٠٢ عن الفَرْق بينَ الجنسِ واسْمِ الجنسِ، وبينَهما وبينَ عَلَمِ الجنسِ، وبينَ اسمِ الجنسِ واسْم الجمْعِ، وبينَ اسْمِ الجمعِ والجمعِ.
فأجاب بما لفظهُ:
اعلم أنَّها قدِ اختلفتْ اصطلاحاتُ المحقِّقينَ في اسمِ الجنسِ والجِنْسِ، فمنهم من لا يُفرِّق بينَهما، وهو الذي يظهرْ من عباراتِ المتقدِّمينَ، ومحقِّقي المتأخرين، فإنَّهم كثيرًا من يُطْلِقونَ على الشيء الواحد كالتمرِ مثلاً اسمَ الجنس تارةً، والجنْسَ أُخرى. هذا المحقّقُ الرضيُّ (١) صرَّح في بحثِ الكلمةِ (٢) أنَّ التَّمْرِ جِنْسٌ، وكذا في بحثِ التمييزِ. (٣) وصرَّح في بحثِ الجمعِ أنَّه اسمُ جِنْسٍ.
وصرَّح أيضًا في بحث المنادَى (٤) عندَ قولِ ابنِ الحاجبِ (٥) إلاَّ مع الجِنْس أنَّ الرَّجُلَ ونحوَهُ جِنْسٌ. وهكذا غيرُه كابنِ الحاجبِ في الكافيةِ في بحي التمييز، والشافيةِ في بحث الجمعِ. وهكذا المحققُ الجاميُّ فإنَّه صرَّح في بحثِ التمييزِ بأنَّ التمرَ جِنْسٌ، وصرَّح في بحثِ الجمعِ بأنَّه اسم جنس.
وقد وقع مثلُ هذا في مؤلَّفاتِ السَّعْدِ التفتازاني، والشريفِ الجُرجَاني في مواضعَ كثيرةٍ وفرَّقٍ جماعةٌ من المتأخِّرينَ بينَهما بفروقٍ مختلطةٍ مختبطةٍ، فقالَ بعضُهم: إنَّ اسمَ الجِنْس ما يُطْلَقُ على القليلِ والكثيرِ دُفْعَةً واحدةً وإذا أُريد التنصيصُ على واحدةٍ مُيِّزَ بالتاء كَتَمْرٍ
стр. 4806
مثلاً. والجنسُ ما يُطلق على كثيرينَ على طريقِ البدلِ، لا دُفعةً كرجلٍ مثلاً، وما ذكَرَهُ هذا القائلُ في تحقيقِ الجِنْسِ مخالفٌ لما قَالهُ المحقَّقُ الرَّضيُّ (١) فيه، فإنَّه قالَ في بحثِ الكلمةِ: إن الجنسَ يقعُ على القليلِ والكثيرِ (٢) إلخ.
وقال في بحث التمييزِ (٣): إنَّ الجنسَ ما يقعُ لفظُ الواحدِ المجَّردِ عن تاء الواحدةِ منه على القليل والكثير، فَتمْرٌ، وضَرْبٌ جِنْسٌ، بخلافِ رجُلٍ وفرَسٍ، ومخالِفٌ أيضًا لما ذكره المحقِّقُ الجاميُّ في تفسيرِ الجِنْسِ، فإنَّه قال: وهو ما تتشابَهُ أجزاؤه، ويقعُ مجرَّدًا عنِ التاء علي القليلِ والكثيرِ، حتى قالَ: بخلافِ نحوِ رجلٍ وفرسٍ.
وما ذكره في تفسيره اسم الجنسِ مخالفٌ لما ذكرَهُ السَّعْدُ في المطوَّلِ في بحثِ تعريف المسْنَدِ إليهِ باللامِ، فإنَّه جزَم بأنَّ اسْمَ الجِنْسِ موضوعٌ لواحدٍ من آحادِ جنسهِ، فإطلاقُهُ على الواحدِ إطلاقٌ على أصلِ وَضْعِهِ، وإطلاقُهُ على المجموعِ إطلاقٌ على غيرِ الأصْل.
وحقَّقَهُمَا بعضُهم بعكسِ ذلكَ التحقيقِ السابقِ، فقالَ: إنَّ اسْمَ الجِنسِ يُطلَقُ على كثيرينَ على طريقَ البدلِ كَرَجلٍ مثلاً، والجِنْسُ يُطْلَقُ على القليل والكثير دُفعةً واحدةً. وقد حقَّق اسمُ الجِنْسِ بهذهِ الحقيقة ابنُ الحاجبِ في بحثِ المنادي من الكافية (٤) وتَبعَهُ
стр. 4807
المحققُ الجاميُّ. ولا ينافيه عدمُ فَرْقِهِمَا بينَ الجِنْسِ واسْمِ الجنسِ كما سبقَ، وهو لا يِتمُّ إلاَّ على مذهبِ [١] مَنْ يجعلْ اسْمَ الجِنْسِ موضوعًا للماهيَّةِ، ومع وحدةٍ لا يعيِّنها لا للماهيةِ من حيثُ هي كما حقَّقَهُ سيِّدُ المحققينَ في حاشيتهِ على المطوَّلِ، والأولُ مذهبُ ابنِ الحاجبِ، والزمخشريِّ، والسَّعْدِ، والثاني مذهبُ جماعةٍ منهم: المحققُ الشريفُ، فيكونُ إطلاقُ لفظِ الأسدِ مثلاً على كلِّ فردٍ على سبيل البدلِ حقيقةً على المذهبِ الأولِ لأنَّهُ مستعملٌ فيما وُضِعَ له مجازًا على الثاني، ويكون الموضوعُ له أيضًا على الأولِ الماهيةُ بشرطِ شيء، وعلى الثاني الماهيةُ لا بشرط شيءٍ.
وقال الأندلسيُّ: اسمُ الجِنْسِ هو الدالُّ على حقيقةٍ موجودةٍ في أشخاصِ كثيرةٍ مختلفينَ بالشخصِ لا بالحقيقة، نحو: زيدٌ وعمروٌ، فإنَّ اختلافهما ليسَ بالحقيقةِ، بل بالأعراضِ، وهذا هو المتواطئُ عندَ المنطقينَ، وهو النكرةُ عندَ النحاةِ.
والجنسُ هو الجزء التامُّ المشْتَرَكُ المختلِفُ بالحقيقةِ، وكلامُهُ في تحقيق الجِنْسِ مبنيٌّ على اصْطلاحِ المنطقيينَ، فإنَّهم رسموه بالمقولِ على الكثرةِ المختلفةِ. الحقيقيةِ.
وأمَّا ما ذكره في اسم الجنس فليسَ موافقًا لاصطلاحاتهم، لأنَّه رسَمَهُ برسمِ النوعِ عند أهلِ المنطقِ، وهم لا يُطْلِقُونَ على النوع أنَّه اسمُ جنسٍ، ولم يَبْنِ كلامَهُ هذا على مُصْطَلحِ أهلِ الأصولِ في الجنسِ، فإنَّه يرسمونَهُ بِرَسْمِ النوعِ عند أهلِ المنطقِ، قال: العَضُد في شرحِ مختصرِه على المنتهي:
اعلمْ أن اصطلاح الأصوليينَ (١) في الجنسِ والنوعِ يخالف اصطلاحُ المنطقيينَ، فالمنْدرجُ
стр. 4808
جنسٌ, والآخر نوعٌ, وعند المنطقيِّ بالعكس انتهى. وقد تبيَّنَ بما سلفَ الترادفُ باعتبارِ اصطلاحِ بعضٍ, والتفارقُ باعتبارِ اصطلاحاتِ آخرين. ولا حرج في تفاوُتِ الاصطلاحاتِ لما تقرَّر من أنَّه لا مُُشاحَّةَ فيها. ومن جرَّد النظرَ إلى معناهما اللغويِّ وجدَ الفرقَ بينَهما أوضح من أن يخفى, إذ لا يشكُّ مَنْ له أدنى مَشَكَّةٍ أنَّ المرادَ بالجنسِ المدلولُ وباسمهِ الدالُّ كزيدٍ واسمِ زيدٍ, إلا أنَّ أهلَ الاصطلاحِ لم يلتفتُوا إلى هذا.
وأما الفرقَ بينَهما وبينَ علم الجنسِ, وبينَ الثلاثةِ واسْمِ الجمعِ، وبينَه وبينَ الجمعِ فنقول: إذا قد عرفت مما سلفَ التَّرادُفَ بينَ الجنسِ عند المحققينَ, وأنَّه يُطلقُ كلٌ واحدٍ منهما على ما يُطلقٌ عليه الآخر فالفرقُ بينهما وبين علم الجنس قد وقع فيه اختلاف بين المحققين فقال العلامة السَّعْدُ في المطوَّلِ بما مَحصِّلُةُ أنَّ اسمَ الجنسِ موضوعٌ لواحدٍ من آحاد جنْسهِ, فإطلاقُهُ على الواحدِ إطلاقٌ على أصلِ وَضْعِهِ, وعََلَمُ الجنسِ موضوعٌ للحقيقةِ المتحدةِ في الذهن , (١) فإذا أطلقتَه على الواحدِ فإنَّما أردتَ الحقيقةَ, ولَزِمَ من إطلاقِهِ على الحقيقةِ باعتبارِ الوجودِ التعدُد ضمنًا [٢]. وقال سيِّد المحققينَ في حاشيتهِ على المطوَّلِ: الفرقُ بينَ اسم الجنسِ وعلَمِ الجِنسِ على ما ذكرَهُ يعني السعَّدَ منقولٌ من كلامِ الشيخِ ابن الحاجبِ في شرح المفصَّلِ, وإنما يستقيم على قولِ مَنْ يجعلُ اسْمُ الجِنْسِ موضوعًا للماهيَّةِ مع وَحْدَةٍ لا بعَيْنِها, ويُسمَّى فردًا منتشرًا.
стр. 4809
وأمَّا من يجعلُهُ موضوعًا للماهيَّة من حيث هي فعنده كلٌّ من اسم الجنس وعَلَمِهِ موضوعًا للحقيقةِ المتحدةِ في الذهنِ، وإنما افْتَرَقا من حيثُ إنَّ عَلَم الجِنْسِ يدلُّ بجوهرِهِ على كونِ تلكَ الحقيقةِ معلومةً للمخاطَبِ، معهودةً عندَه، كما أنَّ الأعلامَ الشخصيةَ تدلُّ بجواهرِها على كونِ الأشخاصِ معهودةً له. وأما اسمُ الجِنْسِ فلا يدلُّ علي ذلكَ بجوهِرِه، بل بالأدلةِ إن كانتْ.
وقيلَ: إنَّ اسمَ الجنسِ وُضِعَ لمعني مشتركٍ بينَ أفرادِ الطبيعةِ باعتبارِ اشْتراكِها، وعَلَمُ الجِنْسِ وُضِعَ لِنَفسِ الطبيعةِ باعتبارِ تميُّزِها عن الغيْر، فالوضعُ على الطبيعةِ باعتبار كُلَّيَّتِها اسمُ الجنسِ، وباعتبارِ جُزئيَّتِها عَلَمُ الجنسِ.
وقد أوردَ المحققُ الرضيُّ في الفرقِ بينَهما مادةً نفيسةً في بحثِ الأعلامِ فرَاجعْهُ. وذهب ابنُ مالكٍ في شرح التسهيل إلى أنَّه لا فرقَ بينهما إلاَّ من حيثُ اللفظُ، لا من جهة المعني ومرادُهُ بقولِهِ: من حيثُ اللفظُ أنَّ عَلَمَ الجِنْسِ يمتنعُ من الصرفِ مع عِلَّةٍ أُخرى، ويقعُ مبتدأ بلا مسوِّغٍ، ويجيءُ منْهُ الحالُ بلا مسوِّغٍ أيضًا. ويمتنعُ تعريفه باللامِ خلافَ اسْمِ الجنسِ، والجِنْسُ في ذلكَ كلِّه. وإلى مثلِ هذا ذهبَ أبو حيانَ، وذهبَ جمعٌ من المحققينَ النحويينَ والأصوليينَ كالتَّقي السُّبُكيِّ، والبرماويِّ، وابنِ الحاجبِ في المفصَّلِ، والجلالِ السيوطيِّ في هُمْعِ الهوامعِ، والشيخِ زكريا، والفاكهيِّ، وهو الذي أشار إليه سيبويه في كتابِه، وهو الذي عليهِ جمهورُ المتأخرينَ إلى أنَّ بينَهما فرقًا معنويًّا. وذكر فُرُوقًا متقاربةً أحسنُها ما قدِّمنا ذِكْرَهُ. قالوا: وهو أيْ عَلَمُ الجِنْسِ باعتبارِ مُسمَّياتِهِ ثلاثةُ أنواعِ (١): ما وُضِعَ لأعيانٍ لا تُوْلَفُ كأسامةُ للأسدِ وما وُضِعَ لأعيانٍ تَوْلَفُ كأبي الحجَّاجِ للفيلِ، وأبي صفوانَ للجملِ، وما وُضِعَ لأمورِ معنوية كيَسَارِ للميسرةِ، وفَجَارِ
стр. 4810
للمفْجَرةِ.
إذا تقرَّر لكَ هذا فاعلم أنَّ النسبةَ بينَ اسمِ الجنسِ وعلَمِ باعتبارِ ما هُوَ الأَوْلَي من وجوه الفرقِ بينَهما هي أنَّ اسْمَ الجنس أعمُّ مطلقًا مِنْ عَلَمِ الجنسِ، لأنه موضوعٌ للماهيَّةِ مطلقًا، أعمُّ من أنْ يكونَ موجودُهُ ذِهْنًا فقط، أو ذهنًا وخارِجًا، لكنَّه إنِ اعْتُبِرَ دلالتُهُ عليها لا معَ قيدِ فهوَ المطلقُ، وعمومُهُ شموليٌّ كعمومِ كلِّ، وإنْ اعتُبِرَا مع قيدِ الوحدةِ فهو النكرةُ، وعمومُهُ بدليٌّ كعمومِ رجلٍ.
وأمَّا عَلَمُ الجنسِ فهو أخصُّ مُطْلَقًا، لأنَّهُ موضوعٌ للماهيَّةِ الذهنيةِ فقط، التي لا تُعْقَلُ في الخارجِ بحالٍ، وأمَّا عَلَمْ الشخصِ فهوَ ما وُضِعَ لفردٍ معيَّنٍ من أفرادِ الماهيَّةِ بحيثُ لا يتناولُ غيرَهُ، فهوَ أخصُّ مطلقًا من اسم الجنسِ وعلَمِهِ.
وأمَّا باعتبارِ اللغةِ فالفرقُ ظاهرٌ لا يخفى، لأنَّ علَمَ الجِنْسِ ما وُضِعَ للدلالة علي الجِنْسِ بعينِهِ دونَ غيرهِ، واسمُ [٣] الجِنْسِ ما وُضِعَ للدلالةِ على الجنسِ مطلقًا. وأما الفرقُ بينَ اسمِ الجنسِ واسْمِ الجمع ِ فقد قال المحقِّقُ الرَّضِيُّ في بابِ الجمعِ: والفرقُ بينَ اسمِ لجنسِ واسمِ الجمعِ مع اشتراكِهما في أنَّهما ليسَا على أوزانِ جموعِ التكسير (١) لا الخاصَّةِ بالجمعِ كأفْعِلَةٍ وأفْعالٍ، ولا المشهورةِ فيهِ كفعلهَ نحوه (نسوة) أنَّ اسْمِ الجمعِ لا يقعُ على الواحدِ والاثنينِ، بخلافِ اسْمِ الجنسِ، وأن الفرْقَ بينَ واحدِ اسْمِ الجنسِ وبينَه فيما له واحدٌ أنَّه يُميَّزُ إمَّا بالتاء أو بالياء، بخلافِ اسْمِ الجمعِ انتهي.
ويُشْكِلُ على هذا الفرقِ الكَلِمُ، فإنَّه مما يُميَّزُ واحدُه بالتاء، ولا يقعُ في الاستعمال إلاَّ على ما فوقَ الاثنينِ، كما صرَّحَ بهِ الرَّضيُّ نفسُهُ في أوَّلِ شرْحِهِ للكافيةِ، فملاحظةُ عدمِ صحةِ إطلاقِهِ إلاَّ على ما فوقَ الاثنينِ يُلْحِقُهُ باسْمِ الجمعِ، وملاحظةُ تبيُّنِ واحدِهِ بالتاء يُلْحِقُهُ باسمِ الجنسِ، اللَّهمَّ إلاَّ أنْ يُجْعَلُ الكلِمُ واسطةً بينَهما كما قال ابن هشامٍ في أوضح المسالك (٢) أنَّه اسْمُ جِنْسٍ جَمْعيٍّ، ومعنى كونِه اسْمِ جِنْسٍ أنه يدلُّ علي جماعةٍ
стр. 4811
سواء أزيْدُ على لفظه تاءُ التأنيثُ نقصَ معناه، وصارَ دالاً على الوحْدةِ، ونظيرُهُ لَبِنٌ ولبنةٌ ونَبِقٌ ونَبِقَةٌ.
وأما الفرقُ بينَ عَلَمِ الجِنْسِ واسْمِ الجمعِ فواضحٌ، لأنَّ عَلَمَ الجِنْسِ موضوعٌ للحقيقة المتَّحدِة في الذهنِ كما سبقَ، سواءٌ مُشْخَصَاتُها قليلةٌ أو كثيرةٌ، لأنَّ القِلَّةَ والكَثْرَةَ غيرُ داخليْنِ في نظرِ الواضِعِ، بخلافِ اسْمِ الجمعِ، فإنه لفظٌ مفردٌ موضوعٌ لمعنى الجمعِ فقط.
وأما الفرقُ بينَ الجمعِ واسْمِ الجمعِ فقد صرَّحَ بهِ الرَّضيُّ وغيرُهُ من شُرَّاحِ الكافيةِ (١) في شرحِ قولِ ابنِ الحاجِبِ: المجموعُ ما دلَّ على آحادِ مقصودِهِ بحروفٍ مُفْرَدَةٍ لأنَّ اسْمَ الجمعِ لم يدلَّ على الآحادِ بحروفٍ مفردةٍ، وهو ظاهرٌ.
وذكر الرضيُّ أيضًا أنَّه لا فرقَ بينَ الجمعِ واسْمِ الجمعِ إلاَّ من حيث اللفظُ، وذلك لأنَّ لفظَ اسْمِ الجمعِ مفردٌ بخلافِ الجمعِ لا في المعنى، فإنَّ دلالَتَهُما على ما تحتَهما من الأفراد واحدةٌ، وهذا باعتبارِ الاصطلاحِ لا باعتبار المعنَى اللغويِّ، فإنَّ الجمعَ هو المدلولُ واسْمُ الجمعِ هو الدالُّ، وكذلكَ اسْمُ الجنسِ مغايرٌ لاسْمِ الجمع لغةً، لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما اسمُ المسمَّي مغايرٌ للمسمَّى، الآخَرُ. ولكنَّ المدلولَ اللغويَّ في جميعِ هذهِ الأطرافِ غيرُ مُرادٍ، وإنَّما نبَّهْنَا عليهِ تكميلاً للفائدةِ. وفي هذا المقدار كفايةٌ، إن كان المقامُ محتَمِلاً للتطويلِ. منقولةٌ من نُسخةِ المؤلِّفِ ـ حفظه الله تعالى ـ. [٤]
стр. 4812
(٢٠١) ٣٣/ ٥
بحث في تبادر اللفظ عند الإطلاق
تأليف
محمد بن علي الشوكاني
حقَّقه وعلَّق عليه وخرَّج أحاديثه
محمد صبحي بن حسن حلاق
أبو مصعب
стр. 4813
وصف المخطوط:
١ ـ عنوان الرسالة من المخطوط: بحث في تبادر اللفظ عند الإطلاق.
٢ ـ موضوع الرسالة: لغة عربية.
٣ ـ أول الرسالة: وصل سؤالٌ إلى المولى شيخ الإسلام حاصلُه: ما المراد بقول علماء الأصول أنَّ تبادر المعنى عند إطلاق اللفظ ...
٤ ـ آخر الرسالة: انتهى منقولاً من خط المجيب البدر شيخ الإسلام محمد بن علي الشوكاني تغشاه الله بواسع رحمته، ورضوانه، وأسكنه ببحبوحة جنانه، وجزاه خيرًا آمين آمين.
٥ ـ نوع الخط: خط نسخي مقبول.
٦ ـ عدد الصفحات: ٣ صفحات.
٧ ـ عدد الأسطر في الصفحة: الأولى والثانية: ١٨ سطرًا.
الثالثة: ١٣ سطرًا.
٨ ـ عدد الكلمات في السطر: ١٠ كلمات.
٩ ـ الرسالة من المجلد الخامس من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.
стр. 4814
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وصل سؤالٌ إلى المولي شيخ الإسلام حاصلُه: ما المراد بقول علماء الأصولِ أنَّ تبادُرَ المعنى عند إطلاقِ اللفظِ لأي [ ....
] (١) دليل لكون اللفظِ موضوع للمعنى المتبادر إلى فهم السامعِ، واعترض السائل على ذلك بوجهه الأول إنْ كان للعلمِ بعد الوضع، فليس من الدلالة على الحقيقة فِي شيء.
والثاني: إن كان قبلَ الوضع فهو قول القائل بأنَّ دلالة اللفظ على معناه بدايةً لا بالوضعِ هذا حاصلُه.
وأجاب شيخ الإسلام ـ جزاه الله أفضل الجزاء ـ بقوله:
الحمد لله ـ كثر الله فوائدكم ـ المراد المتبادرُ لأهل اللغةِ الذين لم تتغير لغتُهم، وأمَّا تبادُرَ المعنى لغةُ أهلِ اللغةِ فلا اعتبارَ به، ولا حكم له أصلاً.
وإذا تبادَرَ إلى أذهانهم شيءٌ فإنما هو باعتبار اللغةِ الدائرة بينَهم، لا باعتبار لسان العرب، والنزاعُ في هذا لا في تلك، فإنْ وجد بعد تغيُّر اللغة من يعرفُها معرفةً تامةً حتى صار كأهِلها، وذلك كالأئمة المتبحرين في اللغة فالتبادرُ له كالتبادُرِ لهم إذا كان لا يلتفتُ إلى غيرها، ولا يشتغل باللغاتِ الحادثة التي جرى التعارفُ بها.
وإذا تقرر هذا فالوضعُ على اختلاف الأقوال في الواضع من هو سابقٌ، وبعد هذا الوضع صارتْ هذه اللغةُ العربية [١أ] معروفةً عند كل عربي قبلَ تغيُّر اللغات العربيةِ، فإذا سمع من يتكلَّم بفرد من أفراد جملةٍ على المعنى الحقيقي، (٢) لأنَّ المتكلِّم به لم ينصبْ قرينةً، فإذا
стр. 4815
نصبَها فهي التي نقلتْ ذلك اللفظَ من حقيقةٍ إلى مجاز، مثلاً لو سمع السامعُ من أهل اللغة قائلاً يقول: رأيت الأسدَ. لم يحملْه إلاَّ على الأسدِ الحقيقيِّ، فإن قال بعد قوله: رأيتُ الأسدَ ما يدلُّ على أنه أرادَ المجازَ كأنْ يقول: رأيتُ الأسدَ راكبًا أو معتقلاً [ ...... ]، (١) أو متقلدًا سيفًا عرف السامعُ أنه لم يُرِدْ إلاَّ المعنى المجازيَّ.
قوله: ويقال: لهم هذا التبادرُ يحصلُ بعد العلم بالوضعِ أم قبلَه؟ .. إلخ.
أقول: هذه العُربُ هم الذين صاروا يتكلَّمون بلغتِهم المعروفة بينهم، المشهورة عندهم تلقَّاها الآخر عن الأول، سواءً عرفوا الواضعَ أم لم يعرفُوه، بل أخذوا ألفاظها ومعانيها عن القوم الذين نشأ بينهم كما يتعلَّم الآن صبيانُنَا ما نتكلَّم به، سواءً كان لغويًّا أو عُرْفيًّا.
وبالجملة فالوضعُ والنزاعُ في الموضوعٍ لهم لا يستلزمُ معرفتَهم للواضعِ، وأمَّا من قال أنَّ في [١ب] اللفظِ دلالةً على معناه كالصميري (٢) فهو يقول: إنّ هذه الألفاظَ
стр. 4816
الشائعةَ بين العرب التي حفظُوها طبقةً بعد طبقةٍ لها دلالةٌ في أنفسِها على معانيها، وهو قولٌ ساقطٌ، وقوله: هذا هو غيرُ قولِ أهلِ الاشتقاقِ، فإنَّ أهل الاشتقاق تتَّبعُوا لغةَ العرب، فوجدوا ما اتَّفقَ منها في أكثر الحروفِ أو بعضِها لا بدَّ أن يشملَها معنًى عامٌ وإنْ بَعُدَ، وهو علمٌ مفيدٌ جدًّا، وقد أهمله المتأخرون.
وأنا جمعتُ فيه مؤلَّفًا (١) مختصرًا في أيام قديمةٍ به يستفادُ هذا العلم.
انتهى منقولاً من خط المجيبِ البدرِ، شيخ الإسلام محمد بن علي الشوكاني ـ تغشاه الله بواسع رحمته ورضوانه، وأسكنه بُحْبُوحَةَ جناتِه ـ وجزاه خيرًا. آمينَ آمينَ.
стр. 4817
٢٠٢ - ١/ ٥
نُزهةُ الأحداق في علم الاشتقاق
تأليف
محمد بن علي الشوكاني
حقَّقه وعلَّق عليه وخرَّج أحاديثه
محمد صبحي بن حسن حلاق
أبو مصعب
стр. 4818
وصف المخطوط:
١ ـ عنوان الرسالة من المخطوط: نزهة الأحداق في علم الاشتقاق.
٢ ـ موضوع الرسالة: لغة عربية.
٣ ـ أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي جعل في لغة العرب من الأسرار واللطائف الدالة على بديع الصنع وعظيم الاقتدار ...
٤ ـ آخر الرسالة: واشتمل على ما لا يوجد مجموعًا في غيره ولا يوقف عليه كاملاً في سواه والحمد لله أولاً وآخرًا. حرّره مؤلَّفه غفر الله له.
٥ ـ نوع الخط: خط نسخي مقبول.
٦ ـ عدد الصفحات: ١١ صفحة + صفحة العنوان.
٧ ـ عدد الأسطر في الصفحة: ٢٤سطرًا.
٨ ـ عدد الكلمات في السطر: ٩ ـ ١١ كلمة.
٩ ـ الرسالة من المجلد الخامس من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.
стр. 4819
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي جعل في لغةِ العربِ من الأسرار واللطائفِ الدالّة على بديع الصُّنْعِ وعظيمِ الاقتدار ما ينبهِرُ له الأولياءُ الفحول وتتحيَّر عند الله من أكرم جيل وأشرقِ جَبيل، بأفصح لسان وأوضحِ بيان وعلى آله وأصحابهِ الذين هم القادةُ لأهل اللسان والسِّنان، والسادةُ للمتصرِّفين بالبناء في العِنان عند الرِّهان وبالبيان للبرهان من السنة والقرآن.
وبعدُ:
فلما كان علمُ الاشتقاقِ من أنفس العلوم المتعلقةِ بلغة العربِ وألطف المعارفِ التي من سبق إليها وتوفّر حظُّه منها الذي يملأ دلْوَ المُساجلة إلى عُقَد الكَرَب وإن كان أحضَرَ الجلدةِ في بيت العرب، وكان مما لم يُفْرِدْه أهلُ العلم بالتصنيف ولا دوَّنوه علي جهة الاستقلالِ بالتأليف بل عامةُ ما وقفْنا عليه وانتهى علمُنا إليه مباحثُ نَزْرةٌ وفصولٌ مختصَرةٌ كما سنوضح لك ذلك إن شاء الله ـ استعنْتُ بالله تعالى وأفردْتُ هذا الفنَّ الشريفَ بهذا المختصر اللطيف لِيَمشيَ على منواله الراغبون في لغة العربِ المتشوِّقون إلى الوقوف على أسرارها الشريفةِ ونُكَتِها اللطيفة، فيقتدروا بذلك علي رد بعضِها إلى بعض واستخراجِ بعضِها من بعض وسمَّيتُ هذه المختصرَ (نُزْهةَ الأحداق في علم الاشتقاق) ومن الله أستمدّ الإعانةَ وبيده الحولُ والقوة.
اعلم أرشدني الله وإياك إلى الصواب [١أ] أن الاشتقاقَ في اللغة يطلق على معانٍ.
قال في القاموس (١): والاشتقاق أخْذُ شِقِّ الشيءِ والأخذُ في الكلام وفي الخصومة يمينًا وشمالاً وأخْذُ الكلمةِ من الكلمة.
وفي الاصطلاح (٢): قيل هو أن يجدَ بين معنى اللفظين تناسُبًا في المعنى والتركيبِ فيُردَّ
стр. 4820
أحدَهما إلى الآخر.
وقيل هو أن يأخُذَ من اللفظ ما يناسبه في التركيب فيجعلَه دالاً على معنًى يناسب معناه.
وقيل الأول باعتبار العلمِ والثاني باعتبار العملِ.
وقيل ردُّ لفظٍ إلى آخَرَ بموافقته في حروفه الأصليةِ ومناسبتِه في المعنى.
وقيل ما وافق أصلاً بحروفه الأصولِ ومعناه بتغيير ما (١).
وقد نوقش كلُّ حدٍّ من هذه الحدودِ بمناقشات مدفوعةٍ بدُفوعات، وهذه الحدودُ وإن صحّ اعتبارُها في بعض أنواعِ الاشتقاقِ فإنه لا يصِحُّ في البعض الآخَرِ فالأولى أن يُرْسَمَ كلُّ واحدٍ منهما برسم يُخصُّه حتى يميِّزَ بعضَها من بعض فيذكُرَ أولاً الأقسامَ ثم يذكُرَ مفهومَ كلِّ واحدٍ منها على وجه يتبين به معناه فنقول: الاشتقاقُ ينقسم إلى ثلاثة أقسامٍ (٢): أصغرَ وصغيرٍ وأكبرَ.
فالأولُ إذا توافقت الحروفُ الأصولُ كضَرَب وضارِبٍ مرتّبةً من غير اعتبارٍ ما يتصل بينها من حروف زائدةٍ.
والثاني إذا اتفقت الحروفُ الأصليةُ بدون ترتيبٍ كجَذَب وجَبَذ وحمِد ومدَح وكَنَي وناك.
والثالثُ تناسبُ بعضِ الحروفُ الأصليةِ في النوعية وبعضِها في المخرج نحوُ ثلَبَ وثَلَم. أو تناسَب بعضُها في النوعية فقط أو في المخرج فقط كما [ .... .] (٣) ويشترط فيه عدمُ
стр. 4821
الموافقةِ في جميع الحروفِ ولو لم يُشْتَرطْ هذا الشرطُ التَبسَ بالقسم الأولِ إن توافقت الحروفُ والترتيب وبالقسم الثاني إن توافقت الحروفُ فقط.
وإذا أُطلق الاشتقاقُ تعيَّن الأصغرُ لأنه المتبادَرُ [١ب] عند أهلِ النحوِ والصَّرفِ والمعاني والبيانِ، وتعيَّن الآخرانِ عند أهلِ الاشتقاقِ لأنهما المتبادَران في اصطلاحهم.
وأما مجردُ الاتصالِ بين معنَيي اللفظين فهو كائنٌ في جميع الأقسامِ, أما القسمانِ الأولانِ فظاهرٌ, وأما القسمُ الثالثُ فإنك إذا أمعنَْ نظرَك في التراكيب اللغوية وجدْتَ بين كل كلمتين اتفَقَتا في الفاء والعين اتصالاً فإن تقارَبَ اللامان في المخرج كان التقارُبُ بين المعنيين بقدر ذلك, وإن تباعدا كان التباعُدُ بين المعنيين بقدر ذلك. وأما أصلُ الاتصال فلا بد منه, يظهر ذلك عند إمعانِ النظرِ.
وذلك الاتصالُ هو حيثيّةٌ جامعةٌ لهما وإن خفِيَتْ ولما كان هذا القِسمُ هو الذي يحتاج إلى فضْلِ فِكْرٍ وقوّةِ اطّلاعٍ. أوردنا في هذا المختصَر من الأمثلة ما يكفي طالبَ هذا العلمِ ويُطْلعه على ما اشتمل عليه من الفوائد التي هى أسرارُ العربية, وسنذكر بعد ذلك إن شاء الله فوائد تُخصُّ كلَّ قسمٍ وفوائدَ تعُمّ الأقسامَ وفوائدَ تزيد المُطَّلِعَ عليها بَصيرةً في هذا العلم. إذا عرفتَ هذا فاعلم أنّ الناظرَ في علم اللغةِ إن نظَرَ إليه لقصد الاطلاعِ علي معاني الألفاظِ الموضوعةِ المستعملةِ في لسان العربِ من غير نظرٍ إلى جهةٍ جامعة لجملة من الألفاظ فهو طالبُ الاشتقاق، والقسمانِ علم اللغةِ ولكن الأولَ تطلُبُه العامّةُ والثاني تطلُبه الخاصَّةُ وإنما كان الثاني مطلوبًا للخاصة لأنه يكون لصاحبه به مَلكَةٌ مقتدَرٌ بها علي استخراج ما لم يعرِفْه [٢أ] مما قد عَرَفه والعلومُ هي الملكاتُ الموصِلةُ إلى إدراك الجُزْئياتِ لا مجردُ معرفةِ الألفاظِ ومدلولاتِها من غير ملكةٍ كما يكون بالقسم الأول.
وهذا المطلبُ المختصُّ بالخاصة يحصُل بتكرير النظرِ وتدريبٍ الفكْرِ في المواد المتّفقةِ في الفاء والعينِ وها نحن نُوردها هاهنا من ذلك ما يحصّل ذلك المطلب النفيسَ الذي هو من علم اللغةِ بمنزلة الرئيس.
стр. 4822
[الهمزة مع الباء الموحدة] (١)
فمن ذلك الهمزةُ مع الباء الموحَّدة فإن مدلولَها النُّفورُ والبُعدُ والانفصالُ بين الشَّبَه. انظر لفظَ أبّ وأبَتَ وأبدَ وأبَرَ وأبَقَ وأَبل وأبَنَ وأبه وأبى فإنك تجد في جميع هذه ذلك المدلولَ يقال أبّ للسير وأبَتَ اليومُ أي امتدَّ حرُّه فقطع الناسَ عن أعمالهم وأَبِد الوحْشُ نفَرَ وأبَر النخْلَ قطع شيئًا منه وأبَزَ الظبيُ وثب وانطلق وأَبقَ العبدُ إذا نفر عن مولاه، وأبِل أي توحش وأَبَنَ زيدٌ عَمْرًا إذا ذكره بسوء ففصله بذلك الذكرِ عن الخير والصلاح، وأَبَه عن الشيء تنزّه عنه أي بَعُدَ وأبى عن الضيم أي فرّ عنه وهكذا سائرُ تراكيبِ الهمزة مع الباء فإن تجد بكل واحدٍ منها شيئًا من ذلك إذا أمعنتَ النظر.
[الهمزة مع الزاي] (٢)
وانظُر الهمزةَ مع الزاي [٢ب] فإن مدلولَها ألصقُ في الأمر يقال أزَرَ المجلسُ إذا ضاق عن أهله وأزِقَ العيشُ إذا ضاق صدره وأزِق ضاق، وأزَل صار في ضيق وأزَم اشتد قحطُه وضاق عيشُه وأزَي الظّلُّ قلَص وضاق.
[الهمزة مع السين] (٣)
وكذلك الهمزةُ مع السين المُهْملةِ فإن مدلولَها القوةُ والشدةُ يقال أسِدَ إذا قويَ غضبُه واشتد وأسَر: اشتد غضبُه وأسِف أي غضِب.
[الباء مع الحاء] (٤)
ومن ذلك الباءُ مع الحاء المُهملةِ فإنّ مدلولَها التفتيشُ عن الشيء يقال بحت أي أخرج
стр. 4823
الشيءَ من غيره وبحث أي فتّش عن الشيء فاستخرجه وبحَّ إذا أخرج الصوتَ خشِنًا وبَحَرَ أي شق أذُنَ الناقةِ فأخرجها عما كانت عليه وبَحَمَ الماءُ إذا خرج من منبعه بكثرة.
[الباء مع الخاء المعجمة] (١)
ومن ذلك الباء مع الخاء المعْجمة فإن مدلولَها الفَقْؤْ للعين وما يشابهه يقال بخَزَ عينَه فقأَها وبخَسَ عينَه فقأَها وبخَصَ عينَه قلعها وبخَعَ الرَّكيّةَ حفَرها وبخَقَ حفَرها عينَه فقأَها.
[الباء مع الدال المهملة] (٢)
ومن ذلك الباء مع الدال المهملة فإنَّ مدلولَها ابتداءُ الأمرِ وظهورُه يقال بدأ الشيءَ أي ابتدأَه وبدا الشيءُ إذا ظهرَ وبدَح فلانًا بالأمر أي أظهره له من دون رويَّةٍ وبَدخَ أظهر التعظيمَ وبَدبَر إليه بكذا إذا [٣أ] أظهره له وبَدَع أي ابتدى وبَدِغ بالشر أظهره وبَدَه بالأمر أي بدأ به بديهةً.
[الباء مع الذال المعجمة] (٣)
ومن ذلك الباءُ مع الذال المُعْجمة فإن مدلولَها إخراجُ الشيء يقال بَذَى أي تكلم بالفُحش فأخرجه من فمه وبذَخَ أعطى فأخرج ما عنده وبذخ أخرج شقشقته وبذر أخرج سره وأخرج ماله بغير تقدير، وبذل أعطي ما عنده فأخرجه وبذَنَ أقرَّ بما يُخفيه فأخرجه.
[الباء مع الراء المهملة] (٤)
ومن ذلك الباءُ مع الراء المهملة فإن مدلولَها الظهورُ.
стр. 4824
يقال بَرَءَ الشيءَ خَلَقه فأظهره برَتَ دل على الشيء فأظهره بَرَج ظهر ومنه التبرُّج برِحَ الخفاء ظهر. بَرَخَ زاد فظهرتْ فيه الزيادة بَرَّز ظهَر. برَزَ ظهر. برَشَ ظهر بياضُه برِص مثلُه برَض الماءُ ظهر.
[الباء مع الزاي] (١)
ومن ذلك الباءُ مع الزاى فإنّ مدلولَها خروجُ الشيء وظهورُه يقال بزَجَ أظهر فضائلَه وبَزَخَ الصدْرُ خرج. بزَر النباتُ خرج ِبزْرُه بَزْرُه بَزّه أظهر غلبتهُ بزُع الغلام ظهر طَرْفُه بزَغَت الشمسُ طلعتْ فظهرتْ بزقَتْ الشمسُ مثلُه بزَل نابُ البعير طلع. بزَن الحقُّ ظهر.
[الحاء المهملة مع الجيم] (٢)
ومن ذلك الحاءُ المهملةُ مع الجيم فإن مدلولَها المنْعُ يقال حجَب منَع وحَجَر مثلُه وحجَزَ دخل بين الشيئين مانعًا وحجَل منعَ أحدَ الرِّجْلين عن المشي.
[الحاء المهملة مع الراء] (٣)
ومنه الحاءُ المهملةُ مع الراء مدلولُها الشيءُ الشاقُّ: يقال: الحرُّ والحدْبُ والحرَد والحَرْقُ.
[الحاء المهملة مع الفاء] (٤)
ومنه الحاءُ المهملةُ مع الفاء مدلولُها الجمعُ، يقال: خَفّ، حَفِظَ، حَفَل، حفَنَ.
стр. 4825
[الحاء المهملة مع القاف] (١)
ومنه الحاءُ المهملةُ [٣ب] مع القاف مدلولُها الثبوتُ، نحو: حقِبَ، حقّ، حقَن.
[الخاء المعجمة مع الدال] (٢)
ومنه الخاءُ المعجمة مع الدال المهملةِ مدلولُها التأثيرُ في الشيء نحو خَدَب، خدَّ خدَشَ خدَع خدَمَ (٣) وقِسْ على هذا غيرَه فإنك إِذْ اعتبرتَ معنى بُعدِ الحروف مرتبةً على هذا الترتيبِ الذي ذكرنا وجدتَها كما بيّنا ولولا أن ذلك يطول جدًّا لذكرنا جميعَ الأقسامِ ولكن ليس الشيءُ المرادُ هنا إلاَّ تدريبَ الطالبِ.
وقال ابنُ جنّي في الخصائص (٤) إنَّ الاشتقاقَ على ضربين كبيرٌ وصغير فالصغيرُ أن تأخُذَ أصلاً من الأصول فيقره أو يجمَعَ بين معانيه وإن اختلفت صِيَغُه ومبانيه، وذلك كترتيب س ل م فإنك تجدُ منه السّلامةَ في تصرُّفه نحو سَلِمَ يسْلَم وسالم وسَلْمان وسَلمى والسلامة. والسليمُ اللَّديغُ أُطلق عليه تفاؤلاً بالسلامة له وعلى ذلك بقيةُ الباب إذا تأوْلْتَه، وبقيةُ الأصول غيره (٥) كتركيب ض ر ب وتركيب ح ل س وتركيب بن ب ل قال فهذا هو الاشتقاق الصغير. أمّا الاشتقاقُ الكبيرُ فهو أن نأخذ أصلاً من الأصول الثلاثية فتعقِدَ عليه وعلى تقاليبه الستةِ معنًي واحدًا يجمع التراكيبَ الستةَ عليه وما يتصرّف من كل واحدٍ منها.
وإن تباعد شيءٌ من ذلك رُدّ بلُطف الصنْعةِ والتأويلِ إليه كما يفعل الاشتقاقيّون ذلك في التركيب الواحد انتهى.
стр. 4826
وأقول قد جعل الأقسامَ قسمين صغيرً وكبيرًا ورسَم الكبيرَ بما رسمنا به الصغير ورسم الصغيرَ بما رسمنا به الأصغَر، وأهمل القسمَ الثالثَ وهو الأكبرُ وقد أوضحناه وذكرنا من أمثلته ما يتضح به معناه [٤أ] وتتبين به حقيقتُه.
ولنتكلم الآن علي الاشتقاق الصغيرِ بالاصطلاح الذي قدمناه فنقول.
[تقلبات ج ب ر] (١)
مثلاً ج ب ر في جميع تراكيبه يدل علي القوة والشدة قولهم جَبَر العظمُ قوي وجَبَر الملكُ قوى ورجل مُجَرَّب إذا جَرَّبَتْه الأمورَ فاشتدت شكيمتُه ومنه الجِراب لأنه يحفَظ ما فيهِ وإذا حفِظ ما فيه قويَ واشتد وإذا أُهمِلَ وأُغفل تساقط الأبجر والبُجْرة وهو القويُّ والسرَّة، ومنه قولهم (٢): أشكو عُجَري وبُجَري أي همومي وأحزاني والعُجْرةُ كل عُقدةٍ في الجسد فإذا كانت في البطن والسرّة فهي البُجْرةُ إذا غلُظت واشتدّ مسُّها وقيل: معنى عُجَري وبُجَري: ما أُبدي وأخفي من أحوالى ومن ذلك البُرْج لقوته في نفسه وقوةٍ ما يليه به علي عدوهم.
وكذلك البَرَجُ محركًا لنقاء بياضِ العينِ وصفاء سوادِها فهو لونٌ قوي. ومنه رَجَّبْتُ الرجلَ إذا عظمْتُه وقوّيتُ أمرَه ومنه رَجبٌ للشهر لكونهم يعظِّمونه ويقوّون أمرَه.
[تقلبات ق س و] (٣)
ومن ذلك تركيب ق س و، ق وس، وس ق، س وق، س ق و.
стр. 4827
وجميعُ ذلك معناه القوةُ والاجتماعُ ومنه القسوةُ وهي شدةُ القلبِ واجتماعُه، ومنه القوسُ لقوتها واجتماعِ طرَفيها ومنه الوَقْسُ بسكون القاف لابتداء الجري لأنه يجمع الجلد ومنه الوسْقُ لاجتماعه ومنه استوسَقَ الأمرُ أي اجتمع. والليل وما وسَقَ أي جمعَ، ومنه السَّوْقُ لأنه يُجْمع فيه المَسوقُ بعضُه إلى بعض.
[تقلبات س م ل] (١)
ومن ذلك تركيب س م ل، م س ل، ل م س، ل س م، م ل س. [٤ب] والمعنى الجامع لهذه التراكيب الضعف واللين فالسمل الثوب الخلق والماء القليل لأنه يضعف بقلته عن الاضطراب والسليم اللديغ لضعف قوته، والمسل والمسل والمسيل واحدًا لأن الماء يجري فيه لضعفه ولو صادف حاجزًا قويًّا لأعاقه والأملس والملساء لما فيهما من اللين واللمس لأنه إمرار اليد على الملموس بدون شدة. وأما ل س م فمهمل وقيل مستعمل ومنه لسمت (٢) الريح إذا مرت مرًا ضعيفًا.
[تقلبات ق وس]
ومنه تركيب ق ول، ق ل و، ول ق، ل ق و، ل وق. فالمعنى الجامع لهذه التراكيب هو الخفوق والحركة فالقول يخف به الفم واللسان، وهو ضد السكون، والقلو بكسر القاف وسكون اللام حمار الوحش وفيه خفة وإسراع ومنه قلوت الشيء لأنه إذا قلى خف وجف والوقل محركًا الوعل لحركته وخفته.
وولق يلق إذا أسرع وقوي وقرئ ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾ (٣) أي تسرعونه.
стр. 4828
واللٌّوقةُ الزُّبْدُ لخفته وإسراعِ حركتِه. واللُّقْوةُ يكسر اللام وسكون القاف من أسماء العُقاب لسرعة طيرانِه ويقال للناقة السريعةِ اللِّقاحِ لِقْوة، لأنها أسرَعتْ إلى ماء الفحلِ فقَبِلَتْه ولم تَتْبُ تُبُوَّ العاقرِ.
[تقلبات ك ل م]
ومنه تركيب ك ل م، ك م ل، ل ك م، م ك ل، م ل ك. فهذه الخمسةُ مستعملةُ وأُهمل منه ل م ك (١) المعنى الجامعُ [٥أ] لهذه التراكيبِ القوةُ والشدةُ فالكَلْمُ الجرْحُ لما فيه من الشدة، والكُلاَم بضم الكاف ما غلُظ من الأرض وذلك لشدته. ورجلٌ كليم أي مجروح وجريح.
وكمَل الشيءُ فهو كامل وكميل إذا تم وهو أقوى وأشدُّ من الناقص وَلَكَمَ لكمًا إذا وجَأ وضرب وفيه شدةٌ ظاهرةٌ.
ومكُلَت البئرُ بضم الكاف فهي مَكُول إذا قلَّ ماؤُها وهي إذا قلَّ مجْفُوّةُ الجانبِ وتلك شدةٌ ظاهرةٌ ومَلَكَ العجينَ إذا أنعم عجنَه فاشتد وقويَ. ومنه المُلْك لِما فيه من القوة لصاحبه والغلَبةِ وفي هذا القدر من باب الاشتقاقِ الصغيرِ بالمعنى الذي قدمناه كفايةٌ.
وأما الاشتقاقُ الأصغرُ فقد عرّفناك أن توافقَ الحروفِ الأصولِ مُرتبةً من غير اعتبار بما يفصِل منها من حروف زائدةٍ كما قدمنا في تركيب س ل م وتركيب ح ل س وتركيب ن ب ل فإنّ هذه التراكيبَ إذا استُعملت مرتبةً كانت راجعةً إلى معنى واحدٍ وإن اختلفت بالزيادة والنقصِ والحدوثِ والتجدّد وذلك كما يكون في الفعل الماضي والمستقبلِ
стр. 4829
والمصدر واسمي الفاعلِ والمفعولِ والصفةِ المشبهة وسائر الألفاظ التي توجد فيها الحروفُ الأصولُ مرتبةً وهذا الاشتقاقُ الأصغر هو الذي يسميه أهلُ النحوِ والصرفِ والبيانِ اشتقاقًا وعليه يُحمَل ما يرِد في استعمالاتهم كقولهم: المصدرُ الأصل الذي يُشتقّ منه الفعلُ وفروعُه، بمعنى أنها موافقةٌ له في المعنى المصدريّ وهو الحدثُ وإن زادتْ معانيها عليه بالدلالة على الزمن في الأفعال وعلى الذوات في سائر المشتقات [٥ب].
وأما الاشتقاقُ الصغيرُ والكبير فقد كان القدماءُ يستعينون بهما ويُخْلِدون إليهما مع إعواز الاشتقاقِ الأصغرِ لكنهم لم يسمّوها باسمٍ خاص وإنما كانوا يستَروحون إليهما عند الضرورةِ ويتعلّلون بهما، وكان أبو عليٍّ الفارسيُّ (١) أكثرهم لزومًا لهما وعمَلاً عليهما ثم بعده الشيخُ أبو الفتح ابنُ جنّي فإنه استكثر من ذلك في مؤلفاته وقسَّمَ الاشتقاق إلى قسمين كما قدمنا ثم الزمَخْشَريّ فإنه أكثرَ من استعمال ذلك في تفسيره ثم إن جماعةً من المصنفين اقتصروا على مجرد الكلامِ في تعريفهما واضطربوا في التسمية اضطرابًا كثيرًا ولم يأتوا في تلك المباحثِ بما يستفيد به المطَّلعُ عليها فائدةً يُعتَدّ بها بحيث يَقتدِر عندها على الاستعمال، ويستوضح بها ما يحتاج إلى استيضاح.
واعلم أنه قد وقع الخلافُ في الألفاظ التي يصدُق عليها أنها من الاشتقاق الصغير أو الكبير هل كلُّ واحدٍ منها أصلٌ مستقلٌّ أو بعضُها يرجع إلى بعض.
قال في الخصائص (٢) متى أمكنَ أن يكون الحرفانِ جميعًا أصلينِ كلُّ واحدٍ منهما قائمٌ برأسه لم يسُغ العدولُ عن الحكم لذلك، فإن دل دالٌّ أو دعتْ ضَرورةٌ إلى القول بإبدال
стр. 4830
أحدِهما عن صاحبه عُمِل بموجب الدِّلالةِ وصِيرَ إلى مقتضي الصنعةِ. من ذلك طبَرْزَلْ وطَبَرزَنْ (١) هما متساويان في الاستعمال فلستَ بأن تجعلَ أحدَهما أصلاً لصاحبه أولي منك بحَمْله على ضده.
ومن ذلك قولُهم هتَلْتْ السماء وهتنَتْ السماءُ فإنهما أصلان ألا تراهما متساويين في التصرف يقولون: هَتَنت السماءُ تهتِن تَهتِل تَهْتَالاً وهي سحائبُ هُتَّنٌ وهُتَّلٌ.
ومن ذلك ما حكاه الأصمعي قال الأصمعي: سُكّر (طبرزد) و (طبرزل) و (طبرزن) ثلاث لغات معربات. وأصله بالفارسية (تبرزَد).
(المعرب) للجواليقي (ص٢٧٦) تحقيق أحمد شاكر، (لسان العرب) (٨/ ١١٨). (٢) كذا في المخطوط وصوابه ما في الخصائص [الصَّيف]. (٣) كذا في المخطوط وصوابه (مبيضات) كما في الخصائص (٢/ ٨٥). (٤) تقدمت ترجمته. [٦أ] كان أبو بكر يشتق هذه الأسماءَ من البُخار، فالميم علي هذا بدَلٌ من الباء في بَخْر وليس ببعيد عندي أن يكون الميمُ أصلاً في هذا أيضًا وذلك لقوله تعالي: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ﴾ (٥) ذاهبة جائية.
قال ابنُ جنّي (٦) وعلى كل حال فقولُ أبي بكرٍ أظهرُ.
وأمّا قولُهم إناءٌ قَرْبانُ وكَرْبان (٧): إذا دنا أن يمتلِئَ فينبغي أن يكونا أصلين لأنك تجد كلَّ واحدٍ منهما متصرِّفًا أي قارَبَ أن يمتلِئَ وكَرَب أن يمتلئ.
стр. 4831
وقال الأصمعيُّ (١) يقال جُعْشوشٌ بالشين المُعجمة وجُعْسوس بالسين المهملة، ويقال هم من جعاسيس الناسِ بالمهملة، ولا يقال بالشين المعجمة قال ابن جنيّ (٢) فضِيقُ الشيِّن معَ سَعَة السين يُؤذِنُ بأن الشينَ بدلٌ (٣) وكأنه اشتُقَّ من الجَعْس، وذلك أنه شبّه الساقطَ الهيِّن من الرجال بالخَرء لذِلّه ونَتْنِه.
ومن ذلك قولُهم فُسطاطٌ وفُستاط وفُسَّاط بضم الفاء وكسرها في الجميع فذلك ستُّ لغاتٍ، فإذا صاروا إلى الجمع قالوا فَساطيط وفَساسيط، ولم يقولوا فساتيط بالتاء فهذي بدل على أنَّ التاء بدلٌ من الطاء أو السين ونحوُ هذا كثير.
وقال ابنُ جنّي في الخصائص (٤) أيضًا إن كلَّ لفظين وُجد فيهما تقديمٌ وتأخيرٌ فأمكن أن يكونا جميعًا أصلين ليس أحدُهما مقلوبًا عن صاحبه فهو القياسُ الذي لا يجوز غيرُه، وإن لم يكن ذلك حكمْتَ أن أحدَهما مقلوبٌ عن صاحبه ثم نظرتَ أيُّهما الأصلُ وأيُّهما الفرعُ فممّا هما أصلانِ لا قلبَ فيهما قولُهم جَذَب وجَبَذَ ليس أحدُهما مقلوبًا عن صاحبه وذلك أنهما جميعًا يتصرفان تصرُّفًا واحدًا يقول جَذَبَ جذْبًا فهو جاذِبٌ و [المفعول] (٥) مجذوبٌ وجبَذ يجبِذ جبْذًا فهو جابِذٌ و [المفعول] (٦) مجبوذ.
فإن جعلْتَ مع هذا أحدَهما أصلاً لصاحبه فسَدَ ... ذلك لأنك لو فعلْتَه لم يكن أحدُهما أسعدَ بهذه الحالِ من الآخر، فإنْ قصُرَ أحدُهما عن تصرُّف صاحبِه ولم يساوِه فيه كان أوسعُهما تصرُّفًا أصلاً لصاحبه، ونحوُ هذه الألفاظِ كثيرٌ والمعيارُ أن تنظُرَ هل يجمعُهما
اشتقاقٌ من أصلٍ أمْ لا فإن جَمَعَهما كان ما فيه حروف الأصلِ أصلاً للآخر الذي فيه تبديلُ بعضِ الحروفِ بحرف آخَرَ [٦ب] كما في بَخَر ومخَر من البُخار فهذه فائدةً من فوائد الاشتقاقِ. وإذا لم يكونا مشتقَّين من أصل كان الأوسعُ تصرفًا واستعمالاً منهما أصلاً للأضيق.
[تداخل الأصول الثلاثية] (٧) وقال في الخصائص (٨): اعلم أنَّ الثلاثيَّ على ضربين أحدُهما ما يصفو ذوقُه ويسقُط عنه التشكّكُ في حروف أصلِه، كضرب وقتل وما تصرف منهما فهذا ما لا يُرتاب به في جميع تصرُّفِه نحو ضارب ويضرِب ومضروب، وقاتل وقِتال واقتتل القومُ ونحوُ ذلك فما كان هكذا مجردًا واضحَ الحالِ من الأصول فإنه يحمي نفسَه وينفي الظنَّ عنه.
والآخر أن تَجدَ الثلاثيَّ على أصلين متقاربين والمعنى واحدٌ فهاهنا يتداخلان ويُوهِم كلُّ واحدٍ منهما كثيرًا من الناس أنه مِن أصل صاحبِه وهو علي الحقيقة من أصل غيره، وذلك كقولهم رِخْوٌ ورخْوَدّ فهما كما ترى شديدَا التداخلِ لفظًا، وكذلك هما بمعنى واحد وإنما تركيبُ رِخْو وتركيبُ رِخْوَدّ من ر خ د، وواو رِخْوا زائدةٌ فالفاءُ والعينُ من رِخْو ورِخْوَدّ متفقتان لكن لاماهما مختلفان والرِّخْو الضعيف والرِّخْوَدُّ المتثنّي، والتثنّي عائدٌ إلى معنى الضعف فلما كانا كذلك أوقعا الشكَّ (٩) ومن ذلك قولهم رجلٌ ضيّاطٌ وضَيْطار فقد ترى تشابُهَ الحروفِ والمعنى مع ذلك واحدٌ فهو أشدُّ لالتباسه (١٠).
وإنما ضيّاط من تركيب ض يَ ط وضيطار [من تركيب] (١١) ض ط ر.
стр. 4832
ومن ذلك لُوقةٌ وأَلوقةٌ (١) وصوصٌ وأَصوصٌ (٢) ويَنْجوج وألنَجْوج ويَلَنْجوج (٣) وضيفٌ وضيَفنٌ وسَبِطٌ وسِبَطْرٌ.
[تقارب الحروف لتقارب المعاني] (٤)
قال صاحب الخصائص (٥) إنها تتقارَبَ الحروفُ لتقارُب المعاني. قال وهذا بابٌ واسعٌ من ذلك قولُ الله سبحانه ﴿أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ [مريم: ٨٣] أي تُزْعِجُهم وتُقلِقُهم فهذا في معنى تهزّهم هزًّا, والهمْزَةُ أهتُ الهاءِ فتقارَبَ اللفظانِ لتقارُب المعنيين فكأنهم خصُّوا هذا المعنى بالهمزة لأنها أقوى من الهاء وهذا المعنى أعظمُ في النفوس من الهزّ, لأنك قد تُهزّ [مالا حَركَ به] (٦) كالجِذْع وساقِ الشجرة ونحو ذلك, فقد ترى أيضًا تصاقُبَ اللفظين لتصاقُب المعنيين. (٧).
ومنه القَرْمةُ وهى [ما] (٨) تُحزّ من أنف البعير, وقريبٌ منه قلَّمْتُ أظفاري لأنَّ هذا
стр. 4833
[٧أ] انتفاصُ الظُّفْرِ وتلك انتفاصُ الجلد. قالوا فالراء أختُ اللام والعَملانِ متقاربان. وعليه قالوا (فيها) (١) الجَرْفةُ وهى من ج ر ف وهى أختُ جلَفْتَ القلمَ أخذتُ جِلْفَته, وهذا من ج ل ف وقريبٌ منه الجَنَفُ, وهو الميلُ, وإذا جَلَفْتَ الشيء أو جرَفْتَه فقد أَمَلْتَه عما كان عليه وهذا من ج ن ف.
ومنه العَسَْف والآسَف وتاعينُ أختُ الهمزة كأنّ الأسَفَ يعسِف النفسَ وينال منها والهمزةُ أقوى من العين كما أنَّ أسَفَ النفسِ أغلظُ من التودُد والعسْفِ (٢) فقد ترى تعاقب اللفظين.
لتعاقب المعنيين ومثله تركيب ع ل م في العلامة والعَلَم وقالوا مع ذلك بَيضةٌ عَرْماءُ وقطيعٌ أعْرمُ، إذا كان فيها سوادٌ وبياضٌ وإذا وقع ذلك بأن أحدُ اللونَيْنِ من صاحبه، فكان كلُّ واحدٍ منهما علمًا لصاحبه وهو من ع ر م.
ومن ذلك تركيبُ ح م س.
وح ب س قالوا: حبستُ الشيءَ وحَمسَ الشرٌّ أي اشتدّ. والتقاؤُهما أن الشيئين إذا حبَس أحدُهما صاحبَه تمانعا وتعارّا فكان ذلك كالشر يقع بينهما.
ومنه العَلْبُ الأثرُ والعلْمُ الشقٌّ في الشَّفة العُلْيا فهذا من ع ل ب والباءُ أختُ الميم.
ومنه تركيبُ ق ر د وتركيبُ ق ر ت قالوا: قرِدَ الشيءُ إذا تجمّع وقالوا قرَتَ الدمُ إذا جمَدَ والتاءُ أختُ الدال.
ومن ذلك العَلَزُ للخِفّة والطَّيش، والقَلَق، والعَلَصُ لوجع في الجوف يلتوي منه ويَقْلَق والزاي أختُ الصاد.
ومنه الغَرْبُ وهي الدلْوُ العظيمةُ، وذلك أنها تغرِف من الماء، والفاء أختُ الباء.
واستعملوا تركيبَ ج ب ل وتركيب ج ب ن وتركيب ج ب ر لتقاربها في موضع
стр. 4834
واحد وهو الالتئامُ والتماسكُ ومنه الجبلُ لشدّته وقوّته وجَبُن إذا استمسك وتوقّف، ومنه جَبَرْتُ العظمَ أي قوَّيْتُه.
وقد تقع المضارعَةُ في الأصل الواحدِ بالحرفين نحوُ السَّحِيل والصَّهِيْل فهذا من س ح ل وهذا من ص هـ ل والصاد أخت السين، كما أنَّ الهاء أختُ الحاء ونحوُ قولِهم سحَلَ في الصوت وزَحَر فالسين أختُ الزاي كما أنَّ اللامَ أختُ الراء. وقالوا: جَرَف وجَلَم فهذا للتقشير وهذا للقطع وهما متقارِبان معنًي ومتقاربان لفظًا، لأنَّ هذا من ج ل ف [٧ب] وهذا من ج ل م نعم.
وتجاوزوا ذلك إلي أن ضارعوا بالأصول الثلاثةَ. الفاء والعينِ واللام فقالوا عصرَ الشيءَ وقالوا أزَلَهُ إذا حبَسه. والعصْرُ ضربٌ من الحبس فهذا من ع ص ر وهذا من أزَل والعينُ أختُ الهمزةِ والصاد أختُ الزاي، والراء أختُ اللام.
وقالوا الأَزْمُ المنعُ والعصْبُ الشدُّ فالمعنَيانِ متقاربان، والهمزةُ أختُ العين، والزاي أختُ الصادِ والميم أختُ الباءِ، وهذا من أزَم وهذا من عصب (١). وقالوا السلْبُ والصَّرفُ فإذا سُلِبَ الشيء فقد صُرِف (٢) والسين أختُ الصاد واللام أختُ الواو والباء أختُ الفاء.
وقالوا الغَدْرُ كما قالوا الختْلُ والمعنَيان متقاربان واللفظانِ متراسلا فهذا من غ د ر وهذا من خ ت ل فالعين أختُ الخاء والدال أختُ التاء والراء أختُ اللام.
وقالوا زأَر الأسدُ كما قالوا سعَل لتقاربُ اللفظ والمعنى.
وقالوا: عَدَنَ بالمكان كما قالوا: [تأطَّر] (٣) أي أقام وثبت وقالوا ضرب كما قالوا جَلَفَ لأن شارب الماء مغن له كالجالف للشيء وقالوا: صَهَلَ كما قالوا: زأَر، وقالوا تجعَّد
стр. 4835
كما قالوا تشحّط وذلك أنّ الشيءَ إذا تجعَّد وتَقَبَّض عن غيره شحَطَ وبُعَد عنه. وهذا من تركيب ج ع د وهذا من تركيب ش ح ط والجيم أختُ الشين والعين أختُ الحاء والدال أختُ الطاء.
وقالوا السيفُ والصَّوبُ، وذلك أن السيفَ يوصَفُ بأنه يَرْسُب في الضَّرِيبة لِحدّته، ولذلك قالوا سيفٌ رَسوبٌ وهذا هو معني صاب يصوب إذا انحدر، فهذا من س ي ف وهذا من ص وب والسين أختُ الصاد، والباء أختُ الواو، والفاء أختُ الباء.
وقالوا جاع يجوع وشاء يشاءُ فالجائع مريدٌ للطعام لا محالة، ولهذا يقول المدْعوُّ إلى الطعام إذا لم يُجبْ لا أُريده ولست أشتهي ونحوَ ذلكن والإرادةُ هي المشيئةُ وهذا من ج وع وهذا من ش ي أ فالجيم أختُ الشين والواو أختُ الياء والعين أختُ الهمزة.
وقالوا هو حِلْسُ بيتِه إذا لازمه.
وقالوا: أرَز الشيءُ إذا اجتمع نحوَه وتقبّض إليه ومنه: «إن الإسلامَ لَيأرِزُ إلى المدينة» (١) فهذا من ح ل س وهذا من أرَز، والحاء أختُ الهمزة [٨أ] واللام أختُ الراء والسين الزاي وقالوا أَفَلَ كما قالوا غَبرَ لأن أَفَلَ غاب والغابرُ آفِل أيضًا فهذه من أ ف ل وهذا من غ ب ر فالهمزة أختُ الغين والفاء أخت الباء واللام أختُ الراء.
قال ابنُ جني (٢) وهذا (٣) موجود في أكثر الكلام وإنما بقيَ من يُثيره ويبحث عن مكنونه، بل من إذا أوضح (٤) له وكُشِفَ عنده حقيقتُه أطاع طبعُه له فوعاه، وهيهاتَ ذلك مطلبًا، وعَزّض فيهم مذهبًا. وقد قال أبو بكر: مَن عَرَفَ ألِفَ ومن جهلِ استوحش، ونحن نُتْبع هذا الباب بابًا أغربَ منه وأدلَّ علي حكمة اللهِ سبحانه تقدستْ