← Джавами‘

Джавами‘ · id 36543

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

الشوكاني

Полный текст (5 091 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

الإثبات لالتقاء أرواح الأحياء والأموات تأليف محمد بن علي الشوكاني حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه محمد صبحي بن حسن حلاق أبو مصعب

стр. 527

وصف المخطوط ١ - عنوان الرسالة: " الإثبات لالتقاء أرواح الأحياء والأموات ". ٢ - موضوع الرسالة: في العقيدة. ٣ - أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وآله الأكرمين، وصحبه الأعظمين. وبعد: وردت مسائل طلب السائل كثر الله فوائده الجواب: أولها: قوله: ما يخبرون من أحوال الموتى، وما آل إليه أمرهم في البرزخ، ويزعمون .... ٤ - آخر الرسالة: ولا يأخذوا منها شيئا، فإن أخذوا فهو منكر يجب إظهاره عليهم ولو كان مصرفا فلا يجوز له أن يصرف زكاته في نفسه. وإلى هنا انتهى الجواب بقلم كاتبه: محمد ب! ت علي الشوكاني غفر الله له. ٥ - نوع الخط: خط نسخي جيد. ٦ - الناسخ: المؤلف: محمد بن علي الشوكاني. ٧ - عدد الأوراق: (٦) ورقات وورقة للعنوان. ٨ - عدد الأسطر في الصفحة: ٢٧ - ٢٩ سطرا. ٩ - عدد الكلمات في الأسطر: ١٢ كلمة. ١٠ - الرسالة من المجلد الخامس من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.

стр. 528

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وآله الأكرمين، وصحبه الأعظمين. وبعد: وردت مسائل طلب السائل- كثر الله فوائده- الجواب: أولها: قوله: ما يخبرون من أحوال الموتى، وما آل إليه أمرهم في البرزخ (١)، ويزعمون أهم يتكلمون ويخبرون. مما أسلفوه وراءهم من أعمال الدنيا مثل رد وديعة، أو يخلد من شيء في الذمة، أو شيء مما يتعلق بأحواله الماضية إلى أن قال: وهذا من غرائب المنفقات مع أنه قد قال تعالى في حال الموتى: ﴿فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهليهم يرجعون﴾ (٢)، ﴿وما أدرى ما يفعل بي ولا بكم إن أتبع إلا ما يوحى إلى﴾ (٣) فإن كان الأمر كما وصف فما الموصل إلى هذا الأمر وحقيقته؟ فهذا شيء ما جاء عن الرسول، ولا أحد من أهل العلم به يقول. أقول وبالله التوفيق وعليه التوكل: الجواب على هذا السؤال من وجوه: الوجه الأول: أنه قد ثبت عن النبي- ﵌ تواترا أن الأموات يسألون في قبورهم (٤) عن ربهم، وعن نبيهم، وما قيل لهم، وما قالوا. وهذا يدل أبلغ

стр. 529

دلالة على إمكان الكلام منهم في البرزخ، وإذا كان ممكنا فلا مانع من عقل، ولا من شرع أن يلتقي روح بعض الأموات مع روح بعض الأحياء، فيجري بينهم من الخطاب ما يجري بين الأحياء، ويعيى روح الحط ما سمعه من روح الميت. وسيأتي- إن شاء الله- وما وقع من ذلك في أيام الصحابة فمن بعدهم. الوجه الثاني: أنه قد ثبت بالأحاديث (١) المتواترة عذاب القبر لمن يستحقه، ومعلوم

стр. 530

أنه لا يعذب إلا وروحه معه، وإدراكه، ولو لم يكن كذلك لكان العذاب الواقع على مجرد الجسم بلا روح ولا إحساس ليس بعذاب، لأن إدراك الألم واللذة مشروط بوجود ما به الإدراك. وإلا فلا إدراك لمن ليس له حياة ولا إحساس لمن لا روح له. وهذا أمر معقول لا يخالف فيه من له أدنى تعقل فضلا عن من له التعقل التام، والإدراك الصحيح. وإذا تقرر لك [١ أ] هذا فأي مانع من ملاقاة روح الحي في منامه لروح هذا الميت فيخبره ببعض الأخبار. الوجه الثالث: أنه قد ثبت تواترا أن النبي- صلى الله عليه واله وسلم- كان يزور القبور، ويخاطبهم. مما يخاطب به الأحياء كقوله- ﵌: " السلام عليكم أهل دار قوم مؤمنين، وإنا بكم- إن شاء الله- لاحقون، نسأل الله ولكم العافية " (١). الوجه الرابع: أنه- صلى الله عليه واله وسلم- خاطب أهل قليب (٢) بدر، ثم قال لمن عنده: (ما أنتم بأسمع منهم) ولا يسمع الخطاب إلا حي، ووقوع هذا منه- صلى الله عليه واله وسلم- مع أهل القليب متواتر، وما روي (٣) عن أم المؤمنين عائشة ﵂ من الاحتجاج بعموم القرآن لا ينافي هذا الخاص. الوجه الخامس: ما ثبت في الصحيحين (٤) وغيرهما من حديث ابن عمر أن رسول

стр. 531

الله- صلى الله عليه واله وسلم- قال: " إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعد بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار " وقد نطق بذلك الكتاب العزيز في حين أهل النار (١) يعرضون عليها غدوا وعشيا. والعرض يستلزم الإدراك، وإلا كان عبثا ليس فيه فائدة. وفي العرض أحاديث (٢) كثيرة. الوجه السادس: ما ثبت في أحاديث (٣) كثيرة أنها تعرض أعمال الأحياء على الأموات، وذلك يستلزم الإدراك الذي لا يتم إلا بالحياة. الوجه السابع: ما أخرجه ابن حبان في كتاب الوصايا (٤)، والحاكم في المستدرك (٥)، والبيهقي (٦) وأبو نعيم (٧) كلاهما في الدلائل عن عطاء الخراساني قال: حدثتني ابنة ثابت-

стр. 532

ابن قيس بن كاس أن ثابتا قتل يوم اليمامة وعليه درع له نفسية، فمر به رجل من المسلمين فأخذها، فبينا رجل من المسلمين نائم إذ أتاه ثابت في منامه فقال: أوصيك بوصية فإياك أن تقول هذا حلم فتضيعه: إني لما قتلت أمس مر بي رجل من المسلمين، فأخذ درعي، ومنزله في أقصى الناس، وعند خبائه وبين لبستي في طوله، وقد كفأ على الدرع برمة، وفوق البرمة رحل فأت خالد بن الوليد فمره أن يبعث إلى درعي فيأخذها، وإذا قدمت المدينة على خليفة رسول الله- صلى الله عليه واله وسلم- يعني أبا بكر الصديق- ﵁ فقل له: إن علي من الدين كذا وكذا، وفلان وفلان من رقيقي عتيق، وفلان، فأتى الرجل خالدا وأخبره، فبعث إلى الدرع فأتى ها، وحدثت أبا بكر برؤياه فأجاز وصيته قال: ولا نعلم أحدا أجيزت وصيته بعد موته [١ب] أ غير ثابت، فهذا كما ترى وهو وحده يكفي في جواب السؤال. وأخرج الحاكم في المستدرك (١)، والبيهقي في الدلائل (٢) عن كثير بن الصلت قال: أغفى عثمان- ﵁ في اليوم الذي قتل فيه فاستيقظ فقال: إني رأيت رسول الله- ﵌ في منامي هذا فقال: إنك شاهد معنا الجمعة. وأخرج أيضًا (٣) عن ابن عمر أن عثمان أصبح فحدث فقال: إني رأيت النبي- صلى الله عليه واله وسلم- الليلة في منامي، فقال يا عثمان: أفطر عندنا فأصبح عثمان صائما. وقتل من يومه.

стр. 533

وأخرج الحاكم (١) والبيهقي في الدلائل (٢) عن سلمى قالت: دخلت على أم سلمة وهى تبكى فقلت: ما يبكيك؟ قالت: رأيت رسول الله- صلى الله عليه واله وسلم- في المنام يبكي، وعلى رأسه ولحييه التراب، فقلت: مالك يا رسول الله؟ قال: وشهدت قتل الحسين آنفا. وأخرج ابن أبي الدنيا (٣)، وابن الجوزي في كتاب عيون الحكايات (٤) بسنده عن شهر ابن حوشب أن الصعب بن جثامة، وعوف بن مالك، وكانا متواخين، فقال الصعب لعوف: أي أخي، أينا مات قبل صاحبه فليتراءى له قال: أو يكون ذلك؟ قال نعم، فمات الصعب فراه عوف في اليوم فقال: ما فعل بك قال: غفر لي بعد المشاق. قال: ورأيت لمعة سوداء في عنقه، قلت: ما هذه؟ قال: عشره دنانير استلفتها من فلان اليهودي فهي في قرني فأعطوه إياها. واعلم أنه لم يحدث في أهلي حدث بعد موتي إلا قد لحق لي خبره حتى هرة ماتت يوم كذا. واعلم أن بنتي تموت إلى ستة أيام، فاستوصوا بها معروفا قال: عوف: فلما أصبحت أتيت أهله، فنظرت إلى القرن وهو بالقاف محركا حجبه النشاب فأنزلته، فإذا فيه عشرة دنانير في صرة، فبعثت إلى اليهودي فقلت: هل كان لك على صعب شيء؟ قال: رحم الله صعبا كان من خيار أصحاب رسول الله- ﵌

стр. 534

أسلفته عشرة دنانير فنقدتها إليه قال: هي والله بأعيانها فقلت: هل حدث فيكم حدث بعد موت الصعب قالوا: نعم حدث فينا كذا، وحدث فينا كذا، فمازالوا يذكرون حتى ذكروا موت الهرة، قلت: أين ابنة أخي؟ قالوا: تلعب فأتيت ها ومسستها فإذا هي محمومة فقلت: استوصوا ها معروفا فماتت لستة أيام. وأخرج ابن المبارك في الزهد (١) عن عطية بن قيس، عن عوف بن مالك الأشجعي أنه كان مؤاخيا لرجل يقال له: محلم، ثم إن محلما حضرته الوفاة، فأقبل عليه عوف فقال له: إذا أنت وردت فارجع إلينا فأخبرنا بالذي صنع بك قال محلم: إن كان ذلك يكون لمثلي فعلت، فقبض [٢أ] محلم، ثم ثوى عوف بعده عاما فرآه في منامه فقال: يا محلم، ما صنعت، وما صنع بك؟ قال: وفينا أجورنا كفها إلا الأحراض (٢)، وهم الذين يشار إليهم بالأصابع في الشر، والله لقد وفيت أجري كفه، حتى أجر هرة ضلت لأهلي قبل وفاتي بليلة فأصبح عوف إلى امرأة محلم، فلما دخل قالت: مرحبا فقال عوف: هل رأيت محلما منذ توفي قالت: نعم (٣) رأيته البارحة، ونازعني ابنتي ليذهب بها معه، فأخبرها عوف بالذي رأى، وذكره الهرة التي ضلت. فقالت: لا علم لي بذلك، خدمي أعلم فدعت خدمها فسألتهم فأخبروها أنها ضلت لهم هرة قبل موت محلم بليله، ومحلم هو ابن جثامة أخو الصعب. وأخرج النسائي (٤) عن خزيمة قال: رأيت في المنام كأني أسجد على جبهة النبي

стр. 535

- صلى الله عليه واله وسلم- فأخبرته بذلك. فقال: إن الروح لتلقى الروح. وأخرج ابن أبي (١) الدنيا أن عفيف بن الحارث قال لعبد الله بن عائذ الصحابي ﵁ حين حضرته الوفاة: إن استطعت أن تلقاني فتخبرنا ما لقيت بعد الموت، فلقيه في منامه بعد حين فقال له: ألا تخبرنا قال: نجونا، ولم نكد أن ننجو نجونا بعد المشيبات فوجدنا ربا خير رب، غفر الذنب، وتجاوز عن السيئة إلا ما كان من الأحراض، قلت له: وما الأحراض؟ قال: الذين يشار إليهم بالأصابع في الشر. وأخرج ابن أبي الدنيا (٢) عن أبي الزاهية قال: عاد عبد الأعلى بن عدي ابن أبي بلال الخزاعي فقاله عبد الأعلى: أقرء رسول الله- ﵌ مش السلام، وإن استطعت أن تلقانا فتعلمني ذلك، وكانت أم عبد الله أخت أبي الزاهرية تحت ابن أبي بلال، فرأته في منامها بعد وفاته بثلاثة أيام فقال: إن ابنتي بعد ثلاثة أيام لاحقتي، فهل تعرفين عبد الأعلى؟ قالت: لا. قال: فاسألي عنه، ثم أخبريه أني قد قرأت رسول الله - صلى الله عليه واله وسلم- منه السلام فرد عليه، فأخبرت أخاها أبا الزاهية بذلك فأبلغه. وأخرج ابن عدي (٣)، وابن عساكر في تاريخه (٤) عن محمد بن يحيي الجحدري قال: قال لي ابن الأجلح: قال أبي لسلمة ابن كهيل: إن مت قبلي فقدرت أن تأتيني في يومي

стр. 536

فافعل، قال سلمة: وأنت إن مت قبلي فقدرت أن تأتيني في نومي فتخبرني. مما رأيت فافعل، فمات ابن سلمة قبل الأجلح فقال لي: أي بني علمت أن سلمة أتاني في نومي فقلت: أليس قدمت؟ قال [٢ب]: إن الله قد أحياني قلت: كيف وجدت ربك؟ قال: رحيما. قلت: أيش رأيت أفضل الأعمال التي يتقرب بها العباد؟ قال: ما رأيت عندهم أشرف من صلاة الليل. قلت: كيف وجدت الأمر قال: سهلا، ولكن لا تتكلموا. وأخرج أحمد في الزهد (١)، وابن سعد في الطبقات (٢) عن العباس بن عبد المطلب ﵁ قال: كان عمر بن الخطاب- خنه- لي خليلا، وإنه لما توفي لبثت حولا أدعو الله أن يرنيه في المنام قال: فرأيته على رأس الحول يمسح العرق عن جبهته قلت: يا أمير المؤمنين، ما فعل بك ربك؟ فقال: هذا أوان فزعت، وإن كان عرشي ليهد لولا أني لقيت ربا رؤوفا رحيما. وأخرج ابن سعد (٣) عن سالم بن عبد الله قال: سمعت رجلا من الأنصار يقول: دعوت الله أن يري! ط عمر في اليوم فرأيته بعد عشر سنين وهو يمسح العرق عن جبينه، فقلت: يا أمير المؤمنين، ما! لت؟. فقال: الآن فرغت، ولولا رحمة ربي لهلكت. وأخرج ابن سعد (٤) أيضًا عن عبد الله بن عمرو قال: ما كان شيء أحب إلي أن أعلمه من أمر عمر فرأيته في المنام قصرا فقلت: لمن هذا؟ قالوا: لعمر، خرج من القصر عليه ملحفة كأنه قد اغتسل فقلت: كيف صنعت؟ قال: خيرا، كاد عرشي يهوي لولا أني لقيت ربا غفورا. قلت: كيف صنعت؟ قال: متى فارقتكم؟ قلت:

стр. 537

منذ ثنتى عشرة سنة قال: إنما نقلت الآن من الحساب. وأخرج ابن عساكر (١) عن مطرف أنه رأى عثمان بن عفان- ﵁ في اليوم فقال: رأيت عليه ثيابا خضرا قلت: يا أمير المؤمنين، كيف فعل الله بك؟ قال: فعل بي خيرا. قلت: أي الدين خير؟ قال: الدين القيم ليس بسفك الدم. وأخرج ابن أبي الدنيا (٢) عن محمد بن النضر الحارثي قال: رأى مسلمة بن عبد الملك عمر بن عبد العزيز- ﵀ بعد موته فقال: يا أمير المؤمنين، ليت شعري إلى أي الحالات صرت بعد الموت؟. قال: يا مسلمة، هذا أوان فراغي، والله ما استرحت إلا الآن. قلت: فأين أنت؟ قال: مع أئمة الهدى في جنات عدن، والقصص في هذا كثير جدا، والتقاء أرواح الأحياء بأرواح الأموات معلوم يتفق منه في كل عصر مع كثير من الناس قصص، فلا حاجة لنا إلى الاستكثار من ذلك. قال الشيخ عز الدين (٣) بن عبد السلام: أجرى الله العادة [٣أ] إن الروح إذا كانت في الجسد كان الإنسان مستيقظا، فإذا خرجت من الجسد نام الإنسان، ورأت تلك الروح المنامات إذا فارقت الجسد ". قال ابن القيم (٤): تلاقي أرواح الموتى وأرواح الأحياء أدلته أكثر مع أن يحصيها إلا الله تعالى، والحس الواقع من أعدل الشهود فتتلاقى أرواح الأحياء وأرواح الأموات كما تتلاقى أرواح الأحياء. قال الله تعالى: ﴿الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى﴾ (٥) انتهى، قلت: وفي هذه الآية أعظم دلالة على التقاء أرواح الأحياء، والأموات، لأن أرواح الأحياء عندما يتوفى الأنفس التي لم تمت تصير مجتمعة بأرواح الأموات بجامع

стр. 538

كون الله سبحانه توفى الجميع. أما الأموات فظاهر، وأما الأحياء ففي حالة النوم، وعند ذلك يتساءلون بينهم. وقد أخرج بقي بن مخلد، وابن منده (١) في كتاب الروح، والطبراني في الأوسط (٢) من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس في هذه الآية قال: بلغني أن أرواح الأحياء والأموات تلتقي في المنام، فيتساءلون بينهم، فيمسك الله أرواح الموتى، ويرسل أرواح الأحياء إلى أجسادها. ولا يخفاك أن ابن عباس- ر! نه- لا يقول هذا من نفسه، إذ لا مجال للاجتهاد فيه، فله حكم الرفع. وأخرج ابن أبي حاتم (٣) عن السدي معناه. وأخرج جويبر (٤) عن ابن عباس في هذه الآية قال: سبب ممدود ما بين المشرق

стр. 539

والمغرب بين السماء والأرض، فأرواح الموتى إلى أرواح الأحياء إلى ذلك السبب، فتعلق النفس الميتة بالنفس الحية، فإذا أذن لهذه الحية بالانصراف إلى جسدها لتستكمل رزقها أمسكت النفس الميتة، وأرسلت الأخرى. وأخرج أبو الشيخ ابن حبان في كتاب الوصايا عن قيس بن قبيصة مرفوعًا " من لم يوصي لم يؤذن له في الكلام مع الموتى. قيل: يا رسول الله، وهل يتكلم الموتى؟ قال: نعم. ويتزاورون ". وأخرج أبو أحمد الحاكم في الكني (١) عن جابر مرفوعا: " من مات عن غر وصية لم يؤذن له في الكلام إلى يوم القيامة. قيل: يا رسول الله، ويتكلمون قبل يوم القيامة؟ قال: نعم. ويزور بعضهم بعضا ". وأخرج الديلمي (٢) من طريق أبي هدبة عن أنس قال: قال رسول الله ﵌ [٣ب]: " رأيت امرأتان: واحدة تتكلم، والأخرى لا تتكلم، كلتاهما من أهل الجنة. فقلت لها: أنت تتكلمين، وهذه لا تتكلم فقالت: أما أنا فأوصيت،

стр. 540

وهذه ماتت بلا وصية لا تتكلم إلى يوم القيامة ". وأخرج الطبراني في الأوسط (١)، وابن أبي الدنيا وأورده الهيثمي في المجمع (٣٢٧١٢) وقال فيه مسلمة لن على، وهو ضعيف. (٢) عن أبي أيوب الأنصاري- ﵁ أن رسول الله- ﵌ قال: " إن نفس المؤمن إذا قبضت يلقاها أهل الرحمة من عباد الله كما يلقون البشر من أهل الدنيا، فيقولون: انظروا صاحبكم يستريح، إنه كان في كرب شديد، ثم يسألونه: ما فعل فلان وفلانة هل تزوجت؟ إذا سألوه عن الرجل قد مات قبله فيقول: هيهات قد مات ذاك قبلي، فيقولون: إلا لله وإلا إليه راجعون، ذهب به إلى أمه الهاوية ". والحاصل: أن رؤية الأحياء للأموات في المنام كائنة في جميع الأزمنة منذ عصر الصحابة إلى الآن. وقد ذكر من ذلك الكثير الطيب القرطبي في تذكرته، وابن القيم (٣) في كثير من مؤلفاته، والسيوطي في شرح الصدور (٤) بشرح أحوال الموتى في القبور. الوجه الثامن: من وجوه الأدلة المقتضية لالتقاء أرواح الأحياء والأموات، وهو دليل عقلي لا يمكن الإنكار له، ولا القدح في دلالته، ولا التشكيك عليه، وذلك أنه قد وقع في عصرنا فضلا عن العصور المتقدمة أخبار كثيرة من الأحياء أفم رأوا في منامهم أمواتا فأخبروهم بأخبار هي راجعة إلى دار الدنيا، إما بأن فلانا يموت في وقت كذا تصريحا منهم بذلك، أو تلويحا، أو بأن أهلي تركوا كذا أو فعلوا كذا، أو لم ينفذوا وصيتي، أو لم يواصلوني بالدعاء، أو عندي لفلان كذا، أو عند فلان لي كذا، أو يذكر شيئا قد أودعه بطن الأرض، أو خبأه عند بعض من يعرفه فينكشف ذلك صدقا وحقا

стр. 541

مطابقا لخبره (١). فهذا من الأدلة العقلية القوية. وإذا ضمت هذا الدليل العقلي إلى ما قدمناه لك من الأدلة النقلية انقلع عنك شكال الإشكال، واندفع عنك عضل الإعضال- إن شاء الله-. وأما قول السائل- كثر الله فوائده-: فإن قيل أنها خصائص لبعض الأفراد فقد يتأهل لها ناس كير مرضين، فهل يجوز العمل هذه الأخبار ويترتب عليها أحكام أم ماذا يكون حالها؟ [٤أ]. أقول: أما من لم يكن من أهل العدالة فأخباره مردودة غير مقبولة في اليقظة عن الأحياء فضلا عن الأموات، ولكن إذا أخبرنا عن الميت بشيء مطابق للواقع توجه العمل بذلك الخبر لكونه انكشف صحيحا، وأما إذا كان المخبر عدلا فيتعين قبول خبره، لكن إذا كان في حق له على الغير وجب الكشف كما وقع في الدليل السابع الذي قدمناه عن ثابت بن قيس بن تهاس، وأما إذا أخبر بأن عند فلان لفلان كذا، أو فلان فعل بفلان كذا فيجعل ذلك قرينة، فإن صح ما ذكره برهان شرعي عمل عليه، وإلا كان على المدعى عليه اليمن، وأما إذا أخبر بأن عنده لفلان كذا، فإن لم يصدقه الورثة كان عليهم اليمن أنهم لا يعلمون صحة هذا الخبر، ولا مطابقته للواقع، لأن من شرط الخبر أن يكون المخبر به حصل له سببه في اليقظة، لا في النوم، لأن النوم ليس فيه ضبط صحيح، والنائم غير ضابط ضبطا معتبرا في الرواية، ولكن لا يترك هذا الخبر هملا بل

стр. 542

يجب على الورثة اليمين (١). فإن قلت: قد جعل السائل قول الله- : ﴿فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم ويرجعون﴾ (٢) دليلا على عدم قبول ما يرويه الأحياء عن الأموات في المنام. قلت: هذه الآية في شيء آخر، وهم الذين تقوم عليهم القيامة، وينفخ في الصور فيموتون جميعا، لا يستطيع أحدهم أن يوصي إلى الآخر بأن يبلغ أهله عنه. والسياق يوضح المعنى قال- : ﴿ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهليهم يرجعون﴾ (٣). ويدلا على ذلك ما أخرجه عبد الرزاق (٤)، والفريابي (٥)،

стр. 543

وعبد بن حميد (١)، وابن المنذر (٢)، وابن مردويه (٣) عن أبي هريرة في تفسير الآية وهي: ﴿فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهليهم يرجعون﴾ (٤) قال: تقوم الساعة والناس في أسواقهم يتبايعون، ويذرعون الثياب، ويجلبون اللقاح (٥)، وفي حوائجهم فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون. وأخرج عبد بن حميد (٦)، وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد (٧)، وابن المنذر عن الزبر ابن العوام قال: إن الساعة تقوم والرجل يذرع الثوب، والرجل يحلب الناقة، ثم قرأ ﴿فلا يستطيعون توصية﴾ (٨) الآية. وأخرج البخاري (٩) ومسلم (١٠) وغيرهما عن أبي هريرة قال: قال رسول الله " لتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما فلا يتبايعانه، ولا يطويانه، ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقط فيه " الحديث إلى آخره. وأما ما استدل به- عافاه الله- من قوله: " ولا أدري ما يفعل بي ولا بكم " (١١). فهذا قاله رسول الله- ﵌ في الدنيا فلا دخل له في مسألة السؤال، والأمر ظاهر واضح [٤ب]. قال السائل- كثر الله فوائده-: المسألة الثانية: مسألة المقذيين (١٢)، وهذه المسألة أشد إشكالا من الأولى، وعذابه كون فاعلها يستخرج أشياء من الجوف الحيواني

стр. 544

والجمادي مثل الطعام والحصاة والرصاص والشعري، وغير ذلك إلى آخر ذكره. أقول: قد ثبت عنه- ﵌ صحة الرقية للحمة (١) من الحية والعقرب ونحوهما، وقال للذي (٢) يرقى بالفاتحة: وما يدريك أنها رقية! متعجبا من إصابته وقال له: اضربوا لي معكم بسهم، يعني في الجعل الذي أخذوه من المرقط للراقي. وهو القطيع (٣) من الغنم وهذا ثابت في الصحيح (٤). فإذا كان الذي يرقط من شيء من أخلاط الجوف، أو من شيء نشب في الحلق، أو نحو ذلك بصيرا في هذه الصناعة، مجربا فيها فلا بأس بأن يطلب منه ذلك، ونحمله على أن عنده رقيه غير مخالفة للشرع، ما لم نعلم أن تلك الرقية التي استخرج ها ذلك مخالفة للشرع. وقد ورد مدح الذين لا يسترقون ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون كما في الأحاديث (٥) الصحيحة. ولكن

стр. 545

ذلك فضيلة لا حتم. فقد قرر- صلى الله عليه واله وسلم- أصل الرقية، ومدح عليها، وأخذ من الجعل المجعول لصاحبها كما تقدم في حديث الرقية. وهذا باب من أبواب الطب والتداوي به. وقد صح عنه- ﵌ الأمر (١) بالتداوي وإن كان التوكل (٢) أفضل من ذلك، فإنه قد يشفط الله المريض على يد ذلك الراقي برقية حق لا برقية باطل، فإنه أخبرني بعض ثقاة العلماء أن والده وكان من كبار العلماء الحريصين على العمل بالسنن، وهجر البدع نشب بحلقه عظم، وأعيت الحيلة في استخراجه، فجاء رجل من أهل هذه الصناعة الذين يقال لهم في بلادنا مقذيون، وهم من جملة من يندرج تحت اسم الراقين، فرقاه فخرج العظم من حلقه. فهذا صنع حسن، وطب محمود، ورقية نافعة. ولهذه القصة أخوات كثيرة. والحاصل أنه لا فرق بين من يرقط من حمة، وبن من يرقي مما يؤذي، لأن الجامع بينهما أنه استخراج من البدن لما يحصل به التأذي، وإن اختلفا بشدة التألم والإفضاء إلى الموت في البعض دون البعض، مهما كانت بحق لا بباطل، فالكل من باب [٥أ] الطب المحمود، وفيه أجر عظيم، لأن الإنسان يشح بنفسه فوق شحه. بماله، والتسبب لعافيته من مرضه أعظم أجرا من التسبب لغناه ودفع الحاجة عنه، ولذا قال الشاعر: يجود بالنفس إن ضن الجبان بها ... والجود بالنفس أقصى غاية الجود وهذا معلوم لكل فرد من أفراد بني آدم أنه يطلب ما يدفع عنه المرض طلبا فوق طلب

стр. 546

شيء من الدنيا. ثم الدليل العقلي قد دل على جواز الاستشفاء بالأدوية، بل على مشروعية ذلك، وهذا منها. وقد يكون المدعي لذلك مخرقا متحيلا لطلب ما يحصل له من الجعل، وهذا لا شك أنه إذا عرف منه ذلك لم يجز قصده، ولا التداوي كما لو عرف من يدعى الطب. ممثل ذلك، وليس كلامنا إلا فيمن عرف حاله بإدراك تلك الصناعة وجرب. قال- كثر الله فوائده-: المسألة الثالثة: إذا أتى الرجل الجماعة، فوجد قد أم رجل غير مرضى عنده، وإن كانت أحوال الناس مبنية على السلامة، وإحسان الظن بالمسلمين أولى من الوساوس الشيطانية، والأوهام الفاسدة- أعاذنا الله من ذلك- وإنما قد يفضل ذلك كثير من الفقهاء المتسميين، فهل يجوز له اجتناب الجماعة؟ إلخ ما ذكره. أقول: هذا الداء العضال لا يتعلق إلا بأحد رجلن: إما جاهل للشرائع وكفى بجهله حجة عليه، ويجب على أولي الأمر ومن لهم قدرة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يعاقبوه حتى يترك ما خيله له جهله ويكرهوه على أن يسلك مسلك غيره من عباد الله من الائتمام. ممن يؤمهم، فالجاهل يقتدي بغيره، ويسأل أهل العلم، حتى ترتفع عنه الجهالة، ويعرف المسالك الشرعية، فما جئ عليه سوى جهله، وعلى براقش نفسها (١) تجئ وإما رجل قد تلبس بشيء من العلم من دون أن يمعن فيه، ويعرف ما ورد في تحسين الظن الحسن، ويقبح الظن السيئ، فهذا أشد الرجلين ذنبا، وأكثرهم إثما، فإنه لا يفعل ذلك إلا وقد صار معجبا بنفسه، وصار مستحقرا لغيره، فجمع بين ذنبن عظيمين، ولا سيما إذا كان له هيئة. بملبوسه، فإنه يقتدي به من يراه من العوام، ويصنعون كصنعه، [٥ب] فيضل ويضل. وقد تأملنا حال جماعة ممن أصيب هذا الداء فوجهناهم متفقين في

стр. 547

صفة واحدة هي كما ذكرنا أن يظن أنه قد نال نصيبا من العلم ظنا فاسدا، وجهالة مركبة، وقد يجمع عليه جماعة من العامة الذين لا يفهمون حقيقة، فيريد أن ينبل في أعينهم بالعلم والورع، فينتقص أهل العلم وأهل الدين، وضميره المستتر أنه بحاله أعلى من حالاتهم، وجلالة أكبر من جلالتهم، فيوقعه ذلك في هذا الذنب العظيم. وصار لا علم ولا عمل ولا تورع عن أعراض أهل العلم وصالحي عباد الله. قال السائل- عافاه الله-: ثم كذلك ما يفعل بعض المتفقهين من أنه يأتي إلى الصلاة في آخر وقتها فيؤم يصلى هم مثلا الظهر في آخر وقتها، ثم يتبعها بصلاة العصر بعد دخول الوقت. ممن صفى هم، وقد ينضم إليه جماعة آخرون من المنتظرين لصلاة العصر مع الإمام الراتب، والإمام الراتب قد صار في المسجد متأهبا إما يتوضئ أو يركع إلى آخر كلامه. أقول: هذا الذي أخر الظهر إلى آخر وقتها قد أحرم نفسه الأجر العظيم، وأحرم من اقتدى به، فإنه قد صح أن الصلاة لأول (١) وقتها من أفضل الأعمال، وجمع بين الصلاتين لا لسبب، بل لمجرد استثقال العبادة، وعدم الرغوب إليها، وفعل منكرا عظيما بالتجميع في مسجد فيه راتب يؤم فيه، وفرق الجماعة مع صحة النهى (٢) عن النبي - صلى الله عليه واله وسلم- عن تفريق الجماعة، وقال: ......................

стр. 548

مالي أراكم عزين (١)، أي متفرقين! وأدخل الشحناء بين المسلمين، ووثب على وظيفة هي لغيره فيتوجه الإنكار عليه وزجره. وإذا لم يرعو عزر بالحبس وغيره. ولا يصدر ذلك من عارف قط، بل يقع في هذا المنكر جاهل ظن بنفسه العلم، وعاص ظن أنه مطيع مع ما يصحب ذلك من التكبر والعجب، وظن الشمر بالناس، والانقياد للشيطان بزمام. قال السائل- كثر الله فوائده-: المسألة الرابعة: في الرجل يتولى على شيء من أموال المصالح من طريق إمام الزمان، ويفرض له أجرة معلومة، فيتوسع في التكليف، فإن كان من أهل الرياسة توسع في الأعوان والمراكيب والسلاح والفراشات والنفائس العظيمة، وإن كان من أهل العلم توسع في جمع الكتب العظيمة النفيسة إلى آخر كلامه. أقول [٦أ] إن كان رزق هذا الذي فرضه له الإمام من بيت المال معلوما، وكان لا يقوم ذلك. مما توسع به في النفقة والكسب فهو خائن إن كان متوليا على شيء من بيت المال، أو من الأوقاف، أو من سائر الأعمال، وإن كان قاضيا فهو مرتش، آكل لأموال الناس بالباطل. هذا على تقدير أن دخله معلوم، وأنه لا دخل له من عمل آخر غير ذلك، وإن كان له من بيت المال دخل غير ما هو معلوم عند من لا يعرف حاله، أو هو متول على أعمال متعددة بحيث يمكن منها أن يتوسع التوسع الذي صار فيه، فينبغي تحسين الظن به، وإعمال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في شأنه ويشافهه، فهو إن كان من أهل العلم لا يحرج من ذلك، وأما ما يجوز له تناوله فإن كان له من بيت المال

стр. 549

ما يكفيه لا يجوز له أن يأخذ أجرة غير ذلك، بل يقتصر على ذلك، وإذا قصرت الجراية عن تكليفه طلب من الإمام أن يزيد على ما جعله له من بيت المال إلى القدر الذي يقوم به، فإن لم يفعل الإمام ترك العمل الذي فوضه فيه، واشتغل بغيره، واتكل على خالقه في رزقه، فقد جرت عاده الله- أن من ترك ما لا يحل له عوضه الله من حلاله، ووسع عليه، فقد تكفل- سبحانه- برزق عباده، وأمرهم بطاعته والقيام. مما شرعه لهم. قال- كثر الله فوائده-: المسألة الخامسة: في أموال المصالح المعشرية مثل المناهل والمساجد والس! بل، هل يجب فيها الزكاة إلى آخر كلامه؟. أقول: إن كانت الأموال مكسوبة من فاضل الغلة لمثل المساجد والمناهل ونحوهما ففيهما الزكاة كغيرها من أموال الناس، وعموم أدلة الزكاة متناولة لها، لأنها أموال، وإما أنها تجب الزكاة في نفس الزكاة المسوقه إلى بيت المال فلا، وكذلك الجزية المسوقة إلى من هي له لا تجب فيها الزكاة، لأنها من أموال الله- وقد صارت إلى مصرفها، فإخراج بعضها زكاة يحالف موضوعها الشرعي، ويجوز للعامل على هذه الأمور إذا كانت له ولاية شرعية عليها أن يأخذ أجرته بالمعروف، وأما من كان أمر زكاته إليه بتفويض من الإمام كالإجبار فواجب عليهم أن يصرفوها في مصارفها، ولا يأخذوا منها شيئا، فإن أخذوا فهو منكر يجب إظهاره عليهم، ولو كان مصرفا فلا يجوز له أن يصرف زكاته في نفسه. وإلى هنا انتهى الجواب بقلم كاتبه محمد بن على الشوكاني- غفر الله له [٦ب]-.

стр. 550

بحث في مستقر أرواح الأموات تأليف محمد بن علي الشوكاني حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه محمد صبحي بن حسن حلاق أبو مصعب

стр. 551

وصف المخطوط ١ - عنوان المخطوط: (بحث في مستقر أرواح الأموات). ٢ - موضوع الرسالة: في العقيدة. ٣ - أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله الطاهرين. اعلم أنه قد طال الخلاف بين أهل العلم في مستقر أرواح الأموات ... ٤ - آخر الرسالة: وفي أن البدن يصير حيا جما كحالته في الدنيا، أو حيا بدوها حيث شاء الله، فإن ملازمة الحياة للروح أمر عادي لا عقلي وفي وهذا القدر كفاية. انتهى. ٥ - نوع الخط: حط نسخط معتاد. ٦ - الناسخ: المؤلف: محمد بن علي الشوكاني. ٧ - عدد الأوراق: ورقتان. ٨ - عدد الأسطر في الصفحة: الأولى: ٩ سطرا. الثانية: ٣٤ سطرا. الثالثة: ٣١ سطرا. الرابعة: ٢٠ سطرا. ٩ - عدد الكلمات في السطر: ٩ - ١١ كلمة. ١٠ - الرسالة من المجلد الرابع من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.

стр. 552

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله الطاهرين. اعلم أنه قد طال الخلاف بين أهل العلم في مستقر أرواح الأموات من المؤمنين والعاصين بعد مفارقتها للأجساد. فذهب جمهورهم إلى أنها في حواصل طيور في الجنة يذهب حيث شاءت، واستدلوا. مما ورد من الأحاديث التي يتضمن بعضها مستقر أرواح الشهداء على الخصوص، وبعضها مستقر أرواح المؤمنين على العموم، فمن ذلك ما ثبت في صحيح مسلم (١) وغيره من حديث ابن مسعود قال: قال رسول الله- ﵌[١أ]:" أرواح الشهداء عند الله في حواصل طيور خضر تسرح في أنهار الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى قناديل تحت العرش "، وأخرجه أحمد (٢)، وأبو داود (٣)، والحاكم (٤)، والبيهقي (٥) من حديث ابن عباس. وأخرج نحوه بقى بن مخلد (٦) من حديث أبي سعيد، وأخرج نحوه أيضًا أبو الشيخ من حديث أنس، وأخرجه أيضًا هناد بن السري (٧)، وابن منده (٨) من حديث أبي سعيد الخدرى من وجه آخر, وأخرج ابن أبي حاتم (٩) من حديث ابن مسعود: " أن أرواح

стр. 553

المؤمنين في أجواف عصافير تعرج في الجنة حيث شاءت ". وأخرج مالك في الموطأ (١)، وأحمد (٢)، والنسائي (٣) بإسناد صحيح من حديث كعب بن مالك أن رسول الله- صلى الله عليه واله وسلم- قال: " إنما نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه "، ومعنى يعلق يأكل وهو بضم اللام. وأخرج أحمد (٤)، والطبراني (٥) بإسناد حسن عن أم هانيء عن النبي- صلى الله عليه واله وسلم- مثله. وأخرج نحوه ابن عساكر (٦) من حديث أم بضر، والبيهقي في الشعب (٧) من حديثها نحوه من طريق أخرى. وأخرج ابن منده (٨)، والطبراني (٩)، وأبو الشيخ (١٠) من حديث ضمرة بن حبيب نحوه أيضا.

стр. 554

وأخرج ابن مردويه (١) من حديث ابن عمر نحوه أيضا. وقالت طائفة من الصحابة والتابعين: إن أرواح المؤمنين عند الله ولم يزيدوا على ذلك. واستدلوا. ممثل ما رواه سعيد بن منصور (٢) في سننه عن ابن عمر عنه- ﵌ أنه قال: (الأرواح عند الله في السماء)، ويندرج في هذا القول قول من قال: إنها في السماء السابعة، وقول من قال: إنها في دار فيها، لأنها عند الله - سبحانه-. وقال جماعة من الصحابة والتابعين: إن الأرواح تجمع في موضع من الأرض، فأرواح المؤمنين بالجابية (٣)، وأرواح الكفار في بير برهوت (٤). وقيل أرواح المؤمنين بزمزم، وقيل بأريحا، وقيل بالأردن، وقيل ما بين السماء والأرض.

стр. 555

واستدلوا بمثل ما أخرجه ابن مردويه (١)، وابن عساكر (٢) من حديث عبد الله بن عمر: " أن أرواح المؤمنين تجمع بالجابية، وأرواح الكفار تجمع ببير برهوت ". وأخرج ابن أبي الدنيا (٣) عن على قال: (أرواح المؤمنين في بير زمزم، وأرواح الكفار ببير برهوت). وأخرج الحاكم في المستدرك (٤)، وابن منده (٥) عن عبد الله بن عمر: " أن أرواح

стр. 556

المسلمين تجتمع بأريحا، وأرواح المشركين بصنعاء " فبلغ ذلك [١ ب] كعب الأحبار فقال صدق. وقالت طائفة: إن أرواح المؤمنين في الجنة، وأرواح الكفار في النار. واستدلوا. مما أخرجه ابن ماجة (١)، والطبراني (٢)، والبيهقي في الشعب (٣) بإسناد حسن من حديث عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أم بشر بنت البراء أن النبي- ﵌ قال: " إن نسمة المؤمن تسرح في الجنة حيث شاءت، ونسمه الكافر في سجين ". وبما أخرجه أبو داود (٤) من حديث أبي هريرة أن النبي- ﵌، لما رجم الأسلمي الذي اعترف عنده بالزنا قال: "والذي نفسي بيده إنه الآن في أنهار الجنة ينغمس". وبما أخرجه البزار (٥)، والطبراني (٦) من حديث جابر أن النبي- صلى الله عليه وآله

стр. 557

وسلم- سئل عن خديجة فقال: " أبصرتها على نهر من أنهار الجنة في بيت من قصب لا لغو فيه ولا نصب". وأصله في الصحيح (١). ويدل على ذلك أحاديث كثيرة مصرحة بأن أرواح المؤمنين في الجنة، وأرواح الكافرين في النار. وقالت طائفة: إن أرواح المؤمنين عن يمين آدم، والكفار عن شماله. واستدلوا. بما ثبت في الصحيح (٢) في حديث الإسراء أن النبي- ﵌ لما أسرى به وجد آدم في سماء الدنيا، وأرواح أهل السعادة عن يمينه، وأرواح أهل الشقاوة عن يساره، فإذا نظر إلى أهل السعادة ضحك، وإذا نظر إلى أهل الشقاوة بكى. قال محمد بن نصر المروزي (٣): إن إسحاق بن راهوية قال: وعلى هذا أجمع أهل العلم، وقال ابن حزم (٤) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيم (٥) فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٦): وهو قول جميع أهل الإسلام.

стр. 558

قلت: ولا تصح (١) هذه الدعوى للإجماع، فإن الطوائف مختلفة حسبما قدمنا، والأدلة متنافية في الظاهر، وكون أرواح الكفار في السماء غير مسلم وإن كان ذلك مجرد العرض على آدم. من دون استقرار فلا بأس، ولكن الخلاف في مستقر الأرواح. وقالت طائفة: إن أرواح المؤمنين والكافرين على أفنية القبور إلا أرواح الشهداء فإنها في الجنة. وحكاه ابن حزم (٢) عن عامة أصحاب الحديث. وقالت طائفة: إن أرواح المؤمنين في عليين، وأرواح الكفار في سجين. ورجح هذا القول الحافظ ابن حجر (٣) وقد تقدم في الأحاديث التي ذكرناها ما يخالفه. وقد استدل بعض أهل العلم لهذا القول. مما في حديث الجريدة (٤)، وأنه- ﵌ قال: " إنه يخفف على القبرين ما دامت رطبة" ولا يتم [٢أ] هذا الاستدلال، فان التخفيف لا يستلزم أن تكون الروح المخفف عنه في ذلك المكان. وقالت طائفة من المتكلمين: إن الأرواح (٥) تموت. بموت الأجساد، وهذا القول باطل

стр. 559

ترده الأدلة الصحيحة، وتدفعه الإجماعية المحكية عن أهل الإسلام من طرق وقد نص هذا القول إلى المعتزلة (١)، ولا يصح ذلك، وقد جمع بين هذه الأقوال بأن الأرواح متفاوتة في مستقرها، وأن الأدلة إلى قدمناها كل نوع منها وارد على فريق من الناس، وهذا جمع حسن، قال القرطبي (٢): الأحاديث دالة على أن أرواح الشهداء خاصة في الجنة دون غيرهم، فإن أرواحهم تكون في السماء تارة، وفي الجنة تارة، وعلى أفنية القبور تارة. وقد ورد أن أرواح الشهداء على بارق نهر بباب الجنة، وفي بعض ألفاظه ما يدل على أن النهر خارج الجنة، ويمكن الجواب عن هذا بأنها تفارق الجنة في بعض الحالات اختيارا منها، وتعود إلى حيث كانت. قال ابن تيمية (٣): الأحاديث متواترة على عود الروح إلى الجسد وقت السؤال. وقال تقي الدين (٤) السبكي: عود الروح إلى الجسد ثابت في الصحيح بجميع الموتى فضلا عن الشهداء، وإنما النظر في استمرارها في البدن، وفي أن البدن يصير حيا بها كحالته في الدنيا، أو حيا بدونها حيث شاء الله، فإن ملازمة الحياة للروح أمر عادي لا عقلي. وفي هذا القدر كفاية انتهى.

стр. 560

سؤال عن حديث (الأنبياء أحياء في قبورهم) وقول المفسرين أن مريم بنت ناموس دلت على عظام يوسف ﵇ تأليف محمد بن علي الشوكاني حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه محمد صبحي بن حسن حلاق أبو مصعب

стр. 561

وصف المخطوط ١ - عنوان الرسالة: سؤال عن حديث: " الأنبياء أحياء في قبورهم" وقول المفسرين أن مريم بنت ناموس دلت على عظام يوسف ﵇. ٢ - موضوع الرسالة: في العقيدة. ٣ - أول الرسالة: قال ﷺ : أقول: حديث الأنبياء أحياء في قبورهم صححه البيهقي ... ٤ - آخر الرسالة: ... في أن المقالة حق يجوز التمسك بها كما يجوز التمسك بالدليل فهو لا يقوله إلا من لاحظ له في العلم ولا نصيب له من العقل والله سبحانه أعلم. ٥ - نوع الخط: خط نسخي جيد. ٦ - عدد صفحات الرسالة: (٥) صفحات. الأولى: ٨ أسطر. الثانية: ٢٢سطرا. الثالثة: ٢٢ سطرا. الرابعة: ٢٢ سطرا. الخامسة: ٤ أسطر. ٧ - عدد الكلمات في السطر: ١٢ كلمة في السطر تقريبا. الرسالة من المجلد الأول من " الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني ". حصلت عليها من الأخ/ عادل حسن أمين. الذي أحضرها من الهند أثناء دراسته هناك فجزاه الله خيرا.

стр. 562

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سؤال عن حديث "الأنبياء أحياء في قبورهم " وقول المفسرين أن مريم (١) بنت ناموس دلت على عظام يوسف ﵇ قال ﷺ : أقول: حديث الأنبياء أحياء في قبورهم صححه البيهقي (٢) وألف فيه جزأ ويؤيد ذلك ما ثبت أن الشهداء (٣) أحياء يرزقون في قبورهم وهو ﷺ رأس الشهداء. قال الأستاذ أبو منصور (٤) البغدادي: قال المتكلمون المحققون من أصحابنا أن نبينا ﷺ

стр. 563

حي (١) بعد وفاته. انتهى. ويعكر على هذه أمور: الأول: ما ورد في الصحيح (٢) في حديث الإسراء أنه ﷺ لقى جماعة من الأنبياء في السماوات [ا أ]. وثانيًا: ما ورد أن الأنبياء لا يتركون في قبورهم فوق ثلاث وروي فوق أربعين يوما إن صح ذلك والله أعلم. وقد تكلم على ذلك أهل العلم فأطالوا وأطابوا فبعضهم ضعف حديث الأنبياء أحياء في قبورهم وبعضهم جمع بينه وبين ما عارضه فإنه لا مانع من رفعهم إلى السماء ثم عودهم. وبعضهم جزم بأنهم باقون في قبورهم وفي السماء ملائكة على

стр. 564

صورهم (١) والحاصل أن المقام من المحارات لا باعتبار القصة المسئول عنها فهي لا تنهض لمعارضة ما ثبت عن الشارع، ولا تستشكل الأحاديث باعتبارها فكثيرا ما وقع من الأكاذيب في كتب التفسير (٢) لا سيما المشتملة على حكاية القصص المطولة فهي متلقاة من أهل الكتاب المنصوص على أنهم يحرفون (٣) الكلم عن مواضعه ويبدلون القول، بل كثير من

стр. 565

الحكايات المدونة في كتب التقصير لا مستند لها إلا ما يعتاده القصاص من تطويل ذيول المقال بالأكاذيب الحرية بالإبطال، فما كان كذلك لا ينبغي أن يلتفت إليه أو يعتقد صحته على فرض عدم معارضته لشيء مما ورد عن الشارع فكيف إذا عارض ما ورد وإن كان قاصرا عن رتبة الصحة. والحاصل أن التفسير الذي ينبغي الاعتداد به والرجوع إليه هو تفسير كتاب (١) الله حل جلاله باللغة العربية حقيقة ومجازا إن لم يثبت في ذلك حقيقة شرعية فإن ثبتت فهي مقدمة على غيرها وكذلك إذا ثبت تفسير ذلك من الرسول ﷺ فهو أقدم من كل شيء بل حجة متبعة لا تسوغ مخالفتها لشيء آخر ثم تفاسير علماء الصحابة المختصين برسول الله ﷺ فإنه يبعد كل البعد أن يفسر أحدكم كتاب الله ولم يسمع [١ب] في ذلك شيئا عن رسول الله ﷺ وعلى فرض عدم السماع فهو أحد العرب الذين عرفوا من اللغة دقها وجلها وأما تفاسير غيرهم من التابعين ومن بعدهم فإن كان من طريق الرواية نظرنا في صحتها سواء كان المروى عنه الشارع أو أهل اللغة وإن كان. محض الرأي فليس ذلك شيء ولا يحل التمسك به ولا جعله حجة، بل الحجة ما قدمناه ولا نظن بعالم من علماء الإسلام أن يفسر القرآن برأيه فإن ذلك مع كونه من الإقدام على ما لا يحل. مما لا يحل قد ورد النهي عنه في حديث "من فسر القرآن برأيه فأصاب فقد أخلى، ومن فسر القران برأي، فأخطأ فقد كفر" (٢) أو كما قال: إلا أنا لم نتعبد. بمجرد هذا الإحسان للظن على أن نقبل تفسير (٣) كل عالم كيف ما كان بل إذا لم نجلى مستندا إلى الشارع.
следующие страницы →