وصف المخطوط
١ - عنوان الرسالة: سؤال عن حديث: " الأنبياء أحياء في قبورهم" وقول المفسرين أن مريم بنت ناموس دلت على عظام يوسف ﵇.
٢ - موضوع الرسالة: في العقيدة.
٣ - أول الرسالة: قال ﷺ : أقول: حديث الأنبياء أحياء في قبورهم صححه البيهقي ...
٤ - آخر الرسالة: ... في أن المقالة حق يجوز التمسك بها كما يجوز التمسك بالدليل فهو لا يقوله إلا من لاحظ له في العلم ولا نصيب له من العقل والله سبحانه أعلم.
٥ - نوع الخط: خط نسخي جيد.
٦ - عدد صفحات الرسالة: (٥) صفحات.
الأولى: ٨ أسطر.
الثانية: ٢٢سطرا.
الثالثة: ٢٢ سطرا.
الرابعة: ٢٢ سطرا.
الخامسة: ٤ أسطر.
٧ - عدد الكلمات في السطر: ١٢ كلمة في السطر تقريبا.
الرسالة من المجلد الأول من " الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني ".
حصلت عليها من الأخ/ عادل حسن أمين. الذي أحضرها من الهند أثناء دراسته هناك فجزاه الله خيرا.
стр. 562
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سؤال عن حديث "الأنبياء أحياء في قبورهم " وقول المفسرين أن مريم (١) بنت ناموس دلت على عظام يوسف ﵇ قال ﷺ : أقول: حديث الأنبياء أحياء في قبورهم صححه البيهقي (٢) وألف فيه جزأ ويؤيد ذلك ما ثبت أن الشهداء (٣) أحياء يرزقون في قبورهم وهو ﷺ رأس الشهداء.
قال الأستاذ أبو منصور (٤) البغدادي: قال المتكلمون المحققون من أصحابنا أن نبينا ﷺ
стр. 563
حي (١) بعد وفاته. انتهى.
ويعكر على هذه أمور:
الأول: ما ورد في الصحيح (٢) في حديث الإسراء أنه ﷺ لقى جماعة من الأنبياء في السماوات [ا أ].
وثانيًا: ما ورد أن الأنبياء لا يتركون في قبورهم فوق ثلاث وروي فوق أربعين يوما إن صح ذلك والله أعلم. وقد تكلم على ذلك أهل العلم فأطالوا وأطابوا فبعضهم ضعف حديث الأنبياء أحياء في قبورهم وبعضهم جمع بينه وبين ما عارضه فإنه لا مانع من رفعهم إلى السماء ثم عودهم. وبعضهم جزم بأنهم باقون في قبورهم وفي السماء ملائكة على
стр. 564
صورهم (١) والحاصل أن المقام من المحارات لا باعتبار القصة المسئول عنها فهي لا تنهض لمعارضة ما ثبت عن الشارع، ولا تستشكل الأحاديث باعتبارها فكثيرا ما وقع من الأكاذيب في كتب التفسير (٢) لا سيما المشتملة على حكاية القصص المطولة فهي متلقاة من أهل الكتاب المنصوص على أنهم يحرفون (٣) الكلم عن مواضعه ويبدلون القول، بل كثير من
стр. 565
الحكايات المدونة في كتب التقصير لا مستند لها إلا ما يعتاده القصاص من تطويل ذيول المقال بالأكاذيب الحرية بالإبطال، فما كان كذلك لا ينبغي أن يلتفت إليه أو يعتقد صحته على فرض عدم معارضته لشيء مما ورد عن الشارع فكيف إذا عارض ما ورد وإن كان قاصرا عن رتبة الصحة.
والحاصل أن التفسير الذي ينبغي الاعتداد به والرجوع إليه هو تفسير كتاب (١) الله حل جلاله باللغة العربية حقيقة ومجازا إن لم يثبت في ذلك حقيقة شرعية فإن ثبتت فهي مقدمة على غيرها وكذلك إذا ثبت تفسير ذلك من الرسول ﷺ فهو أقدم من كل شيء بل حجة متبعة لا تسوغ مخالفتها لشيء آخر ثم تفاسير علماء الصحابة المختصين برسول الله ﷺ فإنه يبعد كل البعد أن يفسر أحدكم كتاب الله ولم يسمع [١ب] في ذلك شيئا عن رسول الله ﷺ وعلى فرض عدم السماع فهو أحد العرب الذين عرفوا من اللغة دقها وجلها وأما تفاسير غيرهم من التابعين ومن بعدهم فإن كان من طريق الرواية نظرنا في صحتها سواء كان المروى عنه الشارع أو أهل اللغة وإن كان. محض الرأي فليس ذلك شيء ولا يحل التمسك به ولا جعله حجة، بل الحجة ما قدمناه ولا نظن بعالم من علماء الإسلام أن يفسر القرآن برأيه فإن ذلك مع كونه من الإقدام على ما لا يحل. مما لا يحل قد ورد النهي عنه في حديث "من فسر القرآن برأيه فأصاب فقد أخلى، ومن فسر القران برأي، فأخطأ فقد كفر" (٢) أو كما قال: إلا أنا لم نتعبد. بمجرد هذا الإحسان للظن على أن نقبل تفسير (٣) كل عالم كيف ما كان بل إذا لم نجلى مستندا إلى الشارع.
стр. 566
ولا إلى أهل اللغة لم يحل لنا العمل به مع التمسك بحمل صاحبه على السلامة .. ونظر ذلك.
اختلاف العلماء في سائر المسائل العلمية فلو كان إحسان الظن مسوغا للعمل. مما ورد عن كل واحد منهم لوجب علينا قبول الأقوال المتناقضة في تفسير آية واحدة أو في مسألة
стр. 567
علمية واللازم باطل فالملزوم مثله وكثيرا ما نسمع من إسراء التقليد الذين يعرفون الحق بالرجال لا بالاستدلال إذا قال لهم القائل: الحق في هذه المسألة كذا أو الراجح قول فلان قالوا لست أعلم من فلان يعنون القائل من العلماء بخلاف الراجح في تلك المسألة فنقول لهم نعم لست أعلم من فلان ولكن هل يجب على إتباعه والأخذ بقوله فيقولون لا ولكن الحق لا يفوته فتقول لهم لا يفوته وحده بخصوصية فيه أم لا يفوته هو ومن يشابهه [٢أ] من العلماء ممن بلغ إلى الرتبة إلى بلغ إليها في العلم فيقول نعم لا يفوته هو وأشباهه ممن هو كذلك فيقال لهم له من الأشباه والأنظار في علماء السلف والخلف آلاف مؤلفة بل فيهم أعداد متعددة يفضلونه ولهم في المسألة الواحدة الأقوال المتقابلة فربما كانت العين الواحدة عند بعضهم حلالا وعند الآخر حراما فهل تكون العين حلالا حراما لكون كل واحد منهم لا يفوته الحق كما زعمتم فإن قلتم نعم فهذا باطل ومن قال بتصويب المجتهدين إنما يجعل قول كل واحد منهم صوابا لا إصابة وفرق بين المعنيين أو يقول القائل في جواب مقالتهم فلان أعرف منك بالحق لكونه أعلم إذا كان الأسعد بالحق الأعلم فما أحد إلا وغره أعلم منه ففلان الذي يعنون غيره أعلم منه فهو أسعد منه بالحق فلم يكن الحق حتى بيده ولا بيد أتباعه وهذه المحاورات إنما يحتاج إليها من ابتلى.
بمحاورة المقصرين الذين لا يعقلون الحجيج ولا يعرفون أسرار الأدلة ولا يفهمون الحقائق فيحتاج من ابتلي هم وبما يرد عليه من قبلهم إلى هذه المناظرات التي لا يحتاج إلى مثلها من له أدق تمسك بأذيال العلم فإن كل عارف يعرف أن وظيفة المجتهد ليست قبول قول العالم المختص بمرتبة من العلم فوق مرتبته إنما هي وظيفته قبول حجته فإذا لم تبرز الحجة لم يحل للمجتهد الأخذ بذلك القول الخالي عن الحجة في علمه وإن كان في الواقع ربما له حجة لم يطلع عليها العالم الآخر إلا أن مجرد هذا التجويز يجوز التمسك به [٢ب] في إحسان الظن بالعالم الأول وحمله على السلامة لا أنه يجوز التمسك به في أن المقالة حق يجوز التمسك بها كما يجوز التمسك بالدليل فهو لا يقوله إلا من لاحظ له من العلم ولا نصيب له من العقل والله سبحانه أعلم.
стр. 568
بحث في الرد على من قال إن علوم الإنسان تسلب عنهم في الجنة
تأليف
محمد بن علي الشوكاني
حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه
محمد صبحي بن حسن حلاق
أبو مصعب
стр. 569
وصف المخطوط
١ - عنوان الرسالة: " بحث في الرد على من قال إن علوم الناس تسلب عنهم في الجنة).
٢ - موضوع الرسالة: في العقيدة.
٣ - أول الرسالة: "بسم الله الرحمن الرحيم، إياك نعبد وإياك نستعين، ولك الحمد يا رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وآله وصحبه الأكرمين، وبعد: فإنه وصل السؤال ...
٤ - آخر الرسالة: وفي هذا المقدار كفاية لمن له هداية والله ولي التوفيق حرره كاتبه محمد بن علي الشوكاني غفر الله لهما في يوم السبت تاسع شهر شوال سنة ١٢٤٥هـ.
٥ - نوع الخط: خط نسخي معتاد.
٦ - الناسخ: المؤلف: محمد بن علي الشوكاني.
٧ - عدد الورقات: (٣) ورقات.
٨ - عدد الأسطر في الصفحة: ٣٤ سطرا.
٩ - عدد الكلمات في السطر: ١٢ - ١٤ كلمة تقريبا.
١٠ - الرسالة من المجلد الخامس من مجلدات الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.
стр. 570
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إياك نعبد، وإياك نستعين، ولك الحمد يا رب العالمين. والصلاة والسلام على سيد المرسلين وآله وصحبه الأكرمين، وبعد:
فإنه وصل السؤال عن الكلام الذي وقعتم عليه للحافظ الذهبي (١) من أن علوم أهل الجنة تسلب عنهم في الجنة، ولا يبقى لهم شعور بشيء منها، فاقشعر جلدي عند الإطلاع على هذا الكلام من مثل هذا الحافظ الذي أفنى عمره في الكتاب والسنة والتراجم لعلماء هذا الشأن. وقد كنت قديما وقفت على شيء من هذا، لكن لفرد شاذ من أفراد الحكماء قاله لا عن دراية ولا رواية، فلم ألمه لجهله بالكتاب والسنة. فيا ليت شعري كيف يجري قلم أحقر عالم من علماء الشريعة. ممثل هذا! وعجبت ما أدخل هذا الحافظ (٢) في مثل هذه المداخل المقفرة المكفهرة التي يتلون الخريت (٣) في شعابها وهضابها، ويتحمل هذا الثقل الثقيل، والعبء الجليل! والحاصل أن الطوائف الإسلامية على
стр. 571
اختلاف مذاهبهم، وتباين طرقهم متفقون على أن عقول أهل الجنة تزداد صفاء وإدراكا لذهاب ما كان يعتريهم من الكدورات الدنيوية، وكيف يسلبون ما هو عندهم من أعظم النعم، وأوفر القسم! وهم في دار فيها ما تشتهيه الأنفس، وتلذ به الأعين، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر (١). فكأن هذا القائل لم يقرأ القرآن الكريم، وما أسهل عليه من تحاور أهل الجنة (٢) وأهل النار وتخاصمهم بتلك الحجج التي لا تصدر إلا عن أكمل الناس عقلا، وأوفر الخلائق فهما! وما يذكرونه من حالهم الذي كانوا عليه في أهليهم، بل ما يودونه من إبلاغ الأحياء عنهم ما صاروا فيه من النعم قال ﴿يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ (٣) وورد مثل هذا المعنى في القرآن التي رفع لفظه من المصحف، كما ثبت في الصحاح (٤) تركيب
стр. 572
الحديث عن أولئك الشهداء بلفظ: "بلغوا قومنا أن قد لقب ربنا فرضي عنا وأرضان! " وكذلك ما ثبت من اجتماع أهل الجنة (١) ومذاكرتهم. مما كانوا فيه في الدنيا، وما صاروا إليه في الجنة كما في الآيات المشتملة على ما في الجنة مما أعده الله لهم حيث يقول: وفيها (٢) وفيها في آيات كثيرة، وذكر أن أهلها على ...............
стр. 573
سرر (١) متقابلين، وأنه يطوف عليهم ولدان مخلدون (٢) وثبت أنهم يدخلون (٣) الجنة على تلك الصفات من الجمال والشباب، وكمال الخلق، وحسن الهيئة [١ب] مردا جردا، أبناء ثلاث وثلاثين سنة، وأنهم يخيرون في الجنة ما يشتهون. وكم يعد العاد من الآيات القرآنية، والأحاديث (٤) الصحيحة! ولا يتم هذا النعيم ولا بعضه إلا وهم ذو عقول
стр. 574
صحيحة بالضرورة العقلية، كما ثبت بالضرورة الدينية. ومعلوم أنهم إذا كانوا ذوى عقول فمهما وجدت معهم فهي بالإمكان العام والخاص قادرة على كسب ما تحدد لها من العلوم، ذاكرة لما حصل لها منها من قبل هذا ما لا يحتاج إلى بيان، ولا يفتقر إلى برهان. ولو فقدوها لفقدوا الإنسانية الكاملة، وصاروا مشاهن للدواب، وأي نعمة لمن عقل له كما هو مشاهد من المصابين بالجنون في الدنيا! وأي فائدة للمبالغة في نعيم من كان ذاهب العقل. مما ثبت في الكتاب والسنة من أنهم على صفات فوق صفاتهم في الدنيا. بمسافات! لا يقادر قدرها، ولا يحاط بكنهها. وكذلك لا يتم نعيمهم إلا بوجود الحواس (١) الظاهرة والباطنة، ولو فقدوا أحدها لما تنعموا كما ينبغي وكذا لو فقدوا
стр. 575
بعضها لم يكن له شعور بالتنعم الذي وصفه الله- سبحانه-، وبالغ فيه. وأي فائدة لفاقد العقل! وأي شعور له بكونه على صفة كمالية في جماله، ولباسه الحرير والديباج وتحليه بالذهب والجواهر، وأكله من أطيب المأكل، وشربه من أنفس المشروب، وكذا لا نعمه تامة فضلا عن أن يكون فاضلا لمن كان أعمى أو أصم، أو لا يفهم شيئا، أو لا يذكر ما مضى له، ولا يفكر في ما هو فيه.
وإذا تقرر لك هذا علمت أن أهل الجنة لهم العقول الفائقة، والحواس الكاملة إلى حد يتقاصر عنه ما كان لهم من العقول والمشاعر في دار الدنيا، كما كان لهم الهيئة الفائقة هيئة الدنيا شبابا وجمالا، وقوة وفهما، وفكرا وذكرا، وحفظا وسلامة من كل نقص. ولو لم يكن الأمر هكذا لم يكن لهم فائدة. مما بولغ في شأنهم من الصفات، بل يعود ذلك بالنقص لما أثبت لهم منها في الجنة. هذا معلوم بالعقل والشرع، لا يتمارى فيه قط. وأقل حال أن يكون النعيم المحكوم لهم به في الجنة كتابا وسنة ناقصا. والمفروض أنه بالغ في الكمال إلى غاية فوق كل غاية هذا خلف يدافع نصوص الكتاب والسنة مدافعة يفهمها كل من له عقل وإدراك. فيا عجبا كل العجب من التجري على أهل هذه الدار التي هي دار النعيم المقيم على الحقيقة. مما ينغص نعيمهم، ويشوش حالهم، ويكدر [٢أ] صفوهم، ويمحق ما أعده الله لهم! ومن التجري على الله- سبحانه-، وعلى رسوله. مما يستلزم عدم ثبوت ما أثبته الكتاب والسنة لهم، وتكديره وذهاب أثره، ومحق بركته! وأنت تعلم أن مثل هذا يستلزم الكفر الصراح. فأين هذا القادح الفادح من نعيم دار يعدل موضع سوط أحدهم فيها الدنيا بأسرها، وجميع ما فيها، ومن دار نصيف إحدى زوجاتهم يعدل الدنيا وما فيها، ومن دار لو أشرفت إحدى الجواري (١) المعدة لهم
стр. 576
على أهل الدنيا لفتنتهم أجمعين، كما ثبت في الأحاديث الصحيحة. ومع هذا قد ثبت قرآنا أنهم على سرر (١) متقابلين، وأنه يطوف عليهم ولدان مخلدون، وثبت سنة أنهم يجتمعون (٢) ويزاورون (٣). فليت شعري ما فائدة هذا الاجتماع والتزاور لمن لا عقل له، ولا فهم، ولا فكر، ولا ذكر!
والحامل أن التقول. بمثل هذا القول هو أن التقول على الله- سبحانه-. مما لم يقل، وعلى رسله، وعلى شرائعه. مما لم يكن منها. وقد ثبت في القرآن الكريم الحكم على المتقولين (٤). مما هو معلوم لكل من يعرف القرآن، وإذا ثبت أن مثل هذا باطل في الدار
стр. 577
الآخرة، فانظر إلى هذه الدار دار الدنيا التي ليست بشيء بالنسبة إلى الدار الآخرة، لو قيل لأحدهم أنه سيكون لك ما تريد من جمال الهيئة وكمالها، ومن النعيم البالغ، ومن الرياسة التامة، ولكن ستصاب بالجنون، أو تفقد جميع المشاعر لقال لا ولا كرامة، دعوني أعش صعلوكا فقيرا شحاذا فهو أطيب لي مما عرضتموه علي، وأحب إلي مما جئتموني به.
خذوا رفدكم لا قدس الله رفدكم ... سأذهب عنه لا علي ولا ليا
وإنما أوردنا لك هذه الأمور ليعلم أن الروح للإنسان إذا كان ساذجا كان كله ساذجا، إذ الروح هو الإنسانية التي يتميز بها صاحبها عن الدواب، وجميع ما ذكرنا من العقل والحواس الباطنة والظاهرة هو له، لا للحم ولا للدم ولا للعظم، فإذا كان الروح ساذجا فلم يبق إلا صورة اللحم والدم، وهو المقصود بقولهم في بيان ماهية الإنسان أنه حيوان ناطق، أي مدرك للمعقولات، وليس ذلك للقالب الذي هو فيه. وكما أن ما ذكرناه وقررناه هو إجماع الطوائف الإسلامية على إخلاف أنواعهم فهو أيضًا إجماع أهل الشرائع كلها كما تحكي ذلك كتب الله- المرسلة على رسله، وتحكيه أيضًا كتبهم المؤلفة من أحبارهم ورهبانهم، فإنه لا خلاف بينهم في المعاد وفي النعيم المعد لأهل الجنة، كما حكاه الكتاب العزيز. وقد أوردنا من ذلك في الحرة الفاخرة (١) في إثبات الدار الآخرة، وفي إرشاد الثقات (٢) إلى اتفاق الشرائع على إثبات التوحيد والمعاد والنبوات كثيرا من نصوص (٣) التوراة والإنجيل والزبور وسائر كتب نبوات أنبياء الله
стр. 578
- تعالى-[٢ب]، ولم يشذ منهم إلا اليهودي الزنديق موسى بن (١) ميمون، وقد تبرأ منه قدما اليهود، وحرموه أي: أخرجوه من دينهم، بل وكذلك النصارى، وإن لم يكن من أهل ملتهم، فقد صرحوا بخذلانه وزندقته.
قال البصراني في تاريخه (٢): ورأيت كثيرا من يهود بلاد الإفرنج بأنطاكية وطرابلس يلعنونه ويسمونه كافرا انتهى.
قلت: وقد وقع لهذا الملعون من تحريف كثير ما يدل على إلحاده وزندقته، وقد رددت ما حرفه في المؤلفين المذكورين سابقا، وأوضحته بأتم إيضاح وأما يهود عصرنا فصاروا يعظمونه، وذلك لجهلهم بحقيقة الحال، وقد ذكرت لجماعة من أحبارهم بعض تحريفاته فلعنوه وتبرؤوا منه، وكما أن هذا الذي ذكرناه مجمع عليه بين أهل الملل التابعين لأنبيائهم فهو أيضًا مجمع عليه بين المشتغلين بالعقل والنظر كالكلدانيين (٣) والصابئين أتباع صاب بن إدريس (٤) كما رويناه في حكاية مذاهبهم التي ذهبوا إليها في شأن المعاد، ومنهم اليونان فإنهم جميعهم من عند اسقلنييوس (٥) إلى عند ....
....
..
стр. 579
جالينوس (١) مصرحة كتبهم. مما للأرواح عليه في دار المعاد، وهكذا المشتغلون بالحكمة الإلهية من أهل الإسلام كالكندي ومن جاء بعده، كالفارابي (٢) ومن جاء بعده منهم، كابن سينا (٣) فإن كتبهم مصرحة بذلك تصريحا لا شك فيه ولا ريب. وفي هذا المقدار كفاية لمن له هداية والله ولي التوفيق. حرره كاتبه محمد بن علي الشوكاني- غفر الله لهما- في صبح يوم السبت تاسع شهر شوال سنة ١٢٤٥. [٣أ]
стр. 580
بحث في أطفال الكفار
تأليف
محمد بن علي الشوكاني
حققته وعلقت عليه وخرجت أحاديثه محفوظة بنت علي شرف الدين
أم الحسن
стр. 581
وصف المخطوط
١ - عنوان الرسالة: بحث في أطفال الكفار.
٢ - موضوع الرسالة: مصير أطفال الكفار في الآخرة.
٣ - الرسالة ضمن مجموعة من الرسائل للإمام محمد بن علي الشوكاني.
٤ - أول الرسالة: " الحمد لله وحده. حديث عائشة ... "
٥ - آخر الرسالة: " أن وجود العمل وعدمه هما المستقلان بالسعادة والشقاوة وجودا وعدما وإثباتا ونفيا هذا ما سدد الله الفهم واستغفر الله ".
٦ - نوع الخط: خط نسخي معتاد.
٧ - عدد الأوراق: أربعة.
٨ - المسطرة:
الورقة الأولى: ١٧ سطرا.
الورقة الثانية: ٢٠ سطرا.
الورقة الثالثة: ٢٠ سطرا مع سطر بالعرض.
الورقة الرابعة: ٢١ سطرا مع سطرين بالعرض.
٩ - عدد الكلمات في السطر: ٧ - ٩ كلمة.
١٠ - الناسخ: المؤلف محمد بن علي الشوكاني.
١١ - الرسالة من المجلد الثالث من (الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني).
стр. 582
الحمد لله وحده. حديث عائشة (١) أنها قالت لما توفي صبي من الأنصار: " طوبى له عصفور من عصافر الجنة، لم يعمل السوء ولم يدركه " فقال- ﷺ : " أو غير ذلك يا عائشة، إن الله تعالى خلق للجنة أهلا خلقهم وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلا خلقهم لها وهي في أصلاب آبائهم" هكذا ساقه مسلم في صحيحه (٢).
قال النووي في شرح (٣) مسلم عند ذكر ما نصه: " أجمع (٤) من يعتد به من علماء
стр. 583
المسلمين أن من مات من أطفال المسلمين فهو من أهل الجنة، لأنه ليس مكلفا (١). وتوقف منهم بعض من لا يعتد به لحديث عائشة ".
وأجاب العلماء عنه بأنه لعله نهاها عن المسارعة إلى القطع من غير أن يكون عندها دليل قاطع، كما أنكر على سعد بن أبي وقاص في قوله: " أعطه إني لأراه مؤمنا" فقال "أو مسلما هو" .... الحديث (٢). ويحتمل أنه- ﷺ قال هذا قبل أن يعلم أن أطفال المسلمين في الجنة فلما علم قال ذلك كما في قوله [١] " ما من مسلم يموت له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث (٣) إلا
стр. 584
أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم" (١) وغير ذلك من الأحاديث (٢). والله أعلم. انتهى
стр. 585
كلامه (١) منقولا من باب معنى " كل مولود يولد على الفطرة .... " وقال (٢) في باب فضل من يموت له ولد فيحتسبه ما لفظه: " وفي هذه الأحاديث دليل على كون أطفال المسلمين في الجنة. وقد نقل جماعة فيه إجماع المسلمين ".
وقال المازري (٣): " أما أولاد الأنبياء- صلوات الله عليهم وسلامه- فالإجماع متحقق على أنهم في الجنة، وأما أطفال من سواهم من المؤمنين فجماهير العلماء على القطع لهم بالجنة (٤).
ونقل جماعة الإجماع في كونهم من أهل الجنة لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ (٥). وتوقف بعض (٦) المسلمين فيها،
стр. 586
وأشار أنه لا يقطع لهم كالمكلفين .... والله أعلم. انتهى (١).
وأقول: التأويل للحديث (٢) متعين لقيام البرهان على ثبوت الحكمة، ولا ريب أن تعذيب من لا ذنب له ينافيها، هذا على فرض وجود وجه يصح الحمل عليه كالحمل على أنه دال ذلك قبل أن يعلم حكم أطفال المسلمين، ولو فرضنا [٢] عدم وجود وجه يسوغ الحمل عليه لكان هذا الحديث معارضا. مما يوجب سقوطه ظاهرا كالآية المذكورة. وحديث "كل مولود يولد على الفطرة." (٣).
стр. 587
وحديث " من مات له من الولد .... " (١) وسائر الأحاديث المقتضية لرفع (٢) قلم
стр. 588
التكليف عن غير البالغ.
ولكنه يمكن أن يقال أن حديث عائشة خاص صحيح يصلح لتخصيص هذه العمومات، وإن خالف في ذلك بعض الطوائف باعتبار عموم القرآن، ولهذا قلنا ظاهرا. ويمكن أن يقال أنه لا إشكال في الحديث، وبيانه أن قوله ﷺ لعائشة: " أو غير ذلك ... " (١) لم يقع بيانه بأن هذا الطفل قد يكون في النار بل قال " بأن الله خلق للنار خلقا وللجنة خلقا ". وفي ذلك إشارة إلى الأحاديث الصحيحة (٢) الواردة في كتب السعادة والشقاوة عند وضع النطفة.
فيتوجه اعتراضه- ﵌ على عائشة إلى ما ذكرته في آخر كلامها لتعليل كونه عصفورا من عصافير الجنة قائلة لم يعمل السوء ولم يدركه فأرشدها- ﵌ إلى شيء يخالف هذا التعليل ببيان خلق الجنة وخلق النار، وأنه قد جف القلم (٣). مما فيه، وكأنه قال لها: هاهنا مقتضى [٣] آخر
стр. 589
للثواب والعقاب، وهو أن الله خلق للجنة خلقا وللنار خلقا، وهم في أصلاب الرجال، وليس المقتضى مجرد العمل.
وفي ذلك إشارة إلى حديث: " سددوا وقاربوا، واعلموا أنه لن يدخل أحد الجنة بعمله" (١) قيل ولا أنت يا رسول الله؟ قال: " ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته" فهذا
стр. 590
الحديث. بمجرده يسوغ الاعتراض على من جعل السعادة والشقاوة منوطة بالعمل فقط. وعائشة- رض الله عنها- قد جعلت ما يقتضيه كلامها من سعادة هذا الصبي معللة بعدم عمل السوء مع أنه يمكن أن تكون العفة في سعادته هي ما جرى له من اللطف بتوفي الله له في تلك السن، فإن ذلك. بمجرده لطف مع قطع النظر عن العمل.
فالحاصل أنه- ﵌ أبان لها مقتضيا آخر للسعادة، وهو أن الله لطف به وتغمده برحمته بقبضه في ذلك الوقت، ولو كان العمل هو سبب الشقاوة والسعادة كما قالت عائشة لما تم ما تلاه عليها- ﵌ من أن الله خلق للجنة خلقا وللنار خلقا، وهم في أصلاب آبائهم. ويقوي هذا ما وقع في غير صحيح مسلم بلفظ: " أولا تدرين أن الله خلق الجنة وخلق النار فخلق لهذه أهلا ولهذه أهلا ... " (١). فإن جعل عدم الدراية عنوانا لما أرشدها إليه (٢) يشعر بأن إيصال الدراية
стр. 591
إليها هو المقصود، ومنشأ ذلك ما فهمه- ﵌ من عدم الدراية عندها لما جرى على لسانها من تعليل السعادة بعدم العمل المستفاد منه أن وجود العمل وعدمه هما المستقلان بالسعادة والشقاوة وجودا وعدما، وإثباتا ونفيا. هذا ما سبق إليه الفهم وأستغفر الله [٤].
((انتهى البحث))
стр. 592
بحث في مسألة وهو المسمى البغية في مسألة الرؤية
تأليف محمد بن على الشوكاني
حققه وعلى عليه وخرج أحاديثه
محمد صبحي بن حسن حلاق
أبو مصعب
стр. 593
وصف المخطوط (أ)
١ - عنوان الرسالة: بحث في مسألة الرؤية وهو المسمى" البغية في مسألة الرؤية" (١).
٢ - موضوع الرسالة: رؤية الله في الآخرة.
٣ - أول الرسالة: قال رضي الله تعالى عنه: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله نحمده ونستعينه من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فما له من هاد والصلاة واللام الأتمان الأكملان على سيدنا محمد وآله وصحبه الناصبين رايات الدين الخافضين أعلام العناد. وبعد: فإنا لما جرت المذاكرة وبين بعض الأعلام في مسألة الرؤية التي طال فيها بين الفريقين اللجاج وكثر الخصام ....
٤ - آخر الرسالة: ومهما غفلت عن شيء فلا تغفل عن تلك النصوص القوية التي جاها مدعي التخصيص لأدلة الرؤية فإن عليها حامت طيور النقاد وإليها سافرت أنظار علماء الإنصاف وأئمة الاجتهاد، فخذها مجملة غير مفصلة تستأنس ها عن وجه هذه المسألة المعضلة والحمد لله أولا وآخرا وظاهرا وباطنا والصلاة والسلام على سيدنا محمد حبيب الله ورسوله وعلى آله وصحبه.
٥ - نوع الخط: خط نسخط جيد.
٦ - عدد الصفحات: (٤٥) صفحة.
٧ - عدد الأسطر في الصفحة: في بعضها (١٥) سطرا والبعض الآخر (٢٥) سطرا.
٨ - عدد الكلمات في السطر: ٧ - ٩.
٩ - الناسخ: حسين بن محسن الأنصاري اليماني.
стр. 594
وصف المخطوط (ب)
١ - عنوان الرسالة: " البغية في مسألة الرؤية ".
٢ - موضوع الرسالة: رؤية الله في الآخرة.
٣ - أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل الله فما له من هاد. والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيدنا محمد وآله وصحبه الناصبين رايات الدين الخافضين أعلام العناد. وبعد: فإنا لما جرت المذاكرة بيني وبين بعض الأعلام في مسألة الرؤية التي طال فيها بين الفريقين اللجاج وكثر الخصام ....
٤ - آخر الرسالة:
. تستأنس ها عن وحشة هذه المسألة المعضلة، والحمد لله أولا وآخرا وظاهرا وباطنا، والصلاة والسلام على سيدنا محمد حبيب الله ورسوله وعلى آله وصحبه، كمل من خط جامعه الإمام المجتهد القاضي بدر الدين، العلامة النحرير محمد بن على الشوكاني حفظه الله تعالى، ومتع جميع المسلمين بحياته آمين آمن. وكان التأليف في شهر الحجة الحرام سنة ١٢٠٣ ثلاث ومائتين وألف وصلى الله وسلم على محمد وآله.
٥ - نوع الخط: خط نسخط معتاد.
٦ - عدد الصفحات: ٢٨ صفحة + صفحة العنوان.
٧ - عدد الأسطر في الصفحة: ٢٦ سطرا.
عدد الكلمات في السطر: ١٥ كلمة تقريبا.
٩ - في هامش الصفحة الأولى ما نصه: " هذه الرسالة إن جمعها في أدام الطب بقصد تقييد الفايدة ".
стр. 595
قال رضي الله تعالى عنه:
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فما له من هاد، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيدنا محمد وآله وصحبه الناصبين رايات الدين الخافضين أعلام العناد. وبعد:
فإنها لما جرت المذاكرة بيني وبن بعض الأعلام في مسألة الرؤية التي طال فيها بين الفريقين الفجاج، وكثر الخصام، وقفت على كتب الطائفتن وقوف شحيح ونظرت في حجج القبيلين أفي نظر صحيح، فحررت هذه الأحرف اليسيرة مشيرا ها إلى تلك المطولات وأثرت الاختصار في نقل أدلة الفريقين، فجاء بحمد الله من أجل المختصرات. فأقول: قالت العترة (١) والمعتزلة (٢) وصفوة الشيعة (٣) والمرجئة (٤) ........
стр. 596
والخوار (١) وأكثر الفرق الخارجة عن الإسلام: لا تجوز على الله الرؤية أصلا في الدنيا ولا في الآخرة ولا من نفسه ولا من غيره. وقالت: الأشعرية (٢) والمجسمة (٣) وضرار بن عمرو (٤) أكثر فرق المجبرة (٥) أنه يصح أن يرى نفسه، ويصح أن يراه غيره وقيل يصح أن يرى نفسه ولا يصح أن يراه غيره، حكاه الرازي (٦) عن بعضهم، وحكاه البعض عق أبي القاسم البلخي (٧) وهو غير مشهور عنه.
стр. 597
[الأدلة العقلية للقائلين بامتناع الرؤية]
احتج الأولون على الامتناع بأدلة عقلية ونقليه، وسنشرع في تحرير أدلة الفريقين العقلية.
فمن أدلة المانعين العقلية قولهم: كل محسوس (١) جسم أو عرضي فقط، وكل جسم أو عرض محدث والله ليس. محدث إجماعا. قال: المجوز مجيبا على ذلك لا نسلم كلية الصغرى بقيد فقط بل هو مصادرة على المطلوب، فإنكم جعلتم المدعى أعلى أن كل محسوس جسم أو عرض جزعا من الدليل، وصيرتموه صغرى القياس فيلزم الدور، إذ لا يصح المدعى حتى يصح الدليل بتمام أجزائه، ولا يصح الدليل حتى يصح المدعى إذ هو جزؤه على هذا التقدير، وهو عين الدور المحال.
وأجيب بأن المعقول من الرؤية ما ذكرناه فاستدلالنا مبني عليه فلا مصادرة ودعوى إحساس لا يعقل ليس مما نحن بصدد إبطاله، فإنه يكفينا في نفيه كونه لا يعقل أن تلك الرؤية ذكرتم أنا لا تفتقر إلى شعاع ولا إلى لنطاع ولا إلى غيرهما من الشرائط إحساس فضلا عن إحساس لا يعقل. ورد بأن الرؤية تتعلق بكل موجود. فتكون الصغرى حينئذ جزية هكذا (٢) بعض الموتى جسم وعرض ركل جسم وعرض محدث، فبعض الموتى محدث وهو مسلم.
وأجيب بأنا لا نسلم تعلق الرؤية بكل موجود، ودعوى كلية التعلق مبنية على تلك الرؤية التي قلتم إنا لا تفتقر ... الخ. ولولا ذلك لم تتم لكم الصغرى. فجوابنا السالف
стр. 598
شامل لما ذكرتم أنا اشتغلنا عنه بغيره. قالوا منع السند بلا دليل مكابرة. وأجيب بأنه لم يكن منعنا له مجردا على أنا نمنع كونه سندا ونجعله من باب إقحام دعوى على دعوى. قالوا إنما جعلنا ذلك التعلق سندا لأنكم قد اعترفتم بأن الجسم (١) والعرض كل منهما محسوس يصح أن يحس، فقد ثبت أن صحة الرؤية مشترك بين [٢] الجسم والعرض، وهذه الصحة لهما علة مختصة بحال وجودهما. وذلك لتحققها عند الوجود كما اعترفتم به وانتفائها عند العدم، فإن الأجسام والأعراض لو كانت معدومة لاستحال كونها مرئية بالضرورة والاتفاق، ولولا تحقق أمر مصحح حال الوجود غير شقق حال العدم- لكان ذلك- أي اختصاص الصحة بحال الوجود- ترجيحا بلا مرجع، لأن نسبة الصحة- على تقدير استغنائها عن العلة- إلى طرفي الوجود والعدم على سواء، وهذه العلة المصححة للزوم لا بد أن تكون مشتركه بين الجوهر والعرض، وإلا لزم تعليل الأمر الواحد- وهو صحة كون الشيء مرتبا بالعلل المختلفة والأمور المختصة- إما بالجواهر وإما والأعراض، وهو غير جائز كما تقرر في محله.
ثم نقول: وهذه العلة إما الوجود وإما الحدوث إذ لا مشترك بين الجوهر والعرض سواهما، فإن الأجسام لا توافق الألوان في صفة عامة بتوهم كونها مصححة سوى هذين، لكن الحدوث لا يصلح أن يكون علة للصحة، لأنه عبارة عن الوجود مع اعتبار عدم سابق، والعدم لا يصلح أن يكون جزاء للعلة، لأن التأثير صفة إثبات فلا يتصف به العدم ولا ما هو مركب منه، وإذا سقط العدم عن درجة الاعتبار لم يبق إلا الوجود، فإذن هي- أي العلة المشتركة- الوجود، فإنا مشتركة بينهما وبن الواجب لما تقرر من اشتراك الوجود بين الموجودات كلها. فعلة صحة الرؤية متحققة في حق الله تعالى بتحقق صحة الرؤية وهو المطلوب.
وأجيب بأنه قد اعترف [٣] بركاكة هذا الدليل- الذي هو أشهر أدلتكم- كثير
стр. 599
من فضلائكم، وصرح بضعفه كل محققيكم، حتى قال سعد الله: في شرح المقاصد: الإنصاف أن ضعف هذا الدليل جلط، ومع هذا فإنه يرد على قولكم ا: وهذه الصحة لها علة إلخ- أن الصحة معناها الإمكان، وهو أمر اعتباركم فلا يفتقر إلى علة موجودة، فكيفية الحدوث هو أمر اعتباري فيكون هو المصحح لرؤية الجوهر والعرض، وذلك لا يجزئ في الواجب قطعا وعلى قولكم، وإلا لزم تعليل الأمر الخ. أن الممتنع (١) أن يعلل بالعلل المختلفة إنما هو (٢) الواحد الشخصي لا الواحد النوعي، كالحرارة بالذي، والنار، فيصح تعليل رؤية الجوهر والعرض. مما لا يلزم أن يكون مشتركا بينهما، بل يكون مختصا بالجوهر تارة وبالعرض أخرى، ومع ذلك لا يلزم إمكان رؤية تعالى، وعلى قولكم، إذ لا مشترك بين الجوهر والعرض سواهما (٣) بأن الإمكان مشترك أيضًا بينهما، ولو سلم أنه ساقط من درجة الاعتبار لأن مرجعه إلى العدم والتأثير صفة إثبات تأثير العلة فلا يتصف ها العدم وكذا الحدوث ساقط عن درجة الاعتبار لذلك فمن أين جاء الحصر بقولكم لا مشترك- سلمنا (٤)، فالدليل منقوض بصحة المخلوقية والملموسية وغيرهما، فإنا مشتركة بين الجوهر (٥) والعرض فيلزم صحة كون الباري تعالى مخلوقا وملموسا لكونه موجودا، أو الوجود هو العلة على ما قررتم حيث قلتم لا علة لصحة الرؤية إلا الوجود، وعلى قولكم إن العلة المشتركة هي الوجود بأنكم قائلون إن وجود كل شيء عينه، وحكمكم باشتراك الوجود يقضى بأن الأشياء كفها متفقة الحقيقة، لا أنا مشتركة فيما هو على لها، واشتراك [٤] الشيئيين فيما هو تمام عينيهما قاض بأن حية واحدة وهو. معزل عن المعقول، ويرد عليكم أيضًا على مقتضى ذلك الدليل- أعني صحة
стр. 600
الرؤية لكل موجود- أن الطعوم والروائح والأصوات والاعتقادات مرئية وهي لا تدرك بالاتفاق.
قالوا: ندفع الأول. مما قاله الجويني (١) من أنه ليس المراد من العلة ما هو المتبادر من التأثر، أي ليس المراد، بالعلة هو المؤثر في الصحة حتى يرد ما ذكر، بل المراد مجرد ما يصلح متعلقا للرؤية وقابلا لها ولا بد من وجوده، فلا يكون مثل الحوادث كافيا إذ لا تحقق له في الأعيان.
والثاني بأن متعلق الرؤية لا يجوز أن يكون من خصوصيات الجوهر أو العرض، بل يجب أن يكون مما يشتركان فيه، للقطع بأنه قد يرى الشيء من بعيد ولا يدرك منه إلا هويته دون خصوصية كونه جوهرا أو عرضا، فرسا أو إنسانا .. إلى غير ذلك من الخصوصية وهذا معي كون الرؤية المشتركة مشتركة.
والثالث: بأن الإمكان أمر اعتباري فلا يمكن تعلق الرؤية به وأن علية الصحة يجب أن تكون مختصة بحال الوجود والإمكان ليس كذلك كما لا يخفى، وأيضا فالمعدوم متصف بالامكان فيلزم صحة رؤيته وهو باطل بالضرورة.
والرابع:. مما قاله صاحب المواقف (٢) متأولاً الكلام. . . .