← Джавами‘

Джавами‘ · id 36543

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

الشوكاني

Полный текст (5 091 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

والخوار (١) وأكثر الفرق الخارجة عن الإسلام: لا تجوز على الله الرؤية أصلا في الدنيا ولا في الآخرة ولا من نفسه ولا من غيره. وقالت: الأشعرية (٢) والمجسمة (٣) وضرار بن عمرو (٤) أكثر فرق المجبرة (٥) أنه يصح أن يرى نفسه، ويصح أن يراه غيره وقيل يصح أن يرى نفسه ولا يصح أن يراه غيره، حكاه الرازي (٦) عن بعضهم، وحكاه البعض عق أبي القاسم البلخي (٧) وهو غير مشهور عنه.

стр. 597

[الأدلة العقلية للقائلين بامتناع الرؤية] احتج الأولون على الامتناع بأدلة عقلية ونقليه، وسنشرع في تحرير أدلة الفريقين العقلية. فمن أدلة المانعين العقلية قولهم: كل محسوس (١) جسم أو عرضي فقط، وكل جسم أو عرض محدث والله ليس. محدث إجماعا. قال: المجوز مجيبا على ذلك لا نسلم كلية الصغرى بقيد فقط بل هو مصادرة على المطلوب، فإنكم جعلتم المدعى أعلى أن كل محسوس جسم أو عرض جزعا من الدليل، وصيرتموه صغرى القياس فيلزم الدور، إذ لا يصح المدعى حتى يصح الدليل بتمام أجزائه، ولا يصح الدليل حتى يصح المدعى إذ هو جزؤه على هذا التقدير، وهو عين الدور المحال. وأجيب بأن المعقول من الرؤية ما ذكرناه فاستدلالنا مبني عليه فلا مصادرة ودعوى إحساس لا يعقل ليس مما نحن بصدد إبطاله، فإنه يكفينا في نفيه كونه لا يعقل أن تلك الرؤية ذكرتم أنا لا تفتقر إلى شعاع ولا إلى لنطاع ولا إلى غيرهما من الشرائط إحساس فضلا عن إحساس لا يعقل. ورد بأن الرؤية تتعلق بكل موجود. فتكون الصغرى حينئذ جزية هكذا (٢) بعض الموتى جسم وعرض ركل جسم وعرض محدث، فبعض الموتى محدث وهو مسلم. وأجيب بأنا لا نسلم تعلق الرؤية بكل موجود، ودعوى كلية التعلق مبنية على تلك الرؤية التي قلتم إنا لا تفتقر ... الخ. ولولا ذلك لم تتم لكم الصغرى. فجوابنا السالف

стр. 598

شامل لما ذكرتم أنا اشتغلنا عنه بغيره. قالوا منع السند بلا دليل مكابرة. وأجيب بأنه لم يكن منعنا له مجردا على أنا نمنع كونه سندا ونجعله من باب إقحام دعوى على دعوى. قالوا إنما جعلنا ذلك التعلق سندا لأنكم قد اعترفتم بأن الجسم (١) والعرض كل منهما محسوس يصح أن يحس، فقد ثبت أن صحة الرؤية مشترك بين [٢] الجسم والعرض، وهذه الصحة لهما علة مختصة بحال وجودهما. وذلك لتحققها عند الوجود كما اعترفتم به وانتفائها عند العدم، فإن الأجسام والأعراض لو كانت معدومة لاستحال كونها مرئية بالضرورة والاتفاق، ولولا تحقق أمر مصحح حال الوجود غير شقق حال العدم- لكان ذلك- أي اختصاص الصحة بحال الوجود- ترجيحا بلا مرجع، لأن نسبة الصحة- على تقدير استغنائها عن العلة- إلى طرفي الوجود والعدم على سواء، وهذه العلة المصححة للزوم لا بد أن تكون مشتركه بين الجوهر والعرض، وإلا لزم تعليل الأمر الواحد- وهو صحة كون الشيء مرتبا بالعلل المختلفة والأمور المختصة- إما بالجواهر وإما والأعراض، وهو غير جائز كما تقرر في محله. ثم نقول: وهذه العلة إما الوجود وإما الحدوث إذ لا مشترك بين الجوهر والعرض سواهما، فإن الأجسام لا توافق الألوان في صفة عامة بتوهم كونها مصححة سوى هذين، لكن الحدوث لا يصلح أن يكون علة للصحة، لأنه عبارة عن الوجود مع اعتبار عدم سابق، والعدم لا يصلح أن يكون جزاء للعلة، لأن التأثير صفة إثبات فلا يتصف به العدم ولا ما هو مركب منه، وإذا سقط العدم عن درجة الاعتبار لم يبق إلا الوجود، فإذن هي- أي العلة المشتركة- الوجود، فإنا مشتركة بينهما وبن الواجب لما تقرر من اشتراك الوجود بين الموجودات كلها. فعلة صحة الرؤية متحققة في حق الله تعالى بتحقق صحة الرؤية وهو المطلوب. وأجيب بأنه قد اعترف [٣] بركاكة هذا الدليل- الذي هو أشهر أدلتكم- كثير

стр. 599

من فضلائكم، وصرح بضعفه كل محققيكم، حتى قال سعد الله: في شرح المقاصد: الإنصاف أن ضعف هذا الدليل جلط، ومع هذا فإنه يرد على قولكم ا: وهذه الصحة لها علة إلخ- أن الصحة معناها الإمكان، وهو أمر اعتباركم فلا يفتقر إلى علة موجودة، فكيفية الحدوث هو أمر اعتباري فيكون هو المصحح لرؤية الجوهر والعرض، وذلك لا يجزئ في الواجب قطعا وعلى قولكم، وإلا لزم تعليل الأمر الخ. أن الممتنع (١) أن يعلل بالعلل المختلفة إنما هو (٢) الواحد الشخصي لا الواحد النوعي، كالحرارة بالذي، والنار، فيصح تعليل رؤية الجوهر والعرض. مما لا يلزم أن يكون مشتركا بينهما، بل يكون مختصا بالجوهر تارة وبالعرض أخرى، ومع ذلك لا يلزم إمكان رؤية تعالى، وعلى قولكم، إذ لا مشترك بين الجوهر والعرض سواهما (٣) بأن الإمكان مشترك أيضًا بينهما، ولو سلم أنه ساقط من درجة الاعتبار لأن مرجعه إلى العدم والتأثير صفة إثبات تأثير العلة فلا يتصف ها العدم وكذا الحدوث ساقط عن درجة الاعتبار لذلك فمن أين جاء الحصر بقولكم لا مشترك- سلمنا (٤)، فالدليل منقوض بصحة المخلوقية والملموسية وغيرهما، فإنا مشتركة بين الجوهر (٥) والعرض فيلزم صحة كون الباري تعالى مخلوقا وملموسا لكونه موجودا، أو الوجود هو العلة على ما قررتم حيث قلتم لا علة لصحة الرؤية إلا الوجود، وعلى قولكم إن العلة المشتركة هي الوجود بأنكم قائلون إن وجود كل شيء عينه، وحكمكم باشتراك الوجود يقضى بأن الأشياء كفها متفقة الحقيقة، لا أنا مشتركة فيما هو على لها، واشتراك [٤] الشيئيين فيما هو تمام عينيهما قاض بأن حية واحدة وهو. معزل عن المعقول، ويرد عليكم أيضًا على مقتضى ذلك الدليل- أعني صحة

стр. 600

الرؤية لكل موجود- أن الطعوم والروائح والأصوات والاعتقادات مرئية وهي لا تدرك بالاتفاق. قالوا: ندفع الأول. مما قاله الجويني (١) من أنه ليس المراد من العلة ما هو المتبادر من التأثر، أي ليس المراد، بالعلة هو المؤثر في الصحة حتى يرد ما ذكر، بل المراد مجرد ما يصلح متعلقا للرؤية وقابلا لها ولا بد من وجوده، فلا يكون مثل الحوادث كافيا إذ لا تحقق له في الأعيان. والثاني بأن متعلق الرؤية لا يجوز أن يكون من خصوصيات الجوهر أو العرض، بل يجب أن يكون مما يشتركان فيه، للقطع بأنه قد يرى الشيء من بعيد ولا يدرك منه إلا هويته دون خصوصية كونه جوهرا أو عرضا، فرسا أو إنسانا .. إلى غير ذلك من الخصوصية وهذا معي كون الرؤية المشتركة مشتركة. والثالث: بأن الإمكان أمر اعتباري فلا يمكن تعلق الرؤية به وأن علية الصحة يجب أن تكون مختصة بحال الوجود والإمكان ليس كذلك كما لا يخفى، وأيضا فالمعدوم متصف بالامكان فيلزم صحة رؤيته وهو باطل بالضرورة. والرابع:. مما قاله صاحب المواقف (٢) متأولاً الكلام. . . .

стр. 601

الأشعري (١) وذلك حيث قال بأن مراد الشيخ: أنه ليس في الخارج هويتان إحداهما الوجود والأخرى الماهية، فالاتحاد بينهما بحسب التحقيق لا بحسب المفهوم، فلا ينافي اشتراكهما في مفهوم مطلق الوجود. وأجيب عن الأول بأن تفسير العلة. مما يكون متعلقا للرؤية [٥] يقضي أن علة الصحة هي الموجود لا الوجود. أما لو قيل إن متعلق الرؤية هو الوجود كما هو المفروض لم يتم الدفع، لأن الوجود أيضًا لا تحقق له في الأعيان كالحدوث، وإلا لكان موجودا. [وعن] (٢) الثاني ما قاله التفتازاني (٣) معترضا على ذلك الدفع بلفظ وفيه نظر، لجواز أن يكون متعلقا الرؤية هو الجسمية وما يتبعها من الأعراض من غير اعتبار الخصوصية. وبما قاله اللقاني (٤) في شرح الجوهرة من أن مفهوم الهوية أمر اعتباري أيضًا لا تحقق له في الأعيان فكيف يكون متعلقا للرؤية بل متعلقا ليس إلا خصوصيات المرئيات، ولا يلزم أن يكون كل إدراك صالحا لأن يتوصل به إلى تفصيل المدرك إلى ما فيه من الجواهر والأعراض، بل قد يكون إجمالي من حيث هو مدرك.

стр. 602

وبما قاله الخيالي (١) من أن حاصل هذا الدفع من أن متعلق الرؤية أمر مشترك في الواقع أي الهوية، وهو لا يدفع الاعتراض المذكور ويستلزم استدراك التعريض لرؤية الجوهر والعرض، وذكرهم لاشتراك الصحة بينهما ولا يستلزم الاشتراك في المعلول الاشتراك في العلة، إذ يكفى أن يقال إذا رأينا زيدا فإنا لا ندرك منه إلا هوية ما، وهى مشتركة بين الواجب والممكن. وعن الثالث بأن كون الإمكان أمرا اعتباريا قد سبق ما فيه على أن الحدوث أيضًا اعتباري نظرا إلى أنه عبارة عن الوجود مع اعتبار عدم سابق، وهذا المفهوم أمر اعتباري لا وجود له في الأعيان، فما وجه التخصيص للحدوث دون الإمكان؟ وأما كون الرؤية [٦] لا تتعلق إلا بالموجود: فإن أريد به أنه لا علة لصحة الرؤية إلا الوجود فذلك عين الدعوى الممنوعة أول البحث، وإن أريد أن الرؤية إنما تتعلق في الواقع بالموجود فلا يضرنا ولا ينفعكم، ولا يلزم منه أن الوجود هو العلة المصححة للرؤية، بل يجوز أن تكون الرؤية متعلقة بخصوص المرئيات من الجوهر والعرض كما سبق. وعن الرابع:. مما قاله الحواني (٢) في شرح العضدية من أن ذلك في غاية البد، ثم قال وقيل: إن الشيخ وإن أنكر اشتراك الوجود فإنما أقام هذا الدليل على سبيل إلزام المخالفين القائلين بالاشتراك.

стр. 603

وهذا القائل هو الآمدي (١) لأنه اضطرب في الدفع عن الشيخ ولم يجد إلى الجواب سبيلا، وأيضا متفق الرؤية ليس هو نص مفهوم الوجود، فإن المفاهيم. ممعزلي عن الكون في الأعيان فلا يتم كلا الشيخ الأشعري (٢) على ما فيه من البعد. ثم بعد الإغماض عن هذا كله لا دفع للنقض بصحة المخلوقية والملموسية وغيرهما من الأمور المشتركة كوجوب الوجود بالغير، وسائر الأمور العامة كالماهية والمعلومية وغيرهما وعلى فرض المناقشة في النقض بالأمور العامة فلا مناقشة بالنقض بصحة الملموسية والمخلوقية، إلا أن البعض جعل النقض بصحة الملموسية قويا دون المخلوقية، وفيه نظر يؤخذ من شرح التجريد [القوشجي] (٣) ثم اعلم أن محقق الأشعرية بعد اعترافهم بركة هذا الدليل العقلي وضعفه معترفون بأن التعويل على الدليل العقلي في هذه المسألة متعذر

стр. 604

فلا نطول الكلام بنقل حججهم العقلية، وأجودها [٧] لديهم الدليل السمي بدليل الوجود وقد أدرجناه فيما سلف. قال السيد المحقق في شرح المواقف (١) ما نصه: (ولقد بالغ المصنف في ترويج المسلك العقلي لإثبات صحة رؤية الله تعالى لكي لا يلتبس على الفطن النصفي أن مفهوم الهوية المطلقة المشتركة بين خصوصيات الهوايات أمر اعتباري كمفهوم الهوية والحقيقة، فلا تتعلق ها الرؤية أصلا وأن المذكور من الشيخ البعيد هو خصوصيته الموجودة إلا أن إدراكها إجمال لا يتمكن به على تفصيلها، فإن مراتب الإجمال متفاوتة قوة وضعفا كما لا يخفى على ذي بصيرة فليس يجب أن يكون كل إجمالي وسيلة إلى تفصيل أجزاء المدرك وما يتعلق به من الأحوال ألا ترى إلى قولك كل شيء فهو كذا، وفي هذا الترويج تكلفات يطلعك عليها أدنى تأمل. فإذن الأولى ما قد قيل من أن التعويل في هذه المسألة على الدليل العقلي متعذر فليس إلى ما اختاره الشيخ أبو منصور الماتريدي (٢) من التمسك بالظواهر النقلية) (٣) انتهى كلامه. إذا عرفت هذا الاعتراف بتعذر التعويل على أدلة العقل والتصريح بأن لا متمسك إلا أدلة النقل فسنطلعك على نصيب تبصر به إن شاء الله تعالى الحق، ولكنا لما رأينا القائلين بعدم جواز الرؤية مصرحين في كتبهم الكلامية بعكس ما صرح به حذاق الأشعرية حتى

стр. 605

جزموا بأن الاعتماد في المسألة ليس إلا على أدلة العقل لكونها مفيدة للقطع بخلاف النقل. قال في شرح القلائد (١) ما نصه: "و قد اقتصر الإمام على العقلية فقط وإنما ذكر السمعية في آخر المسألة معارضة لما احتج به المخالف من [٨] السمع، وهذا هو الذي يقتضيه النظر الصحيح لأن كون تلك السمعية مفيدة للقطع محل نزاع مبني على أن كون العموم يفيد القطع والظن، فكان الاقتصار على الأدلة العقلية المفيدة للقطع بكل حال هو الأولى انتهى. أحببنا (٢) نوقفك على ما هو العمدة منها عندهم لتنقطع عن قلبك علائق الشكوك يهون لذلك خطب التهويل، فنقول: قد استكثروا من الأدلة العقلية، وقد ذكرنا فيما سلف طرفا منها، وسنذكر هاهنا أشهر أدلة هذه المسألة عندهم وهو دليلان: (الأول): الموانع. (والثاني) دليل المقابلة. وقد وقع بينهما الخلاف في ترجيح أحدهما على الآخر فمنهم من ذهب إلى ترجيح دليل الموانع وهو المأخوذ من أصول أبي هاشم (٣) وبه قال محمود بن الملاحمي (٣)، ورجحه المهدي أحمد بن يحط. ومنهم من رجح دليل المقابلة وهو المأخوذ من أصول أبي علي (٤) وهو من معتزلة البصرة وقد ترجم له في الرسالة (٢٤) من هذا القسم. (٥) وبه قال السيد المؤيد بالله ومنهم من قال بالاستواء وهو القاضي عبد الجبار (٦) وغيره.

стр. 606

أما دليل الموانع فتحريره أن يقال: القديم تعالى حاصل على الصفة إلى لو رؤي لما رؤى إلا لكونه عليها، والواحد منا حاصل على الصفة إلى لو رؤي لما رؤي إلا لكونه عليها. من صحة الحاسة وارتفاع الموانع فلو صحت رؤيته لوجب أن [يرى] (١) الآن فهذه ثلاثة أصول: (الأول): أن القديم حاصل على الصفة .. الخ. (والثاني): أن الواحد منا .. الخ. (والثالث): أن لو صحت رؤيته .. الخ. أما الأول: فلا خلاف في ذلك لأن الأكثر يقولون الشيء إنما تصح رؤيته لأجل صفته المقتضاه، فهو من أحكامها، وعند الشيخ أبي عبد الله أنه لأجل الصفة الذاتية، وعند الأشعريه لأجل الوجود، وعند ضرار (٢) لأجل ماهيته (٣) التي يختص بعلمها، والله

стр. 607

حاصل على كل هذه الأمور [٩]. وأما الثاني: فلأن الواحد (١) منا إنما يرى لأجل كونه حيا لشرط صحة الحاسة وارتفاع الموانع ووجود المدرك، وقد اختلف في هذه الأشياء أهي كافية في كون أحدنا مدركا أم لا؟. فقال الجمهور إن كافية، فمن حصلت هذه الأشياء أدرك المدركات، ومن تخلف شيء منها لم تدرك. وقال أبو علي والأشعري: بل لا بد من أمر آخر وهو الإدراك، إذ هو معن عندهم يخلقه الله عند المشاهدة ونحوها من الحواس. واختلف الجمهور الذين قالوا هذه الأمور كافية: هل العلم بذلك ضروري أو اكتسابي؟. فقال أبو الحسن: (٢) هو ضروري فإنا نعلم ضرورة أن أحدنا من كان صحيح الحاسة والموانع مرتفعة والمدرك موجود وجب أن يدرك، ومن تخلف شيء منها استحال أن يدرك. وقال (٣) الجمهور بل اكتسابي استدلالي وذلك أنا وجدنا الإدراك يتحصل عند اجتماع هذه الأمور عند انتفاء شيء منها على طريقة واحدة ووتيرة مستمرة، فعلمنا أن كافية في الإدراك وأن لا تفتقر إلى أمر سواها، وإذا ثبت ذلك فلا التباس أن هذه الأمور مجتمعة في أحدنا بالنسبة إلى القديم تعالى، أما صحة الحاسة فظاهر وأما ارتفاع الموانع فلأن الموانع منحصرة في الثمانية المعروفة وكلها إنما تمنع من رؤية الأجسام والألوان، والله تعالى ليس بجسم ولا لون فلا تكون مانعة من فثبت الأصل الثاني. وأمما الثالث فلأنه إذا حصل الموجب للإدراك- وهو كون أحدنا حيا واجتمعت الشرائط- وجب حصول المقتضى وهو الإدراك، وإلا خرج المقتضى عن كونه مقتضيا، وهو محال. فهذا تحرير دليل الموانع [١٠] على سبيل الاختصار.

стр. 608

وأما دليل المقابلة فتحريره أن يقال: أحدنا إنما يرى بالحاسة والرائي بالحاسة لا يرى إلا ما كان (١) مقابلا أو حالا في المقابل أو في حكم المقابل، والله تعالى ليس بشيء من ذلك، وقد حرر السيد ما ذكرتم في شرح الأصول تحريرا مطولا، وقد يحرر دليل المقابلة على تحرير آخر فرارا من الاعتراض الوارد على هذا التحرير من أن ذلك إنما يحصل باستمرار العادة وإن كان يصح خلافه، أو أن ذلك إنما هو شرط في رؤية الأجسام والألوان، وأما رؤية الله فلا يشترط فيها ذلك. وصورة ذلك التحرير أن يقال: الواحد منا إنما يرى بالشعاع، والرائي بالشعاع إنما يرى ما كان متحيزا أو مختصا بجهة يتصل ها الشعاع، فلو صحت رؤيته لكان متحيزا ولا مختص بجهة يتصل ها الشعاع، فهذه ثلاثة أصول: أما الأصل الأول: وهو أن أحدنا إنما يرى بالشعاع، فلأن الرؤية المعقولة في الشاهد إنما هي الرؤية بالشعاع، فإن الله تعالى ركب بنية العين تركيبا مخصوصا وجعل لها شعاعا، وهو أجزاء نور مناسبة لتلك البنية فبمجموعها يحصل الإدراك، ولهذا فإن أحدنا إذا اشتد عليه الظلام زال إدراكه لزوال الشعاع، وإن كانت حاسته في نفسها صحيحة، فعلم أن أحدنا إنما يرى بالشعاع (٢). وأما الأصل الثاني: وهو أن الرائي بالشعاع لا يدرك إلا ما كان متحيزا أو مختصا بجهة يتصل الشعاع- فلأن أحدنا إذا اثبت أنه رأى بالشعاع لم ير إلا ما وقع عليه ذلك الشعاع واتصل به، إذ لو رأى ما لم يتصل به لما كان أحدنا رائيا بالشعاع حينئذ، بل لا يفتقر إليه البتة، بل كان يلزم صحة أن يدرك جميع المدركات، ولو وجد من الموانع ما وجد، إذ تلك الموانع كلها تمنع من اتصال الشعاع، والمعلوم خلافه، فعلم أنه لا بد من اتصال الشعاع المرئي، والشعاع حاصل في الجهات لأنه أجزاء رقيقة نورية

стр. 609

حاصلة بين الحاسة والمرئي فلا بد حينئذ من أن يكون المرئي حاصلا في جهة إذ لا يعقل الاتصال بين ما هو في جهة وهو الشعاع وبن ما ليس في جهة وهو المرئي، وأما اللون فمعي اتصال الشعاع به هو أن يتصل. محله وجهة محله، فثبت أن المرئي بالشعاع لا بد أن يكون مختصا بجهة يتصل ها الشعاع. وأما الأصل الثالث: وهو أن الله تعالى لا يختص إنه فقد ثبت أن اختصاصه. مكان يستلزم أن يكون من جنس الأجسام، وسواء كان جسما مركبا (١) من ثمانية جواهر أو أقل أو أكثر، وإنما قلنا إن القول بذلك يستلزمها لأدت كل (٢) ما تمكن في الأماكن أو شغل الجهات فهو متحيز، وكل متحيز فهو من قبيل الأجسام، والجسمية تستلزم الحدوث لما تقرر من أن كل جسم محدث، وهو على هذين الدليلين، أعنه دليل الموانع، ودليلي المقابلة اعتراضات ومناقشات ودفوع. فمما أورد على دليل الموانع أن قولكم إن أحدنا حاصل على الصفة التي لو ورث لما رئي إلا لكونه عليها- غير مسلم، بل يفتقر إلى أمر آخر وهو الإدراك الذي هو المعني، وأما استدلالكم على نفيه بأن أحدنا إذا كان صحت الحاسة والموانع مرتفعة والمدرك موجود أن تدرك .. الخ. فجوابه أن يقال ما أنكرتم أن الله تعالى قد أجرى العادة أن يخفق الإدراك الذي هو المعني عند اجتماع هذه الأمور ولا يخلقه عند شماء منها، وجعل ذلك مستمرا على طريقة واحدة. وأجيب عن هذا بأنه يستلزم أن كون احدنا أن يكون بين يديه أجسام عظيمة وهو يراها بأن لا يخلق الله له ذلك المعنى، والمعلوم أن أحدنا يعلم أنه لا شطء بحضرته، وأن هذا العلم مسند إلى أنه لو كان شيء بحضرته لرآه.

стр. 610

واعترضه المؤيد بالله ﵇ (١) وغيره أنا لا نسلم أن هذا العلم إلى ما ذكرتم بل يجوز أن يكون علما ابتدائيا يخلقه الله تعالى فينا ابتداء إلى غير ذلك من الاعتراضات على هذا الدليل. ومما أورد على دليل المقابلة أن قولكم إن أحدنا لا يرى الشعاع معترض بأن يقال إن هذا إنما هو في رؤية الأجسام والألوان فقط في الكريم أن الله لا تصح رؤيته ولا يفتقر فيها إلى شعاع فلا يلزم حينئذ أن يكون صح أصلا في جهة كما ذكرتم. وأجيب بأنا إنما ننفي عن الله تعالى الرؤية المعقولة والرؤية إلى نعقلها إنما هي بالشعاع كما تقدم. وأما ما لا يعقل فيكفيه نفيا أنه لا يعقل، على أن الرؤية بغير الشعاع كالرؤية بغير الحاسة في أفما لا يسميان رؤية أحمية لغوية إلى غير ذلك من الاعتراضات الواردة على هذا الدليل، على أن أبا هاشم قد ذهب إلى أن الشيء إذا كان تصح رؤيته في نفسه فإنه يصح أن يرى وإن لم يكن مقابلا ولا حالا في المقابل ولا في حكم المقابل، ولهذا أقر جماعة من القائلين بعدم جواز رؤية الله أن اعتمادهم في هذه المسألة ليس إلا على دليل الموانع وممن صرح بذلك النجري (٢) في شرح القلائل. قال: قالت الأشعرية: ورؤيته تعالى بلا كيف، أي لا يرى في جهة من الجهات ولا على صفة من الصفات. وتحقيق ذلك ما قاله الرازي: ونصه: (المراد من الرؤية أن يحصل انكشاف قام بالنسبة إلى ذاته المخصوصة ويجري مجرى الانكشاف الحاصل عند اتصال الألوان والأضواء، وهذا الانكشاف لا أن يكون المكشوف حاصلا في جهة). وقال في موضع آخر: (ربما عاد الخلاف بين أصحابنا

стр. 611

وبين المعتزلة في هذه المسألة إلى اللفظ وإلى العبارة، يعني أن هذا الانكشاف الذي يسمونه الرؤية بالحاسة هو الذي تسميه المعتزلة علما ضروريا، لكن المشهور أن الخلاف بين الفريقين معنوي" (١) انتهى. وأجيب على دعوى رؤيته تعالى بلا كيف بأن ذلك مما لا يعقل. قالوا إنكارنا شيء عما هو معتاد في الرؤية، والحقائق لا تؤخذ من العادات لأنا لا نشترط في الروية ما ذكرتم من الضوء والمقابلة وغير ذلك من الشروط، وخروج الشعاع أو الانطباع أمر عادي قد جرت عادة الله بذلك وهو قادر على خلق الرؤية فينا من غير هذه الشروط ولا يلزم من صحة رؤية الشيء تحقق الرؤية. ودفع هذا الجواب بأنه سفسطة (٢)، وعدم اشتراطكم الضوء والمقابلة واتصال الشعاع بالمرئي إن كان مع بقاء العن على هذا التركيب وهذه البنية المخصوصة فذلك خارج عن العقل، وإن كان لامع البقاء بل إذا شاء الله ذلك وأراده يجعل العن بغير هذه البنية وعلى غير هذا التركيب الخاص فلا نزاع لأحد في هذا لكمال اقتداره تعالى. وقولهم: الحقائق لا تؤخذ من العادات قلنا قد صرحتم أن تصديق الرسول بالمعجزة وثبوت صدقه وصدق ما جاء به لا طريق له غير العادة، فإذا تركتم أخذ الحقائق من العادات تركتم الشريعة بأسرها ومن جملتها أدلتكم النقلية التي جزمتم بأن المعتمدة في هذا

стр. 612

البحث. ومما يصلح لدفع هذه الدعوى أعني: أن الرؤية بلا كيف ما أوردوه في هذا المقام مستدلين [٤] به على الرؤية كحديث تشبيه رؤية تعالى برؤية البدر والقمر (١)، وحديث أبي هريرة عند مسلم (٢) وفيه " فيأتيهم الله تعالى ني صورة غر صورته المط يعرفون* وحديث جابر عند مسلم (٣) أيضًا وفيه " فيقول: أنا ربكم. فيقولون: حتى ننظر إليك. فيتجلى لهم ﵎ ". وغير ذلك فإنها كفها مصرحة بالكيف. وأيضا يشهد على ضعفه أنه خلاف ما عليه جميع الفرق. قال الرازي: في المحصل ما نصه: (مسألة: الله تعالى يصح أن يكون مرئيا لنا خلافا لجميع الفرق. أما الفلاسفة والمعتزلة (٤) فلا إشكال في مخالفتهما وأما المشبهة (٥) والكرامية (٦) فلأنهم إنما جوزوا رؤيته لاعتقادهم كونه تعالى في المكان والجهة. أما بتقدير

стр. 613

أن يكون هو تعالى منزها عن الجهة فهم يحيلون رؤيته فثبت أن هذه الرؤية المنزهة عن الكيفية مما لا يقول به أحد إلا أصحابنا) انتهى. تنبيه: قال: ضرار بن عمرو (١) أنه تعالى يرى بحاسة سادسة، وذلك لما رأى باقي إدراكه هذه الحواس من المحالات، ورد قوله بأن هذه الحاسة إن كانت شعاعا لزم كونه جسما لما تقدم في (٢) دليل المقابلة، وإن لم يكن شعاعا فغير معقول، على أن تسميتها رؤية ممنوعة، لأن الرؤية اسم للإدراك هذه الحاسة، ومن الإلزامات العامة له، وللأشعرية تجويز أن يكون الله تعالى مطعوما ومسموعا وملموسا ومشموما: إما على وجه غير ما نعقله في الشاهد كما قالت الأشعرية في الرؤية، أو بحواس أخر كما قال ضرار، فإن منعوا ذلك ورد عليهم ما أوردوه على المانعين من الرؤية من أن المنع طعن في قدرة الله وإلا فما الفرق؟ مقدمة ينتفع ها بين يدي الأدلة النقلية وسنشرع الآن في سرد أدلة الفريقين النقلية والكلام عليها وسنهدي إليك قبل الشروع فيها مقدمة تنتفع ها في هذه المسألة وأخواتها إن كنت ممن رزق الإنصاف، وتستعن ها على السلامة من موبقات التعصب ومزالق الاعتساف. فنقول: اعلم أن فرقتي الأشعرية (٣) والمعتزلة (٤) قد اشتهر بينهما من الخلاف ما ملأ الأقطار وظهر بلا مرية ظهور النهار، وأفضى ذلك إلى العصبية التي هي من أقبح المشارب الوبية، ثم تزايد الشر وتضاعف في كل عصر حتى بلغ إلى الترامي بالكفر والفسق، فلا تكاد تقف على كتاب من كتب إحدى الطائفتين في مسائل الخلاف إلا وأشار فيه من

стр. 614

التشنيع والتبشيع على الطائفة الأخرى ما تقشعر منه الجلود، فترى كل فرقة تسمي ما تشبثت به في نصرة مذهبها- وإن كان في غاية من الضعف- بالدليل والحجة والواضح والصريح والقطعي والمحكم وتطلق على متشبث الأخرى، وإن كان في غاية القوة اسم الشبهة والمتشابه والخفي ونحو ذلك، وتبالغ في كتم الناهض وإهماله وتستكثر من ذكر المردود وأمثاله محبة للغلب والانتصار للأسلاف، بل ربما أفضى ذلك إلى ما هو أطعم من ذلك وأطعم، ولا أحب التصريح بأنه الافتراء على بعضهم بعضا، وقل من ينجو من هذه البلية التي هي أقبح التغرير والتلبيس على المقصرين، لإيقاعهم (١) في المضايق ولا حط الله علما يكون هذا نتيجته. ولعمري أن الجهل أسلم منه فإن ثمرة العلم النافعة بعد الاهتداء به- الهداية إليه لا الترويج للبدع والمصائب التي لا يفلح من علقت به ولا سيما إن كان من المقصرين المغرورين، ولهذا ترى عندهم من العداوة ما لم تجده عند المحقق [١٦] والسر في ذلك أن المقصر المقتصر إذا عثر على كتب قومه الذي هو هم حسن الظن قطع بصحة ما فيها وجزم بأن الطائفة الأخرى لا متشبث لها في تلك المسألة إلا تلك الشبهة إلى ذكرها أسلافه فيكون ذلك من أعظم الأسباب الداعية إلى التبديع والتكفير، ثم انضم إلى هذا الترويج التنفير عن كتب الخصوم ورمي من رام العثور عليها بالابتداع. والبلعث على هذا الحذر من أن يعثر المطلع على كتب الخصم على حجة له قوية تخدش في وجه ما قرره له أسلافه، أو يقف على بطلان ما نسبوه إليه فيفتضحوا عنده. وهذا السبب اتسع الخرق وعظم البلاء، فإياك إن كنت متبصرا أن ينفق عندك شيء من هذا الجنس فتزل بأول قدم، فإن ما دون هذه العداوة بكثير موجب لعدم قبول رواية بعضهم عن بعض وشهادته عليه، وقد صح عن رسول الله ﷺ الحكم بعدم قبول شهادة أرباب الإحن على بعضهم بعضا كما في حديث: " لا تقبل شهادة ذي الظنه والإحنة " (٢) وهكذا ما

стр. 615

بين من حاله كحال هاتين الطائفتين من الفرق الإسلامية فخذها كلية تنتفع ها انتفاعا جيدا، وعليك- إذا حاولت النظر- بأخذ مذهب كل طائفة ودليلها من كتبها كما فعلناه في هذه الرسالة والله المستعان. أدلة المانعين من الرؤية إذا عرفت هذا فنقول: استدل المانع من الرؤية بعد الاستدلال بالأدلة العقلية بقول الله : ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] وتقرير الاستدلال ها أن الإدراك المسند إلى الأبصار إنما هو الرؤية أو هما متلازمان، والآية نفت أن تراه الأبصار وذلك [١٧] بتناول جميع الأبصار بواسطة اللام الاستغراقية، والوقوع في سياق النفي في مقام المبالغة في جميع الأوقات، لأن قولك: فلان تدركه الأبصار لا يفيد عموم الأوقات فلا بد أن يفيده ما يقابله فلا يراه شيء من الأبصار لا في الدنيا ولا في الآخرة، ولأنه تعالى [بأنه لا يرى] (١)، لأنه ذكر في اثنان المدائح. وما كان من الصفات عدمه مدح كان وجوده نقصا يجب تنزيه الله عنه، كالقدم ينفي الصاحبة والولد، فيكون انتفاء الرؤية كانتفائها بشهادة الذوق السليم من كل جزء سالم الفطرة، واعترض على هذا التقرير بوجوه (منها): أن الإدراك هو الإحاطة (٢) بجوانب المولى إذ هو في الأصل النيل والوصول البلوغ ثم نقل إلى الرؤية

стр. 616

المحيطة لكونها أقرب إلى تلك الحقيقة، وهذه الرؤية المكيفة بكيفية الإحاطة أخص مطلقا من الرؤية المطلقة، وسلب الأخص لا يستلزم سلب الأعم. وأجيب: بأن اعتبار فقد الإحاطة في الإدراك ممنوع لا يثبت في شيء من أصلا، لا فيما هو الأصل على زعمكم- أعني- النيل والوصول والبلوغ، ولا في المنقول إليه أعني الرؤية، على أن الإدراك إذا اقترن بالبصر كان حقيقة في مجرد الرؤية، سواء قلنا إنه حقيقة لغوية (١) كما هو الظاهر أو عرفية (٢) فدعوى النقل ممنوعة أيضا، وأيضًا

стр. 617

نفط الرؤية المحيطة بالجوانب كما ذكرتم مشعر بأن له تعالى جوانب وحدودا، لأنه يصير الكلام في قوة أنه لا يرى تعالى رؤية محيطة بجوانبه وحدوده، ولو سلم عدم إشعاره بذلك فلا أقل من إبهامه له لأن توجه النفط إلى القيد أكثري، وأنه باطل قطعا وإجماعا: ومنها أن إلا تدركه الأبصار) موجبة كلية لا موضوعة جمع يحلى باللام الاستغراقية وقد [١٨] دخل عليها النفي فرفعها. ورفع الموجبة الكلية سالبة جزئية كما هو مقرر في محله. ولهذا جعل المنطقيون ليس (كل) من أسرار السالبة الجزئية. هذا إذا ثبت أن اللام للاستغراق وإلا عكسنا القضية إلا تدركه الأبصار) سالبة مهملة وهي في قوة الجزئية، فالآية في قوة: بعض الأبصار لا تدركه ونحن نسلمه، لأن الرؤية مختصة بالمؤمنين دون الكافرين. وأجيب: بأن الشائع في الاستعمال، والمأنوس في المقامات الخطابية- باتفاق أهل التحقيق- أن النفط الداخل على (١) الجمع المحلى باللام الاستغراقية لعموم السلب لا

стр. 618

سلب العموم، حتى قال بعضهم إنه لا يوجد في التنزيل واستعمال فصحى إلا بالمعنى الأول. وقد اعترف هذا سعد الدين (١) في شرح المختصر والمطول وشرح المقاصد، ومن أحب الوقوف على حقيقة ذلك فلينظر المطول في شرح قول القزويني: واستغراق المفرد أشمل .. الخ. وقد أطال تحقيق ذلك في شرح المقاصد ما خلاصته: أن النسبة قد تعتبر أولا إلى الكل ويعتبر دخول النفط عليه فتفيد سلبه، وقد يعتبر دخول النفط أولا ثم النسبة إلى الكل فلا يكون النفط متوجها إليه وإنما يتوجه إلى ما دخل عليه من الكلام الخالي عن حلية العموم فيفيد عموم السلب، والأول يفيد سلب العموم .. الخ. حتى قال: وبالجملة فالأول من قبيل نفى الجمع، والثاني من قبيل نفي المفرد وهو أشمل كما صرحوا به. وهذا جار في جميع القيود لا في مجرد العموم، ثم ذكر لذلك شواهد قرآنية. ثم قال: إلى ما لا يحصى في الكتاب والسنة وغيرهما من كلام الفصحى جار كفه على الاعتبار الثاني. وقال الكابي في " شرح المتحصل ". وهو إمام- ما نصه: " إنه تعالى عن بقوله لا تدركه الأبصار أي [١٩] لا يدركه واحد من الأبصار وذلك يقتض بأنه لا يدركه شيء من الأبصار في شيء من الأوقات أصلا، لأن قولنا تدركه الأبصار بالإطلاق العام ينقض قولنا لا تدركه الأبصار، بدليل أنه يستعمل كل واحد منهما في كذب الأخر، وإنما يتناقضان لو كان المراد من السالبة المذكورة هو السالبة الكلية الدائمة لما عرفت في المنطق أن المطلقتين القائمتين لا تتناقضان لجواز صدق كل واحدة منهما مع الأخرى في زمان، فإذا كان وثبت صدق قولنا لا يدركه شيء من الأبصار في شيء من الأوقات لزم كذب قولنا تدركه الأبصار لأن صدق أحد النقيضين يوجب كذب الآخر، وإذا ثبت كذب

стр. 619

قولنا تدركه الأبصار ثبت كذب قولنا يدركه بصر واحد أو بصران لعدم القائل بالفرق والفصل انتهى. ولم يتعرض للقدح فيه بل قال إنا نقول. موجبه، وجاء. مما سبق من أن نفى الإدراك لا يستلزم نفط الرؤية قوله: وإلا عكسنا. أجيب بأنا لو سلمنا عدم العموم لكانت القضية قبل دخول حرف السلب موجبة جزئية فحصل بحرف السلب رفع الإيجاب الجزئي وهو سلب كلى فثبت المطلوب ولا نسلم ما ادعيته من الإهمال، ولو سلم لكان في قوة: لا يدرك بعض شيء من الأبصار، والبعض نكرة ني سياق النفي فيعم. ومنها أن الإدراك غير موضوع بالحقيقة للرؤية أصلا لكنه قد يستعمل في رؤية الشيء المحدود على سبيل المجاز، وقد تقرر في أصول الفقه أنه لا يعدل عن الحقيقة إلى المجاز بدون دليل إجماعا (١) فيجب حمل الإدراك على حقيقته التي هي اللحوق، فإذا قام الدليل [٢٠] على العدول إلى المجاز وجب أن يلاحظ المجاز الموافق حكمه حكم الحقيقة وهو الرؤية، مع بعد الاحاطة بجوانب المرئي وحدوده، فما لا جوانب لذاته ولا حد له يمتنع فيه ذلك بالضرورة، فيجب العدول عن هذا المجاز أيضًا والحمل على إبصار العقول وإدراكها كما مر. وأجيب. منع اعتبار نعت الإحاطة في اللحوق، وأنه لو لم يوجد في اللغة أصلا كما سلف، وبمنع أن الإدراك مجاز في الرؤية، بل حقيقة لغوية أو عرفية كما سبق وإبصار العقول مجاز بلا خلاف فلا يصار إليه إذ لا بد في المجاز من غرض صحيح ونكتة مقتضية له وقرينة وعلاقة، وليس مهنا شيء من ذلك إلا ما غالطتم به وقد منعناه. (ومنها) أن الآية (٢) محمولة على نفط الرؤية في الدنيا لا في الآخرة، جمعا بين الأدلة وذلك لأنها وإن عمت في الأشخاص على مدعاكم، فهي لا تعم في الأزمان لأنها سالبة

стр. 620

مطلقة لا موجهة دائمة. وأجيب: بأن عموم الأزمان لقد سبق أنه مستفاد من الآية، وملاحظة القدح يأبى هذا التخصيص لأن عدم الرؤية في الدنيا ليس فيما يختص به الباري ﷻ لجريه في أشياء كثيرة فلم يبق للتمدح فائدة يعتد ها ثم لا فرق بين قول من قال إن العام في الأشخاص عام في الأوقات والأحوال، وقول من قال إنه مطلق فيها كما حققه ابن دقيق (١) العيد في "شرح العمدة". (ومنها) أنكم إما أن تحملوا الأبصار على حقيقتها، أو تجعلوها. بمعنى المبصرين: إن قلتم بالأول لم يصح لكم الاستدلال لأنا نقول إن الأبصار هي المذكورة، وإنما يدركه المبصرون، وإن قلتم بالثاني لزمكم في قوله تعالى: ﴿وهو يدرك الأبصار﴾ (٢) أن يكون معناه وهو تعالى مبصر [٢١] مدرك فيدرك نفسه، وكل من قال بأنه يدرك نفسه قال بأنه يدركه غيره. وأجيب بأن المراد بالأبصار ليس معناه الحقيقة إذ لا مدح حينئذ، ولا المبصرين مطلقا إذ لا دليل على ذلك بل المبصرين بالأبصار فيكون المعنى لا يدركه أهل الأبصار وهو يدرك أهل الأبصار، والقديم ليس من أهل الأبصار فاندفع الإشكال. غاية ما يلزم ألا لا يكون في الآية دليل على نفى إدراكه لنفسه صريح، بل إدراك أهل الأبصار فقط، لكن يلزم من ذلك نفط إدراكه لنفسه، لأن كل من قال بأنه لا يدركه غيره قال بأنه لا يدرك نفسه. (ومنها) أن التمدح بنفي الرؤية يدل على صحتها لأنها لو امتنعت ما حصل التمدح بنفيها إذ لا مدح للمعدوم بأنه لا يرى حيث لم يكن له ذلك. وأجيب:. منع الملازمة، والسند التمدح بنفي الصاحبة والولد مع امتناعهما غاية

стр. 621

الامتناع. وقولكم "لا مدح للمعدوم" مريدين بذلك أنها لو كانت مدحا له تعالى بأنه لا يرى لشاركه المعدوم في ذلك لأنه لا يرى- باطل، لأن الله تعالى قد تمدح بأنه لمس كمثله شيء (١) وأيضا فإن الممتنع لا يجوز التمدح به إلا إذا كان على ضرب من الكناية، كالتمدح بانتفاء الرؤية لانتفاء لازمها من الجهة ونحوها، إذ لا معنى للتمدح بانتفاء الرؤية من حيث ذات الرؤية فقط، فإن المعدوم لا يرى ولا مدح في عدم رؤية، وقس على ذلك التمدح بانتفاء السنة والنوم والولد والصاحبة، وأيضا فأنتم قائلون بأن قوله تعالى: ﴿ولا يظل ربك أحدا﴾ (٢) من قبيل التمدح [٢٢] بانتفاء الممتنع لذاته، إذ الظلم محال لا يقدر عليه تعالى عندكم فما بالكم أبيتم ذلك (٣) هنا. (ومنها): سلمنا دلالة الآية على ما ذكرتم، وعدم ورود شيء من هذه الأمور التي أسلفناها، فعمومها مخصص بالأحاديث البالغة رتبة التواتر كما صرح به الإمام محمد بن إبراهيم الوزير في "الروض الباسم (٤) وغره، والعلامة السيوطي في "البدور السافرة في أمور الآخرة (٥) حتى جزم الإمام المذكور أنها تزيد على ثمانين حديثا من طريق أكثر من ثلاثين صحابيا منهم: أبو هريرة (٦)، وأبو سعيد الخدري (٧)، .................................

стр. 622

وأبو موسى (١)، وعدي بن حاتم (٢)، وانعمن بن مالك (٣)، وجرير بن عبد الله (٤)، وكل هؤلاء أحاديثهم متفق عليها مخرجة في صحيح البخاري ومسلم معا، وفي غيرهما من كتب الحديث. ومنهم بريدة بن الحصيب (٥)، وأبو رزين العقيلي (٦)، ..............

стр. 623

وجابر بن عبد الله (١)، وأبو أمامة (٢) , وزيد بن ثابت (٣)، وعمار بن ياسر (٤)، وعبد الله

стр. 624

بن عمر (١) وعمارة بن روبية (٢) وأبو بكر الصديق (٣) وعائشة أم المؤمنين (٤) وعمار ابن ياسر (٥) وحذيفة (٦). . . . . . . .

стр. 625

وعبد الله بن العباس (١)، وعبد الله بن عمرو بن العاص (٢) وكعب بن عجرة (٣)، وفضالة بن عبيد (٤)، والزبير بن العوام (٥)، ولقيط بن صبرة (٦)، وعمر بن ثابت الأنصاري (٧)، وعبد الله

стр. 626

ابن بريدة (١)، وأبو برزة الأسلمي (٢)، وأبو الدرداء (٣)، وأبو ثعلبة الخشني (٤)، وعبادة بن الصامت (٥)، وأبي بن كعب (٦). وعلى الجملة فإن أحاديث الرؤية مروية في جميع دواوين الإسلام من طرق كثيرة حتى رووه من طريق زيد بن على (٧)، وفي الصحيحين منها ثلاثة عشر حديثا اتفقا منها على

стр. 627

ثمانية أحاديث وانفرد البخاري بحديثين ومسلم بثلاثة أحاديث وقد استوفى [٢٣] الحافظ النفيس العلوي اليمني (١) في كتابه (شرح الأربعين) (٢) أحاديث الرؤية ورواها من طريق نحو خمسين صحابيا، وهكذا ابن القيم في "حادي الأرواح (٣) وكلها مصرحة برؤية المؤمنين له يوم القيام فهلا خصصتم ها عموم الآية؟ وأجيب بأن هذه الأحاديث تتضمن الجبر والتشبيه فيجب القطع بأن رسول الله ﷺ لم يقلها وإن قالها فعلى جهة الحكاية عن قوم، والراوي حذف الحكاية ونقل الخبر، ودعوى التواتر ممنوعة، وقد اعترف بأنها أحاديثه جماعة من محققيكم من جملتهم شارح التجريد الكوسجى وغيره، وأيضا فإنها مخالفة لدليل العقل والنقل، وللآيات التي ذكرنا بعضها، وسنذكر بقيتها ولأن قوله ليس كمثله- شيء (٤) يستلزم أنه لا تدركه الأبصار، لأنها لو أدركته لي الأشياء، ولو سلم ذلك لكان المراد بالرؤية المذكورة في الأحاديث العلم (٥)، أي: ستعلمون ربكم والرؤية هذا مما نطق به

стр. 628

القرآن وورد به كلام الفصحاء، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ (١)، وقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا﴾ (٢) وقال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (٣)، وقال: ﴿﴾ (٤)، وقال الشاعر: رأيت الله إذ سمي نزارا ... وأسكنهم. بمكة قاطنينا وقال حاتم (٥): أماوي إن يصح صداي بقفرة ... من الأرض لا ماء لدي ولا خمر ترى أن ما أنفقت لم يك ضرني ... وأن يدي مما بخلت به صفر وأيضا قد أسلفنا أن الرؤية المذكورة في الأحاديث مكيفة، وأنتم تقولون بلا كيف؟. قالوا هذه الأحاديث واردة مورد البشارة، وأي بشارة في أم يعلمون الله تعالى في

стр. 629

دار الآخرة ١٢٤١ ومعلوم أنه يعلمونه في دار الدنيا. " وأجيب: بأن المبشر به هو العلم الضروري وهو غير حاصل في دار الدنيا، ومثله قوله تعالى ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ (١) فإن كل مؤمن بالوعد والوعيد شأنه الإيمان بالنار في الدنيا، قالوا: وأي فائدة في البشارة بالعلم الضروري أيضا؟. وأجيب: بأنه موجب للاستراحة من مؤمنة النظر وتعب الفكر، قالوا: فيجب على هذا لاشتراك جميع العباد في ذلك من مؤمن وكافر لحصول العلم الضروري (٢) هنالك لجميعهم. وأجيب بأن المنافقين والكفار إذا علموا الله ضرورة لم يكن حالهم كحال المؤمنين لأن علم المؤمنين موجب لحصول البشارة، وعلم من عداهم موجب لحصول الكآبة والحسرة. قالوا: أجمع على أن (رأى) إذا كان قلبيا اقتضى مفعولين (٣)، ثانيهما عبارة عن الأول وإن كان بصريا فلا يقتضى إلا مفعولا واحدا، فإن جعل قوله "سترون ربكم كما ترون القمر (٤) مفعولا مطلقا، أي: سترون ربكم رؤية مثل رؤية القمر، كان رؤية بصرية قطعا، لأنه متعد إلى مفعول واحد حينئذ ولا مجال لدعوى الحذف. وإن جعلناها قلبية فلا بد أن يكون كالقمر هو المفعول الثاني لعدم صلاحية (يوم القيامة وليلة البدر) لذلك ويلزمهم حينئذ الفساد لأن المقرر في النحو الثاني عبارة عن الأول محمول عليه حمل مواطأ فيكون معني الحديث: ستعلمون مثل القمر، والمثل. معني المماثل أي ستعلمون ربكم، مماثلا للقمر، وهو تشبيه بلا تجسيم صحيح، فإن المتماثلين هما المتشاركان في

стр. 630

النوع، وهو ظاهر البطلان بالضرورة والاتفاق، فبطل أن تكون الرؤية. معني العلم. وأجيب بأن [٢٥] يلزم أولاً: من جعل القمر مفعولا مطلقا كما ذكرتم أن تكون هذه الرؤية من نوع رؤية القمر، وإذا تشاركا في النوع لم يتميز أحدهما من الآخر فيلزم الجهة والكيف، فانكي مطلوبكم، وإذا جعلنا الرؤية. معني العلم لم يلزم شيء من ذلك، وسواء كان المفعول الثاني محذوفا لأغني ذكر المفعول المطلق عنه أي المفهوم من قوله كالقمر، أو مذكورا هو نفس (كالقمر) وقوله لا مجال للدعوى باطل لتصريح فحول النحاة بجواز الحذف مع القرينة كابن مالك، وجار الله (١) في تفسير قوله تعالى: ﴿لترون الجحيم﴾ [التكاثر:٦] وإنما أطلق بعض النحاة المنع، نظرا إلى أن أصل الكلام مبتدأ وخبر، لكنك قد علمت جواز حذف أحدهما مع القرينة، وشواهد الحذف مما لا ينكره من له متمسك بالفن، ولنقتصر في الكلام على هذه الآية على هذا المقدار وإن كان الكلام عليها من الجانبين في غاية الطول. تنبيه: اعلم أن بعض القائلين بعدم جواز الرؤية جاء في دفع هذه الأحاديث الحط جاء ها المجوز بكلام ينادي على صاحبه بقصر الباء وحقارة الإطلاع. فقال: إنه لم يرد في الرؤية إلا خبر واحد، وهو، سترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر (٢) وهو من رواية: قيس بن أبي حازم (٣) عن جرير بن عبد الله

стр. 631

البجلي، وقيس مطعون فيه من جهة أنه كان يرى رأي الخوارج (١)، وأنه خولط في عقله آخر عمره، هذا معنى ما صرح به [السيد مانكديم] (٢) في شرح جامع الأصول الخمسة (٣)، وتبعه جماعة، وهو باطل من جهات: (الأولى): أن أحاديث الرؤية قد أسلفنا أنها أكثر من ثمانين حديثا عن أكثر من ثلاثين صحابيا، والقدح في حديث منها لا يستلزم [٢٦] القدح في جميعها. (الثانية): أن قيس بن أبي حازم وإن صح عنه رأي الخوارج (٤) لم يوجب طرح رواية، لما تقرر من قبول رواية المبتدع فيما لا يقوي بدعته، كما روي ذلك عن جماعة من العلماء، حتى روى المنصور بالله (٥) في "المهذب (٦) و"الصفوة (٧) الإجماع على

стр. 632

قبول المبتدع فيما لا يقوي بدعته، وكذا الإمام يحي بن حمزة (١) في " الانتصار (٢)، والقاضي زيد (٣) في شرحه (٤)، والشيخ أبو الحسن البصري في " المعتمد (٥)، والشيخ الحسن الرصاص (٦) في كتابه وحفيده ........................

стр. 633

أحمد (١) في " الجوهرة (٢) وعبد الله بين زيد في " الدار المنظومة (٣) والحاكم (٤) في "شرح العيون (٥)، هكذا قال السيد العلامة محمد بن إبراهيم الوزير ﵀. (الثالثة): أن قيسا وإن خول (٦) في آخره، فذلك غير موجب المقدح رواه من هذه الحيثية، إلا إذا علم أن ما رواه كان في آخر عمره. وقد تنازع الفريقان في قول الله تعالى: حاكيا عن موسى ﵇: " ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣]، فقال المانع: هي من أدلة مذهبه، وقال المجوز: مثله. واحتج كل منهم بحجج سنورد بعضها.

стр. 634

أما المجوز فقال: هي حجة له، على جواز الرؤية، واحتج على ذلك بوجهين: (الأول): أن موسى- ﵇ سأل الرؤية ولو امتنع كونه تعالى مرئيا لما سأل، لأنه إن علم امتناعه، فالعاقل لا يطلب المحال، وإن جهله فالجاهل. مما لا يجوز على الله لا يجوز أن يكون نبيا. (الثاني): أنه علق تعالى الرؤية على استقرار الجبل، واستقرار الجبل أمر ممكن عقلا، وما علق على الممكن ممكن، إذ لو كان ممتنعا لأمكن صدق اللازم بدون الملزوم وهو محال. [٢٧] وأجيب عن هذين الوجهين من جهة المانع بوجوه (منها)، أن موسى- ﵇ إنما سأل الرؤية بسبب قومه لا لنفسه، لأنه كان عالما بامتناعها، لكن قومه اقترحوا عليه وقالوا: (أرنا الله جهرة (١)، وإنما نسبه إلى نفسه في قوله: (أرني أنظر إليك) (١)، ليمنع عن الرؤية، فيعلم قومه امتناعها بالنسبة إليهم بالطريق الأولى، وفيه مبالغة لقطع دابر اقتراحهم، وفي أخذ الصاعقة لهم دليل على امتناع المسئول وهذا تأويل الجاحظ (٢) وأتباعه (٣) ا لزمخشري (٤). ودفعه المجوز: بأن ذلك خلاف الظاهر، حيث لم يقل ننظر إليك فلابد له من دليل، ومع ذلك لا يستقيم، لأن موسى، لو كان بينهم لكفاه أن يقول: هذا ممتنع، بل كان ذلك هو الواجب عليه، لا تأخير الرد، وتقرير الباطل لا يجوز على مثله، ولأن موسى أيضًا زجرهم وردعهم لما قالوا: ﴿أرنا الله جهرة﴾ (٥)، وعن السؤال، بأخذ

стр. 635

الصاعقة، فلم يحتج موسى إلى زجرهم إلى سؤال الرؤية وإضافتها إلى نفسه، وليس في اخذ الصاعقة دلاله على امتناع المسئول، لجواز أن يكون الأخذ لقصد إعجاز موسى عن الإتيان. مم طلبوه تعنتا مع كونه ممكنا، فأنكر الله ذلك عليهم كما أنكر قولهم: ﴿لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا﴾ (١) وقولهم: ﴿فأسقط علينا كسفا من السماء﴾ (٢) بسبب التعنت وإن كان المسئول أمرا ممكنا في نفسه، فأظهر الله عليهم ما يدل على صدقه لقصد الإعجاز والردع. قال المانع: أما قولكم إن ذلك خلاف الظاهر، فلا يقوله إلا مكابر، فإن قول موسى- ﵇: ﴿أتهلكنا بما فعل السفهاء منا﴾ (٣)، قوله: ﴿فقد سألوا موسى أكبر من ذالك﴾ (٤) وقوله- حاكيا عنهم-: ﴿لن نؤمن لك حتى نرى الله جهره﴾ (٥) قد بلغ في الظهور إلى الغاية. وأما قولكم حيث لم يقل " ينظرون
следующие страницы →