← Джавами‘

Джавами‘ · id 36543

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

الشوكاني

Полный текст (5 091 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

البجلي، وقيس مطعون فيه من جهة أنه كان يرى رأي الخوارج (١)، وأنه خولط في عقله آخر عمره، هذا معنى ما صرح به [السيد مانكديم] (٢) في شرح جامع الأصول الخمسة (٣)، وتبعه جماعة، وهو باطل من جهات: (الأولى): أن أحاديث الرؤية قد أسلفنا أنها أكثر من ثمانين حديثا عن أكثر من ثلاثين صحابيا، والقدح في حديث منها لا يستلزم [٢٦] القدح في جميعها. (الثانية): أن قيس بن أبي حازم وإن صح عنه رأي الخوارج (٤) لم يوجب طرح رواية، لما تقرر من قبول رواية المبتدع فيما لا يقوي بدعته، كما روي ذلك عن جماعة من العلماء، حتى روى المنصور بالله (٥) في "المهذب (٦) و"الصفوة (٧) الإجماع على

стр. 632

قبول المبتدع فيما لا يقوي بدعته، وكذا الإمام يحي بن حمزة (١) في " الانتصار (٢)، والقاضي زيد (٣) في شرحه (٤)، والشيخ أبو الحسن البصري في " المعتمد (٥)، والشيخ الحسن الرصاص (٦) في كتابه وحفيده ........................

стр. 633

أحمد (١) في " الجوهرة (٢) وعبد الله بين زيد في " الدار المنظومة (٣) والحاكم (٤) في "شرح العيون (٥)، هكذا قال السيد العلامة محمد بن إبراهيم الوزير ﵀. (الثالثة): أن قيسا وإن خول (٦) في آخره، فذلك غير موجب المقدح رواه من هذه الحيثية، إلا إذا علم أن ما رواه كان في آخر عمره. وقد تنازع الفريقان في قول الله تعالى: حاكيا عن موسى ﵇: " ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣]، فقال المانع: هي من أدلة مذهبه، وقال المجوز: مثله. واحتج كل منهم بحجج سنورد بعضها.

стр. 634

أما المجوز فقال: هي حجة له، على جواز الرؤية، واحتج على ذلك بوجهين: (الأول): أن موسى- ﵇ سأل الرؤية ولو امتنع كونه تعالى مرئيا لما سأل، لأنه إن علم امتناعه، فالعاقل لا يطلب المحال، وإن جهله فالجاهل. مما لا يجوز على الله لا يجوز أن يكون نبيا. (الثاني): أنه علق تعالى الرؤية على استقرار الجبل، واستقرار الجبل أمر ممكن عقلا، وما علق على الممكن ممكن، إذ لو كان ممتنعا لأمكن صدق اللازم بدون الملزوم وهو محال. [٢٧] وأجيب عن هذين الوجهين من جهة المانع بوجوه (منها)، أن موسى- ﵇ إنما سأل الرؤية بسبب قومه لا لنفسه، لأنه كان عالما بامتناعها، لكن قومه اقترحوا عليه وقالوا: (أرنا الله جهرة (١)، وإنما نسبه إلى نفسه في قوله: (أرني أنظر إليك) (١)، ليمنع عن الرؤية، فيعلم قومه امتناعها بالنسبة إليهم بالطريق الأولى، وفيه مبالغة لقطع دابر اقتراحهم، وفي أخذ الصاعقة لهم دليل على امتناع المسئول وهذا تأويل الجاحظ (٢) وأتباعه (٣) ا لزمخشري (٤). ودفعه المجوز: بأن ذلك خلاف الظاهر، حيث لم يقل ننظر إليك فلابد له من دليل، ومع ذلك لا يستقيم، لأن موسى، لو كان بينهم لكفاه أن يقول: هذا ممتنع، بل كان ذلك هو الواجب عليه، لا تأخير الرد، وتقرير الباطل لا يجوز على مثله، ولأن موسى أيضًا زجرهم وردعهم لما قالوا: ﴿أرنا الله جهرة﴾ (٥)، وعن السؤال، بأخذ

стр. 635

الصاعقة، فلم يحتج موسى إلى زجرهم إلى سؤال الرؤية وإضافتها إلى نفسه، وليس في اخذ الصاعقة دلاله على امتناع المسئول، لجواز أن يكون الأخذ لقصد إعجاز موسى عن الإتيان. مم طلبوه تعنتا مع كونه ممكنا، فأنكر الله ذلك عليهم كما أنكر قولهم: ﴿لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا﴾ (١) وقولهم: ﴿فأسقط علينا كسفا من السماء﴾ (٢) بسبب التعنت وإن كان المسئول أمرا ممكنا في نفسه، فأظهر الله عليهم ما يدل على صدقه لقصد الإعجاز والردع. قال المانع: أما قولكم إن ذلك خلاف الظاهر، فلا يقوله إلا مكابر، فإن قول موسى- ﵇: ﴿أتهلكنا بما فعل السفهاء منا﴾ (٣)، قوله: ﴿فقد سألوا موسى أكبر من ذالك﴾ (٤) وقوله- حاكيا عنهم-: ﴿لن نؤمن لك حتى نرى الله جهره﴾ (٥) قد بلغ في الظهور إلى الغاية. وأما قولكم حيث لم يقل " ينظرون

стр. 636

[٢٨] إليك " فمندفع. مما في الكشاف (١)، حيث قال: " فإن قلت هلا قال " أرهم ينظرون إليك "، قلت لأن الله سبحانه إنما كلم موسى- ﵇ فلما جمعوا كلام رب العزة، أرادوا أن يرى موسى ذاته، فيبصروه معه كما أجمعهم كلامه، إرادة مبنية على قياس فاسد فلذلك قال موسى: ﴿أرنا أنظر إليك﴾ (٢) ولأنه [إنما] (٣) زجر عما طلب وأنكر عليه في ثبوته واختصاصه ولفته عند الله. وقيل: لن يكون ذلك (٤) كان غيره أولى ﴿﴾ بالإنكار ولأن الرسول ﷺ إمام أمته، فكان ما يخاطب به راجعا إليهم. وقوله: أنظر إليك، وما فيه من معي المقابلة الذي هي محض التشبيه والتجسيم دليل أنه ترجعه عن مقترحهم وحكاية لقولهم " إلى آخر كلامه وأما قولكم: " لو كان موسى مصدقا بينهم ". فجوابه: أفم كانوا على عظيم من اللجاج، أو ليسوا هم القائلين أنزل علينا مائدة والمجيبين عليه حيث قال لهم: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٥)، بقولهم: ﴿نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ (٦) والمجيبين عليه بقولهم: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ (٧) الآيات. أن مجرد كونه مصدقا لا يكف في ردعهم. وهذا لا تعلم ...

стр. 637

وأما قولكم: وليس في أخذ الصاعقة الخ. فباطل، إذ ما ساقه الله تعالى من حكايتهم، دال على أفم قد فهموا أن هذه الصاعقة بسبب الرؤية إلى اقترحتموها وترجم موسى عن مقترحهم، وحصل عندهم علم ضروري بذلك، كيف وقد قال الله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ (١) وقد عرفتم أنه ليس هناك إلا صاعقة واحدة، وسؤال واحد وإنما حكاه الله تعالى في مقامين كما حكا غيره من قصص الأنبياء في مواضع، ثم قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾ (٢)، دليل واضح على أن الظلم هو سؤال رؤية رب العزة. وأما قولكم: " فأنكر الله ذلك عليهم ". ففاسد. ولو كان الإنكار عليهم ليس إلا من هذه الحيثية لما كان لوصف سؤالهم كونه جهرة معي يعتد به. (ومنها) أن موسى، لم يسأل الرؤية، بل تجوز ها عن العلم الضروري لأنه لازمها، وإطلاق اسم الملزوم على اللازم شائع، فكأنه قال: اجعلني عالما بك علما ضروريا، وهذا تأويل أبي الهزيل العلاف (٣)، وتبعه فيه الجبائي (٤) وأكثر البصريين. وأجيب: بأن الرؤية المطلوبة في " أرنا " لو كانت. معي العلم لكان النظر المترتب عليها. بمعناه أيضا، واستعمال النظر المعدي بإلى بمعنى العلم إن ثبت مخالف للظاهر، فلا يجوز إلا بدليل ولا دليل، فوجب حمله على الرؤية البصرية. ومما يدل على امتناع حملها على العلم هاهنا استلزام السؤال ألا يكون موسى عالما

стр. 638

بربه ضرورة مع أنه يخاطبه وذلك لا يعقل لأن المخاطب في حكم الحاضر المشاهد. والجواب ب " لن تراني " وهو لنفى الرؤية البصرية لا العلم، بإجماع المنكرين، ولهذا جعلوه دليلا لهم، ومطابقة الجواب للسؤال لازمة. ودفعه المانع بقوله: أما قولكم: واستعمال النظر المعدي بإلى. الخ نحن نسلم أكثريته في البصري، ولا مانع من استعمال الشيء في القليل، لا سيما مع قيام الدليل المانع من استعماله في الأكثر، وهو ما حررناه سابقا من الدليل العقلي على امتناع الرؤية فكيف قلتم: ولا دليل على أن الأكثرية. ممجردها غير كافيه في دعوى النص على المطلوب، وقولكم يلزم ألا يكون موسى عالما بربه ... الخ. مبثت على عدم تفاوت مراتب الضروري [٣٠] قوة وضعفا، ومعلوم أن المحسوس بالنظر أقوى من المعلوم بحاسة السمع. وأما قولكم: والجواب على تراني ... الخ ". فجوابه: ما ذكره العلامة في الكشاف (١): من قوله: " وتفسير آخر وهو أن يريد بقوله: ﴿أرنا أنظر إليك﴾، عرفني نفسك تعريفا واضحا جليا كأنه رآه في جلائها بأية مثل آيات القيامة التي تضطر الخلق إلى معرفتك: أنظر إليك: أعرفك معرفة اضطرار وكأني أنظر إليك، كما جاء في الحديث: " سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر " (٢) يعني: ستعرفونه معرفة جلية هي في الجلاء، كإبصاركم القمر إذا امتلأ واستوى، قال: " لن تراني " لن تطيق معرفتي على هذه الطريقة ... " إلى آخر كلامه. وكون هذا التأويل خلاف الظاهر غير مضر، لأن العدول عن الظاهر لقيام الدليل على خلافه، وليس في هذا التأويل من مخالفة الظاهر ما في تأويل الرازي (٣) لقوله: ﴿لا تدركه الأبصار﴾ (٤)

стр. 639

حيث قال لا تدركه العقول كما سلف. (ومنها): أن موسى ﵇، سأل الرؤية لنفسه وإن علم استحالتها بالعقل ليتأكد دليل العقل بدليل السمع، فيتقوى علمه بتلك الاستحالة. وأجيب بأن موسى- ﵇ كان يمكنه طلب التأكيد من غير ارتكاب سؤال ما هو محال، ودفع: بأن السؤال لم يكن في الحقيقة طلبا للمحال بل كان طلبا لإظهار ما يردع بعض الأوهام عن الضلالي ولاستفادة ما لم يخطر له على بال ويظهر لقومه امتناع رؤية الكبير المتعال. فرسخ الأمر عندهم كرسوخ الجبال. كما قال من قال: ﴿أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ (١) وقال: ﴿فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾ (٢) مع إمكان غير [٣١] المطالبة لهم بسؤالهم لكونها أنفع وأقطع. وإلى هنا انتهت الوجوه المعترض على الوجه الأول. واعترض على الوجه الثاني باعتراضات أحسنها أنه علق الرؤية على استقرار الجبل، إما حال سكونه أو حال حركته، الأول ممنوع والثاني مسم. بيانه: أنه علق وجود الرؤية (٣) عليه حال سكونه للزوم وجود الرؤية بحصول الشرط الذي هو الاستقرار وهو باطل، فإذن قد يقال إنه علقه عليه حال حركته، ولا خفاء في أن الاستقرار حال الحركة محال، فيكون تعليق الرؤية عليه تعليقا بالمحال فلا يدل على إمكان المعلق بل على استحالته. وأجيب: بأنه علقه عليه من حتى هو من غير قيد نشط، والراجح عين المرجع فيكون مطلقا عن القيد أيضًا وإلا لزم الإضمار في الكلام وهو خلاف الأصل الذي لا

стр. 640

يصار إليه إلا بدليل، ولا دليل. ولا شك أن استقرار الجبل من حيث هو ممكن. ودفع بأن التعليق على استقرار الجبل من حيث هو لا مانع له إذ الواقع في الخارج لا يكون مطلقا إنما يكون مقيدا، والتعليق ليس على ما يقع في الخارج- أعي: المعلق المعقول من دون قيد حركة ولا سكون- وعلى الجملة فإن التعليق في ظاهر الأمر بادئ بدء تعليق على ممكن، لكن عدم استقرار الجبل كشف عن كون التعليق على غير ممكن. فمن نظر إلى انه علق على ممكن كصاحب الغايات فقد نظر إلى بادي الأمر، ومن نظر إلى عاقبة الأمر وقال المانع: هي- أعني قوله تعالى: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ (١) في دالة على عدم وقوع الرؤية في جميع الأزمان لوجهين [٣٢]: (الأول): أن لن لتأبيد النفط وتأكيده كما صرح بذلك الزمخشري في مؤلفاته، نص على التأبيد في النموذج (٢) والتأكيد في كشافه (٣) ومفصله قال المحلى في " شرحه على جمع الجوامع ": وقد نقل التأبيد عن غير الزمخشري ووافقه في التأكيد كثير، حتى قال بعضهم: إن منعه مكابرة، انتهى. وقد ذكره السيوطي على هذا في الإتقان (٤) ناقلا عن بعضهم وحكى موافقة ابن عطية (٥) على التأييد. وأجيب عن ذلك. مما ذكره ابن مالك (٦) من أنها لو كانت للتأبيد لم يقيد منفيها

стр. 641

باليوم في ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ (١) و لم يصح التوقيت في ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ (٢) ولكان ذكر الأبد في ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ (٣) تكرارا إذ الأصل عدمه، ودفع بأن التقييد المذكور من أقوى الأدلة على أنها للتأبيد، فانعكس مطلوبكم وأما ذكره التأبيد في قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ (٤) فهو تأييد لا تأسيس وإلا لزم أن يكون قيدا فيتوجه النفط إليه على ما هو الأكثر في الاستعمال فيفسد المعني، ولا يقدح في ذلك مخالفة التأكيد للأصل في العربية. (والثاني) أن الرؤية علقت على أمر لا يكون، ولا يمكن من استقرار الجبل مكانه حين تدكدكه، أي حصول التدكدك والاستقرار معا، وإلا لم يبق لما في الآية- من التعليق وذكر التدكدك- وجه. ومعلوم أن ذلك ليس إلا بيان امتناع وقوع المعلق عليه لا بيان لإمكانه، ولأن المراد الاستقرار بدل التدكدك في زمانه، وعلى فرض التسليم فلا نسلم المقدمة المقابلة أن ما علق على الممكن ممكن أو لا نسلم كليتها، والسند ما سلف. وقد سبقت الإشارة إلى مثل هذا الكلام في جواب المانع على المجوز [٣٣] عند استدلاله هذه الآية على مذهبه وسبق دفع ذلك (٥) ودفع الدفع فراجعه.

стр. 642

ومن أدلة المانعين ما قالته عائشة كما ثبت ذلك في " الصحيح (١) عنها لما سمعت من

стр. 643

ذكر الرؤية كما لقد قف شعري وقالت مرة أخرى (١) من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية ". وأجيب: بأن احتجاج عائشة بذلك على من زعم أن محمدا رأى ربه ليلة المعراج. ومحل النزاع رؤيته في الآخرة، على أن عائشة كانت إذ ذاك في أوان ولادتها، وقد ألفها جماعة من الصحابة، وقد جزم النووي (٢) وغيره بأن عائشة لم تنفي الرؤية بحديث مرفوع، إنما اعتمدت على الاستنباط على ما ذكرت من ظاهر الآية (٣) وقد ذكر ابن حجر (٤) عن الإمام أحمد بن حنبل أنه قيل له ما تقول في قول عائشة من زعم أن محمدا رأى، فقد أعظم على الله الفريلي" بم تدفع قولها، قال: بقول النبي ﷺ : " رأيت ربي (٥) وقول النبي ﷺ أكبر. ودفع بأنه عائشة رض الله عنها إن لم تعلم ذلك من قبيل المشاهدة فقد علمته من قبيل الرواية الصحيحة عن بعض نسائه، وإن جزم النووي بذلك يخالف ما في صحيح مسلم الذي شرحه (٦) بنفسه، من طريق داود بن هند عن الشج عن مسروق، أنه قال لها- أي عائشة- لم أنكرت الرؤية؟ أ لم يقل الله﴾ وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى & (٧) فقالت (٨): أنا أول هذه الأمة سأل رسول الله ع! عن ذلك، فقال: " إنما هو

стр. 644

جبريل، أو هذا جبريل " وهذا خبر مرفوع وبأن المخالف لها من الصحابة ليس إلا ابن عباس (١)، وقد قال بقولها ابن [٣٤] مسعود (٢) وأبو ذر الغفاري (٣)، كيف وقد أجابه النبي ﷺ بقوله: " نور إني أراه ... الخ"، كما في رواية مسلم (٤)، وبقوله: " قد رأيت نورا، كما في رواية أحمد وبقوله كل: رآه بقلبه ولم يره بعينه كما في رواية ابن خزيمة (٥) عنه. قالوا: سلمنا جميع ذلك، وليس فيه إلا نفى الرؤية ليلة المعراج فمن أين يدل على النفط الأبدي، على أنكم لا ترضون بقوله ﷺ : " نور أني أراه ". بل تؤولونه باستفهام الإنكار فتقولون: أنور هو؟ كيف! أراه، كما صرح بذلك محققكم السيد مانكديم (٧) في " شرح الأصول الخمسة ". ومن أدلة المانعين ما أورد السيد أمانكدمم (٦) سابقا في " شرح الأصول " عن جابر ابن عبد الله (٧) عن رسول الله ﷺ ، أنه قال: " لن يرى الله أحد في الدنيا والآخرة ".

стр. 645

وما روي عن على (١) رض الله عنه وقد قيل: هل رأيت ربك؟ قال: " ما كنت أعبد شيئا لم أره، فقيل كيف رأيت؟ فقال: لم تره الأبصار. مشاهدة العيان، لكن رأته القلوب بحقائق الإيمان، موصوف بالدلالات، معروف بالآيات، هو الله الذي لا إله إلا هو الحط القيوم ". وأجيب عن ذلك بأن الخبر مما لا وجود له في دواوين الإسلام ولا فيما يلتحق ها ولا أصل له في الصحة والأثر عن علي ﵇ ولا يدل على المطلوب، وغاية ما فيه نفط (٢) الرؤية في الدنيا بشهادة لم القابلة لمعنى المستقبل إلى المضي كما عرف في موضعه،

стр. 646

وإلى هنا انتهت أدلة المانع النقلية. أدلة القائلين بالرؤية وأما المجوز فاستدل بأدلة (منها) ما سبق من الأحاديث الكثيرة التي قال الإمام العلامة محمد بن إبراهيم الوزير (١) متواترة وتابعه على وصفها بالتواتر العلامة الأسيوطي (٢) وقد ذكرنا أنها رويت من طريق ثلاثين صحابيا وأن متونها تزيد على ثمانين حديثا ومنها قوله تعالى: ﴿رب أرني أنظر إليك﴾ (٣) الآية وقد سلف الكلام على ذلك. ومنها قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (٤) والنظر معنى الرؤية والإبصار، لا سيما مع اقترانه بالوجوه. والآية قد دلت على الوقوع فرع الجواز والصحة فه! دليل على الصحة بلا شبهة.

стр. 647

تمنعون أن يكون النظر إلى الله في جهة مع الجهات، وقلتم إنه لا يستلزم إثبات الكيف والجهة أصلا، فلا بد لكم من تأويل النظر إليه تعالى بالنظر إلى جهته في العرف، وهي الجهة المعلومة إلى يلتفت إليها عند الرجوع إليه تعالى كما تقتضيه العادة والفطرة، وهي التي يترقب فيها نزول الرحمة والفيض، فيكون المعنى أن النظر حينئذ ينتهي إلى جهة رحمته ومكان ملائكته وحملة عرشه "، فلا يصح أن يكون المعنى أن النظر ينتهي إليه تعالى فإن ذلك باطل محال قطعا وإجماعا. فالآية على هذا حجة عليكم لا لكم، وقد اعترف سعد الدين وكيره من الأشاعرة بأنها لا تفيد القطع ولا تنفي الاحتمال، ودفع بأن هذا لا يستلزم الحذف، وهو خلاف الأصل، ودعوى المحالية مصادرة على المطلوب، وقد شهد. مما قلناه الحديث (١) الصحيح الذي رواه ابن عمر رض الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى جنانه وأزواجه ونعمه وخدمه [٣٦] وسرره مسيرة ألفي سنة. وأكرم على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشية ثم قرأ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (٢) رواه الإمام أخض (٣) والترمذي (٤) وابن أبي شيبة (٥) وعبد بن حميد (٦) واللالكائي في السنة (٧) وابن جرير (٨)

стр. 648

وابن المنذر (١) والدارقطني في الرؤية (٢)، والحاكم (٣) وابن مردويه (٤) والبيهقى لم، وهذا نمى في أن النظر. معي الرؤية والإبصار. قال المانع: العدول عن الأصل لازم لا محالة إذا لم يقر محذوف ضرورة أن " إلى " لا تكون حينئذ للانتهاء الذي هو الأصل في وضعها، بل لا بد من التجوز فيها مع أنكم قد عرفتم أن المطرزي والسكاكي (٥) والقزويي والسعد التفتازاني (٦) وغيرهم قائلون بأن الحذف (٨) إذا لم يتغير به الحكم الإعراب لا يكون من المجاز في شيء، فلا يكون الذهاب

стр. 649

إليه عدولا عن الأصل، والحديث ليس فيه زيادة على ما في الآية أصلا، وقد عرفتم ما فيها، والآية الكريمة فيها مقابلة بين الوجوه الناضرة والوجوه الباسرة، فمقابل الناضرة هي الباسرة الظانة أن يفعل ها فاقرة، ومقتضى هذه المقابلة أن يكون نظرها إلى ربها. معنى الرجاء ليقابل الخوف الذي هو معنى الظن، وجعله. معني الرجاء مجاز مشهور، ولهذا أسمى به العلامة في الكشاف (١) وشيء آخر وهو أن النظر لفظه مشترك بين [٣٧] معان (٢) خمسة: تقليب الحدقة،

стр. 650

والانتظار، والفكر، والرحمة، والتقابل، قال النجري (١) في " شرح القلائد " هكذا قال أصحابنا واحتجوا على كل من هذه المعاني بشيء من كلام العرب. واختار الإمام المهدي أنه مشترك بين الثلاثة الأول فقط، وأما الأخيران فإنما يستعمل فيهما على سبيل التجوز، فحمل النظر في الآية الكريمة على الرؤية حمل على المجاز إذ ليس الرؤية من معانيه، وحمله على الانتظار حمل على الحقيقة، وحمل كلام الله على الحقيقة مهما أمكن هو الأولى، فيحمل النظر حينئذ على انتظار ثوابه، وهذا التأويل مروي عن على لمحبه ومجاهد والحسن البصري وغيرهم (٢) انتهى. قال في " شرح الأصول" (٣) والنظر. معنى الانتظار قد ورد، قال تعالى: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (٤) وقال حاكيا عن بلقيس: ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل: ٣٥] أي منتظرة، وقال الشاعر (٥): فإن يكون صدر هذا اليوم ولى ... فإن غدا لناظره قريب وقال آخر (٦):

стр. 651

نراه على قرب وإن قرب المدى ... ... بأعين آمال إليك نواظر [٣٨] وقال آخر (١): وجوه يوم بدر ناظرات ... إلى الرحمن يأتي بالخلاص وقال الخليل: " إنما أنظر إلى الله وإلى فلان من بين الخلائق، أي أنظر خيره وخر فلان " وجعل في الأساس من ذلك قوله تعالى حاكيا عن الأشقياء: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ (٢) أي انتظرونا، وقوله تعالى: ﴿وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ (٣) أي انتظرنا. قال المجوز: إذا لم يكفكم الآجال في وجه الاحتجاج بالآية، فاسمعوا على التفصيل لينزاح عنكم الإشكال وينحل عن قلوبكم عقد هذا الإعضال. فنقول: النظر في اللغة (٤) جاء. معنى الانتظار، ويستعمل بغير صلة بل يتعدى بنفسه قال تعالى: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ (٤) أي: انتظرونا، وقال: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ (٥) أي ما ينتظرون، ومعنى قوله: ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ (٦)

стр. 652

أي منتظرة (١)، وكذا قول الشاعر (٢): فإن غدا لناظره قريب وجاء. معنى التفكر (٣) والاعتبار، ويستعمل حينئذ بفي يقال نظرت في الأمر الفلاني أي: تفكرت، وجاء. معنى الرأفة والتعطف، ويستعمل حينئذ باللام، يقال: نظر الأمور [٣٩] لفلان أي رأف به وتعطف، وجاء. معنى الرؤية ويستعمل بإلى قال الشاعر (٤): نظرت إلى من أحسن الله وجهه ... فيا نظرة كادت على وامق تقضي (٥) والنظر في الآية موصول "بإلى" (٦) مقرون بالوجوه فوجب حمله على الرؤية فتكون واقعة في ذلك اليوم، وهو فرع الصحة فاستشهادكم. مما هو متعد بنفسه خارج عن محل

стр. 653

النزاع، وبما هو متعد بإلى كقوله: " وجوه يوم بدر ناظرات " يحتمل أن يكون المعنى " ناظرات إلى جهة الله في العرف وهو العلو، ولذلك ترفع الأيدي في الدعاء مع الاعتقاد بأن الله منزه عن أن يكون جسما أو ذا جهة، والمعنى: ناظرات إلى آثار أفعاله لنصرة المؤمنين يوم بدر. فإن قلت: الأصل عدم الحذف قلت: والزيادة فما هو جوابكم في منتظرات؟ فهو جوابنا هنا على أنه قد ذكر بعض الرواة أن الرواية هكذا: " وجوه ناظرات يوم بكر " وأن قائله شاعر من أتباع مسلمة (١) الكذاب، والمراد بيوم بكر يوم القتال مع بني حنيفة، وإلا لما جاز أن يقال: نظرت إلى الهلال فلم أره. ولم لا يجوز أن تكون [٤٠] ناظرة. معنى منتظرة، مع تعدية بإلى كما قال ابن جني (٢) في كتابه الموسوم ب "الخصائص" (٣) أن

стр. 654

الفعل إذا كان. معنى فعل آخر وكان أحدهما يتعدى بحرف الآخر بآخر فإن لعرب قد "تتسع فتوقع" (١) أحد الحرفين موقع ناحبه إيذانا بأن هذا الفعل في معنى ذلك الآخر ثم قال (٢): ووجدت في اللغة من هذا شياء كثيرة لا يكاد يحاط به، ولعله لو جمع أكثره لا جميعه لجاء كتابا ضخما، وقد عرفت طريقته، فإذا مر بك شيء عنه فاقبله وانس به فإنه فصل من العربية لطيف حسن. انتهى. وقد نقله السيوطي في " الأشباه والنظائر " (٣) والقاضي كريا ونقل مثله " شارح شواهد المغني" (٤) عن ابن عصفور (٥) وقال ابن هشام في المغني (٦): قد يشربون لفظا معنى لفظ فيعطون حكمه ويسمى ذلك تضمينا " انتهى. وقد صرح صاحب (٧) [٤١] القاموس (٨) وهو من الأشعرية بأن النظر الذي هو العامل وتقليب الحدقة كما يتعدى بإلى كذلك يتعدى بنفسه، بل قدم تعديته بنفسه. فإن قلت: إن ذلك مجاز، فالمجاز قد شحن به القرآن، ولك أن تقول هو من باب: أنا ناظر إلى من عند الله، أي: ملتفت إليه فإن قلت: يلزم على هذا التأويل العدول إلى المجاز أو إلى الإضمار وكلاهما خلاف الأصل والظاهر قلت: العدول إلى مثل ذلك سائغ مع قيام الدليل بالإجماع ولك أن تقول ناظرة إلى ثواب رها ناظرة، لا يقال هذا غير تام: أما أولا فلأن الثواب ليس مرئيا في نفسه وإنما المرئي أثره فيلزم الإضمار الكثير وهو

стр. 655

خلاف الأصل وأما ثانيا فلأن النظر يمتنع أن يكون معه رؤية لا للثواب ولا لأثره. أما الثواب فكما ذكرناه، وأما أثره فلأن النظر في الآية قبل أوان أثر الثواب بدليل مقابلة [٤٢] تظن أن يفعل بها فاقرة ﴿(١) إذ لا معنى للظن بعد الوقوع، فلا وقوع للعقاب ولا للثواب كما هو مقتضى المقابلة فالنظر بلا رؤية إنما هو عبارة عن مجرد تقليب الححقة كما هو حقيقته وهو غم أي تقليب الحدقة إلى المرثي بلا رؤية، والآية في سياق النعم على فريق الجنة فإن يومئذ في سرور لا غم فيه، لأنه يقال في الجواب عن الأول بأن إطلاق الثواب (٢) على أثره مطابق للتنزيل في كذا وكذا آية، بل لم يطلق الثواب في الكتاب والسنة وسائر الكلام إلا على أثره، ولا معنى لإطلاقه على [٤٣] نفس الثواب، أي المصدر في مقام الوعد والإضمار وإن كان خلاف الظاهر والأصل، إلا أفم قد صرحوا بأنه من أكثر أنواع الكلام ورودا. على أن الذاهب إلى القول بالرؤية من هذه الآية لا بد له من المجاز لأن الرؤية على وجه الإحاطة بذاته تعالى ممتنعة الفاقا، ولا شك أن حمل قول القائل رأيت زيدا على وجه الإحاطة مجاز، وقد حاول القاضي زكريا دفع هذا فما جاء بشيء. وعن الثاني، بأن تقليب الحدقة إلى محل الرجاء والتلفت نحو المطلوب فرع من فروع توقعه لا محالة، هذا هو المفهوم من الآية ولا شبهة أن الاستشراف بحصول المعلوم بالوعد الصادق من الكريم المطلق تعالى في مقام إنجازه سرور وحبور، ومما يخش في وجه الاستدلال هذه الآية ما ذكره العلامة جار الله في "كشافه" (٣) في تفسير هذه الآية قال " تنظر إلى ربها خاصة لا تنظر إلى غيره وهذا معنى تقلم المفعول، ألا ترى إلى قوله:﴾ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ ﴿(٣)﴾ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ & (٤)

стр. 656

﴿إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ (١)، ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٢)، ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ (٣) ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (٤)، كيف دل التقديم فيها على معنى الاختصاص، ومعلوم أفم ينظرون إلى أشياء لا يحيط ها الحصر ولا تدخل تحت العدد في محضر يجتمع فيه الخلائق كلهم، فإن المؤمنين نظارة ذلك اليوم لأنهم الآمنون الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، فاختصاصه بنظرهم إليه لو كان منظورا إليه محال فوجب حمله على معنى يصح به الاختصاص. والذي يصح معه الاختصاص أن يكون من قول الناس- أنا إلى فلان ناظر ما يصنع بي- معنى التوقع والرجاء، ومنه قول القائل (٥): وإذا نظرت إليك من ملك ... والبحر دونك زدتني نعما وسمعت سروية (٦) [٤٤] مستجيبة. بمكة وقت الظهر حين يغلق الناس أبوابهم ويأوون إلى مقايلهم تقول: عيني نويظرة إلى الله وإليكم" (٧) انتهى كلامه (٨)

стр. 657

وإلى هنا انتهى ما قصدنا إيراده من الكلام على هذه المسألة وقد جلبنا إليك من أدلة الفريقين ما تصير به بعون الله قرير عين، وأوردنا من حجج الطائفتين ما يذهب به عن قلبك كل صدى ورين،- وجمعنا في هذا المختصر بين الضب والنون (١)، وخلطنا فيه الخاص به عند أرباب الاصطلاح بفنون، وقررنا فيه الغث بالسمن اتكالا على تمييز الناظرين، وحكينا لك فيه الأقوال وأوضحنا مقامات الجدال والنضال، ولم نتعقب ما ركب به قائله كأهل الاعتساف، وخرج به عن أرباب الفطن عن مسالك الإنصاف، لأن الناظر في هذا المختصر إنها كامل قد استغنى بعرفانه عن التعريف أو مقصر لا يفرق وإن بالغت في التبيين بين قوي وضعيف، ومهما غفلت عن شيء فلا تغفل عن تلك النصوص القوية إلى جاء ها مدعى التخصيص لأدلة الرؤية فإن عليها حامت طيور النقلد، وإليها سافرت أنظار علماء الإنصاف وأئمة الاجتهاد فخفها مجملة غير مفصلة، نستأنس عن وحشة هذه المسألة المعضلة، والحمد لله أولا وآخرا وظاهرا وباطنا والصلاة والسلام على سيدنا محمد حبيب الله ورسوله وعلى آله وصحبه [٤٥]. أكمل من خط جامعه الإمام المجتهد، القاضي بدر الدين، العلامة النحرير محمد بن علي الشوكاني حفظه الله تعالى، ومتع جميع المسلمين بحياته آمين. وكان التأليف في شهر الحجة الحرام سنة ١٢٥٣ هـ ثلاث ومائتين وألف. وصلى الله وسلم على محمد وآله (٢)

стр. 658

كشف الأستار في إبطال قول من قال بفناء النار تأليف محمد بن علي الشوكاني حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه محمد صبحي بن حسن حلاق أبو مصعب

стр. 659

وصف المخطوط (أ) ١ - عنوان الرسالة: " كشف الأستار في إبطال قول من قال بفناء النار ". ٢ - موضوع الرسالة: في العقيدة. ٣ - أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وآله الطاهرين وصحبه المكرمين. وبعد: فإنه سألني سيدي العلامة المفضال، بقية أعلام الآل، .... ٤ - آخر الرسالة:. ولكنا لم نقف على شيء يصلح للتمسك به غير ما قد حررناه، وحسبنا الله ونعم الوكيل. حرره جامعه محمد بن علي الشوكاني غفر الله لهما. ٥ - نوع الخط: خط نسخي معتاد. ٦ - الناسخ: المؤلف: محمد بن علي الشوكاني. ٧ - عدد الأوراق: صفحة العنوان+ ١١ ورقة. ٨ - عدد الأسطر في الصفحة: ٢٣ سطرا. ٩ - عدد الكلمات في السطر: ١١ - ١٢ كلمة. ١٠ - الرسالة من المجلد الرابع من " الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني ".

стр. 660

وصف المخطوط (ب) ١ - عنوان الرسالة: " كشف الأستار في إبطال قول من قال بفناء النار " ٢ - موضوع الرسالة: في العقيدة. ٣ - أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وآله الطاهرين وصحبه المكرمين. وبعد: فإنه سألني سيدي العلامة المفضال، بقية أعلام الآل، ..... ٤ - آخر الرسالة: قد كانت مقابلتي والولد الأبر التقط حسين بن أحمد بن محمد بن محمد بن زبارة لهذه النسخة على الأم المنقولة منها في ليلة ثلاثين غرة شعبان سنة ٣٧٠ هـ سبعين وثلاثمائة وألف بصنعاء اليمن والحمد لله رب العالمين: محمد ابن محمد بن يحيى زبارة. ٥ - نوع الخط: خط نسخط متوسط. ٦ - الناسخ: محمد بن محمد بن يحي زبارة. ٧ - عدد الأوراق: (٧) ورقات. ٨ - عدد الأسطر في الصفد": (٢٧) سطرا. ٩ - عدد الكلمات في السطر: (١٥ - ١٧) كلمة.

стр. 661

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وآله الطاهر (ين) (١) وصحبه المكرمين. وبعد: فإنه سألني سيدي العلامة المفضال، بقية أعلام الآل، وحسنة أهل الكمال الحسن بن يوسف زبارة (٢) أعلى الله في الدارين منارة، وثبت إيراده وإصداره عن مسألة فناء النار، وما استدل به القائل، وأجاب المانع، وما هو الظاهر من الأدلة؟. فأقول وبالله الاستعانة، وعليه التوكل: أعلم أن جملة ما استدل به القائلون بذلك الفناء هو ثلاث آيات من كتاب الله العزيز: الأولى: الآية إلى في الأنعام، وهي قول الله سبحانه: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ (٣) والآية الثانية: قول الله سبحانه في سورة هود: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ (٤)

стр. 662

والآية الثالثة: قوله تعالى في سورة عم ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ (١) وتقرير استدلالهم بآية الأنعام هو أنها واردة في الكفار، وقد استثني من خلودهم فقال: ﴿إلا ما شاء الله﴾ (٢) فأفاد ذلك أهم يخلدون فيها إلا وقت هذه المشيئة الإلهية. وتقرير الاستدلال بآية هود من وجهين: الأول: قوله: ﴿مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ (٣) ففي هذا دليل على أن خلودهم هو مدة عقابهم مساوية لمدة بقاء السماوات والأرض: ولا خلاف أن مدة بقاء السماوات والأرض متناهية، فيلزم أن تكون مدة عقاهم متناهية. والوجه الثاني: الاستثناء بقوله: ﴿إلا ما شاء ربك﴾ فإنه استثنى عن مدة عقوبتهم، وذلك يدل على زوال ذلك العقاب في وقت هذا الاستثناء. وتقرير الاستدلال بآية عم هو أن لبثهم في ذلك العقاب لا يكون إلا أحقابا [١أ] معدودة. وقد تقرر أن (أفعالا) (٤) هو من جموع القفة المعروفة. فهذا حاصل ما استدلوا به من

стр. 663

النقل، وهو أربعة أدلة كما عرفت. ولم يكن في السمنة المطهرة ما يصلح لتمسكهم به، وأما ما سيأتي من قول جماعة من السلف فستعرف- إن شاء الله- الكلام عليه. وقد ضموا إلى هذا الاستدلال النقلي الاستدلال العقلي فقالوا: إن معصية الكفار متناهية. ومقابلة الجرم المتناهي بعقاب غير متناه ظلم وأنه لا يجوز. وأجاب الجمهور من هذه الأمة عن هذه الأدلة التي استدلت ها هذه الطائفة القائلة بالفناء بأجوبة: أما عن آية الأنعام فقالوا: إن المراد بالاستثناء بقوله: ﴿إلا ما شاء الله﴾ (١) استثناء أوقات المحاسبة، لأنهم في تلك الأوقات لم يكونوا في النار. قال الزجاج (٢): إن الاستثناء يرجع إلى يوم القيامة، أي خالدين في النار إلا ما شاء الله من مقدار حشرهم من قبورهم، ومقدار ملقم في الحساب. قال: فالاستثناء منقطع. الجواب الثاني: أن المراد بالاستثناء (٣) الأوقات التي ينتقلون فيها من عذاب النار إلى عذاب الزمهرير، فقد روي (٤) أفم يدخلون واديا شديد البرد يكون تضررهم برده أشد من تضررهم بحر النار، حتى يطلبوا الرجوع إلى النار. الجواب الثالث: أن المراد: (إلا ما شاء الله) من ص ض في الدنيا بغير عذاب (٥) الجواب الرابع: أن هذا الاستثناء لا يرجع إلى الخلود، بل هو راجع إلى الأجل

стр. 664

المؤجل لهم في قوله: ﴿وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا﴾ (١) فكأنهم قالوا: وبلغنا الأجل الذي حميته لنا إلا من أهلكته قبل الأجل المسمى كما في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ (٢) وكما فعل في قوم نوح، وعاد، وثمود ممن أهلكه الله قبل الأجل الذي آمنوا فيه، فبقوا إلى أن يصلوا إليه، فالمعنى إلا من شئت أن تخترمه فاخترمته قبل ذلك لكفره وضلاله. الجواب الخامس: أن هذا الاستثناء معناه الإرشاد إلى الوقف في جميع الكفار الأحياء، لأنه قد يسلم منهم من يسلم، ويموت مسلما (٣) الجواب السادس: أن المقصود هذا الاستثناء التهديد كما يقول الموتور لواتره بعد الظفر به: أهلكني الله إن عفوت عنه، إلا إذا شئت وقد علم أنه لا يشاء إلا إهلاكه، قالوا: وفي هذا وعيد شديد، وتهديد بالغ مع كم عن وقع الوعيد به (٤) الجواب السابع: أن هذا الاستثناء راجع إلى مدة البرزخ، أي إلا ما شاء الله من لبثهم في البررخ (٥) الرحمن: ٢٠ (٦) البلد:٢٠ (٧) المؤمنين: ١٠٠

стр. 665

الجواب الثامن: أن الاستثناء راجع إلى أهل الإيمان، أي إلا ما شاء الله من خروج الموحدين (١). ويجاب عن الجواب الأول: بأن ظاهرة الآية أن الاستثناء بعد دخولهم النار، وبعد لبثهم فيها مدة تتصف بالخلود، لأن الخلود هو اللبث الطويل، كما تقرر في كتب اللغة (٢)، وهم في وقت المحاسبة لم يكونوا قد دخلوا النار، والحمل على الانقطاع خلاف الظاهر. ويجاب عن الجواب الثاني: بأن المراد بعذاب النار الوارد في الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية هو العذاب. مما فيها من أنواع العذاب، لا. مجرد الإحراق بالنار فقط، فإن النار اسم للدار التي يكون فيها تعذيب العصاه كما أن الجنة اسم للدار التي كون فيها تنعيم أهل الطاعة، فالمعذب بالزمهرير هو في عذاب النار، أي في عذاب الدار التي يقال إلا النار، فلا يصح أن يكون المراد بالاستثناء عذاب الزمهرير. ويجاب عن الجواب الثالث. ممثل ما أجبنا به عن الجواب الأول. ويجاب عن الجواب الرابع بأنه خروج عن مقصود الآية، ورجوع إلى مسألة أخرى هما استيفاء الأجل المضروب للأحياء، واحترامه، وذلك غير ما سيق له الكلام القرآني، ورجوع إلى الكلام الواقع من الكفار بعد أن تعقبه الجواب عليهم بقوله: ﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ﴾ (٣)

стр. 666

ويجاب عن الجواب [٢أ] الخامس. ممثل هذا الجواب عن الجواب الرابع، فإن ذلك خروج إلى مسألة أخرى لم يسق لها الكلام، ولا هي مرادة منه. ويجاب عن الجواب السادس بأن فيه من التكلف والتعسف ما لا ينبغي حمل كلام الله سبحانه عليه. وعلى تسليم أن ذلك قد يقع التكلم به في الأحوال النادرة الشاذة فلا ينبغي الحمل على هذا النادر الشاذ، وترك ما هو الأعم الأغلب، فإن معنى الاستثناء (١) في لغة العرب الإخراج لا الإدخال، وأيضا يقال: إن ذلك لا يكون حقيقة أبدا، بل هو نوع من أنواع المجاز لا يصار إليه إلا لعلاقة مع قرينة. ويجاب عن الجواب السابع. ممثل ما أجبنا به عن الجواب الأول. ويجاب عن الجواب الثامن بأنه يدفع ذلك أن هذه الآية لم تكن عامة للمسلم والكافر، حتى يراد بالاستثناء خروج الموحدين من النار، وأيضا لو كان ذلك هو المراد على تسليم عمومها لقال: إلا من شاء الله ولم يقل: إلا ما شاء الله، فتدبر هذه الأجوبة عن تلك الجوابات، فإنها مما لم أقف عليه لأحد من أهل العلم (٢) وقد أخرج ابن جرير (٣)، وابن المنذر (٤)، وابن آبي حاتم (٥) وأبو الشيخ (٦) عن ابن عباس- وبه- أنه قال: " إن هذه الآية تدل على أنه لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله في خلقه لا ينزلهم جنة ولا نارا ". وأما ما أجاب به الجمهور عن الاستدلالين المتقدم ذكرهما في آية هود، فأجابوا عن الاستدلال الأول أعني: قوله تعالى: ....

стр. 667

﴿ما دمت السموات والأرض﴾ (١) بجوابين: الأول: أن المراد حموات الآخرة وأرضها، قالوا: والدليل على أن في الآخرة حموات وأرضا قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ (٢) [٢ب]، قوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾ (٣)، وأيضا لا بد لأهل الآخرة مما يقلهم ويظلهم، وذلك هو الأرض والسماء (٤). [و] (٥) الجواب الثاني: قالوا: إن العرب يعبرون عن الدوام والأبد بقولهم: ما دامت السماوات والأرض كما يقولون: ما اختلف الليل والنهار، فخاطب الله العرب ني هذه الآية على عرفهم، وبما تقتضيه لغتهم. قال الرازي (٦) مجيبا عن الجواب الأول: ولقائل أن يقول: التشبيه إنما يحسن ويجوز إذا كان حال المشبه به معلوما مقررا، فيشبه به غيره لثبوت الحكم في المشبه، ووجود السماوات والأرض في الآخرة غير معلوم، وبتقدير أن يكون وجودهما معلوما إلا أن بقاءها على وج لا يفئ البتة غير معلوم. فلذا كان أصل وجودهما مجهولا لأكثر الخلق، ودوامهما أيضًا مجهولا للأكثر كان تشبيه عقاب الأشقياء به في الدوام كلام عديم الفائدة: أقصى ما في الباب أن يقال: ثبت بالقرآن وجود حموات وأرض في الآخرة، وثبت دوامهما وجب الاعتراف به، وحينئذ يحصل التشبيه. إلا أنا نقول: لما كان الطريق في إثبات دوام حموات وأرضي في الآخرة هو السمع، ضم السمع دل على عقاب الكافر، فحينئذ الدليل الذي دل على ثبوت الأصل في الحكم حاصل معتبر في الفرع. وفي هذه الصورة أجمعوا على أن القياس ضائع، والتشبيه

стр. 668

باطل. فكذا هاهنا انتهى. ولا يخفاك أن قوله: ووجود السماوات والأرض في الآخرة غير معلوم ممنوع، لأنا نقول: إن أراد غير معلوم بالسمعي فباطل، لوجود الدليل السمعي عليه، وهو قوله تعالى: ﴿يوم تبدل الأرض ... الآية﴾ (١)، وقوله: (وأورثنا الأرض الآية& (٢) وكذلك ما وفى عن السلف مما سيأتي بيانه، وإن أراد غير معلوم بالعقل فليس البحث هاهنا في أدلة العقل، على أن كونه لا بد لأهل الدار الآخرة مما يقلهم ويظلهم، وذلك هو الأرض والسماء هو دليل عقلي، وأما قوله (٣): وبتقدير أن يكون وجودهما معلوما إلا أن بقاءها على وجه لا يفئ البتة غير معلوم. فيجاب عنه بأنه قد ورد السمع كتابا وسنة [٢أ/ب] ببقاء الدار الآخرة، وعدم تناهي ما فيها، وهذا الدليل [٣أ] يكفي في كل ما ثبت وجوده فيها. وأما قوله (٣): أقصى ما في الباب ... إلى آخره. فيجاب عنه بأن القياس إذا اشتمل على فائدة زائدة على أصل الدليل فلير بضائع، وكذلك التشبيه إذا كان الغرض الحاصل منه، وهو التقرير والمبالغة في التصوير موجودا فليس بباطل. قال الرازي (٣) مجيبا عن الجواب الثاني: ولقائل أن يقول: هل يسلمون أن قول القائل: خالدين فيها ما دامت السماوات يمنع من بقائهم في النار بعد فناء السماوات، أو يقولون: إنه لا يدل على هذا المعنى؟ فإن كان الأول فالإشكال لازم، لأن النص لما دل على أنه يجب أن يكون مدة كونهم في النار مساوية لمدة بقاء السماوات، ويمنع من حصول بقائهم في النار بعد فناء السماوات، فعندها يلزمكم القول بانقطاع ذلك العقاب. وأما إن قلتم: إن هذا الكلام لا يمنع من بقائهم في النار بعد فناء السماوات فلا

стр. 669

حاجة لكم إلى هذا الجواب البتة. فثبت أن هذا الجواب على كلا التقديرين ضائع. قال: واعلم أن الجواب الحق في هذا الباب عندي شيء آخر هو أن "المعهود" (١) من الآية أن من كانت السماوات والأرض باقيتين كان كونهم في النار باقيا. فهذا يقتضي أنه كلما حصل الشرط حصل المشروط، ولا يقتض أنه إذا عدم الشرط انعدم المشروط الأبدي. إلا أنا نقول: إن كان هذا إنسانا فهو حيوان، فإن قلنا: لكنه إنسان، فإنه ينتج أنه حيوان. أما إذا قلنا: لكنه ليس بإنسان لم ينتج أنه ليس بحيوان، لأنه ثبت في علم المنطق أن استثناء نقيض المقدم لا ينتج شيئا، فكذا هاهنا. إذا قلنا: من دامت السماوات والأرض لزم أن يكون عقابهم حاصلا. أما إذا قلنا: لكنه ما بقص السماوات والأرض لم يلزم (٢) أعدم (٣) دوام عقباهم انتهى (٤). ويجاب عن الترديد الذي ذكره في جوابه الأول بأنا نختار الضيق الثاني. وقولك: لا حاجة لكم إلى هذا الجواب البتة ممنوع، فإنه قد حصل به المقصود، من دفع استدلال من استدل به الآن (٥) التبصر عن بقاء السماوات والأرض مراد به الدوام والأبد. وأما أقوله: (٦) واعلم أن الجواب الحق في هذا الباب ... الخ، فلا نسلم أن قوله خالدين فيها مادامت السماوات والأرض هو في قوة الجملة الشرطية هي المفهومة من الآية فلا يصح ما رتبه على هذه الدعوى من قوله: فهذا يقتضي أنه كلما حصل الشرط الخ ثم لا نسلم ما ذكره آخرا من التمثيل، فإن النسبة بين دوام

стр. 670

السماوات والأرض، وبن لزوم العقاب ليست مثل النسبة التي بين الإنسان والحيوان. قال الرازي (١) بعد كلامه السابق-: فإن قالوا: فإذا كان العقاب حاصلا سواء بقيت السماوات والأرض أو لم تبق لم يكن لهذا التشبيه فائدة. قلنا: بل فيه أعظم الفوائد، وهو أنه يدلا على بقاء ذلك العقاب دهرا. مما ألا (٢) يحيط العقل بطوله وامتداده. فأما إنه هل يحصل له أمجرى (٣) أم لا فذلك يستفاد من دلائل أخر. وهذا الجواب الذي قررته جواب حق، ولكن إنما يفهمه إنسان ألف شيئا من المعقولات انتهى (٤) وأقول ليس النزاع إلا في كون ذلك العقاب له آخر أم لا؟ ولا نزاع في مجرد الطويل الذي لا تحيط العقول بطوله، فإن ذلك مستفاد من الخلود والأبد، فلم يكن هذا الجواب شيئا، والإحالة على الدلائل إلا لم خر مع عدم الجزم منه بدلالتها على أحد الأمرين لا يفيد شيئا، على أنه لو جزم بأنها تفيد أحد الأمرين، ولم يبينها لم تكن هذه الإحالة مفيدة. وإذا تقرر لك جميع ما ذكره وذكرناه عرفت الصواب- إن شاء الله-. وأما ما أجاب به الجمهور عن الاستدلال أوله: ﴿إلا ما شاء ربك﴾ (٥) فهو أربعة عشر جوابا. الأول: أنه استثناء من قوله: ﴿ففي النار﴾ كأنه قال: إلا ما شاء ربك من تأخير قوم عن ذلك، وهم من شاء الله أن لا يدخلهم النار، وإن شقوا بالمعصية. حكى هذا
следующие страницы →