← Джавами‘

Джавами‘ · id 36543

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

الشوكاني

Полный текст (5 091 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

ويجاب عن الجواب [٢أ] الخامس. ممثل هذا الجواب عن الجواب الرابع، فإن ذلك خروج إلى مسألة أخرى لم يسق لها الكلام، ولا هي مرادة منه. ويجاب عن الجواب السادس بأن فيه من التكلف والتعسف ما لا ينبغي حمل كلام الله سبحانه عليه. وعلى تسليم أن ذلك قد يقع التكلم به في الأحوال النادرة الشاذة فلا ينبغي الحمل على هذا النادر الشاذ، وترك ما هو الأعم الأغلب، فإن معنى الاستثناء (١) في لغة العرب الإخراج لا الإدخال، وأيضا يقال: إن ذلك لا يكون حقيقة أبدا، بل هو نوع من أنواع المجاز لا يصار إليه إلا لعلاقة مع قرينة. ويجاب عن الجواب السابع. ممثل ما أجبنا به عن الجواب الأول. ويجاب عن الجواب الثامن بأنه يدفع ذلك أن هذه الآية لم تكن عامة للمسلم والكافر، حتى يراد بالاستثناء خروج الموحدين من النار، وأيضا لو كان ذلك هو المراد على تسليم عمومها لقال: إلا من شاء الله ولم يقل: إلا ما شاء الله، فتدبر هذه الأجوبة عن تلك الجوابات، فإنها مما لم أقف عليه لأحد من أهل العلم (٢) وقد أخرج ابن جرير (٣)، وابن المنذر (٤)، وابن آبي حاتم (٥) وأبو الشيخ (٦) عن ابن عباس- وبه- أنه قال: " إن هذه الآية تدل على أنه لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله في خلقه لا ينزلهم جنة ولا نارا ". وأما ما أجاب به الجمهور عن الاستدلالين المتقدم ذكرهما في آية هود، فأجابوا عن الاستدلال الأول أعني: قوله تعالى: ....

стр. 667

﴿ما دمت السموات والأرض﴾ (١) بجوابين: الأول: أن المراد حموات الآخرة وأرضها، قالوا: والدليل على أن في الآخرة حموات وأرضا قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ (٢) [٢ب]، قوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾ (٣)، وأيضا لا بد لأهل الآخرة مما يقلهم ويظلهم، وذلك هو الأرض والسماء (٤). [و] (٥) الجواب الثاني: قالوا: إن العرب يعبرون عن الدوام والأبد بقولهم: ما دامت السماوات والأرض كما يقولون: ما اختلف الليل والنهار، فخاطب الله العرب ني هذه الآية على عرفهم، وبما تقتضيه لغتهم. قال الرازي (٦) مجيبا عن الجواب الأول: ولقائل أن يقول: التشبيه إنما يحسن ويجوز إذا كان حال المشبه به معلوما مقررا، فيشبه به غيره لثبوت الحكم في المشبه، ووجود السماوات والأرض في الآخرة غير معلوم، وبتقدير أن يكون وجودهما معلوما إلا أن بقاءها على وج لا يفئ البتة غير معلوم. فلذا كان أصل وجودهما مجهولا لأكثر الخلق، ودوامهما أيضًا مجهولا للأكثر كان تشبيه عقاب الأشقياء به في الدوام كلام عديم الفائدة: أقصى ما في الباب أن يقال: ثبت بالقرآن وجود حموات وأرض في الآخرة، وثبت دوامهما وجب الاعتراف به، وحينئذ يحصل التشبيه. إلا أنا نقول: لما كان الطريق في إثبات دوام حموات وأرضي في الآخرة هو السمع، ضم السمع دل على عقاب الكافر، فحينئذ الدليل الذي دل على ثبوت الأصل في الحكم حاصل معتبر في الفرع. وفي هذه الصورة أجمعوا على أن القياس ضائع، والتشبيه

стр. 668

باطل. فكذا هاهنا انتهى. ولا يخفاك أن قوله: ووجود السماوات والأرض في الآخرة غير معلوم ممنوع، لأنا نقول: إن أراد غير معلوم بالسمعي فباطل، لوجود الدليل السمعي عليه، وهو قوله تعالى: ﴿يوم تبدل الأرض ... الآية﴾ (١)، وقوله: (وأورثنا الأرض الآية& (٢) وكذلك ما وفى عن السلف مما سيأتي بيانه، وإن أراد غير معلوم بالعقل فليس البحث هاهنا في أدلة العقل، على أن كونه لا بد لأهل الدار الآخرة مما يقلهم ويظلهم، وذلك هو الأرض والسماء هو دليل عقلي، وأما قوله (٣): وبتقدير أن يكون وجودهما معلوما إلا أن بقاءها على وجه لا يفئ البتة غير معلوم. فيجاب عنه بأنه قد ورد السمع كتابا وسنة [٢أ/ب] ببقاء الدار الآخرة، وعدم تناهي ما فيها، وهذا الدليل [٣أ] يكفي في كل ما ثبت وجوده فيها. وأما قوله (٣): أقصى ما في الباب ... إلى آخره. فيجاب عنه بأن القياس إذا اشتمل على فائدة زائدة على أصل الدليل فلير بضائع، وكذلك التشبيه إذا كان الغرض الحاصل منه، وهو التقرير والمبالغة في التصوير موجودا فليس بباطل. قال الرازي (٣) مجيبا عن الجواب الثاني: ولقائل أن يقول: هل يسلمون أن قول القائل: خالدين فيها ما دامت السماوات يمنع من بقائهم في النار بعد فناء السماوات، أو يقولون: إنه لا يدل على هذا المعنى؟ فإن كان الأول فالإشكال لازم، لأن النص لما دل على أنه يجب أن يكون مدة كونهم في النار مساوية لمدة بقاء السماوات، ويمنع من حصول بقائهم في النار بعد فناء السماوات، فعندها يلزمكم القول بانقطاع ذلك العقاب. وأما إن قلتم: إن هذا الكلام لا يمنع من بقائهم في النار بعد فناء السماوات فلا

стр. 669

حاجة لكم إلى هذا الجواب البتة. فثبت أن هذا الجواب على كلا التقديرين ضائع. قال: واعلم أن الجواب الحق في هذا الباب عندي شيء آخر هو أن "المعهود" (١) من الآية أن من كانت السماوات والأرض باقيتين كان كونهم في النار باقيا. فهذا يقتضي أنه كلما حصل الشرط حصل المشروط، ولا يقتض أنه إذا عدم الشرط انعدم المشروط الأبدي. إلا أنا نقول: إن كان هذا إنسانا فهو حيوان، فإن قلنا: لكنه إنسان، فإنه ينتج أنه حيوان. أما إذا قلنا: لكنه ليس بإنسان لم ينتج أنه ليس بحيوان، لأنه ثبت في علم المنطق أن استثناء نقيض المقدم لا ينتج شيئا، فكذا هاهنا. إذا قلنا: من دامت السماوات والأرض لزم أن يكون عقابهم حاصلا. أما إذا قلنا: لكنه ما بقص السماوات والأرض لم يلزم (٢) أعدم (٣) دوام عقباهم انتهى (٤). ويجاب عن الترديد الذي ذكره في جوابه الأول بأنا نختار الضيق الثاني. وقولك: لا حاجة لكم إلى هذا الجواب البتة ممنوع، فإنه قد حصل به المقصود، من دفع استدلال من استدل به الآن (٥) التبصر عن بقاء السماوات والأرض مراد به الدوام والأبد. وأما أقوله: (٦) واعلم أن الجواب الحق في هذا الباب ... الخ، فلا نسلم أن قوله خالدين فيها مادامت السماوات والأرض هو في قوة الجملة الشرطية هي المفهومة من الآية فلا يصح ما رتبه على هذه الدعوى من قوله: فهذا يقتضي أنه كلما حصل الشرط الخ ثم لا نسلم ما ذكره آخرا من التمثيل، فإن النسبة بين دوام

стр. 670

السماوات والأرض، وبن لزوم العقاب ليست مثل النسبة التي بين الإنسان والحيوان. قال الرازي (١) بعد كلامه السابق-: فإن قالوا: فإذا كان العقاب حاصلا سواء بقيت السماوات والأرض أو لم تبق لم يكن لهذا التشبيه فائدة. قلنا: بل فيه أعظم الفوائد، وهو أنه يدلا على بقاء ذلك العقاب دهرا. مما ألا (٢) يحيط العقل بطوله وامتداده. فأما إنه هل يحصل له أمجرى (٣) أم لا فذلك يستفاد من دلائل أخر. وهذا الجواب الذي قررته جواب حق، ولكن إنما يفهمه إنسان ألف شيئا من المعقولات انتهى (٤) وأقول ليس النزاع إلا في كون ذلك العقاب له آخر أم لا؟ ولا نزاع في مجرد الطويل الذي لا تحيط العقول بطوله، فإن ذلك مستفاد من الخلود والأبد، فلم يكن هذا الجواب شيئا، والإحالة على الدلائل إلا لم خر مع عدم الجزم منه بدلالتها على أحد الأمرين لا يفيد شيئا، على أنه لو جزم بأنها تفيد أحد الأمرين، ولم يبينها لم تكن هذه الإحالة مفيدة. وإذا تقرر لك جميع ما ذكره وذكرناه عرفت الصواب- إن شاء الله-. وأما ما أجاب به الجمهور عن الاستدلال أوله: ﴿إلا ما شاء ربك﴾ (٥) فهو أربعة عشر جوابا. الأول: أنه استثناء من قوله: ﴿ففي النار﴾ كأنه قال: إلا ما شاء ربك من تأخير قوم عن ذلك، وهم من شاء الله أن لا يدخلهم النار، وإن شقوا بالمعصية. حكى هذا

стр. 671

أبو نضرة (١) عن أبي سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله. ويكون على هذا ما في ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ (٢) للعدد لا للأشخاص، كقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ (٣) وتقرير هذا الجواب: فأما الذين شقوا ففي النار إلا عددا من هؤلاء الأشقياء، فإنهم ليسوا في النار ولا يدخلونها (٤) ويجاب عنه بأنه مخالف للظاهر من وجهن: الأول: طول الفصل ما بين المستثني والمستثني منه. والثاني: التعسف في تأويل ما بذلك التأويل، فإنه مخالف لمعناها، وأيضا ليس المقام مقام ذكر الأعداد حتى تحمل على العدد، بل المقام مقام ذكر الأشخاص التي أثبت الله لهم هذه الأحوال. الجواب الثاني: ما قاله ابن قتيبة (٥)، وابن الأنباري (٦)، والفراء (٧) أن هذا الاستثناء استثناه الله تعالى ولا يفعله البته، كقولك: والله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك، مع عزيمتك على ضربه، فكذا هنا، وأطالوا الكلام في تقرير هذا.

стр. 672

قال الرازي (١) في الجواب عن هذا الجواب: ولقائل أن يقول: هذا ضعيف، لأنه إذا قال: لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك فمعناه لأضربنك إلا إذا رأيت أن الأولى ترك الضرب، وهذا لا يد البته على أن هذه الرؤية قد حصلت أم لا، بخلاف قوله تعالى: ﴿خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك﴾ (٢) فمعناه الحكم بخفودهم فيها إلا المدة إلى شاء ربك، فهاهنا اللفظ يدل على أن هذه المضيئة قد حصلت، فكيف يحصل قياس هذا الكلام على ذلك الكلام!. انتهى. وأقول: لا يخفاك أن هذا إنما لتم لو أرادوا بالمثال الذي ذكره معناه الذي يدل عليه اللفظ، وهو إيقاع الضرب، إلا إذا رأى الضارب غير ذلك، وهم لم يريدوا ذلك، بل أرادوا أن العزيمة من الضارب كائنة على الضرب على كل حال، ولهذا قالوا مع عزيمتك على ضربه فقوله: إلا أن أرى قد حصل في الحال بيان معناه، وهو كل حمال، وأنه لا يرى غير ذلك، فلا لتم ما ذكره الرازي من الفرق بين الآية والمثال بالحصول وعدمه، فالأولى الجواب عن هذا الجواب. مما ذكرناه في "لأجوبة (٣) "قدمناه على قوله تعالى: ﴿خالدين فيها إلا ما شاء الله﴾ (٣) الجواب الثالث: أن كلمة الاستثناء هنا وردت. معنى سوى، والمعنى أنه تعالى لما قال: (خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض ﴿(٤) فهم منه أفم يكونون في النار في جميع بقاء السماوات والأرض في الدنيا. ثم قال: سوى ما يتجاوز ذلك من الخلود الدائم، فذكر أولا في خلودهم ما ليس عند العرب أطول منه، ثم زاد عليه الدوام الذي لا آخر له بقوله:﴾ إلا ما شاء ربك& (٥) من الزيادة التي ..............

стр. 673

لا آخر لها (١) ويجاب عنه بأن جعل حرف الاستثناء. معنى سوى، وإفادته لهذا المعنى الذي هو عكس معناه، وضد مدلوله ممنوع بل مدفوع. الجواب الرابع: هو أن المراد من هذا الاستثناء زمان وقوفهم في الموقف، فكأنه تعالى قال: فأما الذين شقوا ففي النار إلا وقت وقوفهم للمحاسبة، فإنهم في ذلك الوقت لا يكونون في النار (٢) ويجاب عن هذا الوجه. ممثل ما قدمناه في جوابنا على الجوابات التي أجاب ها الجمهور في قوله: ﴿إلا ما شاء الله﴾. الجواب إن مس: أن المراد هذا الاستثناء مدة البرزخ، وقد قدمناه الجواب عن هذا الوجه في الكلام على آية الأنعام.

стр. 674

الجواب السادس: أن المراد هذا الاستثناء مدة بقائهم في الدنيا، وقد قدمنا الجواب عن هذا في الكلام على آية الأنعام أيضا. الجواب السابع: أن الاستثناء يرجع إلى قوله تعالى: ا لهتم فيها زفير وشهيق وتقريره أن الزفير والشهيق ثابت لهم، إلا ما شاء ربك من عدم زفيرهم وشهيقهم في وقت من الأوقات (١) ويجاب عنه بأن رجوع الاستثناء إلى ذلك مع الفصل قوله: (خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض ﴿(٢) خلاف الظاهر، بل الظاهر رجوع الاستثناء إلى ما هو الأقرب إليه، والألصق به، وهو الخلود المؤقت بدوام السماوات والأرض. الجواب الثامن: أن المعنى إلا ما شاء ربك من تعذيبهم بغير النار كالزمهرير ونحوه. ويجاب عن هذا. مما قدمنا في جوابنا عن مثله في آية الأنعام. الجواب التاسع: يفيد خروج أهل التوحيد من النار، ويجاب عنه. ممثل ما قدمنا على جوابنا على مثله في آية الأنعام. الجواب العاشر: أن المعنى خالدين في النار لا يموتون فيها ولا يحيون إلا ما شاء ربك، وهو أن يأمر النار فتأكلهم وتفنيهم، ثم تجدد خلقهم. ويجاب ن هذا بأنه إخراج لهذا الاستثناء عن هذه الآية إلى اتصل ها إلى شيء آخر لم تدل عليه الآية، وهو عدم الموت والحياة. الجواب الحادي عشر: أن (إلا) (٣) في قوله:﴾ إلا ما شاء ربك & بمعنى

стр. 675

الواو (١) والمعنى: وما شاء ربك من الزيادة. ويجاب عنه بأنه إخراج لحرف الاستثناء عن معناه إلى معنى يخالفه ويناقضه بغير دليل. الجواب الثاني عشر: أن قوله: ﴿إلا ما شاء ربك﴾ معناه كما شاء ربك، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ أي إلا كما قد سلف. والجواب عنه كالجواب عن الذي قبله. الجواب الثالث عشر: أن هذا الاستثناء هو على سبيل الاستثناء الذي ندب إليه الشرع في كل (٢) كلام بقوله: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (٣)، وقوله: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ (٤) وقد ذكر نحو هذا أبو عبيد (٥)، والفراء (٦) ويجاب عنه بأنه خروج عن الظاهر، والتشريع الوارد في التقييد بالمشيئة هو باب آخر بلفظ آخر لمعنى أخر (٧).

стр. 676

الجواب الرابع عشر: المعارضة بقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ فإن [ما] (١) قيل في الأشقياء لزم مثله في السعداء، لأن العبارة العبارة، واللفظ اللفظ، والمعنى المعنى. ويجاب عنه بأنه أقدا (٢) وقع الإجماع من جميع الأمة على عدم انقطاع نعيم أهل الجنة، وأنه غير متناه بخلاف انقطاع عذاب أهل النار، فقد قال له طائفة من أهل العلم، فكان الفارق بين ما قيل في جانب الأشقياء، وجانب السعداء هو إجماع على امتناع الحمل على الظاهر في السعداء، فكان التأويل به مقبولا، ولم يقع الإجماع على امتناع الحمل على الظاهر في جانب الأشقياء، فكان التأويل فيه غير مقبول إلا بوجه يسلمه المخالف ولا يمنعه ولا يدفعه. وأيضا فإن الله سبحانه لمحال فيهم في هذه الآية: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ (٣) أقي: غير مقطوع. وبذلك فسره ابن عباس كما أخرجه عنه ابن جرير (٤)، وابن أبي حاتم (٥)، وأبو الشيخ، وابن مردويه (٦) والبيهقي (٧).

стр. 677

وأما ما أجاب به الجمهور عن الاستدلال بقوله تعالى: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ (١) فخمسة أجوبة: الأول: أن الأحقاب جمع حقب، وهو مختلف فيه عند أهل (٢) اللغة، فقيل ثمانون سنة، وقيل زمان من الدهر لا وقت له، وقيل إنه ثمانون سنة، والسنة ثلاثمائة وستون يوما، واليوم ألف سنة من أيام الدنيا. وقيل: الحقب مائه سنة، والسنة اثنا عشر شهرا، والشهر ثلاثون يوما، واليوم ألف سنة، وقيل: الأحقاف لا يدري أحد ما هي، ولكن الحقب الواحد سبعون ألف سنة، اليوم منها كألف سنة مما يعجبون (٣) قالوا: فلما كان الخلاف في معنى الأحقاب هو هذا لم لتم ما قدره المستدلون هذه الآية على فناء النار كما سلف. ويجاب عنه بأنه لم يكن في هذه الأقوال ما يفيد مطلوب المجيبين من أن الحقب أو الأحقاب غير متناهية، بل هي وإن فسرت بزمان طويل فهو متناه، وليس النزاع إلا في التناهي وعدمه. الجواب الثاني: أن لفظ الأحقاب لا تدل على النهاية، وإنما المتناهي هو الحقب الواحد، ويجاب عنه بأن أحقابا هي من جموع (٤) القملة فهي متناهية، وتقدير الحقب

стр. 678

الواحد بأي زمان كان، وإن كثر عدده كما يستلزم تناهيه فهو أيضًا يستلزم تناهي الأحقاب. الجواب الثالث: أن المعنى أفم يلبثون في النار أحقابا لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا. ذكر معناه الزجاج (١)، وتقريره أن هذه الأحقاب التي يلبثونها في النار هي توقيت لنوع من العقاب، وهو كونهم لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا إلا حميما وغساقا، ثم يعذبون بعد انقضاء هذه الأحقاب بغير ذلك من العذاب. ويجاب عن هذا بان ذلك إنما يتم إذا كانت جملة لا يذوقون قيدا لقوله ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ (٢) وهو ممنوع. وأقل الأحوال الاحتمال، ولا تقوم [٦أ] الحجة [لمحتمل] (٣). الجواب الرابع: أن لو سلمنا دلالة هذه الآية على التناهي فهي دلالة مفهوم، وهى لا تنته على معارضة ما ورد من تأييد الخلود. ويجاب عنه بأن هذا الذي ورد في تأييد الخلود إن كان ما في الآيات كمثل خالدين، وكمثل أبدا، فقد تقرر عند أهل اللغة (٤) أفما يدلان على اللبث الطويل، لا على عدم التناهي، وإن كان بغيرهما فما هو؟.

стр. 679

الجواب الخامس: (١) أن معنى الأحقاب مأخوذ من حقب عافنا إذا قل مطره وخيره، وحقب فلان إذا أخطأه الرزق، وأن أحقابا منتحب على أنه حال عنهم. معنى لابثين فيها حقبين، أي لا خير عندهم، ولا رزق يطيب لهم. ولا يخفاك أن في هذا من التعسف ما لا يخفى، فإن أحقابا منتصب على الظرفية لا على الحالية، وذلك المعنى لحقب شاذ نادر لا ينبغي الحمل عليه مع وجود الكثير الغالب. وإذا عرفت جميع ما سقناه تقريرا وجوابا ودفعا، فلا بد أن نتكلم. مما هو الصواب، ونصرح. مما هو الحق- إن شاء الله-. ولكنا نقدم هاهنا نقل ما روي عن السلف الصاع في تفسير هذه الآيات التي تمسك جما القائلون بفناء النار، ثم نبين بعد ذلك ما يظهر أنه ا لصواب. فمن جملة ما روي عن السلف في تفسير هذه الآيات [٤أ/ب] ما قدمنا عن ابن عباس (٢) في تفسير آية الأنعام. وأما ما ورد عنهم في آية هود فأخرت ابن أبي حاتم (٣)، وأبو الشيخ، وابن مردويه (عن ابن عباس في تفسير قوله سبحانه: ﴿فمنهم شقي وسعيد﴾ قال: هم قوم من أهل الكبائر، من أهل هذه القبلة، يعذبهم الله بالنار ما شاء بذنوبهم، ثم يأذن في الشفاعة لهم، فيشفع لهم المؤمنون، فيخرجهم من النار، فيدخلهم الجنة فسماهم أشقياء حين عذبهم في النار. ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ (٤) حين

стр. 680

أذن في الشفاعة لهم، وأخرجهم من النار، وأدخلهم الجنة، وهم هم. ﴿وأما الذين سعدوا﴾ يعني بعد الشقاء الذي كانوا فيه ﴿ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك﴾ (١) يعني الذين كانوا [فيه] (٢) ففي الجنة خالدين فيها مادامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك. يعني الذين كانوا في النار وأخرج عبد الرزاق (٣) وابن الضريس (٤)، وابن جرير (٥)، وابن المنذر والطبراني (٦) والبيهقي في الأسماء والصفات (٧) عن أبي نضرة، عن جابر بن عبد الله الأنصاري، أو عن أبي سعيد الخدري، أو رجل من أصحاب رسول الله- ﵌ في قوله (إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد قال: هذه الآية قاضية على القرآن كفه، يقول: حيث كان في القران خالدين فيها تأتي عليه. وأخرج ابن أبي حاتم (٨) عن ابن عباس في قوله: (ما دامت السماوات والأرض قال: أسماء الجنة (٩) وأرضها وأخرج البيهقي في البعث والنشور (١٠) عن ابن عباس أيضًا في قوله: ﴿إلا ما شاء ربك﴾

стр. 681

قال: فقد شاء ربك أن يخلد هؤلاء في النار، وأن يخلد هؤلاء في الجنة. وأخرج ابن جرير (١) عن ابن عباس- أيضا- في قوله: ﴿إلا ما شاء ربك﴾ قلل: استثنى الله أمر النار أن تأكلهم. وأخرج [إسحق بن راهويه (٢)] (٣) عن أبي هريرة قال: سيأتي على جهنم يوم لا يبقى فيها أحد، وقرأ (فأما الذين شقوا ... الآية. وأخرج ابن جرير (٤) وابن أبي حاتم (٥) عن خالد بن معدان في قوله ﴿إلا ما شاء ربك﴾ قال: إنها في الموحدين من أهل القبلة. وأخرج أبو الشيخ (٦) عن الضحاك في قوله: ﴿إلا ما شاء ربك﴾ قال: إلا من استثنى من أهل القبلة. وأخرج ابن أبي حاتم (٧)، وأبو الشيخ (٨) عن السدي في قوله: ﴿ما دامت السماوات والأرض﴾ قال: سماء الجنة وأرضها. وأخرج ابن أبي حاتم (٩)، وأبو الشيخ (١٠) عن الحسن في قوله: ﴿ما دامت السماوات والأرض﴾ قال: تبدل سماء غير هذه السماء، " أرض غير هذه الأرض،

стр. 682

فمادامت تلك السماء وتلك الأرض. وأخرج ابن أبي حاتم (١) عن الحسن قال: إذا كان يوم القيامة أخذ الله السماوات السبع، والأرض السبع، فطهرهن من كل أقذرا (٢) ودنس، فصيرهن أرضا بيضاء فضة تتلألأ أنورا (٣) للجنة. وأخرج أبو الشيخ (٤) عن السدي في قوله: ﴿فأما الذين شقوا﴾ قال: فجاء بعد ذلك من مشيئة الله أما نسخها (٥) فأنزل بالمدينة: ﴿إن الذين كفروا وظلموا لتم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقا إلى آخر الآية، فذهب أرجاء لأهل النار [٧أ] بأن يخرجوا منها، وأوجب لهم خلود الأبد، وقوله:﴾ وأما الذين سعدوا ﴿قال: فجاء بعد ذلك من مشيئة الله ما نسخها، فأنزل الله بالمدينة:﴾ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ إلى قوله- ظِلًّا ظَلِيلًا ﴿فأوجب لهم خلود الأبد. وأخرج ابن المنذر (٦) عن الحسن قال: قال عمر: لو لبث أهل النار في النار كقدر رمل عالج لكان لهم يوم على ذلك يخرجون فيه. وأخرج ابن المنذر (٧) وأبو الشيخ (٨) عن إبراهيم النخعي قال: ما في القران آية أرجى لأهل النار من هذه الآية: خالدين فيها [٤ب/ب]﴾ ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك & قال: وقال ابن مسعود: ليأتين عليها زمان تخفق أبوابها.

стр. 683

وأخرج ابن جرير عن الشجي قال: جهنم أسرع الدارين عمرانا، وأسرعهما خرابا. وأخرج عبد الرزاق (١)، وابن جرير (٢)، وابن أبي حاتم (٣) عن قتاده في قوله: ﴿إلا ما شاء ربك﴾ قال: الله أعلم. بمشيئته على ما وقعت. وأخرج ابن جرير (٤) وابن زيد قال: قد أخبر الله بالذي شاء لأهل الجنة فقال: (عطاء غير مجذوذ ولم يخبر بالذي شاء لأهل النار. قال ابن كثير في تفسيره (٥) - عند الكلام على هذه الآية من سورة هود-: وقد اختلف المفسرون في المراد من هذا الاستثناء على أقوال كثيرة، حكاها الشيخ أبو الفرج ابن الجوزي في كشابه زاد المسير (٦)، وغيره من علماء التفسير، ونقل كثيرا منها الإمام أبو جعفر ابن جري (٧) (٨) ﵀ في كتابه، واختار هو ما نقله عن خالد بن معدان، والضحاك، وقتاده، وأبي سنان. ورواه ابن أبي حاتم (٨) عن ابن عباس، والحسن أيضل أن الاستثناء عائد على العصاه من أهل التوحيد ممن يخرجهم الله من النار شفاعة للشافعين من النبيين والملائكة والمؤمنين حين يشفعون في أصحاب الكبائر، ثم تأتي رحمة أرحم الراحمين فيخرج من النار من لم يعمل خيرا قط، وقال يوما من الدهر: لا إله إلا الله.

стр. 684

كما وردت بذلك الأخبار الصحيحة المستفيضة عن رسول الله- ﵌. مضمون ذلك من حديث أنس (١)، وجابر (٢)، وأبي سعيد (٣)، وأبي هريرة (٤)، وغرهم من الصحابة. ولا يبقى بعد هذا في النار إلا من وجب عليه الخلود فيها، ولا مخلد له عنها. وهذا الذي عليه كثير من العلماء وقديما وحديثا في تفسير هذه الآية الكريمة. قال ابن كثير (٥) أيضًا وقد روي في تفسير هذه الأدلة عن أين المؤمنين عمر بن الخطاب، وابن مسعود، وابن عباس، وأبي هريرة، وعبد الله بن عمر، وجابر، وأبي سعيد من الصحابة. وعن أبي مجلز، والشجي وغيرهما من التابعين، وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وإسحاق ابن راهويه، وغيرهما من الأئمة أقوال غريبة، وورد حديث غريب في معجم الطبراني الكبير (٦) عن أبي أمامه صدي بن عجلان الباهلي، ولكن سنده ضعيف. والله أعلم. انتهى.

стр. 685

وأما كلام السلف في قوله تعالى: ﴿لابثين فيها أحقابا﴾ أخرج ابن أبي حاتم (١) عن ابن عباس في قوله: ﴿لابثين فيها أحقابا﴾ قال: سنين. وأخرج عبد بن حميد (٢) عن الحسن قال: الحقب الواحد سبعون سنة، كل يوم منها ألف سنة. وأخرج عبد الرزاق (٣)، وعبد بن حميد (٤)، وابن جرير (٥)، وابن المنذر (٦) عن قتاده في الآية قال: الأحقاب ما لا انقطاع له، كفا مضى حقب جاء بعده حقب. قال: وذكر لنا أن الحقب ثمانون سنة من سنين يوم القيامة. وأخرج عبد بن حميد (٧) عن الحسن قي الآية قال: ليس لها أجل، كلما مضى حقب دخل في الآخر. وأخرج عبد بن حميد (٨)، وابن جرير (٩)، وأبو الشيخ (١٠) عن الربيع في الآية قلل: لا يدري أحدكم تلك الأحقاب، إلا أن الحقب الواحد ثمانون سنة، والسنة ثلاثمائة وستون يوما، اليوم الواحد مقدار ألف سنة. وأخرج ابن جرير (١١) عن بشير بن كعب في الآية قال: بلغني أن الحقب ثلاثمائة سنة،

стр. 686

كل سنة ثلاثمائة وستون يوما، كل يوم ألف سنة. وأخرج عبد الرزاق (١)، والفريابي (٢)، وهناد (٣)، وعبد بن حميد (٤)، وابن جرير (٥)، وابن المنذر (٦) عن سالم بن أبي الجعد قال: سأل علي بن أبي طالب هلال الهجري: ما تجدون الحقب في كتاب الله؟ قال: نجده ثمانين سنة، كل سنة منها اثنا عشر شهرا، كل شهر [٥أ/ب] أ ثلاثون يوما، كل يوم ألف سنة. وأخرج سعيد بن منصور (٧)، والحاكم (٨) وصححه عن ابن مسعود في الآية قال: الحقب الواحد ثمانون سنة. وأخرج البزار (٩) عن أبي هريرة في الآية قال: الحقب الواحد ثمانون سنة، والسنة ثلاثمائة وستون يوما، واليوم كألفي سنة مما تعدون. وأخرج عبد بن حميد (١٠) عن أبي هريرة أيضًا في الآية قال: الحقب ثمانون عاما، اليوم منها كسدس الدنيا. وأخرج بن عمر، العدني (١١) في .................

стр. 687

مسنده (١)، وابن أبي حاتم (٢)، والطبراني (٣)، وأبن مردويه (٤) قال السيوطي (٥): بمسند ضعيف عن أبي أمامة عن النبي- ﵌ ﴿لابثين فيها أحقابا﴾ قال: الحقب ألف شهر، والشهر ثلاثون يوما، والسنة اثنا عشر شهرا، ثلاثمائة وستون يوما، كل يوم منها ألف سنة مما تعدون) [٨٠أ] وأخرج البزار، وابن مردويه (٦)، والديلمي (٧) عن ابن عمر عن النبي- صلى الله عليه وآلة وسلم- قال: "والله لا يخرج من النار من دخلها، حتى يمكث فيها أحقابا والحقب بضع وثمانون سنة، كل سنة ثلاثمائة وستون يوما، واليوم ألف سنة مما تعدون" قال ابن عمر: فلا يتكلن أحد على أنه يحرج من النار. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: الحقب ثمانون سنة. وأخرج سعيد بن منصور (٨)، وابن المنذر (٩) عن عبد الله بن عمرو في قوله: لنثرر فيها أحقابا قال: الحقب الواحد ثمانون سنة. وأخرج ابن مردويه (١٠) عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله- صلى الله عليه

стр. 688

واله وسلم-: "الحقب أربعون سنة ". وأخرج ابن جرير (١) عن خالد بن معدان في قوله: ﴿لابثين فيها أحقابا﴾ و [في] (٢) قوله: ﴿إلا ما شاء ربك﴾ نهما في أهل التوحيد. فإن قلت: قد ذكرت ما وعدت به من كلام السلف في هذه المسألة بعد أن أجبت على كل جواب من جوابات الجمهور، وإذا كان ما أجاب به الجمهور عن هذه الآيات التي استدل القائلون بالفناء مدفوعا انتهت الدلالة، وصفت عن شوب الكدر. قلت: لكلم أن استدلال الجمهور على عدم تناهي العذاب للكفار. ممثل "خالدين فيها "، وبمثل (أبدا،، وبمثل الأدلة الدالة على تطويل محق العذاب كما في الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، لا يصح ولا يصلح لمعارضة ما في آية الأنعام (٣)، وما في آية هود (٤)، لأن المشيئة فيهما وقعت قيدا للخلود. ولا معارضة بين مطلق ومقيد، بل الواجب حمل المطلق على المقيد، ولا سيما إذا كان القيد متصلا بالمقيد (٥) متحدا معه سببا ونزول كما صرح بذلك أهل الأصول في مباحث الإطلاق والتقييد، وصرحوا به أيضًا في مباحث العام والخاص، فإنهم جعلوا الاستثناء (٦) من جملة التخصيص بالمخصصات المتصلة. وإذا تقرر ألك (٦) هذا، وعرفته حق معرفته فلا يصار إلى شيء من تلك التأويلات [٨ب] التي وقع بها التأويل لتلك الآيات إلا بدليل يوجب ذلك، ويلجئ إليه؛ فإن جاء

стр. 689

الدليل المقتضى لذلك وجب المصير إلى أفض تلك التأويلات. وقد جاء الدليل الدال على عدم خروج الكفار من النار بحال من الأحوال كمثل قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ (١) فإن في هذه الآية الشريفة دليلين جليلين على عدم خروجهم (٢) منها بحال من الأحوال. الأول: قوله: ﴿وما هم بخرجين منها﴾، فإن هذا النفط المؤكد يفيد أنه لا خروج لهم منها، فلو فرض في وقت من الأوقات، أو حال من الأحوال أفم يخرجون منها لم يكن هذا في مطابقا للواقع، واللازم باطل بالإجماع فالملزوم [٥ب/ب] مثله. وهكذا لو فرض أن النار نفسها تفئ فإنه يصدق عليهم أفم قد خرجوا منها، لأن مفارقتها خروج منها، وذلك يستلزم أن لا يكون هذا الخبر مطابقا للواقع، واللازم باطل بالإجماع فالملزوم مثله. وأما الدليل الثاني من هذه الآية فقوله تعالى: ﴿ولهم عذاب مقيم﴾ (٢) فإنه يدل على أن هذا العذاب مقيم عليهم، مستمر لهم، فلو خرجوا من النار في وقت من الأوقات، أو فنيت النار لم يكن عذابها مقيما عليهم. ومثل هذه الآية الآيات فيها العفو عنهم، والآيات التي فيها نفى المغفرة لهم، والآيات التي فيها استمرار غضب الله عليهم، ودوام سخطه، وهي كثيرة جدا في الكتاب العزيز فلو فرضنا في وقت من الأوقات أفم يخرجون من النار، أو أن [١٩] النار تفئ لكان ذلك مما يصدق عليه العفو والمغفرة، ومما يستفاد منه ارتفاع الغضب والسخي. وقد أخبرنا الله بأنه لا عفو عنهم، ولا مغفرة لهم، وأن غضبه مستمر عليهم، وسخطه دائم لهم، فيلزم عدم مطابقة الخبر للواقع، واللازم باطل بالإجماع فالملزوم مثله. وهكذا يدل على ذلك الآيات التي فيها

стр. 690

أنهم كلما اخرجوا (١) منها أعيدوا فيها، و ﴿كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها﴾ (٢)، وكلما استغاثوا (٣) أغيثوا بكذا مما ذكره الله، فإن هذه الآيات تدل على أفم لا يزالون كذلك، ولا ينفكون عن هذه الأمور التي أثبتها الله لهم، ولو فرض ما زعمه القائلون بأنهم يخرجون من النار، أو أنها تفئ عنهم لكانت هذه الأخبار غير مطابقة للواقع، واللازم باطل بالإجماع فالملزوم مثله. وبالجملة فلا نطيل بذكر الأدلة الدائمة على هذا المعنى، فمن تدبر آيات الكتاب العزيز وجد فيها مما يفيد هذا المفاد، ويدل هذه الدلالة ما تتعسر الإحاطه به، والاستيفاء لجمعيه. فإن قلت: إذا كان الأمر هكذا فما هو تأويل المرضي لديك لما في آية الأنعام (٤) وآية هود (٥). قلت: أقرب التأويلات وأظهرها وأحسنها أن يكون ما قبل الاستثناء في الآيتين المذكورتين شاملا لكل من يعذب بالنار من جاحد، وموحد ممن استحق دخول النار، وحقت عليه كلمة العذاب. ولا ينافي هذا التعميم كونهما في سياق الكفار، فقد يأتي بعض ما يكون في نمط خاص وأمر معين عاما [٩ب] لذلك البعض وغيره، شاملا- المعين وما يناسبه. وهذا كثير في الكتاب العزيز، وشائع في لسان العرب. ولهذا كان الاعتبار بعموم الألفاظ (٦) هود:١١٤ (٧) لا بخصوص الأسباب، كما هو مقر ر في مواطنه. وقد ثبت

стр. 691

تواترا عن الرسول- ﵌ أنه لا يبقى في النار (١) إلا من حب! سه القرآن من الكفار، فكان من عداهم من أهل التوحيد بخلافهم، فيكون الاستثناء في الآيتين متوجها إلى أهل التوحيد، فإنهم بعض من كله المستثنى منه. وأما التعبير بلفظ ما في الآيتين عن العقلاء وهي لغير (٢) العقلاء فهذا وإن كان هو الأعم الأغلب لكنه قد ورد

стр. 692

كثيرا التعبير بأحد الحرفين عن الآخر في مواضع (١) من كتاب الله، وفي كثير من كلام الفصحاء، وكان هذا محمولا عليه، لا سيما إذا ألجأ إلى ذلك الدليل الصحيح، فإن المصير إليه متعين، والقول به متحتم على أنه لو كان في تلك التأويلات ما هو أقرب منه إلى الصواب لكان المصير إليه أولى، والقول به أحق، لكنه أقر ها وأظهرها. ومن وجد غيره أولى منه بالمصير إليه فلا حجر عليه، فليس المراد إلا الجمع بين ما يظهر فيه التعارض من آيات الكتاب العزيز، ومما يؤيد وجوب المصير إلى الجمع. ممثل ما ذكر له أن هذه المشيئة [٦أ/ب] التي وقعت بعد الأشقياء قد وقعت بعد السعداء كما في سورة هود، وإجماع المسلمين على تأويلها في جانب السعداء يقوي تأويلها في جانب الأشقياء. فإن قلت: فما تقول فيما قدمته عن السلف الصالح، فإن بعضهم قد صرح. مما قالت به هذه الطائفة القائلة بفناء النار، وانقطاع العذاب عن أهلها؟. قلت: قد عرفناك أنه لم يصح عن رسول الله- ﵌ شيء في ذلك. وأما ما روي عن بعض الصحابة فقد قالوا. مما فهموه من التقييد بالمشيئة، وليس ذلك حجة على غيرهم. وأيضا قد خالف هذا البعض من الصحابة بعض آخر فقالوا بالتأويل لتلك المشيئة، فلو كان قول البعض منهم يجب المصير إليه لكان قول البعض الآخر كذلك، فيستلزم القول بالشيء ونقيضه، وهو باطل، وما استلزم الباطل باطل مثله. وهكذا قول من بعدهم من التابعين وتابعيهم، وسائر الأئمة لا حجة في ذلك على أحد من الناس، ولا سيما وقد خالفهم الجمهور الكبير، والسواد الأعظم. وعلى كل حال فالموافق للدليل الحق هو الأسعد بالحق، سواء وافقه غيره أو خالفه، فلا اعتبار بغير الدليل. وإذا عرفت هذا الجمع بالنسبة إلى ما في سورة الأنعام وسورة هود فهكذا ما في سورة عم، فإنه يجعل ذلك خاصا. ممن عقابه متناه كما سلف، أو يقال: إنه مقيد. مما

стр. 693

بعده وهو: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا﴾ (١) على حسب ما سبق تقريره، ويكون المسوغ لهذا مع احتماله هو الدليل الموجب للمصير إلى أحد الاحتمالين كما سلف. ومما يقوي هذا المسلك الذي سلكناه ويرجحه هو ما تقرر بإجماع أهل النظر أن الجمع مقدم [١٠ب] على الترجيح، وأن إعمال الأدلة جميعها أولى من إهمال بعضها. وقد أفرد جماعة من متأخر العلماء هذه المسألة بالتصنيف، ولم نقف عند تحرير هذا الجواب على شيء من ذلك، فمن وجد فيها غير ما أوردناه هاهنا فليعط النظر حقه، ويستعمل من الإنصاف ما لا بد منه، ويذهب إلى ما يرجحه. ولكنا لم نقف على شيء يصلح للتمسك به غير ما قد حررناه، وحسبنا الله، ونعم الوكيل. حرره جامعه محمد بن علي الشوكاني- غفر الله لهما-[١١أ] أقد كانت مقابلي والولد الأبر التقي حسين بن أحمد بن محمد بن محمد ابن زباره لهذه النسخة على الأم المنقولة منها في ليلة ثلاثين غرة شعبان سنة ١٣٧٠ سبعين وثلاثمائة وألف بصنعاء اليمن. والحمد لله رب العالمين. محمد بن محمد بن يحي زباره (٢)

стр. 694

إرشاد الغبي إلى مذهب أهل البيت في صحب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

стр. 695

إرشاد الغبي إلى مذهب أهل البيت في صحب النبي ﷺ تأليف محمد بن علي الشوكاني "ت: ١٢٥٠هـ" حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه محمد صبحي بن حسن حلاق أبو مصعب

стр. 696

وصف المخطوط (أ) ١ - عنوان الرسالة: " إرشاد الغبي إلى مذهب أهل البيت في صحب النبي ﷺ " ٢ - موضوع الرسالة: موقف أهل البيت من صحابة رسول الله ﷺ . ٣ - أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي أرشدنا إلى الدعاء للسلف الصاع بقوله: " والذين جاعوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين أمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم " والصلاة والسلام .... ٤ - آخر الرسالة: ". وليس علينا إلا القيام بعهدة البيان للناس الذي أوجبه الله ورسوله علينا ليهلك من هلك عن بينة. اللهم ارشد الخاصين من عبادك والعائم، واسلك بنا سبل السلام إلى دار السلام " انتهى. ٥ - نوع الحط: خط نسخي جيد. ٦ - عدد الأوراق: ٨ ثمانية. ٧ - عدد الأسطر في الصفحة: ٢٤ - ٢٥ سطرا. ٨ - عدد الكلمات في السطر:١١ - ١٣ كلمة. ٩ - الناسخ: محمد علي المنصور.

стр. 697

وصف المخطوط (ب) عنوان الرسالة: " إرشاد الغبي إلى مذهب أهل البيت في صحب النبي ﷺ ". موضوع الرسالة: موقف أهل البيت من صحابة رسول الله ﷺ . أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذمي أرشدنا إلى الدعاء للسلف الصاع بقوله: " والذين جاعوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم " والصلاة والسلام على حبيبه المصطفى ... ". آخر الرسالة: وليس علينا إلا القيام بعمدة البيان للناس الذي أوجبه الله ورسله علينا ليهلك من هلك عن بينة. اللهم ارشد الخاص من عبادك والعام، واسلك بنا سبل السلام إلى دار السلام. نوع الحط: خط نسخط جيد. عدد الصفحات: ١٣ صفحة. عدد الأسطر في الصفحة: ٢٦ - ٢٧ سطرا. عدد الكلمات لي السطر: ٣ ا-١٤ كدمة.

стр. 698

بين يدي الرسالة: ١ - الصحابة كلهم عدول: ا- قال الحافظ ابن حجر: " اتفق أهل السنة على أن الجميع عدول، ولم يخالف في ذلك إلا شذوذ من المبتدعة ". الإصابة (١/ ١٠). ٢ - قال الخطيب في الكفاية ص ٤٦ - ٤٧: " عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله لهم وإخباره عن طهارتهم واختباره لهم في نص القرآن ". ٣ - قال ابن عبد البر في الاستيعاب (١/ ٢) " ثبت عدالة جميعهم بثناء الله عليهم وثناء رسوله ﵇، ولا أعدل ممن ارتضاه الله لصحبة نبيه ونصرته ولا تزكية أفضل من ذلك ولا تعديل أكمل منه ". ٤ - قال ابن الصلاح في مقدمته: " للصحابة بأسرهم خصصه وهي أنه لا يسأل عن عدالة أحد منهم بل ذلك مفروع منه لكونهم على الإطلاق معدلين بنصوص الكتاب والسنة وإجماع من يعتد به في الاجماع من الأمة ". ٢ - موقف أهل السنة هن المطالب التي تنقل عن الصحابة: قال ابن تيمية في منهاج السنة (٥/ ٨١ - ٨٤): أن ما ينقل عن الصحابة من المثالب فهو نوعان. أحدها: ما هو كذب، إما كذب كله، وإما محرف قد دخله من الزيادة والنقصان ما يخرجه إلى الذم والطعن. وأكثر المنقول من المطاعن الصريحة هو من هذا الباب يرويها الكذابون المعروفون بالكذب مثل أبي مخرف لوط بن يحيى، هشام بن محمد بن السائبة الكلبي- لهذا تستشهد الروافض. مما صنفه هشام الكلي في ذلك وهو أكذب الناس وهو شيعي يروى عن أبيه وعن أبي خنف. - انظر ما كتبه محب الدين الخطيب- عن الكلبي- في المنتقى ص ٣١٨ - ٣١٩.

стр. 699

الثاني: ما هو صدق. وأكثر هذه الأمور لهم فيها معاذير تخرجها عن أن تكون ذنوبا وتجعلها من موارد الاجتهاد، التي إن أصاب المجتهد فيها فله أجران وإن أخطأ فله أجر. وعامة المنقول الثابت عن الخلفاء الراشدين من هذا الباب. وما قدر من هذه الأمور ذنبا محققا فإن ذلك لا يقدح فيما علم من فضائلهم وسوابقهم وكونهم من أهل الجنة لأن الذنب المحقق يرتفع عقابه في الآخرة بأسباب متعددة: ١) التوبة الماحية. ٢) الحسنات الماحية للذنوب، فإن الحسنات يذهبن السيئات. وقد قال تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١]. ٣) المصائب المكفرة. ٤) ومنها دعاء المؤمنين بعضهم لبعض، وشفاعة نبيهم، فما من سبب يسقط به الذم والعقاب عن أحد من الأمة إلا والصحابة أحق بذلك، فهم أحق بكل مدح، ونفى كل ذم ممن بعدهم من الأمة. . ونحن نذكر قاعدة جامعة في هذا الباب لهم ولسائر الأمة فنقول: لا بد أن يكون مع الإنسان أصول كلية يرد إليها الجزئيات ليتكلم بعلم وعدل ثم يعرف الجزئيات كيف وقعت، وإلا فيبقى في كذب وجهل في الجزئيات وجهل وظلم في الكليات فيتولد فساد عظيم. ٣ - حكم من سب الصحابة: أجمع العلماء القائلون بعدم تكفير ساب الصحابة على أن سبهم فسق، مع الأخذ بالأمور التالية: أ) القول بتكفير من يطعن فيهم ويعتقد كفرهم هو الصحيح.

стр. 700

قال علي القاري في " شم العوارض في ذم الروافض " (ص ٦١ - ٦٢) " وأما من سب أحدا من الصحابة، فهو فاسق ومبتدع بالإجماع، إلا إذا اعتقد أنه مباح. كما عليه بعض الشيعة وأصحابهم، أو يترتب عليه ثواب كما هو دأب كلامهم، أو اعتقد كفر الصحابة وأهل السنة في فصل خطاهم، فإنه كافر بالإجماع ولا يلتفت إلى خلاف مخالفتهم في مقام النزاع ". وانظر: الصارم المسلول (٣/ ١١٠٩ - ١١١٠). ٢) القول بتكفير من يطعن في جميع الصحابة لا محيد عنه، بل هو من لمات إذ إنه يؤدي إلى إبطال الشريعة، ومحال أن تركن النفوس وتطمئن إلى شريعة نقلها ضلال: كفرة أو فسقة! ومن هنا جزم العلماء بتكفير الكميلية الرافضة لتضليلهم جميع الصحابة وتكفيرهم. فتاوى السبكط (٢/ ٥٧٥)، الصواعق المحرقة (١/ ١٢٨)، الصارم المسلول (٣/ ١١١). وقال القاضي عياض في الشفا (٢٨٦/ ٢): وكذلك نقطع بتكفير كل قائل قولا يتوصل به إلى تضليل الأمة وتكفير جميع الصحابة، كقول الكميلية من الرافضة بتكفير جميع الأمي بعد النبي ﷺ إذ لم تقدم عليا، وكفرت عليا إذ لم يتقدم ويطلب حقه في التقدم. ٣) إن من صادم نصا صريحا وأنكر دليلا قاطعا، فلا ريب في كفره وضلاله ومن هذا المنطلق ذهب العلماء إلى تكفير من قذف السيدة عائشة أم المؤمنين فقد روى عن مالك: " من سب أبا بكر جلد ومن سب عائشة قتل، قيل له قال: من رماها فقد خالف القران وقال ابن شعبان عنه: لأن الله يقول: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ النور: ١٧] فمن عاد لمثله فقد كفر. الشفا لعلي القاري (٢/ ١١٠٨).

стр. 701

٤ - ) أن من سب أحدا من الصحابة من حيث إنه صحابي، فلا شك أن في ذلك تعريضا بسب النبي ﷺ وإيذاء له، يخرج به السالب من الدين وانتقاص له، وحط من مكانته- ﵊ لأنهم أصحابه الذين رباهم وزكاهم وذكرهم بخير وأوصى هم خيرا. ومعلوم أن إيذاء النبي ﷺ فيكون سب أصحابه كفرا. انظر الصارم المسلول (٣/ ١١١٢)، الشفا (٤/ ٥٦٤) لعلي القاري، فتاوى السبكي (٢/ ٥٧٥). والخلاصة: أن القول بعدم تكفير من سب الصحابة- ﷺ ليس على إطلاقه، وإنما هو مشروط بعدم مصادمة النصوص الصريحة من الكتاب والسنة الصحيحة، وعدم إنكارها هو معلوم من الدين بالضرورة وعلى هذا يحمل كلام من أطلق القول بعدم التكفير. وانظر: تنبيه الولاة والحكام (١/ ٣٦٧). لمعة الاعتقاد (ص ٢٨). تنبيه هام: إن أكثر التراجم في كتاب (أعلام المؤلفين الزيدية) وكتاب (مؤلفات الزيدية) ينصر أصحابها الاعتزال ولم يتسع المجال لبيان عقيدة من أترجم لهم من هذين الكتابين، فلزم التنبيه والتحذير.

стр. 702

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي أرشدنا إلى الدعاء للسلف الصالح بقوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (١) والصلاة والسلام على حبيبه المصطفى، الذي قال: لا تسبوا أصحابي، فوائدي نفسي بيده؟ لو أن أحدكم أنفق مثل جبل ذهبا؟ ما بلغ مد أحمم ولا نصفه " (٢). وعلى آله الذين صح إجماعهم من طرق كثيرة (٣) على تعظيم الصحابة. وبعد: فإنها لما خفيت على غالب أهل الزمان مذاهب أئمة لآل، وجهلت مصنفاتهم التي تقطع في الرحلة إلى مثلها أكباد الإبل فلم يبق بأيدي أهل عصرنا من أتباعهم غير القيل والقال، فلا تكاد ترى إلا رجلا قد رغب عن جميع أصناف العلوم، وهجر- لخسة همته ودناءة نفسه- الاشتغال. منطوقها (٤) والمفهوم (٥)، أو آخر هجر من علوم العترة المطهرة الحديث والقدم، واشتغل بعض الاشتغال بعلوم غيرهم، فلم يفرق بمن الصحيح والسقيم أو رجلا ينتحل إتباعهم والانتساب إلى مذاهبهم ولكنه قد قنع من البحر المتدفق

стр. 703

بقطرة، وقصر همه على الاشتغال، بمختصر من مختصرات كتبهم فلم يحظ من غيره بنظرة، فحصل بسبب ذلك الخبط والخلط من الجم الغفير، ونسب إلى أهل البيت من المسائل ما يخالف قول كبيرهم والصغير. وكان من جملة ذلك مسألة تعظيم القرابة للصحابة، فإن كثيرا من الغافلين عن العلوم يتجاري على ثلث أعراض جماعة من أبر خير القرون (١)، فإذا عوتب في ذلك قال: هذا مذهب أمل البيت وذلك فرية، صانهم الله، فإنهم عند من له أدنى إلمام. مذاهبهم مبرؤون عن هذه الخصلة الشنيعة. فأحببت بيان مذاهبهم في هذه المسألة بخصوصها؟ لأنها هي التي ورد فيها السؤال من بعض أهل العلم، ليستدل بذلك على صحة ما ذكرنا من اندراس معاهد علومهم الشريفة في هذه الأزمنة. وقد اقتصرت على مقدار يسير من نصوصهم، لأن الإكثار من دواعي الإملال، ولم اشتغل بإيراد الأداة، لأن غرض السائل ليس إلا بيان ما يذهبون إليه في ذلك، فأقول. قد ثبت إجماع الأئمة من أهل البيت على تحريم سب الصحابة، وتحريم التكفير

стр. 704

والتفسيق (١) لأحد منهم، إلا من اشتهر. مخالفته الدين، والمعاندة لسنة سيد المرسلين، فإن الصحبة ليست. موجبة لعصمة من اتصف ها. على ما ذهب إليه الجمهور، بل هو إجماع كما حققناه، ذلك في الرسالة المسماة" القول المقبول في رد رواية المجهول من غير صحابة الرسول ﷺ (٢) وهذا الإجماع الذي قدمنا ذكره عن أهل البيت مروي من طرق ثابتة عن جماعة من أكابرهم: الطريق الأول: عن الإمام المؤيد بالله أحمد بن الحسن (٣) الهاروني، فإنه روى عن جميع آبائه من أئمة الآل تحريم سب الصحابة. حكى ذلك عنه صاحب حواشي الفصول. الطريقة الثانية: قال المنصور بالله عبد الله بن حمزة (٤) في رسالته في جواب المسألة التهامية (٥) بعد

стр. 705

أن ذكر تحريم سب الصحابة- ما لفظه: " وهذا ما يقضى به علم آبائنا إلى على ﵇ (١) ثم قال فيها ما لفظه: " وفي الجهة من يرى محض الولاء سب الصحابة ﵃ والبراعق منهم، فيتبرأ من محمد ﵌ من حيث لا يعلم: فإن كنت لا أرمي وترمي كناني ... تصب جانحات النبل كشحي ومنكي انتهى. قال في الترجمان (٢) عند شرح قوله في الصحابة: ورضي عنهم كما رضي أبو حسن ... أوقف عن السب إما كنت ذا حذر ما لفطة: " قال المنصور بالله عبد الله بن حمزة: ولا يمكن أحدا أن يصحح دعواه على أحد من سلفنا الصاع أفم نالوا من المشايخ أو سبوهم، بل يعتقدون فيهم أفم خير الخلق بعد محمد وعلي وفاطمة (٣) صلوات الله عليهم وسلامه، ويقولون: قد أخطئوا
следующие страницы →