قال الشوكاني في "فتح القدير" (١) ((أي يقولون: ما خلقت هذا عبثا ولهوا بل خلقته دليلا على حكمتك وقدرتك؛ سبحانك: أي تنزيها لك عما لا يليق بك من الأمور التي من جملتها أن يكون خلقك لهذه المخلوقات باطلاً)).
стр. 72
أما عناية الإمام الشوكاني- ﵀ بتوحيد الألوهية فقد اعتنى به عناية بالغة، وأولاه اهتماما كبيرا، ويكفي ما يدل على اهتمامه وعنايته به أنه ألف عدة رسائل (١) يبين فيها معنى هذا التوحيد، وما يناقضه من الشركيات، أسبابها وفتنها، وخاصة شركيات القبوريين ... كما أشار الشوكاني- ﵀ في مواضع متعددة من مؤلفاته إلى أن هذا التوحيد حقيقة دين الإسلام وأساسه:
١ - أنه الغاية العظمى، والمقصد الأسمى الذي من أجله خلق الله الخلق وأوجدهم في هذه الأرض. كما قال تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ [الذاريات: ٥٦].
قال الشوكاني في " فتح القدير" (٢) ((عبادة الله: إثبات توحيده، وتصديق رسله، والعمل بما أنزل في كتبه)). ((ومعنى العبادة في اللغة: الذل والخضوع والانقياد، وكل مخلوق من الإنس والجن خاضع لقضاء الله، متذلل لمشيئته، منقاد لما قدره عليه، خلقهم على ما أراد، ورزقهم كما قضى، لا يملك أحد منهم لنفسه نفعا وضرا. ووجه تقديم الجن على الإنس هاهنا تقدم وجودهم)) (٣).
٢ - أنه الغاية العظمى، والمقصد الأساسي الذي من أجله أرسلت الرسل، وبه أنزلت الكتب. يقول الشوكاني- ﵀ (( ... ولم يبعث الله رسله، ولا أنزل عليهم كتبه إلا لإخلاص توحيده وإفراده بالعبادة، واستدل بآيات كثيرة: (منها): ﴿يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره﴾ [الأعراف: ٥٩، المؤمنون: ٢٣، الأعراف: ٦٥، هود: ٥٠، الأعراف: ٧٣، هود: ٦١،
стр. 73
الأعراف: ٨٥، هود: ٨٤] ﴿أن اعبدوا الله واتقوه﴾ [نوح:٣]، ﴿إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني﴾ [طه: ١٤].
وبالجملة: فرسل الله- صلوات الله عليهم-، وكذلك جميع كتبه المنزلة متفقة على هذه الدعوة، وقد تكفل القرآن الكريم بحكاية جميع ذلك لمن تتبعه)) (١).
٣ - أنه معنى شهادة: أن لا إله إلا الله.
قال الشوكاني- ﵀ في " فتح القدير" (٢) في تفسير قوله تعالى: ﴿لا إله إلا هو﴾ [البقرة:٢٥٥] (أي: لا معبود بحق إلا هو). وفي قوله تعالى: ﴿الله لا إله إلا هو﴾ [آل عمران:٢] قال: ((أي هو المستحق للعبودية)) (٣) وقال أيضا عند شرحه لقوله ﷺ في دعاء استفتاحه: (لا إله إلا أنت)) (٤) أي ليس لنا معبود نتذلل له، ونتضرع إليه، في غفران ذنوبنا إلا أنت)) (٥).
وأنواع العبادة كثرة جدا، قال الشوكاني: ((إنه يصعب حصرها، وتتعسر الإحاطة بها)) (٦) منها:
(١) الدعاء:
قال الشوكاني- ﵀: " فاعلم أن الدعاء نوع من أنواع العبادة، المطلوبة من العباد، ولو لم يكن في الكتاب العزيز إلا مجرد طلبه منهم لكان ذلك مفيدا للمطلوب، أعني كونه من العبادة.
واستدل- ﵀ بكثير من الآيات القرآنية:
стр. 74
(منها): قوله تعالى: ﴿قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى﴾ [الإسراء:١١٠]. وقال سبحانه: ﴿ادعوني أستجب لكم﴾ [غافر:٦٠].
قال: ((فهذه الآيات البينات دلت على أن الدعاء مطلوب لله- من عباده، وهذا القدر يكفى في إثبات كونه عبادة، فكيف إذا انضم إليه النهي عن دعاء غير الله، قال تعالى: ﴿فلا تدعوا مع الله أحدا﴾ [الجن:١٨] (١).
(٢) المحبة:
قال الشوكاني- ﵀: ((اعلم أن محبة الله- هي من أعظم الفرائض المفترضة على العباد، كما يدل على ذلك آيات الكتاب المبين، وأحاديث سيد المرسلين، وإجماع المسلمين أجمعين، فمن ذلك قول الله- : ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾ [آل عمران: ٣١] وقد علم أن اتباع رسول الله ﷺ فرض واجب لا خلاف فيه ٠٠٠)) (٢).
(٣) الخوف والرجاء:
قال تعالى في سورة [آل عمران: ١٧٥] ﴿إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين﴾.
قال الشوكاني في " فتح القدير" (٣) في تفسير الآية: ((أي فافعلوا ما آمركم به، واتركوا ما أنهاكم عنه، لأني الحقيق بالخوف مني، والمراقبة لأمري ونهيي، لكون الخير والشر بيدي)).
ومنها قوله تعالى: ﴿فلا تخشوا الناس واخشون﴾ [المائدة: ٤٤].
стр. 75
أما الرجاء فهو نوع من أنواع العبادة، قال الله- : ﴿فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا﴾ [الكهف: ١١٠].
قال الشوكاني في " فتح القدير" (١) ((الرجاء: توقع وصول الخير في المستقبل، أي: من كان له هذا الرجاء الذي هو شأن المؤمنين ﴿فليعمل عملا صالحا﴾ وهو ما دل الشرع على أنه عمل خير يثاب عليه فاعله. ﴿ولا يشرك بعبادة ربه أحدا﴾ من خلقه، سواء كان صالحا أو طالحا، حيوانا أو جمادا)).
وقد جمع الله- سبحانه- بين العبادتين الخوف والرجاء قي قوله ﴿وادعوه خوفا وطمعا﴾ [الأعراف: ٥٦].
قال الشوكاني: ((وفيه أنه يشرع للداعي أن يكون عند دعائه خائفا وجلا طامعا في إجابة الله لدعائه، فإنه إذا كان عند الدعاء جامعا بين الخوف والرجاء ظفر بمطلوبه، والخوف: الانزعاج من المضار التي لا يؤمن من وقوعها. والطمع: توقع حصول الأمور المحبوبة)) (٢).
(٤) الاستعانة والاستغاثة:
قال الشوكاني- ﵀: ((الاستعانة بالنون: هي طلب العون، ولا خلاف أنه يجوز أن يستعان بالمخلوق فيما يقدر عليه من أمور الدنيا، كأن يستعين به على أن يحمل معه متاعه، أو يعلف دابته، أو يبلغ رسالته، وأما ما لا يقدر عليه إلا الله ﷻ فلا يستعان فيه إلا به)) (٣).
ومنه قوله تعالى: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ [الفاتحة: ٥] قال - رحمه
стр. 76
الله -: ((المعنى تحصل بالعبادة، وتحصل بالاستعانة، لا نعبد غيرك ولا نستعين)) (١).
أما الاستغاثة: فهي طلب الغوث منه تعالى من جلب خير، أو دفع شر، وهي نوع من أنواع العبادة التي لا تصح إلا لله- .
قال تعالى: ﴿إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين﴾ [الأنفال:٩]
يقول الشوكاني- ﵀: ((فأما الاستغاثة بالمعجمة والمثلثة فهي طلب الغوث، وهو إزالة الشدة، كالاستنصار وهو طلب النصر، ولا خلاف أنه يجوز أن يستغاث بالمخلوق فيما يقدر على الغوث فيه من الأمور، ولا يحتاج مثل ذلك إلى استدلال، فهو غاية الوضوح، وما أظنه يوجد فيه اختلاف، ومنه: ﴿فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه﴾ [القصص: ١٥] وكما قال تعالى: ﴿وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر﴾ [الأنفال: ٧٢] وأما ما لا يقدر عليه إلا الله فلا يستغاث فيه إلا به، كغفران الذنوب، والهداية، وإنزال المطر، والرزق ونحو ذلك، كما قال تعالى: ﴿ومن يغفر الذنوب إلا الله﴾ [آل عمران:١٣٥])) (٢)(٥) الذبح:
ومن أنواع العبادة الذبح نسكا لله تعالى: من هدي، وأضحية، وعقيقة، وغير ذلك.
قال تعالى: ﴿قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣] (٣)
стр. 77
(٦) التوكل:
ومن أنواع العبادة التوكل على الله- وهو اعتماد القلب عليه، وثقته به، وأنه كافيه، وهو عبادة عظيمة تعبد الله به عباده، وأمرهم بأن يعتمدوا عليه وحده دون سواه، ولا يوفق للقيام به على وجه الكمال إلا أولياء الله وحزبه المؤمنون.
وقد فرضه الله- على عباده، حيث أمر به في مواضع عديدة من كتابه العزيز:
قال تعالى: ﴿وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾ [آل عمران: ١٢٢]
قال تعالى: ﴿وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين﴾ [المائدة:١٢٣] (١).
стр. 78
أما ما ذهب إليه الشوكاني في التوسل والتشفع بدعاء الصالحين، فهو رأي صائب، واستدلال صحيح، غير أنه لم يفرق ﵀ بين هذا النوع من التوسل، وبين التوسل بالذوات والأشخاص، فاختلط الأمر عليه، فخلط بينهما وجعلهما نوعا واحدا، كما اختلط عليه الأمر أيضا بين التوسل بالذوات والأشخاص، وبين التوسل بالأعمال الصالحة، فجعل الأول كالثاني في الجواز، فوقع بذلك في أخطاء.
وإليك بيانها:
أ- التوسل بذات المتوسل به إلى الله تعالى، أو بجاهه، أو منزلته، أو نحو ذلك، عمل غير شرعي، سواء كان المتوسل به نبيا من الأنبياء، أو عالما من العلماء، لأنه لم يأمر به الله، ولا بلغه رسوله ﷺ ، ولم ينقل عن أحد من الصحابة أو من بعدهم من القرون الخيرة أنه يعمل به، إذ لو كان مشروعا لفعلوه، ولسبقونا إليه، فإذا لم يفعلوه دل ذلك على عدم مشروعيته.
وقد تقرر في الكتاب العزيز، والسنة المطهرة أن الإسلام مبني على أصلين عظيمين:
(أحدهما): أن لا نعبد إلا الله.
و (الثاني): أن لا نعبده إلا بما شرع، كما تقرر أن الدعاء نوع من أنواع العبادة، بل هو أجلها وأعظمها.
فمن دعا المخلوقين من دون الله، واستغاث بهم، كان مشركا به- سبحانه-، ومن توسل في دعائه إلى الله بالمخلوقين، أو أقسم عليه بهم كان مبتدعا بدعة ما أنزل الله بها من سلطان، لأنه عمل غير مشروع. وهذان الأصلان هما تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله. ولهذا قال الفقهاء: العبادات مبناها على التوقيف (١) أي لا بد فيها من ثبوت النص الشرعي المستلزم مشروعيتها واستحبابها.
стр. 79
٢ - إن التوسل بالنبي ﷺ الذي ورد في حديث الأعمى هو في التحقيق توسل بدعائه وشفاعته لا بذاته، لأن الأعمى طلب من النبي ﷺ أن يدعو له، ليرد الله عليه بصره (١) فأمره النبي ﷺ أن يدعو هو أيضا، ويسأل أن يقبل الله شفاعة نبيه فيه، فقوله في دعائه: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد ﷺ ، أي شفاعة نبيك بدعائه، فكان الرسول ﷺ في هذا شافعا له بالدعاء، وهو سائل قبول شفاعة الرسول، ولهذا قال في دعائه أيضا: اللهم فشفعه في.
وهكذا كان توسل الصحابة به ﷺ في حياته، فلما مات توسلوا بدعاء غيره، ولم ينقل عن أحد منهم أنه التجأ إلى قبره، وطلب منه الدعاء لقضاء حاجته، ولو كان ذلك مشروعا لفعلوه، وأكبر دليل على ذلك وأوضحه استسقاء عمر بالعباس (٢).
стр. 80
أما عناية الشوكاني- ﵀ بتوحيد الأسماء والصفات، فقد اعتنى به عناية فائقة، وأولاه اهتماما بالغا. وفيما يلي نسوق بعضا من كلامه.
قال ﵀: ((اعلم أن الكلام في الآيات والأحاديث الواردة في الصفات قد طالت ذيوله، وتشعبت أطرافه، وتناسبت فيه المذاهب، وتفاوتت فيه الطرائق، وتخالفت فيه النحل، وسبب هذا عدم وقوف المنتسبين إلى العلم حيث أوقفهم الله، ودخولهم في أبواب لم يأذن الله لهم بدخولها، ومحاولتهم لعلم شيء استأثر الله بعلمه، حتى تفرقوا فرقا، وتشعبوا شعبا، وصاروا أحزابا، وكانوا في البداية ومحاولة الوصول إلى ما يتصورونه من العامة مختلفي المقاصد، متبايني المطالب:
فطائفة: وهي أخف هذه الطوائف- المتكلفة علم ما لم يكلفها الله بعلمه إثما وأقلها عقوبة وجرما، وهى التي أرادت الوصول إلى الحق، والوقوف على الصواب، لكن سلكت فيه طريقة متوعرة، وصعدت في الكشف عنه إلى عقبة كؤود لا يرجع من سلكها فضلا عن أن يظفر فيها بمطلوب صحيح، ومع هذا أصلوا أصولا ظنوها حقا، فدفعوا بها آيات قرآنية، وأحاديث نبوية صحيحة، واعتلوا في ذلك الدفع بشبه واهية، وخيالات مختلة)) (١).
وقسم الشوكاني هؤلاء إلى طائفتين، ويقصد بهما: المعتزلة القدرية، والجبرية الجهمية، قال:
((الطائفة الأولى: هي الطائفة التي غلت في التنزيه، فوصلت إلى حد يقشعر عنده الجلد، ويضطرب له القلب، ومن تعطيل الصفات الثابتة بالكتاب والسنة ثبوتا أوضح من شمس النهار، وأظهر من فلق الصباح، وظنوا هذا من صنيعهم موافقا للحق، مطابقا لما يريده الله - سبحانه - فضلوا الطريق المستقيم، وأضلوا من رام سلوكها.
والطائفة الأخرى: هي الطائفة التي غلت في إثبات القدرة غلوا بلغ إلي حد أنه لا تأثير
стр. 81
لغيرها، ولا اعتبار بما سواها، وأفضى ذلك إلى الجبر المحض، والقسر الخالص، فلم يبق لبعث الرسل، وإنزال الكتب كثير فائدة، ولا يعود ذلك على عباده بعائدة، وجاءوا بتأويلات للآيات البينات، فكانوا كالطائفة الأولى في الضلال والإضلال)) (١).
وذكر طائفة ثالثة ويقصد بها الأشاعرة ((توسطت، ورامت الجمع بين الضب والنون، وظنت أنها وقفت بمكان بين الإفراط والتفريط، ثم أخذت كل طائفة من هذه الطوائف الثلاث تجادل وتناضل، وتحقق وتدقق في زعمها، وتجول على الأخرى وتصول بما ظفرت به مما يوافق ما ذهبت إليه و ﴿كل حزب بما لديهم فرحون﴾ [الروم:٣٢] وعند الله تلتقي الخصوم)). (٢)
ثم بين- ﵀ مذهب الحق الذي يجب الأخذ به في هذه المسألة بقوله: ((وإن الحق الذي لا شك فيه ولا شبهة، هو ما كان عليه خير القرون، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، وقد كانوا- ﵏، وأرشدنا إلى الإقتداء بهم، والاهتداء بهديهم- يمرون أدلة الصفات على ظاهرها، ولا يتكلفون علم ما لا يعلمون، ولا يتأولون، وهذا المعلوم من أقوالهم وأفعالهم، والمتقرر من مذاهبهم، ولا يشك فيه شاك، ولا ينكره منكر، ولا يجادل فيه مجادل)) (٣).
وقال- ﵀: ((إن مذهب السلف من الصحابة- ﵃ والتابعين وتابعيهم، هو إيراد أدلة الصفات على ظاهرها من دون تحريف لها، ولا تأويل متعسف لشيء منها ولا جبر، ولا تشبيه، ولا تعطيل يفضي إليه كثير من التأويل، وكانوا إذا سأل سائل عن شيء من الصفات، تلوا عليه الدليل، وأمسكوا عن القال والقيل، وقالوا: قال الله هكذا، ولا ندري بما سوى ذلك، ولا نتكلف، ولا نتكلم بما لم نعلمه، ولا أذن الله لنا بمجاوزته، فإن أراد السائل أن يظفر منهم بزيادة على الظاهر زجروه عن الخوض فيما لا يعنيه، ونهوه عن طلب ما لا يمكن الوصول إليه إلا بالوقوع
стр. 82
في بدعة من البدع التي هي غير ما هم عليه، وما حفظوه عن رسول الله- ﷺ ، وحفظه التابعون عن الصحابة، وحفظه من بعد التابعين عن التابعين)) (١)
وقال- ﵀ مقررا لمنهج السلف في الإثبات مع التنزيه: ((إن الآية: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ [الشورى: ١١] يستفاد بها نفي المماثلة في كل شيء، فيدفع بهذه الآية في وجه المجسمة، وتعرف به الكلام عند وصفه - سبحانه- بالسميع البصير، وعند ذكر السمع والبصر واليد والاستواء ونحو ذلك مما اشتمل عليه الكتاب والسنة، فتقرر بذلك الإثبات لتلك الصفات، لا على وجه المماثلة والمشابهة للمخلوقات، فيدفع به جانبي الإفراط والتفريط، وهما المبالغة في الإثبات المفضية إلى التجسيم، والمبالغة في النفي المفضية إلى التعطيل، فيخرج من بين الجانبين وغلو الطرفين أحقية مذهب السلف الصالح، وهو قولهم بإثبات ما أثبته- الله- لنفسه من الصفات على وجه لا يعلمه إلا هو)) (٢).
وقال في قطع الأطماع عن إدراك الكيفية المستنبط من قوله تعالى: ﴿ولا يحيطون به علما﴾ [طه: ١١٠] إنه لم يحط بفائدة هذه الآية، ويقف عندها، ويقتطف من ثمراتها إلا الممرون للصفات على ظاهرها، المريحون أنفسهم من التكلفات، والتعسفات، والتأويلات، والتحريفات، وهم السلف الصالح كما عرفت، فهم الذين اعترفوا- بعدم- الإحاطة، وأوقفوا أنفسهم حيث أوقفها الله، وقالوا: الله أعلم بكيفية ذاته، وماهية صفاته، بل العلم كله له (٣).
وقد اشتد إنكار الشوكاني ﵀ على المتكلمين ومناهجهم، وقرر أن المذهب الحق في الصفات هو إمرارها على ظاهرها من غير تأويل، ولا تخريف، ولا تكلف، ولا تعسف، ولا جبر، ولا تشبيه، ولا تعطيل (٤). وأن هذا المسلك القويم هو
стр. 83
مسلك السلف الصالح من الصحابة والتابعين، فلم يكلف الله أحدا من عباده أن يعتقد أنه ﷻ متصف بغير ما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله ﷺ ، ومن زعم أن الله- سبحانه- تعبد عباده بأن يعتقدوا أن صفاته الشريفة كائنة على الصفة التي يختارها طائفة من طوائف المتكلمين، فقد أعظم على الله الفرية، بل كلف عباده أن يعتقدوا أنه ليس كمثله شيء، وأنهم لا يحيطون به علما (١).
أما موقف الشوكاني- ﵀ من صفات الله تعالى فقد أول بعضها في تفسيره "فتح القدير" تأويلا أشعريا.
والصفات التي أولها هي: " الوجه" (٢)، و" العين" (٣) و" اليد" (٤) و" العلو" (٥)، و"المجيء" (٦) و" الإتيان" (٧) و" المحبة" (٨)، و"الغضب" (٩) وهذا التأويل مناقض لمنهجه في رسالته " التحف " في إثبات الصفات على ظاهرها، من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل، وهو مذهب السلف الصالح- رضوان الله عليهم-.
قلت: إن الشوكاني- ﵀ على مذهب السلف، وكان يحبه، ويدعو إليه، كما هو ظاهر لكل من قرأ رسالته " التحف " غير أنه- كما يظهر لي- لم يستوعب مذهب السلف في مسألة الصفات استيعابا جيدا.
стр. 84
لقد قال في " إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول" (١) وقد فرغ من تأليفه سنة (١٢٣١هـ) كما نص عليه في ختامه (٢)، أي بعد: فتح القدير بسنتين (٣) قال ما نصه: ((الفصل الثاني فيما يدخل في التأويل، وهو قسمان:
(أحدهما): أغلب الفروع ولا خلاف في ذلك.
(والثاني): الأصول: كالعقائد، وأصول الديانات، وصفات الباري . وقد اختلفوا في هذا القسم على ثلاثة مذاهب:
(الأول): أنه لا مدخل للتأويل فيها، بل يجري على ظاهرها، ولا يؤول شيء منها، وهذا قول المشبهة.
و (الثاني): أن لها تأويلا، ولكن نمسك عنه، مع تنزيه اعتقادنا عن التشبيه والتعطيل لقوله تعالى: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ [آل عمران:٧]. قال ابن برهان: وهذا قول السلف.
قلت (أي الشوكاني): وهذا هو الطريقة الواضحة، والمنهج المصحوب بالسلامة عن الوقوع في مهاوي التأويل لما لا يعلم تأويله إلا الله، وكفى بالسلف الصالح قدوة لمن أراد الإقتداء، وأسوة لمن أحب التأسي، على تقدير عدم ورود الدليل القاضي بالمنع من ذلك، فكيف وهو قائم موجود في الكتاب والسنة.
(والمذهب الثالث): أنها مؤَولة: قال ابن برهان: والأول من هذه المذاهب باطل، والآخران منقولان عن الصحابة، ونقل هذا المذهب الثالث عن علي، وابن مسعود، وابن عباس، وأم سلمة)) اهـ.
стр. 85
((قلت: هذا وهم من الشوكاني، والظاهر أن الأول هو قول السلف وليس المشبهة كما زعم، فإن مذهب السلف إثبات الصفات وإجراؤها على ظواهرها من غير تأويل ولا تشبيه، وتفويض كنهها وكيفيتها إلى الله تعالى، كما قرره- ﵀ قي رسالته "التحف".
أما الثاني: فهو قول المفوضة أو القريب منه، وليس قول السلف كما زعم، لأن السلف لا يقولون أن لها تأويلا، ولكنا نمسك عنه، بل يثبتون معناها من غير تصور المشابهة ولا تمثيل، وأما ما نقله عن ابن برهان فهو باطل، لأنه لم يرد حرف واحد في التأويل المعروف عندهم عن السلف، وكل ما نقل فهو كذب واختراع (١).
والشوكاني- ﵀ نقل هذا الكلام ولم يعقب عليه، وكأنه مقبول عنده، وهو مردود. وهكذا لكل عالم زلة ولكل جواد كبوة، والعصمة لله- سبحانه- ولمن عصمه من الأنبياء والمرسلين)) (٢) اهـ.
أما موقف الإمام الشوكاني- ﵀ من مسألة خلق القرآن، فقد ذهب مذهب الواقفية، فلم يجزم برأي هل هو مخلوق أم غير مخلوق:
قال الشوكاني في "فتح القدير" (٣) ((وهذه المسألة: أي قدم القرآن وحدوثه قد ابتلي بها كثير من أهل العلم والفضل في الدولة المأمونية، والمعتصمية، والواثقية، وجرى للإمام أحمد بن حنبل ما جرى من الضرب الشديد؛ والحبس الطويل، وضرب بسببها عنق محمد بن نصر الخزاعي (٤) وصارت فتنة عظيمة في ذلك الوقت وما بعده، والقصة
стр. 86
أشهر من أن تذكر ... ولقد أصاب أئمة السنة بامتناعهم من الإجابة إلى القول بخلق القرآن وحدوثه، وحفظ الله بهم أمة نبيه عن الابتداع، ولكنهم- ﵏ جاوزوا ذلك إلى الجزم بقدمه، ولم يقتصروا على ذلك حتى كفروا من قال بالحدوث، بل جاوزوا ذلك إلى تكفير من قال: لفظي بالقرآن مخلوق، بل جاوزوا ذلك إلى تكفير من وقف، وليتهم لم يجاوزوا حد الوقف، وإرجاع العلم إلى علام الغيوب، فإنه لم يسمع من السلف الصالح من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم إلى وقت قيام المحنة، وظهور القول في هذه المسألة شيء من الكلام، ولا نقل عنهم كلمة في ذلك، فكان الامتناع من الإجابة إلى ما دعوا إليه، والتمسك بأذيال الوقف، وإرجاع علم ذلك إلى عالمه هو الطريقة المثلى، وفيه السلامة، والخلوص من تكفير طوائف من عباد الله، والأمر لله - سبحانه-)) اهـ.
وهذا موقف غير سديد من الإمام الشوكاني- ﵀ لأن السلف في صدر الإسلام كانوا في غنى عن الزيادة على القول: القرآن كلام الله، لأنهم لم يكونوا يفقهون من هذه الإضافة إلا أنها صفة من صفات الله، وصفات الله غير مخلوقة، حتى ظهرت الجهمية، وظهرت بدعة القول بخلق القرآن، فعقل أئمة السلف خطرها، وقابلوهم برفضها وإنكارها، والتشديد عليهم في ذلك، لأن حقيقة كلامهم الكفر، لما تضمن من تكذيب القرآن، وإثبات النقص لله، ولا سبيل لهم لإبطال هذه البدعة إلا أن قالوا: القرآن كلام الله غير مخلوق (١).
كما أن الشوكاني- ﵀ جعل الحلف بالقرآن كالحلف بمخلوق من مخلوقات الله (٢)، وهذا رأي باطل قال به المعتزلة وأتباعهم. والصحيح أن القرآن كلام الله تكلم
стр. 87
الله به حقيقة بلفظه ومعناه؛ وهو- سبحانه- موصوف بالكلام؛ فعلى هذا يكون الحلف بالقرآن حلفا بصفة من صفاته- سبحانه-؛ وصفات الله - سبحانه غير مخلوقة؛ فالقرآن غير مخلوق؛ والحلف به جائز؛ لأنه حلف بكلام الله؛ ويعقد به اليمين؛ وهذا ما اجمع عليه السلف أهل السنة (١).
стр. 88
كما اهتم الإمام الشوكاني- ﵀ بتعريف الشرك، وبيان أقسامه، وذكر نماذج من الأعمال الشركية:
أما معنى الشرك فقد قال: ((إن الشرك هو دعاء غير الله في الأشياء التي تختص به، أو اعتقاد القدرة لغيره فيما لا يقدر عليه سواه، أو التقرب إلى غيره بشيء مما لا يتقرب به إلا إليه، ومجرد تسمية المشركين لما جعلوه شريكا بالصنم والوثن والإله لغير الله، زيادة على التسمية بالولي والقبر والمشهد، كما يفعله كثير من المسلمين، بل الحكم واحد إذا حصل لمن يعتقد في الولي والقبر ما كان يحصل لمن كان يعتقد في الصنم والوثن، إذ ليس الشرك هو مجرد إطلاق بعض الأسماء على بعض المسميات، بل الشرك هو أن يفعل لغير الله شيئا يختص به- سبحانه- سواء أطلق على ذلك الغير ما كانت تطلق عليه الجاهلية أو أطلق عليه اسما آخر فلا اعتبار بالاسم قط)) (١)
وقد نهى الله- عن الشرك به في كثير من الآيات، كقوله تعالى: ﴿واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا﴾ [النساء:٣٦].
قال الشوكاني في تفسير الآية: ((أي لا تشركوا به شيئا من الأشياء من غير فرق بين حي وميت، وجماد وحيوان، ولا تشركوا به شيئا من الإشراك من غير فرق بين الشرك الأكبر والأصغر، والواضح والخفي)) (٢).
أما أقسام الشرك فهي ثلاثة:
١ - الشرك في توحيد الربوبية:
وهو إثبات فاعل مستقل غير الله تعالى، كشرك من يجعل الإنسان مستقلا بإحداث فعله، وشرك من يجعل الأجسام الطبيعية من الشمس والقمر والنجوم والجبال ونحوها كما يقوله الطبيعيون، أو العقول كما تقوله الفلاسفة، أو الأرواح والنفوس كما يقوله
стр. 89
عباد القبور، أو الملائكة، أو غير ذلك من المخلوقات.
ومن هذا القسم شرك فرعون، إذ قال منكرا الرب الخالق: ﴿وما رب العالمين﴾ [الشعراء:٢٣] وقال مدعيا لنفسه الربوبية ﴿أنا ربكم الأعلى﴾ [النازعات:٢٤] وأمثاله ممن يدعي لنفسه الربوبية.
وقد رد الله- سبحانه- على أصحاب هذا الشرك في آيات كثيرة من القرآن:
(منها): قال تعالى في سورة الأعراف (١٩١ - ١٩٢): ﴿أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون ولا يستطيعون لهم نصرا ولا أنفسهم ينصرون﴾ (١).
(ومنها): قوله- سبحانه- في وصف آلهتهم: ﴿واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا﴾ [الفرقان: ٣] (٢).
٢ - الشرك في توحيد الأسماء والصفات:
وهو نوعان:
(أحدهما): تشبيه الخالق بالمخلوق. كمن يقول: يد الله كيدي و ..... وهو شرك المشبهة الذين رد الله عليهم بقوله: ﴿ليس كمثله شيء﴾ [الشورى: ١١] وقوله: ﴿ولا يحيطون به علما﴾ [طه:١١٠] ٠ (٣)
(والثاني): اشتقاق أسماء للآلهة الباطلة من أسماء الإله الحق، قال تعالى: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون﴾
стр. 90
[الأعراف:١٨٠] (١).
٣ - الشرك في توحيد الألوهية والعبادة:
وهو نوعان:
(أحدهما): شرك أكبر: وهو أن يتخذ العبد ندا لله تعالى في العبادة، يدعوه، أو ينذر له، أو يذبح له، أو يخافه، أو يصرف له أي نوع من أنواع العبادة، كشرك مشركي مكة أيام بعثة النبي- ﷺ وقد قالوا في آلهتهم: ﴿هؤلاء شفعاؤنا عند الله﴾ [يونس:١٨] وقالوا: ﴿ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾ [الزمر: ٣] والمراد بهذا القول: الشفاعة لهم في الدنيا (٢) ومن هذا النوع شرك عباد القبور الذين جعلوا بعض خلق الله شريكا له، مثلا، وندا، فاستغاثوا به فيما لا يستغاث فيه إلا بالله، وطلبوا منه ما لا يطلب إلا من الله، مع القصد والإرادة (٣).
وهذا النوع من الشرك هو الذي قال الله تعالى فيه: ﴿واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا﴾ [النساء:٣٦]؛ ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾ [النحل:٣٦]، ﴿إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار﴾ [المائدة: ٧٢].
والآيات في النهي عن هذا الشرك، وبيان بطلانه كثيرة جدا، والكتب السماوية كلها من أولها إلى آخرها تبطل هذا الشرك، وتقبح أهله، وتنص على أنهم أعداء الله تعالى. وما أهلك الله تعالى من الأمم السابقة إلا بسبب هذا الشرك ومن أجله (٤). وأن هذا الشرك خطره عظيم لما يأتي:
стр. 91
١ - إنه يحبط العمل. قال تعالى: ﴿ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون﴾ [الأنعام:٨٨].
والحبوط: هو البطلان (١) أي بطلت أعمالهم، لأن الشرك يخرجهم من الملة الإسلامية.
٢ - إن صاحبه خالد مخلد في النار إذا مات مصرا عليه، وإن الله لا يغفر له إلا إذا تاب في وقت التوبة.
قال تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا﴾ [النساء:١١٦]
قال الشوكاني: ((أي ضل عن الحق ضلالا بعيدا، لأن الشرك أعظم أنواع الضلال، وأبعدها من الصواب)) (٢).
٣ - إنه أفظع ظلم، وأعظم جريمة:
قال تعالى: ﴿الذين آمنوا ولو يلبسوا إيمانهم بظلم﴾ [الأنعام: ٨٢] أي لم يخالطوه بظلم، والمراد بالظلم الشرك، لما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن مسعود (٣) ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية شق ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ وقالوا: أينا لم يظلم نفسه؟ فقال رسول الله ﷺ : ليس هو كما تظنون، إنما هو كما قال لقمان: ﴿يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم﴾ [لقمان: ١٣] (٤).
(والثاني): شرك أصغر:
стр. 92
وهذا النوع من الشرك مما ينافي كمال التوحيد في عبادة الله- ويناقضه، وهو وإن كان لا يخرج من الملة فإن صاحبه على خطر عظيم، ينقص من أجره شيء كثير، وقد يحبط منه العمل الذي وقع فيه هذا الشرك. وفي هذا ذكر الشوكاني- ﵀ أحاديث كثيرة (١).
. ذكر نماذج من الأعمال الشركية، وكلام الشوكاني عنها:
تناول الشوكاني- ﵀ نماذج من الأعمال الشركية التي يجب على كل مسلم معرفتها ليسلم منها، وليكون على بينة من أمرها حتى لا يقع فيها:
١ - الاستغاثة بغير الله:
كالاستغاثة بالأموات، والاستعانة بهم، ومناجاتهم عند الحاجة، وتعظيم قبورهم، واعتقاد أن لهم قدرة على قضاء حوائج المحتاجين، وإنجاح طلبات السائلين (٢)
٢ - النذر لغير الله:
وهي نذر في معصية، وهي من النذر الذي لا يبتغى به وجه الله (٣).
٣ - الذبح لغير الله (٤)
٤ - الحلف بغير الله:
كالحلف بالنبي، أو الكعبة، أو الأمانة، أو الحياة، أو بولي من الأولياء، أو بالشرف أو بغير ذلك من المخلوقات، كل ذلك من الشرك الأصغر.
стр. 93
قال الشوكاني: ((قال العلماء: السر في النهي عن الحلف بغير الله أن الحلف بالشيء يقتضي تعظيمه، والعظمة في الحقيقة إنما هي لله وحده، فلا يحلف إلا بالله وذاته وصفاته، وعلى ذلك اتفق الفقهاء)) (١).
٥ - السحر وأنواعه:
ذهب الشوكاني- ﵀ مذهب أهل السنة في أن السحر له حقيقة، وله تأثير بإذن الله، واستدل بقوله تعالى:. ﴿فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله﴾ [البقرة:١٠٢] (٢).
وذكر الشوكاني- ﵀ أنواعا كثيرة من أعمال السحر التي هي شرك بالله منها:
أ- الكهانة والتنجيم وما في معناهما:
وقد ورد في النهي عن إتيان الكهان وتصديقهم أحاديث كثيرة أوردها الشوكاني ﵀ في مؤلفاته (٣).
ب- التطير:
قال الشوكاني- ﵀: ((وأما التطير فهو الطيرة بكسر الطاء المهملة، وفتح المثناة التحتية، وقد تسكن، وهي التشاؤم بالشيء، وكان ذلك يصدهم عن مقاصدهم، فنفاه الشرع، وأبطله، ونهى عنه)) (٤)
ج- تعليق التمائم ونحوها:
стр. 94
قال الشوكاني- ﵀: ((فمن ذلك ما ورد في تعليق التمائم، إنه من الشرك، وتعليق الخيط في اليد للحمى)) (١)
. ذكر نماذج من البدع التي تكلم عليها الشوكاني:
١ - بدعة الرافضة:
أ- معاداتهم للصحابة- رضوان الله عليهم-.
قال الشوكاني- ﵀ ((وانظر إلى أي مبلغ بلغ الشيطان الرجيم بهؤلاء المغرورين المجترئين على هذه الأعراض المصونة المحترمة المكرمة، فيا لله العجب من هذه العقول الرقيقة، والأفهام الشنيعة، والأذهان المختلة، والإدراكات المعتلة! فإن هذا التلاعب الذي تلاعب الشيطان، يفهمه أقصر الناس عقلا، وأبعدهم فطانة، وأجمدهم فهما، وأقصرهم قي العلم باعا، وأقلهم اطلاعا، فإن الشيطان- لعنه الله- سول لهم بأن هؤلاء الصحابة- ﵃ الذين لهم المزايا التي لا يحيط بها حصر، ولا يحصيها حد، ولا عد، أحفاء بما يهتكون من أعراضهم الشريفة، ويجحدون من مناقبهم المنيفة، حتى كأنهم لم يكونوا هم الذين أقاموا أعمدة الإسلام بسيوفهم، وأوصلوا دين الإسلام إلى أطراف المعمورة، من شرق الأرض وغربها، ويمينها وشمالها، فاتسعت رقعة الإسلام، وطبقت الأرض شرائع الإيمان، وانقطعت علائق الكفر، وانقصمت حباله.
يا لله العجب، يعادون خير عباد الله، وأنفعهم للدين الذي بعث به رسول الله- ﷺ ، وهم لم يعاصروهم، ولا عاصروا من أدركهم، ولا أذنبوا إليهم بذنب، ولا ظلموهم في مال، ولا دم، ولا عرض، بل قد صاروا تحت أطباق الثرى، وفي رحمة واسع الرحمة منذ مئات من السنين)) (٢).
هذا وقد اعتنى الإمام الشوكاني- ﵀ اعتناء كبيرا بالرد على هذه الطائفة
стр. 95
الضالة في هذا الموضوع، فقد ألف كتابين:
(أحدهما): " در السحابة في مناقب القرابة والصحابة" (١) بين فيه مناقب وفضائل كل من الصحابة والقرابة- رضوان الله عليهم-.
(والثاني): " إرشاد الغبي إلى مذهب أهل البيت في صحب النبي ﷺ (٢). نقل فيه إجماع أهل البيت من ثلاث عشرة طريقة على عدم ذكر الصحابة بسب أو ما يقاربه
ب- اعتقادهم بعصمة علي- ﵁:
قال الشوكاني- ﵀: ((عصمة علي وحجية قوله ذهب إلى القول بهما جماعة من أهل البيت، وذهب جماعة منهم وسائر المسلمين أجمعين إلى أن المعصوم إنما هو رسول الله- ﷺ على الخصوص، والحجة إنما هي ما جاء عن الله وعنه)) (٣).
٢ - بدعة المتصوفة:
قال الشوكاني- ﵀: ((فقد كان أول هذا الأمر يطلق هذا الاسم على من بلغ في الزهد والعبادة إلى أعلى مبلغ، ومشى على هدي الشريعة المطهرة، وأعرض عن الدنيا، وصد عن زينتها، ولم يغتر ببهجتها، ثم حدث أقوام جعلوا هذا الأمر طريقا إلى الدنيا، ومدرجا إلى التلاعب بأحكام الشرع، ومسلكا إلى أبواب اللهو والخلاعة، ثم جعلوا لهم شيخا يعلمهم كيفية السلوك، فمنهم من يكون مقصده صالحا، وطريقته حسنة، فيلقن أتباعه كلمات تباعدهم من الدنيا، وتقربهم من الآخرة، وينقلهم من رتبة إلى رتبة على أعراف يتعارفونها، ولكنه لا يخلو غالب ذلك من مخالفة للشرع، وخروج عن كثير من آدابه)) (٤).
стр. 96
وقد ابتدعت المتصوفة أمورا كثيرة، ودعوا إليها، ولم تكن عند الزهاد السابقين، منها ترك الزواج، وإدامة الجوع، ومواصلة الصوم، والعزلة، والخلوة، والغناء، والوجد، وتقسيم الدين إلى حقيقة وشريعة، وتقديس الأولياء، وتفضيلهم على الأنبياء، ومنها القول بالحلول، ووحدة الوجود، والاتحاد بين المخلوق والخالق. وهكذا تدرج المتصوفة إلى أن شرعوا لأنفسهم من الدين ما لم يأذن به الله.
ولقد تصدى لهذه الأمور البدعية، وكشف عن حقائقها كثير من العلماء ومنهم الإمام الشوكاني ﵀. وخاصة في كتابه: " قطر الولي على حديث الولي، أو ولاية الله والطريق إليها ". ورسالته: " الصوارم الحداد القاطعة لعلائق مقالات أرباب الاتحاد" (١) حيث نقل فيها أقوال العلماء أهل السنة في الحكم على ما تضمنته الكتب الصوفية من الضلال والإضلال، كما جمع في هذه الرسالة ما صدر عن هؤلاء المتصوفين المخذولين من المقالات التي كل واحدة منها أكفر الكفر ...
وأكد- ﵀ أن القيام على هؤلاء المتصوفة من أعظم الواجبات، لأنهم أفسدوا العقول والأديان على خلق من المشايخ والعلماء، والملوك والأمراء (٢).
. وإليك بعض البدع التي وقع فيها الصوفية:
أ- الزهد الصوفي:
وقد أنكر الشوكاني- ﵀ (الزهد الصوفي المخالف للإسلام) لأنه هو الذي يضعف جسم المؤمن، ويحول دون قيامه بواجباته نحو نفسه وأسرته ومجتمعه (٣).
ب- الولاية الصوفية:
وهى من أكثر الأشياء التي يدندن حولها المتصوفة في الماضي والحاضر، وقد فصل الشوكاني- رحمه الله تعالى- موضوع الولاية تفصيلا دقيقا، وأفرد لها تأليفا في كتابه
стр. 97
" قطر الولي على حديث الولي، أو ولاية الله والطريق إليها" (١).
ج- عقيدة الاتحاد بين المخلوق والخالق:
وهى عقيدة اكتسبوها من الديانات والفلسفات الأجنبية، كالهندية وغيرها (٢).
د- رفع التكاليف الشرعية (٣)
٣ - بدعة القبوريين:
وهى من البدع السيئة على هذه الأمة كتشييد القبور، وبنائها، وتسريجها، وتزيينها، واتخاذها مساجد وما إلى ذلك، وما يترتب عليها من الاعتقادات الفاسدة في أصحاب القبور (٤).
...
أما الإيمان بالأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، فهو من الإيمان بالغيب الذي وصف الله به المؤمنين، وهو ركن من أركان الإيمان التي يجب الإيمان بها، كما دلت على ذلك الأدلة الكثيرة من كتاب وسنة.
كقوله تعالى: ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير﴾ [البقرة: ٢٨٥].
قال الشوكاني (٥) ((قوله: ﴿لا نفرق بين أحد من رسله﴾ أي لا نكفر بما جاءت به الرسل، ولا نفرق بين أحد منهم، ولا نكذب به)).
стр. 98
وفي حديث جبريل وسؤاله للنبي- ﷺ عن الإيمان فقال: " أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره" (١).
وقد ورد في القرآن الكريم ما يدل على أن الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- متفاضلون، وأن بعضهم أفضل من بعض كما قال تعالى: ﴿تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات﴾ [البقرة:٢٥٣] (٢).
وقد أجمعت الأمة على أن الرسل أفضل من الأنبياء، والرسل بعد ذلك متفاضلون فيما بينهم، وأفضل الرسل والأنبياء خمسة وهم: محمد ﷺ ، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى- عليهم الصلاة والسلام-. وهؤلاء هم أولو العزم من الرسل، وقد خصهم الله- سبحانه- بالذكر قي آيتين من كتابه:
قال تعالى: ﴿شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه﴾ [الشورى: ١٣].
وقال تعالى: ﴿وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا﴾ [الأحزاب:٧]
قال الشوكاني- ﵀: ((ووجه تخصيصهم بالذكر الإعلام بأن لهم مزيد شرف وفضل، لكونهم من أصحاب الشرائع المشهورة، ومن أولي العزم من الرسل، وتقديم ذكر نبينا ﷺ مع تأخر زمانه فيه من التشريف له والتعظيم ما لا يخفى)) (٣).
كما أن الشوكاني- ﵀ اهتم اهتماما بالغا ببيان المهمة الكبرى التي بعث الله من أجلها الرسل والأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- حيت ألف رسالتين الأولى بعنوان:
стр. 99
" المقالة الفاخرة في اتفاق الشرائع على إثبات الدار الآخرة" (١) والثانية بعنوان: " إرشاد الثقات إلى اتفاق الشرائع على التوحيد والمعاد والنبوات" (٢) وأورد فيهما النصوص من القرآن والسنة، ومن الكتب السابقة: كالتوراة، والزبور، والإنجيل، مما يدل على اتفاق أنبياء الله وكتبه على إثبات كل مقصد من هذه المقاصد، أي التوحيد، والمعاد، والنبوات، وتصديق بعضهم بعضًا.
...
أما الإيمان بوجود الجن والشياطين جزء من عقيدة المؤمن، لما ثبت في ذلك من الكتاب والسنة، وإجماع الأمة.
وقد اعتنى الشوكاني- ﵀ بهذا الموضوع، وأفرد له بحثا صغيرا بعنوان " بحث في وجود الجن" (٣) أورد فيها الأدلة الدالة على وجود الجن والشياطين، ورد على المنكرين على وجودهما من بعض المعتزلة وأمثالهم.
وقد ذهب- ﵀ مذهب القائلين بأن جميع الجن ولد إبليس، كما أن جميع الإنس هم ولد آدم. وأن الشياطين هم مردة الإنس والجن (٤) وهذا مذهب الجمهور، الذي رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية (٥).
والجن أجناس مختلفة، منهم المؤمن، والكافر، والبر، والفاجر، قال تعالى، إخبارا عنهم: ﴿وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرائق قددا﴾ [الجن:١١] أي جماعات متفرقة، وأصنافا مختلفة (٦).
стр. 100
وهل أرسل الله إليهم رسلا منهم؟
اختلف العلماء في هذا على قولين: قيل: فيهم رسل، لقوله تعالى: ﴿يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم﴾ [الأنعام: ١٣٠] وقيل: الرسل من الإنس، والجن فيهم النذر. وهذا قول الجمهور من العلماء سلفا وخلفا وهو الراجح (١).
ورجح الشوكاني- ﵀ هذا القول في تفسيره (٢).
...
أما رؤية الله- في الجنة، أعظم نعيم يناله المؤمنون، وهي ثابتة بالكتاب والسنة المتواترة، واتفق على القول بها جميع الصحابة والتابعين، وجميع أئمة الإسلام المعروفين بالإمامة والدين، وأهل الحديث، وسائر طوائف أهل الكلام المنسوبين إلى أهل السنة والجماعة.
وقد قرر الشوكاني- ﵀ هذه المسألة في مؤلف مستقل سماه: " البغية في مسألة الرؤية " (٣).
وأورد فيها الأدلة الدالة على ثبوت الرؤية ورد على المنكرين للرؤية من أهل البدع والأهواء من الجهمية، ومن تابعهم من المعتزلة والرافضة، وغيرهم.
...
أما خلود الجنة والنار، وبقاؤهما، وأنهما لا يفنيان أبدا، ولا يفنى من فيهما، ثابت بالكتاب والسنة. وقد وافق الشوكاني- ﵀ أهل السنة في هذا الموضوع في عدة مواضع من تفسيره (٤)، بل أفرده بالتأليف في رسالة بعنوان " كشف الأستار في إبطال
стр. 101
قول من قال بفناء النار" (١) ردا على سؤال ورد إليه في هذا الموضوع. ويقصد بمن قال بفناء النار الجهمية ومن تابعهم؛ كما صرح في أول الرسالة.
كما أورد- ﵀ أدلة المخالفين لأهل السنة التي استدلوا بها على فناء النار وانقطاع عذاب أهلها. وفندها تفنيدا رائعا؛ وأجاب عن هذه الاستدلالات كلها (٢).
اللهم اجعل أعمالنا كلها صالحة، ولوجهك خالصة، ولا تجعل فيها شركا لأحد.
وكتبه
محمد صبحي بن حسن حلاق أبو مصعب
стр. 102
أسئلة وأجوبة عن قضايا التوحيد والشرك
تأليف
محمد بن علي الشوكاني
حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه
محمد صبحي بن حسن حلاق أبو مصعب
стр. 103
وصف المخطوط
١ - عنوان الرسالة: أسئلة وأجوبة عن قضايا التوحيد والشرك (١).
٢ - موضوع الرسالة: في قضية الشرك والتوحيد، وخلق أفعال العباد، والخلاف في الفروع (٢).
٣ - أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله الطيبين الطاهرين وأصحابه الراشدين أجمعين .. أما بعد:
فهذه سؤالات لها أطراف وغصون وفروع وشجون
٤ - آخر الرسالة: صدر الجواب وهو غير منقول، فقابلوه بالعذر والقبول، وما كان فيه خطأ فأصلِحوه، وما كان فيه من قصور فتمموه، والسلام عليكم ورحمة الله.
٥ - نوع الخط: خط الأسئلة نسخي معتاد. وخط الأجوبة نسخي دقيق.
٦ - عدد الأوراق: (٩) ورقات.
٧ - عدد السطور في الصفحة: ٢٢ سطرا في الأسئلة و (١٤) سطرا في الأجوبة تقريبا.
٨ - عدد الكلمات في السطر: ١٠ كلمات في الأسئلة و (١٦) كلمة في الأجوبة تقريبا.
٩ - الناسخ: نسخ الأسئلة بخط محمد بن أحمد الحفظي وهو السائل.
стр. 104
ونسخ الأجوبة بخط عبد العزيز بن أحمد النجدي.
ملحوظة:
في أول صفحة من الجواب ما نصه: "هذا الجواب حرره عبد العزيز بن أحمد النجدي عند قدومه إلى صنعاء، وأجبت أنا عن السؤال كما سيأتي". والظاهر أن هذه العبارة بخط الإمام الشوكاني.
* في خط الجواب كلمات غير مقروءة، وكلمات مطموسة.
стр. 105
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[نص الأسئلة]
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأصحابه الراشدين أجمعين ... أما بعد:
فهذه سؤالات لها أطراف، وغصون، وفروع، وشجون في جملة من الفنون تزُفها ركائب القدرة في المقدرات بين الكاف والنون، وتحسنُها عجائب الفكرة في المقررات في الشروح والمتون إلى علامة اليمن الميمون، المجتهد الرباني محمد بن علي بن محمد الشوكاني أعانه من يقول للشيء كن فيكون، على الإثابة بالإجابة، والإصابة فيما هم فيه يختلفون ..
стр. 106
السؤال الأول
قد نطقت الآيات القرآنية، وشهدت الأخبار النبوية، وأجمعت الأمة المحمدية على وجوب توحيد الله- بالعبادة، وقال عز من قائل عليم: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ (١) ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء﴾ (٢)، وكذلك تواترت الأحاديث الواردات، وتتابعت الآيات البينات على تحريم الشرك بالله- سبحانه- في العبادات، سواء كان ذلك جليا أو خفيا ﴿من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ (٤).
وفي هذا مباحث يتضح ها المعنى، ويستقيم عليها المبنى:
الأول: أن الدعوة لغير الله شرك، وفي التفاسير أن المراد بها العبادة في كثير منها، فالمراد بالعبادة التوحيد كما ذكره ابن عباس (٥) ﵄.
стр. 107
وفي الحديث أن ((الدعاء هو العبادة)) (١)، وهذا الفصل (٢) للحصر، أو التخصيص للاهتمام. وعلى كل تقدير فهو دليل على هذا التقرير.
والدعاء له معنيان (٣): أحدهما دعاء الطلب، بل قد سمى الله ذلك دينا في قوله تعالى: ﴿فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين﴾ (٤).
стр. 108
وصرف هذه العبادة لغير الله شرك وكفر بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ ... ﴾ إلى قوله: ﴿وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ (١).
فهل هذا الكلام في سبل السلام إلى بلوغ المرام عند جميع الأعلام، أم فيه تفصيل واحتمال على قول بعض الرجال؟، وشأن الكفر المجمع عليه حل الدم والمال بلا إشكال، سواء قبل الدعوة أو بعدها على التفصيل في من بلغته، ومن لم تبلغه.
-[فهل] (٢) يعذر الجاهل لقولهم: إن العمل متوقف على العلم، وكذا الوجوب؟
وفي قوله تعالى: ﴿فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون﴾ (٣). هل هذه الجملة حالية أو خبرية؟ (٤).
стр. 109
وهل الاحتمال يصح دليلا للعذر أم لا، لوضوح المحجة وبلوغ الحجة، وعدم فهم الحجة ليس بعذر؟
وكيف شأن المتقدمين على هذه الدعوة النجدية إلى توحيد الإلهية ممن يوجد في كلامه أو أفعاله ما هو شرك جلي، بل وقع بعض ذلك للمصنفين، اللهم إلا أن يقال: إن الدعاء [الذي] (١) ينازع فيه أنه ليس من الشرك الأكبر، وأنه لا إنكار في المختلف فيه، فالاعتقادات العلميات خلاف الظنيات فالمراد من شيخ الأكابر بإسناد الدفاتر، بسط الكلام على الأول من السؤالات، والآخر مع النظر فيما يتفرع على كل جملة، والإفادة بما عليه الجلة في الجملة.
стр. 110
السؤال الثاني
عن الراجح لديكم في مسألة خلق الأفعال حسنها (١) وقبيحها، وخيرها وشرها، هل يكون ذلك لله تعالى اختراعا وإبداعا، ووقوعا وارتفاعا؟، لعموم الآيات في ذلك، وشمول الأحاديث فيما هنالك، خصوصا ما في صحيح مسلم (٢) في ذلك مما يطول سرده، بل في جواب سؤال جبريل أعظم دليل.