[في إثبات الوصية لعلى]
(وأما البحث الثاني): فأخرج أحمد بن حنبل (١) عن أنس أن النبي ﵌ قال: " وصي ووارثي، ومنجز وعدي على بن أبي طالب " وأخرج أحمد (٢) من حديثه قال قلنا لسلمان: سل رسول الله ﵌ من وصيه؟ قال سلمان: يا رسول الله، من وصيك؟ قال: " يا سلمان من كان وصي موسى؟ " قال: يوشع بن نون، قال: فإن وصي، ووارثي، ويقضي ديني، وينجز موعدي على بن أبي طالب، وأخرج الحافظ أبو القاسم البغوي في معجم الصحابة (٣) عن بريدة قال: قال رسول الله ﵌ " لكل نبي وصي ووارث،
стр. 807
وإن عليا وصي ووارثي "، وأخرج ابن جرير (١) عن على ﵇ قال: قال رسول الله ﵌: " يا برش عبد المطلب إني قد جئتكم بخيري الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه، فأيكم يؤازرني على هذا الأمر، على أن يكون أخي، ووصي، وخليفتي فيكم؟ " قال: فأحجم القوم عنها جميعا، وقلت أنا: يا نبي الله، أكون وزيرك عليه؟ فأخذ برقبتي ثم قال: " هذا أخي، ووصيي، وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا ".
وأخرج محمد بن يوسف الكنجي الشافعي في. . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 808
مناقبه (١) من حديث ذكره بسند متصل برسول الله- ﵌، وفيه في وصف علي- ﵇ ووعاء علمي، ووصيي.
وأخرج أيضًا (٢) عن علي- ﵇ أنه قال: أمرني رسول الله- ﵌ بقتال ثلاثة: الناكثين، والقاسطين، والمارقين.
وأخرج أيضًا (٣) عن جابر أن رسول الله- صلى الله عليه واله وسلم- قال لعلي بن أبي طالب: "سلام عليك يا أبا ريحانتي، أوصيك بريحانتي خيرا" قال: هذا حديث حسن من حديث جعفر بن محمد.
وأخرج الطبراني (٤) عن عمار عنه- ﵌: "ألا أرضيك يا علي؟ أنت أخي، ووزيري، تقضي ديني، وتنجز موعدي، وتبرئ ذمتي" الحديث
стр. 809
بطوله. وأخرج نحوه أبو يعلى (١)، وأخرج البزار (٢) عن أنس مرفوعا: علي يقضي ديني، وروي بكسر الدال، وأخرج ابن مردويه (٣) والديلمي (٤) عن سلمان الفارسي مرفوعا: على بن أبي طالب ينجز عداتي، ويقضى ديني. وأخرج الديلمى (٥) عن أنس مرفوعًا يا على أنت تبين للناس ما يختلفون فيه من بعدي، وأخرج أبو نعيم في الحلية (٦)، والكنجي في المناقب من حديث طويل، وفيه وقائد الغر المحجلين، وخاتم الوصيين، وأخرج العلامة إبراهيم بن محمد الصنعاني في كتابه: إشراق الإصباح (٧) عن محمد بن على
стр. 810
الباقر، عن آبائه، عنه ﵌ من حديث طويل، وفيه: وهو - يعني عليا - وصيي، ووليي. قال المحب الطبري (١) بعد أن ذكر حديث الوصية إلي على ﵇: والوصية محمولة على ما رواه أنس من قوله ﷺ وصي، ووارثي يقضي ديني، وينجز موعدي على بن أبي طالب.
أو على ما أخرجه ابن السراج (٢) من قوله ﵌ يا على، أوصيك بالعرب خيرا.
أو على ما رواه حسين بن على ﵇ عن أبيه، عن جده قال: أوصى رسول الله ﵌ عليا أن يغسله، فقال: يا رسول الله، أخشى أن لا أطيق، قال: إنك ستعان عليه (٣)، انتهى.
والحامل له على هذا الحمل حديث عائشة السالف، والواجب علينا الإيمان بأنه ﵇ وصى رسول الله ﵌، ولا يلزمنا التعرض للتفاصيل الموصي ها، فقد ثبت أنه أميره بقتال الناكثين (٤)، والقاسطين والمارقين، وعين له علاماتهم، وأودعه جملا من العلوم، وأميره بأمور خاصة كما سلف، فجعل الموصي
стр. 811
بها فردا منها ليس من دأب المنصفين، وأورد بعضهم - على القائلين [٣] بأن عليا ﵇ وصى رسول الله - سؤالا فقال: إن كانت الوصاية إخباره. بما لم يخبر به غيره من الملاحم ونحوها فقد شاركه في ذلك حذيفة (١) ﵁، فإنه خصه رسول الله ﵌. بمعرفة المنافقين، واختصه بعلم الفتن، وأن حملت على الوصاية بالعرب كما ذكر الطبري (٢) فقد أوصى ﵌ المهاجرين بالأنصار، وأوصى أصحابه بأصحابه. وأنت تعلم أنا لم نقصر على الإخبار ولا على الوصية بالعرب، ولم نتعرض للتفضيل، بل قال رسول الله ﵌: إنه وصيه، فقلنا: إنه وصيه، فلا يرد علينا شيء من ذلك.
(تنبيه): أعلم أن جماعة من المتعصبين على الشيعة عدوا قولهم أن عليا ﵇ وصي لرسول الله من خرافاتهم، وهذا إفراط وتعنت يأباه الإنصاف، وكيف يكون الأمير كذلك وقد قال بذلك جماعة من الصحابة كما ثبت في الصحيحين (٣) أن جماعة على ذكروا عند عائشة أن عليا وصي، وكما ثبت في غيرهما. واشتهر الخلاف بينهم في المسألة، وسارت به الركبان، ولعلهم تلقنوا قول عائشة في أوائل الطلب، وكبر في صدورهم حتى ظنوه مكتوبا في اللوح المحفوظ، وسدوا آذاكم عن سماع ما عداه، وجعلوه كالدليل القاطع، وهكذا فليكن الإعتساف والتنكب عن مسالك الإنصاف، وليس هذا بغريب بين أرباب المذاهب، فإن كل طائفة في الغالب لا تقيم لصاحبتها وزنا، ولا تفتح لدليلها، وإن كان في أعلى رتبة الصحة إذنا إلا من عصم الله، وقليل ما هم. وقد اكتفينا هذا المقدار من الأدلة الدالة على المراد، وإن كان المقام محتملا للإكثار، ولكثير الأخبار والآثار، فمن رام الاستيفاء فليراجع الكتب المصنفة في مناقب
стр. 812
علي (١) ﵇.
حرره المجيب - غفر الله له - محمد بن على الشوكاني في اليوم التاسع والعشرين من شهر شعبان سنة اثنتي عشر وخمس وهو تاريخ كتب هذه النسخة من خط المؤلف وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليما وحسبنا الله وكفى ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله (٢)
стр. 813
(٢٤) ١٠/ ٣
الصوارم الحداد القاطعة لعلائق مقالات أرباب الاتحاد
تأليف
محمد بن علي الشوكاني
حققته وعلق عليه وخرجت أحاديثه
محفوظة بنت علي شرف الدين
أم الحسن
стр. 814
وصف المخطوط
١ - عنوان الرسالة: الصوارم الحداد القاطعة لعلائق مقالات أرباب الاتحاد.
٢ - موضوع الرسالة: نقد لآراء وأقوال ورجال الاتحادية المارقة.
٣ - أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم، حمدا لك يا من تنزه عن مجانسة المخلوقات، وتميز بذاته عن جميع الذوات المحدثات. . . . . .
٤ - آخر الرسالة:. . . . فلا أزيدك على ذلك، ولنقتصر على هذا المقدار فإن داء لا يشفيه هذا الدواء، لداء عضال وسما لا يبرى من تلهبه هذا الترياق، لسم قتال. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم. . . . . .
٥ - عدد الصفحات: ٣١ صفحة + صفحة العنوان.
٦ - عدد الأسطر في الصفحة: ٢٢ - ٢٤ سطرا.
٧ - عدد الكلمات في السطر: ١١ - ١٣ كلمة.
٨ - الناسخ: المؤلف: محمد بن على الشوكاني.
٩ - تاريخ النسخ: ٢٢/ رجب/١٢٠٥ هـ.
١٠ - وجدت تحت عنوان الرسالة في المخطوط ما يفيد توبة الإمام محمد بن علي الشوكاني عما حرره في هذه الرسالة. . . . . .
فأقول إن هذا الكلام المدون على غلاف الرسالة افتراء على هذا الإمام صاحب العقيدة السلفية. لأسباب كثيرة: أهمها:
أ- الخط الذي كتبت فيه التوبة ليس خط الإمام الشوكاني يفينا، فقد جهل الكاتب أن الرسالة كتبت عام ١٢٠٥هـ وتمت التوبة كما زعم عام ١٢٤٥ هـ. فقلد خط الشوكاني في العام الذي كتبت فيه الرسالة، ونسي أن خط الإمام بعد أربعين عاما قد تغير كما هو واضح لمن تتبع خطه في هذا التاريخ والله أعلم.
стр. 815
ب - نقل الإمام الشوكاني نصوصا صريحة مكفرة من كتب القوم ولا يمكن التوبة منها إلا لأصحابها.
ج- كلام الأئمة والعلماء كابن تيميه، وابن فيم الجوزية، والعز بن عبد السلام، وبدر الدين بن جماعة، والبلقيني، وابن حجر، وصالح بن مهدي المقبلي وغيرهم، موافق لما قاله الإمام الشوكاني في بيان كفر القوم كل ما تقدم وغيره يثبت زور ما وجد على غلاف الرسالة المخطوطة.
انظر (ص ١٠٢٤ - ١٠٣٥).
стр. 816
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[خطبة المؤلف]
حمدا لك يا من تنزه عن مجانسة المخلوقات، وتميز بذاته عن جميع الذوات المحدثات، وصلاة وسلاما على رسولك المأمور بتبليغ الشرائع الحاسم. بمرهم ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ. . . .﴾ (١) كل ما يزخرفه المبطلون من الذرائع، وعلى آله الذين مشوا على صراطه المستقيم وتمسكوا عند ظهور البدع المظلة هدية القويم.
وبعد:
فإنه كتب إلي سيدي السيد السند العلامة الأوحد ترجمان النبيان نبراس الزمان زينة الأوان (القاسم بن أحمد لقمان) (٢) - حفظه الله عن طوارق الحدثان - هذه الأبيات الفائقة الرائقه متوجعا ها من غلاة الصوفيه (٣) وسائلا عن حكم من كرع منهم في تلك
стр. 817
المشارب الوبية وقد أوردت نثره ونظمه بحروفه، قال - طول الله بدنه وحرس مهجته - ما لفظه:
[نص السؤال]
حرس الله سماه المفاخر بحماية بدرها الزاهر وأتحف روضها الناظر بكلاية غشها الهامي الهامير وأهدى إليه تحية عطرة وبركة خضرة نظرة ما سمحت.
أقلام الكتبة مفارق المحابر ورتعت أبصار الطلبة في حدائق الدفاتر صدرت هذه الأبيات في غاية القصور أقيلوا عثارها إن كان لكم عليها عثور تستمنح منكم الفرائد - وتستمد منكم الفوائد أوجب تحريرها أن ذكر عند بعض الأماثل جماعه المتصوفة فأثنى عليهم وأطنب
стр. 818
وأطرى وأطرب واستشهد بي، فقلت. مموجا قوله مستثنيا منهم مثل الحلاج (١) وابن عربي (٢) ومن يساويهما فأصروا واستكبروا وأبدوا قولا يستنكر، فجرى بيننا خلاف مفرط فأحكم بيننا بالحق ولا تشطط.
والأبيات [١].
стр. 819
[قصيدة السائل]
أعن العذول يطيق يكتم ما به ... والجفن يغرق في خليج سحابه
جازت ركايبه الحمى فتعفقت ... أحشاؤه بشعابه وهضابه
نفذ الزمان وما نفذن مسائلي ... في الحب والتنفير عن أربابه
فركضت في ميدانه وكرعت من ... غدرانه وركعت في محرابه
وسألت عن تحفيقه وبحثت عن ... تحقيقه وكشفت عن أسبابه
فوجدت أخبار الغرام كواذبا ... في أكثر الفتيان من طلابه
ولقل ما تلقى أميرء متصوفا ... ينحو طريق الحب من أبوابه
فيميت من شهواته لحياته ... ويرد فضل ذهابه لإيابه
يجد الخطيئة كالقذاة لعينة ... فرمى ها في الدمع عن تسكابه
أخذ الطريقة بالحقيقة سالكا ... نهج النبي قد اقتدى بصوابه
تمضي به اللحظات وهو محاسب ... للنفس قبل وقوفه لحسابه
هذي الطريقة للمريد مبلغ ... مخ التصوف وهى لب لبابه
وجماعة رقصوا على أوتارهم ... يتجاذبون الخمر عن أكوابه
يتواجدون لكل أحوى أحور ... يتعللون من الهوى برضا به
ألوحدة جعلوا المثاني مؤنسا ... واللحن عند الذكر من إعرابه
أصحاب أحوال تعدوا طورهم ... فتنكروا في الحال عن أحزابه
زجروا مطاياهم إليه وإنما ... نكص الغرام بهم على أعقابه
دعواك معرفة الغيوب سفاهة ... والشرع قاض والنهى بكذابه
فمن المحال ترى المهامه تنطوي ... لمشعبذ من دون وخد ركابه
وخرافة بشر يرى متشكلا ... متمكنا من لبس غير إهابه
رجحت نهاى فلا اصدق ما سوى ... رسل المليك وترجمان كتابه
стр. 820
فدع التصوف واثقا بحقيقة ... واحرص ولا يغررك لمع سرابه
[٢] للقوم تعبير به يصبي النهى ... طربا ويثني الصب عن أحبابه
فيرون حق الغير غير محرم ... بل يزعمون بأنهم أولى به
لبسوا المدارع واستراحوا جرأة ... عن أمير باريهم وعن إيجابه
خرجوا عن الإسلام ثم تمسكوا ... بتصوف فتستروا بحجابه
فأولئك القوم الذين جهادهم ... فرض فلا يعدوك نيل ثوابه
وإذا أرابك ما أقول فسل به ... من عنده في الحكم فصل خطابه
علامة المعقول والمنقول من ... حكمت له العليا على أترابه
فذ الزمان وتوءم المجد الذي ... ساد الأكابر في أوان شبابه
بدر الهدى النظار سله مقبلا ... كفية ملتمسا لرد جوابه
فمحمد بن على بن محمد ... مني ومنك محقق أدرى به
سله زكاة الاجتهاد فإنه ... ... إن صح فقرك محرز لنصابه
انتهى
[جواب الإمام الشوكاني]
وأقول: سبحان الفاتح المانح الواهب هذا الشريف من فنون البلاغة، المتجر الرابح، وقد آن أن أشرع في الجواب عليه امتثالا لمرسومه، وقد نظمت هذه القصيدة على منوال قصيدته في الروي والتيافية وأما في البلاغة والجزالة والانسجام والإبداع. فالفرق مثل الصبح ظاهر وأن ما أنا فيه من الأشغال المتكاثفة بالدرس والتدريس والإفتاء والتأليف لمن أعظم الموانع العائقة لصاحبها عن اللحاق بالمجيدين في صناعة النظم والنثر لا سيما وهذه الأبيات التي أجبت ها بنت ساعة من فار فأقول مستعينا بالله متكلا عليه:
هذا العقيق فقف على أبوابه ... متمايلا طربا لوصل عرابه
يا طالما قد جبت كل تنوفة ... مغبرة ترجو لقا أربابه
стр. 821
وقطعت أنساع الرواحل معربا ... في كل حي جئته بطلابه
[٣] حتى غدت غدران دمعك فيضا ... بالسفح في ذا السفح من تسكابه
والعمر وهو أجل ما خولته ... أنفقته في الدور في أدرابه
وعصيت فيه قول كل مفند ... وسددت سمعا عن سماع خطابه
بشراى بعد اليأس وهو خطيبه ... بتبدلي سهل الهوى بصعابه
قد أنجح الله الذي أملته ... ... وكدحت فيه لنيل لب لبابه
وهجرت فيه ملاعبي وليت ... فيه متاعي ومنيت من أوصابه
وشربت كاسات الفراق وقد غدت ... ممزوجة بزعافه وبصابه
وبذلت للهادي إليه- نفائسي ... ومنحته منى بحبك وطابه
فحططت رحلي بين سكان الحمى ... وأنخته في مخصبات شعابه
وشفيت نفسي بعد طول عنائها ... في قطع حزن فلاته وهضابه
ووضعت عن عنقي عصا الترحال ... لا أخشى العذول ولا قبيح عتابه
فأنا ولا فخر الخبير بأرضه ... وأنا العروف بشامخات عقابه
وأنا العليم بكل ما في سوحه ... وأنا المترجم عن خفي جوابه
يا ابن الرسول وعالم المعقول ... والمنقول أنت ممثل ذا أدرى به
لا تسألن عن العقيق فإنها ... قد ذلك لك جامحات
ركابه وكرعت في تلك المناهل برهة ... وشربت صفوا الورد من أربابه
وقعدت في عرصاته متمايلا ... متبسما نشوان من إطرابه
واسلم ودم أنت المعد لمعضل ... أعنا الورى يوما بكشف نقابه
وخذ الجواب فما به خطل ولا ... عصبية قدحت بعين صوابه
سكانه صنفان صنف قد غدا ... متجردا للحب بين صحابه [٤]
قد طلق الدنيا فليس بضارع ... يوما لنيل طعامه وشرابه
يمشي على سنن الرسول مفوضا ... للأمير لا يلوي للمع سرابه
стр. 822
يرضى بميسور من الدنيا ولا ... يغتم عند نفارها عن بابه
متقلل منها تقال مؤقن ... ... بدروس رونقها وقرب ذهابه
متزهدا فيما يزول مزايلا ... إدراك ما يبقى عظيم ثوابه
جعل الشعار له محبة ربه ... وثنى عنان الحب عن أحبابه
أكرم هذا الصنف من سكانه ... أحبب هذا الجنس من أحزابه
فهم الذين أصابوا الغرض الذي ... هو لا يرا في الدين لب لبابه
ولكم مشى هذي الطريقة صاحب ... لمحمد فمشوا على أعقابه
فيها الغفاري (١) قد أناخ مطية ... ومشى بها القرني (٢) بسبق ركابه
وبها فضيل (٣) والجنيد (٤) تجاذبا ... كأس الهوى وتعللا برضابه
وكذاك بشر (٥) وابن ادهم (٦) أسرعا ... مشيا به والكينعي (٧) مشى به
أما الذين غدوا على أوتارهم ... يتجاذبون الخمر في أكوابه
ولوحدة جعلوا المثاني مؤنسا ... واللحن عند الذكر من إعرابه
ويرون حق الغير غير محرم ... بل يزعمون بأنهم أولى به
فهم الذين تلاعبوا بين الورى ... بالدين وانتدبوا لقصد خرابه
قد نهج الحلاج (٨) طرق ضلالهم ... وكذاك محيي الدين (٩) لا حيابه ٨٠٣ م.
стр. 823
وكذاك فأرضهم (١) بتائياته ... فرض الضلال عليهم ودعابه
وكذا ابن سبعين (٢) المهن فقد غدا ... متطورا في جهله ولعا به
وكذلك الجيلي (٣) أجال جواده ... في ذلك الميدان ثم سعى به
رام النبوة لا لعا لعثوره ... روم الذباب مصيره كعقابه
إنسانه إنسان عين الكفر لا ... يرتاب فيه سابح بعبابه
والتلمساني (٤) قال قد حلت له ... كل الفروج فخذ بذا وكفى به
نهقوا بوحدتهم على رؤوس الملا ... ومن المقال آلوا بعين كذابه [٥]
إن صح ما نقل الأئمة عنهم ... فالكفر ضربة لازب لصحابه
لا كفر في الدنيا على كل الورى ... إن كان هذا القول دون نصابه
قد ألزمونا إن ندين بكفرهم ... والكفر شر الخلق من يرضى به
فدع التعسف في التأول لا تكن ... كفتى يغطى جيفة بثيابه
قد صرحوا أن الذي يبغونه ... هو ظاهر الأمير الذي قلنا به
هذي فتوحات المشؤوم شواهد ... أن المراد له نصوص كتابه (٥)
[نقد لمن ينخدع هؤلاء المخذولين]
ولما فرغت من نظم هذه الأبيات قلت: ربما وقفص عليها بعض من فت في عضد
стр. 824
إيمانه هيمنة هؤلاء المخذولين كما نراه في كثير من أهل عصرنا الذين نفقت عنده تلبيسات هؤلاء الشياطين، فقال شيطانه: ما بال هذا المحجوب يتكلم في أولياء الله تعالي ويتعاطى كؤوس شرابهم الصافي الذي لا يعرفه مثله كما قال قائلهم: من ذاق طعم شراب القوم يدريه ولولا مرارة فمه لما تغير عنده طعمه:
ومن يك ذا فم مر مريض ... يجد مرا به الماء الزلالا
وإنما يعرف الصناعة أهلها ويتمتع بمحاسن الحسناء بعلها لا من عمي عن أسرار تلك الإشارات وقصر عن فهم تلك العبارات.
فوا محنة الحسناء تقاد إلي امرئ ... ضرير وعنين عن الوجد خاليا
فمالك والتلدد حول نجد أيها المسكين أما كان لك أسوة. ممن تأول تلك المقالات من العلماء الهادين وناضل عن مشكلات تلك الإشارات من الأئمة الراسخين.
دع عنك تعنيفى وذق طعم الهوى ... فإذا عشقت فبعد ذلك عنف
وكيف ترى ليلى بعين ترى بها ... سواها وما طهرتها بالمدامع
ويلتذ منها بالحديث وقد جرى ... حديث سواها في خروق المسامع
وأقول أيها المخدوع:
ما أنت أول سار غره قمر ... ورائد أعجبته خضره الدمن (١)
لعلك سمعت الناس يقولون شيئا فقلته، ولو كنت كما قيل:
стр. 825
وإنما رجل الدنيا وواحدها ... من لا يعول في الدنيا على رجل
لما استربت في هذا الحديث [٦] ولا نشبت بجسمك مخالب كل مخاتل خبيث، وقد آن أن نبين لك ما أنت عليه من الاغترار ونعرفك ببعض البعض من فيق هؤلاء الأشرار.
فكن رجلا رجله في الثرى ... وهامة همته في الثريا
وإياك أن تكون كما قال من حقت عليه كلمة الضلال:
وما أنا إلا من غزية إن غوت ... غويت وإن ترشد غزية أرشد (١)
فاعلم أولا أن أصحابك الذين تجادل عنهم وتناضل، مصرحون في كتبهم تصريحا لا يرتاب فيه مقصر ولا كامل. أن من تمام إيمان العلماء، الحكم عليهم بالكفر والزندقة (٢) والإفتاء بسفك دمائهم حتى قال قائلهم:
قال بعض السادة القادة لا يبلغ إنسان درجة الحقيقة حتى يشهد عليه ألف صديق أنه زنديق.
فهل تراه يليق. ممثلك أن يسترسل في عتاب من طلب تمام إيمانه، ورجا البلوغ إلي درجة الصديقين بتكفير من يجعل من تمام الإيمان التصريح بتكفيره فما أولاك وأحقك بشكر من حكم على أصحابك بالكفر والزندقة وأفتى بسفك دمائهم لأنه قد تم بذلك
стр. 826
إيمانه وصار عند مشائخك من الصديقين وهذا أول غلط صدر منك في المحاماة عن أعراضهم، وهانحن قد نبهناك عليه فخذ به أودع.
ثم اعلم ثانيًا: أن قولك: إنهم يريدون خلاف الطاهر في كلامهم كذب بحت وجهل مركب فإنهم مصرحون بأنهم لا يريدون إلا ما قضى به الظاهر.
هذا الإمام السخاوي في " القول المبني " عن ترجمة ابن عربي قال: إنه صرح في الفتوحات إن كلامه على ظاهره، وقال أيضًا في الضوء اللامع (١) في ترجمة العلامة حسين بن عبد الرحمن الأهدل: قال: وقيل لي عنه: أنه قال:- يعني ابن عربي- إن كلامي على ظاهره وإن مرادي منه ظاهره فكيف تزعم أيها المغرور أنه لا يريد ما يدل عليه ظاهر كلامه وهذا نصه. وكلامه في فتوحاته (٢) وفصوصه (٣) كلام عربي لا عجمي، وكذلك ص م غيره من أهل نحلته. فكيف لا يفهم ظاهرة علماء الشريعة وهذا غلط ثان من أغاليطك ننبهك عليه.
стр. 827
فإن قلت: نسلك به طريق التأويل [٧] وإن وقع التصريح بأن المراد به الظاهر فلا تخص التأويل بكلام أصحابك واطرده في كلام اليهود والنصارى وسائر المشركين كما وفعله ابن عربي وأتباعه على ما سنبينه لك وقد أجمع المسلمون أنه لا يؤول إلا كلام المعصوم مقيدا بعدم المانع منه. والتصريح بأن المراد بالكلام ظاهره يمنع تأويل كلام المعصوم، فكيف يؤول كلام ابن عربي بعد تصريحه بذلك فانظر يا مسكين ما صنع بك الجهل وإلى أي محل بلغ بك حب هؤلاء، والله ﷻ قد حكم على النصارى بالكفر بقولهم: هو (١) ثالث ثلاثة فكيف لا نحكم على هؤلاء. مما يقتضيه قولهم.
ثم اسمع بعد هذا ما نمليه عليك من كرامات هؤلاء الأولياء الذين تلاعبوا بدين الله أما الحلاج (٢) فهو الفاتح لباب الوحدة الذي شغل ها ابن عربي وأهل نحلته عمره ومقدم القافلة في هذه المقالة الكفرية ولكنه وجد بعصر في أهله بقية خير وحمية على الدين فقطعوا أوصاله الخبيثة بصوارم الإسلام، ومزقوا من استهواهم بشعابذه كل ممزق فجزاهم
стр. 828
الله خيرًا.
ومن كلامه في الوحدة الذي ما خدع إبليس أحدا من الكفرة. ممثلها فيما نقله عنه الصوفي الكبير عبد الله (١) بن أسعد اليافعي في كتابه " مرآة الجنان (٢) وعبر اليقظان " الذي قال في أخره أنه لا يجيز روايته لقارئه إلا بشرط اعتقاده في الصوفة ما لفظه: أنا الحق وما في الجبة إلا الله. وهذه الألفاظ قد رواها عنه الناس ولكنا اقتصرنا على التصريح برواية هذا الصوفي لتكون أقطع وأنفع لمن رسخت في قلبه محبته ... وقال شيخ الصوفية ورئيسهم بإجماعهم عبد القادر الجيلاني (٣) فيما رواه عنه اليافعي المذكور من كلامه في
стр. 829
الحلاج (١) ما لفظه: طلب ما هو أعز من وجود النار في قعر البحار، تلفت بعين عقله فما شاهد سوى الآثار، فكر فلم يجد في الدارين سوى محبوبة، فطرب، فقال بلسان سكر قلبه: أنا الحق [٨] ترنم بلحن غير معهود من البشر، صفر في روضة الوجود صفيرا لا يليق ببني ادم، لحن بصوته لحنا عرضه لحتفه ... انتهى.
ومن كلامه فيه بتلك الرواية ظهر عليه عقاب الملك من مكمن إن الله لغني عن العالمين انتهى.
وعلى الجملة فحال هذا المخذول أوضح من الشمس والاستكثار من هذيانه تضييع للوقت وشغلة للخير، ولو لم يكن من قبائحه إلا ما رواه عنه شيخ الصوفية أبو القاسم القشيري (٢) في رسالته: أن عمر بن عثمان دخل عليه وهو بمكة وهو يكتب شيئا في أوراق فقال له: ما هذا؟
فقال: هو ذا أعارض القرآن. قال: فدعا عليه فلم يفلح بعدها. لكان كافيا في معرفة حاله والذي يغلب به ظني أن الرجل بعد انسلاخه عن الدين اشتغل بطلب العلو لدنيوي كما يومي إليه قوله:
فلي نفس ستتلف أو سترقى ... لعمر الله في أمر جسيم
وقد أصدق الله تفرسه فأتلف نفسه بسيوف دينه وأرقاه إلى الخشبة التي صلب عليها فجمع له بين شقي الترديد الواقع في كلامه ومن شعره المشعر. مما ذكرت لك وهو مصلوب على الخشبة قوله:
стр. 830
طلبت المستقر بكل أرض ... فلم أر لي بأرض مستقرا
أطعت مطامعي فاستعبدتني ... ولو أني قنعت لكنت حرا
وقد ترجم له الحافظ الذهبي (١) فقال: الحسن بن منصور الحلاج المقتول على الزندقة وما روى ولله الحمد شيئا من العلم وكان له بداية وتأله وتصوف ثم انسلخ من الدين وتعلم السحر وأراهم المخاريق وأباح العلماء دمه. انتهى.
ومن كرامات هذا الولي ما رواه ابن. كثير في تاريخه (٢) بلفظ: روى بعضهم. قال: كنت أسمع أن الحلاج له أحوال وكرامات فأحببت أن أختبر ذلك فجئته فسلمت عليه فقال لي: تشه علي الساعة شيئا فقلت: أشتهى سمكا طريا فدخل منزله فغاب ساعة ثم خرج علي [٩] ومعه سمكة تضطرب ورجلاه عليها الطين. فقال: دعوت الله فأمرني أن آتي البطائح لآتيك هذه السمكة فخضت الأهواز وهذا الطين فيها، فقلت: إن شئت أدخلتني منزلك ليقوى يقيني بذلك فإن ظهرت على شيء وإلا آمنت بك. فقال: أدخل فدخلت، فغلق على الباب وجلس يراني، فدرت البيت فلم أجد فيه منفذا إلى غيره فتحيرت في أمره، ثم نظرت فإذا أنا بزير فكشفته فإذا فيه منفذ فدخلته فأفضى بي إلى بستان هائل فيه من سائر الثمار الجديدة والعتيقة، وإذا أشياء كثيرة معدودة للأكل، وإذا هناك بركة كبيرة فيها سمك كثير صغار وكبار. فدخلتها فأخرجت منها واحدة فنال رجل من الطين مثل الذي نال رجليه فجئت إلى الباب فقلت: افتح فقد آمنت بك فلما رآني على مثل حاله أسرع خلفي جريا يريد أن يقتلني فضربته بالسمك في وجهه، وقلت: يا عدو الله أتعبتني في هذا اليوم، ولما خلصت منه لقيني بعد أيام فضاحكني وقال: لا تفش ما رأيت لأحد، أبعث إليك من يقتلك على فراشك، قال: فعرفت أنه يفعل إن أفشيت عليه فلم أحدث به أحدا حتى صلب ... ا هـ.
стр. 831
وأما ابن الفارض (١) وابن عربي (٢) وابن سبعين (٣) والتلمساني (٤) وأتباعهم فاعلم أنها قد جمعتهم خصلة كفرية هي القول بوحدة الوجود مع ما تفرق فيهم من خصال الخذلان والبلايا البالغة إلى حد ليس فوقه أشنع منه كتحليل ابن عربي لجميع الفروج، كما صرح بذلك الإمام ابن عبد السلام عند قدومه إلى القاهرة لما سألوه عن ابن عربي، فقال هو شيخ سوء يقول بقدم العالم ولا يحرم فرجا ... انتهى.
وكما رواه الإمام ابن تيمية (٥) عن ابن التلمساني أنه قال وقد قرئ عليه الفصوص وقيل له: هذا كله يخالف القرآن، فقال: القرآن كله شرك وإنما التوحيد قولنا. وقيل
стр. 832
له: فما الفرق بين أختي وزوجتي فقال: لا فرف عندنا، قالوا: حرام فقلنا: حرام عليكم.
وقال ابن تيمية أيضًا في كتابه منهاج (١) السنة: إن ابن سبعين [١٠] جاء من المغرب إلى مكة وكان يطلب أن يصير نبيا، وكان يقول لقد زرت ابن آمنة الذي يقول لا نني بعدي وكان بارعا في الفلسفة وفي تصوف الفلسفة. فإن قلت: ما هذه الوحدة التي جعلتها من أعظم خصال الكفر؟ قلت: هي قولهم: أن الله سبحانه حقيقة كل موجود من جسم وعرض ومخيل وموهوم تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، ولهذا فرعوا على هذه المقالة الملعونة فروعا كفرية منها تصويب عبدة الأوثان، ومنها تخطئة الأنبياء في الإنكار عليهم، ومنها عدم صحة لا إله إلا الله كما صرح بذلك ابن عربي، قال: لأن الاستثناء يستلزم التعدد ولا تعدد قال ابن تيمية (٢): ولهذا كان يقول ابن سبعين وأصحابه في ذكرهم: ليس إلا الله وكان يسميهم الشيخ قطب الدين ابن القسطلاني (٣) الليسية ويحذر منهم، وإلى هذا الأصل ترجع كلماتهم المستبشعة ودعاويهم المتنوعة، كقول قائلهم: خضت بحرا وقف الأنبياء بساحله، أسرجت وألجمت وطفت في أقطار البسيطة، ثم ناديت هل من مبارز فلم يخرج إلي أحد، لو تحركت نملة سوداء فوق صخرة صماء في ليلة ظلماء في أقصى الصين ولم أسمعها لقلت أني مخدوع واستدرك عليه الآخر فقال: وكيف أقول لم أسمعها وأنا محركها.
وقال قائلهم: ما الجنة هل هي إلا لعبة صبيان، لأستئذن غدًا إلى النار وأقول:
стр. 833
أجعلني فدى أهلها أو لأبلعنها. هب لي هؤلاء اليهود ما هم حتى تعذبهم، سبحاني ما أعظم شأني. أنا الحق.
ونحو هذه العبارات التي نستغفر الله من رحمها، ولولا أن حكاية الكفر لا تكون كفرا لما حل حكاية فيق هؤلاء المخذولين والاشتغال بإبطال هذه المقالة التي اخترعتها الاتحادية (١) بالأدلة العقلية والنقلية لا يحتاج إليه من عرف سورة من كتاب الله. لان القرآن كفه مصرح بخلافها.
هذه فاتحة الكتاب قد اشتملت على أكثر من عشرة أدلة مبطلة لهذه المقالة؟ لأن الله ﷻ قد أثبت فيها حامدا ومحمودا وربا ومربوبا وراحما ومرحوما [١١] ومالكا ومملوكا وعابدا ومعبودا ومستعينا ومستعانا به وهاديا ومهديا ومنعما ومنعما عليه وغاضبا ومغضوبا عليه وغير ذلك. وقد تنزهت الملل الكفرية عن مثل هذه المقالة يهودهم ونصاراهم ومشركوهم، أما اليهود فهو معلوم من دينهم بالضرورة ﴿قالوا يا موسى ادع لنا ربك﴾ (٢) ﴿قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين﴾ (٣)، وكذلك النصارى ﴿قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء﴾ (٤)، والمشركون ﴿ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله﴾ (٥)
стр. 834
فاليهود قد أثبتوا راحما ومرحوما وعابدا ومعبودا والنصارى أثبتوا منزلا ومنزلا عليه، والمشركون أثبتوا خالقا ومخلوقا، والقرآن مشحون. ممثل هذا في الحكايات عن الملل المختلفة بل هذه الجن قالت: ﴿وأنه تعلى جد ربنا ما اتخذ صحبة ولا ولدا﴾ (١). وهذه الملائكة تقول: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك﴾ (٢)، فأثبتوا جاعلا ومجعولا ومفسدا ومفسدا فيه مسبحا ومسبحا ومقدسا ومقدسا.
فإن قلت:. مما صح لديك صدور هذه المقالة عنهم حتى ترتب عليها ما ذكرت؟ قلت: قد أسفر الصبح لذي عينين هذا أمر لا يشمك فيه من له أدنى إلمام بكتب القوم. هذه الفتوحات والفصوص لابن عربي (٣) قد اشتهرا في الأقطار اشتهار النهار وهما عند من نظر بعين الإنصاف مشحونان هذه المقالة وتشييدها وتوضيحها والاستدلال لها حتى كأنهما لم يؤلفا لغرض من الأغراض سوى هذا الغرض. وهذا الإنسان الكامل لعبد الكريم الجيلى (٤) إتحاد محض. وهذه تائية ابن الفارض (٥) وخمرياته. وهذه كتب سائر أهل هذه المقالة.
وهبك تقول: هذا الصبح ليل ... أيعمى المبصرون عن الضياء
فإن قلت: ابن لي هذه الدعوى وبرهن عليها برهان أجلى من هذا فإن الإحالة على مؤلفاتهم لا تغنيني .. قلت [١٢]: اسمع ما نمليه عليك من هذه الخرافات الكفرية
стр. 835
ونستغفر الله ..
قال ابن عربي لا ﵀ في خطبة فتوحاته المكية ما لفظه: إن خاطب عبده فهو المسمع السميع وإن فعل ما أمر بفعله فهو المطاع المطيع، ولما حيرتني هذه الحقيقة أنشدت على علم الطريقة للخليقة:
الرب حق والعبد حق ... يا ليت شعري من المكلف
إن قلت عبد فذاك نفي ... أو قلت رب أنى يكلف
فهو سبحانه يطيع نفسه إذا شاء بخلقه وينصب نفسه. مما تعين عليه من واجب حقه فليس إلا الأشباح خالية على عروشها خاوية وفي ترجيع الصدى سر ما أشرنا إليه لمن اهتدى. ومن ذلك في أوائل الفتوحات أيضًا في القصيدة الطويلة.
قالوا لقد ألحقتنا بإلهنا ... في الذات والأوصاف والأسماء
فبأي معنى تعرف الحق الذي ... سواك خلقا في دجى الأحشاء
قلنا صدقت وهل عرفت محققا ... من موجد الكون الأعم سوائي
فإذا مدحت فإنما اثني على ... نفسي فنفسي عين ذات ثنائي
وقوله في الباب العاشر منه:
انظر الحق في الوجود تراه ... عينه فالبغيض فيه الحبيب
ليس عيني سواه إن كنت تدري ... فهو عين البعيد وهو القريب
إن رأني به فمنه أراه ... أود عاني إليه فهو المجيب
وقوله في الباب التاسع عشر ومائه قي ترك التوكل:
كيف التوكل والأعيان ليس سوى ... عين الموكل لا عين ولا أثر
وقوله في الباب التاسع والعشرين ومائه في ترك المراقبة:
لا تراقب فليس في الكون إلا ... واحد لعين فهو عين الوجود
ويسمى في حالة بإلاه ... ويكنى في حالة بالعبيد
وفي الحادي والثلاثين ومائه في ترك العبودية:
стр. 836
نحن المظاهر والمعبود ظاهرنا ... ومظهر الكون عين الحق فاعتبروا
ولست أعبده إلا بصورته ... فهو الإله الذي في طيه البشر
وقال:
فكان عين وجودي عين صورته ... وحي صحيح فلا يدريه إلا هو
وقوله وقد زعم أن الحق تعالى خاطبه هذا المعنى:
سبكتك في داري لإظهار صورتي ... فسبحانكم مجلي وسبحان سبحانا
فما نظرت عيناك مثلي كاملا ... ولا نظرت عيناي مثلك إنسانا
فلم يبق في الإمكان أكمل منكم ... نصبت على هذا من الشرع برهانا
فأي كمال كان لم يك غيركم ... على كل وجه كان ذلك ما كانا
ظهرت إلى خلقي بصورة آدم ... وقررت هذا في الشرائع إيمانا
فلو كان في الإمكان أكمل منكم ... لكان وجود النقص في إذا كانا
لأنك مخصوص بصورة حضرتي ... وأكمل منا ما يكون فقد بانا
[١٣] فهذه نبذة من نظم المخذول فإن كانت لا تغنيك ولا أغناك الله فاسمع ما هو أوضح من ذلك من نثره.
قال في الباب السادس والثلاثين من الفتوحات: ولهذا لما سأل الله عيسى، فقال له: ﴿أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك﴾ (١) قدم التنزيه في هذا التشبيه ﴿ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق﴾ (٢) يعني كيف أنسب المغايرة بيني وبينك فأقول لهم اعبدوني من دون الله وأنت عين حقيقتي وذاتي، وأند عين حقيقتك وذاتك فلا مغايرة بيني وبينك. ثم قال ﴿إن كنت قلته﴾ (٣) يعني من نسبة الحقيقة العيسوية أنها الله ﴿فقد علمته﴾ (٤) أني لم أقله إلا على الجمع بين التنزيه والتشبيه وظهور الواحد في الكثرة لكنهم ضلوا. بمفهومهم ولم يكن مفهومهم
стр. 837
مرادي ﴿تعلم ما في نفسي﴾ (١) يعني هل كان ما اعتقده مرادي فيما بلغت ذلك إليهم من ظهور الحقيقة الإلهية أم كان مرادي بخلاف ذلك ﴿ولا أعلم ما في نفسك﴾ (٢) يعني بلغت ذلك إليهم ولا أعلم ما في نفسك من أن تضلهم عن الهدى فلو كنت أعلم ذلك لما بلغت إليهم شيا مما يضلهم ﴿إنك أنت علام الغيوب﴾ (٣) وأنا لا أعلم الغيوب فاعذرني ﴿ما قلت لهم إلا ما أمرتني به﴾ (٤) مما وجدت نفسي فبلغت الأمر ونصحتهم ليجدوا إليك في أنفسهم سبيلا فما ظهرت لهم الحقيقة الإلهية في ذلك ليظهر لهم ما في أنفسهم وما كان قولي لهم إلا ﴿أن اعبدوا الله ربي وربكم﴾ (٥) ولم أخصص نفسي بالحقيقة الإلهية بل أطلقت ذلك في جميعهم فأعلمتهم بأنه كما أنك ربي يعني حقيقتي، إنك ربهم يعني حقيقتهم.
وكان العلم الذي جاء به عيسى زيادة على ما في التوراة هو سر الربوبية والقدرة فأظهره ولهذا كفر قومه لأن إفشاء سر الربوبية كفر. انتهى
انظر عدو الله كيف لم يقنع بتصريحه بالوحدة حتى تلعب بكلام الله هذا التلعب ثم لم يكفيه ذلك حتى جزم بأن إفشاء سر الربوبية كفر وعيسى ﵇ [١٤] قد أفشى سر الربوبية بزعمه فيكون- وصانه الله- كافرا عنده، لأنه ينتظم من شكل هكذا: عيسى مفش لسر الربوبية وكل مفش لسر الربوبية كافر فعيسى كافر. إنا لله وإنا إليه راجعون .. أيها الناس أسدت أسماعكم أم عميت قلوبكم عن فهم مثل هذا الكلام الذي لا يلتبس على أدنى متمسك بنصيب من العقل والفهم حتى جعلتم هذا المخذول من أولياء الله؟ واعلم أنا لم نسمع بأحد قبل ابن عربي بلغ في إفشاء هذا السر الذي جعل إفشاءه كفرا فبلغه حتى ألف في ذلك الكتب المطولة كالفتوحات والفصوص وسننصفه ونحكم عليه بقوله فنقول: ابن عربي مفش لهذا السر وكل مفش لهذا السر كافر فابن عربي كافر.
стр. 838
أما الأولى فإن أنكرتها فهذه كتبه في أيدي الناس تكذبك، وأما الثانية فهذا نصه قد أطلعناك عليه.
وفي الباب الثاني والثلاثين من الفتوحات بعد كلام طويل قال في أخره: ﴿ما قلت لهم إلا ما أمرتني به﴾ (١) على سبيل الاعتذار لقومه يعني أنص المرسل إليهم بذلك الكلام أوله باسم الأب والأم والابن فلما بلغهم كلامك حملوه على ما ظهر لهم من كلامك فلا تلمهم على ذلك؛ لأنهم فيه على ما علموا من كلامك فكان شركهم عين التوحيد لأنهم فعلوا ما عملوا بالإخبار الإلهي في أنفسهم فهم كمثل المجتهد الذي اجتهد وأخطأ فله أجر الاجتهاد ... انتهى.
انظر إلى تصويبه (٢) للنصارى في التثليث وإثباته الأجر لهم أين هو من قول ربك جل وعلا: ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة﴾ (٣) واختر لسك ما شئت. قال في الباب الثالث والأربعين من الفتوحات في ذكر أهل النار: وقد حقت الكلمة أنهم عمار تلك الدار فنجعل الحكم للرحمة التي وسعت كل شيء فأعطاهم في جهنم نعيم المقرور والمحرور لأن نعيم المقرور بوجود النار ونعيم المحرور بوجود الزمهرير فتبقى جهنم على صورتها ذات حرور وزمهرير ويبقى أهلها متنعمين فيها بحرورها وزمهريرها إلى آخر كلامه.
وقال في الباب الرابع والخمسين ومائه: إنهم يتضررون برائحة الجنة ونظم هذا المعنى في الفصوص (٤) فقال:
стр. 839
فإن دخلوا دار الشقاء فإنهم ... على لذة فيها نعيم مباين
نعيم جنان الخلد فالأمر واحد ... وبينهما عند التجلي تباين
يسمى عذابا من عذوبة طعمه ... وذاك له كالقشر والقشر صائن
فأبشروا يا أهل النار بالنعيم الذي بضركم به هذا الولي ولا تراعوا من تخويفات الله ورسوله ها فإن الأمر بالعكس على لسان ابن عربي سيدكم وقائدكم اللهم أسكنه هذه الدار لينال ما وصفه من نعيمها فإنه حقيق به.
وقال في الباب العشرين ومائتين عند ذكره لحديث: كنت سمعه (١) وبصره عرف الحق أن نفسه عين صفاتهم لا صفته فأنت من حيث ذاتك عينك الثابتة التي اتخذها الله مظهرا أظهر نفسه فيها فإنه ما يراه منك إلا بصرك وهو في بصرك فما رآه إلا نفسه قال وكذا جميع صفاته يعني العبد .. انتهى.
ومن كلامه الذي نقله عنه المقبلي في العلم الشامخ (٢) حين ذكر عباد العجل ما لفظه:
إن هارون جهل حقيقة الأمر وفعل به موسى ما فعل لذلك قال: لأن العارف المكمل يرى كل معبود مجلي للحق. قال وأعظم مجلي عبد فيه وأعلاه الهوى كما قال ﴿أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم﴾ (٣) فهو أعظم معبود فإنه لا يعبد شيء إلا به ولا يعبد إلا بذاته فما عبد الله ولا غيره من أنواع المعبودات إلا هوى والذي عنده أدنى تنبه بحار لاتحاد الهوى بل لحدية الهوى فإنه عين واحد في كل عابد فأضفه الله على علم به الحديث الموضوع: " من عرف نفسه فقد عرف ربه ".
والجحيم عندهم: هو ما يغيم على النفس من أوهام الكثرة، فتخدعها عن الحقيقة فتظن المغايرة بين الخلق والحق، وهذا الظن هو الجحيم".
انظر: مصرع التصوف/ برهان الدين البقاعي (ص ٧٥).
стр. 840
أي خيره الله على علم بأن كل عابد ما عبد إلا هواه ولا استعبده إلا هواه سواء صادف الأمر الشرعي أو لم يصادفه وكلهم مجلي للحق وكلهم إله مع احمه الخاص بحجر أو إنسان أو كوكب أو ملك أو فلك ثم مثل عبادة الهوى فيما صادف حكم الشرع بالنكاح بأربع والاستمتاع بالجواري لتعلق الهوى ها فيكون من أمثلة ما لم يصادف الشرع الاستمتاع بغير من ذكر مع قوله أنها أعظم العبادة ولا بأس بالتستر بحكم الوقت ... انتهى.
وأنت لا يخفى عليك مثل هذا النهيق الشيطاني الذي تتضوع منه روائح الزندقة. ومن كلام المخذول (١) في الكلمة المحمديه أن الأمر بالغسل لأن الحق غيور على عبده أن يعتقد أنه يلتذ بغيره قال فلهذا أحب (٢) ﵌ النساء لكمال شهود الحق فيهن إذ لا يشاهد الحق مجردا عن المواد قال: فشهود الحق في النساء أعظم شهود وأكمله وأعظم الوصلة النكاح قال: فمن جاء لامرأته أو لأنثى. بمجرد الالتذاذ ولكن لا يدري. ممن كما قال:
صح عند الناس أني عاشق ... غير أن لم يعلموا عشقي لمن
كذلك هذا أحب الالتذاذ فأحب المحل الذي يكون فيه وهو المرأة [١٦] ولكن غاب عنه روح المسألة فلو علمها لعلم. بمن التذ ومن التذ وكان كاملا. قال ومن شاهد الحق في المرأة كان شهودا في منفعل وهو أعظم الشهود ويكون حبا إلهيا ... انتهى (٣).
стр. 841
هذا نفس خبيث لا تلتلبس إلا على بهيمه فتدبره.
وقال لا رحمة الله في الفصوص (١) كلمة فرعون قال ﴿أنا ربكم الأعلى﴾ (٢) أي وأن الكل أربابا بنسبة ما، فأنا الأعلى منهم. مما أعطيته في الظاهر من التحكم فيكم ولما علمت السحرة صدقه فيما قاله لم ينكروه وأقروا له بذلك فقالوا له ﴿إنما تقضى هذه الحياة الدنيا﴾ (٣) فاقض ما أنت قاض فالدولة لك فصح قوله أنا ربكم الأعلى وإن كان عين الحق فالصورة لفرعون فقطع الأيدي والأرجل وصلب، بعين حق في صورة باطل (٤) ... انتهى.
قد سمعت هذا الهذيان الذي لم يتجاسر على مثله الشيطان وهاهو قد أخبرك بإصابة فرعون وصحة قوله بل جاوز ذلك فجعله ربا فخذ لنفسك أو دع ..
وقال في الباب الرابع والأربعين وثلاثمائة من الفتوحات: ومن هذا الباب قول السامري: ﴿هذا إلهكم وإله موسى﴾ (٥) في العجل ولم يقل هذا الله الذي يدعوكم إليه موسى، وقول فرعون العلى أطلع إلى إله موسى) (٦) ولم يقل إلى الله الذي
стр. 842
يدعو إليه موسى، وقال: ﴿ما علمت لكم من إله غيري﴾ فما أحسن هذا التحري لتعلم أن فرعون كان عنده علم بالله ... انتهى.
وأقول ما بعد هذا شيء. فإن كنت لا تحتاج إلى بيان بعده فاتهم عقلك وفهمك. قال في الفصوص (١): ألا ترى إلى قوم هود كيف قالوا ﴿هذا عارض مطرنا﴾ (٢) فظنوا خيرا بالله وهو عند ظن عبده فأضرب لهم الحق عن هذا القول فأخبرهم. مما هو أتم وأعلى في القرب فإنه إذا أمطرهم فذلك حظ الأرض وسقي الحبة فما يصلون إلى نتيجة ذلك المطر إلا عن بعد فقال لهم ﴿بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم﴾ (٣) فجعل الريح إشارة إلى ما فيها من الراحة لهم فإن هذه الريح أراحتهم عن هذه الهياكل المظلمة والمسالك الوعرة والسدوف المدلهمة وفي هذه الريح عذاب: أي أمر يستعذبونه إذا ذاقوه (٤) ٠٠٠ انتهى [١٧] ومن عجائبه التي نستغفر الله من كتبها ما يكرره في كتبه من الحط على الأنبياء والرفع من شأن الكفار فمن ذلك قوله في عتب موسى على هارون لإنكاره على عبدة العجل فكان موسى أعلم بالأمر من هارون؛ لأنه علم ما عبده أصحاب العجل لعلمه بأن الله قد قضى أن لا يعبد إلا إياه وما حكم الله بشيء إلا وقع. فكان عتب موسى أخاه هارون لما وقع الأمر في إنكاره وعدم اتساعه فإن العارف من يرى الحق في كل شيء بل يراه عين كل شيء فكان موسى يربط هارون تربية علم وإن كان أصغر منه في السن ٠٠. (٥) انتهى.
стр. 843
وقال في الفصوص (١): إنه لا شيء للأنبياء من النظر بل عقولهم ساذجة قال: يدلك على ذك قول عزيز: ﴿أنى يحيى هذه الله بعد موتها﴾ (٢) ليس لهم إلا ما يتلقونه من الملك ثم يلقونه .. انتهى.
وأشنع من هذا مع أنهم مصرحون بأنهم أنبياء فيقولون نبوة الولاية ونبوة التشريع. وانظر إلى كتاب الفتوحات وكتاب الفصوص تجد من هذا ما لا يحتاج بعده إلى بيان فمن ذلك قول ابن عربي في الفتوحات (٣) في الباب الموفي ستين وثلاثمائة: إن الله أخفى النبوة في خلقه وأظهرها في بعض خلقه فالنبوة الظاهرة هي التي انقطع ظهورها وأما الباطنة فلا تزال في الدنيا والآخرة لأن الوحي الإلهي والإيراد الرباني لا ينقطع إذ به حفظ
стр. 844
العالم. انتهى.
وقال في الفصوص (١) في الكلمة العزيرية: واعلم أن الولاية هي الفلك المحيط العام ولهذا لم تنقطع ولها الإنباء العام وأما نبوة التشريع والرسالة فمنقطعة إلى قوله: والله لم يتسمى بالنبي ولا بالرسول وتسمى بالولي. إلى أن قال: إلا أن الله لطيف بعباده. فأبقى لهم النبوة العامة التي لا تشريع فيها .. انتهى وعلى الجملة فالرجل وأهل نحلته مصرحون بأنهم أنبياء تصريحا لا يشك فيه بل لم يكتفوا بذلك حتى جعلوا أنفسهم أعظم من الأنبياء وزاد شرهم وترفى إلى أن بلغ إلى الحط على الأنبياء بل الوضع من جانب الملائكة إنا لله وإنا إليه راجعون [١٨]. لا جرم إلا من تجارى على الرب ﷻ حتى جعله نفس ما هية القردة والخنازير وسائر الأقذار فكيف لا يصنع بالأنبياء والملائكة ما صنع وقد آن أن نمسك عنان القلم عن رقم كفريات هذا المخذول فإنا كما علم الله لم نكتبها إلا على وجل وكيف لا يخاف من رقم مثل هذه الكفريات التي يتوقع عند رقم مثلها الخسف ولولا محبة النصح ومداواة القلوب المرضى التي قد غاب فيها نصل هذا البلاء لما استجزت رقم حرف واحد ولكن الله ﷻ قد حكى في كتابه من مقالات الكفرة شيئا واسعا وهذا هو المشجع على ذلك. فإن بقي لك أيها المخدوع نصيب من دين أو فهم أو عقل فقد سقنا إليك ما يقلعك عن العكوف على هذه الضلالة ويردعك عن استحسان هذه الجهالة وسنسمعك في أخر هذه الرسالة أقوال أئمة الإسلام في هؤلاء
стр. 845
المغرورين إن كنت لا تنظر إلى المقال بل إلى من قال. وإلا فالأمر أوضح من أن يستشهد على بطلانه بأقوال الرجال.
وإذا قد تبين لك حال هذا الرجل فاسمع ما قاله معاصره ابن الفارض شاعر هذه الطائفة وأديبها ومقدمها فإنك إن تدبرته وجدته قد سلك في نظمه الطريقة التي سلكها ابن عربي في مؤلفاته حذو النعل بالنعل ولهذا حكى المقريزي في ترجمة ابن الفارض أن ابن عربي بعث إليه يستأذنه في شرح التائية فقال له: كتابك الفتوح شرح لها فمن ذلك قوله:
[دين ابن الفارض]
وشكري [له] (١) والبر مني واصل ... إلى نفسي باتحادي استبدت
ولم أله باللاهوت عن حكم مظهري ... ولم أنس بالناسوت مظهر حكمتي
إلي رسولا كنت مني مرسلا ... وذاتي بآياتي على العمر أستدلت
وفارق ضلال الفرق فالجمع منتج ... هدى فرقه بالإتحاد تحدت
وجل في فنون الإتحاد ولا تحد ... إلى فئة في غيره العمر أفنت [١٩]
فمت بمعناه وعش فيه أو فمت ... معناه واتبع أمة فيه أمت
وأنت بهذا المجد أجدر من أخي ... ... اجتهاد مجد عن رجاء وخيفة
تدبر قوله: وفارق ضلال الفرق فإنه قد جعل الفرق بين المخلوق والخالق ضلال فضلل الشقي جميع الأنبياء والملائكة بل جميع الإنس والجن وهكذا فليكن الولي المقرب. ومن أبياته التائية قوله:
مظاهر لي فيها بدوت ولم أكن ... على بخاف قبل موطن برزتي
فلفظ وكلى بي لسان محدث ... ولحظ وكلط في عين لعبرة
وسمع وكلي بالنداء أسمع النداء ... وكلى في رد الردى يدقوتي