← Джавами‘

Джавами‘ · id 36543

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

الشوكاني

Полный текст (5 091 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

هذا نفس خبيث لا تلتلبس إلا على بهيمه فتدبره. وقال لا رحمة الله في الفصوص (١) كلمة فرعون قال ﴿أنا ربكم الأعلى﴾ (٢) أي وأن الكل أربابا بنسبة ما، فأنا الأعلى منهم. مما أعطيته في الظاهر من التحكم فيكم ولما علمت السحرة صدقه فيما قاله لم ينكروه وأقروا له بذلك فقالوا له ﴿إنما تقضى هذه الحياة الدنيا﴾ (٣) فاقض ما أنت قاض فالدولة لك فصح قوله أنا ربكم الأعلى وإن كان عين الحق فالصورة لفرعون فقطع الأيدي والأرجل وصلب، بعين حق في صورة باطل (٤) ... انتهى. قد سمعت هذا الهذيان الذي لم يتجاسر على مثله الشيطان وهاهو قد أخبرك بإصابة فرعون وصحة قوله بل جاوز ذلك فجعله ربا فخذ لنفسك أو دع .. وقال في الباب الرابع والأربعين وثلاثمائة من الفتوحات: ومن هذا الباب قول السامري: ﴿هذا إلهكم وإله موسى﴾ (٥) في العجل ولم يقل هذا الله الذي يدعوكم إليه موسى، وقول فرعون العلى أطلع إلى إله موسى) (٦) ولم يقل إلى الله الذي

стр. 842

يدعو إليه موسى، وقال: ﴿ما علمت لكم من إله غيري﴾ فما أحسن هذا التحري لتعلم أن فرعون كان عنده علم بالله ... انتهى. وأقول ما بعد هذا شيء. فإن كنت لا تحتاج إلى بيان بعده فاتهم عقلك وفهمك. قال في الفصوص (١): ألا ترى إلى قوم هود كيف قالوا ﴿هذا عارض مطرنا﴾ (٢) فظنوا خيرا بالله وهو عند ظن عبده فأضرب لهم الحق عن هذا القول فأخبرهم. مما هو أتم وأعلى في القرب فإنه إذا أمطرهم فذلك حظ الأرض وسقي الحبة فما يصلون إلى نتيجة ذلك المطر إلا عن بعد فقال لهم ﴿بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم﴾ (٣) فجعل الريح إشارة إلى ما فيها من الراحة لهم فإن هذه الريح أراحتهم عن هذه الهياكل المظلمة والمسالك الوعرة والسدوف المدلهمة وفي هذه الريح عذاب: أي أمر يستعذبونه إذا ذاقوه (٤) ٠٠٠ انتهى [١٧] ومن عجائبه التي نستغفر الله من كتبها ما يكرره في كتبه من الحط على الأنبياء والرفع من شأن الكفار فمن ذلك قوله في عتب موسى على هارون لإنكاره على عبدة العجل فكان موسى أعلم بالأمر من هارون؛ لأنه علم ما عبده أصحاب العجل لعلمه بأن الله قد قضى أن لا يعبد إلا إياه وما حكم الله بشيء إلا وقع. فكان عتب موسى أخاه هارون لما وقع الأمر في إنكاره وعدم اتساعه فإن العارف من يرى الحق في كل شيء بل يراه عين كل شيء فكان موسى يربط هارون تربية علم وإن كان أصغر منه في السن ٠٠. (٥) انتهى.

стр. 843

وقال في الفصوص (١): إنه لا شيء للأنبياء من النظر بل عقولهم ساذجة قال: يدلك على ذك قول عزيز: ﴿أنى يحيى هذه الله بعد موتها﴾ (٢) ليس لهم إلا ما يتلقونه من الملك ثم يلقونه .. انتهى. وأشنع من هذا مع أنهم مصرحون بأنهم أنبياء فيقولون نبوة الولاية ونبوة التشريع. وانظر إلى كتاب الفتوحات وكتاب الفصوص تجد من هذا ما لا يحتاج بعده إلى بيان فمن ذلك قول ابن عربي في الفتوحات (٣) في الباب الموفي ستين وثلاثمائة: إن الله أخفى النبوة في خلقه وأظهرها في بعض خلقه فالنبوة الظاهرة هي التي انقطع ظهورها وأما الباطنة فلا تزال في الدنيا والآخرة لأن الوحي الإلهي والإيراد الرباني لا ينقطع إذ به حفظ

стр. 844

العالم. انتهى. وقال في الفصوص (١) في الكلمة العزيرية: واعلم أن الولاية هي الفلك المحيط العام ولهذا لم تنقطع ولها الإنباء العام وأما نبوة التشريع والرسالة فمنقطعة إلى قوله: والله لم يتسمى بالنبي ولا بالرسول وتسمى بالولي. إلى أن قال: إلا أن الله لطيف بعباده. فأبقى لهم النبوة العامة التي لا تشريع فيها .. انتهى وعلى الجملة فالرجل وأهل نحلته مصرحون بأنهم أنبياء تصريحا لا يشك فيه بل لم يكتفوا بذلك حتى جعلوا أنفسهم أعظم من الأنبياء وزاد شرهم وترفى إلى أن بلغ إلى الحط على الأنبياء بل الوضع من جانب الملائكة إنا لله وإنا إليه راجعون [١٨]. لا جرم إلا من تجارى على الرب ﷻ حتى جعله نفس ما هية القردة والخنازير وسائر الأقذار فكيف لا يصنع بالأنبياء والملائكة ما صنع وقد آن أن نمسك عنان القلم عن رقم كفريات هذا المخذول فإنا كما علم الله لم نكتبها إلا على وجل وكيف لا يخاف من رقم مثل هذه الكفريات التي يتوقع عند رقم مثلها الخسف ولولا محبة النصح ومداواة القلوب المرضى التي قد غاب فيها نصل هذا البلاء لما استجزت رقم حرف واحد ولكن الله ﷻ قد حكى في كتابه من مقالات الكفرة شيئا واسعا وهذا هو المشجع على ذلك. فإن بقي لك أيها المخدوع نصيب من دين أو فهم أو عقل فقد سقنا إليك ما يقلعك عن العكوف على هذه الضلالة ويردعك عن استحسان هذه الجهالة وسنسمعك في أخر هذه الرسالة أقوال أئمة الإسلام في هؤلاء

стр. 845

المغرورين إن كنت لا تنظر إلى المقال بل إلى من قال. وإلا فالأمر أوضح من أن يستشهد على بطلانه بأقوال الرجال. وإذا قد تبين لك حال هذا الرجل فاسمع ما قاله معاصره ابن الفارض شاعر هذه الطائفة وأديبها ومقدمها فإنك إن تدبرته وجدته قد سلك في نظمه الطريقة التي سلكها ابن عربي في مؤلفاته حذو النعل بالنعل ولهذا حكى المقريزي في ترجمة ابن الفارض أن ابن عربي بعث إليه يستأذنه في شرح التائية فقال له: كتابك الفتوح شرح لها فمن ذلك قوله: [دين ابن الفارض] وشكري [له] (١) والبر مني واصل ... إلى نفسي باتحادي استبدت ولم أله باللاهوت عن حكم مظهري ... ولم أنس بالناسوت مظهر حكمتي إلي رسولا كنت مني مرسلا ... وذاتي بآياتي على العمر أستدلت وفارق ضلال الفرق فالجمع منتج ... هدى فرقه بالإتحاد تحدت وجل في فنون الإتحاد ولا تحد ... إلى فئة في غيره العمر أفنت [١٩] فمت بمعناه وعش فيه أو فمت ... معناه واتبع أمة فيه أمت وأنت بهذا المجد أجدر من أخي ... ... اجتهاد مجد عن رجاء وخيفة تدبر قوله: وفارق ضلال الفرق فإنه قد جعل الفرق بين المخلوق والخالق ضلال فضلل الشقي جميع الأنبياء والملائكة بل جميع الإنس والجن وهكذا فليكن الولي المقرب. ومن أبياته التائية قوله: مظاهر لي فيها بدوت ولم أكن ... على بخاف قبل موطن برزتي فلفظ وكلى بي لسان محدث ... ولحظ وكلط في عين لعبرة وسمع وكلي بالنداء أسمع النداء ... وكلى في رد الردى يدقوتي

стр. 846

لأسمع أفعالي بسمع بصيرة ... وأشهد أقوالي بعين سميعه ومن ذلك قوله (١): [وحدة الأديان عند ابن الفارض] نبي مجلس الأذكار سمع مطالع ... ولي حانة الخمار عين طليعة وما عقد الزنا وحكما سوى يدي ... وإن خل بالإقرار بي فهي حلت وإن نار بالتنزيل محراب مسجد ... فما بار بالإنجيل هيكل بيعة وأسفار توراة الكليم لقومه ... يناجي بها الأحبار في كل ليلة وإن خر للأحجار في البد عاكف ... فلا تغد بالإنكار للعصبية قال الكيزروني في سيرته: ومعنى البد عندهم: شخص في هذا العالم لم يولد ولا ينكح ولا يطعم ولا يشرب ولا يهرم ولا يموت وأول بد ظهر في العالم اسمه (شارمن) وتفسيره: السيد الشريف ومن وقت ظهوره إلى وقت الهجرة خمسة آلاف سنة وزعموا أن البددة أتوهم على عدد وظهروا في أجناس وأشخاص شتى ولم يكونوا يظهروا إلا في بيوت الملك لشرف جواهرهم ... ١ هـ. وأقول: قد سمعت أن الإنكار على من خر للأحجار عصبية عند هذا المنصف ومقدم طائفة المنكرين الرسل جميعا بالإجماع [٢٠]. وانظر ما في كلام ربك من النهى عن عبادة الأوثان تجد الكثير الطيب وعلى الجملة فقد حكم على الله ورسله وملائكته بالعصبية وصوب عبده الأوثان أجمع فإن لم يكن هذا كفرا فما في الدنيا كفر والسلام. ولا تغرك مغالطته بقوله بعد هذا البيت: فقد عبد الدينار معنى منزه ... عن العار بالإشراك بالوثنية فإن المغالطة دأب القوم ﴿يخادعون الله والذين آمنوا وما تخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون في قلوبهم مرضى فزادهم الله مرضا ولهتم عاب أليم بما كانوا يكذبون﴾ (٢)

стр. 847

وليس العجب من هذا وأقواله بل العجب الذي تسكب عنده العبرات سكوت أهل عصره عنه بعد مسير الركبان عنه. ممثل هذه الأقوال في حياته. إنا لله وإنا إليه راجعون وآخر بيت ختم به تأئيته قوله: ومن فضل ما أسأرت شرب معاصري ... ومن كان قبلي في الفضائل فضلتي جعل الأنبياء في فضائلهم فضله فضائله، فاسمع إن كنت من الذين لم يختم على قلوبهم ويجعل على أبصارهم غشاوة .. وفي هذا المقدار ما يعرفك بحال هذا الولي المعتقد فاختر لنفسك ما يحلو [٢١]. وأما ابن سبعين (١) فيكفيك من تصريحه بالوحدة قوله في كتابه المعروف بلوح الإصابة ما لفظه: الذات مع العلم دائما وهى الباطنية وهي الظاهرة بخلافك أنت الظاهر وعلمك باطن وما في الوجود سواه معك وسواك به فأنت معينا صورة علمه وعن معين علمه وهو علمك فيه ترى وتبصر وتعلم وبك يرى ويبصر ويعلم ثم قال بعد ذلك: إن واجب الوجود كلي وممكنه جزئي ولا وجود للكلي إلا في جزئي ولا لجزئي إلا في كلي وعلى الجملة إن ديدنته في هذا الكتاب في غالب أبحاثه في الوحدة والمشط على طريقة ابن عربي فلا نطيل في رسم كلامه ولا نستكثر من كتب هذيانه .. قال بعضهم: جلست عند ابن سبعين من الغداة إلى العشي، فجعل يتكلم بكلام تعقل مفرداته ولا تعقل مركباته. وأما ابن التلمساني (٢) فيكفيك من خذلانه وإصراره على هذا المذهب الكفري ما عرفناك

стр. 848

سابقا من رواية الإمام ابن تيمية (١) عنه أنه قال: القرآن كله شرك وإنما التوحيد مذهبهم - أعني القول بالإتحاد- فقد أخبرك عن حقيقة مذهبهم وهو الخبير انه مخالف للقرآن فإن كان معترفا بأنه كلام الله فقد جعل الله ﷻ غير عالم بنفسه جاهلا لحقيقة ذاته ولا كفر أشنع وأبشع من هذا فاختر لنفسك: أما الأخذ بكلام ربك والاتباع لما أخبرك به أو الأخذ بكلامه والاهتداء بضلاله فإن الرجل قد عرفك بالمخالفة بين مذهبهم وبين القرآن وبين لك فضل قولهم على قول الله وإن كان غير معترف بأنه كلام الله فلا أصرح من هذه الشهادة التي يشهد ها على نفسه وعلى أهل ملته فكن في أي القبيلين شئت والسلام .. ولا تكن مثل من ألقى رحالته ... على الحمار وخلى صهوة الفرس وأما الجيلي (٢) فكتابه المسمى بالإنسان (٣) الكامل كافل لك ببيان حاله أي كافل لا تجذ في كتب القوم مثله في التصريح بالإتحاد والإلحاد؟ لأن الرجل أمن من المخاوف التي كان أصحابه يخافونها لما رآه من عدم قيام العلماء. مما أوجب الله عليهم من نصر الشريعة وقطع دابر من رام تكدير صفوها [٢٢] وتحققه من أطباق العامة وكثير من الخاصة على أدن القوم من الصفوة المصطفاه وإذعانهم لكل مشعبذ وإن كان لا يدري صناعة الشعبذة إذا قام بعهدة النهيق قائلا هو هي تاركا للواجبات منغمسا في المحرمات متمخلعا متوقحا متلونا بالنجاسات غير متنزه عن القاذورات كثير الوقوف في المزابل والرباطات مشتملا على جبة قذرة كدرة ... فهذا؟ الله المجاب الدعوة الذي يرحم الله به العباد ويستنزل به الغيث .. إنا لله وإنا إليه راجعون. وأنت إن بقي فيك نصيب من العقل وحظ من التوفيق فزن أحوال هؤلاء بحال أصحاب رسول الله وصل فإنهم المعيار الذي لا يزيغ عنه إلا ضال وانظر ما بين الطائفتين من التفاوت بل التقابل في

стр. 849

جميع الأمور واختر لنفسك في الهوى من تصطفي والموعد القيامة وستعلم لمن عقبى الدار. فمن تنفسات الجيلي في كتابه المذكور في الباب السابع قوله: فأول رحمة رحم الله ها الوجود أن أوجد العالم من نفسه قال الله تعالى: ﴿وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه﴾ (١) ولهذا سرى وجوده في الموجودات فظهر كماله في كل جزء وفرد من أجزاء العالم ولم يتعدد بتعدد مظاهره بل هو واحد في جميع تلك المظاهر وسر هذا السريان أن خلق العالم من نفسه وهو لا يتجزأ فكل شيء من العالم هو بكماله واسم الخلقية على ذلك الشيء بحكم العارية لا كما يزعمه من يزعم أن الأوصاف اللاهبة هي التي تكون بحكم العارية إلى العبد وأشار إلى ذلك بقوله: أعارته طرفا رأها به ... فكان البصير بها طرفها فإن العارية ما هي في الأشياء إلا نسبة الوجود الخلقي إليها فإن الوجود الحقي لها أصل فأعار الحق خلقه اسم الخلقية لتظهر بذلك أسرار اللاهية ومقتضياتها من التضاد فكان الحق هيولا العالم قال الله تعالى: (وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق & (٢) فمثل العالم مثل الثلج والحق سبحانه الماء الذي هو أصل الثلج فاسم الثلج على ذلك المنعقد معار واسم المائية عليه حقيقة وقد نبهت على ذلك في القصيدة [٢٣] المسمى بالبوادر العينية بقولي: وما الخلق في التمثال إلا كثلجة ... وأنت لها الماء الذي هو نابع ولكن يذوب الثلج يرفع حكمه ... ويوضع حكم الماء والأمر واقع تجمعت الأضداد في واحد البهاء ... وفيه تلاشت فهو عنهن صادع انتهى.

стр. 850

وكتابه المذكور محشو هذا لهذيان وهو من الصراحة بالإتحاد بحيث لا يلتبس إلا على بهيمه فإن شككت فيما حكيناه فعليك بالكتاب المذكور وهذا المثال مشهور عند القوم لا ينكره أحد منهم بل ربما جاوزه بعضهم فقال: إن العالم كالموج والباري كالبحر. والموج ليس غير البحر صرح بذلك الجامي (١) في شرح نقش الفصوص لابن عربي. وعلى الجملة فقد سقنا إليك من نصوصهم ما يعرفك بحالهم ولا فائدة من الإكثار من كفرياتهم فهذه كتبهم على ظهر البسيطة موجودة بأيدي الناس فإذا رمت العثور على أضعاف أضعاف هذه المخازي راجعتها وكن على حذر منها فإنها مغناطيس القلوب التي لم تستحكم قوة إيمانها. وقد وعدناك فيما سلف بذكر نصوص جماعة من علماء الشريعة على تضليل هذه الفرقة فنقول: اعلم أن أئمة أهل البيت وسائر علماء اليمن إلا القليل مطبقون على تضليل هذه الفرقة مبالغون في التحذير منهم معلنون بأنهم ابتدعوا في الإسلام ما يخالف الشريعة، وسردهم مما لا تتسع له هذه الورقات، وقد بالغ الإمام شرف الدين في ذلك حتى أمر بقتل كبير من كبرائهم، وهكذا الإمام القاسم بن محمد صرح بتكفيرهم وشدد على رعيته في ذلك وصرح بأنهم زنادقة، وهكذا ابنه المتوكل على الله حتى أمر بتحريق الكتاب المعروف بالفصوص وأمر أهله إن يخبروا عليه قرصا وأطعمه جارية كان بها ألما فشفيت وكذلك غيرهم من أعيان العلماء [٢٤] الذين كان وجودهم بعد حدوث هذه الطائفة .. قال الفاسى في العقد .....................

стр. 851

الثمن (١) في ترجمة ابن عربي: وقد بين الشيخ تقي الدين ابن تيمية الحنبلي شيئا من حال هذه الطائفة القائلين بالوحدة وحال ابن عربي منهم بالخصوص وبين بعض ما في كلامه من الكفر ووافقه على تكفيره لذلك جماعة من أعيان علماء عصره من الشافعية والمالكية والحنابلة لما سئلوا عن ذلك ثم ذكر نص السؤال ونص الجوابات ولطول ذلك اقتصرت هاهنا على نقل خلاصته السؤال والأجوبة. أما السؤال فحاصله ما يقول العلماء في كتاب بين أظهر الناس أكثره ضد لما أنزل الله وعكس لما قاله أنبيائه من جملة ما اشتمل عليه أن الحق المنزه هو الإنسان المشبه وقال: إن عباد الأوثان لو تركوا عبادتها لجهلوا وأنكر فيه حكم الوعيد في حق من حقت عليه كلمة العذاب فهل يكفر من يصدقه في ذلك أو يرضى به منه أم لا وهل يأثم سامعه أم لا. أجاب الإمام ابن تيمية (٢) بما حاصله أن كل كلمة من هذه الكلمات كفر بلا نزاع لق المسلمين واليهود والنصارى فضلا عن كونه كفرا في شريعة الإسلام ثم قال: وصاحب هذا الكتاب الذي هو فصوص الحكم وأمثاله مثل صاحبه القونوي (٣) والتلمساني (٤) وابن سبعين (٥) والششتري (٦) وأتباع مذهبهم الذي هم عليه أن الوجود واحد ويسمون أهل

стр. 852

وحدة الوجود ويدعون التحقيق والعرفان وهم يجعلون وجود الخالق عين وجود المخلوقات فكل ما تتصف به المخلوقات من حسن وقبح ومدح وذم إنما المتصف به عندهم عين الخالق. قال: ويكفيك بكفرهم أن من أخف أقوالهم: إن فرعون مات مؤمنا بريئا من الذنوب كما قال- يعني ابن عربي، ثم أخذ يعدد من هذه الكلمات حتى قال: إن كفرهم أعظم من كفر اليهود والنصارى. ثم قال بعد كلام طويل: وهذه الفتوى لا تحتمل بسط كلام هؤلاء وبيان كفرهم وإلحادهم فإنهم من جنس القرامطة (١) الباطنية الإسماعيلية (٢) الذين كانوا أكفر من اليهود والنصارى وإن قولهم يتضمن الكفر بجميع الكتب والرسل، كما قال الشيخ إبراهيم ....................

стр. 853

الجعبري (١) لما اجتمع بابن صاحب هذا الكتاب. قال: رأيته شيخا بخسا يكذب بكل كتاب أنزله الله تعالى وبكل نبي أرسله .. وقال الفقيه [٢٥] أبو محمد (٢) بن عبد السلام لما قدم القاهرة، وسألوه عن ابن عربي. فقال: شيخ سوء مقبوح يقول بقدم العالم ولا يحرم فرجا. قال ذلك قبل أن يظهر من قوله: أن العالم هو الله ثم قال بعد أن عدد مثالبهم ولم أصف عشر ما يذكرونه من الكفر. ثم قال: فرؤوسهم أئمة كفر ويجب قتلهم ولا تقبل توبة أحد منهم إذا اخذ قبل التوبة فإنه من أعظم الزنادقة ثم قال: ويجب عقوبة كل من انتسب إليهم، أو ذب عنهم، أو أثنى عليهم، أو عظم كتبهم، أو عرف

стр. 854

بمساعدتهم ومعاونتهم، أو كره الكلام فيهم. بل يجب عقوبة كل من عرف حالهم، ولم يعاون على القيام عليهم. فإن القيام على هؤلاء من أعظم الواجبات، لأنهم أفسدوا العقول والأديان على خلق من المشايخ والعلماء والملوك والأمراء، ثم قال: وأما من قال لكلامهم تأويل يوافق الشريعة فإنه من رؤوسهم وأئمتهم فإنه إن كان ذكيا يعرف كذب نفسه وإن كان معتقدا لهذا ظاهرا وباطنا، فهو أكفر من النصارى. وأجاب القاضي بدر الدين (١) ابن جماعة فقال: هذه الفصوص المذكورة وما أشبهها من هذا الباب بدعة وضلالة ومنكر وجهالة لا يصغي إليها ولا يعرج عليها إلى آخر جوابه. وأجاب القاضي سعد الدين الحارثي قاضي الحنابلة بالقاهرة ما ذكر من الكلام المنسوب إلى الكتاب المذكور يتضمن الكفر ومن صدق به فقد تضمن تصديقه. مما هو كفر يجب في ذلك الرجوع عنه والتلفظ بالشهادتين ثم قال وكل هذه التمويهات ضلالات وزندقة وعبارات مزخرفة. وأجاب الخطيب شمس الدين محمد بن يوسف الجزري الشافعي بعد كلام وقوله: أن الحق المنزه هو الخلق المشبه. كلام باطل متناقض وهو كفر إلى آخر ما أجاب به.

стр. 855

وأجاب القاضي زين الدين الكتناني الشافعي مدرس الفخرية والمنصورية بالقاهرة. مما حاصله أن ذلك كفر ثم قال ومن صدق المذكور في هذه الأمور أو بعضها مما هو كفر فكفر. وأجاب الشيخ نور الدين البكري (١) الشافعي بعد كلام أن صاحب هذه الأقوال ألعن وأقبح من أن يتأول له ذلك بل هو كاذب فاجر كافر في القول والاعتقاد ظاهرا وباطنا وإن كان قائلها لم يرد ظاهرها فهو كافر بقوله ضال لجهله ولا يعذر بتأويله لتلك الألفاظ إلا أن يكون جاهلا جهلا تاما عاما ولم يعذر من جهله. بمعصيته لعدم مراجعه العلماء إلى آخر جوابه. وأجاب الشيخ شرف الدين عيسى الزواوي المالكي [٢٦] أما هذا التصنيف الذي هو ضد لما أنزل الله في كتبه المنزلة، وضد أقوال الأنبياء المرسلة فهو افتراء على الله وافتراء على رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ثم قال: ما تضمنه هذا التصنيف من الهذيان والكفر والبهتان فكله تلبيس وضلال وتحريف وتبديل، ومن صدق بذلك أو اعتقد صحته كان كافرا ملحدا صادا عن سبيل الله مخالفا لملة رسول الله ﵌ ملحدا في آيات الله مبدلا لكلمات الله زنديقا فيقتل متى ظهر عليه ولا تقبل توبته إن تاب لأن حقيقة توبته لا تعرف. ثم قال: فالحذر كل الحذر منهم فإنهم أعداء الله وشر من اليهود والنصارى، لأنهم قوم لا دين لهم يتبعونه ولا رب يعبدونه إلى آخر كلامه .. وبمثل هذا الجواب أجاب جماعة من العلماء الذين تأخر عصرهم عن عصر هؤلاء

стр. 856

المجيبين في سؤال ورد إليهم مثل هذا السؤال وصرحوا بأن ذلك كفر، منهم العلامة البلقيني (١) الشافعي الإمام المجتهد والحافظ ابن حجر العسقلاني (٢) ومحمد بن عرفة (٣) الماكي عالم أفريقيا، والقاضي بالديار المصرية عبد الرحمن بن محمد المعروف بابن خلدون (٤) الحضرمي المالكي وقال في أثناء جوابه: وأما حكم هذه الكتب المتضمنة لتلك العقائد المضلة وما يوجد من نسخها بأيدي الناس مثل الفصوص والفتوحات لابن عربي، والبد (٥) لابن سبعين وخلع النعلين .........................

стр. 857

لابن قسط (١)، وعن اليقين لابن برخان. وما أجدر الكثير من شعر ابن الفارض والعفيف التلمساني وأمثالها إن يلحق هذه الكتب وكذا شرح ابن الفرغاني للقصيدة التائية من نظم ابن الفارض فالحكم ني هذه الكتب كلها وأمثالها إذهاب أعيانها متى وجدت بالتحريق بالنار والغسل بالماء إلى أخر ما أجاب به. وكذلك أبو زرعة الحافظ (٢) العراقي الشافعي أجاب. ممثل ذلك لما سئل عنه وقال: لا شك في اشتمال الفصوص الشهيرة على الكفر الصريح الذي لا يشك فيه وكذلك الفتوحات المكية فإن صح صدور ذلك عنه واستمر عليه إلى وفاته فهو كافر مخلد في النار بلا شك إلى أخر كلامه. وكذلك قال العلامة ابن الخياط (٣) وشهاب الدين أحمد بن أبي بكر بن علي الناشري (٤) وقد تكلم الذهبي. . . . . . . . . . . .

стр. 858

الميزان (١) في ترجمة ابن عربي فقال: صنف التصانيف في تصوف الفلاسفة وأهل الوحدة وقال أشياء منكرة ثم قال: وأما كلامه فمن عرفه وفهمه على قواعد الإتحادية وعلم محط القوم [٢٧] وجمع بين أطراف عباراتهم تبين له الحق في خلاف قولهم وكذلك من أمعن النظر في نصوص الحكم أو معين التأمل لاح له العجب فإن الذكي إذا تأمل في تلك الأقوال والنظائر والأشباه فهو أحد رجلن: إما من الاتحادية في الباطن وإما من المؤمنين بالله الذين يعدون أن أهل هذه النحل من أكفر الكفرة .. انتهى. وذكره في تاريخ الإسلام وذكر له خرافات مخزية وقد لخص العلامة ابن القيم (٢) مذهب الاتحادية في أبياته النونية (٣) فقال: وأتى فريق ضم قال وجدته ... هذا الوجود بعينه وعيان ما ثم موجود سواه وإنما ... غلط اللصان فقال موجودان فهو السماء بعينها ونجومها ... وكذلك الأفلاك والقمران وهو الغمام بعينه والثلج ... والأمطار مع برد ومع حسبان

стр. 859

وهو الهواء بعينه والماء ... والترب الثقيل ونفس ذا الإنسان هذي بسائطه ومنه تركبت ... هذي المظاهر ما هنا شيئان وهو الفقير بها لأجل ظهوره ... فيها كفقر الروح للأبدان وهي التي افتقرت إليه لأنه ... هو ذاتها ووجودها الحقان وقد أوضح العلامة شرف الدين إسماعيل (١) المقري مخازي ابن عربي في قصيدته المشهورة وبين فيها من المثالب ما لم يبمنه غيره لأن جماعة من أهل زبيد أوهموا من ليس له نباهة أن ابن عربي عالي المرتبة. ومطلع هذه القصيدة: ألا يا رسول الله غارة ثائر ... غيور على حرماته والشعائر يحاط ها الإسلام ممن يكيده ... ويرميه من تلبيسه بالفواقر فقد حدثت بالمسلمين حوادث ... كبار المعاصي عندها كالصغائر حوتهن كتب حارب الله ربها ... وغرها من غربين الحواضر تجاسر فيه ابن العريبي واجترا ... على الله فيما قال كل التجاسر فقال بأن الرب والعبد واحد ... فربي مربوبي بغير تغاير وأنكر تكليفا إذا لعبد عنده ... إله وعبد فهو إنكار فاجر [٢٨] وخطأ إلا من يرى الخلق صورة ... وهوية لله عند التناظر وقد تجلى الحق في كل صورة ... تجلى عليها فهي إحدى المظاهر وأنكر أن الله يغني عن الورى ... ويغنون عنه لاستواء المقادر ومنها:

стр. 860

وقال عذاب الله عذب وربنا ... ينعم في نيرانه كل فاجر وقال بأن الله لم يعص في الورى ... فما ثم محتاج لعاف وغافر وقال مراد الله وفق لأمره ... فما كافر إلا مطيع الأوامر ومنها: وما أخص بالإيمان فرعون وحلى ... لدى موته بل عم كل الكوافر فكذبه يا هذا تكن خير مؤمن ... وإلا فصدقه تكن شر كافر ومنها: ولم يبق كفر لم يلابسه عامدا ... ولم يتورط فيه غير محاذر ومنها: فلا قدس الرحمن شخصا يحبه ... على ما يرى من قبح هذا المخابر ومنها: فيا محسني ظنا. مما في فصوصه ... وما في فتوحات الشرور الدوائر عليكم بدين الله لا تصبحوا غدا ... مساعر نار قبحت من مساعر ومنها: ولا تؤثروا غير النبي على النبي ... فليس كنور الصبح ظلما الدياجر دعوا كل ذي قول لقول محمد ... فما آمن في دينه كمخاطر وأما رجالات الفصوص فإنهم ... يعومون في بحر من الكفر زاخر إذا راح بالريح المبايع أحمد ... على هديه راحوا بصفقة خاسر ومنها: ويا أيها الصوفي خف من فصوصه ... خواتم سوء غيرها في الخناصر وخذ فج سهل والجنيد وصالح ... وقوم مضوا مثل النجوم الزواهر [٢٩] على الشرع كانوا ليس فيهم لوحدة ... ولا لحلول الحق ذكر لذاكر رجال رأوا ما الدار دار إقامة ... لقوم ولكن بلغة لمسافر

стр. 861

وهي قصيدة طويلة فائقة رائقة أجاد فها كل الإجادة رحمه الله تعالى. ومن رام العثور على مخازي ابن عربي وأهل نحلته فعليه بكتاب العلامة السخاوي المسمى بالقول المنبي عن ترجمة ابن عربي. وقد ألف العلامة إسماعيل المقري (١) كتابين في بيان ضلالات ابن عربي: كتابا حماه الذريعة إلى نصر الشريعة. وسرد في ذلك كثيرا من مخازيه وكتابا آخر غاب عني احمه. قال العلامة المجتهد نزيل حرم الله صاع بن مهدي المقبلي (٢) في العلم الشيخ (٣) بعد أن ساق من كفريات أهل الوحدة ومخازيهم شطرا صالحا ما نصه وقد آن لي أن أصدع بالحق خوفا على نفسي من الكفر فأقول: اللهم إني الآن اشهد أن لا إله إلا الله. وأشهد أن محمدا رسول الله ﵌، واشهد الله وكفى به شهيدا وملائكته والناس أجمعين أني لا أرضى لابن عربي ومن نحا نحوه أو ألحقه الشرع بحكمه بالرضى أو التسليم. بمثل قوله تعالى: ﴿ومن يتولهم منكم فإنه منهم﴾ (٤) ونحوها فأنا لا أرضى لهم. بمطلق الكفر بل أقول: لا أعلم أحدا من مردة الكفرة: النمرود وفرعون

стр. 862

وإبليس والباطنية والفلاسفة بل نفاة الصانع فإن هؤلاء نفوا الصنع فانتفى الصانع فما أحد بلغ هذا المبلغ في جميع الكفريات الماضية وإحداث ما هو شر منها وهي مسألة الوحدة ثم عظم ضررهم في الإسلام بإصابة سهمهم لهذه المقلدة لهم ممن جمع شيئا من العلوم ومن غيرهم اللهم العنهم لعنا كثيرا واقطع دابرهم وامح أثرهم اللهم أمتنا على هذا واحشرنا عليه واكتبنا من الشاهدين عليهم وأوزعنا شكر نعمتك بحفظ القطرة علينا حين ضيعها هؤلاء المتبعين لهم الذين هم أضل وأجهل ممن قال: ﴿ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفا﴾ (١) وممن قال: ﴿بل وجدنا آباءنا كذالك يفعلون﴾ (٢) وغيرهم من الضلال الماضين .... انتهى. وأقول: قد أسلفت لك أيها الناظر في هذا المختصر ما صدر عن هؤلاء المخذولين من المقالات إلى كل واحدة منها من أكفر الكفر كقولهم بالإتحاد وتخطئة الأنبياء وتصويب الكفار ورفع أنفسهم على الأنبياء وكلامهم على القرآن فلا أزيدك على ذلك ولنقتصر على هذا المقدار فإن داء لا يشفيه هذا الدواء لداء عضال وسما لا يبرى من تلهبه هذا الترياق لسم قتال. والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم فرغ من تحريره مؤلفه الحقير محمد بن علي الشوكاني غفر الله لهما في يوم الاثنين ثاني وعشرين من شهر رجب سنة ١٢٠٥ هـ.

стр. 863

بحث في التصوف تأليف محمد بن علي الشوكاني حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه محمد صبحي بن حسن حلاق أبو مصعب

стр. 864

وصف المخطوط ١ - عنوان الرسالة: " بحث في التصوف ". ٢ - موضوع الرسالة: معنى التصوف المبتدع. ٣ - أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم. سأل كاتبها حسين بن قاسم المجاهد وفقه الله سيدي مولاي العلامة التحرير شيخ الإسلام وبدره محمد بن علي الشوكاني حفظه الله وأمتع المسلمين بحياته آمين امن .. ٤ - آخر الرسالة: فمحبة الصالحين قربة لا تمهل، وطاعة لا تضيع وإن لم يعمل كعملهم، ولا جهد نفسه كجهدهم لأنفسهم وفي هذا المقدار كفاية لمن له هداية. والحمد لله أولا وآخرا والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله ورضي الله عن صحبه الراشدين ". ٥ - نوع الخط: خط نسخي معتاد. ٦ - عدد الأوراق: (٥) ورقات وهي ضمن المجلد الخامس من الفتح الرباني. ٧ - عدد الأسطر في الصفحة: ١٧ - ١٩ سطرا. ٨ - عدد الكلمات في السطر: ٨ - ١١ كلمة. ٩ - الناسخ؛ المؤلف محمد برت على الشوكاني.

стр. 865

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [نص السؤال] سأل كاتبها حسن بن قاسم (١) المجاهد- وفقه الله- سيدي مولاي العلامة النحرير، شيخ الإسلام وبدره محمد بن علي الشوكاني- حفظه الله-، وأمتع المسلمين بحياته- آمين آمين. مضمونة: ما زال يخطر بذهن محبكم من شأن المتصوف شيئا، هل عليه دليل أو من قال وقيل؟ وهل العلم علمان باطن وظاهر؟ والباطن يسمونه الطريقة والوصول إلى معرفته على تلك المراتب الذي رتبوها إلى حد الوصول، وكلام أهل المذهب معروف، وبعض علماء الشافعية يقول: ما للشرع عليه اعتراض فهو مختون. وقد أوسع المقبلي (٢) بالعلم الشامخ (٣) في هذا البحث. وللعلامة الزمخشري (٤) مادة عند قوله تعالى: ﴿قل إن كنتم تحبون الله﴾ (٥) إلخ. وإذا ظهر ما يخالف كما يقولون لهم المعنى الخ. وأن كلما

стр. 866

صدر منهم عبادة فإما كرامات الأحياء الخارقة وإما الإخبار. مما سيكون من طريق التحدث كما ثبت، وكما كان عمر (١) ﵁ (٢) فمن حسناتكم وتفضلاتكم الإفادة- كثر الله فوائدكم، وأمتع الله المسلمين بحياتكم- آمين آمين.

стр. 867

بسم الله الرحمن الرحيم [١ أ] الجواب: اعلم- وفقني الله وإياك- أن معنى التصوف (١) المحمود هو الزهد (٢) في الدنيا، حتى يستوي عنده ذهبها وترابها، ثم الزهد فيما يصدر عن الناس من المدح والذم حتى يستوي عنده مدحهم وذمهم، ثم الاشتغال بذكر الله- سبحانه- وبالعبادة المقربة لله، فمن كلن هكذا فهو الصوفي حقا، وعند ذلك يكون من أطباء القلوب فيداويها. مما يمحو عنها الطواغيت الباطنية من الكبر، والحسد، والعجب، والرياء، وأمثال هذه الغرائز الشيطانية التي هي أخطر المعاصي، وأقبح الذنوب، ثم يفتح الله له أبوابا كان عنها محجوبا كغيره، لكنه لما أماط عن ظاهره وباطنه الذنوب الذي يصير ها قلبه وحواسه في ظلمة، بل يصير ها جميع ظاهره وباطنه في غشاوة صار جسدا صافيا عن شوب الكدر، مطهرا عن دنس الذنوب، فيبصر ويسمع ويفهم بحواس لا يحجبها عن حقائق الحق حاجب، ولا يحول بينها وبن درك الصواب حائل. ويدل على ذلك أتم دلالة وأعظم

стр. 868

برهان ما ثبت في البخاري (١) وغيره (٢) من حديث [١ ب] أبي هريرة عن النبي- ﷺ قال: " يقول الله تعالى: من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة "، وفي رواية " فقد آذنته بالحرب، وما تقرب لي عبدي بختل ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، ونظره الذي ينظر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، بي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي. ولئن استعاذني لأعيذنه. وما ترددت في شيء أنا فاعله توددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته، ولا بد له منه " (٣).

стр. 869

ومعلوم أن من كان يبصر بالله- سبحانه-، ويسمع به، ويبطش به، ويمشط به له حال يخالف حال من لم يكن كذلك، لأنها ينكشف له الأمور كما هي، وهذا هو سيد ما مخلى عنهم صت المكاشفة، لأنه قد ارتفع عنهم حجب الذنوب، وذهب عنهم أدران [٢ أ] المعاصي. وغيرهم ممن لا يبصر بالله، ولا يسمع به، ولا يبطش به، ولا يمشي به لا يدرك من ذلك شيئا بل هو محجوب عن الحقائق، غير مهتد إلى مستقيم الطرائق كما قال الشاعر: وكيف ترى ليلى بعين ترى بها ... سواها وما ظهرها بالمدامع ويلتذ منها بالحديث وقد جرى ... حديث سواها في خروت المسامع أجلك يا ليلى عن العن إنما ... أراك بقلب خاشع لك خاضع وأما من صفى عن المكدر، وسمع وأبصر فهو كما قال الآخر: الآن وادي الجزع أضحى ترابه ... من المس كافورا وأعواده زبدا وما ذاك إلا أن هند عشية ... تمشت وجرت في جوانبه بردا ومما يدل على هذا المعنى الذي أفاده حديث أبي هريرة حديث: " اتقوا فراسة المؤمن، فإنه يرى بنور الله " وهو حديث صححه الترمذي (١)، فإنه أفاد أن المؤمنين من

стр. 870

عباد الله يبصرون بنور الله- سبحانه- وهذا معنى ما في الحديث الأول من قوله- ﵌ نجي يبصر. فما وقع من هؤلاء القوم الصالحين من المكاشفات هو من هذه الحيثية الواردة في الشريعة المطهرة. وقد ثبت أيضًا في الصحيح (١) عنه- صلى الله عليه واله وسلم- أنه قال " إن في هذه الأمة محدثين، وأن منهم عمر " ففي هذا الحديث الصحيح فتح باب المكاشفة لصالحي عباد الله، وأن لك من الله- سبحانه-[٢ أ] فيحدثون بالوقائع بنور الإيمان الذي هو من نور الله- سبحانه- فتعرفونها كما هي حتى كأن محدثا يخبرهم ها، ويخبرهم. بمضمونها. وقد كان عمر بن الخطاب- ل! لمحبه- يقع له من ذلك الكثير الطيب في وقائع معروفة منقولة في دواوين الإسلام، ونزل بتصديق ما تكلم به القرآن الكريم كقوله- : ما كان النبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض ﴿(٢) وقوله- سبحانه-:﴾ ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره & (٣)

стр. 871

وقوله: ﴿استتغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم﴾ (١) فمن كان من صالحي العباد متصفا هذه الصفات، متسما هذه السمات فهو رجل المعا لم، وفرد الدهر، وزين العصر. والاتصال به مما تلين به القلوب، وتخشع له الأفئدة، وتجذب بالاتصال به العقول الصحيحة إلى مراضي الرب- سبحانه-، وكلماته هي الترياق المجرب، وأشار به هي طب القلوب القاسية، وتعليماته هي كيمياء السعادة، وإرشاداته هي الموصلة إلى الخير الأكبر، والكرامات الدائمة التي لا نفاذ لها ولا انقطاع. ولم تصف البصائر ولا صلحت السرائر. ممثل الاتصال هؤلاء القوم الذين هم خيرة الخيرة، وأشرف الذخيرة فيا لله قوم لهم السلطان الأكبر على قلوب هذا العالم! يجذبونها إلى طاعات الله- سبحانه- والإخلاص له، والاتكال عليه، والقرب منه، والبعد عما يشغل عنه، ويقطع عن الوصول إليه. وقل أن يتصل هم ويختلط بخيارهم إلا من سبقت له السعادة، وجذبته العناية الربانية

стр. 872

إليهم، لأنهم يخفون أنفسهم ويظهرون في مظاهر الخمول. ومن عرفهم لم يدل عليهم إلا من أذن الله له، ولسان حاله يقول كما قال الشاعر: وكم سائل عن سر ليلى رددته ... بعمياء من ليلى بغير يقين يمولون خيرنا فأنت أمينها ... وما أنا إن خيرتهم بأمين فيا طالب الحير إذا ظفرت يداك بواحد من هؤلاء الذين هم صفوة الصفوة، وخيرة الخيرة فاشددهما عليه، واجعله مؤثرا على الأهل والمال، والقريب والحبيب، والوطن والسكن، فإنا إن وزنا هؤلاء. مميزان الشرع، واعتبرناهم. بمعبر الدين وجدناهم أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولاهم يحزنون، وقلنا لمعاديهم، أو القادح في على مقامهم: أنت ممن قال فيه الردب- سبحانه- كما حكاه عنه رسول الله- ﵌: " من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة وقد آذنته بالحرب لا (١) لأنه لا عيب لهم إلا أنهم أطاعوا الله كما يجب، وآمنوا به كما يحب، ورفضوا الدنيا الدنية، وأقبلوا على الله- في سرهم وجهرهم، وظاهرهم وباطنهم. وإذا فرضنا أن في المدعيين للتصوف من لم يكن هذه الصفات، وعلى هذا الهدى القويم فإن بدا منه ما يخالف هذه الشريعة المطهرة، وينافي منهجها الذي هو الكتاب والسنة فليس من هؤلاء، والواجب علينا رد بدعته عليه، والضرب ها في وجهه كما صح عنه- ﵌ أنه قال: " كل أمر ليس عليه أمرنا فهو رد " (٢)، وصح عنه [٣ ب]﵌ أنه قال: " كل بدعة

стр. 873

ضلالة " (١). ومن أنكر علينا ذلك قلنا له: وزنا هذا. مميزان الشرع (٢) فوجدناه مخالفا له،

стр. 874

ورددنا أمره إلى الكتاب والسنة فوجدناه مخالفا لهما، وليس الدين إلا كتاب الله- سبحانه-، وسنة رسوله- ﵌، والخارج عنهما المخالف لهما ضال مضل. ولا يقدح على هؤلاء الأولياء وجود من هو هكذا، فإنه ليس معدودا منهم، ولا سالكا طريقتهم، ولا مهتديا هديهم. فاعرف هذا فإن القدح في قوم. بمجرد فرد أو أفراد منسوبين إليهم نسبة غير مطابقة للواقع لا يقع إلا ممن لا يعرف الشرع، ولا يهتدي هديه، ولا يبصر بنوره. وعلى ذكرنا لحديث: " اتقوا فراسة المؤمن " فذكر قصة متعلقة به ذكرها من يوثق بنقله من أهل التاريخ، وهي أن الجنيد (١) ﵀ أذن له شيخه أن يتكلم على الناس في جامع البلد الذي هو فيه بعد صلاة الفجر فاعتذر له بأنه غير فصيح العبارة، وغير صالح لذلك فقال: لا عذر من ذلك. وكان هذا دائرا بينه وبينه في الليل، ولم يكن عندهما أحد، ولا خرج واحد منهما، فوقع التحدث في ذلك البلد بأن الجنيد قد أذن له شيخه أن يتكلم على الناس بعد صلاة الفجر في الجامع، وارتجت المدينة هذا الخبر، فلم

стр. 875

يحضر صلاة الفجر إلا وقد صار ذلك الجامع ممتلئا من الناس، وهم مزدحمون فيه، لأنه وصل إليه من لم يكن معتادا للصلاة فيه شوقا إلى كلام الجنيد، مع أنه لم يكن إذ ذاك في رتبة [٤ أ] الشيوخ، بل هي من جملة تلامذة شيخه، ولكن الأسرار الربانية تعمل عملها، والعمل الصاع لا يخفى. فلما فرغ أهل الجامع من الصلاة تهيا الجنيد للكلام، وقد التف عليه الناس حتى كأنهم على موعد لذلك، وكأنه قد صاح بينهم صائح. ما دار بينه وبن شيخه تلك الليلة، فقبل أن يتكلم بدره واحد من بين أولئك المستمعين فقال: يا شيخ، ما معنى قول النبي- ﵌ " اتقوا فراسة المؤمن فإنه يرى بنور الله " (١)؟ فأطرق الجنيد ثم رفع رأسه وقال: أسلم فقد آن لك أن تسلم، فقعد بين يديه وتكلم بالشهادتين، وذكر للجنيد ولذلك الجمع أنه من جملة النصارى الساكنين بذلك البلد، وأنه لما سمع الناس يتحدثون تلك الليل بأن الجنيد سيتكلم في الجامع بعد صلاة الفجر بقي مفكرا، وأدرك في قلبه ميلا إلى الإسلام، وعزم على حضور ذلك الجمع مريدا لاختبار الجنيد هذا الحديث، مع كونه قد لبس لباس الإسلام، وقال في نفسه: إن كاشفني أسلمت فكاشفه. مما تقدم، وصار ذلك الرجل من خيار المسلمين (٢)، فانظر هذا الكشف من مثل هذا الولي، واعرف به ما عند أفاضل هذه الطائفة من المواهب الربانية، وأسال ربك أن يجعل لك نصيبا مما فاض عليهم من تفضلاته على عباده. اللهم يا رب العالم، ويا خالق الكل، ويا مستوي على عرشك اجعل لنا نصيبا مما مننت به على هؤلاء [٤ ب] الصالحين، وتفضلت به عليهم، فالأمر أمرك، والخير خيرك، ولا معطى غيرك. وبالجملة فمن أراد أن يعرف أولياء هذه الأمة، وصالحي المؤمنين المتفضل عليهم بالفضل الذي لا يعدله فضل، والخير الذي لا يساويه خير فليطالع الحلية لأبي

стр. 876

نعيم (١)، وصفوة الصفوة لابن الجوزي. فإنهما تحريا ما صح، وأودعا كتابيهما من مناقب الأولياء المروية بالأسانيد الصحيحة ما يحدث بعضه بصنيع من يقف عليه إلى طريقتهم، والإقتداء بهم. وأقل الأحوال أن يعرف مقادير أولياء الله، وصالحي عباده، ويعلم أفم القوم الذين لا يشقى جليسهم، ولا يغبن من يأتى بهم، ويمشط على طريقتهم، فإن ذلك منه. بمجرده منزع من منازع الخير، ومهتع من مهاتع الرشد. وقد صح عنه- ﵌ أنه قال: " أنت مع من أحببت " (٢) فمحبة

стр. 877

الصالحين قربة لا همل، وطاعة لا تضيع، وان لم يعمل كعملهم، ولا جهد نفسه كجهدهم لأنفسهم. وفي هذا المقدار كفاية لمن له هداية [٥ أ] والحمد لله أولا وآخرا، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، ورضي الله عن صحبه الراشدين (١) [٥ ب].

стр. 878

بحث في الاستدلال على ثبوت كرامات الأولياء تأليف محمد بن على الشوكاني حققته وعلقت عليه وخرجت أحاديثه محفوظة بنت على شرف الدين أم الحسن

стр. 879

وصف المخطوط: ١ - عنوان الرسالة: بحث في الاستدلال على كرامات الأولياء. ٢ - موضوع الرسالة: في العقيدة. ٣ - أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وآله الأكرمين اعلم أن ما يحدث من أولياء الله سبحانه من الكرامات ... ٤ - آخر الرسالة: وهذه الأحاديث كلها في الصحيح. وفي هذا المقدار كفاية بل في بعضه ولله الحمد. ٥ - نوع الخط: خط نسخط جيد. ٦ - الناسخ: المؤلف: محمد بن علي الشوكاني. ٧ - عدد أسطر الرسالة: ٤١ سطرا، في الصفحة الأولى (٢٥) سطرا. وفي الصفحة الأخيرة (١٦) سطرا. ٨ - عدد الكلمات في السطر: ٩ - ١٠ كلمة تقريبا. ٩ - الرسالة من المجلد الرابع من " الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني ".

стр. 880

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وآله الأكرمين. اعلم أن ما يحدث من أولياء (١) الله- سبحانه- من الكرامات (٢) الظاهرة التي لا شك
следующие страницы →