← Джавами‘

Джавами‘ · id 36543

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

الشوكاني

Полный текст (5 091 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبعد: فإنه وصل إلى من بعض العلماء في سنة ١٢٠٧ هـ سؤال حاصله: أن الفاء في قوله تعالى: ﴿فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه﴾ (١) واقعة في موقع الدليل، لوقوعها متعقبة، ولم يظهر فيها معنى الدليل؟ فأجبت. مما لفظه: حمدا لك يا فاتح أقفال كل إشكال (٢)، وشكرا لك يا مانح حل عقد حبال الأعضال (٣)، وصلاة وسلاما على خير الخليقه، وعلى آله المطهرين حماة الحقيقة على الحقيقة، وبعد: فإن هذا سؤال لا ينتجه إلا فكر يخترق طباق أستار خرائد (٤) أبكار الأفكار، وفهم يجول ويصول في مدارج الإدراك إن هبت للمشكلات ريح ذات إعصار؟ فلله در منشيه، ولله در موشيه، ولا شك أن قول الله- : ﴿فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك﴾ (٥) إن جعل كما لاح للسائل- كثر الله من فوائده،

стр. 912

ومد من موائد فرائده- دليلا على طول مد اللبث (١) كان مرتج الباب شديد الاحتجاب عن أرباب الألباب، والذي يلوح للنظر القاصر، ويتقدم في الخاطر الفاتر أنه لم يسق مساق (٢) الدليل على طول تلك المدة، فإنه يهجر الاستدلال. ممثله على ذلك المدلول من له أن إلمام بعلم المعقول والمنقول، فكيف بمن له العلم الذي تقاصرت العقول بأسرها عن الإحاطة بكنهه ومقداره، وكان علم جميع الخلائق بالنسبة إليه كما يأخذه الطائر (٣) من البحر الخضم بمنقاره. وأقول مسندا لهذا الكلام الذي هو في قوة المنع أن معرفة طول المدة أمر مكشوف يمكن الإطلاع عليه بأعمال الحواس في المحسوسات، والإذعان له. مما يطرأ على أحوال هذه الأجسام من التغيرات.

стр. 913

ألا ترى ذلك لمار كيف نظر إلى أولاده بعد أن بعثه الله تعالى فوجدهم شيوخا بعد أن كانوا قبل تلك الإماتة صبيانا وفتيانا، وكان إذا حدثهم بحديث قالوا: هذا حديث مائة سنة كما ذكره أئمة التفسير (١)، فالظاهر أن قوله تعالى: ﴿فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك﴾ (٢) دليل على كمال القدرة الباهرة التي لا يستبعد من مثلها صدور ما استبعده ذلك المار، فيكون ذلك من إرداف دليل بدليل، وتعقيب آلة بآية، ولكنه لما كان مرتبطا بالدليل الأول أعني قوله: ﴿فأماته الله مائة عام ثم بعثه﴾ من جهة أن كونه آية عظمى، وأمرا عجيبا، إنما كان باعتبار ملاحظته جاء معنونا بالفاء المفيدة لتقدير محذوف يتوقف عليه كمال حسنها وفصاحتها كما صرح بذاك أئمة النحو والبيان، فكأنه- ﷻ قال للمار: إذا عرفت أيها المستبعد لإحياء القرية كمال القدرة على ذلك. مما وقع عليك من الإماتة هذه المدة (٣) المتطاولة،

стр. 914

وتحقق لديك ذلك بالنظر في الآثار القاضية به فههنا آية أخرى هي أجل موقعا من تدك، وأقطع لعرف الشك، وأحسم لجرح الحيرة، وأدفع لمنشأ الاستبعاد، وهي عدم تغير طعامك وشرابك مع مرور أزمان العشر من معشار عشيرها يكون في مثله التغير والفساد، وبقاء حمارك حيا سويا بلا علف (١)، ولا ماء دهرا لا يستمسك في مثل أقل قليلة الأرواح بلا قوام. وقد لوح جار الله (٢) ﵀ في كشافه (٣) إلى أن هذه آية مستقلة لا دليل على طول المدة فقال، وانظر إلى حمارك سالما في مكانه كما ربطته، وذلك من أعظم الآيات أن يعيشه الله مائة عام من غير علف، ولا ماء كما حفظ طعامه وشرابه من التغير انتهى. وهذا على تقدير أن الحمار كان عند بعث ذلك المار حيا كما ذهب إليه بعض أئمة (٤) التفسير، وعلى تقدير أن عظامه عند ذلك قد تفرقت ونخرت، كما ذهب إليه البعض (٥)

стр. 915

الآخر لكون قول الله تعالى: ﴿وانظر إلى حمارك﴾ سوقا للتعجيب من تماسك جسم المار وحفظه عن التفرق في تلك المدة مع مصير ما ينتظم معه في جنس الحيوانية، فهي فيها رمة بالية نخرة، وحفظ طعامه وشرابه عن التسنه بعد مضي مدة صار فيها الحمار إلى تلك الصفة، ويمكن أن يقال على هذا التقدير أن أمر المار بالنظر إلى رمة الحمار لما سيحدثه الله تعالى من إنشارها وإعادة ما كان على تلك الصفة حيا سويا، ليكون ذلك من الاستدلال إلى موضع الاستبعاد. مما يماثله، ويكون قوله: ﴿وانظر إلى العظام كيف ننشزها﴾ (١) مقررا لقوله: ﴿وانظر إلى حمارك﴾، ولكن الوجه هو التقرير

стр. 916

الأول أعني أن الحمار كان حيا عند البعث، ويكون المراد بالعظام في قوله: ﴿وانظر إلى العظام﴾ (١) عظام الموتى الذين استبعد ذلك المار إحياءهم، لاشتماله على تعدد الآيات الباهرة للعقول، ولكثرة البراهين التي لا يسع شاهدها غير التسليم والقبول، ولما يقضي به الفصل بقوله تعالى: ......................

стр. 917

﴿ولنجعلك آية للناس﴾ (١) من تبعيد التأكيد، ولما تقرر من أن ترجيح (٢) التأسيس

стр. 918

على التأكيد مهيع (١)، مسلوك، ولأمر ما جعل الله- ﷻ قصة الحمار آية للناس، واختصها بالتنبيه على هذه المزية. أقول قولي هذا، وأستغفر الله، فإن كان صوابا فمن الله، وإن كان خطأ فمن نفسي الأمارة. انتهى.

стр. 919

وبل الغمامة في تفسير ﴿وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة﴾ تأليف العلامة محمد بن علي الشوكاني حققته وعلقت عليه وخرجت أحاديثه محفوظة بنت علي شرف الدين أم الحسن

стр. 920

وصف المخطوط: ١ - عنوان الرسالة: وبل الغمامة في تفسير: ﴿وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة﴾. ٢ - موضوع الرسالة: تفسير الآية الكريمة ﴿وجاعل الذين اتبعوك ... ﴾. ٣ - أول الرسالة: الحمد لله وحده وصلاته وسلامه على سيدنا محمد وآله. وبعد: فإنه لا يزال يقع السؤال على معنى قول الله سبحانه: ﴿وجاعل الذين اتبعوك﴾. ٤ - آخر الرسالة: حرر منقولا من خط المجيب محمد بن علي بن محمد الشوكاني غفر الله له، قال: حرر في الثلث الأوسط من ليلة الربوع (١) إحدى ليالي شهر صفر سنة ١٢١٤ هـ. ٥ - نوع الحط: خط نسخط جيد. ٦ - عدد الأوراق: أربع عشرة ورقة. ٧ - المسطرة: الورقة الأولى: عنوان الرسالة واسم المؤلف. الورقة الثانية والثالثة والرابعة: ١٨ سطرا. الورقة الخامسة: ١٩ سطرا. الورقة السادسة والسابعة: ١٧ سطرا. الورقة الثامنة والتاسعة: ١٨ سطرا. الورقة العاشرة والحادية عشرة: ٢١ سطرا. الورقة الثانية عشرة: ٢٠ سطرا. الورقة الثالثة عشرة: ١٦ سطرا.

стр. 921

الورقة الرابعة عشرة: ١٥ سطرا. ٨ - عدد الكلمات في السطر: ١١ - ١٢ كلمة. ٩ - الرسالة في المجلد الثالث من " الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني"

стр. 922

الحمد لله وحده، وصلاته وسلامه على سيدنا محمد واله وبعد. فإنه لا يزال يقع السؤال عن معنى قول الله سبحانه: ﴿وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا﴾ (١). ومحل السؤال من هم هؤلاء المجعولون فوق الذين كفروا؟ فاعلم أن سياق الآية الكريمة هكذا: ﴿إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلى ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة﴾ ومقتضى الظاهر أن هذه الضمائر كفها لعيسى- ﵇، وأن المجعولين فوق الذين كفروا هم متبعوه. ولكنه قد وقع الخلاف في المتبعين له من هم؟ هل النصارى أم المسلمون؟ فصرح العلامة في الكشاف (٢) أنهم المسلمون. قال: لأنهم متبعوه في أصل الإسلام، وإن اختلفت الشرائع دون الذين كذبوه وكذبوا عليه من اليهود والنصارى. اهـ. وتبعه على ذلك صاجا مدارك (٣) التنزيل وحقائق التأويل فقال: هم المسلمون ثم ذكر كلام الزمخشري (٤) بحروفه. وكذلك القاضي البيضاوي (٥) إلا أنه ضم إلى المسلمين

стр. 923

النصارى فقال ما لفظه: ومتبعوه من آمن بنبوته من المسلمين والنصارى، وإلى الآن لم يسمع غلبة اليهود عليهم، ولم يتفق ملك ودولة. اهـ. وقال الرازي (١) في مفاتيح الغيب (٢) ما لفظه: وفيه وجهان: الأول: أن المعنى أن الذين اتبعوا عيسى على دينه يكونون فوق الذين كفروا من اليهود بالقهر والسلطان والاستعلاء إلى يوم القيامة، فيكون ذلك إخبارا عن ذل اليهود، وأنهم يكونون مقهورين إلى يوم القيامة. فأما متبعوا المسيح- ﵇ فهم الذين كانوا يؤمنون بأنه عبد الله ورسوله، وأما بعد الإسلام فهم المسلمون، وأما النصارى فهم وإن أظهروا من أنفسهم موافقته فهم يخالفونه أشد المخالفة من حيث إن صريح العقل يشهد بأنه- ﵇ ما كان يرضى بشيء مما يقوله هؤلاء الجهال. ومع ذلك فإنا نرى أن دولة النصارى في الدنيا أعظم وأقوى من أمر اليهود، بل يكونون أين كانوا فهم في الذلة (٣) والمسكنة، وأما النصارى فأمرهم بخلاف ذلك. انتهى. وكلامه هذا قد تضمن أطرافا: الطرف الأول: أن المجعولين فوق الذين كفروا هم متبعوا المسيح من النصارى إلى - كتاب المنهاج وشرحه في أصول الفقه.

стр. 924

ظهور الملة الإسلامية، ومن بعد ذلك هم المسلمون، إذ النصارى لو كانوا متبعين لعيسى لكانوا من المتبعين لرسول الله- ﷺ ، لأن شرع عيسى ودينه هو اتباع محمد ﷺ ، فمن لم يسلم من النصارى فهو وإن كان متبعا لعيسى قبل ظهور الملة المحمدية لكنه غير [٢] متبع له بعد ظهورها، لأن إتباعه لا يتم إلا باتباع (١) الملة المحمدية، إذ هو مبشر (٢) برسول الله- ﷺ كما نطق بذلك القرآن الكريم، بل جاءت الأدلة (٣)

стр. 925

الصحيحة الصريحة بأنه ينزل في آخر الزمان، ويدين بالشريعة المحمدية (١). وقال أبو السعود (٢) ما لفظه: قال قتادة، والربيع، والشجي، ومقاتل: هم أهل الإسلام الذين صدقوه، واتبعوا دينه من أمة محمد- ﷺ دون الذين كذبوه وكذبوا عليه من النصارى. ﴿فوق الذين كفروا﴾ وهم الذين مكروا به، ومن يسير بسيرتهم من اليهود، فإن أهل الإسلام فوقهم ظاهرين بالعزة والمنعة والحجة. وقيل: هم الحواريون. وقيل: هم الروم. وقيل: هم النصارى، فالمراد بالإتباع مجرد الادعاء والمحبة، وإلا فأولئك الكفرة. بمعزل من اتباعه- ﵇. انتهى. وقال محمد بن جزيء الكلبي في تفسيره المسمى: " التسهيل لعلوم (٣) التنزيل " ما لفظه: ﴿وجعل الذين اتبعوك﴾ هم المسلمون وعلوهم عليهم بالحجة وبالسيف في غالب الأمر. وقيل: ﴿الذين اتبعوك النصارى. وقوله:﴾ فوق الذين كفروا ﴿أي اليهود، فالآية مخبرة عن عزة النصارى على اليهود، وإذلالهم لهم. انتهى. وقال البقاعي (٤) في كتاب: نظم الدرر في تناسب ..................

стр. 926

الآيات (١) والسور ما لفظه: ولما كان لذوي الهمم العوالي أشد التفات إلى ما يكون عليه خلائفهم بعدهم من الأحوال [٣] بشر الله عيسى في ذلك. مما يسره فقال: ﴿وجاعل الذين اتبعوك﴾ (٢)، ولو بالاسم ﴿فوق الذين كفروا﴾ (٢) أي يسترون ما يعرفون من نبوءتك. مما رأوا من الآيات التي أتيت بها مطابقة لما عندهم من البشائر (٣) بك ﴿إلى يوم القيامة﴾. وكذا كان لم يزل من اتسم بالنصرانية حقا أو باطلا فوق اليهود، ولا يزالون كذلك إلى أن يعدموا فلا يبقى منهم أحد. انتهى. فهذا قد جزم بأن المجعولين فوق الذين كفروا هم النصارى، ولم يعتبر الإتباع مفسر، محدث، أديب. ولد بقرية خربة روما من عمل البقاع بلبنان (سنة ٨٠٩ هـ) وبها نشأ وتعلم وسكن دمشق ودخل بيت المقدس والقاهرة مات بدمشق سنة ٨٨٥ هـ. من كتبه: " نظم الدرر قي تناسب الآيات والسور " في التفسير. " مصاعد النظر للإشراف على مقاصد السور ". البدر الطالع (١/ ١٩ - ٢٢) ومعجم المؤلفين (١/ ٧١).

стр. 927

الصحيح الكامل، بل مجرد ما يصدق عليه مسمى الإتباع. ولهذا قال: " ولو بالاسم " وجعل المراد بقوله: ﴿فوق الذين كفروا﴾ الجاحدين لنبوة عيسى. وقال في المجيد (١): إن " الكاف " في اتبعوك ضمير عيسى، وقيل خطاب (٢) للنبي- ﷺ وهو من تلوين الخطاب. انتهى. إذا تقرر لك ما ذكره هؤلاء الأئمة الذين هم المرجع في تفسير كتاب الله- عرفت أن كلامهم قد تضمن الخلاف في ثلاثة مواطن من الآية الكريمة، أعني قوله تعالى:﴾ وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا ﴿(٣). الموطن الأول: في تفسير الضمير الذي هو " الكاف " في " اتبعوك "، فالجمهور على أنه راجع إلى عيسى- ﵇ وهو ظاهر السياق، فإنه لا خلاف أن الضمير في قوله:﴾ متوفيك ورافعك إلى ومطهرك ﴿لعيسى، فينبغي أن يكون الضمير في المعطوف، وهو﴾ وجاعل الذين اتبعوك & مثل الضمير في المعطوف عليه. وقيل هو لمحمد- ﷺ [٤] كما ذكره صاحب المجيد. ويؤيد هذا ما أخرجه ابن عساكر (٤) عن بعض الصحابة قال: جمعت رسول الله ﷺ يقول: " أنها لن تبرح عصابة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين على

стр. 928

الناس، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك " ثم نزع هذه الآية- أي قرأ بها: ﴿إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلى ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة﴾ (١). ووجه جعل هذا الحديث مؤيدا كون ذلك الضمير لمحمد- ﷺ أنه- ﷺ وصف أمته بتلك الأوصاف، ثم قرأ الآية مستدلا ها على تلك الأوصاف، فلو كان الضمير لعيسى لم يصح الاستدلال بالآية. فالحاصل أن السياق يرشد إلى ما قاله الجمهور، وهذا الحديث يرشد إلى ما قاله غيرهم. وسيأتي التصريح. مما هو الراجح، والجمع بين جميع الأقوال. الموطن الثاني: الخلاف في تفسير المتبعين بصيغة اسم الفاعل. وقد اختلف في ذلك على أقوال: الأول: إنهم المسلمون. والثاني: النصارى. الثالث: المسلمون والنصارى. الرابع: الحواريون. الخامس: الروم. وقد وردت آثار عن السلف قاضية بأنهم المسلمون [٥]، فمنها ما أخرجه عبد بن حميد (٢)، وابن جرير (٣) عن قتادة في تفسير قوله تعالى: ﴿وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة﴾ (٤) قال: هم أهل الإسلام الذين اتبعوه على فطرته وملته وسنته، فلا يزالون ظاهرين على من ناوأهم إلى يوم القيامة.

стр. 929

وأخرج ابن جرير (١) عن ابن جريج قال: معنى الآية ناصر من اتبعك على الإسلام على الذين كفروا إلى يوم القيامة .. وأخرج ابن أبي حاتم (٢) عن الحسن قال: هم المسلمون ونخن منهم، ونحن فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة. ومن الأدلة على هذا الحديث المذكور في الموطن الأول. ومن الآثار الدالة على أفم النصارى ما أخرجه ابن جرير (٣) عن ابن زيد في تفسير الآية قال: النصارى فوق اليهود إلى يوم القيامة. ومن الآثار الدالة على أهم المسلمون والنصارى ما أخرجه ابن المنذر (٤) عن الحسن في الآية قال: عيسى مرفوع عند الله، ثم ينزل يوم القيامة، فمن صدق عيسى ومحمدا - صلى الله عليهما- وكان على دينهما لم يزالوا ظاهرين على من فارقهم إلى يوم القيامة. المواطن الثالث: الخلاف في تفسير: ﴿الذين كفروا﴾ المذكورين في الآية [٦] .... . فذهب الجمهور إلى أنهم اليهود، وذهب الأقلون إلى أهم الذين ستروا ما يعرفونه من نبوة عيسى، وذهب آخرون إلى أنهم الذين مكروا بعيسى. وإذا قد عرفت الاختلاف بين أئمة التفسير في هذه الثلاثة المواطن فاعلم أن معرفة الراجح والمرجوح لا تتم إلا بعد إمعان النظر في هذه الآية الكريمة، فأقول: لا ريب أن صيغة ﴿الذين اتبعوك﴾ من صيغ (٥) العموم، وكذلك صيغة ﴿الذين كفروا﴾ من

стр. 930

صيغ العموم، والواجب العمل. مما دل عليه النظم القرآني. وإذا ورد ما يقتضي تخصيصه أو تقييده أو صرفه عن ظاهره وجب العمل به، وإن لم يرد ما يقتضى ذلك وجما البقاء على معنى العموم، وظاهره شمول كل متبع، وأنه مجعول فوق كل كافر، وسواء كان لإتباع بالحجة أو بالسيف أو بهما، وفي كل الدين أو بعضه، وفي جميع الأزمنة والأمكنة - الأحوال، أو في بعضها. والمراد بالكافر- الذي جعل المتبع فوقه- كل كافر سواء كان كفره بالستر لما يعرفه ش نبوة عيسى، أو بالمكر به، أو. بمخالفة دينه، إما بعدم التمسك بدين من الأديان قط، كعبدة الأوثان والنار والشمس والقمر، والجاحدين لله، والمنكرين للشرائع، وإما مع لتمسك بدين [٧] يخالف دين عيسى قبل بعثة نبينا محمد- ﷺ كاليهود وسائر الملل الكفرية، فالمتبعون لعيسى بأي وجه من تلك الوجوه هم المجعولون فوق من كان كافرا أي تلك الأنواع، ثم بعد البعثة المحمدية لا شك أن المسلمين هم المتبعون لعيسى لإقراره بنبوة محمد- ﷺ وتبشيره ها كما في القران الكريم، والإنجيل، بل في الإنجيل الأمر لاتباع عيسى بإتباع محمد- ﷺ . فالمتبعون لعيسى بعد البعثة المحمدية هم المسلمون في أمر الدين، ومن بقى على النصرانية بعد البعثة المحمدية فهو وإن لم يكن متبعا لعيسى في أمر الدين ومعظمه، لكنه متبع له في الصورة، وفي الاسم، وفي جزيئات من أجزاء الشريعة العيسوية فقد صدق عليهم أنهم متبعون له في الصورة، وفي الاسم، وفي شيء مما جاء به، وإن كانوا على ضلال ووبال وكفر، فذلك لا يوجب خروجهم عن العموم المذكور في القرآن، ولا يستلزم اندراجهم تحت هذا العموم أنهم على شيء، بل هم هالكون في الآخرة، وإن كانوا مجعولين فوق الذين كفروا، فذلك إنما هو في هذه الدار، ولهذا يقول الله- بعد قوله: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ (١)

стр. 931

فالحاصل أن المجعولين فوق الذين كفروا هم أتباع عيسى قبل النبوة المحمدية، وهم النصارى والحواريون، وبعد النبوة المحمدية هم المسلمون والنصارى والحواريون، الأولون هم الأتباع حقيقة، وغيرهم هم الأتباع في الصورة. وقد جعل الله الجميع فوق الذين كفروا من اليهود وسائر الطوائف الكفرية. وقد كان الواقع هكذا، فإن الملة النصرانية قبل البعثة المحمدية كانت قاهرة لجميع الملل الكفرية، ظاهرة عليها غالبة لها، وبعد البعثة المحمدية صارت جميع الطوائف الكفرية هبا بين الملة الإسلامية والملة النصرانية ما بين قتيل وأسير ومسلم للجزية، وهذا يعرفه كل من له إلمام بأخبار العالم، ولكن الله- سبحانه- قد جعل الملة الإسلامية قاهرة للملة النصرانية مستظهرة عليها، وفاء بوعده في كتابه العزيز كما في الآيات المشتملة على الأخبار بأن جنده هم الغالبون، وحزبه هم المنصورون. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فأيدنا الذين ءامنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين﴾ (١). ﴿ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين﴾ (٢)، ﴿ولن يجعل الله للكفرين على المؤمنين سبيلا﴾ (٣). وقد أخبر الصادق المصدوق بظهور أمته (٤)

стр. 932

على جميع الأمم وقهر ملته لجميع الملل. وبالجملة آنا إذا جردنا النظر إلى الملة الإسلامية، والملة النصرانية فقد ثبت بالكتاب والسنة ما يدل على استظهار [٩] الملة الإسلامية على الملة النصرانية، وإن نظرنا إلى جميع الملل فالملة الإسلامية والملة النصرانية هما فوق سائر الملل الكفرية لهذه الآية التي ورد السؤال عنها. ولا ينافي هذا شيء مما تقدم ذكره، لأن ما ورد مما يدلا على أن المسلمين هم المجعولون فوق الذين كفروا هو صحيح، لأنهم قد جعلوا فوق جميع الملل بعد البعثة المحمدية. ولا مخالف ذلك جعل بعض الملل الكفرية وهم النصارى فوق سائر الملل الكفرية، ولا ملجئ إلى جعل الضمير المذكور في الآية، وهو " الكاف " لنبينا محمد- ﷺ كما تكلفه جماعة من المفسرين، لأن برحله لعيسى كما يدل عليه السياق، بل هو الظاهر الذي لا ينبغي العدول عنه لا يستلزم إخراج الملة المحمدية بعد البعثة، إذ هم متبعون لعيسى كما عرفت سابقا. ولا خلاف بين أهل الإسلام أن الملة النصرانية كانت قبل البعثة المحمدية هي القاهرة لجميع الملل الكفرية، فلم يبق في تحويل الضمير عن مرجعه الذي لا يحتمل السياق فيه فائدة إلا تشكيك النظم القرآني، والإخراج له عن الأساليب البالغة في البلاغة إلى حد الإعجاز. ومن تدبر هذا الوجه الذي حررناه علم أنه قد أعطى التركيب القرآني ما يليق ببلاغته من بقاء عموم الموصول الأول والموصول الثاني، وعدم التعرض لتخصيصه. مما ليس بمخصص، وتقييده. مما ليس. بمقيد، وعدم الخروج عن مقتضى الظاهر في مرجع الضمائر، وعدم ظن التعارض بين ما هو متحد الدلالة [١٠]

стр. 933

فإن قلت: أي فرق يبن هذا التحرير الذي عولت عليه، وبين كلام الرازي في مفاتيح الغيب (١) الذي قدمت نقله؟. قلت: الفرق بينهما من وجوه ثلاثة. الأول: أن الرازي فسر الأتباع المجعولين فوق الذين كفروا بأهم قبل البعثة المحمدية أتباع المسيح، وبعدها المسلمون فقط. والتحرير الذي قدمناه يتضمن أفم بعد البعثة المسلمون والنصارى باعتبار استعلائهم على سائر الملل الكفرية. الوجه الثاني: أن الرازي خص أتباع عيسى بأنهم الذين كانوا يؤمنون بأنه عبد الله ورسوله. والتحرير الذي قدمناه فيه التعميم للأتباع في الحقيقة والأتباع في الصورة، وفي بعض الدين كما يقتضيه العموم. الوجه الثالث: أنه خصص الذين كفروا باليهود فقط، والتحرير الذي قدمناه يتضمن التعميم. فالحاصل أن كلام الرازي قد تضمن تخصص العمومين. مما لا يقتضي التخصيص. فإن قلت: أي فرق بين ما قدمت نقله عن البقاعي (٢) وبن ما حررته؟. قلت: البقاعي جعل الفرقة المستعلية هي النصرانية من غير تعرض منه لذكر الملة المحمدية بعد البعثة، ثم جعل الفرقة التي وقع الاستعلاء عليها هي الفرقة اليهودية، والذي حررناه يخالفه في الوجهين. فإن قلت: أي فرق بين ما قدمت نقله عن البيضاوي (٣)، وبن ما حررته؟. قلت: الفرق من وجهين: الأول: أنه وإن قال بأن المراد من امن بنبوة عيسى من المسلمين والنصارى، لكنه

стр. 934

خصص [١١] الإيمان بالنبوة، وأهمل العموم. الثاني: أنه جعل الذين كفروا هم اليهود والذي حررناه يخالفه في الوجهين. فإن قلت: أمحب: فرق بين ما نقلته سابقا عن أبي السعود (١)، وبين ما حررته؟ قلت: الذي ذكره أبو السعود حسبما سلف إنما هو حكاية الأقوال، فالقول الأول خصص الأتباع بالمسلمين، وهو مثل ما اختاره الزمخشري (٢) وأتباعه ثم قال: إن الذين كفروا هم الذين مكروا بعيسى، والذي حررناه يخالفه في الوجهين، وكذلك يخالف ما حكاه من بقية الأقوال في الفرقة المستعلية، وهكذا بقية النقول السابقة، وليس المراد هذا التنبيه إلا الإيضاح بأن ما حررناه أوفق. بمعنى الآية، وأدفع للإشكال، وأجمع لما قيل من الأقوال، ومخالفته لما خالفه ليست إلا من حيتا اقتصار كل قائل على قول، ونفي ما سواه، لا من حيث صدقه على جميع ما قيل، فلا شك أنه صادق على ذلك إذ من قال مثلا بأن الفرقة المستعلية هي فرقة المسلمين فقط قد دخل قوله تحت ذلك التعميم وكذلك من قال أنها الفرقة النصرانية [١٢] وكذلك من قال أهما الفرقتان جميعا وكذلك من قال أن الفرقة التي وقع الاستعلاء عليهما هي فرقة اليهود فقط أو الفرقة التي سترت ما تعرفه من نبوة المسيح، أو الفرقة التي مكرت به فأنه قد دخل ما قاله هؤلاء تحت ذلك العموم ومن قال أن الضمير لمحمد ﵌ فهو يرجع حاصل ما يستفاد من ذلك إلى قول من قال أن الفرقة المستعلية هم المسلمون (٣) ومثل هذا الإيضاح لا يحتاج إليه صادق

стр. 935

حرر منقولا من خط المجيب محمد بن علي بن محمد الشوكاني غفر الله له ...... قال [أي في الأصل] حرر في الثلث الأوسط من ليلة الأربعاء إحدى ليالي شهر صفر سنة ١٢١٤ هـ.

стр. 936

بحث في النهي عن إخوان السوء تأليف العلامة محمد بن علي الشوكاني حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه محمد صبحي بن حسن حلاق أبو مصعب

стр. 937

وصف المخطوط ١ - عنوان الرسالة: (بحث في النهي عن إخوان السوء). ٢ - موضوع الرسالة: تفسير. ٣ - أول الرسالة: " بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الأمن وعلى آله الطاهرين وصحبه الراشدين، وبعد: فإنا رأينا من بعض أهل عصرنا من يتصف بالأوصاف التي ذكرها الله سبحانه في كتابه العزيز حيث قال الله .... ". ٤ - آخر الرسالة: " والسنة المتواترة. اللهم أصلحنا وسائر عبادك، وادفع عنا شر الأشرار، وكيد الفجار، يا من لا إله غيره ولا ملجا سواه وحسبنا الله ونعم الوكيل. قاله كاتبه غفر الله له ". نوع الحط: خط نسخي جيد. الناسخ: المؤلف / محمد بن علي الشوكاني/. عدد الأوراق: ورقتين ونصف. الصفحة الأولى: ٢٥ سطرا. الصفحة الثانية: ٢٧ سطرا. الصفحة الثالثة: ٢٨ سطرا. الصفحة الرابعة: ٢٧ سطرا. الصفحة الخامسة: ٢١ سطرا. ٨ - عدد الكلمات في السطر: ٩ - ١٢ كلمة. ٩ - الرسالة في المجلد الرابع من " الفتح الربايئ من فتاوى الشوكايئ ".

стр. 938

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ والحمد لله رب العالمين، والصلاد والسلام على سيدنا محمد الأمن، وعلى آله الطاهرين وصحبه الراشدين، وبعد: فإنا رأينا من بعض أهل عصرنا من يتصف بالأوصاف التي ذكرها الله- سبحانه- في كتابه العزيز حيث قال- : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيات إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (١) انظر كيف وصف- سبحانه- ما

стр. 939

يقع من هذه الطائفة من الخبال والخذلان، وودادة ما يعنت أهل الإيمان، وظهور البغضاء التي محلها القلوب بترجمة الألسن عنها، وظهورها منها، وأن ذلك الذي تبديه الألسن من الأفواه إنما هو البعض، وما تخفيه الصدور أكبر! ثم ختم الآية بأن هذا البيان الرباني بالآيات القرآنية إنما يفهمه من يتعقل الأمور كما ينبغي، ويفهمها كما يجب، لا من كان غافلا بليد الفهم، ضعيف العقل بم فإنه يلتبس عليه صنيع هؤلاء المنافقة (١) الذين

стр. 940

يبطنون مالا يظهرون، ولكن فلتات ألسنتهم، وما تجيش به خواطرهم مما استجن في

стр. 941

قلوبهم من الغيظ يستدل به العقلاء على ما وراعه، ويتعقل به ما خلفه من العداوة الكامنة كمون النار في صميم الأحجار، ثم أوضح لعباده المؤمنين أنهم قد اغتروا بظواهر أحوالهم، وما تلفوه من نفاقهم (١)، فأخبرهم- مع أهم لا يحبونهم- أن المؤمنين على طريقة الإيمان الخالص التام بالكتاب كله [١ب]، وأضدادهم لا يؤمنون أصلا بل ينافقونهم، فيقولون آمنا، وذلك مجرد قول باللسان لا حقيقة له ولا اعتقاد (٢) قلب، ثم

стр. 942

بالغ الرب- سبحانه- في غيظ هؤلاء المنافقين، ومزيد بعضهم، وتكالبهم في العداوة للمؤمنين فقال: ﴿وإذا خلوا (١) عضوا (٢) عليكم (٣) الأنامل من الغيظ﴾ والبلوغ إلى لذا الحد لا يكون إلا لالتهاب صدورهم، وتسعر قلوبهم، واضطرام خواطرهم كما تراه يمن بلغ به الغيظ إلى عض أنامله، فإنه لا يكون ذلك إلا لأمر قد فدحه، وبلغ منه إلى لغاية التي ليس وراءها غاية، ثم علم الله المؤمنين. مما يقولونه لهم عند ذلك، وأمر رسوله - صلى الله عليه واله وسلم- أن يقول لهم: ﴿موتوا (٤) بغيظكم﴾. فانظر هذا الأدب

стр. 943

الإلهي، والتعليم الرباني، فإنك لو جئت بكل عبارة في الرد على هؤلاء المنافقة لم تجد جوابا أبلغ من هذا ولا أقطع، ولا أنكا لقلوهم، وأخرس لألسنهم منه فإن غاية ما يتأثر عن مزيد العداوة هو الغيظ، فإن تعاظم وتفاقم وأفرط بصاحبه بلغ به الموت، فإذا قلت لمن غلت مراجل قلبه، واضطرمت نيران جوفه، واضطربت أمواج صدره. مما جلبته عليه عداوته لك من الغيظ: (! ا بغيظك) فقد بلغت من نكايته مبلغا لا تفي به عبارة، ولا يحيط به قول، لأنك جئت بغاية ما تبلغ إليه كيده، وينهي الله غيظه، وقلت له: مت بغيظك، فإنك لم تضر به إلا نفسك، ولم ينجع إلا فيك، ولا بلغ هذه الغاية إلا منك، وعند أن يسمع هذا الجواب يزداد غيظا إلى غيظه، وبلاء إلى بلائه، ومحنة إلى محنته، وكانت الثمرة التي استفادها من عداوته وما حمله من حسده هو هذا العذاب العظيم، والبلاء المقيم، ولم ينل أهل الإيمان من ذلك شيء أصلا فحار كيده عليه ﴿ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله﴾ (١) ورجع بغيه إليه: ﴿يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم﴾ (٢) وعاد نكثه إلى نفسه: ﴿فمن نكث فإنما ينكث على نفسه﴾ (٣) وخداعه به ﴿يخدعون الله والذين ءامنوا وما يخدعون إلا أنفسهم﴾ (٤)، ثم أخبر- سبحانه- عباده المؤمنين بأنه عليم. مما تجنه الصدور، وتخفيه القلوب، وفي ذلك تسلية للمؤمنين عظيمة عما يكاد يلحق هم من غم لما يسمعونه من جلبة المنافقين عليهم، وصولتهم وعداوتهم لهم، لأن ما كان بعلم الرب- سبحانه-، وكائن لديه فهو المجازي لفاعله، المنصف من قائله، وكفى به- سبحانه- منصفا من

стр. 944

الظالمين، ومنتقما من المتخلقين بأخلاق (١) المنافقين، ثم بين- سبحانه- لعباده حال هؤلاء بأكمل بيان، وأوضحه بأتم إيضاح بحيث لا يبقى بعده ريب، ولا يختلج عنده شأ، فقال: ﴿إن تمسسكم حسنة تسوءهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها﴾ فجعل- سبحانه- مجرد مس الحسنة للمؤمنين موجبا لمساءة المتخلقين بأخلاق المنافقين، ومجرد إصابة ما يساء به المؤمنون مقتضيا لحصول الفرح لهم (٢)، وليس بعد هذا من العداوة شيء بم فإنه النهاية التي ليس وراءها نهاية، والغاية التي ليس بعدها غاية، ثم شد - سبحانه- قلوب عباده المؤمنين، وطمن خواطرهم، وأثلج صدورهم مع الصبر والتقوى، لا ينالهم من تلك الصولات شيء، ولا يعلق هم من تلك القعاقع أمر، ولا يصل إليهم ضرر البتة كما يفيده قوله- سبحانه-: ﴿لا يضركم كيدهم شيئا﴾ فجاء بلفظ شيء الذي يتناول مثقال الذرة وما دونه فضلا عما فوقه، وليس بعد هذه التسلية الربانية، والتعزية الرحمانية ﴿لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد﴾ (٣)، فإن هذه الألفاظ اليسيرة، والكلمات الموجزة أفادت ما لم تفده بلاغات البلغاء، وفصاحات الفصحاء، فإن غاية ما يجده من كلامهم في الشأن هو كقول قائلهم: إن يسمعوا سبة طاروا ها فرحا ... منى وما سمعوا من صالح دفنوا وكقول الآخر: إن يسمعوا الخير يخفوه وإن سمعوا ... شرا أذاعوا وإن لم يسمعوا أفكوا

стр. 945

فإنه غاية هذين البيتين أنهم يخفون المحاسن، وينشرون المساوئ [٢ب]. وأين هذا مما وصفه الله- سبحانه- عنهم من إساءة الحسنة لهم، وفرحهم بالسيئة! فإن هذا أمر وراء الإخفاء والإذاعة، فإنها لا تتأثر القلوب بالإساءة والفرع إلا بعد تمكن العداوة والبغضاء تمكنا زائدا. وأما مجرد الإخفاء للخير، والإذاعة للشر فإن ذلك يحصل ممن بلى. بمجرد الحسد، ومع هذا فإن هذا النظم القرآني يدل على أن مجرد ما يصل إلى المؤمنين مما يسمى حسنة يتأثر عنه المساءة لأعدائهم، ومجرد ما يصل إلى المؤمنين مما يسمى سيئة يتأثر عنه الفرح لأعدائهم كما يدل عليه تنكير الحسنة والسيئة، فإن الظاهر فيه أنه تنكير التحقير، فالحسنة الحقيرة والسيئة الحقيرة وإن بلغت إلى الغاية في الحقارة- يتأثر عنها ذلك، فكيف. بما كان فوق ذلك!. فإن قلت: قد ذكر الله- سبحانه- في هذه الآيات (١) أوصاف أهل النفاق، وما

стр. 946

كانوا عليه، فمن أين لك أن بعض أهل عصرك كذلك؟.: من وجد بأمته هذه الأوصاف التي اشتمل عليها الكتاب العزيز فقد صدق عليه ما ذكره الله- سبحانه- في هذه الآيات، ولا شك أن المتخلق بأخلاق المنافقين المقتدي هم فيما كانوا يعاملون به المؤمنين لاحق هم، وغاية الأمر أن تتورع عن الحكم بالنفاق. ونقول: من اتصف هذه الأوصاف فهو متخلق بأخلاق المنافقين، وهذا كلام صحيح لا يدفعه دافع، ولا يرده راد، بل السنة المطهرة تشهد له شهادة أوضح من شمس النهار، وتنادي عليه بأعلى صوت، وذلك أنه صح عن رسول الله- صلى الله عليه واله وسلم- كما في الصحيحين (١) وغيرهما أنه قال في تبيين أخلاق النفاق أنها " إذا وعد أخلف، وإذا حدث كذب، وإذا أؤتمن خان، وإذا خاصم فجر، وإذا عاهد غدر " هكذا في الأحاديث الصحيحة (٢) من طرق عديدة. وقال (٣): " من كانت فيه خصلة من هذه الخصال كانت فيه [٣أ]، خصلة من خصال المنافقين، ومن اجتمعت فيه فقد كمل فيه النفاق ".

стр. 947

الإسلام. والأحاديث في هذا الباب متواترة يعرفها من يعرف السمنة المطهرة، وقد وجدنا ووجد غيرنا من المتخلقين هذه الأخلاق من يعلم من بحث عن أحواله أنه إذا لم يكن فيه كل هذه الخصال ففيه بعضها، وإذا ثبت أنه يعرف صحة هذا فانظر إلى من غلب عليه أنه إذا لاقاك عظمك، وأثنى عليك، وتودد إليك، وإذا فارقك قام وقعد بذمك، وأظهر من العداوة لك والبغضاء ما يقدر على إظهاره كما قال الشاعر: ويحييني إذا لاقيته ... وإذا يخلو له جسمي رتع (١) ويراني كالشجا في حلقه ... عسرا مخرجه ما ينتزع (٢) وهكذا من وعدك (٣) فأخلفك، أو حدثك فكذلك، أو عاهدك فغدرك، أو أمنته

стр. 948

فخانك، فمن وجدته هكذا، أو حكمت عليه. مما حكم عليه رسول الله- ﵌ كان الحق بيدك، والصواب ما فعلته. ومن أنكر عليك ذلك فقد أنكر الشرع الواضح والسنة المتواترة. اللهم أصلحنا وسائر عبادك، وادفع عنا شر الأشرار، وكيد الفجار، يا من لا إله غيره، ولا ملجأ سواه، وحسبنا الله ونعم الوكيل. قاله كاتبه- غفر الله له-[٣ب]

стр. 949

جواب سؤال في قوله تعالى ﴿إلا من ظلم﴾ تأليف العلامة محمد بن علي الشوكاني حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه محمد صبحي بن حسن حلاق أبو مصعب

стр. 950

ملحوظة: السؤال من القاضي العلامة لطف الله بن أحمد جحاف (١) إلى شيخ الإسلام محمد بن علي الشوكاني- ﵀ حاصله: هل الاستثناء في قوله تعالى: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ (٢) متصل أو منقطع؟، وقد أشار في الكشاف (٣) إلى الوجهين، وأشار السائل إلى ترجيح الانقطاع. مما ذكره العلامة المقبلي (٤) ﵀. انتهى نقلا من الأم بقلم الوالد العلامة القاضي عبد الله بن عبد الكريم الجرافي (٥) ﵁.
следующие страницы →