قال ابن يونس: قال ابن القاسم: وإذا علم أنها لا تحيض، وقد بلغت ستة عشر سنة وشبه ذلك فهو عيب في جميع الرقيق سواء كانت علية، أو دنية. اهـ. "دس" بتوضيح.
[مسألة]
يرد الرقيق ببخر؛ أي عفونة فرج، وكذا بعفونة فم إذا قوي، ولو لذكر كما في الحطاب لتأذي سيده بكلامه. اهـ. ملخصا من أقرب المسالك و "دس".
[مسألة]
يرد الرقيق سواء كان ذكرا، أو أنثى إن ثبت أنه كان زنى عند البائع، وكذلك يرد بشرب خمر وكذا بأكل أفيون وحشيشة، وكذا بعدم نبات شعر العانة لدلالته على المرض إلا أن يكون عدم نباته لدواء فلا يرد، وكذا يرد بعدم نبات شعر الحاجب أو الهدب ولو كانا لدواء، وكذلك يرد الذكر والأنثى بزيادة سن فوق الأسنان أو طول أحدها، وأما كبر السن من المقدم فهو عيب في الرائعة ونظره في غيرها. اهـ. من أقرب المسالك بزيادة من "ص" و "در".
[مسألة]
يرد الرقيق بالظفر، وهو لحم نابت على بياض العين من جهة الأنف إلى سوادها ومثله الشعر النابت بالعين، وإن لم يمنع البصر. اهـ. ملخصا من "در" و "دس". وكذلك يرد الرقيق ذكرا أو أنثى بالعسر؛ وهو العمل باليد اليسرى فقط بخلاف الأضبط، وهو من يعمل بكل من يديه.
[مسألة]
التغرير الفعلي كالشرط كتلطيخ ثوب عبد بمداد فيوهم المشتري أنه كاتب فله الرد إن وجد غير كاتب، وأما التغرير القولي فليس كالشرط، فإذا قال: عامل فلانا فإنه ثقة ملي، وهو يعلم خلاف ذلك فعامله فأكل دراهمه، فلا يضمن الغار على المشهور. ومن القولي أن يقير إناء مخروقا لشخص وهو يعلم بخرقه، وأخبره بأنه لا خرق فيه فوضع فيه سمنا مثلا فتلف فلا ضمان على الغار على المشهور إذا لم يأخذ أجرة للإناء وإلا ضمن، كما أن الصيرفي إذا نقد دراهم لا يضمن، ولو أخبر بغير ما يعلم إذا لم يأخذ أجرة وإلا ضمن اهـ. ملخصا من أقرب المسالك و "ص".
[مسألة]
يرد الرقيق بسقوط سن من مقدم الفم مطلقا، ولو من ذكر أو وخش، وترد الرائعة بسقوط سن ولو من غير المقدم، وأما الوخش أو الذكر فلا يرد إلا بأكثر من سن من غير المقدم لا بسقوط واحدة. اهـ. من أقرب المسالك.
[مسألة]
ترد الرائعة بالشيب، وأما الوخش والذكر فلا يردان به إلا إذا كثر، وهذا إذا لم يشترط في العقد وإلا رد به ولو لم يكثر، والمدار في الشرط على الغرض الشرعي، فإذا اشترط ما فيه غرض شرعي عمل به إذا تخلف الشرط، وإن لم تكن العادة
стр. 212
السلامة منه. اهـ. ملخصا من أقرب المسالك.
[مسألة]
يرد الرقيق ببول في فراش حال النوم إذا بلغ سنا لا يبول الإنسان فيه غالبا إن ثبت حصوله عند البائع بإقراره أو بينة، وإلا يثبت حلف البائع أنه لم يبل عنده، ولم يعلم بأنه بال عنده، فإن نكل ردت عليه الذات المبيعة ذكرا أو أنثى. اهـ. من أقرب المسالك.
[مسألة]
لا رد بتهمة لرقيق بسرقة ظهرت البراءة منها بأن اتهم عند بائعه ثم ثبت أن السارق غيره مثلا، فإن لم تثبت البراءة كان للمشتري الرد، وهذا ما لم يكن متهما في نفسه مشهورا بالعداء، وإلا فله الرد مطلقا. اهـ. من أقرب المسالك.
[مسألة]
يرد الرقيق إذا وجده ولد زنى؛ لأنه مما تكرهه النفوس. اهـ. خرشي
(ما قولكم) في شخص اشترى رقيقا فادعى أنه حر بعتق سابق أو بغيره، أو ادعت الأمة أنها مستولدة فهل له الرد بذلك أم لا؟
(الجواب)
في أقرب المسالك إن ادعى الرقيق حرية لم يصدق بلا بينة، ولا يحرم التصرف الشرعي فيه من وطء أو استخدام أو بيع، لكن هذا الادعاء عيب يرد به إن ادعى الحرية قبل دخوله في ضمان المشتري بأن كانت دعواه الحرية زمن عهدة الثلاث التي يرد فيها بكل عيب أو زمن المواضعة، فإن صدرت منه بعد دخوله في ضمانه فلا يرد. اهـ.
(ما قولكم) في شخص اشترى أمة يظنها بكرا فوجدها ثيبا هل له الرد أم لا؟
(الجواب)
لا رد له بالاطلاع على كونها ثيبا، ولو في رائعة؛ لأنها محمولة على أنها قد وطئت إلا أن يكون مثلها لا يفتض فهو عيب، لكن في الرائعة فقط لا في الوخش إلا أن يشترط أنها غير مفتضة فيعمل بالشرط. اهـ. خرشي بتوضيح.
[مسألة]
يرد العبد بالتخنث بأن يشتبه في كلامه وحركاته بالنساء، ولو لم يشتهر بذلك على المعتمد، وأما الأمة فترد بالفحولة؛ بأن تتشبه في كلامها وحركاتها بالرجال لكن بقيد الاشتهار. اهـ. من أقرب المسالك.
[مسألة]
يرد الرقيق المسلم ذكرا، أو أنثى بقلف إن فات وقت ختانه، إلا أن يجلب من بلاد الحرب فالعيب الختان. اهـ. مجموع وفي دس، فإن كان ممن يختتن كاليهود فلا يكون وجوده مختونا عيبا. اهـ. شيخنا عدوي.
[مسألة]
يرد الرقيق بسلس بول، ويرد أيضا بسعال مفرط. اهـ. منه.
(ما قولكم) في شخص اشترى دارا فوجد فيها عيبا ينقص قيمتها فهل له الرد؟
(الجواب)
ترد إن كان العيب كثيرا ينقص ثلث قيمتها، وأما إن كان قليلا ينقص أقل من الثلث فلا ترد به، ويرجع بقيمة ماله
стр. 213
بال من ذلك العيب القليل كصدع جدار بغير واجهة الدار، ولا يخاف على الدار منه، سواء على الجدار نفسه أم لا بأن كان بواجهتها، وخيف على الدار السقوط منه فكثير ترد به الدار. اهـ. منه.
(ما قولكم) في شخص اشترى دارا فيها بئر بمحل آباره حلوة فوجد بئر الدار التي اشتراها مالحا فهل له الرد أم لا؟
(الجواب)
له الرد إذا وجد بئرها مالحا بمحل الآبار التي ماؤها حلو، وكذا له الرد بتهوير بئرها وغور مائها. اهـ منه.
[مسألة]
ترد الدار بعدم مرحاض بها، وترد أيضا إذا كان المرحاض مواجها لبابها أو كان في دهليزها أو كان بقرب الحائط بحيث يحصل منه نزاز أو يحصل منه رائحة بمنزل النوم أو الجلوس. اهـ. ملخصا منه ومن "ص".
[مسألة]
ترد الدار بشؤمها؛ بأن جربت بأن كل من يسكن فيها يصاب بمصيبة. اهـ. من أقرب المسالك.
[مسألة]
ترد الدار بكثرة بقها، وبكثرة نملها. اهـ منه.
[مسألة]
ترد الدار إن سكنها الجن، وكانوا يؤذون ساكنها. اهـ منه.
[مسألة]
إن اشترى دابة من الأنعام أو من غيرها، ولو أمة لرضاع فوجد الدابة مصراة؛ أي ترك حلبها ليعظم ضرعها فله الرد؛ لأن زيادة اللبن تزيد في الثمن، ويرد المشتري الحيوان إن حلبه مع صاع من غالب قوت أهل البلد على المشهور، والراجح اتحاد الصاع إن تعدد المصراة ما لم يتعدد العقد، وإلا فيتعدد الصاع، ورد الصاع خاص بالأنعام الإبل والبقر والغنم، وظاهره اتحاد الصاع، ولو تكرر حلابها حيث لا يدل على الرضا، وأما غير الأنعام فترد بلا صاع كالأنعام إذا لم يحلبها، ومقابل المشهور يقول: يتعين رد التمر لقول لمالك في المدونة في الخبر: "لا تصروا الإبل والغنم، فمن اشتراها بعد ذلك فهو لخير النظرين بعد أن يحلبها، إن شاء أمسكها وإن شاء ردها، وصاعا من تمر". هذا حديث متبع ليس لأحد فيه رأي. وأجيب للمشهور بأنه اقتصار على غالب قوت المدينة إذ ذاك وقوله: "لا تصروا" بضم التاء، وفتح الصاد وضم الراء بعدها واو جماعة، والإبل مفعول، وهذا الضبط رواية المتقنين كما للأبي عن عياض: من "صر" رباعيا "كزكى"، كقوله تعالى:﴾ فلا تزكوا أنفسكم ﴿ورواية غير المتقنين بفتح أوله وضم ثانيه ونصب الإبل على المفعولية، وبها صدر النووي من "صر" ثلاثيا. وروي أيضا: "لا تصر الإبل" ببناء "تصر" للمجهول، ورفع الإبل على النيابة عن الفاعل، وهي من صر ثلاثيا أيضا، وحرم رد اللبن بدون الصاع
стр. 214
وأما مع الصاع فلا حرمة، ويحرم أيضا رد غير اللبن إذا كان رد اللبن أو غيره بدلا عن الصاع، وذلك لما فيه من بيع الطعام بالطعام قبل قبضه؛ لأنه برد الصاع أوجب عليه الشارع رد الصاع عوضا عن اللبن، فلا يجوز رد اللبن ولا غيره عوضا عن الصاع، وهذا التعليل يفيد حرمة رد غير الغالب مع وجود غالب وهو كذلك، فلو غلب اللبن رد منه صاعا من غير ما حلبه من المصراة، وإن حلب المشتري المصراة حلبة ثالثة، فإن كان حصل له الاختبار بالحلبة الثانية فالحلبة الثالثة تعد رضا منه فليس له حينئذ ردها، وألا يحصل بالثانية اختبار فله الحلبة الثالثة ليحصل له بها علم حالها ولا تعد رضا، فإن ادعى عليه البائع أنه حصل له الرضا بالحلبة الثالثة، أو ادعى عليه أنه علم أنها مصراة ورضي، فإن حلف المشتري فله الرد وإلا فلا، ولا رد إن علم المشتري بأنها مصراة حين الشراء، واشتراها عالما بالتصرية. اهـ. من المجموع وعب بتوضيح.
(ما قولكم) في شخص اشترى ثورا للحرث فحرث به أول يوم فرقد، ثم حرث به ثاني يوم فرقد، فهل الحرث ثاني يوم يعد رضا أم لا؟
(الجواب)
في "دس": ليس الحرث ثاني يوم رضا؛ لأن له أن يدعي الاختبار كما ذكره الوانوغي أخذا من قول المدونة في هذه ال مسألة ، فإن حصل الاختبار بالثانية فهوى حلبها ثالثا رضا. اهـ.
[مسألة]
يجب على البائع بيان ما علمه من عيب سلعته قل أو كثر، ولو كان البائع حاكما أو وارثا أو وكيلا. وأما قولهم: إن بيع الحاكم والوارث بيع براءة فمحله؛ إذ لم يكن عالما بالعيب، وعلى البائع تفصيل العيب للمشتري أو إراءته إياه إن كان يرى، ولا يجوز له إجماله، فإن أجمل كهو معيب فمدلس، ويرد المبيع بما وجده المشتري فيه من العيب. اهـ. من أقرب المسالك.
(ما قولكم) في شخص باع رقيقا وأجمل في بيان العيب الذي فيه، فقال: هو سارق. فتبين فيه يسير السرقة، فهل ينفعه التبري في يسير السرقة أم لا؟
(الجواب)
ينفعه ذلك في يسير السرقة دون الفاحش منها على الأوجه؛ لأن بيانه العيب مجملا كلا بيان، وهذا ما للبساطي وفي "بن": إن كلام المدونة والنوادر كالصريح فيما قال البساطي كما في نقل الحطاب والمواق. وقيل: لا ينفعه ذلك التبري مطلقا.
(ما قولكم) في شخص قال: أبيعك عظما في قفة أو أبيعك هذا الحيوان جزارى. والحال أنه يعلم أن بعض العيوب فيه فهل ينفعه ذلك أم لا؟
(الجواب)
في "دس": انظر هل يجري فيه خلاف
стр. 215
البساطي وغيره أو يتفقان على أن البراءة لا تنفع في هذا؛ لأن ما علمه لم يبين أنه به، وهو ظاهر المدونة كما في "بن". اهـ. من "دس".
[مسألة]
قال في المدونة: لو كثر في براءته ذكر أسماء العيوب لم يبرأ إلا من عيب يريه إياه ويوقفه عليه، وإلا فله الرد إن شاء. اهـ. من أقرب المسالك.
[مسألة]
ترد الدابة بعثر وحرن وهو عدم الانقياد، وإذا اشتد به الجري وقف، وبعدم إطاقة حمل أمثالها، وبكل عيب يؤدي لنقص في الثمن، أو المثمن. اهـ. منه بتوضيح.
(ما قولكم) في شخص اشترى دابة فوجدها قليلة الأكل فهل له ردها أم لا؟
(الجواب)
له الرد إن كانت القلة مفرطة كما في الخرشي.
(ما قولكم) في شخص اشترى رقيقا فوجده كثير الأكل فهل له رده أم لا؟
(الجواب)
في حاشية الخرشي: إن كثرة الأكل الخارجة عن العادة في الرقيق ينبغي أن تكون عيبا؛ لأنه إذا بيع ينقص ثمنه. هكذا يؤخذ من باب الإجارة فيمن استأجر أجيرا بأكله فوجده أكولا، وأما كثرة الأكل في الحيوانات البهيمي فليست عيبا.
[مسألة]
ترد الدابة بالدبر، وهو القرحة وترد أيضا بالنفور المفرط.
[مسألة]
إن اشترى دابة فوجدها تنطح فهو عيب ترد به، وكذا ترد إذا وجدها ترفص إذا كان كل منهما ينقص الثمن، وكذا ترد بتقويس الذراعين. اهـ. من "دس".
(ما قولكم) في شخص اشترى فرسا فأقام عنده شهرا، ثم رأى به عيبا قديما فهل له الرد أم لا؟
(الجواب)
في "بن" وجدت بخط ابن غازي ما نصه:
قيل: العمل اليوم أن من اشترى فرسا أقام عنده شهرا لم يمكن من رده بعيب قديم فانظر. هل يصح هذا؟ اهـ.
قلت: وقد استمر بهذا العمل في فاس، ففي نظم العمليات:
وبعد شهر الدواب بالخصوص ... بالعيب لا ترد فافهم النصوص
كذا في دس.
[مسألة]
لا رد بكي لم ينقص ثمنا، ولا ذاتا. اهـ. من أقرب المسالك.
[مسألة]
لا رد بما لا يطلع عليه إلا بتغير كسوس خشب، وفساد جوز ولوز وبندق، وكذا لا رد بمرّ قثاء وبطيخ إلا لشرط، فيعمل به وترد السلعة، ولا قيمة للمشتري على البائع عند عدم رد ما ذكر إذا لم يشترط الرد، وكذا لا قيمة للبائع على المشتري في نظير كسرها إذا ردها بالشرط فيما يظهر، والعادة كالشرط ورد الخشب بالشرط إن وجد مسوسا هو ما استظهره سيدي خليل في توضيحه كما في الخرشي.
[مسألة]
ترد كتب الحديث إذا لم يوجد فيها لفظ الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 216
ولا يكفي الرّمز كـ (صلعم). اهـ. بـ "در". اهـ. من حاشية الخرشي.
[مسألة]
يرد الكتاب بنقص ورقة وذلك لأن عيب غير الدار لا فرق بين اليسير، والكثير. اهـ. من حاشية الخرشي.
(فصل)
فيما يمنع الرد بالعيب القديم وبيع الطعام قبل قبضه، وغير ذلك.
(ما قولكم) في قولهم: لا ينفع البائع التبري من العيوب التي لا يعلمها إلا في الرقيق خاصة هل مطلقا، أو إذا طالت إقامته عنده؟
(الجواب)
إذا تبرأ بائع الرقيق من عيب لم يعلمه به، فلا يرد عليه إن ظهر به عيب قديم عنده بشرطين:
الأول: أن لا يعلم البائع به فإن علمه، فلا ينفعه التبري منه إلا إذا بيّنه تفصيلا، أو أراه إياه.
الثاني: أن تطول إقامة الرقيق عند بائعه، وحد بعضهم الطول بنصف شهر فأكثر بخلاف ما إذا لم تطل إقامته عنده فلا ينفعه التبري مما لا يعلمه، ولمشتريه الرد إن وجد به عيبا قديما؛ لأن شأن الرقيق أن يكتم عيوبه، فتحصل أنه إذا وجد الشرطان لا يرده المشتري إذا وجد به عيبا. قال ابن عرفة: ولا يرد بيع البراءة بما ظهر من عيب قديم إلا إذا أقام المشتري بينة أن البائع كان عالما به، فإن لم يكن للمشتري بينة وجب حلف البائع أنه ما كان عالما به سواء ادعى المشتري علمه أم لا؟ وهل يحلف على البت في العيب الظاهر، وعلى نفي العلم في العيب الخفي، أو يحلف على نفي العلم مطلقا؟ قولان: الأول لابن العطار، والثاني لابن الفخار. وحكى ابن رشد الاتفاق على القول الثاني كما في "بن". اهـ. "در" و "دس" بتوضيح.
[مسألة]
لا رد بالعيب القديم إن زال عند المشتري قبل الحكم برده سواء زال العيب قبل القيام به، أو بعده، وقبل الحكم بالرد عند ابن القاسم، كما لو كان أعرج فزال عرجه، أو كان للرقيق ولد فمات، هذا إذا كان العيب لا يحتمل العود، وإلا فزواله لا يمنع الرد كبول في فرش في وقت ينكر، فإن زال عند المشتري. وقال أهل المعرفة: يمكن عوده فله الرد، ولو وقع الشراء حال زواله. اهـ. من أقرب المسالك.
[مسألة]
لا رد إن أتى المشتري بما يدل على الرضى بالعيب كسكوت طال أكثر من يومين بلا عذر بعد الاطلاع على العيب، فإن كان لعذر كسجن أو خوف من ظالم فلا يدل على الرضا، فإن سكت يوما أو يومين حلف أنه لم يرض بالعيب ورده، فإن نكل فلا رد، ويحلف البائع إن كانت دعواه على المشتري دعوى تحقيق لا إن كانت دعوى اتهام فلا يحلف، وإن سكت أقل من اليوم فله الرد بلا يمين. اهـ. منه بزيادة من "دس".
[مسألة]
لا رد إن ركب الدابة أو استعملها في نحو طحن، أو رهنها بعد
стр. 217
الاطلاع على العيب، ولو حصل منه شيء من ذلك زمن الخصام مع البائع، ومثل ذلك الإسلام للصنعة، كما هو ظاهر. اهـ. من أقرب المسالك.
[مسألة]
لا رد إن فات المبيع بهلاك أو ضياع أو بنحو صدقة، وحينئذ يتعين للمشتري على البائع الأرش، فإذا اشتراه بعشرين ثم هلك عنده أو تصدق به ثم اطلع على عيب قديم لو بيع به يكون بخمسة عشر، فإنه يرجع عليه بخمسة. اهـ. بتصرف.
(ما قولكم) في شخص اشترى رقيقا فوجده متزوجا، فأراد رده فحصل موت للزوج الشامل للذكر والأنثى، أو طلاق فهل له رده، أو لا رد له لزوال عيبه؟
(الجواب)
قيل: لا رد بالموت فقط دون الطلاق على الأظهر؛ لأن الموت قاطع للعلقة فيزول به العيب، لكن في موت الزوجة يزول عيب التزويج من الرجل مطلقا من على الرقيق أو وخشه، وفي موت الزوج يزول عيب التزويج من الأمة إذا كانت وخشا لا إن كانت علية، وقيل: يزول العيب بموت المدخول بها أو طلاقها بائنا أو فسخ نكاحها وهو المتأول، والأحسن على المدونة. وقيل: لا يزول بموت ولا طلاق فله رده؛ لأن من اعتاد التزويج لا صبر له على تركه غالبا، وهو قول مالك. قال البساطي: ولا ينبغي العدول عنه ومحل هذه الأقوال في التزويج بإذن السيد من غير أن يطلبه من سيده بشفاعة جماعة، فإن كان تزوجه بغير إذن أو بطلب فعيب مطلقا في موت أو طلاق، وأما طلاق غير المدخول بها وموتها فإنه يمنع من الرد اتفاقا. اهـ. ملخصا من "در" و "دس".
(ما قولكم) في شخص اشترى سلعة فيها عيب قديم بعشرة ثم باعها على البائع قبل إطلاعه على العيب القديم بثمانية، فهل يلزم البائع الأول يكمل لمشتريه منه بقية الثمن أم لا؟
(الجواب)
يلزم البائع أن يكمل للمشتري بقية ثمنة فيدفع له اثنين سواء كان مدلسا أم لا، وأما لو باعه للبائع بثمانية بعد إطلاعه على العيب فلا يلزم البائع أن يكمل للمشتري الثمن سواء دلس البائع أم لا، وأما لو باعه لأجنبي فلا رجوع له على البائع سواء باعه للأجنبي بمثل الثمن أو أكثر أو أقل؛ لأنه إن باعه له بعد إطلاعه على العيب فهو رضا منه، وإن باعه قبل إطلاعه عليه بمثل الثمن أو أكثر فواضح؛ لأنه لا ضرر عليه حيث عاد له مثل ثمنه أو أكثر، وإن باعه له بأقل فلحوالة الأسواق لا للعيب؛ أي فيبيعه بأقل من ثمنه لتحول الأسواق من الغلاء للرخاء لا للعيب. قاله ابن القاسم.
стр. 218
وقال ابن المواز: إلا أن يكون نقص ثمنه من أجل العيب، مثل أن يبيعه بالعيب ظانا أنه حدث عنده، أو باعه وكيله ظانا ذلك فيرجع بما نقصه من الثمن أو قيمته. قال ابن رشد، وابن يونس وعياض: قول ابن المواز تفسير لابن القاسم. اهـ. من أقرب المسالك بزيادة من "دس" وتوضيح.
(ما قولكم) في شخص اشترى أمة بكرائم افتضها، ثم اطلع على عيب قديم فما الحكم؟
(الجواب)
له التماسك بالأمة وأخذ أرش العيب القديم، وله ردها على البائع ودفع أرش العيب الحادث، وهو افتضاضها ففي أقرب المسالك، وإن حدث بالمبيع عيب متوسط كعجف؛ وهو شدة الهزال، وعمى وعور وعرج وشلل، وتزويج رقيق، وافتضاض بكر ولو وخشا، فله التماسك بالمبيع وأخذ أرش العيب القديم، وله الرد ودفع أرش العيب الحادث، إلا أن يقبله البائع بالحادث عند المشتري من غير أرش، فيقال للمشتري: إما أن ترده بالقديم ولا شيء عليك أو تتماسك به ولا شيء لك في نظير القديم.
(ما قولكم) في شخص اشترى أمة ثيبا، ثم وطئها ثم اطلع على عيب قديم فهل يخير ويكون له الرد، ويدفع أرش الحادث، أو يتماسك ويأخذ أرش القديم أم كيف الحال؟
(الجواب)
وطء الثيب من العيب القليل، وهو لا خيار للمشتري فيه، بل إما أن يرد ولا شيء عليه، أو يتماسك ولا شيء له، ففي أقرب المسالك مشبها بما لا خيار للمشتري فيه كالقليل كوعك؛ أي ألم خفيف ورمد وصداع، وقطع ظفر بيد أو رجل ولو من رائعة، والظاهر أن ما زاد على الظفر الواحد متوسط في الرائعة فقط وخفيف حمى، ووطء ثيب وقطع شفة كنصفين، وكذا أكثر حيث لا ينقص الثمن دلس البائع أم لا، أو فصلها كقميص إن دلس البائع بكتم العيب حين البيع، فإن لم يدلس فمن المتوسط. اهـ. بزيادة من "ص".
[مسألة]
إن اشترى أمة فحدث بها قطع أصبع ثم اطلع على عيب قديم فقطع الأصبع من المتوسط، فيخير المشتري بين أن يتماسك بالمبيع ويأخذ أرش القديم، أو يرد ويدفع أرش الحادث، وأما ذهاب أنملة فمن المتوسط في الرائعة لا في الوخش، والظاهر أن ما زاد على الأنملة متوسط في الرائعة والوخش. اهـ. من "ص".
[مسألة]
العيب المخرج عن المقصود مفيت للرد بالعيب القديم، ويتعين للمشتري الأرش على البائع عند التنازع وعدم الرضا، والمخرج عن المقصود كتقطيع شقة قطعا غير معتاد، كجعلها
стр. 219
قلاعا لمركب، أو عرقيات وككبر صغير عند المشتري عاقل أو غيره، وكهرم شاب عند المشتري، ومحل كونه له الأرش ما لم يهلك المبيع عند المشتري بعيب التدليس، أو يهلك بسماوى زمن عيب التدليس كموته في زمن إباقه الذي دلس به، وإلا فالثمن يرجع به المشتري على البائع المدلس لا إن لم يدلس، أو دلس بسماوى لا في زمنه بل عند المشتري فالأرش. اهـ. من أقرب المسالك.
[مسألة]
إذا تنازع البائع مع المشتري فقال له البائع: أنت رأيت العيب حال البيع، أو أنت رضيت به حين اطلعت عليه، وأنكر المشتري ذلك فالقول للمشتري أنه ما رآه ولا رضي به، ولا يمين عليه إلا أن يحقق البائع عليه الدعوى بأن يقول له: أنا أريتك العيب أو أعلمتك به أو فلان أعلمك به، وأنا حاضر فالقول للمشتري بيمين، فإن حلف رد المبيع على البائع، وإلا ردت اليمين على البائع، فإن حلف فلا كلام للمشتري، وهذا إذا لم يسم البائع من أخذه، أو سماه وتعذر شهاده لموت ونحوه، وإلا فله أن يقيمه شاهدا ويحلف معه، ولزم البيع ولا يفيد لمشتري دعوى عدم الرضا، وكذلك لا يقبل قول المشتري إلا بيمين إذا أقر بأنه فتش المبيع حال البيع ولكنه ما رأي العيب، فإن نكل لزمه البيع، ولا ترد اليمين على البائع لأنها يمين تهمة. اهـ. من أقرب المسالك بزيادة من "ص".
[مسألة]
إذا باع شخص عبدا فأبق عند المشتري بالقرب فادعى المشتري أنه عيب قديم وأنكر قدمه وادعى أنه ما أبق عنده أصلا فالقول للبائع ولا يمين عليه إلا أن يحقق المشتري عليه الدعوى فعليه اليمين. اهـ. من أقرب المسالك.
[مسألة]
إذا تنازع البائع مع المشتري في وجود العيب في المبيع وعدمه، فالقول للبائع أنه لا عيب به ولا يمين عليه؛ لأن الأصل في الأشياء السلامة من العيوب، وكذا إذا تنازعا في قدم العيب وحدوثه، فالقول للبائع بأنه حادث بلا يمين إن قطعت البينة بحدوثه، وإن شهدت بقدمه قطعا فالقول للمشتري بلا يمين سواء استندت البينة في قولهم ذلك للعادة، أو للمعاينة، أو لإخبار العارفين، أو لإقرار البائع لهم بقدمه، وحلف من لم يقطع بصدقه من بائع أو مشتر، فإن قالت البينة: نظن قدمه فللمشتري بيمين، وإن قالوا: نشك أو نظن في حدوثه فالقول للبائع بيمين، وإن اختلف أهل المعرفة في قدمه، وحدوثه عمل بقول الأعرف، فإن استويا عمل بقول الأعدل، فإن تكافآ في العدالة سقطا لتكاذبهما، وإذا
стр. 220
سقطا كان كالشك على ما استظهره بعضهم؛ أي فيكون القول للبائع بيمين. اهـ. ملخصا من أقرب المسالك و "ص".
[مسألة]
أن اشترى نحو ثوبين في صفقة واحدة فظهر عيب بأحدهما، فله رد الثوب المعيب بحصته من الثمن، وله التمسك بالباقي بجميع الثمن. اهـ. من أقرب المسالك.
[مسألة]
إن اشترى أثوابا متعددة مثلا فظهر عيب بأكثرها، وبقي عنده الأقل السالم فيرد الجميع ويأخذ جميع الثمن أو يتماسك بالجميع وليس له التماسك بالأقل السالم بحصته من الثمن ورد الأكثر المعيب، وإنما منع التمسك بالقليل السالم؛ لأنه كإنشاء عقدة بثمن مجهول إذ لا يعرف ما ينوب الأقل، إلا بعد تقديم المبيع كله أولا ثم تقويم كل جزء من الأجزاء، وأما إذا لم يبق الأقل السالم عند المشتري، بل فات عنده فله رد المعيب وأخذ حصته من الثمن. اهـ. ملخصا من أقرب المسالك و "ص".
[مسألة]
إن اشترى أحد مزدوجين كسوارين أو خفين فوجد عيبا بأحدهما فيرد الجميع ويأخذ جميع الثمن، وليس له رد المعيب إلا أن يتراضيا بذلك. اهـ. من أقرب المسالك.
[مسألة]
إذا رد المشتري المعيب للبائع فالغلة للمشتري من وقت عقد البيع وقبض المشتري للمبيع إلى فسخ البيع إما بحكم أو تراض، وكذلك يفوز المشتري بالغلة إذا أخذ منه المبيع بشفعة، أو باستحقاق، أو بتفليس للمشتري المفلس أو بفساد للبيع، ومن الغلة الثمرة غير المؤبرة وقت الشراء، لكن لا يفوز بها المشتري إلا إذا جذت في المسائل الخمس وإن لم تجذ، فلا تكون للمشتري في الشفعة والاستحقاق إلا إذا يبست على أصولها، وإلا كانت للشفيع والمستحق ولو زهت، وفي العيب والفساد إلا إذا زهت، وإلا أخذها البائع فيهما كما يأخذها في الفلس مطلقا ما لم تجذ، وعلى هذا التفصيل قول بعضهم:
والفائزون بغلة هم خمسة ... لا يطلبون بها على الإطلاق
الرد في عيب وبيع فاسد ... وشفعة فلس من استحقاق
فالأولان بزهوها فازا بها ... والجذ في فلس ويبس الباقي
فقوله: فالأولان؛ أي المشتري فيما إذا ظهر بالسلعة عيب، والمشتري إذا ظهر فساد المبيع يفوز كل منهما بالغلة إذا زهت الثمرة عند رد السلعة، وإلا أخذها البائع فيهما. وقوله: والجذ في فلس؛ أي أن المشتري إذا حكم بتفليسه فأخذ البائع
стр. 221
منه النخل الذي اشتراه منه، فالمشتري يفوز بالثمرة إن جذها، وإلا فهي للبائع. وقوله: ويبس الباقي؛ المراد بالباقي الشفعة والاستحقاق، والمعني: أن الذي اشترى النخل غير المؤبر فأخذ منه بالشفعة، أو الاستحقاق فلا يفوز المشتري بثمرة ذلك النخل إلا إذا يبست على أصولها، وإلا كانت للشفيع والمستحق، وهذا معني قولهم: ترد الثمرة في الشفعة، والاستحقاق إلى الشفيع والمستحق ما لم تيبس على أصولها وإلا فهي للمشتري، وترد المثرة للبائع إذا فلس المشتري ما لم تجذ وإلا فهي للمشتري، وأما الثمرة المؤبرة حين الشراء أو حين الاستحقاق فليست غلة فترد للبائع في الفلس والعيب والفساد مطلقا ولو زهت أو يبست أو جذت، وفي الشفعة والاستحقاق يأخذها الشفيع مطلقا. اهـ. ملخصا من أقرب المسالك و "ص" بتوضيح.
[مسألة]
إذا غلط الصباغ فصبغ الثوب لونا غير مطلوب صاحبه، فإن ربه يخير بين أخذ قيمته أبيض يوم الغلط، أو يأخذه ويدفع للصباغ قيمة صبغه يوم الحكم كما في الأمير.
(ما قولكم) في شخص اشترى سلعة فظهر بها عيب فذكر المشتري العيب للبائع فرضي بأنه يقبضها منه من غير احتياج لحكم حاكم، فقبل أن يقبضها البائع من المشتري هلكت فهل ضمانها من البائع أو المشتري؟
(الجواب)
ضمانها من البائع وإن لم يقبضها بالفعل؛ لأنه لما رضي بقبضها من غير حكم حاكم دخلت في ضمانه، ففي أقرب المسالك: ودخلت السلعة المردودة بالعيب في ضمان البائع إن رضي بالقبض من غير حكم حاكم، وإن لم يقبض بالفعل أو ثبت العيب عند حاكم بإقرار بائعها أو بالبينة وإن لم يحكم، فإن هلكت بعد ذلك فضمانها منه. اهـ.
(ما قولكم) في شخص قال: يا من يشتري هذا الفص. والحال أنه لم يعرفه، فاشتراه شخص بنصف ريال فتبين أنه ياقوتة تساوي ألفا، فهل ترد لصاحبها أو يفوز بها المشتري؟
(الجواب)
يفوز بها المشتري؛ لأن بيع الغلط لازم، ولو كان المشتري عالما بأنها ياقوتة وقت الشراء ما لم يكن البائع وكيلا أو وصيا، وإلا فالبيع غير ماض، ففي أقرب المسالك: ولا رد بغلط، بل البيع لازم إن سمي باسم عام كحجر، أو هذا الفص أو هذا الشيء مع الجهل بحقيقته الخاصة، كأن يبيع هذا الحجر بدرهم فإذا هو ياقوتة تساوي ألفا، ولا فرق في حصول الغلط بالمعني المذكور من المتبايعين أو من أحدهما مع علم الآخر، ومحله إذا كان البائع غير وكيل وإلا
стр. 222
فلموكله الرد قطعا. ومفهوم قوله إن سمي باسم عام أنه لو سماه بغير اسمه كهذه الزجاجة، فإذا هي زبرجد، أو بالعكس لثبت الرد قطعا. اهـ. بتوضيح.
وفي المجموع: ولا كلام لبائع نحو الحجر يملكه فإذا هو ياقوت، ولو علم المشتري واحترز بقوله يملكه من الوكيل والوصي فلا يمضي. اهـ. بتصرف.
(ما قولكم) في شخص اشترى سلعة تساوي درهما بعشرة، فهل له رد البيع بهذا الغبن الفاحش أم لا؟
(الجواب)
لا رد بالغبن الفاحش إلا أن يستسلم بأن يقول المشتري للبائع: أنا لا أعلم قيمة هذه السلعة فبعني كما تبيع للناس. ويسمى هذا بيع الاستئمان، فللمشتري حينئذ الرد بالغبن، ففي أقرب المسالك: ولا رد بغبن ولو خالف العادة في القلة والكثرة، إلا أن يستسلم أحد المتبايعين صاحبه؛ بأن يخبره بجهله كأن يقول المشتري: أنا لا أعلم قيمة هذه السلعة فبعني كما تبيع للناس. فقال البائع: هي في العرف بعشرة فإذا هي بأقل، أو يقول البائع: أنا لا أعلم قيمتها فاشتر مني كما تشتري من الناس. فقال: هي في عرفهم بعشرة. فإذا هي بأكثر، فللمغبون الرد على المعتمد بل باتفاق. اهـ.
(ما قولكم) في شخص اشترى سلعة بعقد صحيح على غير خيار ولم يقبض تلك السلعة، ثم تعيبت عند البائع، فهل الضمان من المشتري أو البائع؟
(الجواب)
الضمان من المشتري، والحال ما ذكر إلا في المبيع الذي فيه حق توفية.
قال في أقرب المسالك: وانتقل الضمان إلى المشتري بالعقد الصحيح اللازم ولو لم يقبضه من البائع إلا فيما فيه حق توفية لمشتريه، وهو المثلي من مكيل أو موزون أو معدود فضمانه على البائع إلى قبضه بالكيل أو الوزن أو العد، واستيلاء المشتري عليه فيدخل حينئذ في ضمان المشتري. اهـ. بتوضيح.
[مسألة]
إذا باع شخص شيئا لآخر يوزن أو يكال، وتولي البائع أو وكيله الوزن أو الكيل ثم أخذ الشيء الموزون أو المكيل ليفرغه في ظرف المشتري، فسقط من يده أو تلف فضمانه من البائع، وأما إذا تولى تفريغه في الظرف المشتري فضمانه منه؛ لأنه حين أخذه من الميزان، أو المكيال ليفرغه في ظرفه فقد تولى قبضه فضمانه منه، وأما إذا تولى المشتري الوزن أو الكيل والتفريغ فيسقط من يده -فقال مالك وابن القاسم: مصيبته من البائع؛ لأن المشتري وكيل عن البائع ولم يقبض لنفسه حتى يصل لظرفه، وأما إذا لم يحضر ظرف المشتري وإنما حمل ذلك في ظرف البائع بعد وزنه أو كيله ليفرغه في ظرفه ببيته مثلا فسقط منه أو تلف فضمانه من المشتري بمجرد الفراغ
стр. 223
من الوزن أو الكيل أو العد، ولو كان الحامل لها بيت المشتري البائع بطريق الوكالة، ولو كان السمن في فوارغه قبل وزنها، والفارغة على ربها وإنما كان ضمانه حال كونه في ظرف البائع من المشتري؛ لأن قبضه بعد الفراغ من وزنه قبض لنفسه في ظرف البائع، ويجوز له بيعه بذلك قبل وصوله لداره، وليس فيه بيع الطعام قبل قبضه؛ لأنه قد وجد القبض منه. اهـ. من أقرب المسالك بتصرف، وزيادة من "ص".
[مسألة]
لو فرغ المشتري الزيت مثلا على زيت عنده ثم وجد فأرا فالأصل أنه من عند المشتري؛ لأنه في إنائه شوهد حتى يثبت أنه من عند البائع، فيضمن زيت المشتري الذي تلف بسبب زيته أيضا إن دلس. اهـ. حطاب بزيادة. اهـ. من أمير.
[مسألة]
إن اشترى زيتا مثلا وأفرغه على زيته، ثم وجدت فأرة ولم تعلم من أيهما، فعلى المشتري كما في المجموع عن الحطاب.
[مسألة]
أجرة الكيل أو الوزن أو العد على البائع إذ لا تحصل التوفية إلا بذلك حيث لم يكن شرط أو عرف بخلاف ذلك وإلا عمل به، وأما أجرة الثمن إذا كان مكيلا أو موزونا أو معدودا فعلى المشتري. اهـ. "در" بتوضيح.
[مسألة]
إذا اقترض شخص من آخر شيئا يكال أو يعد أو يوزن فأجرة الكيل أو الوزن أو العد على المقترض؛ لأن المقرض صنع معروفا فلا يكلف الأجرة، وكذا على المقترض أجرة ما ذكر عند رد القرض وكذا تلزم أجرة ما ذكر من قال لصاحبه: أقلني ومن قال لآخر: ولني ما اشتريت بما اشتريت، ومن قال لآخر: أشركني معك في هذا الطعام.
ولا تلزم أجرة ما ذكر المقيل، والمولي والمشرك بالكسر بالجميع؛ لأن كلا منهم فعل معروفا كالمقرض. اهـ. "در" بتوضيح.
(ما قولكم) في رجل اشترى من شخص قمحا بعينه، وفارقه قبل أن يكتاله فتعدى البائع على الطعام فعيبه فهل يلزمه أن يأتي بقمح مثله للمشتري، أو يأخذ المشتري دراهمه
(الجواب)
في أقرب المسالك قال في المدونة: ومن ابتاع من رجل طعاما بعينه ففارقه قبل أن يكتاله، فتعدى البائع على الطعام فعليه أن يأتي بطعام مثله، ولا خيار للمبتاع في أخذ دنانيره، ولو هلك الطعام بأمر من الله تعالى انتقض البيع، وليس للبائع أن يعطي طعاما مثله، ولا ذلك عليه. اهـ. والخطأ كالعمد، وليس كالسماوى. اهـ. ببعض تصرف.
(ما قولكم) في شخص له حب مرتب في شونة السلطان في كل شهر أردب مثلا، هل له أن يبيعه قبل أن يقبضه أم لا؟
(الجواب)
стр. 224
إن كان ذلك الحب مرتبا له في مقابلة عمل كتدريس، أو قضاء أو نحو كتابة دفتر أو غير ذلك فلا يجوز بيعه قبل قبضه، ويلحق بذلك طعام جعل صداقا أو خلعا فلا يجوز بيعه قبل قبضه، كما لا يجوز لمن اشترى طعاما أن يبيعه قبل قبضه لما في الموطأ والبخاري، ومسلم أن رسول الله ﷺ قال: "من اشترى طعاما فلا يبعه حتى يكتاله"، وأما إذا رتب لشخص أردب حب مثلا بشونة السلطان على وجه الصدقة كجراية أهل مكة المرتبة لهم من طرف السلطان، فيجوز بيع ما ذكر قبل القبض؛ لأنه ليس في نظير عوض، ففي أقرب المسالك: وجاز لمن ملك شيئا بشراء، أو غيره البيع له قبل القبض إلا طعام المعاوضة فلا يجوز بيعه قبل قبضه، وسواء كان الطعام ربويا أوغير ربوي، وطعام المعاوضة ما استحق في نظير عوض، فلا يجوز بيعه قبل قبضه، ولو كان العوض غير متمول كطعام جعل لقاض أو جندي من بيت المال في نظير القضاء أو في نظير حراسة الجندي أو غزوه، بخلاف ما لو رتب شيء لإنسان من بيت المال أو غيره كوقف على وجه الصدقة أو أهدى له أو تصدق به عليه، فيجوز بيعه قبل قبضه لعدم المعاوضة، ومحل جواز بيع الطعام المتصدق به أو الموهوب إذا لم يكن المتصدق أو الواهب اشتراه، وتصدق به أو وهبه قبل قبضه، وإلا فلا يبيعه المتصدق به عليه حتى يقبضه. اهـ. بتصرف وزيادة من "ص". وتوضيح.
[مسألة]
محل منع بيع طعام المعاوضة قبل قبضه إن أخذ بكيل أو وزن أو عدل لا إن أخذ جزافا فيجوز بيعه قبل قبضه، فمن اشترى صبرة جزافا بشروطه جاز بيعها قبل القبض لدخولها في ضمان المشتري بالعقد فهي مقبوضة حكما، فليس في الجزاف توالي عقدتي بيع لم يتخللهما قبض، وحرمة بيع طعام المعاوضة قبل قبضه تعبد على الصحيح. اهـ. منه بتوضيح.
[مسألة]
الوصي ونحوه يجوز له إذا اشترى لأحد يتيميه طعاما من الآخر كان له أن يبيعه لأجنبي قبل قبضه قبضا ثانيا حسيا لمن اشتراه له؛ لأن الوصي لما تولي الطرفين لمحجوره نزل اشتراؤه من أحدهما للآخر منزلة القبض. اهـ. بتصرف.
[مسألة]
من عنده طعام وديعة لشخص أو اشتراه له بإذنه، ثم اشتراه من مالكه قبل أن يقبضه المالك فلا يجوز له بيعه بالقبض السابق على الشراء؛ لأن ذلك القبض السابق على الشراء لم يكن قبضا تاما، بدليل أن رب الطعام لو أراد إزالته من يده ومنعه
стр. 225
من التصرف كان له ذلك. اهـ. منه.
[مسألة]
لا يجوز أن تحيل بطعام عليك من بيع على طعام لك على شخص من قرض، ووجهه أن الذي اشترى منك الطعام ولم يقبضه إذا أحلته فقد باع ذلك الطعام الذي له في ذمتك من بيع بغيره. اهـ. أمير على "عب" بتوضيح.
[مسألة]
يجوز لمن اشترى طعاما أن يقرضه لشخص قبل قبضه، أو يوفيه عن قرض عليه؛ لأن الأقراض والوفاء من قرض ليسا ببيع، فليس فيه توالي عقدتي بيع لم يتخللهما قبض بخلاف وفائه عن دين أصله بيع، فلا يجوز لوجود علة المنع وهي توالي عقدتي بيع لم يتخللهما قبض. اهـ. منه بتوضيح.
[مسألة]
يجوز للمقترض أن يبيع الطعام قبل قبضه سواء باعه لمن تسلفه منه، أو لأجنبي. اهـ. منه بتصرف.
(فصل في الإقالة)
(ما قولكم) في الإقالة، هل حكمها حكم البيع أم لا، وإذا اشترى شخص شيئا ودخل في ضمانه ثم حدث به عيب، ثم طلب المشتري الإقالة فأقاله البائع ولم يعلم بالعيب الحادث إلا بعد الإقالة فهل للبائع الرد على المشتري أم لا؟
(الجواب)
في أقرب المسالك: الإقالة من حيث هي بيع يشترط فيها ما يشترط فيه، ويمنعها ما يمنعه، فإذا وقعت وقت نداء الجمعة منعت وفسخت، وإذا حدث بالمبيع عيب وقت ضمان المشتري ولم يعلم به البائع إلا بعد الإقالة فله الرد به إلا في مسائل:
الأولى: الإقالة من طعام المعاوضة قبل قبضه فهي فيه حل بيع لا بيع، فلذا تجوز الإقالة من طعام المعاوضة قبل قبضه من بائعه إن وقعت بمثل الثمن الأول، وأما إن وقعت بأكثر أو أقل فلا تجوز الإقالة فيه قبل قبضه؛ لأنها حينئذ بيع.
الثانية: الشفعة فالإقالة فيها ليست بيعا، ولا حل بيع بل هي لاغية باطلة شرعا، فمن باع نصيبه من عقار ثم أقال المشتري منه فالشفعة ثابتة للشريك بما وقعت به الإقالة، وعهدة الشفيع على المشتري بحيث إن الشفيع يرجع على المشتري بالعيب والاستحقاق، ولو كانت بيعا لخير الشفيع بين أن يأخذ بالبيع الأول أو الثاني لما يأتي في الشفعة إن شاء الله تعالى من أن المشتري إذا تعدد خير الشفيع بين أن يأخذ بأي بيع، ولو كانت حل بيع لم توجد شفعة لرجوع المبيع لصاحبه.
الثالثة: المرابحة، فالإقالة فيها حل بيع فمن اشترى سلعة بعشرة وباعها مرابحة بخمسة عشر ثم أقال البائع المشتري، فلا يجوز للبائع أن يبيعها لآخر بخمسة عشر إلا إذا بين، وإنما وجب التبيين؛ لأن المشتري قد يكره ذلك، وأما إذا باعها بالعشرة، فلا يجب البيان على المعتمد لاحتمال أن كراهة
стр. 226
المشتري المبيع لكثرة الثمن. اهـ. بتوضيح.
(فصل في المرابحة)
(ما قولكم) في شخص باع سلعة على آخر مرابحة بخمسين على أن العشرة أحد عشر، ثم ادعى الغلط وقال: بل ثمنها الأصلي مائة، وأتى ببينة تشهد له بذلك، فهل للمشتري الرد؟
(الجواب)
في أقرب المسالك: وإن غلط من باع مرابحة بنقص في الثمن بأن قال للمشتري منه مرابحة: اشتريته بخمسين، ثم ادعى الغلط وقال: بل ثمنه الأصلي مائة وصدقه المشتري في ذلك، أو لم يصدقه فأثبت ما ادعاه بالبينة فللمشتري الخيار، إما أن يرد السلعة، أو يدفع ما ادعاه البائع، وربحه وإن فاتت السلعة بيد المشتري لا بحوالة سوق خير بين دفع الثمن الذي ثبت بعد البيع، وربحه ودفع قيمة السلعة يوم البيع، ومحل تخييره بين دفع الثمن الصحيح وربحه، ودفع القيمة ما لم تنقص القيمة عن الغلط وربحه، وإلا فلا ينقص عن الغلط وربحه؛ لأنه قد رضي بدفعهما حين قال له بخمسين، والعشرة أحد عشر، ومعلوم أن الغلط وربحه أقل من الصحيح وربحه، والعاقل إذا خير بين دفع أحد أمرين إنما يختار دفع أقلهما، وحينئذ فيتعين دفعه للغلط وربحه حيث نقصت القيمة عنهما، وأما حوالة السوق فلا يعد في الغلط فوتا، وحينئذ فللمشتري الرد، أو دفع ما تبين وربحه كما تقدم صدر الجواب. اهـ بتصرف وتوضيح، وزيادة من "دس" و "ص".
[مسألة]
إن باع مرابحة وزاد في الثمن، ولو خطأ لزم المشتري إن حط البائع ما زاده وربحه، وإلا خير المشتري في التماسك والرد، كما أنه يخير في التماسك والرد إن غشه البائع، كأن وضع في يد العبد مدادا ليوهم أنه يكتب، وإن فاتت السلعة ولو بحوالة سوق ففي الغش يلزم المشتري الأقل من الثمن الذي وقع به البيع والقيمة، وفي الكذب يخير بين دفع الثمن الصحيح وربحه، أو القيمة يوم قبضه ولا ربح لها ما لم تزد القيمة على الكذب وربحه، وإلا لم يلزمه الزائد. اهـ. من أقرب المسالك بتوضيح وزيادة من ص. (١)
(فصل في المداخلة)
[مسألة]
من اشترى حوتا فوجد في بطنه لؤلؤة، فإن كانت مثقوبة فلقطة، وإلا فقيل للبائع وهو الصواب. وقيل: للمشتري. اهـ من عبد الباقي.
[مسألة]
إذا اشترى حوتا فوجد في بطنه حوتا، فإن كان اشتراه وزنا فهو
стр. 227
للمشتري، وإن اشتراه جزافا فللبائع. اهـ من عبد الباقي أيضا.
(ما قولكم) في رجل اشترى دارا فوجد بأرضها رخاما مدفونا وعمدا وحليا ونقدا، هل يدخل في شراء الدار ويكون للمشتري أو هو للبائع؟
(الجواب)
في أقرب المسالك: ولا تتناول الأرض مدفونا بها من رخام، وعمد وحلي ونقد وغير ذلك، بل هو لمالكه بلا خلاف إن علم بالإثبات أنه المالك، أو دلت القرائن عليه وحلف أنه ملكه سواء كان هو البائع، أو غيره من بائع لذلك البائع أو وارث أو غيره، وإن لم يعلم مالكه فهو لقطة فيعرف على حكم اللقطة إن ظن إفادة التعريف، وإلا كان مالا جهلت أربابه، محله بيت مال المسلمين إن كان منتظما، هذا إذا لم يكن عليه علامة الجاهلية، وإلا فهو لواجده، ويخمس والخمس لبيت المال. اهـ. بتصرف وتوضيح.
[مسألة]
إذا اشترى عبدا تناول ثياب خدمته فتدخل معه في البيع، ولو لم تكن عليه حال البيع، وأما ثياب زينته فلا تدخل معه إلا لشرط، ولو اشترط البائع عدم دخول ثياب خدمته بطل شرطه، ولزم البائع أن يعطيه ما يستره، وهذا قول أشهب عن مالك، ورجحه بعضهم قال: وبه مضت الفتوى عند الشيوخ، وسمع عيسى ابن القاسم أن الرجل إذا اشترط أن يبيع جارية عريانة فله ذلك، وصوبه ابن رشد قال: وبه مضت الفتيا بالأندلس، فهما قولان مرجحان. اهـ. منه بتصرف وتوضيح.
[مسألة]
يجب على البائع أن يسلم للمشتري وثائق العقار، وإلا خير المشتري كما في دس.
(فصل) في اختلاف المتبايعين
(ما قولكم) في شخص اشترى سلعة، وادعى أن ثمنها تسعة دراهم، فقال البائع: بل عشرة، فما الحكم؟
(الجواب)
إن كانت السلعة قائمة حلف كل منهما على نفي دعوى خصمه مع تحقيق دعواه، فيقول البائع: ما بعتها بتسعة، ولقد بعتها بعشرة، ويقول المشتري: لم أشترها بعشرة ولقد اشتريتها بثمانية، وإن تنازعا في التقدم فيجبر الحاكم المشتري على تبدئة البائع بالحلف، ويفسخ البيع بعد الحلف ظاهرا وباطنا، فيجوز لمن ردت له السلعة التصرف فيها ولو بالوطء، والفسخ يكون بحكم حاكم أو تراض منهما عليه، ويفسخ أيضا ظاهرا وباطنا إن نكلا وقضي للحالف على الناكل، فإن لم يحصل حكم بالفسخ ولا تراض منهما جاز لأحدهما بما ادعاه الآخر وتم البيع به، وإن فاتت السلعة بحوالة سوق
стр. 228
فأعلى فالقول للمشتري بيمين إن اشتبه أشبه البائع أم لا، فإن حلف قضي له به، وإلا حلف البائع كما يحلف ابتداء إن انفرد بالشبه. اهـ من أقرب المسالك بتصرف، وزيادة من عدوي.
[مسألة]
في الأمير قال في المدونة، ومن باع حائطه وقال: اشترطت نخلات اختارها بغير عينها، وقال المبتاع: ما اشترطت إلا هذه النخلات بعينها تحالفا، وتفاسخا. اهـ ومثله في الشامل اهـ "بن".
[مسألة]
إذا اختلف قول المشتري والبائع في حدوث العيب وقدمه كان القول قول البائع أنه حادث كما في حاشية الخرشي من فصل الخيار.
(فصل) في السلم
(ما قولكم) في شخص اشترى قنطارا من لحم بمائة قرش على أن يأخذ منه كل يوم رطلا هل هو جائز أم لا؟
(الجواب)
في أقرب المسالك: وجاز شراء من بائع دائم العمل كخباز ولحام تشتري منه جملة كقنطار، ومفرقة على أوقات ككل يوم رطلا حتى تفرغ الجملة بدينار مثلا، ولا يشترط تعجيل رأس المال ولا تأجيل المثمن؛ لأن البائع لما نصب نفسه للعمل أشبه ما باعه الشيء المعين، وهذا بيع لا سلم، وليس لأحدهما الفسخ، ولا تفسخ بعد الموت أيضا. ووجه كونه بيعا أنهم نزلوا دوام العمل منزلة تعين المبيع، والسلم يكون المبيع فيه في الذمة لا معينا، ولا يشترط هنا تعجيل رأس المال بخلاف السلم، فلا يجوز تأخير رأس المال أكثر من ثلاثة أيام، ويشترط هنا الشروع في أخذ الشيء المشترى ولا يغتفر التأخير إلا لنصف شهر، وإن لم يكن دائم العمل فهو سلم يشترط فيه شروطه السبعة:
الأول: تعجيل رأس المال.
الثاني: أن لا يكون الثمن والمثمن طعامين، ولا نقدين.
الثالث: أن يؤجل المسلم فيه بأجل معلوم كنصف شهر فأكثر لا أقل.
الرابع: أن يكون المسلم فيه في الذمة.
الخامس: أن يضبط المسلم فيه بعادته التي جرى بها العرف من كيل، أو وزن أو عدد.
السادس: أن تبين الأوصاف التي تختلف بها الأغراض عادة بيانا شافيا.
السابع: أن يوجد المسلم فيه عند حلوله غالبا. اهـ ملخصا من أقرب المسالك و "ص" بتصرف وتوضيح.
[مسألة]
يجوز أن تشتري قدرا معينا كرطل لحم كل يوم بدرهم مثلا من جزار دائم العمل، ومثله الخباز، ودوام العمل إما حقيقة أو حكما بأن كان من أهل ذلك الشيء المشترى منه، بحيث ييسر له تحصيله في أي وقت، ولا يشترط تعجيل رأس المال ولا تأجيل المثمن لأنه من باب
стр. 229
البيع، ويشترط الشروع في أخذ الشيء المشترى، ولا يغتفر التأخير إلا لنصف شهر، ولكل منهما الفسخ هنا؛ لأن البيع وإن كان جائزا فهو غير لازم، وإن لم يكن دائم العمل اشترط فيه شروط السلم، كالتي قبل هذه. اهـ من أقرب المسالك بتوضيح، وزيادة من "دس" و "ص".
(ما قولكم) في شخص وجد عند نحاس مثلا طستا لم يكمل فاشتراه منه جزافا على أن يكمله، هل يجوز أم لا، وإذا قلتم بالجواز هل يضمنه المشتري بالعقد أو بالقبض، أو يضمنه البائع؟
(الجواب)
في أقرب المسالك: أن من وجد صانعا شرع في طست، أو سيف، أو نحو ذلك، فاشتراه منه جزافا بثمن معلوم على أن يكمله جاز، ودخل في ضمان المشتري بالعقد، وأما البائع فلا يضمنه إلا ضمان الصناع، وهو إن كان التلف من الصانع أو ادعى هلاكه ولم تقم له بينة بذلك، والحال أنه مما يغاب عليه ضمن وإلا فلا ضمان عليه. اهـ بتصرف وزيادة من "دس".
[مسألة]
إن وجد ثوبا شرع في نسجه شخص، فلا يجوز أن يشتري منه ليكمل؛ لأن الثوب إن خرج على خلاف الصفة المشترطة لا يمكن إعادته بخلاف نحو الطست المتقدم، فإن نحو النحاس والحديد إن خرج على خلاف الصفة المشترطة يمكن إعادته على المطلوب، فلذا جاز هذا إذا لم يكثر عنده الغزل من جنس المطلوب، وإلا جاز؛ لأنه لو خرج على خلاف الصفة المشترطة عمل من ذلك الغزل بدله على الصفة. اهـ من أقرب المسالك بتوضيح.
[مسألة]
في الأمير على "عبق" سئل "عج" عمن وكل على قبض ثمن طعام، فدفع الوكيل عن الثمن طعاما وأخذ الثمن فأجاب بالجواز، وفيه أيضا سئل ابن زكريا عمن اشترى ثمار حائط وعجز عن بعض الثمن فرد بدله بعض الثمر، فأجاب بالجواز حيث كان الباقي من الثمن أقل من الثلث، فخالفه بعض معاصريه، فقال سيدي أحمد بن زكريا لمن خالفه: يا رأس اللحم، حكى ابن رشد في البيان أن القدر الذي يجوز أن يستثنى ابتداء يجوز أن يكون قضاء. وقوله: يا رأس اللحم، كناية عن البلادة كرأس الأنعام.
باب في الرهن
(ما قولكم) في شخص عليه دين فطلبه ربه منه، وكان في يد المدين سلعة، فقال لصاحب الدين: أمسك هذه السلعة حتى أدفع لك حقك فأمسكها، واستمرت تحت يده فقام بقية الغرماء على المدين، وليس عنده ما يكفي جميع الغرماء، فهل يختص
стр. 230
بالسلعة من أمسكها، أو يكون أسوة الغرماء؟
(الجواب)
هي رهن عند أشهب، فيختص بها من أمسكها؛ لأنه يكفي في صيغة الرهن عنده ما يدل على الرضا كالبيع، وعليه اقتصر في متن أقرب المسالك، وقال ابن القاسم: لا بد في صيغة الرهن من اللفظ الصريح، وعليه فيكون من أمسكها أسوة الغرماء.
[مسألة]
من أخذ من مدينه عبدا رهنا فأبق بعد الحيازة ففي الخرشي، و"عبق" يستوي الغرماء فيه وهو آبق، ورده البناني بأنه متى حيز لا يبطل حق المرتهن منه إلا برجوعه لسيده مع علم المرتهن، وسكوته. اهـ من "ص" بتصرف.
(ما قولكم) في غلة نحو الدار أو جزء مشاع في نحو دار أو دابة أو ثوب، هل يجوز رهنه أم لا؟
(الجواب)
يصح رهن ما ذكر خلافا للحنفية القائلين: لا يصح رهن المشاع، ولا هبته ولا وقفه، ولا يلزم الراهن للجزء المشاع استئذان شريكه بل يندب. اهـ ملخصا من أقرب المسالك و "ص".
(فائدة)
الراهن هو دافع الرهن، والمرتهن بالكسر هو آخذه، ويقال له أيضا: مرتهن بفتح الهاء؛ لأنه وضع عنده فيكون مرتهن بالفتح اسم مكان الرهن، ويطلق مرتهن بالفتح على الراهن أيضا؛ لأنه سأله فهو مكان لسؤال الرهن. اهـ ملخصا من خرشي وعدوي.
[مسألة]
إذا لم يحز المرتهن الرهن حتى مات الراهن أو فلس أو جن أو مرض مرضا متصلا بالموت بطل الرهن، فيكون المرتهن أسوة الغرماء، ولو جد واجتهد في حوزه فحصل المانع قبله بخلاف الهبة والصدقة، فإن الجد في حوزهما يفيد أنهما خرجا عن ملكه بالقول، والرهن لم يخرج عنه لكن يبطل الهبة، والصدقة إحاطة الدين قبل الجد، ويخالف الرهن الهبة والصدقة في مسائل أيضا منها: أن الرهن يفتقر إلى إذن الراهن في الحوز بخلاف الصدقة ونحوها، ومنها أن الرهن متى رجع ليدربه باختيار المرتهن بطل حوزه، ولو بعد سنين بخلاف الهبة والصدقة، ومنها أن الزوج إذا رهن زوجته متاع البيت أو خادمه وبقيا يستخدمان ذلك، فهو غير حوز، ويصح ذلك في الهبة والصدقة، ومنها افتقاره إلى معاينة البينة بحوزه بخلاف الهبة، والصدقة. اهـ ملخصا من "عبق" والأمير بتوضيح.
(ما قولكم) في مرتهن لشيء نازعه الغرماء بأنه إنما حازه بعد حصول المانع للراهن من موت أو فلس، وادعى المرتهن أنه حازه قبل المانع، وشهد له الأمين الحائز للرهن، فهل القول للمرتهن أو للراهن؟
(الجواب)
لا يقبل قول المرتهن بعد حصول المانع
стр. 231
أنه حاز الرهن قبل المانع، ولا تفيده دعواه، ولو شهد له الأمين الحائز للرهن؛ لأنها شهادة على فعل نفسه، إلا أن تشهد له بينة على التحويز أو الحوز، ومعنى التحويز: أن تشهد البينة على معاينة أن الراهن سلم له الرهن قبل حصول المانع، ومعنى الحوز أن تشهد على أنه حازه قبل المانع، ولو لم تشهد بالتحويز على الأوجه فتفيده دعواه حينئذ، ويستفاد من قولهم إن الشهادة على فعل النفس لا تفيد؛ لأنها دعوى أن شهادة القباني بأن وزن ما قبضه فلان كذا لا تقبل؛ لأنها شهادة على فعل النفس بخلاف ما إذا شهد أن فلانا قبض ما وزنه فإنه يعمل بشهادته، فإن شهد بهما معا فالظاهر البطلان؛ لأن الشهادة إذا بطل بعضها بطل كلها، حيث كان بطلان بعضها للتهمة كما هنا، ومحل بطلان شهادة القباني بالوزن ما لم يكن مقاما من طرف السلطان أو نائبه كالقاضي كما بمصر، وإلا عمل بشهادته كما استظهره "عج"، والظاهر أن تابع المقام من القاضي مثله. اهـ ملخصا من أقرب المسالك و "ص".
(فائدة) تباع أم الولد (١) في مسائل:
الأولى: إذا وطئ الراهن الأمة المرهونة بلا إذن من المرتهن فولده منها حر، وتباع هي عند الأجل إن ظهر أن الراهن معسر.
الثانية: أمة المفلس الموقوفة للغرماء يطؤها المفلس، فتحمل منه.
الثالثة: أمة الشركة يطؤها أحد الشريكين بلا إذن الشريك الآخر، فتحمل منه.
الرابعة: جارية من أحاط الدين بماله ومات فوطئها ابنه، والحال أن أباه لم يمسها.
الخامسة: أمة القراض يطؤها العامل.
السادسة:
стр. 232
جارية وطئها بعد جنايتها، وهو عالم بها.
السابعة: الجارية التي اشتراها شخص، وأحبلها ثم استحقها شخص من يده.
الثامنة: الأمة الغارة.
التاسعة: أمة المكاتب يموت، وفيها وفاء بالكتابة تباع في النجوم، والولد حر في الجميع، ويباع ابن أم الولد دون أمه في مسألتين:
الأولى: إذا ملك العبد أمة فوطئها فحملت وأعتقها، ولو يعلم سيده بعتقه لها حتى أعتقه، فإن عتق العبد أمته ماض وتكون حرة، والولد الذي في بطنها رقيق، وحمله بعضهم على ما إذا وضعت الولد قبل عتق السيد العبد الذي أعتقها، وأما لو كان في بطنها حين العتق، فإنه يتبع أمه الثانية أمة حامل من غير سيدها فوهبها لشخص واستثنى حملها، ثم إن الموهوب له أعتقها فتصير حرة حاملة برقيق. اهـ "ص" بتوضيح.
[مسألة]
شرط ضمان المرتهن أن يكون الرهن بيده، وكان مما يغاب عليه ولم تقم على هلاكه بينة بضياعه بغير تفريط فيضمنه حينئذ، ولو اشترط البراءة من الضمان حال العقد، وإلا بأن كان بيد أمين، أو كان مما لا يغاب عليه، أو قامت على ضياعه بينة فلا ضمان على المرتهن؛ لأن ضمانه ضمان تهمة، وقد زالت فلا ضمان إلا أن تكذبه البينة الشاملة للعدل، وامرأتين كما لو ادعى موت الدابة أو العبد الرهن فقال جيرانه أو رفقته في السفر: لم نعلم بذلك، أو قال: مات أو ضاع يوم كذا فقالت البينة: رأيناه عنده بعد ذلك اليوم، فإنه يضمن في جميع ما ذكر. اهـ من أقرب المسالك بتصرف.
[مسألة]
إذا ادعى المرتهن احتراق الرهن أو سرقته، وعلم احتراق محله أو سرقة متاعه فإنه يضمن، ولا ينفعه ذلك إلا ببقاء بعضه لم يحرق مع ظهور أثر الحرق فإنه لا يضمن. اهـ منه بتوضيح.
[مسألة]
للراهن تحليف المرتهن مطلقا في ضمانه وعدم ضمانه، لقد ضاع أو تلف بلا تفريط منه، وأنه لم يعلم موضعه. اهـ منه.
(ما قولكم) فيما إذا اختلف الراهن والمرتهن في قدر الدين فقال الراهن: عشرون، وقال المرتهن: ثلاثون، والرهن قيمته ثلاثون، فهل القول للراهن أو للمرتهن؟
(الجواب)
في أقرب المسالك: أن الرهن بالنظر لقيمته كالشاهد، فمن شهد له حلف منه وكان القول له، وهنا الرهن شاهد للمرتهن فالقول له، وإن لم يشهد لواحد منهما بأن كان أقل من دعوى المرتهن، وأكثر من دعوى الراهن حلف كل منهما على طبق دعواه، ونفى دعوى الآخر، وأخذ المرتهن الرهن في دينه إن لم يغرم له الراهن قيمته، فإن نكلا فكحلفهما. اهـ.
[مسألة]
إذا اختلفا
стр. 233
في قدر الدين وشهد الرهن بالنظر لقيمته للمرتهن، وقلتم يحلف معه ويكون القول له، فهل إذا وجد المرتهن شاهدا واحدا يشهد له؟ فهل يضمه للرهن ويسقط اليمين؟ أو لا بد من اليمين؟
نقل بعضهم عن المتيطي أنه لا يضم له وأنه لا بد من اليمين مع الشاهد؛ لأن الرهن ليس شاهدا حقيقيا، وهو ظاهر. انتهى بن.
باب الفلس
[مسألة]
لصاحب الدين منع من أحاط الدين بماله من تبرعه بهبة، وصدقة وحبس وإخدام وحمالة، وكذا لا يجوز له فيما بينه وبين الله تعالى، وله منعه من البيع والشراء والأخذ والعطاء؛ لأن التفليس العام، وهو قيام الغرماء مانع من ذلك كما نص عليه ابن رشد بخلاف مجرد الإحاطة من غير قيام الغرماء، فلا تمنع المعاوضات بالبيع والشراء كما في أقرب المسالك.
(ما قولكم) فيمن أحاط الدين بماله، وطلب بعض أرباب الديون تفليسه، وأبى غيره هل يفلس لأجل الطالب أم لا؟ وإذا قلتم يفلس لحق الطالب فهل يحاصصه من أبى تفليسه أم لا؟
(الجواب)
نعم، يفلس لحق الطالب، وللآخرين محاصة القائم؛ لأن تفليسه لواحد تفليس للجميع. اهـ خرشي.
[مسألة]
ليس لمن أحاط الدين بماله أن يفلس نفسه بأن يرفع للحاكم، ويثبت عدم نفسه، بل لا يحكم الحاكم بتفليسه إلا إذا طلبه الغرماء.
(فائدة)
اعلم أن من أكثر ماله حلال وأقله حرام تجوز معاملته، ومداينته، والأكل من ماله، كما قال ابن القاسم وهو المعتمد، خلافا لأصبغ المحرم لذلك، وأما من أكثر ماله حرام والقليل حلال، فمذهب ابن القاسم كراهة معاملته ومداينته، والأكل من ماله، وهذا المعتمد خلافا لأصبغ المحرم لذلك، وأما من كل ماله حرام وهو المراد بمستغرق الذمة، فهذا تمنع معاملته، ومداينته، ويمنع من التصرف المالي وغيره خلافا لمن قال: إنه مثل من أحاط الدين بماله يمنع من التبرعات لا من التصرف المالي، وسبيل ماله إذا لم يمكن رده به لأربابه الصدقة على الفقراء ليس إلا، وقيل: يصرف في جميع منافع المسلمين كبناء القناطر، وسد الثغور، واختلف إذا نزع منه ليصرف في مصالح المسلمين. هل يترك له منه شيء أولا؟ والمعتمد أنه يترك له ما يسد رمقه ويستر عورته. اهـ تقرير شيخنا عدوي. اهـ من دسوقي.
[مسألة]
لا يكلف الحاكم الغرماء أن لا غريم على المفلس غيرهم؛ لأن الدين يقصد إخفاؤه غالبا، فإثبات حصر
стр. 234
الغرماء متعسر، وأما الورثة فإن الحاكم لا يقسم عليهم حتى يكلفهم بينة تشهد بحصرهم، وموت مورثهم ورتبتهم من الميت، وذلك لأن عددهم معلوم بالجيران، وأهل البلد فلا كلفة في الإشهاد عليهم، ولكن شهود الورثة يشهدون على نفي العلم، بأن يقولوا في شهادتهم: لا نعلم وارثا غير هؤلاء الورثة، فلو قالوا: لا وارث للميت غير هؤلاء قطعا بطلت شهادتهم كما في دس.
باب الحجر
(ما قولكم) في صبي أتلف شيئا هل يضمن أم لا؟
(الجواب)
في أقرب المسالك: إن أتلف شيئا لم يؤمن عليه فإنه يضمن قيمته في ماله إن كان له مال، وإلا اتبع به في ذمته، وإن أمن عليه فلا ضمان عليه؛ لأن من أمنه قد سلطه على إتلافه، فإن كان الذي أمنه هو رب المال فقد ضاع هدرا، وإن كان غيره فعلى المؤمن الضمان لتفريطه إلا أن يصون به ماله، وإلا فيضمن الأقل مما صونه به وما أتلفه، فإذا أمن على عشرة قروش مثلا وعنده لنفسه ثمانية قروش فأكل بالعشرة التي أمن عليها، وصان الثمانية، فإنه يغرم الثمانية، وأما إذا كان لا شيء عنده فإنه لا يغرم شيئا، ولو استفاد مالا بعد الإتلاف.
باب الصلح
(ما قولكم) في شخص ادعى على آخر بشيء فأنكر، فطلب المدعي اليمين من المدعى عليه، فهل له أن يصالح المدعي بشيء، ويفتدي من اليمين مع علمه براءة نفسه؟
(الجواب)
نعم، له أن يفتدي من اليمين، ولو علم براءة نفسه خلافا لما قاله ابن هشام من أنه إذا علم براءة نفسه تجب عليه اليمين، ولا يجوز له الصلح لأربعة أمور منها: أن في حلفه إذلال نفسه، وقد قال ﷺ : "من أذل نفسه أذله الله" ومنها أن فيه إضاعة المال، ومنها أن فيه إغراء للغير، ومنها أن فيه إطعام ما لا يحل، ورد كلام ابن هشام بأن ترك اليمين وترك الخصام عز لا إذلال، وحينئذ فبذل المال للافتداء من اليمين ليس إضاعة له؛ لأنه لمصلحة، وأما إطعام الغير الحرام فلا سبيل على المظلوم فيه،﴾ إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ﴿الآية. قاله البناني. اهـ ملخصا من أقرب المسالك و "ص" بتصرف.
[مسألة]
قولهم: الصلح جائز، إنما هو بالنسبة لظاهر الحال، فالمنكر من المتصالحين إن كان
стр. 235
صادقا في إنكاره فما أخذه الآخر منه حرام، وإلا فحلال كما في أقرب المسالك وغيره.
(ما قولكم) في شخص ادعى على آخر بعشرة مؤجلة، فهل للمدعى عليه أن يصالحه بثمانية نقدا أم لا؟
(الجواب)
لا يجوز له ذلك لما فيه من ضع وتعجل؛ لأنه أسقط عنه اثنين من العشرة المؤجلة لأجل أن يعجل له ثمانية الآن، ومن عجل ما أجل عد مسلفا، فكأنه سلفه الثمانية المنقودة الآن لأجل أن ينتفع باثنين عند الأجل ففيه سلف جر نفعا، وأما عكس هذه، وهو أن يصالحه بعشرة نقدا عن ثمانية مؤجلة، فلا يجوز أيضا لما فيه من حط الضمان، وأزيدك. (١)
[مسألة]
لا يجوز الصلح بدراهم عن دنانير مؤجلة، ولا عكسه لما فيه من الصرف المؤخر.
[مسألة]
يجوز الصلح على الافتداء بمال عن يمين توجهت على المدعى عليه، ولو علم براءة نفسه وهو المعروف خلافا لمن منعه، وهو ابن هشام زعم أن ترك حلف البريء إذلال لنفسه، وفي الحديث: "من أذل نفسه أذله الله". وإضاعة مال وإغراء للغير وإطعامه ما لا يحل ورد بأن ترك الحلف، والخصام عز لا إذلال؛ فبذل المال له ليس إضاعة، وأما أكل الغير الحرام فلا سبيل على المظلوم فيه، إنما السبيل على الذين يظلمون الناس. اهـ ملخصا من عبق والأمير.
باب في الحوالة
[مسألة]
شرط صحة الحوالة رضا المحيل والمحال فقط دون المحال عليه، وإنما يشترط حضوره، وإقراره على الأرجح.
(ما قولكم) في رجل له على آخر أردب قمح من دين وللمدين أردب قمح من قرض على آخر، فطلب صاحب الأردب الدين أن يوفيه حقه، فهل يجوز للمدين أن يحيله على الأردب القرض أم لا؟
(الجواب) يجوز إذا حل المحال به عند الأصحاب إلا ابن القاسم، فاشترط حلولهما معا. وقال ابن رشد: يمنع مطلقا لما فيه من بيع الطعام قبل قبضه. وأجيب بأن قضاء القرض بطعام البيع جائز، وأما الطعامان من بيع فلا تجوز الحوالة فيهما كما في أقرب المسالك وغيره.
[مسألة]
تكفي الإشارة الدالة على الحوالة من الأخرس، ولا تكفي من الناطق خلافا لما يوهمه كلام ابن عرفة. اهـ من "دس".
стр. 236
باب في الضمان
[مسألة]
إذا ادعى شخص على آخر بدين فأنكره فقال شخص آخر: إن لم آتك به في غد فأنا ضامن فيما ادعيت به عليه، ثم لم يأت به في الغد لا يلزمه ضمان؛ لأنه وعد وهو لا يقضي به إلا أن يثبت المدعي حقه ببينة فالضمان لازم، وأما إذا أقر المدعى عليه بالدين فالمعتمد أنه لا يعول عليه، وإذا كان لا يعول على إقراره فالضمان غير لازم كما في حاشية الخرشي.
[مسألة]
إذا ادعى شخص على آخر بدين فأنكره، ثم قال للمدعي: أجلني اليوم، فإن أوفك فما تدعيه علي حق. فإن هذه مخاطرة كما قال ابن القاسم، ولا شيء عليه إلا أن يقيم المدعي بما ادعى بينة، أو يقر له المدعى عليه فيؤاخذ به قولا واحدا؛ لأنه إقرار على نفسه كما في الخرشي.
[مسألة]
من قدر على تخليص شيء من نفس أو مال كمحارب أو سارق، وجب عليه تخليصه بيده أو ماله أو شفاعته أو جاهه، ورجع بالمال إن وجد معه وإلا اتبعه في ذمته، فإن لم يخلصه ضمن قيمة المال لربه ودية النفس على عاقلته إن كان متأولا بأن اعتقد أنه لا يلزمه تخليصه، وإن كان متعمدا لإهلاكه بترك تخليصه قتل كما استظهره بعضهم، وكذا يضمن الشاهد إذا كتم شهادته بمال على شخص جاحد بعد أن طلبت منه الشهادة، كما ذكروا ذلك في باب الذكاة.
[مسألة]
من فتح بابه وكان قبل فتحه مستندا عليه جرّة عسل مثلا، فانكسرت فإنه يضمنها؛ لأن فعله قارن الإتلاف، كما قال ابن عرفة، بخلاف ما لو أطلق نارا في محل فأحرقت دار جاره، فلا ضمان على المطلق. اهـ "دس" من باب الحج.
باب في الشركة
(ما قولكم) في أخوين اتجرا في مال واحد، وتصرفا فيه بأنواع التصرفات من صدقة وهبة وغير ذلك، وكل منهما مفوض للآخر من غير مشاورة واستمرا على ذلك نحو ستة وعشرين سنة، ثم ادعى أكبرهما أن جميع المال له، وادعى الصغير أنه شريك لأخيه الكبير بالنصف فما الحكم؟
(الجواب)
إذا قالت البينة: نحن نعرف أن الأخوين يتصرفان في جميع المال في عرف التجارة تصرف المتفاوضين، فإن القول قول من ادعى أن المال للشركة لمدعي الاختصاص، إلا إذا شهدت
стр. 237
البينة له بأنه ورثه من زوجة، أو وهبه له فلان، هذا محصل ما في الخرشي، والمجموع والدسوقي وغيرهم والله أعلم.
(فصل)
في بيان أشياء يقصر بها عند التنازع بين شركاء وغيرهم.
(ما قولكم) في شخص طلب من آخر دينا فادعى أنه دفعه له، وقد طالت المدة فهل يصدق أم لا؟
(الجواب)
قيل: إن طال الزمان كعشرين سنة فإنه يصدق، ولا عبرة بوجود الوثائق بيد المدعي، والمعتمد أنه لا يصدق إلا ببينة ولو طال الزمان، كما في الدسوقي والله أعلم.
(ما قولكم) في شخص جلس للبيع بفناء دار شخص آخر، فهل لصاحب الدار منعه أم لا؟
(الجواب)
في الخرشي وغيره أنه يقضي للباعة بالجلوس بأفنية الدور ما لم يضر، وهي ما فضل عن المارة من طريق واسعة نافذة لا ضيقة، أو غير نافذة، إذ لا فناء حينئذ للدور يمكن الجالس منه؛ لأن الحق في غير النافذة لخصوص أهل دورها، كذا في الأمير على عبق. وأما الجلوس للتحدث ونحوه فإنهم يقامون، وقضي للسابق من الباعة للأفنية إن نازعه فيه غيره، ولو اشتهر به ذلك الغير والله أعلم.
(ما قولكم) في شخص أحدث فرنا قرب فرن آخر، فنقصت غلة ذلك الفرن هل يمنع أم لا؟
(الجواب)
في حاشية الخرشي أنه لا يمنع من إحداث ما ينقص الغلة، كإحداث فرن قرب فرن آخر، أو حمام قرب حمام آخر والله أعلم.
(ما قولكم) فيمن أحدث بناء في طريق وهو لا يضر، فهل يؤمر بهدمه أم لا؟
(الجواب)
يقضى بهدم البناء الذي في الطريق، ولو لم يضر بالمارة. وفي حاشية الخرشي: ولو كان ذلك البناء مسجدا والله أعلم.
(ما قولكم) في شخص أحدث طاقة يشرف منها على جاره، هل يؤمر بسدها أم لا؟
(الجواب) يقضى بسد كوّة أو باب أو غرفة من داره يشرف منها على جاره إن أحدث ما ذكر، وفي "ابن": وإذا سكت من فتحت عليه كوّة عشر سنين بلا عذر لم يكن له مقال على قول ابن القاسم وبه القضاء. اهـ وأما القديمة، فلا يقضى بسدها. ويقال للجار: استر على نفسك إن شئت، وكذا إن كانت عالية لا يمكن التطلع منها إلا بسلم كما في أقرب المسالك وغيره. والله أعلم.
(ما قولكم) في شخص أراد أن ينفض حصره قباله باب داره، هل يمنع إذا ضر بالمارة.
(الجواب)
في الخرشي قال ابن حبيب: ومن أراد أن ينفض حصره أو غيرها على باب داره وهو يضر غباره بمن يمر
стр. 238
بالطريق يمنع من ذلك، ولا حجة له أن يقول: إنما فعلته على باب داري والله أعلم.
(ما قولكم) في شخص ادعى على آخر بدين فأنكر المدعى عليه أصل المعاملة، فأقام المدعي بينة شهدت له بأصل المعاملة، فأقام المدعى عليه بينة شهدت له بأنه وفي الدين للمدعي، فهل بينة المدعى عليه تنفعه أم لا؟
(الجواب) إقامة المدعى عليه بينة شهدت له بأنه وفي الدين للمدعي أو صالحه عليه لا تنفعه، وعليه الضمان؛ لأنه أكذب بينته بإنكاره أصل المعاملة، بخلاف ما إذا قال: لا حق لك علي، فشهدت عليه بينة به فأقام بينه شهدت له بأنه وفاه إياه أو صالحه فتقبل، وظاهر كلامهم أنه لا فرق بين من لا يعرف الفرق بين إنكار المعاملة، وبين قوله لا حق لك علي، وبين من لا يعرف الفرق بينهما. وإذا وكلت وكيلا على قبض شيء فقبضه، ثم أنكر القبض، فقامت بينة تشهد عليه بأنه قبضه، فأقام بينة تشهد له بأنه تلف، فيقال فيه ما قيل في المديان من أن البينة لا تنفعه؛ لأنه أكذبها بإنكاره القبض، وعليه الضمان. وفي حاشية الخرشي: ويستثنى من هذا الإنكار المكذب للبينة في الأصول والحدود، فإنه لا يضر. فإذا ادعى شخص على آخر أنه قذفه، أو أن هذه الدار له، فأنكر أن يكون حصل منه قذف، أو أن تكون هذه الدار دخلت في ملك المدعي بوجه، فأقام بينة تشهد له بما ادعاه، وأقام المدعى عليه بينة أنه عفي عنه في القذف، أو أنه اشترى منه الدار، أو وهبها له، فتقبل بينته في هذين. ولعل الفرق أن الحدود يتساهل فيها لدرئها بالشبهات، وأن الأصول يظهر فيها انتقال الملك، فدعوى أنها ما دخلت في ملك المدعي لا يلتفت لها، فكأنه لم يحصل منه ما يكذب البينة التي أقامها، وهذا فيمن يظهر ملكه، وحمل غيره عليه حملا للنادر على الغالب، والله أعلم.
(ما قولكم) في وكيل ادعى أنه دفع الدين الذي على موكله، وأنكر القابض، والحال أن الوكيل لم يشهد على القابض، فهل يضمن الوكيل أم لا؟
(الجواب)
يضمن الوكيل لتفريطه بعدم الإشهاد، سواء كان مفوضا أو غيره، كانت العادة جارية بالإشهاد أو بعدمه، وهذا ما لم يكن الدفع بحضرة الموكل، أما لو كان بحضرته ولم يشهد الوكيل، فلا ضمان عليه، بخلاف الضامن إذا دفع الدين بحضرة المضمون ولم يشهد فإنه يضمن، والفرق أن ما يدفعه الوكيل من مال الموكل، وقد دفعه بحضرة الموكل فكان الإشهاد
стр. 239
على الموكل لا على الوكيل، بخلاف الضامن، فإنه إنما ضمن ما دفعه؛ لأنه مال نفسه، وقد فرط بعدم الإشهاد والله أعلم.
(ما قولكم) في شخصين شريكين في شيء لا يقبل القسمة، كفرن وحانوت، وحصل خلل في ذلك، وامتنع أحد الشريكين من التعمير، فهل يجبر الممتنع أم لا؟
(الجواب)
في أقرب المسالك: يؤمر الشريك فيما لا ينقسم أن يعمر، فإن امتنع قيل له: إن لم تعمر حكمنا عليك بالبيع، فإن استمر على الامتناع حكم عليه بالبيع، ولو كانت حصته يزيد ثمنها على التعمير، فإن باع لغير الشريك فلا شفعة فيه للشريك، كما يأتي إن شاء الله تعالى في الشفعة.
[مسألة]
المنقول عن ابن القاسم رحمه الله تعالى وبه القضاء: أن من حدث عليه ضرر من فتح كوة أو غيرها، وسكت عشر سنين بلا عذر، فلا مقال له بعد ذلك. اهـ منه.
[مسألة]
يقضى بمنع بناء يمنع الضوء أو الشمس أو الريح على الجار. اهـ منه.
[مسألة]
لا يقضى بمنع علو بناء على بناء جاره إلا أن يكون ذميا على مسلم فيمنع، ولكن الذي علا ببنائه يمنع من الضرر، كالتطلع بالإشراف من العلو الذي بناه اهـ. منه.
[مسألة]
يمنع من الصعود على منارة إن كان يشرف الصاعد للأذان على الجار، ولو كانت قديمة، ومحل المنع ما لم يجعل لها ساتر من كل جهة يمنع من الإطلاع على الجيران، وما لم يكن الصاعد أعمى، وإلا فلا منع، بخلاف الصاعد على نخلة لأخذ ثمرها أو تقليمها، فلا يمنع ولكن ينذر الجيران وجوبا. وقيل ندبا. اهـ ملخصا منه ومن "ص".
[مسألة]
لا يمنع من إحداث روشن أو ساباط بسكة نافذة، أو غيرها ولا يحتاج لإذن أحد، والروشن هو الجناح الذي يخرج به جهة السكة في علو الحائط لتوسعة العلو، والساباط سقف في السكة لمن له الجانبان، ومحل الجواز إن لم يكن فيهما ضرر بالمارة، بأن رفعا رفعا بينا عن رؤوس الناس، والإبل المحملة، فإن كان فيهما ضرر منعا، هذا هو المعتمد، وفصل الشيخ خليل بين النافذة وغيرها، ورجح أيضا. اهـ منه.
باب الوكالة
[مسألة]
الوكيل على بيع شيء يمنع أن يبيع ذلك الشيء لنفسه، ولو سمي له الثمن لاحتمال الرغبة فيه بأكثر ما لم يكن بعد تناهي الرغبات فيه، وما لم يأذن له ربه في البيع لنفسه، وإلا جاز. اهـ "در".
стр. 240
باب في الإقرار
(ما قولكم) في شخص أقر بأنه غصب الشيء الفلاني من زيد، ثم قال: لا بل من عمرو، وقلتم: إن ذلك الشيء يكون لزيد، ويقضى لعمرو بقيمة ذلك الشيء، ولعمرو تحليف زيد إن ادعى أن ذلك الشيء غصب منه، فإن نكل زيد حلف عمرو وأخذه، ولا شيء على المقر لزيد، فإذا نكل الثاني أيضا فما الحكم؟
(الجواب) في الخرشي وعبد الباقي: الظاهر أنه إذا نكل الثاني يشتركان في ذلك الشيء؛ لتساويهما في النكول، وفي الأمير عن البناني: الظاهر اختصاص الأول؛ لأن نكول الثاني تصديق للناكل الأول، بخلاف ما إذا قيل: تحالفا، فإن نكولهما كحلفهما. اهـ ملخصا، ومثال تحالفهما كما إذا أقر زيد لعمرو بأحد ثوبين، وقال: لا أدري أي الثوبين له، وقال عمرو: لا أدري أيهما متاعي؛ فإنهما يحلفان على نفي العلم، ويشتركان في الثوبين بالنصف، ونكولهما كحلفهما، والله أعلم.
(ما قولكم) في رجل أقر بشيء من ماله أنه لولده الصغير، ومعلوم بين الناس أنه لا مال للولد، ثم مات الأب فهل يستحق الولد ذلك الشيء أم لا؟
(الجواب) في حاشية العلامة الأمير: لو أقر بشيء أنه لولده الصغير مثلا، وقد علمنا أنه لا مال للولد بوجه فتركة؛ لأنه لم يجعله صدقة عليه حتى يحوزه له فهو توليج؛ أي إدخال شيء بالكذب، والله أعلم.
باب في الاستلحاق
[مسألة]
الاستلحاق عرفا: إقرار ذكر مكلف أنه أب لمجهول نسبه؛ فأركانه ثلاثة؛ الأول: مقر، وشرطه أولا: الذكورة فلا استلحاق لأم اتفاقا، والمشهور اختصاصه بالأب دنية، فلا يصح الاستلحاق من الجد؛ خلافا لأشهب في قوله: إنه يستلحق، وتأوله ابن رشد على ما إذا قال: أبو هذا ولدي لا إن قال: هذا ابن ولدي؛ فلا يصدق، وثانيا: التكليف ولو سفيها، فلا يصح استلحاق مقطوع النسب، كولد الزنا المعلوم أنه من زنا، ولا معلوم النسب؛ فيحد من ادعى أنه أبوه حد القذف إلا أن يقر بالزنا فحد الزنا أيضا، والثالث: إقرار بأنه أب مجهول النسب، ولو مع تكذيب أمه له؛ لتشوف الشارع للحوق النسب، والمشهور أنه لا يشترط أن يعلم تقدم
стр. 241
ملك أم هذا الولد أو نكاحها لهذا المستلحق بالكسر، وقال سحنون: يشترط ذلك. قال ابن عبد السلام: وهو قول لابن القاسم، ووجه أنهم اكتفوا في هذا الباب بالإمكان فقط؛ لتشوف الشارع للحوق النسب ما لم يقم دليل على كذب المقر، فالشرط عليه أن لا يكذبه عقل، كما لو كان الأب صغير السن والمستلحق كبيرا، فإن كان ذلك يحيله العقل لما فيه من تقدم المعلول على علته، ولا عادة كاستلحاق من علم أنه لم يقع منه نكاح ولا تسر أصلا، فإن العادة تحيل أن يكون له ولد؛ لأن كون الولد إنما يكون بين ذكر وأنثى عادي لا عقلي؛ ولذا قيل في قوله -تعالى-:﴾ أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة ﴿، أن هذه حجة عرقية لا عقلية، وكاستلحاقه من ولد ببلد بعيدة جدا يعلم أنه لم يدخلها، فإن شك في دخوله فمقتضى ابن يونس أنه كذلك، ومقتضى البراذعي صحة استلحاقه، ولا يكذبه شرع، كما لو كان المستلحق -بالفتح- المجهول النسب رقا أو مولى؛ أي عتيقا لمكذبه لاتهام الأب على نزعه من مالكه أو مولاه، كما في أقرب المسالك وشرحه وحاشيته.
باب في الوديعة
(ما قولكم) في شخص ترك متاعه عند شخص جالس، فسكت الجالس وذهب صاحب المتاع، ثم ضاع ذلك المتاع فهل يضمن ذلك الجالس أم لا؟
(الجواب) سكوته عند وضعه يعد رضا فيضمن إن فرط؛ لأن سكوته قام مقام الصيغة، كالمعاطاة في البيع، كما في الأمير على عبد الباقي.
باب في الإعارة
(ما قولكم) في شخص استعار شيئا يغاب عليه، ثم ادعى ضياعه وقلتم: يلزمه القيمة أو المثل إن كان مثليا يوم انقضاء أجل العارية، بعد أن يحلف: لقد ضاعت ضياعا لا يقدر على ردها بعده، فهل إذا وجدت العارية بعد غرم قيمتها أو مثلها تكون للمستعير أو المعير؟
(الجواب) في حاشية الخرشي: وإذا وجدت العارية بعد غرم قيمتها أو مثلها فإنما تكون للمستعير، ولا يأخذها المعير، كما أن الصانع إذا غرم قيمة المصنوع إذا ادعى ضياعه ثم وجد بعد غرم قيمته؛ فإنه يكون للصانع، والله أعلم.
(ما قولكم) في شخص استعار دابة، ثم أرسلها مع غلامه، فرجع الغلام وادعى ضياعها، فهل يكون الضمان على المستعير أم كيف الحال؟
стр. 242
(الجواب) في حاشية العلامة الأمير على عبق نقلا عن البناني: إذا أرسل العارية من الدواب مع عبده أو أجيره فلا ضمان؛ لأن الناس هكذا يفعلون، وإن لم يعلم ضياعها إلا بقول الرسول، وهو مأمون أو غير مأمون فذلك سواء، والله أعلم.
[مسألة]
يحلف المستعير ما فرط فيما علم أنه هلك بغير صنعه، كما إذا هلك بحرق أو فرض فأر مثلا، ويبرأ سواء كان الشيء المستعار مما يغاب عليه أم لا، وإن نكل عن اليمين فإنه يغرم؛ ولا ترد اليمين لأنها يمين تهمة، وحيث ضمن فإن فات المقصود من الشيء المستعار، فإنه يضمن قيمة جميعه، وإن لم يفت ضمن ما بين قيمته سليما ومعيبا، هذا هو المعول عليه كما في الأمير على عبق، ويؤخذ من هذه المسألة أنه يجب على المستعير تفقد العارية، وكذا يجب على المرتهن والمودع ونحوهم تفقد ما في أمانتهم مما يخاف بترك تفقده حصول العث ونحوه فيه؛ لأن هذا من باب صيانة المال، فإن لم يفعل ذلك تفريطا ضمن، وهذا ظاهر وسيأتي ذكر هذا في باب الدعاوى والأيمان.
باب الغصب
(ما قولكم) في الأكل من طعام الخلفاء والعمال وأخذ عطاياهم، هل هو جائز مطلقا أم فيه تفصيل؟ وهل لمن ظلموه أخذ عين شيئه إن ظفر به أو قدر شيئه إن لم يوجد؟
(الجواب) إن كان جل مالهم حلالا جاز الأخذ منهم؛ فقد أخذ مالك جائزة من المنصور، وأخذ ابن شهاب جائزة من عبد الملك بن مروان، وأخذ ابن عمر جائزة من الحجاج على ما نقل، قال الحسن: لا يرد عطايا السلاطين إلا أحمق أو مراء؛ أي ما لم يعلم الحرام.
وإن كان جل مالهم حراما فيمنع الأخذ منهم، وقيل: يكره، وأما من جميع ماله حرام فقال الشيخ سليمان في شرح الإرشاد: يحرم الأكل منه وقبول هبته ومعاملته، إن علم أن ما أطعمه أو وهبه قد اشتراه بعين الحرام، وأما إن اشتراه بثمن في ذمته ثم دفع فيه عين الحرام فإنه لا يحرم أكله، وأما إن كان قد ورثه أو وهب له ذلك جاز ما لم يكن عين الحرام، ويفهم مما ذكر أنه لو شك هل اشتراه أو وهب له أنه لا يحرم.
وإذا ظفر المظلوم بعين شيئه جاز له أخذه أو أخذ ما يساوي قدره من مال الظالم، سواء كان من جنس شيئه أو من غير جنسه على المشهور، وسواء علم الظالم أم لا، وجواز الأخذ مشروط بشرطين؛ الأول: أن لا يكون الحق عقوبة كجرح أو قطع، وإلا فلا بد من رفعه لمن يحكم عليه،
стр. 243
والثاني: أن يأمن من الرذيلة. اهـ ملخا من الخرشي والعدوي.
[مسألة]
من أتلف أحد مزدوجين ضمن قيمتهما على الأصح كأحد سفري كتاب، وقيل: يضمن قيمة التالف وما نقصه الباقي، كمن أتلف عجلا كانت أمه تحلب عليه. اهـ من الأمير على عبق في فصل الخيار.
[مسألة]
من تعدى على ثوب شخص آخر فصبغه؛ فربه مخير بين أن يأخذ من المتعدي قيمته أبيض يوم التعدي، أو يأخذه ويدفع للمتعدي قيمة صبغه يوم الحكم. اهـ خرشي.
(ما قولكم) في رجل اشترى من آخر ثوبا يظنه ملكا للبائع، ثم تبين أنه مغصوب فرده إلى غاصبه، ورد له الغاصب دراهمه، فهل يسوغ له تملك تلك الدراهم أم لا؟
(الجواب) في الأمير في أول باب الوديعة: لم يختلف أصحاب سحنون أنه يجب عليه التصدق بقيمة الثوب؛ لأنه لم يعلم صاحبه، وبالدراهم التي أخذها بدل دراهمه؛ أي لأنه قدر على تخليص الثوب للفقراء، وقد رده للغاصب، ولأن الدراهم ليست عين دراهمه (١)، ودراهمه في ذمة الغاصب، كما قالوه في الوديعة يحرم قبولها من مستغرق الذمم، ومن ردها له ضمنها للفقراء، والله أعلم.
(ما قولكم) في ظالم كلص أو غاصب أو سارق أو مكاس أخذ شيئا من ربه قهرا، ثم اشتراه شخص غير ربه من ذلك الظالم، ثم وجده ربه بيد ذلك المشتري هل له أخذه منه أم لا؟
(الجواب) لربه أخذه من المشتري من الظالم، ولكن يدفع للمشتري القدر الذي دفعه للظالم بشرطين؛ الأول: إن لم يأخذ المشتري ذلك الشيء من الظالم ليتملكه مع علمه بأنه ظالم، وإلا بأن أخذه ليتملكه فإن ربه يأخذه مجانا، الثاني: لم يمكن تخليصه من الظالم إلا بالفداء، فإن أمكن تخليصه من الظالم مجانا فإن ربه يأخذه من المشتري مجانا، وإن أمكن أخذه من الظالم بأقل مما فداه به المشتري فإن ربه يأخذه بذلك الأقل، كذا ذكروه في باب الجهاد.
(فرع) إذا باع عن الصغير قريبه كالأخ، والعم بلا إيصاء ولا حضانة فكبر الصغير وأخذ شيئه فإن المشتري لا يرد الغلة، ولو كان عالما يوم البيع بتعدي البائع، قاله في المعيار، وقال الشيخ ميارة: لأن القريب فيه خلاف بين العلماء هل يتنزل منزلة الوصي أم لا؟ وعلى الثاني فالمشتري منه له شبهة
стр. 244
تسوغ له الغلة، قاله أبو الحسن الصغير.
وكذا من باع ما يعرف لغيره زاعما أن مالكه وكله على بيعه، وهو من ناحيته وسببه فلم يثبت التوكيل ففسخ البيع فلا ترد الغلة. اهـ أمير.
باب في الاستحقاق
[مسألة]
الاستحقاق لغة: إضافة الشيء لمن يصلح له وله فيه حق، كاستحقاق هذا من الوقف مثلا بوصف الفقراء والعلم.
وشرعا: رفع ملك شيء بثبوت ملك قبله، وحكمه الوجوب إن توفر سببه في الحر أو غيره إن ترتب على عدم القيام به مفسدة كالوطء الحرام، وإلا جاز، وسببه قيام البينة على عين الشيء المستحق أنه ملك للمدعي لا يعلمون خروجه، ولا خروج شيء منه عن ملكه إلى الآن، وشروطه ثلاثة:
الأول: الشهادة على عينه إن أمكن وإلا فحيازته.
والثاني: الإعذار في ذلك للحائز، فإذا ادعى مدفعا أجله فيه بحسب ما يراه.
والثالث: يمين الاستبراء، ويمنعه أحد أمرين: سكوت أو فعل؛ فالسكوت عدم قيام المدعي بلا عذر أمد الحيازة، والفعل اشتراؤه من حائزه من غير بينة يشهدها سرا قبل الشراء، بأني إنما قصدت شراءه ظاهرا خوف أن يفيته علي بوجه كما في شرح أقرب المسالك وحاشيته.
باب في الشفعة
[مسألة]
سبب الشفعة بيع الشريك الآخر جزأه الشائع في عقار، ونحوه على غير شريكه.
وأركانه خمسة:
(الأول) آخذ وهو الشفيع، وشرطه أن يكون هو المالك للجزء الآخر أو وكيله أو وليه حيث كان محجورا عليه أو بيت مال، ولو ذميا أو محبسا لحصته.
(والثاني) مأخوذ منه وهو المشتري، وشرطه أن يطرأ ملكه، وأن يكون لازما، وأن يكون بمعاوضة ولو غير مالية، كنكاح وخلع.
(والثالث) شيء مأخوذ وهو المبيع، وشرطه أن يكون جزأ شائعا من عقار ونحوه، ولو مناقلا به، أو شجرا أو بناء مملوكا بأرض حبس إن انقسم، وإلا فقولان مشهورهما عدم الشفعة فيه، فمن قال: علة الشفعة رفع ضرر الشركة أجازها مطلقا؛ إذ ضررها حاصل فيما لا ينقسم أيضا، ومن قال: علتها دفع ضرر القسمة منعها فيما لا ينقسم، فلا شفعة لأحد الشريكين بأذرع معينة من عقار، ولا بغير معينة عند مالك، ورجحه ابن رشد، ولأشهب فيها الشفعة والعقار، وما اتصل بها من بناء وشجر
стр. 245
فلا شفعة في غيره إلا تبعا، ونحو العقار الثمرة على أصولها، ونحوها من مقثأة وباذنجان وقرع وبامية مما له أصل يجنى ثمره وأصله باق، ولو بيعت مفردة عن أصلها ما لم تيبس بعد العقد وقبل الأخذ بالشفعة، وإلا فلا شفعة فيها، وكذا إذا وقع العقد عليها وهي يابسة كما في المدونة، فلو باع أحد الشريكين الأصول وعليها ثمرة قد أزهت أو أبرت قبل البيع، واشترطها المشتري لنفسه ولم يأخذ الشفيع بالشفعة حتى يبست، وقلنا بسقوط الشفعة حينئذ فيهما، وأخذت الأصول بالشفعة حط عن الشفيع ما ينوب الثمرة من الثمن.
وأما لو اشترى الأصول ولم يكن فيها ثمرة أبرت أخذت بالشفعة مع الأصول ما لم تيبس أو تجذ، وإلا فاز بها المشتري وأخذ الشفيع الأصول بالثمن، ولا يحط عنه شيء من الثمن في نظير الثمار، وفي الحالة التي يفوز فيها بالثمرة يرجع المشتري عليه بالمؤنة، من سقي وعلاج، ولو زادت قيمة الكلف على الثمار، ولا شفعة في حيوان إلا حيوانا في نحو حائط ومعصرة محبسة، فإذا كانت الحائط مثلا مشتركة وفيها حيوان، كبقر أو آدمي مشترك بينهما، فباع أحدهما نصيبه من الحائط؛ فللآخر الأخذ بالشفعة في الحائط، والحيوان.
(الركن الرابع) المأخوذ به، وشرطه أن يكون مثل الثمن الذي أخذ به المشتري؛ أي الذي وقع العقد عليه، وإن نقد المشتري خلافه على الراجح حيث كان مثليا، ولو دينا بذمة بائعه، أو قيمته إن كان مقوما كعبد، وتعتبر القيمة يوم البيع لا يوم الأخذ بالشفعة، أو قيمة الشقص فيما إذا كانت المعاوضة بشيء غير متمول، من نحو نكاح وخلع وصلح عمد على نفس أو طرف الواجب فيه القود، وبما يخصه من الثمن أن صاحب الشقص في البيع غيره في صفقة، ولزم المشتري لهما الباقي، وهو ما صاحب الشقص في الشراء كالعبد وإن قل، وأن يأخذه بأجله إن أيسر أو لم يوسر، وضمنه مليء وإلا عجل الثمن إلا أن يتساويا عدما، وبرهنه وضامنه وأجرة دلال وكاتب ومكس.
(الركن الخامس) الصيغة، وشرط لزوم الشفعة للشفيع أن يقول: أخذت بالماضي لا بالمضارع ولا باسم الفاعل، وأن يكون في حال معرفة الثمن، وشرط لزوم المشتري تسليم الشقص أن يقول بعد قول الشفيع: أخذت، وأنا قد سلمت لك ذلك فيتبعه بالثمن المعجل، فإن عجل الثمن فلا كلام للمشتري، وأخذ منه جبرا إن لم يسلم وإن لم يعجله، فإن سلم أجل للوفاء باجتهاد الحاكم ولا نقض
стр. 246
للشفعة، ثم بيع من ماله ما يوفي به الثمن ولو الشقص، والأولى تقديم ما هو الأولى بالبيع، وإن لم يسلم ولم يعجل أجل بالاجتهاد، فإن مضي الأجل ولم يأت به فله البقاء على طلب الثمن؛ فيباع له مال الشفيع للوفاء، وله أن يبطل أخذه بالشفعة، فإن قال الشفيع: أنا آخذه، بالمضارع أو باسم الفاعل، وقد سلم المشتري له الأخذ أجل ثلاثة أيام لإحضار النقد، فإن أتى به فيها وإلا سقطت شفعته، ولا قيام له بها بعد ذلك، وأما إن سكت المشتري أو أبى فإن عجل الثمن أخذه المشتري جبرا، وإلا بطلت شفعته حالا فيهما، ورجع الشقص للمشتري. هذا خلاصة ما في أقرب المسالك، وشرحه وحاشيته.
باب في القسمة
(ما قولكم) في شريكين في حانوت طلب أحدهما البيع وأبى الآخر، فهل يجبر على البيع أم لا؟
(الجواب) في أقرب المسالك: وأجبر من أباه من الشركاء فيما لا ينقسم من عقار وغيره بشروط:
(الأول) إن نقصت حصة مريد البيع لو باعها مفردة من حصة شريكه، فإن لم تنقص لو بيعت مفردة لم يجبر لعدم الضرر.
(الثاني) ولم يلتزم الآبي النقص فإن قال: بع ما يخصك في هذا الحانوت وإن نقص عن بيعه جملة فعلى ما نقص، فإنه لا يجبر على البيع معه لعدم الضرر.
(الثالث) ولم تملك حصة مريد البيع مفردة، فإن ملكها مفردة وأراد بيعها وأبى صاحبه من البيع معه لم يجبر على البيع معه.
(الرابع) ولم يكن المجموع للغلة، فإن اشترى له كحانوت اشترى للغلة لم يجر الآبي على البيع مع من أراده. اهـ بتصرف.
باب في القراض
(ما قولكم) في شخص اشترى سلعة لنفسه بثمن معلوم فلم يقدر على وفائه، فقال لشخص آخر: إذا اشتريت سلعة بكذا فأعطني الثمن لأنقده لربها وربحها بيننا مناصفة مثلا، فدفعه له، فهل هذا قراض صحيح أم لا؟ وإن قلتم: إنه غير صحيح هل الربح للعامل وحده، والخسر عليه أم لا؟
(الجواب) هذا قرض فاسد لا قراض، فيجب رده لربه فورا؛ لأنه قرض لم يقع على وجه المعروف، فإن نقده في السلعة فالربح للعامل وحده والخسر عليه، بخلاف ما إذا لم يخبر رب المال بالشراء، بل قال بعد أن اشتراها: ادفع لي عشرة مثلا على وجه القراض والربح بيننا فيجوز
стр. 247
ويكون قراضا على ما دخلا عليه، وكذا يكون قراضا صحيحا إذا قال: ادفع لي كذا على وجه القراض فقد وجدت رخيصا أشتريه به والربح بيننا على كذا؛ فيجوز إن لم يسم السلعة أو بايعها، فإن سمى أحدهما لم يجز، وكان قراضا فاسدا، وله في تعيين البائع أجرة تولي الشراء أو قراض المثل، وله في تعيين السلعة أجرة المثل.
باب في المساقاة
[مسألة]
هي عرفا: عقد من رب الحائط أو الزرع مع غيره على القيام بمؤنة وخدمة شجر أو نبات؛ أي على التزام خدمته من سقي وتنقية وتقليم وغير ذلك بجزء من غلة، هذا هو الأصل، وفيها: لا بأس بالمساقاة على أن كل الثمرة للعامل بصيغة من لفظ مادة ساقيت فقط عند ابن القاسم، أو منه ومن مادة لفظ عاملت أيضا عند سحنون، كما سيتضح، وهي مستثناة من ستة أصول كل واحد منها يدل على المنع.
(الأول) الإجارة بالمجهول؛ لأن نصف الثمرة مثلا مجهول.
(الثاني) كراء الأرض بما يخرج منها فيما إذا جعل للعامل جزء من البياض، والبذر عليه.
(الثالث) بيع الثمرة قبل بدو صلاحها بل قبل وجودها.
(الرابع) الغرر؛ لأن العامل لا يدري أتسلم الثمرة أم لا، وعلى تقدير سلامتها لا يدري كيف يكون مقدارها.
(الخامس) بيع الطعام بالطعام نسيئة، إذا كان العامل يغرم طعام الدواب والأجراء؛ لأنه يأخذ عن ذلك الطعام طعاما بعد مدة.
(السادس) الدين بالدين؛ لأن المنافع والثمار كلاهما غير مقبوض، والأصل فيها معاملة النبي ﷺ أهل خيبر، ولداعية الضرورة إلى ذلك ولفظها مفاعلة إما من التي تكون لواحد نحو سافر وعافاه الله وهو قليل، وإما أن يلاحظ العقد، وهو لا يكون إلا من اثنين، فيكون من التعبير بالمتعلق -بالفتح- وهو المساقات على المتعلق -بالكسر- وهو العقد، وإلا فهذه الصيغة تقتضي أن كل واحد من العامل والمالك يسقي لصاحبه كالمضاربة والمقاتلة، وليس هو المراد، كما في حاشية أقرب المسالك وشرحه على المتن.
[مسألة]
عقد المساقات من العقود اللازمة عند جمهور الفقهاء؛ خلافا لأبي حنيفة فإنه منعها، ووافق صاحباه الجمهور، فليس لأحدهما فسخها بعد العقد دون الآخر ما لم يتراضيا عليه، هذا هو المذهب، وأركانه أربعة:
(الأول) المعقود عليه وهو الأشجار وسائر الأصول؛ وشروط صحته ثلاثة:
الأول: أن لا يخلف
стр. 248
بضم الياء، فلا تصح فيما يخلف كقضب -بفتح القاف وسكون الضاد المعجمة- نبت معلوم يشبه البرسيم، أو قرط -بضم القاف- أو موز لا تخلف ولا تنتهي لأجل معلوم، فينال الذي لم ينته منه من سقي العامل، فكأنه شرط زيادة عليه.
الثاني: أن لا يبدو صلاحه؛ خلافا لسحنون فلا تصح فيما بدا صلاح ثمره، وهو في كل شيء بحسبه على المشهور؛ لأن فيه منفعة لرب الحائط، وهو سقوط الجائحة عنه؛ لأن الثمرة إذا أجيحت في المساقاة لم يكن له في الجائحة شيء، وكان له الخيار بين التمادي أو الخروج؛ بخلاف الإجارة فإن للأجير أن يرجع فيها إذا أجيحت الثمرة بأجرة مثله فيما عمله.
الثالث: أن يكون ذا ثمر في عام المساقاة، فلا تصح فيما لا ثمرة له أصلا كالأثل، أو لم يبلغ حد الإثمار كالودي، نعم تصح في محترزات هذه الشروط تبعا لغيره مما تصح فيه المساقاة، فيكون لهما، ولا يجوز إبقاؤه للعامل ولا لرب الحائط؛ لأنه زيادة إما على رب الحائط أو على العامل يناله بسقيه مسقة، والفرق بينه وبين البياض ورود السنة بالبياض.
(الركن الثاني) الجزء المشترط للعامل من الثمرة، وشروط صحته ثلاثة:
الأول: شيوعه في ثمر الحائط فلا تصح بشجر معين ولا بكيل.
والثاني: علمه كربع أو ثلث أو أقل أو أكثر، فلا تصح لو قال للعامل: ولك من الثمر جزء أو بعض.
والثالث: أن لا يكون مختلفا، فلا تصح فيما لو كان في الحائط من الثمر وشرط عليه أن يأخذ من صنف منها النصف ومن صنف آخر الثلث.
(الركن الثالث) العمل، وهو جميع ما يفتقر الحائط إليه عرفا كإبار وتنقية ودواب وأحبال ودلاء ومساحي وأجراء، وعليه خلف ما رث من ذلك إلا ما مات أو مرض أو غاب أو أبق أو سرق من الحيوان العاقل أو غيره مما كان في الحائط أولا قبل العقد فليس عليه بدله ولا أجرته، بل ذلك على رب الحائط، وإنما على العامل إجراء النفقة على من في الحائط من عبيد وأجراء ودواب وكسوتهم، كانوا لرب الحائط أو له، وشروط صحته أربعة:
(الأول) أن يشترط عليه رب نقص ما في الحائط من نحو دواب مما هو موجود بالحائط يوم العقد مما يحتاج الحال إليه، وإلا فسدت.
(الثاني) أن لا يشترط تجديد الشيء في الحائط لم يكن موجودا وقت العقد على العامل أو رب الحائط مما تقدم، وإلا فسدت إن كانت تلك الزيادة لها بال، وإلا لغت كما في بن وغيره.
(الثالث) أن لا يشترط زيادة
стр. 249
شيء لأحدهما يختص به عن صاحبه خارج عن الحائط، كأن يعمل له عملا في حائط أخرى، أو يخيط له ثوبا، أو يبني له بيتا، أو يزيده عينا أو عرضا أو منفعة كسكنى أو ركوب أو نحو ذلك، وإلا فسدت.
(الرابع) أن لا يشترط عمل شيء من العامل يبقى في الحائط بعد انقضاء المساقاة، كحفر بئر أو إنشاء شجر أو بناء حائط بها أو تسوية أرض، وإلا فسدت، فإذا لم يشترط شيئا من ذلك فلا يضر، وفعله من المعروف الذي يثاب عليه فاعله.
(الركن الرابع) ما ينعقد به وهو الصيغة، وشرطه عند ابن القاسم أن يكون بلفظ من مادة ساقيت فقط لا بلفظ إجارة، أو شركة فلا تنعقد بذلك أي من البادئ منهما، ويكفي من الثاني أن يقول: قبلت أو رضيت ونحو ذلك، قال البناني: ولفظ ابن رشد: والمساقاة أصل في نفسها لا تنعقد إلا بلفظ المساقاة على مذهب ابن القاسم، فلو قال رجل: استأجرتك على عمل حائطي هذا بنصف ثمرته لم تجز على مذهبه، كما لا تجوز الإجارة عنده بلفظ المساقاة، بخلاف قول سحنون فإنه يجيزها، ويجعلها إجارة، وكلام ابن القاسم أصح. اهـ باختصار هذا خلاصة ما في أقرب المسالك، وشرحه وحاشيته والله أعلم.
باب في الإجارة
[مسألة]
إذا قال: احتطب على دابتي ولك نصف الحطب فيجوز إن علم ما يحتطبه عليها بعادة أو شرط، وسواء قال: يوم لي ويوم لك أم لا، كنقلة لي ونقلة لك، وأما إذا قال: ولك نصف ثمنه فلا يجوز للغرر. اهـ من أقرب المسالك.
[مسألة]
يجوز إجارة دابة لمكان معلوم على أنه إن ظفر بحاجته في أثناء الطريق حاسب ربها على قدر ما سار صعوبة وسهولة، ومحل الجواز إن لم ينقد الأجرة وإلا لم يجز؛ لترددها بين السلفية والثمنية. اهـ منه.
(ما قولكم) في شخص قال لآخر: بع لي سلعتي، وما زاد على مائة فهو بيني وبينك فلا يجوز وله كراء المثل، كما كتبه السيد عن ح اهـ أمير على عبق.
[مسألة]
تصح الإجارة على حفظ زرع مثلا، ويكون له على كل قفيز مدّان، نص عليه ابن أبي زيد؛ لأنه كشراء صبرة كل صاع بكذا، وعن الأبهري المنع. اهـ أمير.
(ما قولكم) في الخائط لا يكاد يخالف مستخيطه، وهو مخالط لمؤجره، يخيطه الثوب فإذا فرغ أرضاه، هل هو جائز أو لا؛ لكون الأجر غير معلوم؟
(الجواب) هو جائز، وقد ذكر الحطاب أن المنع في هذه المسألة ونحوها غلو في الدين، كما يفعل في دخول الحمام
стр. 250
وحلق الرأس، والفران يخبز، واستدل للجواز بما وقع منه ﷺ من حجامته، ولم يشارط الحجام ثم أعطاه، وربما ألحق بذلك حمير الكراء بمصر بجامع القلة والمسامحة، فكأن ذلك رخصا مستثناة. اهـ أمير.
(ما قولكم) في رجل قال لآخر: ارق هذا الجبل ولك عشرة قروش فرقى، هل يلزم ذلك الرجل العشرة قروش أم لا؟
(الجواب) في الصاوي، وقد نص ابن يونس أن من قال: ارق هذا الجبل، ولك كذا أنه لا شيء له. اهـ.
(ما قولكم) في شخص استأجر حيوانا، وادعى ضياعه، هل يضمن أم لا؟ وإذا قلتم: لا يضمن، هل يحلف أم لا؟
(الجواب) في أقرب المسالك أن المستأجر لشيء، والمؤجر -بفتح الجيم- كالراعي أمين، فإن ادعى الضياع أو التلف فلا ضمان عليه، كان مما يغاب عليه أم لا، ولو شرط عليه الضمان، ويحلف إن كان متهما: لقد ضاع وما فرطت، ولا يحلف غير المتهم.
(ما قولكم) في مؤجر حامل على ظهره أو دابته شيئا فانكسر، هل يضمن أم لا؟
(الجواب) في أقرب المسالك أن الحامل إذا عثر أو عثرت دابته بدهن أو غيره، أو عثر بآنية فانكسرت، أو انقطع الحبل الذي ربط به الأمتعة فتلفت فلا ضمان عليه ما لم يتعد في فعله أو سوقه الدابة، بأن مشي في زلق من الأرض، أو ضرب الدابة بعنف فطرحت ما فوقها، أو نحو ذلك؛ فإنه يضمن لتعديه، فإن كذب رب المتاع غير المتعدي بأن قال له: لم تعثر ولم يذهب منك شيء فهو ضامن في الطعام والإدام، وأما البز والعروض فالقول قوله والفرق تعبدي، إلا أن يأتي رب المتاع بما يدل على كذبه، بأن أقام بينة شهدت عليه بأنها رأت الشيء المدعى ضياعه بعد اليوم الذي ادعى ضياعه فيه. اهـ بزيادة من ص، وفي الأمير أن في الكراء أربعة أقوال كما في المقدمات:
له الكراء مطلقا، ويلزمه حمل مثله من موضع الهلاك هلك بسبب حامله أو بسماوي، وهو المشهور عند ابن رشد.
الثاني: أن له بحساب ما سار مطلقا.
الثالث: إن هلك بسبب حامله فله بحساب ما سار، وإن هلك بسماوي فله الكراء كله، ويلزمه حمل مثله موضع الهلاك.
الرابع: مذهب المدونة إن هلك بسبب حامله فلا كراء له، وإن هلك بسماوي فله الكراء كله ويلزمه حمل مثله، وظاهره في جميع الأقوال سواء ضمن أم لا طعاما أو غيره. اهـ.
ولا يخفى أن مذهب المدونة هو المعتمد؛ لأنه قول ابن القاسم في المدونة، وهو يقدم على