Полный текст (381 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
للشفعة، ثم بيع من ماله ما يوفي به الثمن ولو الشقص، والأولى تقديم ما هو الأولى بالبيع، وإن لم يسلم ولم يعجل أجل بالاجتهاد، فإن مضي الأجل ولم يأت به فله البقاء على طلب الثمن؛ فيباع له مال الشفيع للوفاء، وله أن يبطل أخذه بالشفعة، فإن قال الشفيع: أنا آخذه، بالمضارع أو باسم الفاعل، وقد سلم المشتري له الأخذ أجل ثلاثة أيام لإحضار النقد، فإن أتى به فيها وإلا سقطت شفعته، ولا قيام له بها بعد ذلك، وأما إن سكت المشتري أو أبى فإن عجل الثمن أخذه المشتري جبرا، وإلا بطلت شفعته حالا فيهما، ورجع الشقص للمشتري. هذا خلاصة ما في أقرب المسالك، وشرحه وحاشيته.
باب في القسمة
(ما قولكم) في شريكين في حانوت طلب أحدهما البيع وأبى الآخر، فهل يجبر على البيع أم لا؟
(الجواب) في أقرب المسالك: وأجبر من أباه من الشركاء فيما لا ينقسم من عقار وغيره بشروط:
(الأول) إن نقصت حصة مريد البيع لو باعها مفردة من حصة شريكه، فإن لم تنقص لو بيعت مفردة لم يجبر لعدم الضرر.
(الثاني) ولم يلتزم الآبي النقص فإن قال: بع ما يخصك في هذا الحانوت وإن نقص عن بيعه جملة فعلى ما نقص، فإنه لا يجبر على البيع معه لعدم الضرر.
(الثالث) ولم تملك حصة مريد البيع مفردة، فإن ملكها مفردة وأراد بيعها وأبى صاحبه من البيع معه لم يجبر على البيع معه.
(الرابع) ولم يكن المجموع للغلة، فإن اشترى له كحانوت اشترى للغلة لم يجر الآبي على البيع مع من أراده. اهـ بتصرف.
باب في القراض
(ما قولكم) في شخص اشترى سلعة لنفسه بثمن معلوم فلم يقدر على وفائه، فقال لشخص آخر: إذا اشتريت سلعة بكذا فأعطني الثمن لأنقده لربها وربحها بيننا مناصفة مثلا، فدفعه له، فهل هذا قراض صحيح أم لا؟ وإن قلتم: إنه غير صحيح هل الربح للعامل وحده، والخسر عليه أم لا؟
(الجواب) هذا قرض فاسد لا قراض، فيجب رده لربه فورا؛ لأنه قرض لم يقع على وجه المعروف، فإن نقده في السلعة فالربح للعامل وحده والخسر عليه، بخلاف ما إذا لم يخبر رب المال بالشراء، بل قال بعد أن اشتراها: ادفع لي عشرة مثلا على وجه القراض والربح بيننا فيجوز
стр. 247
ويكون قراضا على ما دخلا عليه، وكذا يكون قراضا صحيحا إذا قال: ادفع لي كذا على وجه القراض فقد وجدت رخيصا أشتريه به والربح بيننا على كذا؛ فيجوز إن لم يسم السلعة أو بايعها، فإن سمى أحدهما لم يجز، وكان قراضا فاسدا، وله في تعيين البائع أجرة تولي الشراء أو قراض المثل، وله في تعيين السلعة أجرة المثل.
باب في المساقاة
[مسألة]
هي عرفا: عقد من رب الحائط أو الزرع مع غيره على القيام بمؤنة وخدمة شجر أو نبات؛ أي على التزام خدمته من سقي وتنقية وتقليم وغير ذلك بجزء من غلة، هذا هو الأصل، وفيها: لا بأس بالمساقاة على أن كل الثمرة للعامل بصيغة من لفظ مادة ساقيت فقط عند ابن القاسم، أو منه ومن مادة لفظ عاملت أيضا عند سحنون، كما سيتضح، وهي مستثناة من ستة أصول كل واحد منها يدل على المنع.
(الأول) الإجارة بالمجهول؛ لأن نصف الثمرة مثلا مجهول.
(الثاني) كراء الأرض بما يخرج منها فيما إذا جعل للعامل جزء من البياض، والبذر عليه.
(الثالث) بيع الثمرة قبل بدو صلاحها بل قبل وجودها.
(الرابع) الغرر؛ لأن العامل لا يدري أتسلم الثمرة أم لا، وعلى تقدير سلامتها لا يدري كيف يكون مقدارها.
(الخامس) بيع الطعام بالطعام نسيئة، إذا كان العامل يغرم طعام الدواب والأجراء؛ لأنه يأخذ عن ذلك الطعام طعاما بعد مدة.
(السادس) الدين بالدين؛ لأن المنافع والثمار كلاهما غير مقبوض، والأصل فيها معاملة النبي ﷺ أهل خيبر، ولداعية الضرورة إلى ذلك ولفظها مفاعلة إما من التي تكون لواحد نحو سافر وعافاه الله وهو قليل، وإما أن يلاحظ العقد، وهو لا يكون إلا من اثنين، فيكون من التعبير بالمتعلق -بالفتح- وهو المساقات على المتعلق -بالكسر- وهو العقد، وإلا فهذه الصيغة تقتضي أن كل واحد من العامل والمالك يسقي لصاحبه كالمضاربة والمقاتلة، وليس هو المراد، كما في حاشية أقرب المسالك وشرحه على المتن.
[مسألة]
عقد المساقات من العقود اللازمة عند جمهور الفقهاء؛ خلافا لأبي حنيفة فإنه منعها، ووافق صاحباه الجمهور، فليس لأحدهما فسخها بعد العقد دون الآخر ما لم يتراضيا عليه، هذا هو المذهب، وأركانه أربعة:
(الأول) المعقود عليه وهو الأشجار وسائر الأصول؛ وشروط صحته ثلاثة:
الأول: أن لا يخلف
стр. 248
بضم الياء، فلا تصح فيما يخلف كقضب -بفتح القاف وسكون الضاد المعجمة- نبت معلوم يشبه البرسيم، أو قرط -بضم القاف- أو موز لا تخلف ولا تنتهي لأجل معلوم، فينال الذي لم ينته منه من سقي العامل، فكأنه شرط زيادة عليه.
الثاني: أن لا يبدو صلاحه؛ خلافا لسحنون فلا تصح فيما بدا صلاح ثمره، وهو في كل شيء بحسبه على المشهور؛ لأن فيه منفعة لرب الحائط، وهو سقوط الجائحة عنه؛ لأن الثمرة إذا أجيحت في المساقاة لم يكن له في الجائحة شيء، وكان له الخيار بين التمادي أو الخروج؛ بخلاف الإجارة فإن للأجير أن يرجع فيها إذا أجيحت الثمرة بأجرة مثله فيما عمله.
الثالث: أن يكون ذا ثمر في عام المساقاة، فلا تصح فيما لا ثمرة له أصلا كالأثل، أو لم يبلغ حد الإثمار كالودي، نعم تصح في محترزات هذه الشروط تبعا لغيره مما تصح فيه المساقاة، فيكون لهما، ولا يجوز إبقاؤه للعامل ولا لرب الحائط؛ لأنه زيادة إما على رب الحائط أو على العامل يناله بسقيه مسقة، والفرق بينه وبين البياض ورود السنة بالبياض.
(الركن الثاني) الجزء المشترط للعامل من الثمرة، وشروط صحته ثلاثة:
الأول: شيوعه في ثمر الحائط فلا تصح بشجر معين ولا بكيل.
والثاني: علمه كربع أو ثلث أو أقل أو أكثر، فلا تصح لو قال للعامل: ولك من الثمر جزء أو بعض.
والثالث: أن لا يكون مختلفا، فلا تصح فيما لو كان في الحائط من الثمر وشرط عليه أن يأخذ من صنف منها النصف ومن صنف آخر الثلث.
(الركن الثالث) العمل، وهو جميع ما يفتقر الحائط إليه عرفا كإبار وتنقية ودواب وأحبال ودلاء ومساحي وأجراء، وعليه خلف ما رث من ذلك إلا ما مات أو مرض أو غاب أو أبق أو سرق من الحيوان العاقل أو غيره مما كان في الحائط أولا قبل العقد فليس عليه بدله ولا أجرته، بل ذلك على رب الحائط، وإنما على العامل إجراء النفقة على من في الحائط من عبيد وأجراء ودواب وكسوتهم، كانوا لرب الحائط أو له، وشروط صحته أربعة:
(الأول) أن يشترط عليه رب نقص ما في الحائط من نحو دواب مما هو موجود بالحائط يوم العقد مما يحتاج الحال إليه، وإلا فسدت.
(الثاني) أن لا يشترط تجديد الشيء في الحائط لم يكن موجودا وقت العقد على العامل أو رب الحائط مما تقدم، وإلا فسدت إن كانت تلك الزيادة لها بال، وإلا لغت كما في بن وغيره.
(الثالث) أن لا يشترط زيادة
стр. 249
شيء لأحدهما يختص به عن صاحبه خارج عن الحائط، كأن يعمل له عملا في حائط أخرى، أو يخيط له ثوبا، أو يبني له بيتا، أو يزيده عينا أو عرضا أو منفعة كسكنى أو ركوب أو نحو ذلك، وإلا فسدت.
(الرابع) أن لا يشترط عمل شيء من العامل يبقى في الحائط بعد انقضاء المساقاة، كحفر بئر أو إنشاء شجر أو بناء حائط بها أو تسوية أرض، وإلا فسدت، فإذا لم يشترط شيئا من ذلك فلا يضر، وفعله من المعروف الذي يثاب عليه فاعله.
(الركن الرابع) ما ينعقد به وهو الصيغة، وشرطه عند ابن القاسم أن يكون بلفظ من مادة ساقيت فقط لا بلفظ إجارة، أو شركة فلا تنعقد بذلك أي من البادئ منهما، ويكفي من الثاني أن يقول: قبلت أو رضيت ونحو ذلك، قال البناني: ولفظ ابن رشد: والمساقاة أصل في نفسها لا تنعقد إلا بلفظ المساقاة على مذهب ابن القاسم، فلو قال رجل: استأجرتك على عمل حائطي هذا بنصف ثمرته لم تجز على مذهبه، كما لا تجوز الإجارة عنده بلفظ المساقاة، بخلاف قول سحنون فإنه يجيزها، ويجعلها إجارة، وكلام ابن القاسم أصح. اهـ باختصار هذا خلاصة ما في أقرب المسالك، وشرحه وحاشيته والله أعلم.
باب في الإجارة
[مسألة]
إذا قال: احتطب على دابتي ولك نصف الحطب فيجوز إن علم ما يحتطبه عليها بعادة أو شرط، وسواء قال: يوم لي ويوم لك أم لا، كنقلة لي ونقلة لك، وأما إذا قال: ولك نصف ثمنه فلا يجوز للغرر. اهـ من أقرب المسالك.
[مسألة]
يجوز إجارة دابة لمكان معلوم على أنه إن ظفر بحاجته في أثناء الطريق حاسب ربها على قدر ما سار صعوبة وسهولة، ومحل الجواز إن لم ينقد الأجرة وإلا لم يجز؛ لترددها بين السلفية والثمنية. اهـ منه.
(ما قولكم) في شخص قال لآخر: بع لي سلعتي، وما زاد على مائة فهو بيني وبينك فلا يجوز وله كراء المثل، كما كتبه السيد عن ح اهـ أمير على عبق.
[مسألة]
تصح الإجارة على حفظ زرع مثلا، ويكون له على كل قفيز مدّان، نص عليه ابن أبي زيد؛ لأنه كشراء صبرة كل صاع بكذا، وعن الأبهري المنع. اهـ أمير.
(ما قولكم) في الخائط لا يكاد يخالف مستخيطه، وهو مخالط لمؤجره، يخيطه الثوب فإذا فرغ أرضاه، هل هو جائز أو لا؛ لكون الأجر غير معلوم؟
(الجواب) هو جائز، وقد ذكر الحطاب أن المنع في هذه المسألة ونحوها غلو في الدين، كما يفعل في دخول الحمام
стр. 250
وحلق الرأس، والفران يخبز، واستدل للجواز بما وقع منه ﷺ من حجامته، ولم يشارط الحجام ثم أعطاه، وربما ألحق بذلك حمير الكراء بمصر بجامع القلة والمسامحة، فكأن ذلك رخصا مستثناة. اهـ أمير.
(ما قولكم) في رجل قال لآخر: ارق هذا الجبل ولك عشرة قروش فرقى، هل يلزم ذلك الرجل العشرة قروش أم لا؟
(الجواب) في الصاوي، وقد نص ابن يونس أن من قال: ارق هذا الجبل، ولك كذا أنه لا شيء له. اهـ.
(ما قولكم) في شخص استأجر حيوانا، وادعى ضياعه، هل يضمن أم لا؟ وإذا قلتم: لا يضمن، هل يحلف أم لا؟
(الجواب) في أقرب المسالك أن المستأجر لشيء، والمؤجر -بفتح الجيم- كالراعي أمين، فإن ادعى الضياع أو التلف فلا ضمان عليه، كان مما يغاب عليه أم لا، ولو شرط عليه الضمان، ويحلف إن كان متهما: لقد ضاع وما فرطت، ولا يحلف غير المتهم.
(ما قولكم) في مؤجر حامل على ظهره أو دابته شيئا فانكسر، هل يضمن أم لا؟
(الجواب) في أقرب المسالك أن الحامل إذا عثر أو عثرت دابته بدهن أو غيره، أو عثر بآنية فانكسرت، أو انقطع الحبل الذي ربط به الأمتعة فتلفت فلا ضمان عليه ما لم يتعد في فعله أو سوقه الدابة، بأن مشي في زلق من الأرض، أو ضرب الدابة بعنف فطرحت ما فوقها، أو نحو ذلك؛ فإنه يضمن لتعديه، فإن كذب رب المتاع غير المتعدي بأن قال له: لم تعثر ولم يذهب منك شيء فهو ضامن في الطعام والإدام، وأما البز والعروض فالقول قوله والفرق تعبدي، إلا أن يأتي رب المتاع بما يدل على كذبه، بأن أقام بينة شهدت عليه بأنها رأت الشيء المدعى ضياعه بعد اليوم الذي ادعى ضياعه فيه. اهـ بزيادة من ص، وفي الأمير أن في الكراء أربعة أقوال كما في المقدمات:
له الكراء مطلقا، ويلزمه حمل مثله من موضع الهلاك هلك بسبب حامله أو بسماوي، وهو المشهور عند ابن رشد.
الثاني: أن له بحساب ما سار مطلقا.
الثالث: إن هلك بسبب حامله فله بحساب ما سار، وإن هلك بسماوي فله الكراء كله، ويلزمه حمل مثله موضع الهلاك.
الرابع: مذهب المدونة إن هلك بسبب حامله فلا كراء له، وإن هلك بسماوي فله الكراء كله ويلزمه حمل مثله، وظاهره في جميع الأقوال سواء ضمن أم لا طعاما أو غيره. اهـ.
ولا يخفى أن مذهب المدونة هو المعتمد؛ لأنه قول ابن القاسم في المدونة، وهو يقدم على
стр. 251
غيره كما يأتي.
[مسألة]
إذا أتى شخص لخياط بشقة، وقال له: إن كانت تكفي ثوبا ففصلها، فقال: تكفي، ثم فصلها فلم تكف فلا ضمان على الخياط وإن علم عدم كفايتها؛ لأنه لا أثر للغرر القولي، إلا أن يشترط رب الشقة على الخياط أنك إن علمت أنها تكفي ثوبا ففصلها وإلا فلا، فقال: تكفي مع علمه بعدم الكفاية فإنه يضمن. اهـ من أقرب المسالك.
[مسألة]
يجوز إيجار العبد خمسة عشر عاما، والدار نحو ثلاثين عاما ولو بشرط النقد فيهما، ويجوز إيجار أرض الزراعة المأمونة الري خمسين عاما لا أكثر، فإن لم يؤمن ريها جاز العقد عليها ما ذكر دون النقد، وكذلك الدار إذا كانت قديمة يحتمل بقاؤها الثلاثين وعدمه، فإن كانت قديمة جدا لا تبقى الثلاثين عادة لم يجز كراؤها الثلاثين، وكذا يقال في العبد. اهـ من ص.
(ما قولكم) في شخص قال لخياط: إن خطت لي هذه الجبة في هذا اليوم فلك عشرة، وإن خطته في أزيد من اليوم فلك ثمانية، فهل هذه إجارة صحيحة أم لا؟
(الجواب) في أقرب المسالك أن هذه إجارة فاسدة للجهل بقدر الأجرة، فإن وقع فله أجر مثله ولو زاد على المسمى خاطه في اليوم أو أكثر، وفي ص أن محل فساد هذه الصورة إذا وقع العقد على الإلزام ولو لأحد المتعاقدين، فإن كان الخيار لكل منهما جاز؛ لأن الغرر لا يعتبر مع الخيار، وأما دفع دراهم بعد العقد زيادة على الأجرة ليسرع له بالعمل فجائز، كما في ح، ويقال بعد ذلك: إن أسرع فاز بالزيادة وإلا فله الرجوع عليه؛ لأنه على شرط لم يتم. اهـ.
(ما قولكم) في دلال أعطاه شخص ثوبا يطوف بها في الأسواق ليبيعه فادعى ضياعه، هل يضمن أم لا؟
(الجواب) إن كان ذلك السمسار من أهل الخير والأمانة فلا ضمان عليه إذا ادعى ضياع الثوب أو ضياع ثمنه بعد البيع، أو ادعى تمزيقه أو خرقه بسبب نشر أو طي بغير تعديه وبلا تفريط منه فيما ذكر، وهذا إذا لم يخرج عما أذن له فيه، كما إذا ادعى أنه باع الثوب لرجل وأنكر ذلك الرجل الشراء، ولم يكن له بينة عليه؛ فيضمن لتفريطه بترك الإشهاد، وقيد بعضهم عدم ضمان من ظهر خيره بما إذا لم ينصب نفسه للسمسرة، وإلا ضمن كالصانع، وقد اعتبر ابن عرفة هذا القيد كما في بن. اهـ ملخصا من أقرب المسالك وص.
[مسألة]
تفسخ الإجارة بتعذر ما يستوفى منه المنفعة بأن انهدمت الدار أو ماتت الدابة أو نحو ذلك، وإذا فسخت رجع المكتري لمحاسبة المكري باعتبار ما حصل
стр. 252
من المنفعة، وما لم يحصل وباعتبار المسافة طولا وقصرا وسهولة وصعوبة. اهـ من أقرب المسالك.
[مسألة]
لا تنفسخ الإجارة بتعذر ما يستوفى به كالساكن والراكب والشيء المحمول، وظاهر هذا تعذر بسماوي كموت الراكب، أو تعذر بغير سماوي كما إذا فرط الحامل لشيء، فتلف الشيء المحمول من طعام أو غيره، أو تلف بغير سماوي من غير تفريط كما إذا عثر فكسر الشيء المحمول، وإذا فرط ضمن، وإذا علمت أن الإجارة لا تنفسخ بتعذر ما يستوفى به قبل الوارث السائر والراكب، وقال رب الأحمال: عليك جميع الأجرة وأت بمثل الأول؛ لتمام المدة والمسافة وهذا المشهور عند ابن رشد في المقدمات، والذي له في البيان أن المشهور قول ابن القاسم في المدونة، وهو الفرق بين التلف بسماوي، فلا تنقض الإجارة ويأتيه المستأجر بمثله، وعليه جميع الكراء وبين تلفه من جهة الحامل فتنقض ولا كراء له، وقيل: له من الكراء بقدر ما سار وظاهره فرط أم لا، وظاهره أن قول ابن القاسم في المدونة مقدم على غيره. اهـ منه.
[مسألة]
يخير الصغير الذي أجره وليه أو أجر سلعه إذا بلغ رشيدا قبل انقضاء المدة بين الإبقاء لتمام المدة والفسخ إذا ظن وليه بلوغه فيها أو لا، ظن عنده مطلقا أو ظن عدمه وقد بقي اليسير منها كالشهر ويسير الأيام؛ فلا خيار له في عقد الإجارة على نفسه فقط، وأما عقد الإجارة على سلعه فيلزم إذا ظن عدم بلوغه مطلقا، فعقد وليه الإجارة على سلعه لازم له إذا رشد في أثناء مدة الإجارة، بقي منها الكثير أو اليسير، ظن وليه رشده أم لا؛ إذ الرشد لم تعلم له غاية، بخلاف الصبا. اهـ منه.
(ما قولكم) في وكيل مفوض أكرى دار موكله بأقل من كراء مثلها، هل يفسخ الكراء؟
(الجواب) يفسخ إن أكراها بدون أجرة المثل، وكذا إن أكراها بعرض؛ لأنه خلاف العادة، هذا إذا لم تمض مدة الإجارة، وإلا رجع على وكيله بما نقص عن أجرة المثل، وبأجرة المثل في العرض، فإن عدم الوكيل رجع على المكتري ولا رجوع للمكتري على الوكيل إن أيسر، ومثل الوكيل ناظر الوقف والوصي بجامع التصرف بغير المصلحة الواجبة عليه. اهـ منه.
(ما قولكم) في شخص استأجر دارا، ثم حصل فيها
стр. 253
خلل فطلب المستأجر من المالك التعمير والإصلاح لذلك الخلل، فهل يلزمه ويجبر عليه إن أبي أم لا؟
(الجواب) لا يجبر على الإصلاح، ولو كان ذلك الخلل يضر أو لا يمكن معه الانتفاع اتفاقا في الكثير المضر، وعلى مذهب ابن القاسم في اليسير مطلقا، وأما ابن حبيب فيقول: يجبر المكري على الإصلاح مطلقا. قال ابن عبد السلام: وبه العمل، وعلى قول ابن القاسم يخير الساكن بين الفسخ والإبقاء في المضر ولو مع نقص منافع، فإن بقي فيلزمه الكراء كله، وإذا كان غير مضر فلا خيار له ويلزمه السكنى، إلا أنه إذا كان لا ينقص من الكراء شيئا فظاهر، وإن كان ينقص من الكراء حط عنه بقدره وإن قل، كسقوط تجصيصها، كما في أقرب المسالك.
[مسألة]
إذا أصلح المكتري بلا إذن كان متبرعا لا شيء له، سواء كان إصلاحه لما يضر أو لغيره، كان الغير ينقص من الكراء شيئا أو لا، وإذا انقضت المدة خير رب الدار بين دفع قيمته منقوضا أو أمره بنقضه كالغاصب، بخلاف ما لو أذن له في التعمير فله قيمته قائما إذا لم يقل ربها: عمرها وما صرفته فعلي، وإلا فيلزمه جميع ما صرفه. اهـ منه بزيادة من ص.
(ما قولكم) في خربة بجوار شخص يحصل لذلك الشخص منها ضرر، فطلب من ربها التعمير أو البيع لمن يعمر فأبى، فهل يجبر على العمارة أو البيع أم لا؟
(الجواب) في ص لا يجبر على عمارتها ولا على بيعها، ويقال لذلك الشخص: ادفع عن نفسك الضرر بما تقدر عليه، ولا ضمان على ربها إن حصل بسببها تلف، وبه أفتى الشيخ سالم السنهوري، وأفتى بعضهم بلزوم رب الخربة بما يدفع الضرر من عمارة أو بيع، وهذا هو الذي ارتضاه شيخ مشايخنا العدوي.
(ما قولكم) في شخص استأجر آخر على إيصال شيء إلى مكان معلوم فادعى الأجير أنه وصله، وقال المستأجر: لم يصل، فهل القول للأجير ويستحق الأجرة أم لا؟ وإذا قلتم: القول للأجير، فهل إذا أنكر المرسل إليه وصول ذلك الشيء فهل يضمنه الأجير أم لا؟
(الجواب) القول للأجير أنه وصل ما أرسل به بيمينه إن أشبه، بأن كان الزمن يصل الأجير في مثله عادة فيستحق الأجرة؛ لأنه أمين، فإن لم يحلف حلف المستأجر ولا أجرة للأجير، وأما إن أنكر المرسل إليه وصول ذلك الشيء إليه فإن الأجير يضمن. اهـ من أقرب المسالك.
[مسألة]
إذا أعطى شخص شيئا لصانع يصنعه، وذكر له صفة ثم اختلفا، فقال
стр. 254
الصانع: هذه الصفة التي قلت لي عليها، وقال ربه: بل ذكرت لك صفة أخرى فالقول للأجير، كخياط وصباغ ونجار ونحوهم، إن أشبه في دعواه بالنسبة لمالكه في استعماله، كصبغه شاشا أخضر لشريف أو أزرق لنصراني، فلا يقبل دعوى الشريف أنه أمره بصبغه أزرق ليهديه لنصراني ولا دعوى نصراني أنه أمره بصبغه أخضر ليهديه لشريف، وهذا ما لم تقم قرينة قوية تؤيد قول المالك، فإن لم يشبه الأجير حلف ربه وثبت له الخيار في أخذه ودفع أجرة المثل، وتركه وأخذ قيمته غير مصنوع، فإن نكل اشتركا هذا بقيمة ثوبه مثلا غير مصبوغ وهذا بقيمة صبغه. اهـ من أقرب المسالك بتوضيح.
[مسألة]
القول للأجير في قدر الأجرة إن أشبه بيمينه أشبه ربه أم لا، فإن انفرد ربه بالشبهة فالقول له بيمينه، فإن لم يشبها حلفا وكان للأجير أجرة مثله، كأن نكلا معا، وقضي للحالف على الناكل، هذا إذا كان المصنوع تحت يد الصانع، فإن حازه ربه أو كان الصانع إنما يصنعه في بيت ربه ولا يمكنه من الخروج به فالقول في قدر الأجرة لربه إذا لم ينفرد الصانع بالشبه، وإلا فالقول له. اهـ منه.
[مسألة]
ليس القول للصانع في رد الشيء المصنوع، إن كان مما يغاب عليه كالثوب والحلي، بل القول لربه بيمينه، وأما ما لا يغاب عليه كدابة دفعها ربها لمن يعلمها بأجر وادعى ردها فالقول للأجير في ردها. اهـ منه.
(باب الجعالة)
(ما قولكم) في شخص أعطى دلالا سلعة، وقال له: لا تبع حتى تشاورني، هل يجوز أم لا؟
(الجواب) في المجموع، ونقل التتائي على الرسالة منع قوله في الجعل على البيع: لا تبع حتى تشاورني، وأقره عج والنفراوي، وعبارة عبد الباقي ابن عرفة والروايات ناصة بأن شرط الجعل على البيع تسمية الثمن أو تفويضه للمجعول له، وهو نقل ابن رشد والصقلي، وعبارة الأمير عليه: قوله شرط الجعل على البيع تسمية الثمن إلخ أي لأنه لو قال له: لا تبع إلا بمشورتي فقط يضيع النهار كله ولا يرضى الآخر؛ ففيه زيادة غرر، بخلاف نحو الآبق فيتبع زيادة اجتهاده في التفتيش عادة. اهـ.
(ما قولكم) في دلال أعطاه شخص ثيابا قليلة يبيعها بالبلد، ولم يسم لها ثمنا، وقد قال في المدونة: يجوز الجعل في بيع قليل السلع بالبلد سموا لها ثمنا أم لا، هل قول المدونة مقيد أم لا؟
стр. 255
(الجواب) كلام المدونة مقيد فيما إذا لم يسموا ثمنا لتلك الثياب بما إذا فوض الثمن للدلال، وقولها في بيع قليل الثمن لا يخفى أنه لا فرق بين قليل الثياب وكثيرها، فإذا قال له: بع هذه الثياب كل ثوب بكذا، أو فوض له الثمن وقال له: كلما بعت ثوبا فلك أجرته المعلومة فالجواز، سواء كانت الثياب قليلة أو كثيرة، وأما إن جاعله على الكل بأن قال له: إن بعت الكل فلك أجرة الجميع، وإن بعت البعض فلا أجرة لك فلا يجوز، ولو كانتا ثوبين فقط. اهـ ملخصا من عبق والأمير.
(ما قولكم) فيما إذا أعطى للدلال ثوبا يبيعه، ولم يسم له ثمنا، ولم يفوض له فيه ولكن الثمن معلوم في عرفهم، فهل يصح أم لا؟
(الجواب) العرف كالشرط فيصح الجعل على ذلك، وإن انتفى الشرط والعرف فالفساد منصوص عليه في العتبية كما في الأمير على عبق.
باب الوقف
[مسألة]
حكى بعضهم الخلاف في وقف المشاع مطلقا، وهل هو في الصحة أو في الجواز ابتداء والمعمول به الجواز مطلقا. اهـ من الأمير على عبق.
(فائدة) في الأمير عن العلامة العدوي أن الجيزي أفتى بأن من التزم أن ما يبنيه بالمحل الفلاني فهو وقف، ثم بنى فيه يلزمه ما التزمه، ولا يحتاج لإنشاء وقف لذلك، ورأيته أيضا بخط سيدي أحمد النفراوي شارح الرسالة بطرة عج، وانظر هل لا بد في التعليق من تعيين المعلق فيه كما ذكر، أو يدخل فيه ما يقع لبعض الواقفين أنه يقول في كتاب وقفه، وكل ما تجدد لي من عقار أو غيره ودخل في ملكي فهو ملحق بوقفي هذا وحرر. اهـ
(فرع) نقل الناصر اللقاني أنه يشترط في ناظر الوقف ما يشترط في الوصي. انتهى. اهـ أمير.
[مسألة]
يثبت الوقف بالإشاعة بشروطها بأن يطول زمن السماع، قال ابن سهل: وصفة شهادة السماع في الأحباس أن يشهد المشاهد أنه يعرف الدار التي بموضع كذا وحدها كذا، وأنه لم يزل يسمع منذ أربعين سنة أو عشرين سنة متقدمة التاريخ عن شهادته هذه سماعا فاشيا مستفيضا من أهل العدل وغيرهم أن هذه الدار حبس على كذا أو حبس فقط ويشهد الآخر، بذلك جرى العمل. اهـ وإنما يقع الحكم بها بعد أن يعذر الحاكم لمن ينازع في ذلك ولم يبد دافعا شرعيا،
стр. 256
ويعمل بهذه الشهادة أيضا في مصرف الوقف وكل ما يتعلق به مثل شروط الواقف وغيرها، ولا يشترط تعيين المحبس عليه ولا تسمية المحبس ولا إثبات ملكه، ولا يشترط وجود مكتوب يشتمل على الوقفية، وإذا ثبتت الوقفية فلا يلزمهم ما استغلوه قبل ثبوت الوقفية، ولا أجرة ما سكنوه، كما في حاشية الخرشي.
[مسألة]
إذا وجد كتاب مكتوب عليه وقف على طلبة العلم بالمدرسة الفلانية، فإن كانت مشهورة بالكتب ثبتت وقفيته، وإن لم تكن مشهورة بذلك لم تثبت وقفيته، وإذا لم تثبت يجب التوقف في أمرها حتى يتبين حالها، وهو عيب يثبت للمشتري الرد به، كما في حاشية الخرشي.
[مسألة]
إنما يتم الوقف بالحوز، ولا يكفي فيه الجد بخلاف الهبة؛ لأنها خرجت عن ملكه كما في المجموع.
[مسألة]
إذا صدر الوقف في مرض الموت فمن الثلث بلا شرط حوز كيفية التبرعات كما في المجموع.
[مسألة]
إذا قال: هذه الدار حبس بعد شهر يلزم إذا جاء الأجل، كما إذا قال: لعبده أنت حر إلى أجل كذا فإنه يكون حرا إذا جاء الأجل الذي عينه، فإن حدث دين على الواقف أو على المعتق في ذلك الأجل ذاته لا يضر عقد العتق؛ لتشوف الشارع للحرية، ويضر عقد الحبس إذا لم يحز عن الواقف في ذلك الأجل أما إن حيز عنه أو كانت منفعته لغير الوقف في ذلك الأجل فإنه لا يضر حدوث الدين كذا في الخرشي. اهـ ص.
[مسألة]
يبطل الوقف بمانع من موت أو فلس أو مرض موت قبل أن يحوزه الموقوف عليه، ويرجع للغريم في الفلس، وللوارث في الموت ما لم يحزه الوارث وإلا نفذ. اهـ من أقرب المسالك.
[مسألة]
للواقف في المرض الرجوع فيه؛ لأنه كالوصية بخلاف الواقف في الصحة، فلا رجوع له فيه قبل المانع، ويجبر على التحويز إلا إذا شرط لنفسه الرجوع فله ذلك. اهـ منه.
[مسألة]
إذا اشترط الواقف التغيير والتبديل والإدخال والإخراج فإنه يعمل به، وفي المتيطي ما يفيد منع ذلك ابتداء، ويمضي إن وقع، وفي ح عن النوادر وغيرها أنه إن اشترط في وقفه إن وجد فيه رغبة بيع واشترى غيره لا يجوز له ذلك، فإن وقع ونزل مضى وعمل بشرطه، كذا في بن. اهـ ص.
(ما قولكم) في شخص وقف على محجوره دارا ثم مات أو فلس قبل الحوز الحسي للمحجور، فهل يبطل الوقف أم لا؟
(الجواب) يصح وقف الولي على محجوره إذا استمر الوقف تحت يده حتى حصل المانع لكن
стр. 257
بشروط ثلاثة:
(أولها) أن يشهد الولي أنه وقف هذه الدار على محجوره، وإن لم يشهد على الحوز له، فإن لم يشهد بطل بموته أو فلسه أو مرض موته.
(ثانيها) أن يصرف الولي غلة تلك الدار كلها أو جلها في مصالح ذلك المحجور، ويشهد الولي على ذلك إذا لم يصرف الغلة بالمرة، أو صرف النصف أو الأقل فإنه يبطل بحصول أحد الموانع المتقدمة، كما قال اللقاني.
(ثالثها) لم تكن تلك الدار دار سكنى الواقف، فإن كانت دار سكناه بطل بالمانع إلا إذا خرج الواقف منها وعاينت البينة فراغها من شواغله، وإذا سكن الواقف الأقل منها وأكرى لمحجوره الأكثر؛ ليصرف أجرته في مصالحه فلا يبطل الوقف؛ لأن الأقل يتبع الأكثر، وإن سكن النصف بطل ذلك النصف فقط إن حصل مانع، وصح وقف النصف الذي لم يسكنه، وإن سكن الأكثر بطل الجميع. اهـ من أقرب المسالك بزيادة من ص.
(ما قولكم) في امرأة وقفت دارا على ولدها الصغير وحازتها له ثم ماتت، فهل يصح وقفها على الصغير أم لا؟
(الجواب) لا يكفي حوز الأم للصغير إذا كانت غير وصية، وإذا لم يكف حوز الأم للصغير إذا كانت غير وصية عليه، وإذا لم يكف حوزها وحصل مانع بطل وقفها، وأما إذا كانت وصية فإنه يكفي حوزها له بالشروط المتقدمة في ال مسألة التي قبل هذه كما يفهم من قوله فيها على محجوره، كما في أقرب المسالك.
(ما قولكم) في شخص وقف دارا على ذريته ذكورا وإناثا، وشرط إخراج البنات من وقفه إن تزوجن، هل يتبع شرطه أم لا؟
(الجواب) الشرط إن كان ممنوعا لا يعمل به إن كان متفقا على منعه، وأما المختلف فيه كاشتراط إخراج البنات من وقفه إذا تزوجن فهذا لا يجوز الإقدام عليه، فإذا وقع مضى، كما في الحطاب نقله البناني كما في ص.
[مسألة]
ليس للناظر الإيصاء بالنظر لغيره إلا أن يجعل له الواقف ذلك، وحيث لم يكن له الإيصاء بالنظر فإن مات -والحال أن الواقف حي- فإن الواقف يجعل النظر ممن شاء وإن كان ميتا فوصيه إن وجد، وإلا فالحاكم. اهـ ملخصا من در ودس.
[مسألة]
في عبد الباقي أن الأحوط تجنب معلوم أوقاف السلاطين لحق من هو أحوج، وفي الأمير وقعت الفتوى قديما بأنه لا يشترط في أخذه العمل بالموقوف عليه؛ لأنه في الحقيقة استحقاق من بيت المال، وممن أفرد ذلك بالتأليف الجلال السيوطي. اهـ.
[مسألة]
إذا مات الواقف وعدم
стр. 258
كتاب الوقف، فإنه يقبل قول الناظر في الجهات التي يصرف عليها إن كان أمينا، وإذا ادعى الناظر أنه صرف الغلة صدق إن كان أمينا، ما لم يكن عليه شهود في أصل الوقف، وإلا فلا يصرف إلا بإطلاعهم ولا يقبل بدونهم، وإذا ادعى أنه صرف على الوقف مالا من عنده صدق من غير يمين إن لم يكن منهما وإلا فيحلف، وله أن يقترض لمصلحة الوقف من غير إذن الحاكم، ويصدق في ذلك، نقله دس عن شب كما في ص .
[مسألة]
إذا ضاق المسجد بأهله واحتاج إلى توسعته، وبجانبه عقار وقف أو ملك؛ فإنه يجوز بيع الحبس لتوسعة المسجد، وإن أبى صاحب الحبس أو الملك من بيع ذلك فالمشهور الجبر على البيع، ويشترى بثمن الحبس حبسا كالأول، ومثل توسعة المسجد توسعة طريق المسلمين ومقبرتهم، وأما توسعة بعض الثلاثة من بعض ففي عج أنه يؤخذ الجواز من الشيخ عند قول المصنف واتبع شرطه إن جاز أن ما كان لله فلا بأس فيه أن يستعان ببعضه في بعض، إلا أن في بعض الشراح التنصيص بأنه لا يهدم المسجد لتوسيع الطريق، بخلاف الدفن فيه لضيق المقبرة؛ لأن المسجد باق بحاله.
[مسألة]
لا يجوز بيع الوقف وإن خرب ولو بغيره من جنسه، ولا يجوز استبداله بمثله غير خرب، ولا يجوز بيع أنقاضه من أحجار وأخشاب، فإن تعذر عود الأنقاض فيما وقفت فيه جاز نقلها في مثله، وقال ابن عرفة: يجوز نقلها لوقف آخر عادم المنفعة ولو كان غير مماثل للأول، وإذا منع بيع الوقف وأنقاضه فيجوز للناظر إذا تعذر عوده من غلة أو إجارة أن يأذن لمن يعمره من عنده على أن البناء يكون للباني ملكا وخلوا؛ أي منفعة، ويجعل على الباني في نظير الأرض حكرا يدفعه للمستحق، وكذلك يجوز للناظر أن يؤاجر أرضا محبسة لشخص يبني فيها نحو دار، ويجعل عليه لجهة الوقف قدرا من الدراهم كثلاثين درهما، فإذا كانت الدار تكرى بستين درهما فهي بينهما مناصفة، فالثلاثين التي أخذها الباني يقال لها: خلو، وهذا الخلو يتعلق به البيع والإرث والوقف وغير ذلك، وإذا اشترى جماعة من الباني المذكور وباع بعضهم حصته فلشركائه الأخذ بالشفعة، وإذا حصل خلل للبناء في صورة أخذ الناظر لمن يبني فالإصلاح على الناظر وصاحب الخلو على قدر ما لكل؛ لأنهما صارا شريكين، وأما إذا حصل الخلل في البناء الذي حصل في أرض الوقف الخالية فالإصلاح
стр. 259
على صاحب الخلو فقط، وأما لو كان البناء المنهدم وقفا محضا والخلو فوقه وانهدم الأسفل فالإصلاح من الوقف فقط، واعلم أن الخلو من ملك المنفعة لا من ملك الانتفاع؛ لأن مالك الانتفاع ينتفع بنفسه فقط ولا يؤاجر ولا يعير ولا يهب، ومالك المنفعة له ذلك مع انتفاعه بنفسه، والفرق أن مالك الانتفاع تقصد ذاته مع وصفه بوصف كإمام وخطيب ومدرس وقف عليه بالوصف المذكور، بخلاف مالك المنفعة فإنما يقصد به الانتفاع بالذات لا مع وصف، ثم إن مالك الانتفاع إذا أراد أن ينفع به غيره فإنه يسقط حقه منه، ويأخذه الغير على أنه من أهله حيث كان من أهله، ولما كان الخلو من ملك المنفعة صار يورث ويوهب، وليس للناظر أن يخرج تلك المنفعة عن المستحق لها، وإن كانت الإجارة مشاهرة، وليس له الإجارة لغيره. اهـ ملخصا من حاشية الخرشي والأمير على عب والدسوقي.
[مسألة]
إذا أكرى الناظر الوقف بغير أجرة المثل ولم تمض مدة الإجارة فإنها تفسخ، والأصح ضمن تمام أجرة المثل إن كان مليا، وإلا رجع على المستأجر؛ لأنه مباشر وكل من رجع عليه لا يرجع على الآخر، هذا ما لم يعلم المستأجر بأن الأجرة غير أجرة المثل، وإلا فكل منهما ضامن، كما في حاشية الخرشي بزيادة من باب الإجارة.
[مسألة]
إن أكرى ناظر الوقف بغير محاباة فإن أكرى بأجرة المثل فلا يفسخ كراؤه، ولو بزيادة زادها شخص على المكتري، وأما إن أكرى بأقل من أجرة المثل فإنه يفسخ كراؤه إذا زاد عليه شخص آخر أجرة المثل، إلا أن يلتزمها الساكن، وإلا كان أحق ما لم يزد الآخر على أجرة المثل، وإلا كان أحق ما لم يلتزم الساكن تلك الزيادة، هذا ما استظهره في حاشية الخرشي، خلافا لما فهمه عب وتبعه في أقرب المسالك.
[مسألة]
للناظر عزل نفسه ويولي صاحب الوقف من شاء إن كان حيا، وإلا فوصيه إن كان، وإلا فالحاكم كما في دس وغيره.
[مسألة]
ذكر البدر أن القاضي لا يعزل الناظر إلا بجنحة، وللواقف عزله ولو بغير جنحة. اهـ دسوق.
(ما قولكم) في وقف أهلي محكوم بصحته ولزومه من حاكم شرعي حنفي المذهب من قضاة المسلمين وقفه الواقف مالكي المذهب وشرط فيه
стр. 260
بقوله أن يكون النظر أولا لنفسه مدة حياته، ثم للأرشد فالأرشد من أولاده لصلبه، ثم للأرشد فالأرشد من المستحقين بالفعل إلخ، فمات الواقف المذكور وخلف ولدين ذكرين تعينا ناظرين على الوقف المذكور، ثم مات أحدهما وخلف أولادا ذكورا وإناثَا، فهل يكون أولاد الولد مقام أبيهم في النظارة على الوقف المذكور مع ولد الواقف المذكور؟ وهل قول الواقف من أولاده لصلبه يشمل ولد ولدِ الصلب مع ولد الصلب، أم لا يكون ولد ولدِ الصلب ولدا صلبيا مع كونه من أولاد الظهور؟ وهل إذا كان ولد الولد للصلب مقدم على ولد الصلب إذا كان أرشد منه، ولا يمنعه قول الواقف من أولاده لصلبه؟ أم كيف يكون ذلك؟ أفتونا بنص صريح من معتمد مذهب الإمام مالك، آجركم الله آمين!
(الجواب) في الصاوي على أقرب المسالك عند قوله: واتبع شرطه إن جاز كتخصيص مذهب أو ناظر معين ما نصه؛ أي بأن شرط الواقف أن فلانا ناظر وقفه فيجب اتباع شرطه ولا يجوز العدول عنه لغيره، وليس له -أي الناظر المعين- الإيصاء بالنظر لغيره إلا أن يجعل له الواقف ذلك، وحيث لم يكن له إيصاء به، فإن مات الناظر والواقف حي جعل النظر لمن شاء، وإن كان ميتا فوصيه إن وجد، وإلا فالحاكم. اهـ ويؤخذ من قوله: وليس له الإيصاء بالنظر لغيره إلخ أن أولاد الولد لا يكونون مقام أبيهم في النظارة، ولو جعلها أبوهم لهم من بعده، بل يتعين أن يكون الولد الباقي هو الناظر.
قال الصاوي: وذكر البدر القرافي أن القاضي لا يعزل الناظر إلا بحجة، وللواقف عزله مطلقا. اهـ، وأما قوله: وهل قول الواقف من أولاده لصلبه يشمل ولد ولدِ الصلب مع ولد الصلب، أم لا يكون ولد ولدِ الصلب ولدا صلبيا إلخ، ففي رسالة الشيخ يحيي بن محمد الحطاب شرح ألفاظ الواقفين ص ٤٧ ما نصه الثاني عشر ما قاله ابن شعبان في الزاهي، ولو قال: على ولد ظهري لم يدخل فيه ولد ولده ذكورهم ولا إناثهم. اهـ.
قال الشيخ يحيي الحطاب وانظره مع قوله قبل ما نصه: ومن جعل داره حبسا على ولده وولد ولده لم يدخل فيه ولد البنات؛ لقوله -تعالى-:﴾ يوصيكم الله في أولادكم ﴿، فليس لولد البنات مع ذكر ولد الولد شيء، ولا على الانفراد لو انفردوا، كقوله:﴾ ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد ﴿، ثم قال:﴾ ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد ﴿،
стр. 261
فكان ذكور ولده الذكر وإناثهم كولد الظهر يحجبون، ولم يكن كذلك ولد ذكور ولد البنات ولا أمهم. اهـ؛ فإنه في قوله: فكان ذكور ولده إلخ جعل ولد الولد كولد الظهر فتأمله، والله أعلم، قلت: فنص ابن شعبان في خصوص ال مسألة عدم دخول ولد الولد مع ولد الظهر، ولا شك أن ولد الصلب مثل ولد الظهر، وأما ما ذكره قبل ذلك مما استدل به الشيخ يحيي الحطاب ليس نصا في خصوص المسألة؛ إذ هو في الحجب المبني على اللغة لا في لفظ الواقفين المبني على العرف، على أنه فرق بين قول الواقف: من أولاده لصلبه، وبين قوله: على ولدي وولد ولدي، وقوله -تعالى-:﴾ في أولادكم ﴿، وقوله -تعالى-:﴾ إن لم يكن لكم ولد ﴿، وإن لم يكن لهن ولد فإن الأول مقيد بقيد لصلبه، والثاني مطلق غير مقيد بذلك، والقاعدة الأصولية: إن الأعمال خير من الإهمال فافهم بإمعان، والله أعلم.
[مسألة]
للقاضي أن يجعل للناظر شيئا من الوقف إذا لم يكن له شيء، وما أفتى به ابن عتاب من أن الناظر لا يحل له أخذ شيء من غلة الوقف بل من بيت المال، إلا إذا عين له الواقف شيئا، فهو ضعيف، ذكره دس عن البدر.
[مسألة]
يتبع شرط الواقف كشرط أن لا يزيد على كراسين في تغييرة الكتاب، فإن احتيج للزيادة جازت مخالفة شرطه بالمصلحة؛ لأن القصد الانتفاع كما في الحطاب، فإن شرط أن لا تغير إلا برهن فالشرط باطل والرهن لا يصح؛ لأن المستعير حيث كان أهلا لذلك وهو أمين فلا يضمن، ويقبل قوله: إن لم يفرط، فإن أريد بشرط الرهن التذكرة للرد عمل به، ذكره الأمير على عبق.
[مسألة]
في الأمير يجوز للناظر تغيير بعض أماكن الوقف لمصلحة، كتغيير الميضأة ونقلها إلى محل آخر، وأولى تحويل باب مثلا إلى مكان آخر مع بقاء المكان ذي البناء على حاله. اهـ.
[مسألة]
يجوز بيع ما لا ينتفع به فيما حبس عليه، وينتفع به في غيره، وهذا إذا كان غير عقار، ككتب علم تبلى، أو لا ينتفع بها في مدرسة وقفت فيها، وإذا بيع ما لا ينتفع به يجعل ثمنه في مثله كاملا إن أمكن، أو في جزئه إذا لم يمكن شراء كامل، فإن لم يمكن عوده في كامل أو شقصه تصدق بالثمن. اهـ من أقر المسالك بتصرف.
[مسألة]
قال أبو الحسن الصغير: يجوز بيع حصر المسجد إذا استغني عنها وكذا أنقاضه، وتصرف في مصالحه. انتهى، وكذا يقال في الزيت إذا صار لا ينتفع به في خصوص ما وقف
стр. 262
له، انظر عدوي.
[مسألة]
إذا انتقل أهل مسجد جامع عنه وبنوا غيره وصار العتيق معطلا مهجورا، وعلى ذلك المسجد القديم وقف فالجمعة للجديد، كما ذكره العلامة العدوي على الخرشي في فصل الجمعة، وأما وقف المسجد القديم فيصرف في مصالح الجديد، فقد قال ابن عرفة: تنقل أنقاض الوقف إن تعذر عودها فيما وقفت فيه لوقف آخر عادم المنفعة، ولو كان غير مماثل للأول كما في دس، ومنه يعلم أن نقل ريع وقف المسجد القديم، إذا تعذر صرفه فيما وقف فيه إلى مثله أولى؛ ففي أقرب المسالك: ورجع الوقف في التحبيس على كقنطرة ومسجد ومدرسة خربت ولم يرج عودها في مثلها حقيقة إن أمكن، فيصرف في قنطرة أخرى أو مسجد آخر أو مسجد آخر أو مدرسة أخرى، فإن لم يمكن ففي مثلها نوعا؛ أي في قربة، وقيل: تصرف في مثلها نوعا ولو أمكن المثل حقيقة، إلا أن في كلام عج ما يفيد تأييد الأول. اهـ بزيادة من ص، والله أعلم.
(ما قولكم) في شخص أخذ كتابا موقوفا على مكان معين، وسافر به إلى مكان آخر ثم مات وفقد الكتاب، هل تؤخذ قيمته من تركته، ويشترى بها كتاب مثله أم لا؟
(الجواب) تؤخذ قيمة ذلك الكتاب المفقود ويشترى بها مثله أو شقصه، كما يعلم من قوله في أقرب المسالك: كأن أتلف الحبس فإن من أتلفه يلزمه القيمة ويشترى بها مثله أو شقصه، وهذا ظاهر إن كان غير عقار، وأما العقار إذا أفسده شخص فيلزمه قيمة ما أفسده، ويعاد بتلك القيمة فيقوم سالما ومهدوما ويؤخذ من متلفه قيمة النقص -بالصاد المهملة- ويقام بها مع الأنقاض الحبس. اهـ بتصرف وتوضيح، والله أعلم.
[مسألة]
يجوز إنزال الصيف المدارس والربط الموقوفة المدة اليسيرة، ولا يجوز الكثيرة؛ لأنه يصير إعارة ومالك الانتفاع لا يجوز له أن يعير، كما ذكره عب في باب الإعارة.
[مسألة]
يصرف ماء آبار المدارس والرباطات على ما نص الواقف، وإلا فعلى ما جرت به العادة، وما يوقف من الصهاريج للشرب في المدارس ونحو ذلك لا يجوز لأحد بيعه ولا هبته للناس، ولا صرفه في وجوه لم تجر العادة بها، إلا الشيء اليسير كالبياض اليسير ونحوه، ونظير ذلك الطعام الذي يقدم للضيف فلا يجوز له أن يبيعه ولا يملكه لغيره، بل يأكله هو خاصة على جاري العادة، وله إطعام الهرة اللقمة ونحوها لشهادة العادة بذلك، ولا يتغطى ببسط
стр. 263
الوقف ونحوها. اهـ ملخصا من عب في باب العارية، ومن فتاوى عج.
[مسألة]
المساكن الموقوفة على المجاورين في المدارس ونحوها لا يجوز لمن يسكنها بوصف المجاورة أن يبيع أو يهب أو يعير أو غير ذلك ولا الخزن فيها، نعم يجوز له أن يسقط حقه لغيره فيستحق ذلك الغير الانتفاع به حيث كان من أهله، كما وقع للعلامة البرزلي في سكنى خلوة الناصرية، فإنه قد أسقط له حقه فيها من كان يملك الانتفاع بها عند قدومه لسفر الحج، ويجوز إسقاط الحق في الانتفاع ببيوت المدارس والوظائف مجانا وفي مقابلة دراهم على المعتمد كما في بن عن البرزلي، وإذا أسقط مالك الانتفاع حقه منه سقط حقه على الوجه الذي أسقطه، فإن أسقطه مدة مخصوصة رجع إليه بعد انقضائها كالعارية، وإن أطلق في الإسقاط فلا يجوز له -كما أفاده البرزلي- ومن استعار كتابا وقفا فليس له أن يعيره؛ لأنه مالك الانتفاع فقط إلا أن يسقط ذلك المستعير حقه في العارية، ويكون الثاني من أهلها. اهـ ملخصا من دس وعدوي من باب العارية.
(ما قولكم) في شخص اشترى حصة من وقف من مستحقها واستغلها مدة، فهل يفوز بما قبضه من غلة تلك الحصة أم لا؟
(الجواب) ذكر العلامة العدوي في باب الاستحقاق أنه يستثنى من قولهم: المشتري العالم بأن الشيء المشترى ملك للغير لا غلة من اشترى حصة من وقف من مستحقها فإنه يفوز المشتري بغلة تلك الحصة ما دام المستحق حيا، ولو كان المشتري عالما بوقفية تلك الحصة، ووجهه أنه بمنزلة المستحق الواهب منفعة شيء يستحقه لشخص آخر، والله أعلم.
(ما قولكم) في شخص متول أمر وقف فأجر دارا لشخص مدة، ثم مات قبل انقضائها، فهل تنفسخ الإجارة أم لا؟
(الجواب) في عب وغيره أن الإجارة تنفسخ بموت مستحق وقف أجر ثم مات قبل أن تنقضي تلك المدة، وانتقل الاستحقاق لمن في طبقته أو لمن يليه، ولو كان ولده، ولو كان ذلك ناظرا كما في الحطاب، ولا يخالفه ما في تت من أنها لا تنفسخ بموت الناظر؛ لأنه فرض ذلك في ناظر غير مستحق. انتهى بتصرف؛ والمعنى أن الناظر الذي لا تنفسخ إجارته بموته هو الذي يؤاجر لعموم مصلحة الوقف بنظره، ولا استحقاق له، وأن الذي تنفسخ إجارته بموته هو الذي يؤجر من حيث استحقاقه؛ لأنه بموته تنتقل الإجارة لمن انتقل إليه الحق، والله أعلم.
[مسألة]
إذا وقف شخص كتبا
стр. 264
في مدرسة فبليت، أو صارت لا ينتفع بها في تلك المدرسة؛ فإنها تباع ويشترى بثمنها كتبا كاملة ينتفع بها، فإن لم يمكن شراء الكاملة فجزؤها، فإن لم يمكن إبدالها بكاملة أو ناقصة تصدق بثمنها. اهـ ملخصا من أقرب المسالك وص.
[مسألة]
إذا أتلف شخص شيئا من الوقف فإنه يلزمه القيمة، ويشترى بها مثله أو شقصه، وهذا ظاهر إن كان غير عقار، وأما العقار فيعاد بقيمته فيقوم سالما ومهدوما، ويؤخذ من متلفه قيمة النقص، ويبنى الوقف بها مع الأنقاض؛ لأنها وقف، هذا هو المشهور خلافا لقول سيدي خليل: ومن هدم وقفا فعليه إعادته. اهـ من أقرب المسالك بتصرف.
[مسألة]
لا يجوز أن يقسم من أجرة الوقف إلا ما مضى زمنه؛ خشية موت من أخذ فيؤدي إلى إعطاء من لا يستحق وحرمان غيره ممن يستحق، أو خشية طروّ مستحق في المدة فيحرم من حقه، وهذا إذا كان الوقف على معينين أو على خدمة مسجد أو على مدرسين ونحوهم، وأما على فقراء فيجوز للأمن من إحرام مستحق وإعطاء من لا يستحق لعدم لزوم تعميمهم، كما في أقرب المسالك.
[مسألة]
إذا قال: وقف على ولدي فلان وفلانة كان ذلك خاصا بها بخلاف وصيي على ولدي فلا وفلانة فإن غير من سمى من أولاده يدخل، والفرق أن الوصية بمعنى واحد فلا وجه للتخصيص، بخلاف الوقف فله غرض في نفع البعض لفقره. اهـ أمير على عب.
(فرع) قال ابن غازي في تكميل التقييد: سئل أبو محمد عبد الله العبدوسي هل يجوز جمع أحباس فاس بتمامها، ثم يعمر من معاليمها الخرب من المساجد؟ فأجاب: نعم، يقدم الأهم فالأهم، ويكون ذلك سلفا لمن أخذ منه من المساجد. اهـ بدر.
(فرع آخر) لا يجوز أن يتسلف من الوقف قبل إبان الاستحقاق، تأمل الفرعين فلعل الأول مخصص للثاني، اهـ أمير.
(ما قولكم) في مسجد خرب وليس له غلة فأخذ ناظر المسجد قطعة من المسجد فجعلها حوانيت لأجل مصالح المسجد، وزاد من الجهة الأخرى بقدر ما أخذ من المسجد للحوانيت، فهل يجوز له ذلك أم لا؟
(الجواب) سئل الأجهوري عن مسجد له مراحيض خربت حتى صارت عدما محضا، وأرادوا أن يبدلوها بحوانيت تكرى وتصرف غلتها في مصالح المسجد، فهل يجوز ذلك أم لا؟ فأجاب ﵀: لا يجوز لهم ذلك؛ لما فيه من إخراج الوقف عن حالته الأصلية، ومثله في البرزلي، معللا ذلك بأن العبرة في الوقف باللفظ لا بالمنفعة، فمن
стр. 265
باب أولى ما هنا من أخذهم من المسجد شيئا وجعله حوانيت؛ إذ هو أحرى بعدم الجواز، والله أعلم .
(ما قولكم) في رجل بنى مسجدا صغيرا بلبن وسقفه من قصب فوهى واندرست أكثر جدرانه، فضاق على المصلين، فأراد أهل البلد توسعته وتعميره بالآجر والجص بغاية الاستحكام بحيث يسع المصلين، فمنعهم ورثه باني المسجد عن تعميره وتوسعته عن حالته الأولى، فهل لهم ذلك أم لا؟
(الجواب) ورثة الباني كأحد المسلمين في أمر المسجد ليس لهم منع أحد من فعل الخير العائد لجميع المسلمين، فلهم التعمير والتوسيع وغيره من المصالح والحال ما ذكر، والله أعلم.
(ما قولكم) في أرض منى من جهة وقفها وبيعها، فهل يصح لأحد أن يقتطع له قطعة منها ويستولي عليها ويتملكها، ويتصرف فيها بالبيع والوقف وغيرهما، ويمنع المسلمين من النزول فيها؟ وإذا وقفها هل ينفذ وقفه لها؟ وإذا وقفها على جماعة هل يطالبون الناظر عليها ويجبرونه على أخذ الأجرة منه بعد موت الواقف؟ وهل يجب على ولي الأمر أن يهدم ذلك البناء حيث كانت تلك الأرض لا تملك كالبناء في المقبرة المسبلة؟ وإذا منع الناظر إعطاء الأجرة للموقوف عليهم يكون آثما عند الله؟ وهل لكل أحد أن يزيل هذا البناء؛ لأنه من المنكر؟ وهل لكل أحد أن يدخل في هذه الأماكن المحكرة بالبناء كالحيشان؟ أفتونا.
(الجواب) لا يجوز بيعها ولا وقفها، ولا الاستيلاء عليها بنية تملكها والتصرف فيها بالبناء فيها وغيره، وإذا كان كذلك فليس له منع أحد من النزول بها، قال سند: وجملة ذلك أن منى لا ملك لأحد فيها، وليس لأحد أن يحجر فيها موضعا، إلا أن ينزل منها منزلا فيختص به حتى يفرغ من نسكه ويخرج منه، والأصل فيه ما روي عن عائشة ﵂ قالت: "قلنا: يا رسول الله، ألا نبني لك موضعا يظلك بمنى؟ قال: لا، منى مباح لمن سبق"، خرجه الترمذي والنسائي، وهذا يمنع أن يحجر أحد فيها بنيانا إلا أن يكون نازلا بها ثم وإن كان بها كره له أيضا، قال مالك عند محمد: لأنه تضييق على الناس، وكره إجارة البنيان الذي بها قال في الموازية، وقد سمعت أنه يكره كراء البيوت التي بها، لكن هذا إن قصد كراء البقعة مع ما فيها، أما إن قصد الأخشاب والأحجار والآلات التي بها فقط فلا كراهة، وكذا إن قصد وقفها وعليه فيطالبون الناظر بأجرة الآلات والأخشاب التي بالبقعة، وإذا امتنع الناظر
стр. 266
من الإعطاء يكون آثما، وعلى ولي الأمر أن يمنع من أراد البناء بها، وأن يزيل بناءه لما علمت أنه لا ملك لأحد فيها إلا الانتفاع، وكل من له قدرة على إزالة البناء يجب عليه أن يزيله؛ إذ هو من المنكرات، والله أعلم.
(ما قولكم) في دور مكة المشرفة، هل يجوز بيعها ووقفها وكراؤها أم لا؟ وهل الحسنة فيها بمائة ألف أم لا؟ أفتونا.
(الجواب) في الفروق للقرافي بعد أن حقق عن الإمام أن مكة فتحت عنوة ما حاصله: أراضي العنوة اختلف العلماء فيها؛ هل تصير وقفا بمجرد الاستيلاء، وهو الذي حكاه الطرطوشي في تعليقه عن مالك؟ وللإمام قسمتها كسائر الغنائم وهو مخير في ذلك، والقاعدة المتفق عليها أن مسائل الخلاف إذا اتصل ببعض أقوالها قضاء حاكم تعين القول به وارتفع الخلاف، فإذا قضى حاكم بثبوت ملك في أرض العنوة ثبت الملك وارتفع الخلاف ويتعين ما حكم به الحاكم، وهذا التقرير يطرد في مكة ومصر وغيرهما، والقول بأن الدور وقف إنما يتناول الدور التي صادفها الفتح، أما إذا انهدمت تلك الأبنية، وبنى أهل الإسلام دورا غير دور الكفار فهذه الأبنية لا تكون وقفا إجماعا، وحيث قال مالك: لا تكرى دور مكة يريد، ما كان في زمانه باقيا من دور الكفار التي صادفها الفتح، واليوم قد ذهبت تلك الأبنية، وعليه فتملك وتوهب وتوقف.
وقال القاضي تقي الدين الفاسي: والقول بمنع كراء بيوت مكة فيه نظر؛ لأن غير واحد من علماء الصحابة وخلافهم عملوا بخلافه في أوقات مختلفة، ثم ذكر وقائع من ذلك عن عمر وعثمان وابن الزبير ومعاوية ﵃ وعلى القول بجواز البيع والكراء اقتصر ابن الحاج؛ فإنه قال بعد ذكر الخلاف: وأباحت طائفة من أهل العلم بيع رباع مكة وكراء منازلها، منهم طاووس وابن دينار، وهو قول مالك والشافعي، قال: والدليل على صحة قول مالك ومن يقول بقوله قول الله :﴾ الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم ﴿، وقوله ﷺ يوم الفتح: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن"، فأثبت لأبي سفيان ملك داره، وأثبت لهم أملاكهم على دورهم، وإن عمر ابتاع دارا بأربعة آلاف درهم، وأن دور أصحاب رسول الله ﷺ بأيدي أعقابهم، منهم أبو بكر الصديق والزبير بن العوام وعمرو بن العاص وغيرهم، وقد بيع بعضها وتصدق ببعضها، ولم يكونوا يفعلون ذلك إلا
стр. 267
في أملاكهم، وتؤول:﴾ سواء العاكف فيه والباد ﴿في البيت خاصة، والله أعلم، وأما الحسنة فيها فبمائة ألف، ومن أعظمها الوقف إذ هو الصدقة الجارية، والحال ما ذكر، والله أعلم بالصواب.
باب الهبة
[مسألة]
من خرج بكسرة لسائل معين لم يجز له أكلها ولا دفعها لغيره حيث بتلها له إن نوى الإعطاء فقط، كما في جواب ابن رشد لسؤال أرسله له عياض، والفرق بين التبتيل بالنية ونية الإعطاء أنه إن عبر عن التبتيل بعبارة قال: أعطيت، وإن عبر عن نية الإعطاء قال: أريد أن أعطي قال الحطاب: وأعمال التبتيل بالنية مبني على أحد القولين في أعمال الكلام النفسي في الطلاق ونحوه، فإن ذهب ولم يجده -والحال أنه نوى الإعطاء فقط- فالأحسن صرفها لغيره، وإن أخرجها له لا من حيث خصوصه بل مطلق صدقة لفقير وجب إعطاؤها لغيره. اهـ أمير على عب.
وإذا علمت أن الأحسن صرفها لغيره إذا ذهب ولم يجده والحال أنه نوى الإعطاء فقط فلا فرق بين معين وغيره، كما بينه الأمير عند قول سيدي خليل: وكره تملك صدقة، وفي الأمير أيضا: وإن وجدت السائل ولم يقبل فغيره أولى من الأول لتأكيد العزم بالدفع، واختلف هل له أكلها أم لا؟ فقيل: يجوز أكلها، وقيل: لا، وقيل: إن كان معينا أكلها وإن كان غير معين لم يأكلها. اهـ.
(ما قولكم) في شخص تصدق بصدقة، وبعد إعطائها للمسكين هل يصح إهداء ثوابها لميت أم لا؟
(الجواب) في العدوي على الرسالة في باب الأضحية أنه يصح إهداء ثواب صدقة ونحوها بعد فعلها لميت، بخلاف التشريك في الأجر في الأضحية فلا يكون إلا قبل الذبح، وأما بعده فلا تسقط عن المشرك، فانظره.
(ما قولكم) في الصدقة على الذمي هل فيها أجر أم لا؟
(الجواب) قال الخرشي في باب الوقف: وكذلك يصح الوقف على الذمي قريبا كان أو أجنبيا؛ لأن الوقف عليه صدقة، وفي الصدقة عليه أجر، والله أعلم.
[مسألة]
من سكت عن قبول صدقته زمانا فله قبولها بعد ذلك، فإن طلب غلتها حلف ما سكت تاركا لها وأخذ غلتها، كما في الصاوي.
[مسألة]
إذا تجمد لإنسان مال معلوم من وظيفة أو جامكية فيصح أن ينزل عنه لغيره، إن كان ذلك النزول من غير مقابلة بشيء بل هبة، أما إن كان في مقابلة شيء يؤخذ فإن سلم من الربى
стр. 268
جاز، وإلا منع كما في الصاوي.
باب في اللقطة
[مسألة]
يجب تعريف اللقطة سنة كاملة إن كان لها بال، ويعرف نحو الدلو والدينار فأقل الأيام؛ لأنها لا تلفت إليها النفوس كل التفات، والتعريف يكون بمظان طلبها وبباب المسجد لا داخله، ويعرفها في ابتداء الالتقاط كل يوم مرتين، ثم في كل يوم مرة، ثم في كل يومين مرة، ثم في كل ثلاثة مرة، ثم في كل أسبوع مرة، كما ذكره شارح الموطأ، ويعرفها بنفسه أو بمن يثق به لأمانته، ولا ضمان عليه إن دفعها لأمين يعرفها، وإن كان تعريفها لا يليق بالملتقط لكونه من أولي الهيئات أعطاها لمن يعرفها بأجرة منها، وإن كان يليق به التعريف وأعطاها لغيره يعرفها فهلكت فإنه يضمن، كما لو تراخى في التعريف حتى هلكت، ولا يذكر حال تعريفه جنسها بل يذكرها بوصف عام، كأمانة أو مال أو شيء، والشيء التافه كدون الدرهم وكعصي لا يعرف؛ لأنه لا تلتفت إليه النفس، وكقليل من تمر أو زبيب، وله أكله إذا لم يعلم صاحبه، وإلا منع وضمن. اهـ ملخصا من أقرب المسالك وص.
[مسألة]
للملتقط بعد السنة حبس اللقطة أو التصدق بها عن ربها أو عن نفسه أو التملك لها ولو وجدها بمكة، وضمن الملتقط فيما إذا تصدق بها ولو عن ربها، أو تملكها إذا جاء ربها، كما في أقرب المسالك.
باب في الدعاوى والإيمان
(ما قولكم) في شخص اتهم آخر هل له تحليفه أم لا؟
(الجواب) ذكروا عند قول سيدي خليل في باب القراض: والقول للعامل في تلفه أي مال القراض إلخ أن القول للعامل بيمين على المشهور، وفي دس أن الخلاف في تحليفه وعدم تحليفه جار على الخلاف في أيمان التهمة، وفيها ثلاثة؛ أقوال: قيل: تتوجه مطلقا وهو المعتمد، وقيل: لا تتوجه مطلقا، وقيل: تتوجه إن كان متهما وإلا فلا.
(ما قولكم) في شخص قال لآخر: لك إحدى هاتين الأمتين، وقلتم: إن المقر يلزمه أن يعين ما أقر به منهما، وقلتم: إذا عين أدناها ولم يصدقه المقر له أن يحلف ويدفع الأدنى للمقر له، فهل إذا نكل المقر يحلف المقر له إذا كان المقر متهما، وحيث بقي الأدنى للمقر هل ينتفع به ولو بالوطء حيث كان أمة أم لا؟
(الجواب) في حاشية في باب الإقرار
стр. 269
أن اليمين هنا ترد، سواء كانت دعوى تحقيق أو اتهام؛ لأن باب الإقرار مبني على أن يمين التهمة ترد، وينتفع المقر له بالأدنى انتفاع المالك، ويطأها إن كانت أمة إن أحب على الظاهر.
(ما قولكم) في أمين طلب المودع الوديعة منه فقال: لا أدري أضاعت أم تلفت فاتهمه ربها، ولم يحقق عليه الدعوى، وقلتم: يحلف المتهم، فهل إذا نكل يغرم بمجرد النكول أو ترد اليمين على رب الوديعة؟
(الجواب) في الخرشي في باب الوديعة: إن لم يحقق الدعوى فإنه يغرم بمجرد النكول؛ لأن يمين التهمة لا ترد على المذهب، وفي العدوي عن الرماصي أن يمين التهمة ترد هنا؛ أي في باب الوديعة على المشهور، وهكذا في التوضيح وابن عبد السلام وابن رشد وأصله لصاحب البيان، وفي دس عن البناني: كأنهم شددوا هنا؛ أي في باب الوديعة مراعاة للأمانة، وحينئذ فيحمل المصنف هنا؛ أي حيث قال: فإن نكل حلف على يمين التهمة وغيرها، والله أعلم.
[مسألة]
المتهم هو الذي يشار إليه بالتساهل في الوديعة، وقيل: من ليس من أهل الصلاح ورده محشي تت -رحمه الله تعالى- بأن المراد بالمتهم أنه الذي لم تحقق عليه الدعوى وليس إلا مجرد التهمة، كما في عدوي؛ أي ولو كان غير متهم في نفس الأمر، ودعوى التحقيق أن يجزم المدعي بكذب المدعى عليه، كما في در.
(ما قولكم) في شخص قال لآخر: أبرأتك من كل حق، ثم ادعى على من أبرأه بشيء، وأتى بوثيقة مكتوب فيها ذلك الحق، وقلتم: لا تقبل دعواه إلا إذا أتى ببينة تشهد له بأن الحق المكتوب في الوثيقة حدث التعامل به بعد البراءة، فهل اليمين تتوجه على المدعى عليه، ولو جهل أن هذه الوثيقة بعد البراءة ولم يحقق المدعي شيئا أو حقق، ولا خلطة بينهما؟
(الجواب) في عبد الباقي: إن حقق المدعي أن ما في الوثيقة حدث بعد البراءة، فإن كان لا خلطة بينهما فلا يمين على المذهب، وإن كان بينهما خلطة توجهت الدعوى وقبلت؛ لتوجه اليمين على المطلوب حينئذ على ما تجب به الفتوى، وإن جهل أن هذه الوثيقة بعد البراءة ولم يحقق الطالب شيئا توجهت اليمين على المطلوب، وإن كانت الدعوى دعوى اتهام؛ لأن توجهها هنا في عدم الاتهام قوي من حيث إنه مبني على الاحتياط فتحرى فيه التشديد، فلا يراعى فيه خلطة على المعتمد، وأن علم تقدم الوثيقة على البراءة فلا يمين اتفاقا، كما يفيده ابن رشد، والله أعلم.
(ما قولكم) في مستعير شيء ادعى هلاكه بغير صنعه، بل بقرض فأر مثلا، وقلتم: يحلف ما فرط ويبرأ، فهل
стр. 270
إذا نكل يغرم بمجرد نكوله أو ترد اليمين على المعير؟
(الجواب) لا ترد اليمين على المعير، بل يغرم المستعير بمجرد نكوله؛ لأنها يمين تهمة، قال عبد الباقي: يؤخذ من هذه ال مسألة أنه يجب عليه تفقد العارية، وكذا يجب على المرتهن والمودع ونحوهم تفقد ما في أمانتهم مما يخاف بترك تفقده حصول العت ونحوه فيه؛ لأن هذا من باب صيانة المال، فإن لم يفعل ذلك تفريطا ضمن، والله أعلم، وقد تقدم التنبيه على هذا في باب الإعارة.
باب القضاء
[مسألة]
لا يحكم القاضي إلا بالقول الراجح من قول إمامه المجتهد المطلق، ولو مع وجوده؛ إن المجتهد ثلاثة: مجتهد مطلق، ومجتهد مذهب، ومجتهد فتوى، فالمطلق كالصحابة وأهل المذاهب الأربعة، ومجتهد المذهب هو الذي يقدر على إقامة الأدلة في مذهب إمامه كابن القاسم وأشهب، ومجتهد الفتوى هو الذي يقدر على الترجيح ككبار المؤلفين من أهل المذاهب، والأصح أن الترتيب بين هذه المراتب في القضاء مندوب. اهـ ص.
(ما قولكم) في القاضي إذا أقام أحد عنده بينة على ما ادعاه هل يقول القاضي للمدعى عليه: ألك مطعن في البينة قبل أن يطلب التزكية من المدعي أم يقدم التزكية؟ أفيدوا.
(الجواب) أجاب العلامة الشيخ محمد عليش بقوله: يقدم التزكية، فإذا تمت أعذر، قال ابن فرحون في تبصرته: تنبيه الإعذار لا يكون إلا بعد استيفاء الشروط وتمام النظر، والإعذار في شيء ناقص لا يفيد شيئا، قاله بان سهل. انتهى.
[مسألة]
لا يحكم في الرشد وضده والوصية والحبس المعقب، كعلى فلان ثم أولاده، وأما غير المعقب كعلى فلان وفلان فلا يتقيد بالقضاة، وأمر الغائب والنسب والولاء والحد والقصاص ومال اليتيم إلا القضاة لا غيرهم، كالوالي ووالي الماء والمحكم، وأما نائب القاضي فهو مثله، فإن حكم غير القضاة مضى إن حكم صوابا وأدب، ومن جملة أمر الغائب فسخ نكاحه ما لم يتعذر الوصول إلى القاضي حقيقة أو حكما، بأن كان يأخذ دارهم على الفسخ، وإلا قام مقامة جماعة المسلمين كما ذكروه في باب الحجر، ولكن الذي تقدم في فصل المفقود أن القاضي وحاكم السياسة الذي يعبرون عنه بالوالي، ووالي الزكاة الذي يعبرون عنه بوالي الماء في مرتبة واحدة إلا أن القاضي أولى،
стр. 271
فانظره وتأمل، ولعل قولهم في باب القضاء فإن حكم المحكم في هذه الأمور أدب إن نفذ حكمه يشير لذلك.
(ما قولكم) في حكم الحاكم، هل يتوقف على تقدم دعوى أم لا؟
(الجواب) قال القرافي وغيره: حكم الحاكم لا يتوقف على تقدم دعوى ولا يجب على الحاكم ذلك، وإنما يجب عليه النظر فيما يقع فيه خصومة بالفعل، فإذا كان شخص له شخصان عدوان وخاف أن يموت من يعلم عداوتهما له فيشهدان عليه، فأشهد عند الحاكم على عداوة هذين الشخصين فللحاكم تسجيل ذلك؛ وينفع لقول القرافي المذكور، ذكره العلامة الأمير في باب الصلح عند ذكر بينة الاسترعاء، وذكره الخرشي في باب القضاء، ولكن في أقرب المسالك في باب الشهادات أنه يتوقف على تقديم دعوى صحيحة في المعاملات والخصومات كالدين والقذف والقتل والعتق والنسب، وقد لا يتوقف كرؤية الهلال وشرب الخمر والزنا؛ فإن البينة تكفي في ذلك وإن لم تتقدم دعوى.
[مسألة]
يجوز للإنسان أن يعمل بالقول الضعيف في مذهبه لأمر اقتضى ذلك عنده، أي لضرورة في خاصة نفسه، ولا يفتي به لغيره؛ لأنه لا يتحقق الضرورة بالنسبة لغيره كما يتحققها من نفسه سدا للذريعة، ولكن قال بعضهم: يفتي به صديقه؛ لأن شأن الصديق لا يخفى عن صديقه، وقيل: بل يقلد قول الغير من أهل المذاهب إذا كان راجحا في مذهب ذلك الغير، وهذا هو المعتمد لجواز التقليد وإن لم تكن ضرورة. اهـ ملخصا من أقرب المسالك وص والأمير.
[مسألة]
يجوز للخصمين تحكيم رجل عدل، عدل شهادة غير أحد الخصمين المتداعيين وغير جاهل في مال من دين وبيع وشراء وجرح ولو عظم، كجائفة وآمة أو قطع لعضو لا يحكم في حد، ولا غير ذلك مما تقدم، فإن حكم فيما تقدم مضى إن كان صوابا فلا ينقض؛ لأن حكم المحكم يرفع الخلاف كحكم الحاكم، وأدب لافتياته على الحاكم إن نفذ حكمه، بأن اقتص أو أحد أو أطلق لا بمجرد قوله: حكمت ونحوه، فإن كان أحد الخصمين هو المحكم فلا يجوز، لكنه إن وقع صوابا مضى، وقيل: بل يجوز ابتداء، وقال ابن عرفة: والقول بعدم مضيه مطلقا لا أعرفه. اهـ من در.
[مسألة]
للمدعي إذا لم يجد بينة تحليف المدعى عليه المنكر، وإن لم يثبت بينهما خلطة بدين أو تكرر بيع على المعتمد، فإن حلف فلا تقبل بينة بعد ذلك للمدعي إلا إذا ادعى أنه نسي البينة
стр. 272
عند تحليف المدعى عليه، أو أنه لم يعلم قبل تحليفه فله إقامة البينة ويحلف أنه نسيها أو لم يعلم بها، كما إذا أقام للمدعي شاهدا في دعوى لا تثبت إلا بشاهدين، فطلب منه الثاني فقال: ليس عندي إلا هذا، فحلف المدعى عليه لرد شهادة هذا الشاهد، ثم وجد المدعي شاهدا ثانيا فله أن يقيمه ويحلف أنه نسيه أو لم يعلم به. اهـ من أقرب المسالك بزيادة من ص.
(فائدة) كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطاة عامله بالبصرة أن اجمع بين القاسم بن معاوية وإياس، وانظر أيهما أنفذ للقضاء فوله؛ فجمع بينهما وأخبرهما بما أمر به عمر، فقال له إياس: القاسم أحق بذلك مني وسل عني وعنه فقيهي البصرة الحسن وابن سيرين، وكان القاسم يأتيهما وإياس لا يأتيهما، فعرف أنهما إن سئلا أشارا بمن يعرفانه، فقال القاسم: لا تسأل عني ولا عنه، فوالله إن إياسا أحق مني، فإن كنت كاذبا فلا عليك أن لا تولي كاذبا، وإن كنت صادقا فاتبعني، فقال إياس: يا عدي إنك أوقفت رجلا على شفير جهنم فخلص نفسه منها بيمين فاجرة ويستغفر الله منها، فقال له: حيث فطنت لها، فأنت صاحب القضية وولاه. اهـ من الأمير.
[مسألة]
لا يشترط في القاضي أن يعرف الكتابة على المعتمد، انظر بن. اهـ أمير.
باب في الشهادات
[مسألة]
لا يشترط في الشهادة لفظ أشهد على الأظهر، بل المدار فيها على ما يدل على حصول علم الشاهد بما شهد به، كرأيت كذا أو سمعت كذا، ولهذا عند هذا كذا؛ فلا يشترط لأدائها صيغة معينة كما في ص.
[مسألة]
إذا تعذر وجود العدل -كما في زماننا- اكتفي بالحر المسلم البالغ العاقل المستور الحال الذي لا يعرف عليه فسق، وقيل: يؤمر بزيادة العدد. اهـ من ص.
(ما قولكم) في شاهد يصفق بيديه، هل ترد شهادته أم لا؟
(الجواب) لا تصح إلا شهادة ذي المروءة، وهو المتصف بترك غير لائق يخل بالمروءة، ومما يخل بها الرقص والصفق بالأكف بلا موجب يقتضيه، ولعب بكسيجة وطاب ومنقلة وشطرنج بلا قمار، وإلا فهو من الكبائر؛ لأنه من أكل أموال الناس بالباطل كما في أقرب المسالك.
(ما قولكم) في قافلة حاربهم قوم، فهل تقبل شهادة القافلة بعضها لبعض؟
(الجواب) تقبل شهادة القافلة بعضهم لبعض في حرابة على من حاربهم، ولا يلتفت للعداوة الطارئة بينهم للضرورة، وسواء شهد لصاحبه بمال أو نفس، وأما في الأموال فتجوز للضرورة، وإن لم تكن هناك عدالة وحرية محققة، وإن كان ذلك في السفر. اهـ منه بزيادة من ص.
(ما قولكم) في رقيق تحمل الشهادة في حال رقه، ثم أداها في حال حريته، هل تصح شهادته؟
(الجواب) يصح تحمل الرقيق للشهادة ويؤديها بعد عتقه، وكذا يصح تحمل الكافر الشهادة وهو كافر وأداؤها وهو مسلم، وكذا يصح تحمل الصبي الشهادة في حال صباه وأداؤها وهو بالغ إن كان في حال صباه ضابطا. اهـ ملخصا من در ودس.
стр. 273
باب في المحظورات
(ما قولكم) في حكم قول العامة: الذي يخون الفاتحة يخونه الله؟
(الجواب) في النفراوي على رسالة ابن أبي زيد في باب ما تنطق به الألسنة: يمتنع قول العامة: الذي يخون الفاتحة يخونه الله، إلا أن يشتهر في العرف استعمال هذا اللفظ في معنى يجازيه الله أو يعاقبه فلا إثم على قائل هذا، هذا ملخص ما قاله الأجهوري.
(سؤال من الجاوة محصله) (ما قولكم دام فضلكم) فيمن ادعى الوصول إلى الله -تعالى- والوصول إلى مقام شهود الوحدة ومقام الشكر، وهو منهمك في لذائذ الدنيا وشهواتها، ويقول بأن له من الله حالا أسقط عنه التكاليف كالصلوات الخمس وصيام رمضان وغير ذلك من الواجبات، وأباح له جميع المحرمات كلبس الحرير واستعمال الحلي الذهب والفضة، وغير ذلك في حالة الاختيار، واستدل بقوله -تعالى-:﴾ قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده ﴿، الآية، ويجوز فعل كل ما خطر بالبال، ويقول: الأوامر متعلقة بأهل الظاهر؛ لأن القلب إذا صفي بكثرة الرياضات لا يقبل الوساوس الشيطانية، ويقول: خطابات القرآن كلها لعوام المؤمنين لا لخواصهم، ويفسر اليقين في قوله -تعالى-:﴾ واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ﴿بالموت الاختياري الحاصل عند كثرة مجاهدة النفس لا الموت الاضطراري، وتابعه على هذا أكثر العوام فأمرهم بالرياضات وترك الصلوات وغيرهما، ولهم صفات قبيحة تطول، فماذا الحكم؟ أفتونا مأجورين خيرا.
(الجواب) بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين،﴾ رب زدني علما ﴿، من يهدي الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له: صاحب هذا الاعتقاد قد انغمس في أبحر الخواطر الشيطانية والهواجس النفسانية، حيث ادعى الوصول إلى مقام شهود وحدة الإله، فهل من هذا حاله يحل ما حرم الله،﴾ سبحانك هذا بهتان عظيم ﴿، ودعواه أن له حالا أسقط عنه التكاليف في كل وقت وحين باطلة؛ لقوله -تعالى-:﴾ واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ﴿؛ أي دم على العبادة ما دمت حيا، فلا تخلو لحظة عين من لحظات الحياة من هذه العبادات، هكذا فسر الآية الأئمة الثقات، فما أكذب هذا وما أشقاه! وما أجرأه على كلام الله! فقد ورد من حديث سيد المرسلين الأبرار: "ومن قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار".
ولا شك أنه لم يصل أحد إلى الحالة التي وصل إليها رسول الله ﷺ ومع هذا كان أشق الناس طاعة لله، وقد تورمت قدماه من طول القيام -عليه أفضل الصلاة والسلام- وكيف يستدل بالقرآن من لا يعرف معناه ولا يهتدي لمبناه؟﴾ ويحسبون أنهم على شيء ألا أنهم هم الكاذبون ﴿، وقد قال ﵊: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد"؛ أي من عمل عملا أحدثه هو -أو أحدثه غيره فعمل به- ليس عليه أمرنا؛ أي حكمنا وإذننا فهو رد؛ أي مردود عليه"، رواه مسلم، وفي رواية له وللبخاري: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"، وقيل:
стр. 274
"إماتة بدعة خير من إحياء سنة"، وكان الإمام -رضي الله تعالى عنه- كثيرا ما يستشهد بهذا البيت:
وخير أمور الناس ما كان سنة ... وشر الأمور المحدثات البدائع
فهذا الرجل لا شك في كفره، وقد حصل الإجماع على أن من أحل ما حرم الله كفر -والعياذ بالله- فيقتل إن لم يتب، بل قال بعضهم: قتل مثله أفضل من قتل مائة كافر؛ لأن ضرره أشد، اللهم لا تجعلنا ممن اتبع هواه وسلك طريق الشيطان فأغواه، وأحسن لنا الخاتمة برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(ما قولكم) في رجل يدعي أنه صاحب طريقة، يأمر الناس بالدعاء إليه، ويزهدهم في العلم وأهله، ويعتقد عصيان أبي البشر عصيانا حقيقيا، وأن الرضاع يحرم ولو بلغ الرجل خمسين سنة، وأرضع هو مع نسائه من الرجال فوق الثلاثين، ويكفر صاحب المعصية ويستدل بحديث البخاري: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن"، ويأمرهم بمخالفة الأئمة الأربعة؟
(أجاب) مولانا السيد محمد الكتبي مفتي السادة الأحناف بقوله: الحمد لله وحده،﴾ رب زدني علما ﴿، اللهم طهر ألسنتنا أن تنطق إلا بما جاء به الكتاب، ونزه قلوبنا عن التقلب إلا في الصواب، وخصنا بنفيس معادن المعاني، واهدنا لفصل الخطاب، وحققنا بكريمة﴾ إنما يتذكر أولو الألباب ﴿؛ إن ثبت ما ذكر ودام الرجل عليه ولم ينزجر عما نسب من شنيع هذه الفعال إليه فعلى ولاة الأنام -أقام بهم مولاهم شعائر الإسلام، وأنار بهم منار الشرع- مقابلته بالزجر والردع، بل ويحجرون عليه ويمنعونه عن مخالطة العوام وعن إقبالهم وميلهم إليه، بل ويعزرونه لينزجر عن حاله وليمتنع الناس عن تقليده وموافقته في أفعاله، وكيف يزهد الناس في العلماء والحال أنهم أمان أهل الأرض، وضوء كنجوم السماء، وقد ورد في فضلهم من الآيات والأحاديث ما علمه المؤمنون، قال -تعالى-:﴾ إنما يخشى الله من عباده العلماء ﴿، وقال -عز من قائل-:﴾ هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ﴿، وكيف يحكم على أبينا آدم -صلوات الله على نبينا وعليه- بالعصيان الحقيقي والحال أن الأنبياء معصومون من الصغائر والكبائر، وقد قامت الأدلة عليه.
وما ذكره من الرضاع فهو من أقبح الأوضاع، لا يقبله من له طبع سليم، وما بني عليه أمر وخيم، ودعواه معرفة الشقي والسعيد وغير ذلك فهذه من تهكمه على المغيبات التي سدت طرقها على السالك، وتكفيره صاحب المعصية مستدلا بظاهر الحديث فهو ينافي كونه من عامة أهل السنة والجماعة؛ لأنه اعتقاد فرقة زائفة في القديم والحديث، وأمره بمخالفة الأئمة لمن اقتدى به في الضلال وتبعه مردود عليه وراجع إليه؛ إذ الواجب تقليد حبر منهم -رضي الله تعالى عنهم- وقد قال الله -تعالى- في كتابه العظيم:﴾ ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون متاع قليل ولهم عذاب أليم ﴿والله أعلم.
стр. 275
(ما قولكم) في رجل يعتقد أن الله -تعالى- بوجود ذاته فوق سبع سماواته صاعد ومستقر على عرشه، مستدلا بظواهر بعض الأحاديث وآية:﴾ الرحمن على العرش استوى ﴿، باستقر وصعد، ويقول: إن هذا مذهب أهل السنة والجماعة، وإنكار فوقيته -تعالى- على عرشه مذهب الجهمية وهو كفر، فهل هذا الاعتقاد ضلال وكفر؟ بينوا لنا اعتقاد أهل الحق.
(الجواب) اعلم أن العلماء المتقدمين والمتأخرين من أهل السنة والجماعة اتفقت كلمتهم على تنزيه الباري -سبحانه- عن الجهة والتحيز، وليس في جهة فوق؛ لأنه يلزم من اختصاصه بجهة أن يكون في مكان أو حيز، ويلزم من المكان والحيز الحركة والسكون للمتحيز والتغير والحدوث -تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا- ذكره القرطبي، وقال فخر الدين الرازي -رحمه الله تعالى-: اعلم أنه لا يمكن أن يكون المراد من الآية كونه مستقرا على العرش، ويدل على فساده وجوه عقلية ونقلية:
أما العقلية: فأمور أحدها أنه لو كان مستقرا على العرش لكان من الجانب الذي يلي العرش متناهيا، وإلا لزم كون العرش داخلا في ذاته وهو محال، وكلما كان متناهيا فإن العقل يقضي أنه لا يمنع أن يصير أزيد منه أو أنقص فلو كان -تعالى- متناهيا من بعض الجوانب لكانت ذاته قابلة للزيادة والنقصان، وكلما كان كذلك كان اختصاصه بذلك المقدار المعين لتخصيص مخصص وتقدير مقدر، وكلما كان كذلك فهو محدث، فثبت أنه -تعالى- لو كان على العرش لكان محدثا، وهذا محال، وكونه على العرش محال.
وأما الدلائل السمعية فمنها قوله -تعالى-:﴾ قل هو الله أحد ﴿، والأحد مبالغة في كونه واحدا، والذي يمتلئ منه العرش يكون مركبا من أجزاء كثيرة جدا فوق أجزاء العرش، وذلك ينافي كونه أحدا، ومنها قوله -تعالى-:﴾ ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية ﴿؛ فلو كان له العالم فوق العرش لكان حامل العرش حاملا للإله، فيكون الإله محفوظا وحافظا، وذلك لا يقوله عاقل، ومنها قوله -تعالى-:﴾ والله هو الغني ﴿؛ أي على الإطلاق، وذلك يوجب كونه -تعالى- غنيا عن المكان والجهة.
فإذا تقرر ذلك فالآيات الدالة على ثبوت الاستبداء من المتشابه وللعلماء في المتشابه مذهبان؛ فمذهب السلف أن يقطع بكونه -تعالى- متعاليا عن المكان والجهة، ولا يؤولون بل يفوضون علم ذلك إلى الله -تعالى- ويقولون: الاستواء على العرش صفة الله -تعالى- بلا كيف، ويجب علينا الإيمان به، ويكلون علمه لله -تعالى- وسئل مالك بن أنس عن قوله -تعالى-:﴾ الرحمن على العرش استوى ﴿، فأطرق رأسه مليا ثم قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير المعقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أظنك إلا ضالا، ثم أمر به فأخرج.
وأما الخلف فيؤولون الاستواء بنفاذ قدرته وجريان مشيئته؛ فاستوى بمعنى قدر
стр. 276
واستولى عليه، وقال ابن عبد البر:﴾ على العرش استوى ﴿؛ أي علاه، قال القرطبي: فعلو الله وارتفاعه عبارة عن علو مجده وصفاته وملكوته؛ أي ليس فوقه ممن يجب له من متعالي الجلال أحد، واستوى أي قدر عليه كما قاله الأكثر، فمن يثبت له -تعالى- مكانا فهو من المجسمة، وحكم مثبت الجهة أنه إن قال: إنه -تعالى- في السماء وأراد به المكان فهو كافر، وإن أراد الحكاية عما جاء في ظاهر الأخبار لا يكفر، ونعوذ بالله من الزيغ والضلال ونعتصم به عما يصم من الوهم والخيال.
باب في البغي
[مسألة]
البغي لغة: التعدي. وشرعا: الامتناع من طاعة من ثبتت إمامته في غير معصية بمغالبة ولو تأويلا، وتثبت الإمامة بأحد ثلاثة أمور:
الأول: بيعة أهل الحل والعقد، والثاني: عهد الإمام الذي قبله له، والثالث: تغلبه على الناس، وحينئذ فلا يشترط فيه شرط؛ لأن من اشتدت وطأته وجبت طاعته، وأهل الحل والعقد من اجتمع فيه ثلاث صفات: العلم والرأي والعلم بشروط الإمامة؛ وشروطها ثلاثة: كونه مستجمعا لشروط الفتيا، وكونه قرشيا، وكونه ذا نجدة وكفاية في المعضلات ونزول الدواهي والملمات.
فالباغية فرقة خالفت الإمام الذي ثبتت إمامته باتفاق الناس عليه في غير معصية بمغالبة ولو تأويلا، فلا تثبت الإمامة للمتغلب إلا إن دخل عموم الناس تحت طاعته، وإلا فالخارج عليه لا يكون باغيا، كقضية الحسين مع اليزيد، وغير المعصية الممتنعون من طاعته فيها، كمنع حق الله أو للآدمي وجب عليهم كزكاة وأداء ما عليهم مما جبره لبيت المال، كخراج الأرض العنوية الذي أمروا بدفعه لبيت المال أو أبوا طاعته يريدون عزله؛ إذ لا يعزل بعد انعقاد إمامته، وإنما يجب وعظه على من له قدرة.
وأما إذا كلف الإمام الناس بمال ظلما فامتنعوا من إعطائه وقاتلهم فقاتلوه فإنهم لا يكونون بغاة بذلك، فإن تحقق الإمام بغيهم بصدق التعريف المذكور عليهم وجب عليه أولا إنذارهم؛ بأن يدعوهم لطاعته وأنهم إن لم يطيعوا قاتلهم، فإن لم يفد فيهم الإنذار كأن عاجلوه بالقتال جاز له قتالهم، ويجب كفاية على الناس معاونته عليهم حيث كان عدلا، وإلا فلا يجوز له قتالهم لاحتمال أن خروجهم عليه لعدم عدله، وإن كان لا يجوز لهم الخروج عليه. قال مالك ﵁: دعه -يعني غير العدل- وما يراد منه، ينتقم الله من الظالم بظالم ثم ينتقم الله من كليهما. اهـ.
ويكون قتله لهم بسيف ورمي بنبل وتغريق وقطع الميرة؛ أي الطعام والماء عنهم، ورميهم بنار إذا لم يكن فيهم نسوة وذرية، وحرم عليه لكونهم مسلمين سبي ذراريهم ونسائهم، وإتلاف مالهم وأخذه بدون احتياج له، فإن احتيج للاستعانة به من نحو سلاح وخيل عليهم جاز له أخذه وحوزه، ثم بعد الاستغناء رد إليهم إذا وقع وحازه، أو أن الاستيلاء عليه بالقدرة، وحرم عليه أيضا رفع رءوسهم بعد قتلهم برماح لمحل آخر كبلد
стр. 277
أو وال، وأما رفعها على الرماح في محل قتلهم فجائز كالكفار، فإن حصل الأمان للإمام بالظهور عليهم تركوا ولا يسترقوا ولا يأخذ منهم مالا كالجزية، بل يتركهم عند الأمن منهم مجانا، ولا يجهز على جريحهم ولا يتبع منهزمهم إلا إذا لم يحصل الأمان للإمام منهم.
وكره لرجل قتل أبيه الباغي كأمه لا قتل جده أو ابنه فإن قتله ورثه؛ لأنه وإن كان عمدا لكنه غير عدوان، ثم الباغي إما متأول في خروجه على الإمام العدل وإما خارج على غير العدل، وإما معاند أي خارج عن الإمام العدل بلا تأويل، فإن كان متأولا أو خارجا على غير العدل فلا يضمن مالا ولا نفسا ولا طرفا أتلفهما ولا إثم عليه، ومضى حكم قاضيه، فلا يتعقب ويرفع حكمه الخلاف، فلا يعاد الحد الذي أقامه إن كان غير قتل، ولا دية عليه إن كان قتلا.
ويرد الذمي المقاتل معه لذمته وإن خرج معه طائعا، وإن كان معاندا ضمن النفس والطرف والمال لعدم عذره، ويكون الذمي الخارج معه طوعا ناقضا للعهد فهو وماله فيء، ولا يمضي حكم قاضيه.
والمرأة إن قاتلت بسلاح قتلت حال القتال فقط، وبغير سلاح لا تقتل إلا إذا قتلت شخصا، وإن كانت القدرة عليها بعد القتال فالمتأولة لا تضمن وغيرها يضمن، وإن كانت ذمية رقت.
وبالجملة قال ابن شاس: يمتاز قتال البغاة عن قتال الكفار بأحد عشر وجها: أن يقصد بالقتال ردعهم لا قتلهم، وأن يكف عن مدبرهم، ولا يجهز على جريحهم، ولا تقتل أسراهم، ولا تغنم أموالهم، ولا تسبى ذراريهم، ولا يستعان عليهم بمشرك، ولا يوادعهم على مال، ولا تنصب عليهم الردعات، ولا تحرق مساكنهم، ولا يقطع شجرهم. اهـ.
ومراده بذراريهم ما يشمل النساء، وقوله: ولا يستعان عليهم بمشرك؛ أي ولو خرج من نفسه طائعا بخلاف الكفار، كما في أقرب المسالك وشرحه وحاشية الصاوي عليه، والله أعلم.
باب الردة
(ما قولكم) في من شك هل ارتد أم لا؟ هل تجري عليه أحكام المرتد أم لا؟
(الجواب) في عبد الباقي في نواقض الوضوء: إن من شك في الردة لا تجري عليه أحكام المرتد ولا ينتقض وضوؤه، وهو الموافق لما عليه عياض وغيره من أن من أتى بلفظ يحتمل الكفر من وجوه كثيرة ويحتمل الإسلام من وجه واحد فإنه لا تجري عليه أحكام المرتد.
(ما قولكم) في من قال لصاحبه: كل من خان صاحبه يخونه الله -تعالى- قاصدا بذلك المجازاة؟ فهل يكون آثما بذلك اللفظ؟
(الجواب) سئل الأجهوري عن ذلك فأجاب بقوله: الجمهور على منع إطلاق ما لم يرد على الله -تعالى- وهذا لم يرد إطلاقه عليه -تعالى- فيما نعلم، وظاهر كلامهم المنع ولو قصد به معنى صحيحا، والله أعلم.
(ما قولكم) فيمن دعا على شخص بقوله: أماته الله كافرا، هل يكفر أم لا؟
(الجواب) إن قصد التنكيل فليس كفرا
стр. 278
على نفسه ولا على غيره، أما إن كان على وجه الرضى بالكفر وشرح الصدر به فكفر، كما في ضوء الشموع في باب فرائض الصلاة.
(ما قولكم) فيمن قال: اللهم اجعلني نبيا؟ هل يكفر أم لا؟
(الجواب) ليس هذا كفر؛ حيث لم يشك في أن محمدا ﷺ خاتم النبيين؛ لأن كلامه هذا مجرد لغو وسفه، كما في ضوء الشموع في باب الصلاة، والله أعلم.
باب حد الزنا
[مسألة]
الزنا بالقصر لغة أهل الحجاز؛ وعليه فيكتب بالياء لوقوع الألف ثالثة، وبالمد لغة أهل نجل وهم تميم؛ وعليه فيكتب بالألف، قال الخرشي نقلا عن التنبيهات: الزنا يمد ويقصر، فمن مده ذهب إلى أنه فعل من اثنين كالمقاتلة والمضاربة، ومن قصره جعله اسم الشيء نفسه. اهـ. فمن هنا حد بعض القضاة من قال لشخص: يا ابن المقصور والممدود؛ لأنه تعريض بالزنا الذي يقصر ويمد. قاله العلامة الأمير.
وهو محرم كتابا وسنة وإجماعا، وجاحد حرمته كافر، والذي فيه الحد الآتي: إيلاج مسلم مكلف حشفة في فرج آدمي مطيق عمدا بلا شبهة، وإن دبر الذكر أو أنثى، حيا أو ميتا، غير زوج أو مستأجرة مطلقا، إلا من السيد للوطء بعوض أو بدونه فلا يحد؛ نظرا لقول عطاء بجواز نكاح الأمة التي أحل سيدها وطأها للواطئ، لكن يؤدب ويلحق به الولد وتقوم عليه بمجرد الوطء يومه، فإن حملت ففي ذمته وإلا بيعت عليه وله الزيادة وعليه النقص، أو مملوكة تعتق عليه بالملك وإلا فلا حد، بل يؤدب ويلحق به الولد، أو مرهونة بدون إذن الراهن، أو ذات مغنم قبل القسم ولو حيزت، أو حربية في بلاد الحرب، أو دخلت بأمان، أو مبتوتة وإن بعدة، أو خامسة علم بتحريمها، أو محرمة صهر بنكاح، أو مطلقة منه قبل البناء بلا عقد البناء لا بعد ولو قبل الرجعة فلا يحد بل يؤدب، أو معتقة له بلا عقد، أو مكنت مملوكها بلا عقد وإلا درأ الحد ولو فاسدا.
ويثبت الزنا إما بإقراره ولو مرة إن لم يرجع ولو بدون شبهة على ما لابن القاسم وابن وهب وابن عبد الحكم، خلافا لأشهب، أو لم يهرب وإن قبل الحد، وإما بالبينة العادلة أربعة رجال يرونه كالمرود في المكحلة في وقت واحد واتحدا كيفية ورؤيا وأداء، ومذهب المدونة عدم سقوط الحد بشهادة أربع رجال أو نساء ببقاء بكارتها والتحقيق طريقة اللخمي أن شهادتهم شبهة تسقطه، وإما بظهور حمل غير متزوجة بمن يلحق به الولد وغير ذات سيد مقربه، ولا يقبل دعواها العصب بلا قرينة، ولا دعواها أن هذا الحمل من مني شربه فرجها في حمام، ولا من وطء جني، ويقبل دعواها الوطء بشبهة أو غلط وهي نائمة؛ لأنه يقع كثيرا. والحد للائط والملوط به ولو غير محصنين أو عبدين وكافرين، بشرط التكليف فيهما، أو طوع المفعول وكون الفاعل به بالغا.
وللزاني المحصن -وهو من وطئ وطأ مباحا بنكاح لازم مع انتشار بلا نكرة وهو حر
стр. 279
مسلم مكلف- رجم بحجارة معتدلة على الظهر والبطن حتى يموت المرجوم، وللزاني غير المحصن جلد مائة للحر وجلد خمسين للرق وإن قل، وتغريب للذكر الحر فقط فيسجن في البلد التي غرب إليها عاما كاملا من يوم سجنه، كفدك وخيبر من المدينة، فإن عاد إلى وطنه قبل مضي السنة أخرج مرة ثانية إلى الموضع الأول أو غيره لإكمال السنة، كما في أقرب المسالك وشرحه وحاشيته.
[مسألة]
يجوز للسيد إقامة الحد على رقيقه الذكر والأنثى بثلاثة شروط:
(الأول) أن لا تكون عنده زوجة أصلا.
(الثاني) أن تكون عنده زوجة هي ملك لسيده، فإن كان عنده زوجة حرة أو أمة لغير سيده فلا يقيم عليه الحد سيده وإنما يقيمه الحاكم.
(والثالث) أن يثبت الزنا على رقيقه بغيره، بأن يثبت بإقراره أو بظهور حمل أو بأربعة عدول ليس السيد أحدهم، فإن كان السيد أحدهم رفع للإمام، كما في أقرب المسالك وشرحه.
[مسألة]
إذا أقر الرجل بعد ولادة زوجته منه بمفسد لوطئه من غير ثبوت له، كأن قال: عقدت عليها عالما بأنها رقيقة أو أنها خامسة فإنه يحد لحق الله ويلحق به الولد، قال النفراوي على الرسالة: وحده ولحوق الولد به مستغرب؛ لأن مقتضى الحد أنه زنا ومقتضى اللحوق أنه ليس بزنا. أفاده الصاوي عن المجموع.
[مسألة]
جاء في موضع من المدونة عن الإمام في المرأة تقيم مع زوجها عشرين سنة فيثبت عليها الزنا، فتنكر وطء زوجها في تلك المدة، ويدعي الزوج وطئها؛ أنها ترجم ولا عبرة بقولها، وفي موضع آخر عنه في الرجل يقيم مع زوجته مدة طويلة ثم تشهد البينة عليه بالزنا، فينكر الإحصان لعدم وطئه زوجته؛ أنه يسقط عنه الرجم ويجلد، ما لم يقر به بعد ذلك أو يولد له منها، ثم اختلف الأشياخ في المحلين؛ فمنهم من حملهما على الخلاف واختلف في تعيين المذهب، فعينه يحيي بن عمر في حكم الثانية وهو المعتمد، وعينه سحنون في حكم الأولى، ومنهم من وفق بينهما، والمعتمد الخلاف كما في الصاوي.
[مسألة]
إذا قالت امرأة: زنيت معه فادعى الوطء والزوجية من غير بينة تشهد له، أو وجدا ببيت وأقرا بالوطء وادعيا النكاح معا، وصدقهما الولي وقالا: لم نشهد؛ حدا إلا أن يكونا طاريين أو يحصل فشو في المسألة الثانية كما في الصاوي.
باب النسب والحدود
(ما قولكم) في شخص وكل آخر على شراء جارية، فاشترى جارية وأرسلها مع رسول، وقال للرسول: أخبر موكلي بأن هذه الجارية ليست هي التي أوصاني بشرائها له، بل اشتريتها لنفسي؛ فتعدى الموكل ووطئها ثم ولدت ولدا؟ فهل يحد ولا يلحق به الولد أم لا حد عليه ويلحق به؟
(الجواب) قيل: إنه يحد والولد رقيق يأخذه الوكيل بغير يمين، وقال البدر القرافي: لا حد عليه؛ لاحتمال كذب المبلغ، وللخلاف في قبول قول المأمور أنه اشتراها لنفسه، وهاتان شبهتان ينفيان عنه
стр. 280
الحد، ومفاد غيره اعتماده، كما في حاشية الخرشي، وإذا انتفى عنه الحد لحق به الولد، والله أعلم.
(ما قولكم) في من قال لشخص ثابت النسب: أثبت حريتك؟ هل يحد أم لا؟ وهل ابن الشريفة شريف أم لا؟ وهل قوله ﷺ : "قدموا قريشا ولا تقدموها" خاص بأولاد الحسن والحسين أم لا؟
(الجواب) من قال لثابت النسب: أثبت حريتك يحد، وفي الأمير قياسه: حد من قال لمشهور بالشرف أثبت شرفك، ولعل الظاهر الآن عدم حده لكثرة تشوف الناس الآن للدخول في الشرف وبسهم له من جهة الأم مع الخلاف في ذلك، ومراعاة لتقييد التتائي كلام جمع عن الإمام مالك، حيث قالوا: الناس مصدقون في أنسابهم؛ أي حيث عرفوا بالنسب وحازوه كحيازة الأملاك، فقال تت: ينبغي تقييده بغير دعوى الشرف، ثم إن الشرف يكون من جهة الأب.
وأما ابن الشريفة فذهب ابن عرفة ومن وافقه إلى أن له شرفا دون من أبوه شريف، وخلافه جمع من محققي المشايخ التلمسانية إلى أنه شريف مثله.
وخبر: "قدموا قريشا ولا تقدموها"؛ أي لا تتقدموا عليها في أمر شرع فيه تقديمها كالإمامة؛ أي العظمى، ولم أر من قيده بذرية الحسن والحسين فهو ليشمل كل قرشي، وقوله: وخالفه جمع قال الأمير: لعل موضوع الخلاف لبس الخرقة الخضراء، وإلا فما قاله ابن عرفة لا ينبغي أن يختلف فيه. اهـ ملخصا من عبد الباقي والأمير.
(ما قولكم) في الشريف؟ هل يفضل العالم أم العالم أفضل؟
(الجواب) الشريف أفضل من حيث النسب، والعالم أفضل من حيث العلم، وفضيلة العلم تفوق فضيلة النسب، وقد تقدم هذا الجواب أول الكتاب عن عج.
(ما قولكم) فيمن ينتسب إلى سيدنا أبي بكر الصديق أو إلى أحد من الصالحين، ويزعم أنه في درجة من ينتسب إليه والحال أنه ليس له من العمل الصالح مثله؟ فهل ما زعمه صحيح أم لا؟
(أجاب) عن هذا العلامة الأجهوري بقوله: نعم هو في درجته؛ فقد أخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "ذرية المؤمن في درجته، وإن كانوا دونه في العمل؛ لتقر بهم عينه"، ثم قرأ:﴾ والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء ﴿.
[مسألة]
سئل عج عن العلامة الخضراء التي أحدثت زمن السلطان الأشرف في القرن السابع، التي جعلت مميزة للأشراف، وجعلها قاصرة على الثابت النسب من ظهور الآباء دون أولاد الأم، فهل إذا لبسها أحد من أولاد الأم أو لبسها عامي غير شريف يحرم عليه أم لا؟ وهل للحاكم أن يعزره أم لا.
(أجاب) نعم يعزر الحاكم من أمه شريفة إذا لبس العلامة والحالة هذه، والمراد بالحاكم من جعل له ولي الأمر ذلك من نقيب وغيره، والله أعلم.
باب السرقة
[مسألة]
السرقة شرعا: أخذ المكلف نصابا فأكثر من مال محترم لغيره بلا شبهة
стр. 281
قويت للسارق، خفية بإخراجه من حرز غير مأذون في دخوله، ولو لم يدخل هو الحرز، كما إذا أخرج النصاب من الحرز بعصا وهو خارجه، أو لم يخرج إذا دخله، كما إذا رمى لغيره النصاب وهو داخل الحرز بقصد واحد، فإذا سرق أقل من نصاب وكرر الأخذ بقصد واحد، كما إذا أدخل يده في صندوق وصار يأخذ نصفا بعد نصف حتى كمل النصاب، فإن كان قصده من أول الأمر تكميل النصاب قطع وإلا فلا، كما في سماع أشهب، ولا يعلم هذا القصد إلا منه، أو حرا لا يميز لصغر أو جنون بإخراجه من بيته إن كان لا يخرج منه وإلا فمن البلد، أو بسرقته من كبير حافظ له كان الحر المسروق ذكرا أو أنثى، وحدها قطع اليد اليمنى من الكوع إلا لشلل بها، أو قطع بسماوي أو قصاص سابق أو نقص أكثر أصابعها كثلاثة فرجله اليسرى، وتكون ثانية المراتب، ثم إن سرق بعد قطع رجله اليسرى فيدق اليسرى، ثم إن سرق فرجله اليمنى، ثم إن سرق سالم الأعضاء بعد الرابعة أو سرق الأشل مرة رابعة عزر باجتهاد الحاكم، وحبس إلى أن تظهر توبته، ولا يقتل على المشهور، فلو تعمد الإمام أو مأموره قطع يسراه أولا بدون عذر أجزأ على الراجح، وأما لو قطعها الأجنبي فلا يجزئ والحد باق، ويلزمه القصاص في العمد والدية في الخطأ.
والنصاب ربع دينار شرعي وزنا لا قيمة وهو أكبر من المصري، أو ثلاثة دراهم شرعية كاملة، ولو على حسب اختلاف الموازين، خالصة من الغش أو ناقصة راجت ككاملة، والدرهم الشرعي خمسون وخمسا حبة من مطلق الشعير، أو مجمع منهما أو من أحدهما مع عرض أو ما يساويهما من العرض، والحيوان رقيقا أو غيره، بالبلد التي بها السرقة إن كان بها أحد النقدين، وإلا فبأقرب بلد يوجد بها أحد النقدين، ولو تعدد مالك النصاب، والعبرة بكون المنفعة المقومة شرعية وإن كان المسروق محقرا كماء أو حطب أو تبن مما أصله مباح؛ خلافا لأبي حنيفة والشافعي في عدم القطع في مباح الأصل المملوك بوضع اليد عليه، وكذلك لو كان فاكهة رطبة، خلافا لأبي حنيفة فقط -رضي الله عن الجميع- أو كان كجارح من الطير يساوي -لتعليمه الصيد- ثلاثة دراهم، وإن لم يساوها بالنظر للحمه وريشه، وكذا إذا ساواها للحمه فقط أو ريشه معا، ومثل تعليم الجارح الصيد تعليم الطير حمل الكتب للبلدان، أو كان كسبع لجلده بعد ذبحه، أو جلد ميتة إن زاده الدبغ على قيمة أصله نصابا، كما لو كانت قيمته قبل الدبغ درهمين على تقدير جواز بيعه وبعد الدبغ خمسة دراهم، لا إن كانت قيمته بعد الدبغ أقل من ذلك، أو سرقة قبل الدبغ ولو على فرض أن قيمته نصاب.
ويكفي في التقويم واحد إن كان موجها من طرف القاضي، فلا بد من اثنين، ويعمل بشهادتهما وإن خولفا بأن قال غيرهما: لا يساويهما كما هو مذهب المدونة، وإن كان مقتضى درء الحدود بالشبهات عدم القطع إذا خولفا؛ لأن النص متبع، ولأن المثبت مقدم
стр. 282
على النافي كما في أقرب المسالك وشرحه وحاشيته، وما أحسن قول بعضهم:
يد بخمس مئين عسجد وديت ... ما بالها قطعت في ربع دينار
وقوله في جوابه:
عز الأمانة أغلاها وأرخصها ... ذل الخيانة فافهم حكمة الباري
والله أعلم.
باب الحرابة
[مسألة]
المحارب قاطع الطريق لمنع سلوكها ولو لم يقصد أخذ مال المارين، كانت الطريق في فلاة أو عمران، أو أخذ مال محترم من مسلم أو ذمي أو معاهد ولو لم يبلغ نصابا والبضع أحرى على وجه يتعذر معه الغوث، أو مذهب عقل ولو انفرد ببلد وقصد أذية بعض الناس، كمسقي نحو سيكران لأخذ المال، ومخادع مميز لأخذ ما معه يتعذر غوث، كان المميز صغيرا أو بالغا، وكداخل زقاق أو دار ليلا أو نهارا لأخذ مال بقتال، كما في أقرب المسالك وشرحه.
[مسألة]
قال الدردير على خليل جبابرة: أمراء مصر ونحوها يسلبون أموال المسلمين ويمنعوهم أرزاقهم ويغيرون على بلادهم، ولا تتيسر استغاثة منهم بعلماء ولا بغيرهم. اهـ؛ أي فهم محاربون لا غصاب كما في الصاوي.
[مسألة]
يجب على من كان دافعا عن نفسه القتل أو الجرح أو عن أهله القتل أو الجرح أو الفاحشة قتل المحارب، ويجوز قتله لمن لم يكن كذلك، ويندب أن يكون قتاله بعد المناشدة بأن يقول له ثلاثا: ناشدتك الله إلا ما خليت سبيلي، إن لم يعاجل بالقتال وإلا عوجل بالقتال بالسيف ونحوه، قال في غاية الأماني: فلو قتل المحارب أحد ورثته فقيل: يرثه، وقيل: لا، واستظهر عب الأول وقاسه على ما تقدم في الباغية من قول خليل: وكره للرجل قتل أبيه وورثه. اهـ من أقرب المسالك وشرحه وحاشيته.
[مسألة]
يتعين على الإمام قتل المحارب إن قتل ولو غير مكافئ أو أعان على قتله ولو بجاهه؛ فيقتل للحرابة بلا صلب أو مع صلب ما لم تكن المصلحة في إبقائه، بأن يخشى بقتله فساد أعظم من قبيلته المتفرقين مثلا، بل يطلق ارتكابا لأخف الضررين كما أفتى به الشبيبي وأبو مهدي وابن ناجي كما في عب، ولا يجوز قطعه ولا نفيه، وليس لولي الدم عفو عنه قبل مجيئه تائبا، فإن جاء تائبا فللولي العفو عنه، فإن لم يعف عنه قتل إن قتل مكافئا وإن لم يقتل المحارب أحد أو قدر عليه وجب على الإمام أن لا يخرج عن الحدود الأربعة مخيرة:
الأول: قتله بدون صلب، الثاني: الصلب على نحو جذع غير منكس فقتله مصلوبا، ثم إذا خيف تغيره بعد القتل والصلب أنزل وصلي عليه غير فاضل، الثالث: قطع يده اليمنى من الكوع ورجله اليسرى من مفصل الكعب ولاء، ولو خيف عليه الموت، فإن كان مقطوع اليد اليمنى أو أشلها قطعت يده اليسرى ورجله اليمنى، فإن لم يكن إلا يد أو رجل
стр. 283
قطعت، فإن كان له يدان فقط أو رجلان قطعت اليد اليمنى فقط أو الرجل اليسرى فقط، الرابع: نفي الذكر الحر -كالزنا- إلى مثل فدك وخيبر من المدينة، ويجلس للأقصى من السنة وظهور التوبة؛ بمعنى أنه إن ظهرت توبته قبل السنة كمل بحبسه السنة، وإن مضت السنة ولم تظهر توبته بقي حتى تظهر توبته أو يموت، ولا بد أن يكون ظهور التوبة بينا لا مجرد كثرة صومه وصلاته، وضرب قبل النفي اجتهادا بحسب ما يراه الحاكم، ولا يتعين على الإمام واحد من هذه الحدود الأربعة، إلا أنه يندب له ما هو الأصلح واللائق بحال ذلك المحارب؛ فإن ظهر له ما هو اللائق ندب له ما فعله، فإن خالف وفعل غير ما ظهر له أصلحيته أجزأ مع الكراهة.
ولما كان يفعله الإمام بالمحارب ليس إلا لأجل الحرابة لم يكن لمن قطعت يده مثلا كلام مع الإمام، بل كان التخيير بين الأربعة للإمام لكن في حق المحارب الذكر، أما المرأة فإنما حدها القتل أو القطع من خلاف فلا تصلب ولا تنفى؛ لما في الصلب من الفضيحة، ولما في النفي من زيادة مفاسد، وأما حد الرقيق فما عدا النفي، وأما الصبي فلا يفعل معه شيء من هذه الحدود ولو حارب بالسيف، بل يعاقب كما في أقرب المسالك وشرحه وحاشيته.
[مسألة]
لا يدفع المال الذي بأيدي المحاربين لمدعيه إذا لم يثبته بالبينة، إلا بشروط ثلاثة: بعد الاستيفاء، وبعد اليمين، وبعد وصفه كاللقطة، ومحل أخذ المدعي له بتلك الشروط -كما قال ابن شاس نقلا عن أشهب- إذا أقر اللصوص أن ذلك المتاع مما قطعوا فيه الطريق، فإن قالوا: هو من أموالنا كان لهم وإن كان كثيرا لا يملكون مثله، ونقله ابن عرفة مقتصرا عليه، قال في التوضيح: وظاهر المدونة أن مدعي المال إذا أخذه على الوجه المذكور لا يؤخذ منه حميل، وقال سحنون: بل بحميل، وقال في مختصر الوقار: إن كان من أهل البلد فبحميل، وإن كان من غيرهم فبلا حميل؛ لأنه لا يجد حميلا، كما في ص عن بن.
[مسألة]
يؤمن الإمام المشرك؛ لأنه يقر على حاله إذا أمن ولو كان بيده أموال المسلمين، ولا يؤمن المحارب إن سأله؛ لأنه لا يقر على حاله، فإن امتنع بنحو حصن حتى أمن فهل لا يتم له الأمان؟ خلاف كما في أقرب المسالك وشرحه وحاشيته.
[مسألة]
يثبت الحد المتقدم من قتل إلخ بشهادة عدلين أن هذا الشخص هو المشهور بالحرابة بين الناس، وإن لم يعايناه حالة الحرابة، ويسقط حدها فقط دون حد الزنا والقذف والشرب والقتل بأحد أمرين؛ الأول: بإتيانه الإمام أو نائبه طائعا قبل القدرة عليه فلا يسقط حكمها بتوبة بعد القدرة عليه، كما لا يسقط الضمان بإتيانه طائعا مطلقا، والثاني: بتركه ما هو عليه من الحرابة ولو لم يأت الإمام، كما في أقرب المسالك وشرحه والله أعلم.
باب حد الشارب
[مسألة]
الشارب الذي يجب على ولي الأمر حده هو المسلم المكلف يتناول
стр. 284
بفمه ما يسكر جنسه ويصل لحلقه، ولو لم يصل لجوفه ولو لم يسكر بالفعل لقلته أو لاعتياده، مختارا بلا عذر بأن لم يظنه غير مسكر ولم يكن لغصة وإن قل، أو جهل وجوب الحد مع علم الحرمة، أو جهل الحرمة لقرب عهد بإسلام؛ فيجلد ثمانين جلدة بعد صحوه، ويكفي قبله إن كان عنده شعور بألم الجلد وإلا أعيد، وتشطر بالرق، وإن قل الرق فيجلد أربعين إن أقر بالشرب، لكن يقبل رجوعه ولو لغير شبهة، أو شهد عدلان بشرب أو بشم لرائحته في فمه، أو أحدهما بواحد والثاني بالآخر، أو بتقايئه الخمر، ولا تعتبر شهادة غيرهما بخلاف شهادتهما؛ لأن المثبت متقدم على النافي، ولم يجعلوا المخالفة شبهة تدرأ الحد، ويكون الجلد بسوط من جلد لين بلا رأسين، لا بقضيب ولا شراك ولا درة، وما كانت لسيدنا عمر فهي للتأديب لا للحد، ضربا متوسطا والمحدود قاعد بلا ربط ولا شد يد أو رجل، إلا لعذر ككونه لا يستقر أو يضطرب اضطرابا شديدا بظهره وكتفيه، ويجرد الرجل من كل شيء عليه في جميع بدنه ما سوى ما بين السرة والركبة، والمرأة مما يقي ألم الضرب، وندب جعلها حالة الضرب في كقفة بتراب مبلول للستر عليها، ويوالى الضرب إلا لخوف هلاك، فيفرق كما في أقرب المسالك وشرحه.
باب في الرقيق
(ما قولكم) في رجل يملك أمة وتمتع بوطئها، ثم زوجها لمملوكه أو رجل آخر، فحملت ووضعت بنتا، وقلتم: إن هذه البنت رقيقة تبعا لأمها، فهل يحرم على السيد وطء هذه البنت أم لا؟
(الجواب) متى تلذذ بالأم بنكاح أو ملك يمين، أو شبهة نكاح كتزوج خامسة، أو شبهة ملك كأن يشتري جارية ويتلذذ بها ثم يظهر أنها ملك لغير البائع، فتؤخذ بالاستحقاق من يد المشتري؛ فيحرم عليه جميع بنات النساء المذكورات كما في الخرشي وأبي الحسن على الرسالة.
(باب العتق)
(ما قولكم) في رجل قال لعبده: أنت حر قبل موتي بخمسة أيام، هل له إخراجه لغير حرية من بيع أو هبة أم لا؟
(الجواب) ليس له إخراجه بكبيع أو هبة؛ ففي الخرشي: إن أعتق عبده إلى أجل محقق فإنه يمنع من البيع. انتهى. ومما هو معلوم في المذهب أن المدبر لا يجوز بيعه، فهذا أولى، والله أعلم.
باب التدبير
(ما قولكم) في المدبر؟ هل يجوز لسيده نزع ماله؟ وهل له وطء مدبرته؟
(الجواب) في الخرشي يجوز للسيد أن ينتزع مال مدبره لقوة شبهة السيد؛ ولهذا جاز له وطء من دبرها. انتهى، والله أعلم.
باب الكتابة
[مسألة]
الكتابة لما كانت عقدا فيه غرر كان الأصل عدم جوازها، إلا أن
стр. 285
الله أذن فيها للناس بقوله:﴾ فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا ﴿؛ فالآية إنما تدل على إباحتها، وندبها إنما أخذ من عموم قوله -تعالى-:﴾ وافعلوا الخير لعلكم تفلحون ﴿؛ قال ابن عرفة: الكتابة عتق على مال مؤجل من الرقيق موقوف على أدائه، وأركانها التي تتوقف عليها أربعة:
الأول: مكاتب -بكسر التاء- وهو المالك للرقبة، فشرطه الرشد، فتبطل من الصبي والسفيه؛ بناء على أنها عتق، وتصح منهما مع توقف لزومها على إجازة الولي؛ بناء على أنها بيع، وكذلك تصح من السكران بحرام إن كان عنده نوع تمييز؛ بناء على أنها عتق لتشوف الشارع للحرية، وتبطل منه بناء على أنها بيع، فهو على العكس من الصبي والسفيه. وتجوز مكاتبة رقيق المحجور صبي أو سفيه أو مجنون لوليه إن كان فيها مصلحة، وإلا فلا كما أنه ليس له عتق رقيقه ناجزا على مال معجل؛ لأنه له أن ينزع ماله للمحجور بدون عتق.
الركن الثاني: مكاتب -بالفتح- وهو الرقيق وإن أمة بالغة برضاها، وصغيرا ذكرا أو أنثى؛ بناء على مقابل المشهور من أن الرقيق يجبر على الكتابة لا على المشهور من رضاه؛ لأن رضا الصغير غير معتبر؛ حيث قدر كل من الأمة والصغير على الكسب، وإن كانا لا مال ولا كسب لهما فالمشهور المأخوذ من المدونة أن الرقيق لا يجبر على قبول الكتابة إلا أن يكون غائبا أدخله حاضر معه فيجبر اتفاقا؛ لقوله في المدونة: ومن كاتب عبده على نفسه وعلى عبد للسيد غائب لزم العبد الغائب وإن كره؛ لأن هذا الحاضر يؤدي عنه، ومقابل المشهور المأخوذ من المدونة أيضا الجبر.
الركن الثالث: الصيغة بكاتبتك بكذا ونحوه، كبعتك نفسك بكذا، أو أنت مكاتب على كذا، أو معتق على كذا، ولو لم يذكر التنجيم لصحتها بدونه قطعا، ويلزمه التنجيم أي التأخير لأجل معلوم ولو نجما واحدا إذا لم يصرح به على المشهور؛ خلافا لابن رشد في عدم لزومه لكنها قطاعة.
الركن الرابع: العوض ولو بغرر لم يشتد، كآبق يملكه المكاتب لا بما تحمل به أمته أو غيرها في المستقبل؛ إذ الأصل في العتق أن يكون بدونه، وتردد الصاوي في بطلان الكتابة بعدم ذكر العوض في صيغتها؛ بناء على أنها بيع وهو يبطل بجهل الثمن وصحتها بعدم ذكره فيها، ويكون على العبد كتابة مثله؛ بناء على أنها عتق والعتق لا يشترط فيه تسمية عوض، وحينئذ فيكون المراد بركنية العوض أن لا يشترط عدمه أعم من أن يذكر أو يسكت عن ذكره، كركنية الصداق مع صحة نكاح التفويض؛ فتأمل كما في أقرب المسالك وشرحه وحاشيته.
باب أم الولد
(ما قولكم) في امرأة ملكت جارية وأذنت ولدها في نومه مع الجارية بفراش واحد، فحملت الجارية من الولد، فهل تصير أم ولد أم لا؟ أفتونا.
(الجواب) في الرهوني على عبق: وترجم الشيخ في نوادره، باب ما تكون به الأمة أم ولد من وطء الشبهة من إحلال أو غلط، فذكر فيها: إن أولد امرؤ أمة بعثها له من أمره
следующие страницы →