فقد وصلني كتابكم الكريم، وسرني كثيرا ما تضمنه من الموافقة على ما أوصيتكم به، فأسأل الله أن يزيدكم من التوفيق، ويجعلنا وإياكم من الهداة المهتدين، إنه جواد كريم.
وما ذكرتم حول المظاهرة فقد فهمته وعلمت ضعف سند الرواية بذلك كما ذكرتم، لأن مدارها على إسحاق بن أبي فروة وهو لا يحتج به، ولو صحت الرواية فإن هذا في أول الإسلام قبل الهجرة وقبل كمال الشريعة.
ولا يخفى أن العمدة في الأمر والنهي وسائر أمور الدين على ما استقرت به الشريعة بعد الهجرة، أما ما يتعلق بالجمعة والأعياد ونحو ذلك من الاجتماعات التي قد يدعو إليها النبي ﷺ كصلاة الكسوف وصلاة الاستسقاء، فكل ذلك من باب إظهار شعائر الإسلام وليس له تعلق بالمظاهرات كما لا يخفى.
وأسأل الله أن يمنحني وإياكم وسائر إخواننا المزيد من العلم النافع والعمل به، وأن يصلح قلوبنا وأعمالنا جميعا، وأن يعيذنا وإياكم وسائر المسلمين من مضلات الفتن ونزغات الشيطان، إنه خير مسئول.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته (١).
стр. 142
أجوبة سماحة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀
سؤال: الجماعة الإسلامية المسلحة بالجزائر قولتكم أنكم تؤيدون ما تقوم به من اغتيالات للشرطة وحمل السلاح عموما، هل هذا صحيح؟ وما حكم فعلهم مع ذكر ما أمكن من الأدلة جزاكم الله خيرا؟
فأجاب ﵀:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله وعلى آل وأصحابه ومن اهتدى بهداه.
أما بعد:
فقد نصحنا إخواننا جميعا في كل مكان - أعني الدعاة - نصحناهم أن يكونوا على علم وعلى بصيرة، وأن ينصحوا الناس بالعبارات الحسنة والأسلوب الحسن والموعظة الحسنة وأن يجادلوا بالتي هي أحسن، عملا بقول الله سبحانه: ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن﴾ [النحل: آية ١٢٥]، وقوله سبحانه: ﴿ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم﴾ [العنكبوت: آية: ٤٦]، فالله جل وعلا أمر العباد بالدعوة إلى الله، وأرشدهم إلى الطريقة الحكيمة، وهي الدعوة إلى الله بالحكمة؛ يعني بالعلم: قال الله، قال رسوله، وبالموعظة الحسنة، وجدالهم بالتي هي أحسن، عند الشبهة يحصل الجدال بالتي هي أحسن والأسلوب الحسن حتى تزول الشبهة.
وإن كان أحد من الدعاة في الجزائر قال عني أني قلت لهم: يغتالون
стр. 143
الشرطة، أو يستعملون السلاح في الدعوة إلى الله؛ هذا غلط ليس بصحيح؛ بل هو كذب.
إنما تكون الدعوة بالأسلوب الحسن: قال الله، قال رسوله، بالتذكير والوعظ، والترغيب والترهيب هكذا الدعوة إلى الله كما كان النبي ﷺ وأصحابه في مكة المكرمة قبل أن يكون لهم سلطان؛ ما كانوا يدعون الناس بالسلاح، يدعون الناس بالآيات القرآنية والكلام الطيب والأسلوب الحسن؛ لأن هذا أقرب إلى الصلاح وأقرب إلى قبول الحق.
أما الدعوة بالاغتيالات أو بالقتل أو بالضرب؛ فليس هذا من سنة النبي ﷺ ولا من سنة أصحابه، لكن لما ولاه الله المدينة وانتقل إليها مهاجرا؛ كان السلطان له في المدينة، وشرع الله الجهاد وإقامة الحدود، جاهد ﵊ المشركين وأقام الحدود بعد ما أمر الله بذلك.
فالدعاة إلى الله عليهم أن يدعوا إلى الله بالأسلوب الحسن: بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وإذا لم تجد الدعوة، رفعوا الأمر للسلطان، ونصحوا للسلطان حتى ينفذ السلطان هو الذي يرفعون الأمر إليه، فينصحونه بأن الواجب كذا والواجب كذا؛ حتى يحصل التعاون بين العلماء وبين الرؤساء من الملوك والأمراء ورؤساء الجمهوريات، الدعاة يرفعون الأمر إليهم في الأشياء التي تحتاج إلى فعل: إلى سجن، إلى قتل، إلى إقامة حد، وينصحون ولاة الأمور، ويوجهونهم إلى الخير بالأسلوب الحسن والكلام الطيب، ولهذا قال جل وعلا: ﴿ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون﴾ [العنكبوت: آية ٤٦].
стр. 144
فلو ظلم أحد من أهل الكتاب أو غيرهم؛ فعلى ولي الأمر أن يعامل بما يستحق، أما الدعاة إلى الله فعليهم بالرفق والحكمة لقول النبي ﷺ : " إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه " (١).
ويقول ﵊: " من يحرم الرفق يحرم الخير كله " (٢).
فعليهم أن يعظوا الناس ويذكروهم بالآيات والأحاديث ومن كان عنده شبهة يجادلونه بالتي هي أحسن: الآية معناها كذا، الحديث معناه كذا، قال الله كذا، قال رسوله كذا، حتى تزول الشبهة وحتى يظهر الحق.
هذا هو الواجب على إخواننا في الجزائر وفي غير الجزائر، فالواجب عليهم أن يسلكوا مسلك الرسول ﵊ حين كان في مكة والصحابة كذلك، بالكلام الطيب والأسلوب الحسن؛ لأن السلطان ليس لهم الآن بل لغيرهم، وعليهم أن يناصحوا السلطان والمسئولين بالحكمة، وحتى يتعاون الجميع في ردع المجرم وإقامة الحق.
فالأمراء والرؤساء عليهم التنفيذ والعلماء والدعاة إلى الله عليهم النصيحة والبلاغ والبيان. نسأل الله للجميع الهداية.
سؤال: قامت هذه الجماعة بقتل بعض النساء اللاتي أبين ارتداء الحجاب فهل يسوغ لهم هذا؟
стр. 145
الجواب: هذا أيضا غلط لا يسوغ هذا، الواجب النصيحة؛ النصيحة للنساء حتى يحتجبن، والنصيحة لمن ترك الصلاة حتى يصلي، والنصيحة لمن يأكل الربا حتى يدع الربا، والنصيحة لمن يتعاطى الزنى حتى يدع الزنى، والنصيحة لمن يتعاطى شرب الخمر حتى يدع شرب الخمر، كل ينصح، ينصحون: قال الله وقال رسوله: بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية، ويحذرونهم من غضب الله وعذاب يوم القيامة.
أما الضرب أو القتل أو غير ذلك من أنواع الأذى فلا يصلح للدعاة، هذا ينفر من الدعوة، ولكن على الدعاة أن يتحلوا بالحلم والصبر والتحمل والكلام الطيب في المساجد وفي غيرها؛ حتى يكثر أهل الخير ويقل أهل الشر، حتى ينتفع الناس بالدعوة ويستجيبوا.
...
سؤال: بماذا تنصحون من تورط في هذه الاغتيالات أو شيء من هذا يا شيخ؟
الجواب: أنصحهم بالتوابة إلى الله، وأن يلتزموا الطريقة التي سار عليها السلف الصالح بالدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن، الله يقول: ﴿ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا﴾ [فصلت: آية ٣٣]، فلا يورطون أنفسهم في أعمال تسبب التضييق على الدعوة وإيذاء الدعاة وقلة العلم، ولكن إذا كانت الدعوة بالكلام الطيب؛ والأسلوب الحسن كثر الدعاة، وانتفع الناس بهم، وسمعوا كلامهم، واستفادوا منهم وحصل في المساجد وفي غير المساجد الحلقات
стр. 146
العلمية والمواعظ الكثيرة حتى ينتفع الناس.
الله يهدي الجميع، نسأل الله للجميع الهداية والتوفيق. (١).
سؤال: ما حكم الاعتداء على الأجانب السياح والزوار في البلاد الإسلامية؟
الجواب: هذا لا يجوز، الاعتداء لا يجوز على أي أحد، سواء كانوا سياحا أو عمالا؛ لأنهم مستأمنون، دخلوا بالأمان، فلا يجوز الاعتداء عليهم، ولكن تناصح الدولة حتى تمنعهم مما لا ينبغي إظهاره، أما الاعتداء عليهم فلا يجوز، أما أفراد الناس فليس لهم أن يقتلوهم أو يضربوهم أو يؤذوهم، بل عليهم أن يرفعوا الأمر إلى ولاة الأمور؛ لأن التعدي عليهم تعد على الناس قد دخلوا بالأمان فلا يجوز التعدي عليهم، ولكن يرفع أمرهم إلى من يستطيع منع دخولهم أو منعهم من ذلك المنكر الظاهر. أما نصيحتهم ودعوتهم إلى الإسلام أو إلى ترك المنكر إن كانوا مسلمين فهذا مطلوب، وتعمه الأدلة الشرعية، والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه (٢).
...
стр. 147
أجوبة الشيخ المحدث/ناصر الدين محمد الألباني ﵀ -
سؤال: هناك داعية ألف كتابا يدعي فيه بأن الاغتيالات من السنن المهجورة، يحتج بقصة قتل كعب بن أبي الأشرف، وقتل اليهودي الذي اطلع على عورة امرأة مسلمة، فما رأي فضيلتكم بذلك؟
الجواب: ليت هذا المؤلف الذي تشير إليه يعرف السنن المهجورة ويشاركنا في إحيائها حقا، أما هذه التي زعم أنها سنة مهجورة، وأنه ينبغي إحياؤها في زمننا هذا؛ فهذا من جملة ما نشكو منه: الجهل بهدي النبي ﷺ نحن نفهم الحادثة الأولى من القتل، وهي صحيحة، ونشك في صحة الحادثة الأخرى، ولكن سواء صحت هذه أو لم تصح، فالجواب عن الحادثة الأولى الصحيحة يشملها أيضا.
نحن نقول: إن القتل بتلك الطريقة - التي قد يجوز في عرف بعض الناس أن يسميها اغتيالا - لم يكن قبل كل شيء قد وقع والمسلمون ضعفاء، وفي عهد الضعف، والمشركون يعذبونهم ألوان العذاب، وإنما كان والدولة الإسلامية قد بدأت تقوم قائمتها في المدينة المنورة التي كان فيها رسول الله ﷺ ، هذا أولا، وخلاصة ما أريد من ذلك أن أقول: إن هذا كان في وقت القوة والوحدة، وليس في وقت الضعف والتفرق.
ثانيا: لم يكن عملا فرديا يندفع إليه صاحبه بعاطفة، ولو أنها عاطفة إسلامية، ولكنها ليست عاطفة مقرونة بالعلم الإسلامي الصحيح؛ وذلك لأن الذي باشر ذلك القتل إنما كان بتوجيه من الحاكم المسلم، وهو
стр. 148
رسول الله ﷺ ولذلك فنحن نقول لهذا الذي يسمي ذلك القتل بالسنة المهجورة:
اتخذ الأسباب الشرعية؛ التي أشرت إليها في أثناء كلامي السابق من التصفية والتربية؛ ليأخذ المسلمون طريقة البدء بإقامة دولة مسلمة في أرض من أراضي الله الواسعة، ويوم تقوم قائمة المسلمين، ويقوم عليهم رجل مسلم تتوفر فيه الشروط ليكون أميرا على جماعة مسلمة؛ فإذا هذا الأمير أمر بذلك الأمر وجب تنفيذه.
أما أن ينطلق كل فرد يتصرف برأيه دون أن يكون مأمورا ممن يجب إطاعة أمره؛ فهذا ليس من السنة إطلاقا، بل هذا مما يدخل في القاعدة التي ندندن حولها دائما وأبدا، وهي من الحكمة بمكان عظيم، تؤكدها الحوادث التي نسمع عنها الشيء الكثير المؤسف، تلك القاعدة هي التي تقول:
من استعجل الشيء قبل أوانه ابتلي بحرمانه.
ذلك لأن الذي يسلك سبيل اغتيال رجل من الكفار، ولو له صولة وله دولة، فسيكون عاقبة ذلك أن ينتقم الكفار، ولأنهم أقوى من هذا المسلم ومن حوله؛ فستكون العاقبة ضعفا في المسلمين على ضعف، بينما تلك الحادثة كانت عاقبتها نصرا للمسلمين، فشتان بين هذه العاقبة وبين تلك العاقبة. والأمر كما قال ﵇، ولو في غير هذه المناسبة " إنما الأعمال بالخواتيم " (١) هذا جوابي عن هذه السنة المهجورة المزعومة (٢).
стр. 149
أجوبة فضيلة الشيخ/صالح بن علي الغصون ﵀ -
سؤال: في السنتين الماضيتين نسمع بعض الدعاة يدندن حول مسألة وسائل الدعوة وإنكار المنكر، ويدخلون فيها المظاهرات في باب الجهاد الإسلامي.
أ - نرجو بيان ما إذا كانت هذه الأمور من الوسائل الشرعية أم تدخل في نطاق البدع المذمومة والوسائل الممنوعة؟
ب - نرجو توضيح المعاملة الشرعية لمن يدعو إلى هذه الأعمال ومن يقول بها ويدعو إليها؟
الجواب: الحمد لله: معروف أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة والإرشاد من أصل دين الله جل وعلا قال في محكم كتابه العزيز: ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين﴾ [النحل: آية ١٢٥] ولما أرسل موسى وهارون إلى فرعون قال: ﴿فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى﴾ [طه: آية ٤٤]، والنبي ﷺ جاء بالحكمة، وأمر بأن يسلك الداعية الحكمة، وأن يتحلى بالصبر، هذا في القرآن العزيز في سورة العصر، بسم الله الرحمن الرحيم ﴿والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر﴾ [العصر: آية ١ - ٣].
стр. 150
فالداعي إلى الله ، والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر؛ عليه أن يتحلى بالصبر، وعليه أن يحتسب الأجر والثواب، وعليه أيضا أن يتحمل ما قد يسمع، أو ما قد يناله في سبيل دعوته، وأما أن الإنسان يسلك مسلك العنف، أو أن يسلك مسلك - والعياذ بالله - أذى الناس، أو مسلك التشويش، أو مسلك الخلافات والنزاعات وتفريق الكلمة، فهذه أمور شيطانية، وهي أصل دعوة الخوارج؛ هذه أصل دعوة الخوارج، وهم الذين ينكرون المنكر بالسلاح، وينكرون الأمور التي لا يرونها وتخالف معتقداتهم، بالقتال، وبسفك الدماء، وبتكفير الناس، وما إلى ذلك من أمور، ففرق بين دعوة أصحاب النبي ﷺ وسلفنا الصالح وبين دعوة الخوارج ومن نهج منهجهم وجرى مجراهم، دعوة الصحابة بالحكمة وبالموعظة، وببيان الحق، وبالصبر، وبالتحلي واحتساب الأجر والثواب، ودعوة الخوارج؛ بقتال الناس، وسفك دمائهم، وتكفيرهم، وتفريق الكلمة، وتمزيق صفوف المسلمين، هذه أعمال خبيثة، وأعمال محدثة.
والذين يدعون إلى هذه الأمور: يجانبون، ويبعد عنهم، ويساء بهم الظن، هؤلاء فرقوا كلمة المسلمين، الجماعة رحمة، والفرقة نقمة وعذاب والعياذ بالله، ولو اجتمع أهل بلد واحد على الخير واجتمعوا على كلمة واحدة؛ لكان لهم مكانة وكانت لهم هيبة.
لكن أهل البلد الآن أحزاب وشيع، تمزقوا، واختلفوا، ودخل عليهم الأعداء من أنفسهم ومن بعضهم على بعض، هذا مسلك بدعي، ومسلك خبيث، ومسلك مثلما تقدم: أنه جاء عن طريق الذين شقوا العصا، والذين
стр. 151
قاتلوا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ ومن معه من الصحابة وأهل بيعة الرضوان، قاتلوه يريدون الإصلاح؛ وهم رأس الفساد، ورأس البدعة ورأس الشقاق، فهم الذين فرقوا كلمة المسلمين، وأضعفوا جانب المسلمين، وهكذا أيضا الذي يقول بها، ويتبناها، ويحسنها؛ فهذا سيئ المعتقد، ويجب أن يبتعد عنه، لأنه شخص ضار لأمته ولجلسائه ولمن هو من بينهم، والكلمة الحق أن يكون المسلم عامل بناء، وداعيا للخير؛ وملتمسا للخير تماما، ويقول الحق، ويدعو بالتي هي أحسن، وباللين، ويحسن الظن بإخوانه، ويعلم أن الكمال منال صعب، وأن المعصوم هو النبي ﷺ وأن لو ذهب هؤلاء لم يأت أحسن منهم، فلو ذهب هؤلاء الناس الموجودون؛ سواء منهم الحكام أو المسئولون أو طلبة العلم أو الشعب، لو ذهب هذا كله - شعب أي بلد - لجاء أسوأ منه، فإنه لا يأتي عام إلا والذي بعده شر منه، فالذي يريد من الناس أن يصلوا إلى درجة الكمال أو أن يكونوا معصومين من الأخطاء والسيئات، هذا إنسان ضال، هؤلاء هم الخوارج، هؤلاء هم الذين فرقوا كلمة الناس، وآذوهم، هذه مقاصد المناوئين لأهل السنة والجماعة بالبدع؛ من الرافضة والخوارج والمعتزلة وسائر ألوان أهل الشر والبدع (١).
стр. 152
أجوبة فضيلة الشيخ/د. صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان - حفظه الله -
سؤال: هناك داعية من الجزائر ألف كتابا يدعي فيه بأن الاغتيالات من السنن المهجورة!! ويحتج بقصة قتل كعب بن الأشرف، وقتل اليهودي الذي اطلع على عورة المرأة المسلمة. فما رأي فضيلتكم في ذلك؟
الجواب: ليس في قصة قتل كعب بن الأشرف دليل على جواز الاغتيالات، فإن قتل كعب بن الأشرف كان بأمر الرسول ﷺ ، وهو ولي الأمر، وكعب من رعيته بموجب العهد، وقد حصلت منه خيانة للعهد؛ اقتضت جواز قتله كفا لشره عن المسلمين، ولم يكن قتله بتصرف من آحاد الناس؛ أو بتصرف جماعة منهم من دون ولي الأمر؛ كما هو حال الاغتيالات المعروفة اليوم في الساحة، فإن هذه فوضى لا يقرها الإسلام؛ لما يترتب عليها من المضار العظيمة في حق الإسلام والمسلمين.
سؤال: أحسن الله إليكم: هل القيام بالاغتيالات وعمل التفجيرات في المنشآت الحكومية في بلاد الكفار ضرورة وعمل جهادي؟
الجواب: الاغتيالات والتخريب هذا أمر لا يجوز؛ لأنه يجر على المسلمين شرا وتقتيلا وتشريدا، إنما المشروع مع الكفار الجهاد في سبيل الله، ومقابلتهم في المعارك، فإذا كان عند المسلمين استطاعة بأن يجهزوا الجيوش، ويغزوا الكفار، ويقاتلوهم كما فعل النبي ﷺ لما هاجر إلى المدينة، وصار له أنصار وأعوان، أما التخريب والاغتيالات؛ فهذا يجر على
стр. 153
المسلمين شرا.
الرسول ﷺ يوم كان في مكة قبل الهجرة كان مأمورا بكف اليد، ﴿ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ [النساء: آية ٧٧] كان مأمورا بكف اليد عن قتال الكفار؛ لأنه لم يكن عنده استطاعة لقتال الكفار، ولو قتلوا أحدا من الكفار، لقتلهم الكفار عن آخرهم، واستأصلوهم عن آخرهم؛ لأنهم أقوى منهم، وهم تحت وطأتهم وشوكتهم.
فالاغتيال يسبب قتل المسلمين الموجودين في البلد الذي يعيشون فيه كالذي تشاهدون الآن وتسمعون، فهو ليس من أمور الدعوة، ولا هو من الجهاد في سبيل الله، كذلك التخريب والتفجيرات، هذه تجر على المسلمين شرا كما هو حاصل، فلما هاجر الرسول ﷺ وكان عنده جيش وأنصار؛ حينئذ أمر بجهاد الكفار.
هل الرسول ﷺ والصحابة يوم كانوا في مكة، هل كانوا يعملون هذه الأعمال؟
أبدا، بل كانوا منهيين عن ذلك.
هل كانوا يخربون أموال الكفار حين كانوا في مكة؟
أبدا، كانوا منهيين عن ذلك.
مأمورين بالدعوة والبلاغ فقط، أما الإلزام والقتال، فهذا إنما كان في المدينة لما صار للإسلام دولة.
стр. 154
وسئل - حفظه الله -:
هل التنظيمات السرية مشروعة في الإسلام؟ وخاصة في البلاد التي يهاجم فيها الإسلام وأهله؟
الجواب: يقول الله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ ويقول جل وعلا: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾، والمسلمون مع أعدائهم لهم حالتان:
الحالة الأولى: أن لا يكون للمسلمين دولة تحميهم، ولا قوة تمنعهم من عدوهم، ففي هذه الحالة يجب على المسلمين الدعوة إلى الله والبيان باللسان فقط؛ كحالة المسلمين مع النبي ﷺ في مكة قبل الهجرة، ولا يجوز لهم في هذه الحالة أن يقوموا بالاغتيالات والتنظيمات السرية؛ التي تجر عليهم الضرر، وتسلط العدو عليهم؛ لأن المضرة في هذه الاغتيالات والتنظيمات أرجح من المصلحة.
الحالة الثانية: أن يكون للمسلمين دولة، ولهم قوة ومنعة؛ ففي هذه الحالة يجب عليهم شيئان: الدعوة إلى الله، والجهاد في سبيل الله؛ من غير غدر ولا خيانة، كالحالة التي كان عليها النبي ﷺ والمسلمون بعد الهجرة إلى المدينة.
وهذا التقسيم الذي قلته مستفاد من سيرة النبي ﷺ القدوة للمسلمين إلى يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا﴾ (١).
стр. 155
فتاوى الأئمة
في حكم اختطاف الطائرات وبني الإنسان
стр. 156
بيان من مجلس هيئة كبار العلماء حول حوادث التخريب
الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وصلى الله وسلم وبارك على خير خلقه أجمعين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، وبعد:
فإن مجلس هيئة كبار العلماء في دورته الثانية والثلاثين المنعقدة في مدينة الطائف ابتداء من ٨/ ١/١٤٠٩ إلى ١٢/ ١/١٤٠٩ بناء على ما ثبت لديه من وقوع عدة حوادث تخريب ذهب ضحيتها الكثير من الناس الأبرياء، وتلف بسببها كثير من الأموال والممتلكات والمنشآت العامة في كثير من البلاد الإسلامية وغيرها، قام بها بعض ضعاف الإيمان أو فاقديه من ذوي النفوس المريضة والحاقدة، ومن ذلك:
نسف المساكن، وإشعال الحرائق في الممتلكات العامة، ونسف الجسور والأنفاق، وتفجير الطائرات أو خطفها، وحيث لوحظ كثرة وقوع مثل هذه الجرائم في عدد من البلاد القريبة والبعيدة، وبما أن المملكة العربية السعودية كغيرها من البلدان القريبة والبعيدة، وبما أن المملكة العربية السعودية كغيرها من البلدان عرضة لوقوع مثل هذه الأعمال التخريبية، فقد رأى مجلس هيئة كبار العلماء ضرورة النظر في تقرير عقوبة رادعة لمن يرتكب عملا تخريبيا، سواء كان موجها ضد المنشآت العامة والمصالح الحكومية، أو كان موجها لغيرها بقصد الإفساد والإخلال بالأمن.
وقد اطلع المجلس على ما ذكره أهل العلم من أن الأحكام الشرعية
стр. 157
تدور من حيث الجملة على وجوب حماية الضروريات الخمس، والعناية بأسباب بقائها مصونة سالمة وهي: (الدين والنفس والعرض والعقل والمال). وقد تصور المجلس الأخطار العظيمة التي تنشأ عن جرائم الاعتداء على حرمات المسلمين في نفوسهم وأعراضهم وأموالهم، وما تسببه الأعمال التخريبية من الإخلال بالأمن العام في البلاد، ونشوء حالة الفوضى والاضطراب، وإخافة المسلمين وإتلاف ممتلكاتهم.
والله قد حفظ للناس أديانهم وأبدانهم وأرواحهم وأعراضهم وعقولهم وأموالهم بما شرعه من الحدود والعقوبات التي تحقق الأمن العام والخاص، ومما يوضح ذلك قوله : ﴿من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا﴾ [المائدة: آية ٣٢].
وقوله : ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم﴾ [المائدة: آية ٣٣].
وتطبيق ذلك كفيل بإشاعة الأمن والاطمئنان، وردع من تسول له نفسه الإجرام والاعتداء على المسلمين في أنفسهم وممتلكاتهم، وقد ذهب جمهور العلماء إلى أن حكم المحاربة في الأمصار وغيرها على السواء، لقوله سبحانه: ﴿ويسعون في الأرض فسادا﴾.
стр. 158
والله تعالى يقول: ﴿ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد﴾ [البقرة: آية ٢٠٤ - ٢٠٥]. وقال تعالى: ﴿ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها﴾ [الأعراف: آية ٥٦].
قال ابن كثير رحمه الله تعالى: " ينهى تعالى عن الإفساد في الأرض وما أضره بعد الإصلاح، فإنه إذا كانت الأمور ماشية على السداد ثم وقع الإفساد بعد ذلك كان أضر ما يكون على العباد، فنهى تعالى عن ذلك ".
وقال القرطبي: " نهى عن كل فساد، قل أو كثر بعد صلاح قل أو كثر، فهو على العموم على الصحيح من الأقوال ".
وبناء على ما تقدم، ولأن ما سبق إيضاحه يفوق أعمال المحاربين الذين لهم أهداف خاصة يطلبون حصولهم عليها من مال أو عرض، وهؤلاء هدفهم زعزعة الأمن وتقويض بناء الأمة، واجتثاث عقيدتها، وتحويلها عن المنهج الرباني:
فإن المجلس يقرر بالإجماع ما يلي:
أولا: من ثبت شرعا أنه قام بعمل من أعمال التخريب والإفساد في الأرض التي تزعزع الأمن، بالاعتداء على النفس والممتلكات الخاصة أو العامة؛ كنسف المساكن أو المساجد أو المدارس أو المستشفيات والمصانع والجسور ومخازن الأسلحة والمياه والموارد العامة لبيت المال؛ كأنابيب البترول، ونسف الطائرات أو خطفها ونحو ذلك: فإن عقوبته
стр. 159
القتل، لدلالة الآيات المتقدمة على أن مثل هذا الإفساد في الأرض يقتضي إهدار دم المفسد، ولأن خطر هؤلاء الذين يقومون بالأعمال التخريبية وضررهم أشد من خطر وضرر الذي يقطع الطريق فيعتدي على شخص فيقتله أو يأخذ ماله، وقد حكم الله عليه بما ذكر في آية الحرابة.
ثانيا: أنه لا بد قبل إيقاع العقوبة المشار إليها في الفقرة السابقة من استكمال الإجراءات الثبوتية اللازمة من جهة المحاكم الشرعية وهيئات التمييز ومجلس القضاء الأعلى؛ براءة للذمة واحتياطا للأنفس، وإشعارا بما عليه هذه البلاد من التقيد بكافة الإجراءات اللازمة شرعا لثبوت الجرائم وتقرير عقابها.
ثالثا: يرى المجلس إعلان هذه العقوبة عن طريق وسائل الإعلام.
وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه.
مجلس هيئة كبار العلماء
الرئيس
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
عبد العزيز بن صالح
عبد الرزاق عفيفي
محمد بن إبراهيم جبير
سليمان بن عبيد
راشد بن صالح بن خنين
стр. 160
عبد المجيد حسن
صالح بن علي الغصون
عبد الله بن عبد الرحمن الغديان
صالح بن محمد اللحيدان
عبد الله بن سليمان المنيع
محمد بن صالح العثيمين
عبد الله بن عبد الرحمن البسام
حسن بن جعفر العتمي
د. صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان
د. عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ
стр. 161
أجوبة سماحة/عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀ -
الحمد لله، والصلاة السلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:
فمن المعلوم لدى كل من له أدنى بصيرة أن اختطاف الطائرات، وبني الإنسان من السفارات وغيرها، ومن الجرائم العظيمة العالمية، التي يترتب عليها من المفاسد الكبيرة والأضرار العظيمة، وإضاقة الأبرياء، وإيذائهم ما لا يحصيه إلا الله.
كما أن من المعلوم أن هذه الجرائم لا يخص ضررها وشرها دولة دون دولة ولا طائفة دون طائفة، بل يعم العالم كله، ولا ريب أن ما كان من الجرائم بهذه المثابة؛ فإن الواجب على الحكومات والمسئولين من العلماء وغيرهم: أن يعنوا به غاية العناية، وأن يبذلوا الجهود الممكنة لحسم شره، والقضاء عليه، وقد أنزل الله كتابه الكريم تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين، وبعث نبيه محمدا رحمة للعالمين، وحجة على العباد أجمعين، وأوجب على جميع الثقلين: الحكم بشريعته، والتحاكم إليها، ورد ما تنازع فيه الناس إلى كتابه وسنة رسوله محمد ﷺ ، كما قال : ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما﴾ [النساء: آية ٦٥]، وقال تعالى: ﴿أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون﴾ [المائدة: آية ٥٠]، وقال : ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا﴾ [النساء، آية: ٥٩].
стр. 162
وقد أجمع العلماء ﵏ على أن الرد إلى الله هو الرد إلى كتابه الكريم، وأن الرد إلى الرسول هو الرد إليه في حياته، وإلى سنته الصحيحة بعد وفاته ﵊، وقال سبحانه: ﴿وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله﴾ [الشورى: آية ١٠].
فهذه الآيات الكريمات وما جاء في معناها: كلها تدل على وجوب رد ما تنازع فيه الناس إلى الله سبحانه، وإلى الرسول ﵊، وذلك هو الرد إلى حكم الله ، والحذر مما خالفه في جميع الأمور.
ومن أهم ذلك: الأمور التي يعم ضررها وشرها كالاختطاف، فإن الواجب على الدولة التي يقع في يدها الخاطفون: أن تحكم فيهم شرع الله، لما يترتب على جريمتهم الشنيعة من الحقوق لله، والحقوق لعباده، والأضرار الكثيرة، والمفاسد العظيمة، وليس لذلك حل يقطع دابرها، ويحسم شرها؛ إلا الحل الذي وضعه أحكم الحاكمين، وأرحم الراحمين، في كتابه الكريم وبعث به أنصح الخلق وأفضلهم، وأرحمهم سيد الأولين والآخرين، محمدا عليه من ربه أفضل الصلاة والتسليم، وهو الحل الذي يجب أن يفهمه الخاطفون والمخطوفون، ومن له صلة بهم وغيرهم، وأن تنشرح له صدورهم إن كانوا مؤمنين، فإن لم يكونوا مؤمنين فقد أمر الله
стр. 163
نبيه ﷺ بتحكيم الشرع فيهم، كما في قوله سبحانه: ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم﴾ [المائدة: آية ٤٩]، وقوله : ﴿وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط﴾ [المائدة: آية ٤٢].
وبناء على ما ذكرنا فإن الواجب على كل دولة يلجأ إليها الخاطفون: تكوين لجنة من علماء الشرع الإسلامي، للنظر في القضية، ودراستها من جوانبها، والحكم فيها بشرع الله، وعلى هؤلاء العلماء أن يحكموا في القضية على ضوء الأدلة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وأن يستضيئوا في ذلك بما ذكره علماء الشرع عند آية المحاربة من سورة المائدة، وما ذكره العلماء في كل مذهب في: " باب حكم قطاع الطريق "، ثم يصدروا حكمهم؛ معززا بالأدلة الشرعية، وعلى الحكومة التي لجأ إليها الخاطفون تنفيذ الحكم الشرعي، طاعة لله، وتعظيما لأمره، وتنفيذا لشرعه، وحسما لمادة هذه الجرائم العظيمة، ورغبة في تحقيق الأمن ورحمة المخطوفين وإنصافهم.
أما القوانين التي وضعها الناس لذلك من غير استناد إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فكلها من وضع البشر، ولا يجوز لأهل الإسلام التحاكم إليها، وليس بعضها أولى بالتحاكم إليه من بعض؛ لأنها كلها من حكم الجاهلية، ومن حكم الطاغوت الذي حذر الله منه، ونسب إلى المنافقين الرغبة في التحاكم إليه، كما قال تعالى: ﴿ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا﴾ [النساء: آية ٦٠ - ٦١].
стр. 164
فلا يجوز لأهل الإسلام أن يتشبهوا بأعداء الله المنافقين؛ بالتحاكم إلى غير الله، والصدود عن حكم الله ورسوله.
ولا يجوز أن يحتج بما وقع فيه أغلب المسلمين اليوم من التحاكم إلى القوانين الوضعية، فإن ذلك لا يبرره ولا يجعله جائزا، بل هو من أنكر المنكرات؛ وإن وقع فيه الأكثرون، وليس وقوع الأكثر في أمر من الأمور دليلا على جوازه، كما قال سبحانه: ﴿وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون﴾ [الأنعام: آية ١١٦].
وكل حكم يخالف شرع الله فهو من حكم الجاهلية، قال سبحانه: ﴿أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون﴾ [المائدة: آية ٥٠].
وأخبر سبحانه أن الحكم بغير ما أنزل الله كفر وظلم وفسق، فقال سبحانه في سورة المائدة: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾ [المائدة: آية ٤٤]، ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون﴾ [المائدة: ٤٥]، ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون﴾ [المائدة: ٤٧].
وهذه الآيات وما جاء في معناها، توجب على المسلمين: الحذر من الحكم بغير ما أنزل الله، والبراءة منه، والمبادرة إلى حكم الله ورسوله، وانشراح الصدر به، والتسليم له، وإذا كانت الحادثة يعم ضررها:
стр. 165
كالخطف، كان وجوب رد الحكم فيها إلى الله ورسوله آكد من غيرها، وأعظم في الوجوب لأن الله سبحانه هو الحكيم الخبير، وهو أحكم الحاكمين، وأرحم الراحمين، وهو العالم بما يصلح عباده، ويدفع عنهم الضرر، ويحسم عنهم الفساد في حاضرهم ومستقبلهم، فوجب أن يردوا الحكم فيما تنازعوا فيه إلى كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، لأن فيهما الكفاية، والمقنع، والحل لكل مشكل، والقضاء على كل شر؛ لمن تمسك بهما، واستقام عليهما، وحكم بهما وتحاكم إليهما، كما سبق بيان ذلك في الآيات المحكمات.
ولعظم هذه الجريمة وخطورتها، رأيت أن من الواجب تحرير هذه الكلمة نصحا للأمة، وبراءة للذمة، وتذكيرا للعموم بهذا الواجب العظيم، وتعاونا مع المسئولين على البر والتقوى.
والله المسئول أن يصلح أحوال المسلمين ويهديهم صراطه المستقيم، ويوفق حكوماتهم للحكم بالشريعة الإسلامية، والتحاكم إليها، والتمسك بها في جميع الأمور، إنه جواد كريم.
وصلى الله على عبده ورسوله، نبينا محمد وآله وصحبه وسلم (١).
стр. 166
فتاوى الأئمة في حكم الإضرابات والاعتصامات
стр. 167
أجوبة سماحة الشيخ: محمد بن صالح العثيمين ﵀ -
سؤال: ما حكم الإضراب عن العمل في بلد مسلم؛ للمطالبة بإسقاط النظام العلماني؟
فأجاب حفظه الله قائلا: " هذا السؤال لا شك أن له خطورته بالنسبة لتوجيه الشباب المسلم، وذلك أن قضية الإضراب عن العمل؛ سواء كان هذا العمل خاصا أو بالمجال الحكومي؛ لا أعلم لها أصلا من الشريعة يبنى عليه، ولا شك أنه يترتب عليه أضرار كثيرة حسب حجم هذا الإضراب شمولا، وحسب حجم هذا الإضراب ضرورة. ولا شك أنه من أساليب الضغط على الحكومات، والذي جاء في السؤال أن المقصود به إسقاط النظام العلماني، وهنا يجب علينا إثبات أن النظام علماني أولا، ثم إذا كان الأمر كذلك؛ فليعلم أن الخروج على السلطة لا يجوز إلا بشروط ... " (١).
وسئل فضيلته أيضا:
بعد الإضراب يقدم الذين أضربوا مطالبهم وفي حالة عدم الاستجابة لهذه المطالب، هل يجوز مواجهة النظام بتفجير ثورة شعبية؟
فأجاب رحمه الله تعالى قائلا: لا أرى أن تقام ثورة شعبية في هذه الحال؛ لأن القوة المادية بيد الحكومة كما هو معروف، والثورة الشعبية
стр. 168
ليس بيدها إلا سكين المطبخ وعصا الراعي، وهذا لا يقاوم الدبابات والأسلحة، لكن يمكن أن يتوصل إلى هذا من طريق آخر إذا تمت الشروط السابقة، ولا ينبغي أن نستعجل الأمر؛ لأن أي بلد عاش سنين طويلة مع الاستعمار لا يمكن أن يتحول بين عشية وضحاها إلى بلد إسلامي، بل لا بد أن نتخذ طول النفس لنيل المآرب. فالإنسان إذا بنى قصرا فقد أسس؛ سواء سكنه أو فارق الدنيا قبل يسكنه، فالمهم أن يبنى الصرح الإسلامي؛ وإن لم يتحقق المراد إلا بعد سنوات، فالذي أرى ألا نتعجل في مثل هذه الأمور، ولا نثير أو نفجر ثورة شعبية غالبها غوغائية لا تثبت على شيء، لو تأتى القوات إلى حي من الأحياء وتقضي على بعضه لكان كل الآخرين يتراجعون عما هم عليه " (١).
стр. 169
فتاوى الأئمة في العمليات الانتحارية
стр. 170
من أجوبة سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀ -
السؤال: وهذا يقول: ما حكم من يلغم نفسه ليقتل بذلك مجموعة من اليهود؟
الجواب: الذي أرى وقد نبهنا له غير مرة: أن هذا لا يصح؛ لأنه قتل للنفس، والله تعالى يقول: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾، والنبي ﷺ يقول: " من قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة " (١).
يسعى في حماية نفسه، وإذا شرع الجهاد جاهد مع المسلمين، فإن قتل فالحمد لله، أما أنه يقتل نفسه يضع اللغم في نفسه حتى يقتل معهم: غلط لا يجوز، أو يطعن نفسه معهم، ولكن يجاهد إذا شرع الجهاد مع المسلمين، أما عمل أبناء فلسطين فهذا غلط، لا يصلح، إنما الواجب عليهم الدعوة إلى الله والتعليم والإرشاد والنصيحة من دون العمل (٢).
стр. 171
أجوبة سماحة/محمد بن صالح العثيمين ﵀ -
قال ﵀ في شرح حديث أصحاب الأخدود (١)، محددا الفوائد المستنبطة منه:
" إن الإنسان يجوز أن يغرر بنفسه في مصلحة عامة للمسلمين، فإن هذا الغلام دل الملك على أمر يقتله به ويهلك به نفسه؛ وهو أن يأخذ سهما من كنانته .. قال شيخ الإسلام: " لأن هذا جهاد في سبيل الله، آمنت أمة وهو لم يفتقد شيئا لأنه مات، وسيموت آجلا أو عاجلا ".
فأما ما يفعله بعض الناس من الانتحار، بحيث يحمل آلات متفجرة ويتقدم بها إلى الكفار، ثم يفجرها إذا كان بينهم؛ فإن هذا من قتل النفس والعياذ بالله، ومن قتل نفسه فهو خالد مخلد في نار جهنم أبد الآبدين، كما جاء في الحديث عن النبي ﵊ (٢).
لأن هذا قتل نفسه لا في مصلحة الإسلام؛ لأنه إذا قتل نفسه وقتل عشرة أو مائة أو مائتين، لم ينفع الإسلام بذلك، فلم يسلم الناس، بخلاف قصة الغلام، وبهذا ربما يتعنت العدو أكثر ويوغر صدره هذا العمل، حتى يفتك بالمسلمين أشد فتك.
стр. 172
كما يوجد من صنع اليهود مع أهل فلسطين، فإن أهل فلسطين إذا مات الواحد منهم بهذه المتفجرات وقتل ستة أو سبعة؛ أخذوا من جراء ذلك ستين نفرا أو أكثر فلم يحصل في ذلك نفع للمسلمين، ولا انتفاع للذين فجرت المتفجرات في صفوفهم.
ولهذا نرى أن ما يفعله بعض الناس من هذا الانتحار، نرى أنه قتل للنفس بغير حق، وأنه موجب لدخول النار والعياذ بالله، وأن صاحبه ليس بشهيد، لكن إذا فعل الإنسان هذا متأولا ظانا أنه جائز، فإننا نرجو أن يسلم من الإثم، وأما أن تكتب له الشهادة فلا، لأنه لم يسلك طريق الشهادة، ومن اجتهد واخطأ فله أجر (١).
سؤال: ما الحكم الشرعي فيمن يضع المتفجرات في جسده، ويفجر نفسه بين جموع الكفار نكاية بهم؟ وهل يصح الاستدلال بقصة الغلام الذي أمر الملك بقتله؟
الجواب: الذي يجعل المتفجرات في جسمه من أجل أن يضع نفسه في مجتمع من مجتمعات العدو، قاتل لنفسه، وسيعذب بما قتل به نفسه في نار جهنم، خالدا فيها مخلدا، كما ثبت ذلك عن النبي ﷺ فيمن قتل نفسه في شيء يعذب به في نار جهنم.
وعجبا من هؤلاء الذين يقومون بمثل هذه العمليات، وهم يقرءون قول الله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما﴾ [النساء: ٢٩]
стр. 173
ثم يفعلوا ذلك، هل يحصدون شيئا؟ هل ينهزم العدو؟ أم يزداد العدو شدة على هؤلاء الذين يقومون بهذه التفجيرات، كما هو مشاهد الآن في دولة اليهود، حيث لم يزدادوا بمثل هذه الأفعال إلا تمسكا بعنجهيتهم، بل إنا نجد أن الدولة اليهودية في الاستفتاء الأخير نجح فيها (اليمينيون) الذين يريدون القضاء على العرب.
ولكن من فعل هذا مجتهدا ظانا أنه قربة إلى الله فنسأل الله تعالى ألا يؤاخذه لأنه متأول جاهل.
وأما الاستدلال بقصة الغلام، فقصة الغلام حصل فيها دخول في الإسلام، لا نكاية في العدو، ولذلك لما جمع الملك الناس؛ وأخذ سهما من كنانة الغلام؛ وقال: باسم الله رب الغلام؛ صاح الناس كلهم، الرب رب الغلام، فحصل فيه إسلام أمة عظيمة، فلو حصل مثل هذه القصة لقلنا: إن هناك مجالا للاستدلال، وأن النبي ﷺ قصها علينا لنعتبر بها، لكن هؤلاء الذين يرون تفجير أنفسهم إذا قتلوا عشرة أو مائة من العدو، فإن العدو لا يزداد إلا حنقا عليهم وتمسكا بما هم عليه.
وسئل ﵀:
بعضهم يقول: إنه يقوم بعملية جهادية على شكل انتحاري، وكمثال على ذلك: ما يفعله أحدهم من تلغيم سيارته بالمتفجرات، واقتحام العدو، وهو يعلم أنه سيموت في هذا الحادث لا محالة؟
فأجاب ﵀: رأيي في هذا أنه قاتل نفسه، وأنه سيعذب في جهنم بما قتل به نفسه، كما صح ذلك عن النبي ﷺ .
стр. 174
لكن الجاهل الذي لا يدري، وفعله على أنه حسن مرضي عند الله، أرجو الله أن يعفو عنه، لكونه فعل هذا اجتهادا. وإن كنت أرى أنه لا عذر له في الوقت الحاضر؛ لأن هذا النوع من قتل النفس اشتهر وانتشر بين الناس، وكان على الإنسان أن يسأل عنه أهل العلم، حتى يتبين له الرشد من الغي.
ومن العجب أن هؤلاء يقتلون أنفسهم مع أن الله نهى عن ذلك وقال: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما﴾، وكثير منهم لا يريدون إلا الانتقام من العدو على أي وجه كان؛ سواء كان حراما أم حلالا، فهو يريد أن يشفي غليله فقط، ويروي غليله. ونسأل الله أن يرزقنا البصيرة في دينه والعمل بما يرضيه إنه على كل شيء قدير (١).
...
стр. 175
فتاوى الأئمة
في
حكم التطرف والتكفير
وشيء من صفات الخوارج
стр. 176
قال الإمام شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي ﵀ -:
" فما ينبغي لك يا فقيه أن تبادر إلى تكفير المسلم إلا ببرهان قطعي، كما لا يسوغ لك أن تعتقد العرفان والولاية فيمن قد تبرهن زغله، وانهتك باطنه وزندقته، فلا هذا ولا هذا، بل العدل: أن من رآه المسلمون صالحا محسنا فهو كذلك؛ لأنهم شهداء الله بأرضه، إذ الأمة لا تجتمع على ضلالة، من رآه المسلمون فاجرا أو منافقا أو مبطلا فهو كذلك.
وأن من كان طائفة من الأمة تضلله، وطائفة من الأمة تثني عليه وتبجله، وطائفة ثالثة تقف منه وتتورع من الحط عليه، فهو ممن ينبغي أن يعرض عنه، وأن يفوض أمره إلى الله، وأن يستغفر له في الجملة؛ لأن إسلامه أصلي بيقين، وضلاله مشكوك فيه، فبهذا تستريح ويصفو قلبك من الغل للمؤمنين.
ثم اعلم أن أهل القبلة كلهم، مؤمنهم وفاسقهم، وسنيهم ومبتدعهم - سوى الصحابة - لم يجمعوا على مسلم بأنه سعيد ناج، ولم يجمعوا على مسلم بأنه شقي هالك، فهذا الصديق فرد الأمة وقد علمت تفرقهم فيه، وكذلك عمر، وكذلك عثمان، وكذلك علي، وكذلك ابن الزبير، وكذلك الحجاج، وكذلك المأمون، وكذلك بشر المريسي، وكذلك أحمد بن حنبل، والشافعي، والبخاري، والنسائي، وهلم جرا من الأعيان من الخير والشر إلى يومك هذا، فما من إمام كامل في الخير إلا وثم أناس من جهلة
стр. 177
المسلمين ومبتدعيهم يذمونه ويحطون عليه، وما من رأس في التجهم والرفض إلا وله أناس ينتصرون له ويذبون عنه ويدينون بقوله بهوى وجهل، وإنما العبرة بقول الجمهور؛ الخالين من الهوى والجهل، المتصفين بالورع والعلم، فتدبر - يا عبد الله - نحلة الحلاج الذي هو من رءوس القرامطة، ودعاة الزندقة وأنصف وتورع، واتق ذلك، وحاسب نفسك، فإن تبرهن لك أن شمائل هذا المرء شمائل عدو للإسلام، محب للرئاسة، حريص على الظهور بباطل أو بحق؛ فتبرأ من نحلته، وإن تبرهن لك والعياذ بالله أنه كان - والحالة هذه - محقا هاديا مهديا فجدد إسلامك، واستغث بربك أن يوفقك للحق، وأن يثبت قلبك على دينه، فإنما الهدى نور يقذفه الله في قلب عبده المسلم، ولا قوة إلا بالله، وإن شككت ولم تعرف حقيقته، وتبرأت مما رمي به، أرحت نفسك ولم يسألك الله عنه أصلا (١) ".
стр. 178
بيان من هيئة كبار العلماء في التكفير والتفجير
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:
فقد درس مجلس هيئة كبار العلماء - في دورته التاسعة والأربعين - المنعقدة بالطائف، ابتداء من تاريخ (٢/ ٤/١٤١٩هـ) ما يجري في كثير من البلاد الإسلامية وغيرها، من التكفير والتفجير، وما ينشأ عنه من سفك الدماء، وتخريب المنشآت.
ونظرا إلى خطورة هذا الأمر، وما يترتب عليه من إزهاق أرواح بريئة، وإتلاف أموال معصومة وإخافة للناس، وزعزعة لأمنهم واستقرارهم: فقد رأى المجلس إصدار بيان يوضح فيه حكم ذلك؛ نصحا لله ولعباده وإبراء للذمة، وإزالة للبس في المفاهيم لدى من اشتبه عليه الأمر في ذلك، فنقول وبالله التوفيق:
أولا: التكفير حكم شرعي، مرده إلى الله ورسوله؛ فكما أن التحليل والتحريم والإيجاب: إلى الله ورسوله؛ فكذلك التكفير.
وليس كل ما وصف بالكفر من قول أو فعل، يكون كفرا أكبر مخرجا عن الملة.
ولما كان مرد حكم التكفير إلى الله ورسوله: لم يجز أن نكفر إلا من دل الكتاب والسنة على كفره دلالة واضحة؛ فلا يكفي في ذلك مجرد الشبهة والظن؛ لما يترتب على ذلك من الأحكام الخطيرة.
стр. 179
وإذا كانت الحدود تدرأ بالشبهات - مع أن ما يترتب عليها أقل مما يترتب على التكفير - فالتكفير أولى أن يدرأ بالشبهات.
ولذلك حذر النبي ﷺ من الحكم بالتكفير على شخص ليس بكافر، فقال: " أيما امرئ قال لأخيه: يا كافر فقد باء بها أحدهما إن كان كما قال وإلا رجعت عليه " (١).
وقد يرد في الكتاب والسنة ما يفهم من أن هذا القول أو العمل أو الاعتقاد كفر، ولا يكفر من اتصف به، لوجود مانع يمنع من كفره.
وهذا الحكم كغيره من الأحكام؛ التي لا تتم إلا بوجود أسبابها وشروطها، وانتفاء موانعها، كما في الإرث؛ سببه القرابة - مثلا - وقد لا يرث بها لوجود مانع كاختلاف الدين، وهكذا الكفر: يكره عليه المؤمن؛ فلا يكفر به.
وقد ينطق المسلم كلمة الكفر؛ لغلبة فرح، أو غضب، أو نحوهما: فلا يكفر بها لعدم القصد؛ كما في قصة الذي قال: " اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطا من شدة الفرح " (٢).
والتسرع في التكفير يترتب عليه أمور خطيرة؛ من استحلال الدم
стр. 180
والمال، ومنع التوارث، وفسخ النكاح، وغيرها مما يترتب على الردة.
فكيف يسوغ للمؤمن أن يقدم عليه لأدنى شبهة؟!.
وإذا كان هذا في ولاة الأمور: كان أشد، لما يترتب عليه من التمرد عليهم، وحمل السلاح عليهم، وإشاعة الفوضى، وسفك الدماء، وفساد العباد والبلاد.
ولهذا منع النبي ﷺ من منابذتهم، فقال: " إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان (١).
فأفاد قوله: " إلا أن تروا " أنه لا يكفي مجرد الظن والإشاعة.
وأفاد قوله: " كفرا " أنه لا يكفي الفسوق ولو كبر، كالظلم، وشرب الخمر، ولعب القمار، والاستئثار المحرم.
وأفاد قوله: " بواحا " أنه لا يكفي الكفر الذي ليس ببواح، أي: صريح ظاهر.
وأفاد قوله: " عندكم من الله فيه برهان " أنه لا بد من دليل صريح بحيث يكون صحيح الثبوت، صريح الدلالة؛ فلا يكفي الدليل ضعيف السند، ولا غامض الدلالة.
وأفاد قوله: " من الله " أنه لا عبرة بقول أحد من العلماء مهما بلغت منزلته في العلم والأمانة، إذا لم يكن لقوله دليل صريح صحيح؛ من كتاب