قال الإمام شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي ﵀ -:
" فما ينبغي لك يا فقيه أن تبادر إلى تكفير المسلم إلا ببرهان قطعي، كما لا يسوغ لك أن تعتقد العرفان والولاية فيمن قد تبرهن زغله، وانهتك باطنه وزندقته، فلا هذا ولا هذا، بل العدل: أن من رآه المسلمون صالحا محسنا فهو كذلك؛ لأنهم شهداء الله بأرضه، إذ الأمة لا تجتمع على ضلالة، من رآه المسلمون فاجرا أو منافقا أو مبطلا فهو كذلك.
وأن من كان طائفة من الأمة تضلله، وطائفة من الأمة تثني عليه وتبجله، وطائفة ثالثة تقف منه وتتورع من الحط عليه، فهو ممن ينبغي أن يعرض عنه، وأن يفوض أمره إلى الله، وأن يستغفر له في الجملة؛ لأن إسلامه أصلي بيقين، وضلاله مشكوك فيه، فبهذا تستريح ويصفو قلبك من الغل للمؤمنين.
ثم اعلم أن أهل القبلة كلهم، مؤمنهم وفاسقهم، وسنيهم ومبتدعهم - سوى الصحابة - لم يجمعوا على مسلم بأنه سعيد ناج، ولم يجمعوا على مسلم بأنه شقي هالك، فهذا الصديق فرد الأمة وقد علمت تفرقهم فيه، وكذلك عمر، وكذلك عثمان، وكذلك علي، وكذلك ابن الزبير، وكذلك الحجاج، وكذلك المأمون، وكذلك بشر المريسي، وكذلك أحمد بن حنبل، والشافعي، والبخاري، والنسائي، وهلم جرا من الأعيان من الخير والشر إلى يومك هذا، فما من إمام كامل في الخير إلا وثم أناس من جهلة
стр. 177
المسلمين ومبتدعيهم يذمونه ويحطون عليه، وما من رأس في التجهم والرفض إلا وله أناس ينتصرون له ويذبون عنه ويدينون بقوله بهوى وجهل، وإنما العبرة بقول الجمهور؛ الخالين من الهوى والجهل، المتصفين بالورع والعلم، فتدبر - يا عبد الله - نحلة الحلاج الذي هو من رءوس القرامطة، ودعاة الزندقة وأنصف وتورع، واتق ذلك، وحاسب نفسك، فإن تبرهن لك أن شمائل هذا المرء شمائل عدو للإسلام، محب للرئاسة، حريص على الظهور بباطل أو بحق؛ فتبرأ من نحلته، وإن تبرهن لك والعياذ بالله أنه كان - والحالة هذه - محقا هاديا مهديا فجدد إسلامك، واستغث بربك أن يوفقك للحق، وأن يثبت قلبك على دينه، فإنما الهدى نور يقذفه الله في قلب عبده المسلم، ولا قوة إلا بالله، وإن شككت ولم تعرف حقيقته، وتبرأت مما رمي به، أرحت نفسك ولم يسألك الله عنه أصلا (١) ".
стр. 178
بيان من هيئة كبار العلماء في التكفير والتفجير
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:
فقد درس مجلس هيئة كبار العلماء - في دورته التاسعة والأربعين - المنعقدة بالطائف، ابتداء من تاريخ (٢/ ٤/١٤١٩هـ) ما يجري في كثير من البلاد الإسلامية وغيرها، من التكفير والتفجير، وما ينشأ عنه من سفك الدماء، وتخريب المنشآت.
ونظرا إلى خطورة هذا الأمر، وما يترتب عليه من إزهاق أرواح بريئة، وإتلاف أموال معصومة وإخافة للناس، وزعزعة لأمنهم واستقرارهم: فقد رأى المجلس إصدار بيان يوضح فيه حكم ذلك؛ نصحا لله ولعباده وإبراء للذمة، وإزالة للبس في المفاهيم لدى من اشتبه عليه الأمر في ذلك، فنقول وبالله التوفيق:
أولا: التكفير حكم شرعي، مرده إلى الله ورسوله؛ فكما أن التحليل والتحريم والإيجاب: إلى الله ورسوله؛ فكذلك التكفير.
وليس كل ما وصف بالكفر من قول أو فعل، يكون كفرا أكبر مخرجا عن الملة.
ولما كان مرد حكم التكفير إلى الله ورسوله: لم يجز أن نكفر إلا من دل الكتاب والسنة على كفره دلالة واضحة؛ فلا يكفي في ذلك مجرد الشبهة والظن؛ لما يترتب على ذلك من الأحكام الخطيرة.
стр. 179
وإذا كانت الحدود تدرأ بالشبهات - مع أن ما يترتب عليها أقل مما يترتب على التكفير - فالتكفير أولى أن يدرأ بالشبهات.
ولذلك حذر النبي ﷺ من الحكم بالتكفير على شخص ليس بكافر، فقال: " أيما امرئ قال لأخيه: يا كافر فقد باء بها أحدهما إن كان كما قال وإلا رجعت عليه " (١).
وقد يرد في الكتاب والسنة ما يفهم من أن هذا القول أو العمل أو الاعتقاد كفر، ولا يكفر من اتصف به، لوجود مانع يمنع من كفره.
وهذا الحكم كغيره من الأحكام؛ التي لا تتم إلا بوجود أسبابها وشروطها، وانتفاء موانعها، كما في الإرث؛ سببه القرابة - مثلا - وقد لا يرث بها لوجود مانع كاختلاف الدين، وهكذا الكفر: يكره عليه المؤمن؛ فلا يكفر به.
وقد ينطق المسلم كلمة الكفر؛ لغلبة فرح، أو غضب، أو نحوهما: فلا يكفر بها لعدم القصد؛ كما في قصة الذي قال: " اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطا من شدة الفرح " (٢).
والتسرع في التكفير يترتب عليه أمور خطيرة؛ من استحلال الدم
стр. 180
والمال، ومنع التوارث، وفسخ النكاح، وغيرها مما يترتب على الردة.
فكيف يسوغ للمؤمن أن يقدم عليه لأدنى شبهة؟!.
وإذا كان هذا في ولاة الأمور: كان أشد، لما يترتب عليه من التمرد عليهم، وحمل السلاح عليهم، وإشاعة الفوضى، وسفك الدماء، وفساد العباد والبلاد.
ولهذا منع النبي ﷺ من منابذتهم، فقال: " إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان (١).
فأفاد قوله: " إلا أن تروا " أنه لا يكفي مجرد الظن والإشاعة.
وأفاد قوله: " كفرا " أنه لا يكفي الفسوق ولو كبر، كالظلم، وشرب الخمر، ولعب القمار، والاستئثار المحرم.
وأفاد قوله: " بواحا " أنه لا يكفي الكفر الذي ليس ببواح، أي: صريح ظاهر.
وأفاد قوله: " عندكم من الله فيه برهان " أنه لا بد من دليل صريح بحيث يكون صحيح الثبوت، صريح الدلالة؛ فلا يكفي الدليل ضعيف السند، ولا غامض الدلالة.
وأفاد قوله: " من الله " أنه لا عبرة بقول أحد من العلماء مهما بلغت منزلته في العلم والأمانة، إذا لم يكن لقوله دليل صريح صحيح؛ من كتاب
стр. 181
الله وسنة رسوله ﷺ .
وهذه القيود تدل على خطورة الأمر.
وجملة القول: أن التسرع في التكفير له خطره العظيم؛ لقول الله : ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ [الأعراف: آية ٣٣].
ثانيا: ما نجم عن هذا الاعتقاد الخاطئ من استباحة الدماء، وانتهاك الأعراض، وسلب الأموال الخاصة والعامة، وتفجير المساكن والمركبات وتخريب المنشآت: فهذه الأعمال وأمثالها محرمة شرعا بإجماع المسلمين لما في ذلك من هتك لحرمة الأنفس المعصومة، وهتك لحرمة الأموال، وهتك لحرمات الأمن والاستقرار، وحياة الناس الآمنين المطمئنين في مساكنهم ومعايشهم، وغدوهم ورواحهم، وهتك للمصالح العامة التي لا غنى للناس في حياتهم عنها.
وقد حفظ الإسلام للمسلمين أموالهم، وأعراضهم، وأبدانهم، وحرم انتهاكها، وشدد في ذلك؛ وكان من آخر ما بلغ به النبي ﷺ أمته، فقال في خطبة الوداع: " فإن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا إلى يوم تلقون ربكم ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم. قال: اللهم اشهد " متفق عليه (١).
стр. 182
وقال ﷺ : " كل المسلم على المسلم حرام ماله وعرضه ودمه " (١).
وقال عليه الصلاة السلام: " اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة " (٢).
وقد توعد الله سبحانه من قتل نفسا معصومة بأشد الوعيد، فقال سبحانه في حق المؤمن: ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما﴾ [النساء: آية ٩٣].
وقال سبحانه في حق الكافر الذي له ذمة في حكم قتل الخطأ: ﴿وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة﴾ [النساء: آية ٩٢]، فإذا كان الكافر الذي له أمان إذا قتل خطأ فيه الدية والكفارة، فكيف إذا قتل عمدا؟! فإن الجريمة تكون أعظم والإثم يكون أكبر.
وقد صح عن رسول الله ﷺ : أنه قال: " من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة " (٣).
ثالثا: أن المجلس إذ يبين حكم تكفير الناس؛ بغير برهان من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وخطورة إطلاق ذلك؛ لما يترتب عليه من شرور وآثار، فإنه يعلن للعالم: أن الإسلام بريء من هذا المعتقد الخاطئ، وأن ما يجري في بعض البلدان من سفك للدماء البريئة، وتفجير للمساكن
стр. 183
والمركبات، والمرافق العامة والخاصة وتخريب للمنشآت: هو عمل إجرامي، والإسلام بريء منه.
وهكذا كل مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر بريء منه؛ وإنما هو تصرف من صاحب فكر منحرف، وعقيدة ضالة، فهو يحمل إثمه وجرمه، فلا يحتسب عمله على الإسلام، ولا على المسلمين المهتدين بهدي الإسلام، المعتصمين بالكتاب والسنة، المستمسكين بحبل الله المتين؛ وإنما هو محض إفساد وإجرام تأباه الشريعة والفطرة؛ ولهذا جاءت نصوص الشريعة بتحريمه؛ محذرة من مصاحبة أهله:
قال تعالى: ﴿ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد﴾ [البقرة: آية ٢٠٤ - ٢٠٦].
والواجب على جميع المسلمين في كل مكان التواصي بالحق والتناصح، والتعاون على البر والتقوى، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن؛ كما قال الله : ﴿وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب﴾ [المائدة: آية ٢].
وقال سبحانه: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم﴾ [التوبة: آية ٧١].
стр. 184
وقال : ﴿والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر﴾ [العصر: آية ١ - ٣].
وقال النبي ﷺ : " الدين النصيحة. قلنا: لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم " (١).
وقال ﵊: " مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى " (٢). والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.
ونسأل الله سبحانه بأسمائه الحسنى وصفاته العلى؛ أن يكف البأس عن جميع المسلمين، وأن يوفق جميع ولاة أمور المسلمين، إلى ما فيه صلاح العباد والبلاد، وقمع الفساد والمفسدين، وأن ينصر بهم دينه، ويعلي بهم كلمته، وأن يصلح أحوال المسلمين جميعا في كل مكان، وأن ينصر بهم الحق.
إنه ولي ذلك، والقادر عليه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
هيئة كبار العلماء
رئيس المجلس
стр. 185
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
محمد بن إبراهيم جبير
راشد بن صالح بن خنين
صالح بن محمد اللحيدان
د. صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان
عبد الله بن عبد الرحمن الغديان
عبد الله بن سليمان المنيع
حسن بن جعفر العتمي
عبد الله بن عبد الرحمن البسام
محمد بن صالح العثيمين
محمد بن عبد الله السبيل
ناصر بن حمد الراشد
عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ
عبد الرحمن بن حمزة المرزوقي
محمد بن سليمان البدر
د. عبد الله بن محمد بن إبراهيم آل الشيخ
د. بكر بن عبد الله أبو زيد
محمد بن زايد آل سليمان
د. عبد الله بن عبد المحسن التركي
د. صالح بن عبد الرحمن الأطرم
د. عبد الوهاب بن إبراهيم أبو سليمان
стр. 186
أجوبة سماحة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀ -
سؤال: إذن شيخنا كيف نعالج مشكلة التطرف؟
الجواب: بالتعليم والتوجيه من العلماء، إذا عرفوا عن إنسان أنه يزيد ويبتدع بينوا له، مثل الذي يكفر العصاة وهذا دين الخوارج، الخوارج هم الذين يكفرون بالمعاصي، ولكن يعلم أن عليه التوسط؛ العاصي له حكمه، والمشرك له حكمه، والمبتدع له حكمه، فيعلم، ويوجه إلى الخير؛ حتى يهتدي، وحتى يعرف أحكام الشرع وينزل كل شيء منزلته، فلا يجعل العاصي في منزلة الكافر، ولا يجعل الكافر في منزلة العاصي، فالعصاة الذين ذنوبهم دون الشرك، كالزاني، والسارق وصاحب الغيبة والنميمة، وآكل الربا؛ هؤلاء لهم حكم، وهم تحت المشيئة إذا ماتوا على ذلك، والمشرك الذي يعبد أصحاب القبور، ويستغيث بالأموات من دون الله له حكم؛ وهو الكفر بالله ، والذي يسب الدين، أو يستهزئ بالدين له حكم، هو: الكفر بالله. فالناس طبقات وأقسام، ليسوا على حد سواء، لا بد أن ينزلوا منازلهم، ولا بد أن يعطوا أحكامهم، بالبصيرة والبينة، لا بالهوى والجهل، بل بالأدلة الشرعية، وهذا على العلماء.
فعلى العلماء أن يوجهوا الناس، وأن يرشدوا الشباب الذين قد يخشى منهم التطرف أو الجفاء والتقصير، فيعلمون؛ لأن علمهم قليل، فيجب أن يوجهوا إلى الحق (١).
стр. 187
أجوبة سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ
أشار سماحته في رده على سؤال في درسه بالمسجد الحرام في كيفية التعامل مع من ينتهج هذا النهج فقال:
إن الكثير ممن اعتنق هذا الفكر هم جهلة غرر بهم؛ لقلة علمهم وبصيرتهم، فقبلوا هذه الآراء التكفيرية من قبل فئة اتخذوا هذا النهج لتحقيق غاياتهم المشبوهة، فجاءوا بهذه الأفكار ليخدعوا بها قليلي العلم والفهم والبصيرة.
ولكن الواجب على كل إنسان يعرف من يعتقد هذا المعتقد أن يذكره بالله، ويبين له بطلان معتقده ومنهجه، فإن ارتدع وعاد إلى رشده؛ فهذا المطلوب، وإن استمر في باطله ولم ينزجر؛ فلا يترك هؤلاء يفسدون على شبابنا دينهم، ففكرة التكفير خطيئة سيئة، ويوجد وراءها من يريدون الإضرار بالأمة فيسلكون كل سبيل ليحققوا أغراضهم.
فأنصح إخواني بالحذر من الدعوات التي تكفر المجتمعات المسلمة، وتدعو إلى الخروج على الأئمة وحمل السلاح على المسلمين، كما أنني أنصح من يفتي هؤلاء بأن يتقي الله في نفسه، ويتقي الله في عباده المسلمين، ويتقي الله في المجتمعات المسلمة، وليعلم أن هذه الجادة جادة أهل البدع.
فالسف الصالح أبعد وأسلم عن هذه الجادة الخاطئة، بل كانوا يحثون على السمع والطاعة، والصبر على الأئمة، حتى وإن جاروا أو
стр. 188
ظلموا، وينهون عن الخروج على الأئمة حقنا لدماء المسلمين وجمعا لكلمتهم، وتوحيدا لصفهم.
فاتقوا الله في المسلمين، واحذروا سخط الله وعقابه، ومن لم يتب من هؤلاء المفتين (بغير علم) فيجب على أهل الإسلام الحذر والتحذير منهم والبعد منهم.
وقى الله المسلمين الشرور والفتن ما ظهر منها وما بطن (١).
ويقول سماحة الشيخ: محمد بن صالح العثيمين ﵀:
من المعلوم أن الحكم بالتكفير يحتاج إلى شيئين مهمين:
الأول: دلالة النص على أن هذا كفر، وكفر مخرج من الملة، لأن في النصوص ما يطلق عليه كفر وليس بكفر مخرج عن الملة، فلا بد أن تعلم أن النص دل على أن هذا العمل كفر، أو هذا الترك كفرا مخرجا عن الملة.
الثاني: تطبيق هذا النص على من صدر منه الفعل الذي دل النص على أنه كفر؛ لأنه ليس من فعل المكفر يكون كافرا، كما دلت عليه النصوص من القرآن والسنة.
أما الكتاب:
فقال الله : ﴿من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم﴾ (٢).
стр. 189
فإذا أكره الإنسان على الكفر قولا كان أو فعلا ففعل ما أكره عليه فقد دل الكتاب العزيز على أنه لا يكفر، مع أن الفعل كفر.
مثال ذلك: إنسان أكره على أن يسجد لصنم فسجد، فالسجود للصنم كفر لا إشكال فيه، لكنه مكره وقلبه مطمئن بالإيمان، يؤمن بأن هذا الصنم لا يستحق أن يسجد له، وأن السجود له كفر، فلا شيء عليه.
وإنسان أكره على أن يقول كلمة الكفر، فيقول: إن الله ثالث ثلاثة، أيكفر وقلبه مطمئن بالإيمان؟ الجواب: لا يكفر.
وأما السنة:
فقد تحدث النبي ﷺ عن فرح الله تعالى بتوبة العبد، وأخبر أن الله أشد فرحا بتوبة العبد من رجل أضل ناقته وعليها طعامه وشرابه، فطلبها فلم يجدها، واضطجع تحت شجرة ينتظر الموت، فبينما هو كذلك إذا هو بناقته قائمة عنده، فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح (١).
هل هو كافر؟ الجواب: لا.
كذلك الرجل الذي كان مسرفا على نفسه، وخاف من عقوبة الله فقال لأهله: إذا أنا مت فأحرقوني وذروني في اليم، فوالله لئن قدر علي
стр. 190
ربي لعذبني عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين، ففعلوا - فجمعه الله ثم سأله، وأخبره أنه فعل ذلك خوفا من الله - ظن أن الله لا يقدر عليه - فغفر الله له (١)، مع أن الشك في قدرة الله كفر؛ لأنه لم يرد أن يصف الله بالعجز، ولكن خوفا من الله ، فظن أن هذا الفرار من الله يمكنه أن ينجو به من عقابه.
إذا يا إخواني لا بد من أمرين هامين في التكفير:
الأمر الأول: دلالة النصوص على أن هذا كفر وكفر مخرج عن الملة.
الثاني: انطباق هذا الحكم على الشخص المعين؛ لأنه قد تكون هناك موانع تمنع من التكفير؛ وإن كان القول أو الفعل كفرا، والموانع معروفة من الشريعة والحمد لله.
فإذا لم يتم الشرطان؛ فمن كفر أخاه صار هو الكافر؛ لأن النبي ﷺ أخبر أن من دعا رجلا بالكفر، أو قال: يا عدو الله وليس كذلك، فإنه يعود إليه فيكون هو الكافر، وهو عدو الله.
فإذا قال إنسان: كيف يكون هو كافرا، وهو إنما كفر هذا الرجل غيرة لله ؟
قلنا: إنه كفر حيث اتخذ نفسه مشرعا مع الله، وحكم على هذا بالكفر والله تعالى لم يكفره، فجعل نفسه ندا لله في التكفير، هذا من جهة،
стр. 191
ومن جهة أخرى: قد يطبع على قلبه والعياذ بالله، وتكون نهايته أن يكفر بالله كفرا صريحا واضحا، فالمسألة خطيرة جدا. فليس لنا أن نكفر من لم يكفره الله ورسوله.
كما أنه ليس لنا أن نحرم شيئا لم يحرمه الله ورسوله، ولا أن نبيح شيئا لم يبحه الله ورسوله، ولا نوجب شيئا لم يوجبه الله ورسوله.
ثم إن الأمر يكون أشد خطرا إذا نسب التكفير إلى ولاة الأمور - وولاة الأمور هم العلماء والأمراء - لقول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ (١)، وأولو الأمر كما قال علماء التفسير هم: العلماء والأمراء؛ لأن العلماء يتولون أمور المسلمين في بيان الشريعة والدعوة إليها، والأمراء يتولون أمور المسلمين في تنفيذ الشريعة وإلزام الناس بها.
فإذا وقع التكفير لهؤلاء فليس جناية عليهم لأشخاصهم، إذ هذا لا يضر بأشخاصهم، لأنهم يعرفون أنفسهم ولا يهمهم القول، وقد قيل أشد من هذا لمن هو أفضل بكثير من هؤلاء: قيل للأنبياء - ما أخبر الله عنه في قوله تعالى: ﴿كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون﴾ (٢).
وتكفير ولاة الأمور يتضمن مفسدتين عظيمتين: مفسدة شرعية، ومفسدة اجتماعية.
стр. 192
أما المفسدة الشرعية: فهي أن العلماء الذين أطلق عليهم الكفر لن ينتفع الناس بعلمهم، وعلى الأقل أن يحصل التشكيك أو الشك في أمورهم، وحينئذ يكون هذا الرجل الذي كفر العلماء يكون هادما للشريعة الإسلامية؛ لأن الشريعة الإسلامية تتلقى من العلماء؛ ولأن العلماء ورثة الأنبياء، والأنبياء لم يورثوا درهما ولا دينارا، إنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر من ميراثهم (١).
أما تكفير الأمراء فإنه يتضمن مفسدة اجتماعية عظيمة: وهي الفوضى والحروب الأهلية، التي لا يعلم مدى نهايتها إلا الله ، ولذلك فيجب الحذر من مثل هذا، ويجب على من سمع أحدا يطلق هذا القول أن ينصحه ويخوفه بالله ، ويقول له: إذا كنت ترى أن شيئا من الأفعال كفر من عالم من العلماء؛ فالواجب عليك أن تتصل به وأن تناقشه في الموضوع، حتى يتبين لك الأمر (٢)
стр. 193
جواب الشيخ المحدث ناصر الدين الألباني ﵀
سؤال: فضيلة الشيخ: لا يخفى عليكم ما احتوته الساحة الأفغانية في ذلك الوقت من الجماعات والفرق الضالة، التي كثرت في ذلك الحين في صفوفها، والتي استطاعت وللأسف أن تبث أفكارها الخارجة عن منهج السلف الصالح في شبابنا السلفي الذي كان يجاهد في أفغانستان، ومن هذه الأفكار تكفير الحكام، وإحياء السنن المهجورة، كالاغتيالات -كما يدعون- والآن وبعد رجوع الشباب السلفي إلى بلادهم بعد الجهاد؛ قام بعضهم ببث هذه الآراء والشبه بين الشباب في مجتمعاتهم، وعلمنا أنه قد حصل بينكم وبين أحد الإخوان مناقشة طويلة في مسألة التكفير، ولرداءة التسجيل لهذه المناقشة نود من فضيلتكم البيان في هذه المسألة، وجزاكم الله خيرا.
الجواب: إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أما بعد:
فالحقيقة أن مسالة التكفير -ليس فقط للحكام بل وللمحكومين أيضا- هي فتنة قديمة تبنتها فرقة من الفرق الإسلامية القديمة، وهي المعروفة " بالخوارج" والخوارج، طوائف مذكورة في كتب الفرق، وبعضها لا تزال موجودة الآن باسم آخر وهي: " الإباضية"، وهؤلاء الإباضية كانوا
стр. 194
إلى عهد قريب منطوين على أنفسهم، ليس لهم نشاط دعوي كما يقال اليوم، ولكن منذ بضع سنين بدءوا ينشطون وينشرون بعض الرسائل وبعض العقائد التي هي عين عقائد الخوارج القدامى، إلا أنهم يتسترون بخصلة من خصال الشيعة ألا وهي التقية، فهم يقولون نحن لسنا بالخوارج، وأنتم تعلمون جميعا أن الاسم لا يغير من حقائق المسميات إطلاقا، وهؤلاء يلتقون في جملة ما يلتقون مع الخوارج في تكفير أصحاب الكبائر؛ فالآن يوجد في بعض الجماعات الذين يلتقون مع دعوة الحق في اتباع الكتاب والسنة، والسبب في ذلك يعود إلى أمرين اثنين في فهمي ونقدي:
أحدهما: هو ضحالة العلم وقلة التفقه في الدين.
والأمر الآخر -وهو مهم جدا-: أنهم لم يتفقهوا بالقواعد الشرعية، والتي هي أساس الدعوة الإسلامية الصحيحة التي يعد كل من خرج عنها من تلك الفرق المنحرفة عن الجماعة التي أثنى عليها رسول الله ﷺ في غير ما حديث، بل والتي ذكرها ربنا ، وبين أن من خرج عنها يكون قد شاق الله ورسوله أعني بذلك قوله : ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: آية ١١٥]، فإن الله -لأمر واضح جدا عند أهل العلم- لم يقتصر على قوله: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾، وإنما أضاف إلى مشاقة الرسول اتباع غير سبيل المؤمنين فقال: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾.
стр. 195
إذا فاتباع سبيل المؤمنين أو عدم اتباع سبيل المؤمنين أمر هام جدا إيجابا وسلبا، فمن اتبع سبيل المؤمنين فهو الناجي عند رب العالمين، ومن خالف سبيل المؤمنين فحسبه جهنم وبئس المصير، من هنا ضلت طوائف كثيرة جدا قديما وحديثا؛ لأنهم لم يلتزموا سبيل المؤمنين، وإنما ركبوا عقولهم، بل اتبعوا أهواءهم في تفسير الكتاب والسنة، ثم بنوا على ذلك نتائج خطيرة جدا، وخرجوا بها عما عليه سلفنا الصالح، وهذه الفقرة من الآية الكريمة ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، أكدها ﵊ تأكيدا بالغا في غير ما حديث نبوي صحيح، وهذه الأحاديث التي أشير إليها الآن وسأذكر بعضا منها مما تساعدني عليه ذاكرتي، ليست مجهولة عند عامة المسلمين، فضلا عن خاصتهم، لكن المجهول فيها هو أنها تدل على ضرورة التزام سبيل المؤمنين في فهم الكتاب والسنة، ووجوب ذلك وتأكيده. وهذه النقطة يسهو عنها كثير من الخاصة فضلا عن هؤلاء الذين عرفوا بجماعة: (التكفير)، أو بعض أنواع الجماعات التي تنسب نفسها للجهاد، وهي في حقيقتها من فلول التكفير. فهؤلاء وأولئك قد يكونون في قرارة أنفسهم صالحين، ومخلصين، ولكن هذا وحده غير كاف ليكون صاحبه عند الله من الناجين المفلحين، إذ لا بد للمسلم أن يجمع بين أمرين: الإخلاص وحسن الاتباع لما كان عليه النبي ﷺ فلا يكفي إذا أن يكون المسلم مخلصا وجادا في ما هو في صدده من العمل بالكتاب والسنة والدعوة إليهما، بل لا بد -بالإضافة إلى ذلك- من أن يكون منهجه منهجا سويا سليما، فمن تلك الأحاديث المعروفة التي أشرت إليها حديث الفرق الثلاث والسبعين، وهو قوله
стр. 196
عليه الصلاة والسلام: " افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، فواحدة في الجنة وسبعون في النار، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، فإحدى وسبعون في النار وواحدة في الجنة، والذي نفس محمد بيده لتفترقن أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، واحدة في الجنة وثنتان وسبعون في النار. قيل: يا رسول الله من هم؟ قال: الجماعة" (١) وفي رواية: " ما أنا عليه وأصحابي " (٢)
فنجد أن جواب النبي ﷺ يلتقي تماما مع الآية السابقة ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، فأول ما يدخل في عموم الآية هم أصحاب الرسول ﵊، فلم يكتف الرسول ﷺ في الحديث بقوله: "ما أنا عليه .. " وقد يكون ذلك كافيا في الواقع للمسلم الذي يفهم حقا الكتاب والسنة، ولكنه ﵊ كتحقيق عملي لقوله ، في حقه أنه: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: آية ١٢٨]، فمن تمام رأفته وكمال رحمته بأصحابه وأتباعه:
أن أوضح لهم أن علامة الفرقة الناجية أن تكون على ما كان عليه الرسول ﵊ وعلى ما كان عليه أصحابه من بعده، فإذا لا يجوز أن يقتصر المسلمون عامة والدعاة خاصة في فهم الكتاب والسنة
стр. 197
على الوسائل التي لا بد منها: كمعرفة اللغة العربية، والناسخ والمنسوخ، وغير ذلك، بل لا بد أن يرجع قبل كل ذلك إلى ما كان عليه أصحاب النبي ﷺ لأنهم كما تبين من آثارهم، ومن سيرتهم أنهم كانوا أخلص لله ، في العبادة، وأفقه منا في الكتاب والسنة، إلى غير ذلك من الخصال الحميدة التي تخلقوا بها، ويشبه هذا الحديث تماما، من حيث ثمرته وفائدته- حديث الخلفاء الراشدين الذي ذكر في السنن من رواية العرباض بن سارية ﵁، حيث قال: وعظنا رسول الله ﷺ موعظة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا: كأنها موعظة مودع، فأوصنا يا رسول الله فقال: " عليكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن عبدا حبشيا، وسترون من بعدي اختلافا شديدا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم والأمور المحدثات، فإن كل بدعة ضلالة" (١) وذكر الحديث.
والشاهد من هذا الحديث، هو الشاهد من جوابه ﵊ عن السؤال السابق، حيث حض أمته في أشخاص أصحابه أن يتمسكوا بسنته، ثم لم يقتصر على ذلك بل قال: " وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي"، إذا لا بد لنا من أن ندندن دائما وأبدا حول هذا الأصل الأصيل إذا أردنا أن نفهم عقيدتنا، وأن نفهم أخلاقنا وسلوكنا، ولا محيد عن العودة إلى منهج سلفنا الصالح لفهم كل هذه الأمور التي لا بد
стр. 198
منها للمسلم، ليتحقق فيه أنه من الفرقة الناجية.
ومن هنا ضلت طوائف قديمة وحديثة حينما لم يلتفتوا إلى مدلول الآية السابقة، وإلى مغزى حديث سنة الخلفاء الراشدين، فكان أمرا طبيعيا جدا أن ينحرفوا كما انحرف من سبقهم عن كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ومنهج السلف الصالح، ومن هؤلاء المنحرفين: الخوارج قديما وحديثا، فإن أصل التكفير الذي ذكرناه في هذا الزمان هو آية يدندنون حولها، ألا وهي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: آية ٤٤]، ونعلم جميعا أن هذه الآية قد تكررت وجاءت خاتمتها بألفاظ ثلاثة: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧]، فمن تمام جهل الذين يحتجون بهذه الآية في اللفظ الأول منها ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، أنهم لم يلموا على الأقل ببعض النصوص التي جاء فيها ذكر لفظة الكفر، فأخذوها على أنها تعني الخروج من الدين، وأنه لا فرق بين الذي وقع في الكفر وبين أولئك المشركين من اليهود والنصارى وأصحاب الملل الأخرى الخارجة عن ملة الإسلام، بينما لفظة الكفر في لغة الكتاب والسنة لا تعني-دائما- هذا الذي يدندنون حوله، ويسلطون هذا الفهم الخاطئ على كثيرين وهم بريئون منه، فشأن لفظة "الكافرون" من حيث إنها لا تدل على معنى واحد شأن اللفظين الآخرين " الظالمون" و"الفاسقون" فكما أن من وصف أنه ظالم أو فاسق لا يعني بالضرورة أنه مرتد عن دينه، فكذلك من وصف بأنه كافر سواء
стр. 199
بسواء. وهذا التنوع في معنى اللفظ الواحد هو الذي تدل عليه اللغة ثم الشرع الذي جاء بلغة العرب: لغة القرآن الكريم، فمن أجل ذلك كان الواجب على كل من يتصدى لإصدار الأحكام على المسلمين -سواء كانوا حكاما أو محكومين- أن يكون: على علم بالكتاب والسنة على ضوء منهج السلف الصالح، والكتاب والسنة لا يمكن فهمهما -وكذلك ما ضم إليهما- إلا بطريق اللغة العربية وآدابها، فإن مما يساعده في استدراك ذلك الرجوع إلى فهم من قبله من الأئمة والعلماء، خاصة إذا كانوا من أهل القرون الثلاثة المشهود لها بالخيرية.
نعود الآن إلى هذه الآية: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، فما المراد بالكفر فيها؟ هل هو الخروج عن الملة أو غير ذلك؟
هنا الدقة في فهم هذه الآية، فإنها قد تعني الكفر العملي، وهو الخروج بالأعمال عن بعض أحكام الإسلام، ويساعدنا في هذا الفهم حبر الأمة وترجمان القرآن ألا وهو عبد الله بن عباس ﵄، لأنه من الصحابة الذين اعترف المسلمون جميعا إلا من كان من تلك الفرق الضالة- على أنه إمام فريد في التفسير، وكأنه طرق سمعه يومئذ ما نسمعه اليوم تماما، أن هناك أناسا يفهمون الآية على ظاهرها دون تفصيل، فقال ﵁: " ليس الكفر الذي تذهبون إليه، إنه ليس كفرا ينقل عن الملة، هو كفر دون كفر" (١) ولعله يعني بذلك الخوارج الذين خرجوا على
стр. 200
أمير المؤمنين علي ﵁، ثم كان من عواقب ذلك أنهم سفكوا دماء المؤمنين، وفعلوا فيهم ما لم يفعلوا بالمشركين، فقال ليس الأمر كما قالوا أو ظنوا، وإنما هو كفر دون كفر، هذا الجواب المختصر الواضح من ترجمان القرآن في تفسير هذه الآية هو الذي لا يمكن أن يفهم سواه من النصوص التي ألمحت إليها آنفا في مطلع كلمتي هذه (١).
стр. 201
ثم إن كلمة الكفر ذكرت في كثير من النصوص القرآنية والحديثية ولا يمكن أن تفسر على أنها تساوي الخروج من الملة، ومن ذلك مثلا الحديث المعروف في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : " سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" (١)
فالكفر هنا هو المعصية، وهو الخروج عن الطاعة، لكن الرسول ﵊ باعتبار أنه أفصح من نطق بالضاد تفنن في التعبير بقصد المبالغة في الزجر فقال: " سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" (٢).
ومن ناحية أخرى فهل يمكن أن نفسر الفقرة الأولى من هذا الحديث " سباب المسلم فسوق" بالفسق المذكور في اللفظ الثالث في الآية: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧]؟
الجواب: قد يكون فسقا مرادفا للكفر الذي بمعنى الخروج عن الملة، وقد يكون الفسق مرادفا للكفر الذي لا يعني الخروج عن الملة، وإنما يعني ما قاله ترجمان القرآن أنه كفر دون كفر، وهذا الحديث يؤكد أن الكفر قد يكون بهذا المعنى، لماذا؟
стр. 202
لأن الله ، ذكر في القرآن الكريم الآية: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: آية ٩] إذ قد ذكر هنا ربنا ، الفرقة الباغية التي تقاتل الفرقة المحقة المؤمنة، ومع ذلك فما حكم عليها بالكفر مع أن الحديث يقول: " ... قتاله كفر ".
إذا فقتاله كفر دون كفر كما قال ابن عباس في تفسير الآية السابقة، فقتال المسلم للمسلم بغي واعتداء، وفسق وكفر، ولكن هذا يعني أن الكفر قد يكون كفرا عمليا، وقد يكون كفرا اعتقاديا، من هنا جاء هذا التفصيل الدقيق الذي تولى بيانه وشرحه الإمام بحق شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وتولى ذلك من بعده تلميذه البار ابن قيم الجوزية، حيث لهما الفضل في الدندنة على تقسيم الكفر إلى ذلك التقسيم الذي رفع رايته ترجمان القرآن بتلك الكلمة الجامعة الموجزة، فابن تيمية ﵀ وتلميذه وصاحبه ابن قيم الجوزية يدندنان دائما حول ضرورة التفريق بين الكفر الاعتقادي والكفر العملي، وإلا وقع المسلم من حيث لا يدري في فتنة الخروج عن جماعة المسلمين التي وقع فيها الخوارج قديما وبعض أذنابهم حديثا.
فإذا قوله ﷺ : " فقتاله كفر" لا يعني -مطلقا- الخروج عن الملة. والأحاديث في هذا كثيرة جدا لو جمعها المتتبع لخرج منها برسالة نافعة في الحقيقة، فيها حجة دامغة على أولئك الذين يقفون عند فهمهم القاصر للآية السابقة، ويلتزمون بتفسيرها بالكفر الاعتقادي، فحسبنا الآن هذا
стр. 203
الحديث؛ لأنه دليل قاطع على أن قتال المسلم لأخيه المسلم هو كفر بمعنى الكفر العملي، وليس الكفر الاعتقادي.
فإذا عدنا إلى جماعة التكفير، أو من تفرع عنهم -وإطلاقهم على الحكام وعلى من يعيشون تحت إمرتهم- بالأولى- وينتظمون تحت إمرتهم وتوظيفهم، فوجهة نظرهم هي أن هؤلاء ارتكبوا المعاصي فكفروا بذلك.
ومن جملة الأمور التي يذكرني بها السائل آنفا أنني التقيت ببعض أولئك الذين كانوا من جماعة التكفير ثم هداهم الله ، فقلت لهم: ها أنتم كفرتم بعض الحكام، فما بالكم مثلا تكفرون أئمة المساجد، وخطباء المساجد، ومؤذني المساجد وخدمة المساجد؟ وما بالكم تكفرون أساتذة العلم الشرعي في المدارس وغيرها؟
قالوا: لأن هؤلاء رضوا بحكم الذين يحكمون بغير ما أنزل الله.
فأقول: إذا كان هذا الرضى رضى قلبيا بالحكم بغير ما أنزل الله فحينئذ ينقلب الكفر العملي إلى كفر اعتقادي، فأي حاكم يحكم بغير ما أنزل الله وهو يرى أن هذا الحكم هو الحكم اللائق بتبنيه في هذا العصر، وأنه لا يليق تبنيه للحكم الشرعي المنصوص في الكتاب والسنة، لا شك أن هذا الحاكم يكون كفره كفرا اعتقاديا وليس كفرا عمليا، ومن رضي مثله أيضا فيلحق به، فأنتم أولا لا تستطيعون أن تحكموا على كل حاكم يحكم
стр. 204
بالقوانين الغربية الكافرة أو بكثير منها أنه لو سئل عن الحكم بغير ما أنزل الله؟! لأجاب: بأن الحكم بهذه القوانين هو الحق والصالح في هذا العصر، وأنه لا يجوز الحكم بالإسلام؛ لأنهم لو قالوا ذلك لصاروا كفارا دون شك ولا ريب، فإذا انتقلنا إلى المحكومين وفيهم العلماء، وفيهم الصالحون .. إلخ، فكيف تحكمون عليهم بالكفر بمجرد أن تروهم يعيشون تحت حكم يشملهم كما يشملكم أنتم تماما؟ ولكنكم تعلنون أن هؤلاء كفار بمعنى مرتدين، والحكم بما أنزل الله هو الواجب، ثم تقولون معتذرين لأنفسكم: إن مخالفة الحكم الشرعي بمجرد العمل لا يستلزم الحكم على هذا العامل بأنه مرتد عن دينه. وهذا عين ما يقوله غيركم، سوى أنكم تزيدون عليهم -بغير حق- الحكم بالتكفير والردة.
ومن جملة المناقشات التي توضح خطأهم وضلالهم قلنا لهم: متى يحكم على المسلم الذي يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وقد يصلي كثيرا أو قليلا، متى يحكم عليه بأنه ارتد عن دينه؟ أيكفي مرة واحدة، أو أنه يجب أن يعلن بلسان حاله أو بلسان مقاله أنه مرتد عن الدين؟
كانوا كما يقال لا يحيرون جوابا، فأضطر لأن أضرب لهم المثل التالي:
أقول: قاض يحكم بالشرع، هكذا عادته ونظامه، لكنه في حكومة واحدة زلت به القدم فحكم بما يخالف الشرع، هل هذا حكم بغير ما أنزل الله أو لا؟
قالوا: لا.
قلنا: لم؟ قالوا: لأن هذا صدر منه مرة واحدة، قلنا:
стр. 205
حسن، صدر نفس الحكم مرة ثانية، أو حكم آخر لكنه خالف الشرع أيضا، فهل كفر؟ أخذت أكرر عليهم ثلاث مرات، أربع مرات، متى تقولون أنه كفر؟ لن يستطيعوا أن يضعوا حدا بتعداد أحكامه التي خالف فيها الشرع، ثم لا يكفرونه بها. في حين يستطيعون عكس ذلك تماما إذا علم منه أنه في الحكم الأول استحسن الحكم بغير ما أنزل الله -مستحلا له- واستقبح الحكم الشرعي، فساعتئذ يكون الحكم عليه بالردة صحيحا ومن المرة الأولى.
وعلى العكس من ذلك لو رأيت منه عشرات الحكومات في القضايا المتعددة خالف فيها الشرع، وإذا سألته لماذا حكمت بغير ما أنزل الله ؟ فرد قائلا: خفت وخشيت على نفسي، أو ارتشيت مثلا، وهذا أسوأ من الأول بكثير، فلا تستطيع أن تقول بكفره حتى يعرب عما في قلبه بأنه لا يرى الحكم بما أنزل الله ، وحينئذ فقط تستطيع أن تقول إنه كافر كفر ردة.
وخلاصة الكلام الآن أنه لا بد من معرفة أن الكفر كالفسق والظلم ينقسم إلى قسمين:
كفر وفسق وظلم يخرج عن الملة، وكل ذلك يعود إلى الاستحلال القلبي.
وخلاف ذلك يعود إلى الاستحلال العملي.
فكل المعاصي -بخاصة ما فشا في هذا الزمان من استحلال عملي للربا والزنا وشرب الخمر وغيرها- كل هذا كفر عملي.
فلا يجوز أن نكفر العصاة لمجرد ارتكابهم معصية واستحلالهم إياها
стр. 206
عمليا إلا إذا بدا لنا منهم ما يكشف لنا عما في قرارة نفوسهم أنهم لا يحرمون ما حرم الله ورسوله "عقيدة"، فإذا عرفنا أنهم وقعوا في هذه المخالفة القلبية حكمنا حينئذ بأنهم كفروا كفر ردة، أما إذا لم نعلم ذلك فلا سبيل لنا إلى الحكم بكفرهم لأننا نخشى أن نقع في وعيد قوله ﵊: " أيما امرئ قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما إن كان كما قال وإلا رجعت عليه" (١)، والأحاديث الواردة في هذا المعنى كثيرة جدا، ونذكر بهذه المناسبة بقصة ذلك الصحابي الذي قاتل أحد المشركين فلما رأى المشرك أنه صار تحت ضربة سيف المسلم الصحابي قال: "أشهد أن لا إله إلا الله"، فما بالاها الصحابي فقتله، فلما بلغ خبره النبي ﷺ أنكر عليه ذلك أشد الإنكار، فاعتذر الصحابي بأنه ما قالها إلا خوفا من القتل، وكان جوابه ﷺ : " هلا شققت عن قلبه" (٢).
إذا الكفر الاعتقادي ليس له علاقة بالعمل، له علاقة بالقلب، ونحن لا نستطيع أن نعلم ما في قلب الفاسق والفاجر والسارق والزاني والمرابي ... إلخ، إلا إذا عبر عما في قلبه بلسانه، أما عمله فينبئ أنه خالف الشرع مخالفة عملية، فنحن نقول: إنك خالفت، وإنك فسقت وفجرت، لكن لا نقول: إنك كفرت وارتددت عن دينك، حتى يظهر منه شيء يكون لنا عذرا عند الله ، في الحكم بردته، وبالتالي الحكم المعروف
стр. 207
في الإسلام ألا وهو قوله ﵊: "من بدل دينه فاقتلوه" (١).
ثم قلت -وما أزال أقول- لهؤلاء الذين يدندنون حول تكفير حكام المسلمين: هبوا أن هؤلاء كفار كفر ردة، وأنهم لو كان هناك حاكم أعلى عليهم واكتشف منهم أن كفرهم كفر ردة لوجب على ذلك الحاكم أن يطبق فيهم الحد؛ فالآن ما تستفيدون أنتم من الناحية العملية إذا سلمنا جدلا أن كل هؤلاء الحكام كفار كفر ردة؟ ماذا يمكن أن تعملوه؟ هؤلاء الكفار احتلوا من بلاد الإسلام، ونحن هنا مع الأسف ابتلينا باحتلال اليهود لفلسطين؛ فماذا نستطيع نحن وأنتم أن نعمل مع هؤلاء حتى تقفوا أنتم -وحدكم- ضد أولئك الحكام الذين تظنون أنهم من الكفار؟ (٢).
стр. 208
هلا تركتم هذه الناحية جانبا وبدأتم بتأسيس القاعدة التي على أساسها تقوم قائمة الحكومة المسلمة، وذلك باتباع سنة رسول الله ﷺ التي ربى أصحابه عليها ونشأهم على نظامها وأساسها، وذلك ما نعبر عنه في كثير من مثل هذه المناسبة بأنه لا بد لكل جماعة مسلمة من العمل بحق لإعادة حكم الإسلام ليس فقط على أرض الإسلام بل على الأرض كلها تحقيقا لقوله ﵎: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [الصف: آية ٩].
وقد جاء في بعض الأحاديث الصحيحة أن هذه الآية ستحقق فيما بعد؛ فلكي يتمكن المسلمون من تحقيق هذا النص القرآني هل يكون الطريق بإعلان ثورة على هؤلاء الحكام الذين يظنون أن كفرهم كفر ردة.
ثم مع ظنهم هذا -وهو ظن خاطئ- لا يستطيعون أن يعملوا شيئا، ما هو المنهج؟ وما هو الطريق؟ لا شك أن الطريق هو ما كان رسول الله ﷺ يدندن حوله ويذكر أصحابه به في كل خطبة: " وخير الهدي هدي محمد ﷺ " (١).
فعلى المسلمين كافة وبخاصة منهم من يهتم بإعادة الحكم الإسلامي
стр. 209
أن يبدأ من حيث بدأ رسول الله ﷺ وهو ما نكني نحن عنه بكلمتين خفيفتين: " التصفية والتربية" ذلك لأننا نحن نعلم حقيقة يغفل عنها أو يتغافل عنها في الأصح أولئك "الغلاة" الذين ليس لهم إلا إعلان تكفير الحكام، ثم لا شيء وسيظلون يعلنون تكفير الحكام ثم لا يصدر منهم إلا "الفتن" والواقع في هذه السنوات الأخيرة التي تعلمونها بدءا من فتنة الحرم المكي إلى فتنة مصر وقتل السادات وذهاب دماء كثيرة من المسلمين الأبرياء بسبب هذه الفتنة ثم أخيرا في سوريا ثم الآن في مصر، والجزائر مع الأسف، كل هذا بسبب أنهم خالفوا كثيرا من نصوص الكتاب والسنة وأهمها: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: آية ٢١].
إذا أردنا أن نقيم حكم الله في الأرض هل نبدأ بقتال الحكام ونحن لا نستطيع أن نقاتلهم؟ أم نبدأ بما بدأ به الرسول ﵊؟ لا شك أن الجواب: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾.
ولكن؛ بماذا بدأ رسول الله ﷺ ؟ تعلمون أنه بدأ بالدعوة بين الأفراد الذين كان يظن فيهم الاستعداد لتقبل الحق، ثم استجاب له من استجاب كما هو معروف في السيرة النبوية، ثم التعذيب والشدة التي أصابت المسلمين في مكة، ثم الأمر بالهجرة الأولى والثانية إلى آخر ما هنالك، حتى وطد الله ، الإسلام في المدينة المنورة، وبدأت هناك المناوشات، وبدأ القتال بين المسلمين والكفار من جهة، ثم اليهود من جهة أخرى، إذا لا بد أن نبدأ نحن بتعليم الناس الإسلام كما بدأ الرسول عليه
стр. 210
الصلاة والسلام؛ لكن نحن الآن لا نقتصر على مجرد التعليم فقط، لأنه دخل الإسلام ما ليس منه، وما لا يمت إليه بصلة من البدع والمحدثات، مما كان سببا في تهدم الصرح الإسلامي، فلذلك كان من الواجب على الدعاة أن يبدءوا بتصفية هذا الإسلام مما دخل فيه، والشيء الثاني أن يقترن مع هذه التصفية تربية الشباب المسلم الناشئ على هذا الإسلام المصفى.
ونحن إذا درسنا الجماعات الإسلامية القائمة الآن منذ نحو قرابة قرن من الزمان أفكارها وممارساتها، لوجدنا الكثير منهم لم يستفيدوا ولم يفيدوا شيئا يذكر، رغم صياحهم ورغم ضجيجهم بأنهم يريدونها حكومة إسلامية، فسفكوا دماء أبرياء كثيرين بهذه الحجة الواهية دون أن يحققوا من ذلك شيئا، فلا نزال نسمع منهم العقائد المخالفة للكتاب والسنة، والأعمال المنافية للكتاب والسنة.
وبهذه المناسبة نقول: هنالك كلمة لأحد الدعاة كنت أتمنى من أتباعه أن يلتزموها وأن يحققوها، وهي " أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم تقم لكم على أرضكم"؛ لأن المسلم إذا صحح عقيدته بناء على الكتاب والسنة فلا شك أنه من وراء ذلك ستصلح عبادته وستصلح أخلاقه وسلوكه .. إلخ، لكن هذه الكلمة الطيبة مع الأسف لم يعمل بها هؤلاء الناس، فظلوا يصيحون بإقامة الدولة المسلمة دون جدوى، وصدق فيهم قول ذلك الشاعر:
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها ... إن السفينة لا تجري على اليبس
لعل في هذا الذي ذكرته كفاية جوابا على هذا السؤال (١).
стр. 211
تعقيب سماحة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن باز- ﵀ -
الحمد لله، الصلاة السلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:
فقد اطلعت على الجواب المفيد القيم، الذي تفضل به صاحب الفضيلة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني وفقه الله، المنشور في صحيفة المسلمون، الذي أجاب به فضيلته من سأله عن "تكفير من حكم بغير ما أنزل الله من غير تفصيل" فألفيتها كلمة قيمة أصاب فيها الحق، وسلك فيها سبيل المؤمنين، وأوضح -وفقه الله- أنه لا يجوز لأحد من الناس أن يكفر من حكم بغير ما أنزل الله بمجرد الفعل من دون أن يعلم أنه استحل ذلك بقلبه، واحتج بما جاء في ذلك عن ابن عباس ﵄ وعن غيره من سلف الأمة.
ولا شك أن ما ذكره في جوابه في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: آية ٤٤]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: آية ٤٥]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: آية ٤٧]، هو الصواب، وقد أوضح -وفقه الله- أن الكفر كفران: أكبر وأصغر، كما أن الظلم ظلمان، وهكذا الفسق فسقان، أكبر وأصغر.
فمن استحل الحكم بغير ما أنزل الله أو الزنى أو الربا أو غيرها من المحرمات المجمع على تحريمها فقد كفر كفرا أكبر، وظلم ظلما أكبر،
стр. 212
وفسق فسقا أكبر، ومن فعلها بدون استحلال كان كفره كفرا أصغر، وظلمه ظلما أصغر، وهكذا فسقه؛ لقول النبي ﷺ في حديث ابن مسعود ﵁: "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" (١)، أراد بهذا ﷺ الفسق الأصغر والكفر الأصغر، وأطلق العبارة تنفيرا من هذا العمل المنكر، وهكذا قوله ﷺ : "اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة للميت" أخرجه مسلم في "صحيحه" (٢).
وقوله ﷺ : " لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض" (٣) والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.
فالواجب على كل مسلم ولا سيما أهل العلم التثبت في الأمور والحكمة فيها على ضوء الكتاب والسنة وطريق سلف الأمة، والحذر من السبيل الوخيم الذي سلكه الكثير من الناس لإطلاق الأحكام وعدم التفصيل، وعلى أهل العلم أن يعتنوا بالدعوة إلى الله سبحانه بالتفصيل، وإيضاح الإسلام للناس بأدلته من الكتاب والسنة، وترغيبهم في الاستقامة عليه، والتواصي والنصح في ذلك، مع الترهيب من كل ما يخالف أحكام الإسلام، وبذلك يكونون قد سلكوا مسلك النبي ﷺ ومسلك خلفائه الراشدين، وصحابته المرضيين في إيضاح سبيل الحق والإرشاد إليه والتحذير مما يخالفه عملا بقول الله سبحانه:
стр. 213
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: آية ٣٣] وقوله : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: آية ١٠٨] وقوله سبحانه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: آية١٢٥] وقول النبي ﷺ : " من دل على خير فله مثل أجر فاعله " (١) وقوله ﷺ : " من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا "، أخرجه مسلم في "صحيحه" (٢).
وقول النبي ﷺ لعلي ﵁ لما بعثه إلى اليهود في خيبر: "ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لك حمر النعم"، متفق على صحته (٣).
وقد مكث النبي ﷺ في مكة ثلاث عشرة سنة يدعو الناس إلى توحيد الله والدخول في الإسلام بالنصح والحكمة والصبر والأسلوب الحسن، حتى هدى الله على يد أصحابه من سبقت له السعادة، ثم هاجر إلى المدينة عليه
стр. 214
الصلاة والسلام، واستمر في دعوته إلى الله سبحانه هو وأصحابه ﵃ بالحكمة والموعظة الحسنة، والصبر والجدال بالتي هي أحسن، حتى شرع الله له الجهاد بالسيف للكفار، فقام بذلك ﵊ هو وأصحابه ﵃ أكمل قيام؛ فأيدهم الله ونصرهم وجعل لهم العاقبة الحميدة، وهكذا يكون النصر وحسن العاقبة لمن تبعهم بإحسان وسار على نهجهم إلى يوم القيامة.
والله المسؤول أن يجعلنا وسائر إخواننا في الله من أتباعهم بإحسان وأن يرزقنا وجميع إخواننا الدعاة إلى الله البصيرة النافذة، والعمل الصالح، والصبر على الحق حتى نلقاه سبحانه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين (١).
стр. 215
تعليق فضيلة الشيخ العلامة محمد بن صالح بن عثيمين
على كلام الشيخين ابن باز والألباني ﵏
الذي فهم من كلام الشيخين: أن الكفر لمن استحل ذلك، وأما من حكم على أنه معصية ومخالفة: فهذا ليس بكافر؛ لأنه لم يستحله، لكن قد يكون خوفا أو عجزا، أو ما أشبه ذلك، وعلى هذا فتكون الآيات الثلاث منزلة على أحوال ثلاث:
من حكم بغير ما أنزل الله: مستبدلا به دين الله، فهذا كفر أكبر مخرج عن الملة؛ لأنه جعل نفسه مشرعا مع الله .
من حكم بغير ما أنزل الله لهوى في نفسه، أو خوفا عليها، أو ما أشبه ذلك فهذا لا يكفر، ولكنه ينتقل إلى الفسق.
من حكم بغير ما أنزل الله عدوانا وظلما، وهذا لا يتأتى في حكم القوانين، ولكن يتأتى في حكم خاص، مثل أن يحكم على إنسان بغير ما أنزل الله لينتقم منه فهذا يقال إنه ظالم. فتنزل الأوصاف على حسب الأحوال.
ومن العلماء من قال: إنها أوصاف لموصوف واحد وأن كل كافر ظالم وكل كافر فاسق، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، وبقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ وهذا هو الفسق الأكبر ومهما كان الأمر، فكما أشار الشيخ الألباني وفقه الله ورحمه أيضا في الدنيا والآخرة أن الإنسان ينظر ماذا تكون النتيجة ليست المسألة نظرية،