تعقيب سماحة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن باز- ﵀ -
الحمد لله، الصلاة السلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:
فقد اطلعت على الجواب المفيد القيم، الذي تفضل به صاحب الفضيلة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني وفقه الله، المنشور في صحيفة المسلمون، الذي أجاب به فضيلته من سأله عن "تكفير من حكم بغير ما أنزل الله من غير تفصيل" فألفيتها كلمة قيمة أصاب فيها الحق، وسلك فيها سبيل المؤمنين، وأوضح -وفقه الله- أنه لا يجوز لأحد من الناس أن يكفر من حكم بغير ما أنزل الله بمجرد الفعل من دون أن يعلم أنه استحل ذلك بقلبه، واحتج بما جاء في ذلك عن ابن عباس ﵄ وعن غيره من سلف الأمة.
ولا شك أن ما ذكره في جوابه في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: آية ٤٤]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: آية ٤٥]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: آية ٤٧]، هو الصواب، وقد أوضح -وفقه الله- أن الكفر كفران: أكبر وأصغر، كما أن الظلم ظلمان، وهكذا الفسق فسقان، أكبر وأصغر.
فمن استحل الحكم بغير ما أنزل الله أو الزنى أو الربا أو غيرها من المحرمات المجمع على تحريمها فقد كفر كفرا أكبر، وظلم ظلما أكبر،
стр. 212
وفسق فسقا أكبر، ومن فعلها بدون استحلال كان كفره كفرا أصغر، وظلمه ظلما أصغر، وهكذا فسقه؛ لقول النبي ﷺ في حديث ابن مسعود ﵁: "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" (١)، أراد بهذا ﷺ الفسق الأصغر والكفر الأصغر، وأطلق العبارة تنفيرا من هذا العمل المنكر، وهكذا قوله ﷺ : "اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة للميت" أخرجه مسلم في "صحيحه" (٢).
وقوله ﷺ : " لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض" (٣) والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.
فالواجب على كل مسلم ولا سيما أهل العلم التثبت في الأمور والحكمة فيها على ضوء الكتاب والسنة وطريق سلف الأمة، والحذر من السبيل الوخيم الذي سلكه الكثير من الناس لإطلاق الأحكام وعدم التفصيل، وعلى أهل العلم أن يعتنوا بالدعوة إلى الله سبحانه بالتفصيل، وإيضاح الإسلام للناس بأدلته من الكتاب والسنة، وترغيبهم في الاستقامة عليه، والتواصي والنصح في ذلك، مع الترهيب من كل ما يخالف أحكام الإسلام، وبذلك يكونون قد سلكوا مسلك النبي ﷺ ومسلك خلفائه الراشدين، وصحابته المرضيين في إيضاح سبيل الحق والإرشاد إليه والتحذير مما يخالفه عملا بقول الله سبحانه:
стр. 213
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: آية ٣٣] وقوله : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: آية ١٠٨] وقوله سبحانه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: آية١٢٥] وقول النبي ﷺ : " من دل على خير فله مثل أجر فاعله " (١) وقوله ﷺ : " من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا "، أخرجه مسلم في "صحيحه" (٢).
وقول النبي ﷺ لعلي ﵁ لما بعثه إلى اليهود في خيبر: "ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لك حمر النعم"، متفق على صحته (٣).
وقد مكث النبي ﷺ في مكة ثلاث عشرة سنة يدعو الناس إلى توحيد الله والدخول في الإسلام بالنصح والحكمة والصبر والأسلوب الحسن، حتى هدى الله على يد أصحابه من سبقت له السعادة، ثم هاجر إلى المدينة عليه
стр. 214
الصلاة والسلام، واستمر في دعوته إلى الله سبحانه هو وأصحابه ﵃ بالحكمة والموعظة الحسنة، والصبر والجدال بالتي هي أحسن، حتى شرع الله له الجهاد بالسيف للكفار، فقام بذلك ﵊ هو وأصحابه ﵃ أكمل قيام؛ فأيدهم الله ونصرهم وجعل لهم العاقبة الحميدة، وهكذا يكون النصر وحسن العاقبة لمن تبعهم بإحسان وسار على نهجهم إلى يوم القيامة.
والله المسؤول أن يجعلنا وسائر إخواننا في الله من أتباعهم بإحسان وأن يرزقنا وجميع إخواننا الدعاة إلى الله البصيرة النافذة، والعمل الصالح، والصبر على الحق حتى نلقاه سبحانه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين (١).
стр. 215
تعليق فضيلة الشيخ العلامة محمد بن صالح بن عثيمين
على كلام الشيخين ابن باز والألباني ﵏
الذي فهم من كلام الشيخين: أن الكفر لمن استحل ذلك، وأما من حكم على أنه معصية ومخالفة: فهذا ليس بكافر؛ لأنه لم يستحله، لكن قد يكون خوفا أو عجزا، أو ما أشبه ذلك، وعلى هذا فتكون الآيات الثلاث منزلة على أحوال ثلاث:
من حكم بغير ما أنزل الله: مستبدلا به دين الله، فهذا كفر أكبر مخرج عن الملة؛ لأنه جعل نفسه مشرعا مع الله .
من حكم بغير ما أنزل الله لهوى في نفسه، أو خوفا عليها، أو ما أشبه ذلك فهذا لا يكفر، ولكنه ينتقل إلى الفسق.
من حكم بغير ما أنزل الله عدوانا وظلما، وهذا لا يتأتى في حكم القوانين، ولكن يتأتى في حكم خاص، مثل أن يحكم على إنسان بغير ما أنزل الله لينتقم منه فهذا يقال إنه ظالم. فتنزل الأوصاف على حسب الأحوال.
ومن العلماء من قال: إنها أوصاف لموصوف واحد وأن كل كافر ظالم وكل كافر فاسق، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، وبقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ وهذا هو الفسق الأكبر ومهما كان الأمر، فكما أشار الشيخ الألباني وفقه الله ورحمه أيضا في الدنيا والآخرة أن الإنسان ينظر ماذا تكون النتيجة ليست المسألة نظرية،
стр. 216
لكن المهم التطبيق العملي، ما هي النتيجة؟ (١).
وقال- ﵀ جوابا على سؤال:
من سوء الفهم: قول من نسب لشيخ الإسلام ابن تيمية أنه قال: إذا أطلق الكفر فإنما يراد به كفر أكبر، مستدلا بهذا القول على التكفير بآية: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ مع أنه ليس في الآية أن هذا هو الكفر.
وأما القول الصحيح عن شيخ الإسلام: فهو تفريقه ﵀ بين (الكفر) المعرف بـ (أل) وبين (كفر) منكرا، فأما الوصف فيصلح أن نقول فيه: (هؤلاء كافرون)، أو (هؤلاء الكافرون)، بناء على ما اتصفوا به من الكفر الذي لا يخرج من الملة، ففرق بين أن يوصف الفعل، وأن يوصف الفاعل.
وعليه، فإنه بتأويلنا لهذه الآية على ما ذكر: نحكم بأن الحكم بغير ما أنزل الله ليس بكفر مخرج عن الملة، لكنه كفر عملي؛ لأن الحاكم بذلك خرج عن الطريق الصحيح ولا يفرق في ذلك بين الرجل الذي يأخذ قانونا وضعيا من قبل غيره ويحكمه في دولته، وبين من ينشئ قانونا ويضع هذا القانون الوضعي، إذ المهم هو: هل هذا القانون يخالف القانون السماوي أم لا؟
(٢).
стр. 217
مقال فضيلة الشيخ/ صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان
الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا، محمد وآله وصحبه، وبعد:
فلا شك أن توفر الأمن مطلب ضروري، والإنسانية أحوج إليه من حاجتها إلى الطعام والشراب، ولذا قدمه إبراهيم ﵊ في دعائه على الرزق فقال: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ لأن الناس لا يهنئون بالطعام والشراب مع وجود الخوف، ولأن الخوف تنقطع معه السبل، التي بواسطتها تنقل الأرزاق من بلد لآخر، ولذلك رتب الله على قطاع الطرق أشد العقوبات فقال: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾
وجاء الإسلام بحفظ الضروريات الخمس، وهي الدين، والنفس، والعقل، والعرض، والمال، ورتب حدودا صارمة في حق من يعتدي على هذه الضرورات، سواء كانت هذه الضرورات لمسلمين أو معاهدين، فالكافر المعاهد له ما للمسلم، وعليه ما على المسلم؛ قال النبي ﷺ : " من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة" (١)، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾.
стр. 218
وإذا خاف المسلمون من المعاهدين خيانة للعهد؛ لم يجز لهم أن يقاتلوهم حتى يعلموهم بإنهاء العهد الذي بينهم، ولا يفاجئوهم بالقتال بدون إعلام، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾.
والذين يدخلون تحت عهد المسلمين من الكفار ثلاثة أنواع:
المستأمن: وهو الذي يدخل بلاد المسلمين بأمان منهم، لأداء مهمة ثم يرجع إلى بلده بعد إنهائها.
والمعاهد: الذي يدخل تحت صلح بين المسلمين والكفار، وهذا يؤمن حتى ينتهي العهد الذي بين الفئتين، ولا يجوز لأحد أن يعتدي عليه كما لا يجوز له أن يعتدي على أحد من المسلمين.
والذمي: الذي يدفع الجزية للمسلمين ويدخل تحت حكمهم.
والإسلام يكفل لهؤلاء الأنواع من الكفار الأمن على دمائهم وأموالهم وأعراضهم، ومن اعتدى عليهم فقد خان الإسلام، واستحق العقوبة الرادعة.
والعدل واجب مع المسلمين ومع الكفار، حتى لو لم يكونوا معاهدين أو مستأمنين أو أهل ذمة قال تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾ وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾.
والذين يعتدون على الآمن: إما أن يكونوا خوارج، أو قطاع طرق، أو
стр. 219
بغاة وكل من هذه الأصناف الثلاثة يتخذ معه الإجراء الصارم، الذي يوقفه عند حده، ويكف شره عن المسلمين والمستأمنين والمعاهدين وأهل الذمة.
فهؤلاء الذين يقومون بالتفجير في أي مكان، ويتلفون الأنفس المعصومة، والأموال المحترمة -لمسلمين أو معاهدين- ويرملون النساء، وييتمون الأطفال، هم من الذين قال الله فيهم: ﴿ومِن النّاسِ منْ يُعْجِبُك قوْلُهُ فِي الْحياةِ الدُّنْيا ويُشْهِدُ الله على ما فِي قلْبِهِ وهُو ألدُّ الْخِصامِ﴾ ﴿وإِذا تولّى سعى فِي الْأرْضِ لِيُفْسِد فِيها ويُهْلِك الْحرْث والنّسْل واللهُ لا يُحِبُّ الْفساد﴾ ﴿وإِذا قِيل لهُ اتّقِ الله أخذتْهُ الْعِزّةُ بِالْإِثْمِ فحسْبُهُ جهنّمُ ولبِئْس الْمِهادُ﴾.
ومن العجيب أن هؤلاء المعتدين الخارجين على حكم الإسلام يسمون عملهم هذا جهادا في سبيل الله، وهذا من أعظم الكذب على الله، فإن الله جعل هذا فسادا ولم يجعله جهادا، ولكن لا نعجب حينما نعلم أن سلف هؤلاء من الخوارج كفروا الصحابة، وقتلوا عثمان وعليا ﵄، وهما من الخلفاء الراشدين ومن العشرة المبشرين بالجنة قتلوهما، وسموا هذا جهادا في سبيل الله، وإنما هو جهاد في سبيل الشيطان، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾ ولا يحمل الإسلام فعلهم هذا كما يقول أعداء الإسلام -من الكفار والمنافقين- إن دين الإسلام دين إرهاب، ويحتجون بفعل هؤلاء المجرمين، فإن فعلهم هذا ليس من الإسلام، ولا يقره إسلام ولا دين، إنما هو فكر خارجي قد حث النبي ﷺ على قتل
стр. 220
أصحابه، وقال " أينما لقيتموهم فاقتلوهم " (١) ووعد بالأجر الجزيل لمن قتلهم، وإنما يقاتلهم ولي أمر المسلمين، كما قاتلهم الصحابة بقيادة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁.
وبعض المنافقين أو الجهال يزعم أن مدارس المسلمين هي التي علمتهم هذا الفكر، وأن مناهج التدريس تتضمن هذا الفكر المنحرف، ويطالبون بتغيير مناهج التعليم.
ونقول: إن أصحاب هذا الفكر لم يتخرجوا من مدارس المسلمين، ولم يأخذوا العلم عن علماء المسلمين؛ لأنهم يحرمون الدراسة في المدارس والمعاهد والكليات، ويحتقرون علماء المسلمين ويجهلونهم ويصفونهم بالعمالة للسلاطين ويتعلمون عند أصحاب الفكر المنحرف، وعند حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام من أمثالهم، كما جهل أسلافهم علماء الصحابة وكفروهم.
والذي نرجوه بعد اليوم أن يلتفت الآباء لأبنائهم فلا يتركوهم لأصحاب الأفكار الهدامة يوجهونهم إلى الأفكار الضالة، والمناهج المنحرفة، ولا يتركوهم للتجمعات المشبوهة، والرحلات المجهولة، والاستراحات التي هي مراتع لأصحاب التضليل، ومصائد للذئاب المفترسة، ولا يتركوهم يسافرون إلى خارج المملكة وهم صغار السن، وعلى العلماء أن يقوموا بالتوجيه السليم، وتعليم العقائد الصحيحة في
стр. 221
المدارس والمساجد ووسائل الإعلام؛ حتى لا يدعوا فرصة لأصحاب الضلال الذين يخرجون في الظلام وعند غفلة المصلحين.
وفق الله الجميع للعلم النافع والعمل الصالح، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه (١).
стр. 222
أجوبة فضيلة الشيخ: د. صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان حفظه الله
سؤال: فضيلة الشيخ، من الملاحظ اليوم بروز ظاهرة الغلو واتجاه العامة للتجاوب مع هذا الغلو، ما السبيل للحد من هذه الظاهرة ومن المسئول؟
الجواب: النبي ﷺ حذر أمته من الغلو، قال ﵊: " إياكم والغلو فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو" وقال ﵊: " هلك المتنطعون، هلك المتنطعون، هلك المتنطعون" قالها ثلاثا، والمتنطعون: هم المتشددون المغالون في دينهم. قال : ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [النساء: آية ١٧١]، وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: آية ٧٧] والواجب هو الاستقامة من غير غلو ومن غير تساهل، قال تعالى لنبيه ﷺ ولأتباعه: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا﴾ [هود: آية ١١٢]، يعني لا تزيدوا ولا تتشددوا، فالمطلوب من المسلمين الاستقامة، وهي الاعتدال بين التساهل والتشدد هذا هو منهج الإسلام وهو منهج الأنبياء جميعا وهو الاستقامة على دين الله ، من غير تشدد، ولا تنطع وغلو، ومن غير تساهل وتفسخ (١).
سؤال: مما يلاحظ على الثقافة الإسلامية المعاصرة اليوم أنه يشوبها شيء من فكر بعض الفرق الضالة مثل الخوارج والمعتزلة، فتجد في بعضها
стр. 223
تكفير المجتمعات والأفراد وتسويغ العنف ضد العصاة والفساق من المسلمين، فما توجيهكم؟
هذا منهج خاطئ؛ لأن الإسلام ينهى عن العنف في الدعوة يقول تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: آية ١٢٥]، ويقول لنبيه موسى وهارون ﵉ تجاه فرعون: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: آية ٤٤]، والعنف يقابل بالعنف ولا يفيد إلا عكس المطلوب، وتكون آثاره على المسلمين سيئة، فالمطلوب الدعوة بالحكمة وبالتي هي أحسن، وباستعمال الرفق مع المدعوين، أما استعمال العنف مع المدعوين والتشديد والمهاترات فهذا ليس من دين الإسلام، فالواجب على المسلمين أن يسيروا في الدعوة على منهج الرسول ﷺ وعلى حسب توجيهات القرآن الكريم.
والتكفير له ضوابط شرعية، فمن ارتكب ناقضا من نواقض الإسلام التي ذكرها علماء السنة والجماعة حكم بكفره بعد إقامة الحجة عليه، ومن لم يرتكب شيئا من هذه النواقض فليس بكافر، وإن ارتكب بعض الكبائر التي هي دون الشرك (١).
سؤال: هناك من يطلق لفظ الجاهلية على المجتمعات المسلمة؛ لما فيها من فساد، ويرتب على هذا اللفظ ما تعرفون، فهل هذا الاتجاه صحيح
стр. 224
يا فضيلة الشيخ؟
الجاهلية العامة انتهت ببعثة الرسول ﷺ ولله الحمد وجاء الإسلام وجاء العلم وجاء النور، وسيبقى ويستمر إلى يوم القيامة، فليس بعد بعثة النبي ﷺ جاهلية عامة، ولكن هناك بقايا من الجاهلية، لكنها جاهلية جزئية وجاهلية بمن قامت به، أما الجاهلية العامة فقد انتهت ببعثة الرسول ﷺ ولن تعود إلى قيام الساعة.
أما وجود الجاهلية في بعض الأفراد أو الجماعات أو بعض المجتمعات فهذا أمر واقع؛ لكنها جاهلية خاصة بمن وجدت فيه وليست عامة.
فلا يجوز إطلاق الجاهلية على وجه العموم، كما نبه على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في اقتضاء الصراط المستقيم (١).
سؤال: يلاحظ على من يطلق لفظ الجاهلية على المجتمعات الإسلامية أنه يريد تكفير تلك المجتمعات وبالتالي الخروج؟
ليس من حق كل أحد أن يطلق التكفير أو أن يتكلم بالتكفير على الجماعات أو على الأفراد.
التكفير له ضوابط فمن يرتكب ناقضا من نواقض الإسلام فإنه يحكم بكفره. ونواقض الإسلام معروفة، أعظمها الشرك بالله ، وادعاء
стр. 225
علم الغيب، والحكم بغير ما أنزل الله. قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: آية ٤٤] فالتكفير خطير، ولا يجوز لكل أحد أن يتفوه في حق غيره، إنما هذا من صلاحيات الحاكم الشرعي، ومن صلاحيات أهل العلم الراسخين في العلم الذين يعرفون الإسلام ويعرفون نواقض الإسلام، ويعرفون الأحوال ويدرسون واقع الناس والمجتمعات فهم أهل الحكم بالتكفير وغيره، أما الجاهل، وأما أفراد الناس وأنصاف المتعلمين، فهؤلاء ليس من حقهم إطلاق التكفير على الأشخاص أو على الجماعات أو على الدول؛ لأنهم غير مؤهلين لهذا الحكم (١).
سؤال: يلاحظ على بعض طلبة العلم التساهل في إطلاق لفظ الردة على المسلم، بل قد يطالب هذا البعض المسلمين بانتداب من يرون لإقامة حد الردة في المحكوم بردته عندهم إذا لم يقم به السلطان؟
إقامة الحدود من صلاحيات سلطان المسلمين، وليس لكل أحد أن يقيم الحد؛ لأن هذا يلزم منه الفوضى والفساد، ويلزم منه تفكك المجتمع وحدوث الثارات وحدوث الفتن، فالحدود من صلاحيات السلطان المسلم. يقول النبي ﷺ : " تعافوا الحدود فيما بينكم، فإذا أبلغت الحدود السلطان فلعن الله الشافع والمشفع" (٢).
стр. 226
ومن وظائف السلطان في الإسلام ومن صلاحياته: إقامة الحدود بعدما تثبت شرعا لدى المحاكم الشرعية على من وقع في جريمة رتب الشارع عليها حدا كحد الردة وحد السرقة ... إلخ
فالحاصل أن إقامة الحدود من صلاحيات السلطان، وإذا لم يكن هناك في المسلمين سلطان فإنه يكتفى بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله ، بالحكمة والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن ولا يجوز للأفراد أن يقيموا الحدود؛ لأن هذا كما ذكرنا يلزم منه الفوضى، ويلزم منه حدوث الثارات والفتن، وفيه مفسدة أعظم مما فيه من المصلحة، ومن القواعد الشرعية المسلم بها: " أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح"
سؤال: فضيلة الشيخ، من هو المرتد؟ نرجو تحديده بشكل واضح فقد يحكم بردة شخص لديه شبهة.
الحكم بالردة والخروج من الدين من صلاحيات أهل العلم الراسخين في العلم؛ وهم القضاة في المحاكم الشرعية، والمفتون المعتبرون، وهي كغيرها من القضايا، وليس من حق كل أحد أو من حق أنصاف المتعلمين أو المنتسبين إلى العلم الذين ينقصهم الفقه في الدين ليس من صلاحياتهم أن يحكموا بالردة؛ لأن هذا يلزم منه الفساد، وقد يحكمون على المسلم بالردة، وهو ليس كذلك، وتكفير المسلم الذي لم يرتكب ناقضا من نواقض الإسلام فيه خطورة عظيمة، ومن قال لأخيه يا
стр. 227
كافر أو يا فاسق، وهو ليس كذلك، فإن هذا الكلام يعود على قائله، فالذين يحكمون بالردة هم القضاة الشرعيون والمفتون المعتبرون والذين ينفذون هذا الحكم هم ولاة أمر المسلمين، وما عدا هذا فهو فوضى. (١).
سؤال: نقطة أخيرة أريد أن استوضحها في هذه المسألة وهي تتعلق بالمفتئت (المتعدي) على حق السلطان في الحكم فيمن نفذ حدا على أحد من الناس فهناك من يدعي أن ليس للسلطان أكثر من السجن؟
الجواب: لا يجوز الافتئات على السلطان والتعدي على صلاحيات سلطان المسلمين، ومن قتل أحدا بغير حكم شرعي، وإنما قتله بموجب رأيه هو، فهذا يقام عليه القصاص إذا طلب ولي المقتول، إلا إذا أثبت شرعا أن المقتول مرتد عن الإسلام، فلا قصاص عليه، ولكن للسلطان أن يؤدبه للتعدي على صلاحياته بما يراه (٢).
стр. 228
صفات الخوارج
قال فضيلة الشيخ صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان
تكلم شيح الإسلام ابن تيمية ﵀ في رسالة له تسمى (قاعدة أهل السنة والجماعة) بعد أن أورد قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ (١)
إلى قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ (٢) وذكر قول ابن عباس ﵄: تبيض وجوه أهل السنة والجماعة، وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة.
قال: " وفي الترمذي عن أبي أمامة الباهلي عن النبي ﷺ في الخوارج " أنهم كلاب أهل النار" (٣) وقرأ هذه الآية: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾
قال الإمام أحمد بن حنبل: صح الحديث في الخوارج عن عشرة أوجه خرجها مسلم في "صحيحه". وخرج البخاري طائفة منها، قال النبي ﷺ : " يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم، يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية " (٤)
стр. 229
وفي رواية: "يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان". (١).
ثم بين الشيخ- ﵀ من هم الخوارج فقال:
" والخوارج هم أول من كفر المسلمين، يكفرون بالذنوب-يعني التي هي دون الشرك- ويكفرون من خالفهم في بدعتهم ويستحلون دمه وماله. وهذه حال أهل البدع، يبتدعون بدعة ويكفرون من خالفهم فيها".
هذا ما قاله الشيخ في بيان حقيقة الخوارج. أقول بهذه المناسبة: لما كانت حقيقة الخوارج أنهم يكفرون من المسلمين من ارتكب كبيرة دون الشرك، فإنه قد وجد في هذا الزمان من يطلق هذا اللقب: لقب الخوارج على من حكم بالكفر على من يستحقه من أهل الردة ونواقض الإسلام، كعباد القبور وأصحاب المبادئ الهدامة، كالبعثية والعلمانية وغيرها، ويقولون: أنتم تكفرون المسلمين فأنتم خوارج؛ لأن هؤلاء لا يعرفون حقيقة الإسلام ولا يعرفون نواقضه، ولا يعرفون حقيقة مذهب الخوارج، بأنه الحكم بالكفر على من يستحقه بأن ارتكب ناقضا من نواقض الإسلام هو مذهب أهل السنة والجماعة.
كما يؤخذ من اتصاف الخوارج بكثرة العبادة والتلاوة والزهد مع عدم الفقه في الدين، أن كثرة العمل من غير اتباع للكتاب والسنة، ومن غير فقه في معانيهما، لا تفيد الإنسان شيئا، ولا يجوز الاغترار بمن هذه صفته،
стр. 230
وأنه لا يجوز الحكم بالكفر على كل من ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب، إلا أن تكون هذه الكبيرة من نواقض الإسلام المعلومة، كدعاء غير الله، والذبح، والنذر للقبور، وما أشبه ذلك.
ثم قال الشيخ ﵀:
" وأهل السنة والجماعة يتبعون الكتاب والسنة، ويطيعون الله ورسوله، فيتبعون الحق، ويرحمون الخلق. وأول بدعة حدثت في الإسلام بدعة الخوارج والشيعة، حدثتا في أثناء خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، فعاقب الطائفتين؛ أما الخوارج فقاتلوه فقتلهم، وأما الشيعة فحرق غاليتهم بالنار، وطلب قتل عبد الله بن سبأ فهرب منه، وأمر بجلد من يفضله على أبي بكر وعمر. وروي عنه من وجوه كثيرة أنه قال:
"خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر" ورواه عنه البخاري في "صحيحه" (١).
قال الشيخ: " ومن أصول أهل السنة والجماعة: أنهم يصلون الجمع والأعياد والجماعات، ولا يدعون الجمعة والجماعة؛ كما فعل أهل البدع من الرافضة وغيرهم. فإن كان الإمام مستورا لم يظهر منه بدعة ولا فجور صلي خلفه الجمعة والجماعة باتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم من أئمة المسلمين، ولم يقل أحد من الأئمة إنه لا تجوز الصلاة إلا خلف من علم باطن أمره، بل ما زال المسلمون من بعد نبيهم يصلون خلف المسلم المستور، ولكن إذا ظهر من المصلي بدعة أو فجور وحصلت الصلاة
стр. 231
خلف من يعلم أنه مبتدع أو فاسق -مع إمكان الصلاة خلف غيره، فأكثر أهل العلم يصححون صلاة المأموم.
وهذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة وهو أحد القولين في مذهب مالك وأحمد، وأما إذا لم يمكن الصلاة إلا خلف المبتدع أو الفاجر كالجمعة التي إمامها مبتدع أو فاجر، وليس هناك جمعة أخرى، فهذه تصلى خلف المبتدع والفاجر عند عامة أهل السنة والجماعة، وهذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل وغيرهم من أئمة أهل السنة بلا خلاف عندهم.
وكان بعض الناس إذا كثرت الأهواء يحب أن لا يصلي إلا خلف من يعرفه على سبيل الاستحباب، كما نقل ذلك عن أحمد أنه ذكر ذلك لمن سأله، ولم يقل أحمد: إنه لا تصح إلا خلف من أعرف حاله.
إلى أن قال:
فالصلاة خلف المستور: جائزة باتفاق علماء المسلمين، ومن قال: إن الصلاة محرمة أو باطلة خلف من لا يعرف حاله فقد خالف إجماع أهل السنة والجماعة، وقد كان الصحابة ﵃ يصلون خلف من يعرفون فجوره، كما صلى عبد الله بن مسعود وغيره من الصحابة خلف الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وكان عبد الله بن عمر وغيره من الصحابة يصلون خلف الحجاج بن يوسف وكان الصحابة والتابعون يصلون خلف ابن أبي عبيد" انتهى كلام الشيخ.
ومقصوده أن الصلاة تصح خلف المسلم، ولو كان فاسقا، خصوصا
стр. 232
إذا كان من ولاة الأمور من أجل اجتماع الكلمة، أو لم يكن هناك غيره من أئمة المساجد الصالحين؛ وترتب على عدم الصلاة خلفه ترك الجمعة أو الجماعة، أما من ارتكب ناقضا من نواقض الإسلام كالاستغاثة بالأموات والذبح لهم والطواف بقبورهم تقربا إليهم وطلبا للحوائج منهم، فهذا لا تصح الصلاة خلفه، لأنه كافر مرتد عن دين الإسلام والصلاة إنما تصح خلف المسلم.
وهذا التفصيل لا بد منه خصوصا في هذا الزمان الذي كثرت فيه عبادة القبور، وربما يكون بعض أئمة المساجد من عباد القبور، فهذا لا تصح الصلاة خلفه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم (١).
ويقول فضيلته حفظه الله:
يمضي شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في "فتاواه" في بيان منهج أهل السنة، ويتعرض لمسألة خطيرة طالما زلت فيها أقدام، وضلت فيها أفهام، وصدرت فيها أوهام، ألا وهي مسألة تكفير المسلم، وبيان موقف أهل السنة والجماعة من هذه المسألة فيقول ﵀:
"ولا يجوز تكفير المسلم بذنب فعله، ولا بخطأ أخطأ فيه، كالمسائل التي تنازع فيها أهل القبلة، فإن الله تعالى قال: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (٢)
стр. 233
وقد ثبت في الصحيح أن الله تعالى أجاب هذا الدعاء وغفر للمؤمنين خطأهم (١).
والخوارج المارقون الذين أمر النبي ﷺ بقتالهم (٢) قاتلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أحد الخلفاء الراشدين، واتفق على قتالهم أئمة الدين من الصحابة والتابعين من بعدهم، ولم يكفرهم علي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص وغيرهما من الصحابة، بل جعلوهم مسلمين مع قتالهم. ولم يقاتلهم علي حتى سفكوا الدم الحرام، وأغاروا على أموال المسلمين فقاتلهم لدفع ظلمهم وبغيهم لا لأنهم كفار، ولهذا لم يسب حريمهم ولم يغنم أموالهم.
وإذا كان هؤلاء الذين ثبت ضلالهم بالنص والإجماع لم يكفروا مع أمر رسول الله ﷺ بقتالهم، فكيف بالطوائف المختلفين الذين اشتبه عليهم الحق في مسائل غلط فيها من هو أعلم منهم؟ فلا يحل لأحد من هذه الطوائف أن تكفر الأخرى، ولا تستحل دمها ومالها وإن كانت فيها بدعة محققة، فكيف إذا كانت المكفرة لها مبتدعة أيضا؟
وقد تكون بدعة هؤلاء أغلظ، والغالب أنهم جميعا جهال بحقائق ما يختلفون فيه.
والأصل أن دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم محرمة من بعضهم على بعض، لا تحل إلا بإذن الله ورسوله، قال النبي ﷺ لما خطبهم في حجة الوداع: " إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم
стр. 234
هذا في بلدكم هذا" (١) وقال ﷺ : " كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه" (٢) وقال ﷺ : " من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فهو المسلم له ذمة الله ورسوله" (٣) وقال: " إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار" قيل: يا رسول الله! هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: " إنه أراد قتل صاحبه" (٤) وقال: " لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض" (٥) وقال: " إذا قال المسلم لأخيه: يا كافر فقد باء بها أحدهما " (٦) وهذه الأحاديث كلها في الصحاح.
وإذا كان المسلم متأولا في القتال أو التكفير لم يكفر بذلك، كما قال عمر بن الخطاب لحاطب بن أبي بلتعة: يا رسول الله! دعني أضرب عنق هذا المنافق! فقال ﷺ : " إنه قد شهد بدرا، وما يدريك لعل الله قد اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم"؟! وهذا في (الصحيحين) (٧) وفيها أيضا من حديث الإفك: أن أسيد بن الحضير قال لسعد بن
стр. 235
عبادة: إنك منافق تجادل عن المنافقين! (١) واختصم الفريقان فأصلح النبي ﷺ بينهم.
فهؤلاء البدريون فيهم من قال لآخر منهم: إنك منافق ولم يكفر النبي ﷺ لا هذا ولا هذا، بل شهد للجميع بالجنة، وكذلك ثبت في "الصحيحين" عن أسامة بن زيد أنه قتل رجلا بعدما قال: لا إله إلا الله، وعظم النبي ﷺ ذلك لما أخبره، وقال " يا أسامة! أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله؟ " وكرر ذلك عليه حتى قال أسامة: تمنيت أني لم أكن أسلمت إلا يومئذ (٢) ومع هذا لم يوجب عليه قودا ولا دية ولا كفارة؛ لأنه كان متأولا ظن جواز قتل ذلك القائل لظنه أنه قالها تعوذا.
فهكذا السلف قاتل بعضهم بعضا من أهل الجمل وصفين ونحوه، وكلهم مسلمون مؤمنون كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (٣) فقد بين الله تعالى أنهم مع اقتتالهم وبغي بعضهم على بعض أخوة مؤمنون، وأمر بالتصالح بينهم بالعدل، ولهذا كان السلف مع الاقتتال يوالي بعضهم بعضا موالاة الدين، ولا يعادون كمعاداة الكفار، فيقبل بعضهم شهادة بعض، ويأخذ بعضهم العلم عن بعض، ويتوارثون،
стр. 236
ويتناكحون، ويتعاملون بمعاملة المسلمين بعضهم مع بعض، مع ما كان بينهم من القتال.
وقد ثبت في الصحيح: أن النبي ﷺ سأل ربه أن لا يهلك أمته بسنة عامة فأعطاه ذلك، وسأله أن لا يسلط عليهم عدوا من غيرهم، فأعطاه ذلك، وسأله ألا يجعل بأسهم بينهم، فلم يعط ذلك (١) وأخبر أن الله لا يسلط عليهم عدوا من غيرهم يغلبهم كلهم، حتى يكون بعضهم يقتل بعضا، وبعضهم يسبي بعضا. وثبت في "الصحيحين" لما نزل قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ قال (أعوذ بوجهك)، ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال (أعوذ بوجهك)، ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قال: (هاتان أهون) (٢).
هذا مع أن الله أمر بالجماعة والائتلاف ونهى عن البدعة والاختلاف، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ (٣) وقال ﷺ : " عليكم بالجماعة فإن يد الله على الجماعة" (٤). وقال: "الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد" (٥).
وقال: (الشيطان ذئب الإنسان كذئب الغنم، والذئب إنما يأخذ القاصية
جواب معالي الشيخ/ صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ حفظه الله
سؤال: يقول أجلس مع بعض الناس ويقولون: إن العلماء الكبار كفار؛ لأنهم يظاهرون المشركين ويوالونهم، ويعلمون هذا لصغار السن ويربونهم عليه، لا سيما بعد صدور الفتاوى في تحريم التفجيرات في بلاد الكفار؟
جواب:
أولا: الواجب على كل مؤمن بالله جل وعلا يرجو لقاءه ويخشى لقاءه: أن يحذر أتم الحذر أن يقول بلا علم، وأن يجترئ على ما ليس له به حجة، سيما في مسائل الاعتقاد، ومسائل الإيمان والتكفير، ومسائل الحلال والحرام، وإذا كان في الحلال والحرام قال الله جل وعلا: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النحل: آية ١١٦ - ١١٧].
هذا فيما يقوله بعض من ليس له حجة بلفظ هذا حلال وهذا حرام وليس عنده بينة، وجميع مسائل القول على الله بلا علم في مسائل: العمليات، والفقهيات، ومسائل العقيدة وهي أشد، تدخل في هذا السبيل ولهذا حرم الله جل وعلا أن يقفو المرء ما ليس له به علم، وأن يقول ما ليس له به علم كما قال جل وعلا: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: آية٣٣]، وقال: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: آية ٣٦]، وفي
стр. 239
الحديث: " من أفتي لفتوى من غير ثبت فإنما إثمه على من أفتاه" (١) ومن أعظم ما وقع في الأمة من الانحراف عن الحق: تكفير المسلم الذي ثبت إسلامه، وعدم الاستبيان منه، وهذا كان له بوادر في زمن الصحابة في زمن النبي ﷺ فعلمنا النبي ﷺ كيف تعالج هذه البوادر، كيف ينظر في هذا الأمر؟
فهذا عمر قال في شأن حاطب: يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال النبي ﷺ : " يا عمر، أرسله" ثم التفت إلى حاطب وقال: " يا حاطب ما حملك على هذا؟ " فأجاب بجوابه المعروف (٢)
وأسامة بن زيد ﵄، لما قتل رجلا يقول: لا إله إلا الله، فقال له النبي ﷺ : " أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله؟! " قال: يا رسول الله، إنما قالها تعوذا. قال: " فما تفعل بلا إله إلا الله؟ " (٣)
وهذا فيه النكير على عدم قبول أسامة إسلام الرجل بقول لا إله إلا الله. واعترض معترض على النبي ﷺ في قسمته المال لما قسم المال بعد إحدى الغزوات فقال: يا رسول الله، اعدل. فقال رسول الله ﷺ : " ويحك، من يعدل إذا لم أعدل؟ " فأعطاه النبي ﷺ مالا كثيرا، ثم قال:
стр. 240
" يخرج من ضئضئ هذا أقوام، يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يمرقون من الدين كما تمرق السهم من الرمية" (١) وهم الخوارج.
وفي عهد عثمان ﵁، ظهر هؤلاء الخوارج، وكان أساس انحرافهم هو نظرهم في أن الوالي أو أمير المؤمنين لم يقم بما أوجب الله عليه، فمنهم من كفره، ومنهم من أوجب قتله، حتى قتل بسبب تصرفاته كما يزعمون!. وكفروا طائفة أيضا في ذلك الزمان حتى قام علي ﵁، وحصل منه ما حصل بالنسبة لهم ثم كفروه، وسار إليهم ابن عباس وكانوا نحوا من مائة وعشرين ألفا ووعظهم وحاجهم، وكان أساس كلامهم في مسألتين:
في مسألة: الحكم بما أنزل، وتحكيم الرجال في كتاب الله جل وعلا.
وفي مسألة: تكفير من ارتكب المعصية.
ومنهم من رجع بعد نقاش ابن عباس لهم، ومنهم لم يرجع، واستمر ذلك في الأمة، فعثمان ﵁، كفر، وعلي ﵁، كفر، وهكذا سادات الأمة كفرهم معارضوهم بسبب أو بآخر.
والتكفير معناه: الحكم بالخروج من الدين، الحكم بالردة، والحكم بالردة على مسلم ثبت إسلامه لا يجوز إلا بدليل شرعي يقيني بمثل اليقين
стр. 241
الذي حصل بدخوله في الإيمان، والأصل في ذلك قول الله جل وعلا في سورة براءة في ذكر المنافقين: ﴿وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾ [التوبة: آية٧٤] وفي آية أخرى: ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: آية٦٦]، وفي آية سورة آل عمران قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ [آل العمران: آية ٩٠]، ونحو ذلك في أن المؤمن أو من أسلم أو آمن قد يخرج من الدين، ولكن ضبطها أهل السنة والجماعة بضوابط كثيرة معلومة، ثم إن أهل السنة يفرقون ما بين الكلام على الفعل والقول والعمل بأنه كفر، وقيام هذا العمل بمكلف هل هو يخرج به من الدين أم لا؟ لأن المكلف قد يكون جاهلا ببعض المسائل، وقد يكون متأولا، وقد يكون لم تبلغه الحجة التي يصير بها قد قامت عليه الحجة، وقد يكون معذورا، وقد لا يكون، وهذه تحتاج إلى توفر شروط وانتفاء موانع.
فأهل السنة وسط في هذا الباب بين:
الخوارج: الذين يكفرون بالذنب، ويكفرون بمطلق الحكم بغير ما أنزل الله، وبمطلق الموالاة للكفار ونحو ذلك وأشباهه.
وما بين: المرجئة: الذين لا يرون من ثبت إيمانه أنه يخرج من الإيمان بفعل أو بقول أو باعتقاد.
وأهل السنة: بين هذا وهذا، ويقولون: إن من ثبت إيمانه بيقين لا يجوز أن يخرج من هذا الإيمان إلا بحجة وظهور الشروط وانتفاء الموانع.
стр. 242
فإذا كان كذلك، فإن الذي يقيم الحجة وينظر في الشروط والموانع هو المؤهل لها شرعا، وهم القضاة الذين عندهم معرفة بما فيه التأويل وما ليس فيه التأويل، وما يكون من أحوال الناس، وبعض طلبة العلم قد لا يحسن منه الدخول في هذا؛ لعدم معرفته بوسائل الإثبات والبينات، وما يحصل به إثبات الشيء من عدمه شرعا، ومسائل القضاء هي التي تترتب عليها الأحكام، وهذه تحتاج فيها إلى حكم قاض يثبت فيه الكفر على المعين؛ لأنه إذا ثبت الكفر على معين فإنها ستترتب آثار الردة عليه، وهي كثيرة.
إذا تبين هذا، فإن أعظم من يحذر من النيل من إيمانه، والنيل من صحة إسلامه وصحة اعتقاده هم علماء أهل السنة والجماعة، القائمون بأمر الله، فعلماء المسلمين عموما هم القائمون بأمر الديانة وهم الذين يؤخذ عنهم الدين وهم الذين يبصرون الناس بالحق من غيره، ومن توجه إليهم بالتكفير فأول ما يتجه له قول النبي ﷺ : " من قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما" (١).
ولا بد، إما أن يبوء بها القائل، أو يبوء بها الآخر، هذا خطر عظيم على قائل تلك الكلمة، خطر عظيم جدا على دينه؛ لأنه إما أن يكون الآخر كما قال، وإما أن ترجع عليه بهذا الحكم، وهذا يوجب الحذر الشديد من مثل هذه الكلمة.
стр. 243
والعلماء -لا شك- أن عندهم من البصر بالشريعة والبصر بالكتاب والسنة والدلائل الشرعية ما يجعلهم ينظرون في المسائل نظرا واسعا والمسائل الشرعية في فقهها مبنية على مقدمتين:
أما المقدمة الأولى فهي: ورود الدليل، وهو محل الاستدلال، وهو ورود الدليل من الكتاب أو السنة على المسألة التي فيها تنازع، ثم فهم هذا الدليل- يعني هذه في المقدمة الأولى، وفهم الدليل من قبلهم فهما يجعل عندهم ظهور بأن معنى هذه الآية هو كذا، ومعنى هذا الحديث هو كذا.
والمقدمة الثانية: أن يكون هناك تحقيق للمناط في تنزيل هذا الحكم على هذا الدليل، أو في إلحاق هذه المسألة بالدليل ليؤخذ منه الحكم.
وتنقيح المناط صنعة اجتهادية كما قرره الشاطبي ﵀ في كتابه " الموافقات" وأهل العلم يختلفون عن سائر القراء أو طلبة العلم أو من عنده قراءة في قيام هذه الفتوى عندهم على هاتين المقدمتين، وكثير من طلبة العلم قد يعلم الأولى، لكن لا يعلم الثانية، وهي:
فقه تنزيل النازلة على وجه الدليل لينظر فيها بالحكم.
هذا يقتضي أن يقي طالب العلم نفسه في أنه ينظر إلى تبرئة ذمته بأن يجعل كلام أهل العلم الذين اجتمعوا على قول ما أن يجعله مانعا له من أن يخوض في المسألة بغير علم؛ لأن المرء ينظر إلى أنه إذا خالفه واحد ممن هو أعلم منه قد يشك في ما اتجه إليه؛ فكيف إذا كان جمع كبير من علماء المسلمين أو من العلماء الربانيين، ينظرون إلى هذا الأمر ويخالفونه أو
стр. 244
يقولون فيه بقول.
لهذا فالقول- أي ما ذكره السائل بقوله: إن العلماء الكبار كفار؛ لأنهم يظاهرون المشركين- هذا من الخطر العظيم من أن يقول قائل بمثل هذه الكلمة:
أولا: لأن العلماء الكبار يبينون الحق، كما كان الصحابة رضوان الله عليهم في زمن الخوارج يبينون الحق، وإذا اتهمهم أحد أو رماهم بالكفر لأجل تبيينهم الحق فلا يعني أن رمي هذا الرامي أنه موافق للصواب، بل جنايته على نفسه، ويجب أن يؤخذ على يده، وأن يعزر تعزيرا بليغا من قبل القضاة بما يحجزه عن ذلك، ولما فات التعزير الشرعي في مثل هذه المسائل كثر القول، وكثر الخوض فيها، وقد كان القضاة فيما مضى يعزرون في قول المسلم لأخيه: يا كلب! أو يا كذا بما فيه انتقاص له، فكيف إذا كان فيه رمي بمثل هذا الرمي العظيم الذي لا يجوز لمسلم يخشى الله أن يتفوه به فضلا على أنه يعتقده.
ثم ما يتعلق بمظاهرة المشركين وتولي الكفار، فإن هذه المسألة بحثناها في عدة مجالس وفي عدة شروح، وبينا فيها أن عقد الإيمان يقتضي موالاة الإيمان والبراءة من الكفر، لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: آية ٥٥ - ٥٦]، وعقد الإيمان يقتضي البراءة من المعبودات والآلهة الباطلة المختلفة ومن عبادتهم لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: آية ٢٦ - ٢٨]
стр. 245
فأساس الإيمان هو الولاء للإيمان والبراءة من الكفر وعبادة غير الله جل وعلا، ويتضمن ذلك موالاة أهل الإيمان والبراءة من أهل الكفر على اختلاف مللهم.
هذه الموالاة منها ما يكون للدنيا، ومنها ما يكون للدين فإذا كانت للدنيا، فليست بمخرجة من الدين، ومما قد يكون في بعض الأنواع من الموالاة في الدنيا:
من الإكرام أو البشاشة أو الدعوة أو المخاطبة ما قد يكون مأذونا به ما لم يكن في القلب مودة لهذا الأمر، من مثل ما يفعل الرجل مع زوجته النصرانية، ومن مثل ما يفعله الابن مع أبيه غير المسلم، ونحو ذلك مما فيه إكرام وعمل في الظاهر، ولكن مع عدم المودة الدينية في الباطن، فإذا كانت الموالاة للدنيا فإنها غير جائزة إلا في ما استثني، كما ذكرنا في حال الزوج مع الزوجة والابن مع أبيه مما يقتضي معاملة وبرا وسكونا، ونحو ذلك.
أما القسم الثاني: فأن تكون الموالاة للدنيا، ولكن ليس لجهة قرابة وإنما لجهة مصلحة بحتة في أمر الدنيا، وإن فرط في أمر دينه، فهذه موالاة غير مكفرة، لأنها في أمر الدنيا وهذه التي نزل فيها قول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الممتحنة: ١]، وهنا أثبت أنهم ألقوا بالمودة وناداهم باسم الإيمان، قال جمع من أهل العلم:
стр. 246
مناداة من ألقى المودة باسم الإيمان دل على أن فعله لم يخرجه من اسم الإيمان.
هذا مقتضى استفصال النبي ﷺ من حاطب ﵁، حيث قال له في القصة المعروفة " يا حاطب، ما حملك على هذا؟ " يعني أن أفشى سر رسول الله ﷺ فبين أن حمله عليه الدنيا وليس الدين.
والقسم الثالث: موالاة الكافر لدينه، يواليه ويحبه ويوده وينصره لأجل ما عليه من الشرك ومن الوثنية ونحو ذلك، يعني محبة لدينه، فهذا مثله، هذه موالاة مكفرة لأجل ذلك، والإيمان الكامل ينتفي مع مطلق موالاة غير المؤمن بمودته ومحبته ونحو ذلك منافية للإيمان الواجب لقول الله جل وعلا: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: آية ٢٢]
أما مظاهرة المشركين وإعانتهم على المسلمين هذا من نواقض الإسلام، كما هو مقرر في كتاب فقه الحنابلة وذكره العلماء ومنهم: شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ في النواقض العشر، الناقض الثاني.
وهذا الناقض مبني على أمرين:
الأول: المظاهرة.
والثاني: الإعانة.
قال: " مظاهرة المشركين وإعانتهم على المسلمين".
والمظاهرة: أن يتخذ أو أن يجعل طائفة من المسلمين أنفسهم
стр. 247
ظهرا للكافرين، يحمونهم فيما لو أراد طائفة من المؤمنين أن يقعوا فيهم يحمونهم، وينصرونهم، ويحمون ظهورهم وبيضتهم، هذه مظاهرة، بمعنى أنه صار ظهرا لهم.
قول الشيخ ﵀: " مظاهرة المشركين وإعانتهم على المسلمين" مركبة من أمرين:
المظاهرة، بأن يكون ظهرا لهم بأي عمل، أي يكون ظهرا يدفع عنهم ويقف معهم ويضرب المسلمين لأجل حماية هؤلاء.
وأما الثاني: فإعانة المشرك على المسلم، فضابطها أن يعني قاصدا ظهور الكفر على الإسلام؛ لأن مطلق الإعانة غير مكفر؛ لأن حاطب ﵁ حصل منه إعانة لهم، إعانة للمشركين على الرسول ﷺ بنوع من العمل، والإعانة بكتابة سر رسول الله ﷺ والمسير إليهم، لكن النبي ﷺ استفصل منه، فدل على أن الإعانة تحتاج إلى استفصال، والله جل وعلا قال في مطلق العمل هذا: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [الممتحنة: آية ١] لكن ليس بمكفر إلا بقصد، فلما أجاب حاطب بأنه لم يكن قصده ظهور الكفر على الإسلام، قال يا رسول الله ما فعلت هذا رغبة في الكفر بعد الإسلام، ولكن ما من أحد من أصحابك إلا له يد يدفع بها عن أهله وماله، وليس لي يد في مكة، فأردت أن يكون لي بذلك يد، فقال النبي ﷺ : " إن الله اطلع إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم" (١).
стр. 248
وحاطب فعل أمرين:
الأمر الأول: ما استفصل فيه، وهي مسألة: هل فعله قاصدا ظهور الكفر على الإسلام، ومحبة للكفر على الإسلام؟.
لو فعل ذلك لكان مكفرا ولم يكن حضوره لأهل بدر غافرا لذنبه، لأنه يكون خارجا عن أمر الدين.
الأمر الثاني: أنه حصل منه نوع إعانة لهم، وهذا الفعل فيه ضلال وذنب، والله جل وعلا قال: ﴿تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الممتحنة: آية ١] إلى قوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ إلى قوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الممتحنة: آية ٦] أي في إبراهيم ومن معه.
وهذا يدل على أن الاستفصال في هذه المسألة ظاهر، فالإعانة فيها استفصال، وأما المظاهرة بأن يكون ظهرا لهم ويدفع عنهم ويدرأ عنهم ما يأتيهم ويدخل معهم ضد المسلمين في حال حربهم لهم هذا من نواقض الإسلام التي بينها أهل العلم.
فهذه المسائل اقتضى الجواب فيها إطالة الجواب فيها للسؤال ومع الأسف إنه على كثرة ما جاء من بحوث في هذه -من قديم- من وقت سماحة الشيخ عبد العزيز ابن باز والشيخ محمد بن عثيمين وكثرت هذه المسائل ورددت لكن نخشى أن يكون المنهج التكفيري يمشي في الناس.
والخوارج سيبقون، ومعتقدات الخوارج ستبقى، والناس إن لم
стр. 249
يتداركوا أنفسهم قد يكون فيهم خصلة من خصال الضلال؛ إن لم يحذروا من ذلك.
والواجب علينا جميعا أن نحذر ونتنبه للحق، وأن نتواصى به، وأن نكون حافظين لألسنتنا من الوقوع في ورثة الأنبياء وهم العلماء، ولقد أحسن ابن عساكر ﵀ إذا قال في فاتحة كتابه: " تبيين كذب المفتري" قال: " ولحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في منتقصيهم معلومة" وهذا ظاهر بين، والتجربة تدل عليه ورؤية الواقع تدل عليه.
وقانا الله وإياكم من زلل الأقوال، ومن زلل الأعمال، وسوء المعتقدات، وهدى ضال المسلمين، وبصرنا وإياهم بالحق.
وبالمناسبة نحتاج إلى أن نفقه كيف يرد على من خالف في مثل هذه المسائل والمخالفين في التكفير أو في التضليل أو في ذكر الأمور على غير ما هي عليه، يجب:
أولا: أن لا يرد الباطل بباطل، وأن الباطل يرد بحق، من كفرنا لا نكفره لأجل تكفيره لنا، ومن بدعنا لا نبدعه لأجل تبديعه لنا، وإنما هذه مسائل تحتاج إلى رد الباطل بالحق. هذا هو منهج السلف الصالح، منهج أئمة أهل السنة والجماعة.
ثانيا: أن يحرص على هداية هؤلاء، وينظر إليهم في الهداية بما يناسبهم إذا كانوا يحتاجون إلى نصيحة ينصحون، أو إلى إجابة للشبهات يجاب عليهم، فقد يهدي الله جل وعلا بعض أولئك كما هدى طائفة من الخوارج مع ابن عباس ﵄.
стр. 250
ثم الدعاء في مثل هذه الأزمات والفتن والمصائب التي تقع ليس للمرء منجى ولا ملجأ إلا بربه ﷻ ، فمن ترك الصلة بينه وبين ربه بالدعاء وبسؤال الإعانة والبصيرة فإنه يؤتى، وإذا كان نبينا محمد ﷺ وهو المؤيد من الله جل وعلا وهو صاحب الشريعة، وهو المهدي بالوحي من الله جل وعلا للحق يقول في دعائه: " اللهم اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم" فكيف بحالنا؟ وحال أمثالنا؟ لا شك أننا أحوج إلى السؤال والدعاء في ذلك، الدعاء لأنفسنا، والدعاء أيضا لمن نعلمه قد خالف الحق في ذلك، وإذا خالف وكفر وضل واعتدى على الإنسان في دينه أو في عرضه أو تكلم، لا يعني ذلك أن تقابل إساءته بمثلها بل تصبر عليه، تدعو له؛ لأن طالب العلم همه إصلاح الخلق، قد يستجيبون وقد لا يستجيبون، ليس عليك هداهم، ولكن الله يهدي من يشاء (١)