← Общие книги

Общие книги · id 36570

فتاوى الأئمة في النوازل المدلهمة

ابن سفران القحطاني

Полный текст (296 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

مناداة من ألقى المودة باسم الإيمان دل على أن فعله لم يخرجه من اسم الإيمان. هذا مقتضى استفصال النبي ﷺ من حاطب ﵁، حيث قال له في القصة المعروفة " يا حاطب، ما حملك على هذا؟ " يعني أن أفشى سر رسول الله ﷺ فبين أن حمله عليه الدنيا وليس الدين. والقسم الثالث: موالاة الكافر لدينه، يواليه ويحبه ويوده وينصره لأجل ما عليه من الشرك ومن الوثنية ونحو ذلك، يعني محبة لدينه، فهذا مثله، هذه موالاة مكفرة لأجل ذلك، والإيمان الكامل ينتفي مع مطلق موالاة غير المؤمن بمودته ومحبته ونحو ذلك منافية للإيمان الواجب لقول الله جل وعلا: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: آية ٢٢] أما مظاهرة المشركين وإعانتهم على المسلمين هذا من نواقض الإسلام، كما هو مقرر في كتاب فقه الحنابلة وذكره العلماء ومنهم: شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ في النواقض العشر، الناقض الثاني. وهذا الناقض مبني على أمرين: الأول: المظاهرة. والثاني: الإعانة. قال: " مظاهرة المشركين وإعانتهم على المسلمين". والمظاهرة: أن يتخذ أو أن يجعل طائفة من المسلمين أنفسهم

стр. 247

ظهرا للكافرين، يحمونهم فيما لو أراد طائفة من المؤمنين أن يقعوا فيهم يحمونهم، وينصرونهم، ويحمون ظهورهم وبيضتهم، هذه مظاهرة، بمعنى أنه صار ظهرا لهم. قول الشيخ ﵀: " مظاهرة المشركين وإعانتهم على المسلمين" مركبة من أمرين: المظاهرة، بأن يكون ظهرا لهم بأي عمل، أي يكون ظهرا يدفع عنهم ويقف معهم ويضرب المسلمين لأجل حماية هؤلاء. وأما الثاني: فإعانة المشرك على المسلم، فضابطها أن يعني قاصدا ظهور الكفر على الإسلام؛ لأن مطلق الإعانة غير مكفر؛ لأن حاطب ﵁ حصل منه إعانة لهم، إعانة للمشركين على الرسول ﷺ بنوع من العمل، والإعانة بكتابة سر رسول الله ﷺ والمسير إليهم، لكن النبي ﷺ استفصل منه، فدل على أن الإعانة تحتاج إلى استفصال، والله جل وعلا قال في مطلق العمل هذا: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [الممتحنة: آية ١] لكن ليس بمكفر إلا بقصد، فلما أجاب حاطب بأنه لم يكن قصده ظهور الكفر على الإسلام، قال يا رسول الله ما فعلت هذا رغبة في الكفر بعد الإسلام، ولكن ما من أحد من أصحابك إلا له يد يدفع بها عن أهله وماله، وليس لي يد في مكة، فأردت أن يكون لي بذلك يد، فقال النبي ﷺ : " إن الله اطلع إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم" (١).

стр. 248

وحاطب فعل أمرين: الأمر الأول: ما استفصل فيه، وهي مسألة: هل فعله قاصدا ظهور الكفر على الإسلام، ومحبة للكفر على الإسلام؟. لو فعل ذلك لكان مكفرا ولم يكن حضوره لأهل بدر غافرا لذنبه، لأنه يكون خارجا عن أمر الدين. الأمر الثاني: أنه حصل منه نوع إعانة لهم، وهذا الفعل فيه ضلال وذنب، والله جل وعلا قال: ﴿تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الممتحنة: آية ١] إلى قوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ إلى قوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الممتحنة: آية ٦] أي في إبراهيم ومن معه. وهذا يدل على أن الاستفصال في هذه المسألة ظاهر، فالإعانة فيها استفصال، وأما المظاهرة بأن يكون ظهرا لهم ويدفع عنهم ويدرأ عنهم ما يأتيهم ويدخل معهم ضد المسلمين في حال حربهم لهم هذا من نواقض الإسلام التي بينها أهل العلم. فهذه المسائل اقتضى الجواب فيها إطالة الجواب فيها للسؤال ومع الأسف إنه على كثرة ما جاء من بحوث في هذه -من قديم- من وقت سماحة الشيخ عبد العزيز ابن باز والشيخ محمد بن عثيمين وكثرت هذه المسائل ورددت لكن نخشى أن يكون المنهج التكفيري يمشي في الناس. والخوارج سيبقون، ومعتقدات الخوارج ستبقى، والناس إن لم

стр. 249

يتداركوا أنفسهم قد يكون فيهم خصلة من خصال الضلال؛ إن لم يحذروا من ذلك. والواجب علينا جميعا أن نحذر ونتنبه للحق، وأن نتواصى به، وأن نكون حافظين لألسنتنا من الوقوع في ورثة الأنبياء وهم العلماء، ولقد أحسن ابن عساكر ﵀ إذا قال في فاتحة كتابه: " تبيين كذب المفتري" قال: " ولحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في منتقصيهم معلومة" وهذا ظاهر بين، والتجربة تدل عليه ورؤية الواقع تدل عليه. وقانا الله وإياكم من زلل الأقوال، ومن زلل الأعمال، وسوء المعتقدات، وهدى ضال المسلمين، وبصرنا وإياهم بالحق. وبالمناسبة نحتاج إلى أن نفقه كيف يرد على من خالف في مثل هذه المسائل والمخالفين في التكفير أو في التضليل أو في ذكر الأمور على غير ما هي عليه، يجب: أولا: أن لا يرد الباطل بباطل، وأن الباطل يرد بحق، من كفرنا لا نكفره لأجل تكفيره لنا، ومن بدعنا لا نبدعه لأجل تبديعه لنا، وإنما هذه مسائل تحتاج إلى رد الباطل بالحق. هذا هو منهج السلف الصالح، منهج أئمة أهل السنة والجماعة. ثانيا: أن يحرص على هداية هؤلاء، وينظر إليهم في الهداية بما يناسبهم إذا كانوا يحتاجون إلى نصيحة ينصحون، أو إلى إجابة للشبهات يجاب عليهم، فقد يهدي الله جل وعلا بعض أولئك كما هدى طائفة من الخوارج مع ابن عباس ﵄.

стр. 250

ثم الدعاء في مثل هذه الأزمات والفتن والمصائب التي تقع ليس للمرء منجى ولا ملجأ إلا بربه ﷻ ، فمن ترك الصلة بينه وبين ربه بالدعاء وبسؤال الإعانة والبصيرة فإنه يؤتى، وإذا كان نبينا محمد ﷺ وهو المؤيد من الله جل وعلا وهو صاحب الشريعة، وهو المهدي بالوحي من الله جل وعلا للحق يقول في دعائه: " اللهم اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم" فكيف بحالنا؟ وحال أمثالنا؟ لا شك أننا أحوج إلى السؤال والدعاء في ذلك، الدعاء لأنفسنا، والدعاء أيضا لمن نعلمه قد خالف الحق في ذلك، وإذا خالف وكفر وضل واعتدى على الإنسان في دينه أو في عرضه أو تكلم، لا يعني ذلك أن تقابل إساءته بمثلها بل تصبر عليه، تدعو له؛ لأن طالب العلم همه إصلاح الخلق، قد يستجيبون وقد لا يستجيبون، ليس عليك هداهم، ولكن الله يهدي من يشاء (١)

стр. 251

رسالة الإمام عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ ﵀ من عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن إلى عبد العزيز الخطيب. السلام على من اتبع الهدى، وعلى عباد الله الصالحين، وبعد: فقرأت رسالتك، وعرفت مضمونها، وما قصدته من الاعتذار. ولكن أسأت في قولك: إن ما أنكره شيخنا الوالد من تكفيركم أهل الحق، واعتقاد أصابتكم أنه لم يصدر منكم. وتذكر أن إخوانك من أهل "النقيع" يجادلونك، وينازعونك في شأننا، وأنهم ينسبوننا إلى السكوت عن بعض الأمور. وأنت تعرف أنهم يذكرون هذا غالبا على سبيل القدح في العقيدة والطعن في الطريقة، وإن لم يصرحوا بالتكفير، فقد حاموا حول الحمى، فنعوذ بالله من الضلال بعد الهدى، ومن الغي عن سبيل الرشد والعمى. وقد رأيت سنة أربع وستين رجلين من أشباهكم المارقين بالأحساء، قد اعتزلا الجمعة والجماعة، وكفرا من في تلك البلاد من المسلمين. وحجتهم من جنس حجتكم، يقولون: أهل الأحساء يجالسون ابن فيروز، ويخالطونه هو وأمثاله ممن لم يكفر بالطاغوت، ولم يصرح بتكفير جده (١) الذي رد دعوة الشيخ محمد، ولم يقبلها، وعاداها. قالا: ومن لم يصرح

стр. 252

بكفره، فهو كافر لم يكفر بالطاغوت، ومن جالسه فهو مثله. ورتبوا على هاتين المقدمتين الكاذبتين الضالتين ما يترتب على الردة الصريحة من الأحكام، حتى تركوا رد السلام. فرفع إلي أمرهم، فأحضرتهم، وتهددتهم، وأغلظت لهم القول. فزعموا أولا أنهم على عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأن رسائله عندهم. فكشفت شبهتهم، وأدحضت حجة ضلالتهم بما حضرني في المجلس، وأخبرتهم ببراءة الشيخ من هذا المعتقد والمذهب، وأنه لا يكفر إلا بما أجمع المسلمون على تكفير فاعله من الشرك الأكبر، والكفر بآيات الله ورسوله، أو بشيء منها، بعد قيام الحجة وبلوغها المعتبر، كتكفير من عبد الصالحين ودعاهم مع الله، وجعلهم أندادا له فيما يستحقه على خلقه من العبادات والإلهية. وهذا مجمع عليه عند أهل العلم والإيمان، وكل طائفة من أهل المذاهب المقلدة يفردون هذه المسألة بباب عظيم يذكرون فيه حكمها، وما يوجب الردة ويقتضيها، وينصون على الشرك. وقد أفرد ابن حجر (١) هذه المسألة بكتاب سماه: "الإعلام بقواطع الإسلام". وقد أظهر الفارسيان المذكوران التوبة والندم، وزعما أن الحق ظهر لهما، ثم لحقا بالساحل، ودعا إلى تلك المقالة، وبلغنا عنهم تكفير أئمة المسلمين بمكاتبة الملوك المصريين، بل كفروا من خالط من كاتبهم من

стр. 253

مشايخ المسلمين، نعوذ بالله من الضلال بعد الهدى، والحور بعد الكور. وقد بلغنا عنكم نحو من هذا، وخضتم في مسائل من هذا الباب، كالكلام في الموالاة والمعادات والمصالحة والمكاتبات، وبذل الأموال والهدايا، ونحو ذلك من مقالة أهل الشرك بالله والضلالات، والحكم بغير ما أنزل الله عند البوادي ونحوهم من الجفاة، لا يتكلم فيها إلا العلماء من ذوي الألباب ومن رزق الفهم عن الله وأوتي الحكمة وفصل الخطاب. والكلام في هذا يتوقف على معرفة ما قدمناه، ومعرفة أصول عامة كلية لا يجوز الكلام في هذا الباب- وفي غيره- لمن جهلها وأعرض عنها وعن تفاصيلها فإن الإجمال والإطلاق وعدم العلم بمعرفة مواقع الخطاب وتفاصيله يحصل به من اللبس والخطأ وعدم الفقه عن الله ما يفسد الأديان، ويشتت الأذهان، ويحول بينها وبين فهم السنة والقرآن، قال ابن القيم في كافيته رحمه الله تعالى فعليك بالتفصيل والتبيين ... فالإطلاق والإجمال دون بيان قد أفسدا هذا الوجود وخبطا ... الأذهان والآراء كل زمان وأما التكفير بهذه الأمور التي ظننتموها من مكفرات أهل الإسلام، فهذا مذهب الحرورية المارقين الخارجين على علي بن أبي طالب -أمير المؤمنين- ومن معه من الصحابة. فإنهم أنكروا عليه تحكيم أبي موسى وعمرو بن العاص في الفتنة التي وقعت بينه وبين معاوية وأهل الشام، فأنكرت الخوارج عليه ذلك، وهم في الأصل من أصحابه من قراء الكوفة والبصرة، وقالوا:

стр. 254

حكمت الرجال في دين الله، وواليت معاوية وعمرا، وتوليتهما، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾، وضربت المدة بينك وبينهم، وقد قطع الله هذه الموادعة والمهادنة منذ أنزلت " براءة" وطال بينهما النزاع والخصام، حتى أغاروا على سرح المسلمين، وقتلوا من ظفروا به من أصحاب علي. فحينئذ شمر ﵁ لقتالهم، وقتلهم دون النهروان بعد الإعذار والإنذار. والتمس المخدج المنعوت في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم وغيره من أهل السنن، فوجده علي، فسر بذلك، وسجد لله شكرا على توفيقه، وقال لو يعلم الذين يقاتلونهم ماذا لهم على لسان محمد ﷺ لنكلوا عن العمل. هذا وهم أكثر الناس عبادة وصلاة وصوما.

стр. 255

فصل ولفظ الظلم، والمعصية، والفسوق، والفجور، والموالاة، والمعاداة، والركون، والشرك، ونحو ذلك من الألفاظ الواردة في الكتاب والسنة قد يراد بها: مسماها المطلق، وحقيقتها المطلقة، وقد يراد بها مطلق الحقيقة. والأول هو الأصل عند الأصوليين. والثاني لا يحمل الكلام عليه إلا بقرينة لفظية أو معنوية. وإنما يعرف ذلك بالبيان النبوي وتفسير السنة، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾ ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ وكذلك اسم المؤمن، والبر، والتقي، يراد بها عند الإطلاق والثناء غير المعنى المراد في مقام الأمر والنهي. ألا ترى أن الزاني والسارق والشارب ونحوهم يدخلون في عموم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾. ولا يدخلون في مثل قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾

стр. 256

وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ الآية. وهذا هو الذي أوجب للسلف ترك تسمية الفاسق باسم الإيمان والبر. وفي الحديث: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه أبصارهم فيها وهو مؤمن " (١)، وقوله: " لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه" (٢). لكن نفي الإيمان هنا لا يدل على كفره، بل يطلق عليه اسم الإيمان، ولا يكون كمن كفر بالله ورسله. وهذا هو الذي فهمه السلف، وقرروه في باب الرد على الخوارج والمرجئة، ونحوهم من أهل الأهواء. فافهم هذا فإنه مضلة أفهام، ومزلة أقدام. وأما إلحاق الوعيد المرتب على بعض الذنوب والكبائر، فقد يمنع منه مانع في حق المعين، كحب الله ورسوله، والجهاد في سبيله، ورجحان الحسنات، ومغفرة الله ورحمته، وشفاعة المؤمنين، والمصائب المكفرة في الدور الثلاث.

стр. 257

ولذلك لا يشهدون لمعين من أهل القبلة بجنة ولا نار، وإن أطلقوا الوعيد كما أطلقه القرآن والسنة. فهم يفرقون بين العام المطلق، والخاص المقيد. وكان عبد الله حمار (١) يشرب الخمر، فأتي به إلى رسول الله ﷺ فلعنه رجل، وقال: ما أكثر ما يؤتى به إلى رسول الله ﷺ فقال النبي ﷺ (لا تلعنه، فإنه يحب الله ورسوله) مع أنه لعن الخمر، وشاربها، وبائعها، وعاصرها ومعتصرها وحاملها، والمحمولة إليه. وتأمل قصة حاطب بن أبي بلتعة (٢) وما فيها من الفوائد، فإنه هاجر إلى الله ورسوله، وجاهد في سبيله، لكن حدث منه أن كتب بسر رسول الله ﷺ إلى المشركين من أهل مكة، يخبرهم بشأن رسول الله ومسيره لجهادهم؛ ليتخذ بذلك يدا عندهم، تحمي أهله وماله بمكة، فنزل الوحي بخبره، وكان قد أعطى الكتاب ظعينة جعلته في شعرها، فأرسل رسول الله ﷺ عليا والزبير في طلب الظعينة، وأخبرهما أنهما يجدانها في روضة خاخ، فكان ذلك، وتهدداها حتى أخرجت الكتاب من ضفائرها، فأتي به رسول الله ﷺ فدعا حاطب بن أبي بلتعة، فقال له: (ما هذا؟) فقال: يا رسول، إني لم أكفر بعد إيماني، ولم أفعل هذا رغبة عن الإسلام، وإنما

стр. 258

أردت أن تكون لي عند القوم يد أحمي بها أهلي ومالي فقال ﷺ " صدقكم خلوا سبيله". واستأذن عمر في قتله، فقال: دعني أضرب عنق هذا المنافق (١). قال: " وما يدريك أن الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم؟ ". وأنزل الله في ذلك صدر سورة الممتحنة، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ الآيات. فدخل حاطب في المخاطبة باسم الإيمان، ووصفه به، وتناوله النهي بعمومه، وله خصوص السبب الدال على إرادته، مع أن في الآية الكريمة ما يشعر أن فعل حاطب نوع موالاة، وأنه أبلغ إليهم بالمودة، وأن فاعل ذلك قد ضل سواء السبيل. لكن قوله: " صدقكم خلوا سبيله" ظاهر في أنه لا يكفر بذلك؛ إذا كان مؤمنا بالله ورسوله، غير شاك ولا مرتاب، وإنما فعل ذلك لغرض دنيوي، ولو كفر لما قال: " خلوا سبيله". ولا يقال: قوله ﷺ "وما يدريك أن الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم " (٢) هو المانع من تكفيره؛ لأنا نقول: لو

стр. 259

كفر لما بقي من حسناته ما يمنع من لحاق الكفر وأحكامه، فإن الكفر يهدم ما قبله؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ وقوله: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ والكفر محبط للحسنات والإيمان بالإجماع، فلا يظن هذا. وأما قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ وقوله: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فقد فسرته السنة وقيدته، وخصته بالموالاة المطلقة العامة. وأصل الموالاة هي: الحب والنصرة والصداقة ودون ذلك مراتب متعددة، ولكل ذنب حظه، وقسطه من الوعيد والذم. وهذا عند السلف الراسخين في العلم من الصحابة والتابعين معروف في هذا الباب وفي غيره، وإنما أشكل الأمر وخفيت المعاني والتبست الأحكام على خَلُوف من العجم والمولدين الذين لا دراية لهم بهذا الشأن ولا ممارسة لهم بمعاني السنة والقرآن. ولهذا قال الحسن ﵁: "من العجمة أُتُوا". وقال عمرو بن العلاء لعمرو بن عبيد لما ناظره في مسألة خلود أهل الكبائر في النار، واحتج ابن عبيد أن هذا وعد، والله لا يخلف وعده -بشير إلى ما في القرآن من الوعيد على بعض الكبائر والذنوب بالنار والخلود، فقال له ابن العلاء: "من العجمة أتيت، هذا وعيد لا وعد، وأنشد قول

стр. 260

الشاعر: وإني وإن أوعدته أو وعدته ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي وقال بعض الأئمة فيما نقل البخاري أو غيره: إن من سعادة الأعجمي والعربي إذا أسلما أن يوفقا لصاحب سنة، وإن من شقاوتهما أن يمتحنا، وييسرا لصاحب هوى وبدعة. ونضرب لك مثلا: وهو أن رجلين تنازعا في آيات من كتاب الله، أحدهما خارجي، والآخر مرجئ. قال الخارجي: إن قوله: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ دليل على حبوط أعمال العصاة والفجار وبطلانها، إذ لا قائل: إنهم من عباد الله المتقين. قال المرجئ: هي في الشرك، فكل من اتقى الشرك يقبل منه عمله لقوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ قال الخارجي: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ يرد ما ذهبت إليه. قال المرجئ: المعصية هنا الشرك بالله، واتخاذ الأنداد معه لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. قال الخارجي: قوله: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا﴾ دليل على أن الفساق من أهل النار الخالدين فيها. قال له المرجئ قوله في آخر الآية ﴿وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾

стр. 261

دليل على أن المراد من كذب الله ورسوله، والفاسق من أهل القبلة مؤمن كامل الإيمان. ومن وقف على هذه المناظرة من جهال الطلبة والأعاجم ظن أنها الغاية المقصودة، وعض عليها بالنواجذ مع أن كلا القولين لا يرتضى، ولا يحكم بإصابته أهل العلم والهدى. وما عند السلف والراسخين في العلم خلاف هذا كله؛ لأن الرجوع إلى السنة المبينة للناس ما نزل إليهم واجب. وأما أهل البدع والأهواء فيستغنون عنها بآرائهم وأهوائهم وأذواقهم. وقد بلغني أنكم تأولتم قوله تعالى في سورة محمد: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ﴾ على بعض ما يجري من أمراء الوقت من مكاتبة، أو مصالحة، أو هدنة لبعض الرؤساء الضالين والملوك المشركين (١)، ولم تنظروا لأول الآية، وهي قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى﴾، ولم تفقهوا المراد من هذه الطاعة، ولا المراد من الأمر المعروف المذكور في هذه الآية الكريمة. وفي قصة صلح الحديبية، وما طلبه المشركون واشترطوه، وأجابهم إليه رسول الله ﷺ ما يكفي في رد مفهومكم، ودحض أباطيلكم.

стр. 262

فصل وهنا أصول: أحدها: أن السنة والأحاديث النبوية: هي المبينة للأحكام القرآنية وما يراد من النصوص الواردة في كتاب الله في باب معرفة حدود ما أنزل الله، كمعرفة المؤمن، والكافر، والمشرك، والموحد والفاجر، والبر، والظالم، والتقي، وما يراد بالموالاة والتولي، ونحو ذلك من الحدود. كما أنها المبينة لما يراد من الأمر بالصلاة على الوجه المراد في عددها، وأركانها، وشروطها، وواجباتها. وكذلك الزكاة، فإنه لم يظهر المراد من الآيات الموجبة، معرفة النصاب، والأجناس التي تجب فيها من الأنعام والثمار والنقود، ووقت الوجوب، واشتراط الحول في بعضها، ومقدار ما يجب في النصاب، وصفته: إلا ببيان السنة وتفسيرها. وكذلك الصوم والحج جاءت السنة ببيانهما، وحدودهما، وشروطهما، ومفسداتهما، ونحو ذلك مما توقف بيانه على السنة، وكذلك أبواب الربا وجنسه، ونوعه، وما يجري فيه، وما لا يجري، والفرق بينه وبين البيع الشرعي. وكل هذا البيان أخذ من رسول الله ﷺ برواية الثقات العدول، عن مثلهم، إلى أن تنتهي السنة إلى رسول الله ﷺ . فمن أهمل هذا وأضاعه، فقد سد على نفسه باب العلم والإيمان ومعرفة معاني التنزيل والقرآن.

стр. 263

الأصل الثاني: أن الإيمان أصل له شعب متعددة، كل شعبة منها تسمى إيمانا، فأعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق. فمنها ما يزول الإيمان بزواله إجماعا، كشعبة الشهادتين. ومنها ما لا يزول بزواله إجماعا، كترك إماطة الأذى عن الطريق، وبين هاتين الشعبتين شعب متفاوتة، منها ما يلحق بشعبة الشهادة، ويكون إليها أقرب، ومنها ما يلحق بشعبة إماطة الأذى عن الطريق، ويكون إليها أقرب. والتسوية بين هذه الشعب في اجتماعها مخالف للنصوص، وما كان عليه سلف الأمة وأئمتها. وكذلك الكفر -أيضا- ذو أصل وشعب، فكما أن شعب الإيمان إيمان، فشعب الكفر كفر. والمعاصي كلها من شعب الكفر، كما أن الطاعات كلها من شعب الإيمان، ولا يسوى بينهما في الأسماء والأحكام. وفرق بين من ترك الصلاة أو الزكاة أو الصيام، أو أشرك بالله، أو استهان بالمصحف، وبين من يسرق، ويزني أو يشرب، أو ينهب أو صدر منه نوع موالاة كما جرى لحاطب. فمن سوى بين شعب الإيمان في الأسماء والأحكام، أو سوى بين شعب الكفر في ذلك، فهو مخالف للكتاب والسنة، خارج عن سبيل سلف الأمة، داخل في عموم أهل البدع والأهواء. الأصل الثالث: أن الإيمان مركب من قول وعمل.

стр. 264

والقول قسمان: قول القلب وهو: اعتقاده. وقول اللسان، وهو التكلم بكلمة الإسلام. والعمل قسمان: عمل القلب، وهو قصده، واختياره، ومحبته ورضاه، وتصديقه. وعمل الجوارح: كالصلاة، والزكاة والحج، والجهاد، ونحو ذلك من الأعمال الظاهرة. فإذا زال تصديق القلب، ورضاه، ومحبته لله، وصدقه؛ زال الإيمان بالكلية. وإذا زال شيء من الأعمال كالصلاة والحج والجهاد مع بقاء تصديق القلب وقبوله؛ فهذا محل خلاف، هل يزول الإيمان بالكلية إذا ترك أحد الأركان الإسلامية، كالصلاة والحج والزكاة والصيام، أو لا يزول؟ وهل يكفر تاركه، أو لا يكفر؟ وهل يفرق بين الصلاة وغيرها، أو لا يفرق؟ فأهل السنة مجمعون على أنه من عمل القلب، الذي هو محبته ورضاه وانقياده. والمرجئة تقول: يكفي التصديق فقط، ويكون به مؤمنا. والخلاف في أعمال الجوارح، هل يكفر أو لا يكفر واقع بين أهل السنة، والمعروف عند السلف تكفير من ترك أحد المباني الإسلامية كالصلاة والزكاة والصيام والحج.

стр. 265

والقول الثاني: أنه لا يكفر إلا من جحدها. والثالث: الفرق بين الصلاة وغيرها. وهذه الأقوال معروفة. وكذلك المعاصي والذنوب التي هي فعل المحظورات، فرقوا فيها بين ما يصادم أصل الإسلام وينافيه، وما دون ذلك وبين ما سماه الشارع كفرا، وما لم يسمه. هذا ما عليه أهل الأثر المتمسكون بسنة رسول الله ﷺ وأدلة هذا مبسوطة في أماكنها. الأصل الرابع: أن الكفر نوعان: كفر عمل، وكفر جحود وعناد، وهو أن يكفر بما علم أن الرسول ﷺ جاء به من عند الله جحودا وعنادا، من أسماء الرب، وصفاته، وأفعاله، وأحكامه التي أصلها توحيده وعبادته وحده لا شريك له. وهذا مضاد للإيمان من كل وجه. وأما كفر العمل، فمنه ما يضاد الإيمان كالسجود للصنم، والاستهانة بالمصحف، وقتل النبي وسبه. وأما الحكم بغير ما أنزل الله، وترك الصلاة، فهذا كفر عمل لا كفر اعتقاد.

стр. 266

وكذلك قوله ﷺ : " لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض" (١) وقوله: " من أتى كاهنا فصدقه، أو امرأة في دبرها فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ (٢) فهذا من الكفر العلمي، وليس كالسجود للصنم، والاستهانة بالمصحف، وقتل النبي وسبه وإن كان الكل يطلق عليه الكفر. وقد سمى الله سبحانه من عمل ببعض كتابه وترك العمل ببعضه، مؤمنا بما عمل به، وكافرا بما ترك العمل به، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ الآية. فأخبر تعالى أنهم أقروا بميثاقه الذي أمرهم به والتزموه، وهذا يدل على تصديقهم به، وأخبر أنهم عصوا أمره، وقتل فريق منهم فريقا آخرين، وأخرجوهم من ديارهم، وهذا كفر بما أخذ عليهم. ثم أخبر أنهم يفدون من أسر من ذلك الفريق، وهذا إيمان منهم بما أخذ عليهم في الكتاب. وكانوا مؤمنين بما عملوا به من الميثاق، كافرين بما

стр. 267

تركوه منه. فالإيمان العملي يضاده الكفر العملي. والإيمان الاعتقادي يضاده الكفر الاعتقادي. وفي الحديث الصحيح" سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر" (١) ففرق بين سبابه وقتاله، وجعل أحدهما فسوقا لا يكفر به، والآخر كفرا، ومعلوم أنه إنما أراد الكفر العملي لا الاعتقادي. وهذا الكفر لا يخرجه من الدائرة الإسلامية، والملة بالكلية، كما لم يخرج الزاني والسارق والشارب من الملة، وإن زال عنه اسم الإيمان. وهذا التفصيل قول الصحابة الذين هم أعلم الأمة بكتاب الله وبالإسلام والكفر ولوازمهما، فلا تتلقى هذه المسائل إلا عنهم. والمتأخرون لم يفهموا مرادهم، فانقسموا فريقين: فريق أخرجوا من الملة بالكبائر، وقضوا على أصحابها بالخلود في النار. وفريق جعلوهم مؤمنين كاملي الإيمان. فأولئك غلوا، وهؤلاء جفوا، وهدى الله أهل السنة للطريقة المثلى، والقول الوسط الذي هو في المذاهب كالإسلام في الملل. فهاهنا كفر دون كفر، ونفاق دون نفاق، وشرك دون شرك وظلم دون

стр. 268

ظلم. فعن ابن عباس ﵄، في قوله -تعالى-: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ قال: "ليس هو الكفر الذي تذهبون إليه" رواه عنه سفيان وعبد الرزاق. وفي رواية أخرى "كفر لا ينقل عن الملة" (١). وعن عطاء: كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق. وهذا بين في القرآن لمن تأمله، فإن الله سبحانه سمى الحاكم بغير ما

стр. 269

أنزل الله كافرا، وسمى الجاحد لما أنزل الله على رسوله كافرا، وليس الكفران على حد سواء. وسمى الكافر ظالما في قوله: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، وسمى من يتعدى حدوده في النكاح والطلاق والرجعة والخلع ظالما، فقال: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾، وقال يونس ﵇: ﴿إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، وقال آدم ﵇: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ وقال موسى: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾، وليس هذا الظلم مثل ذلك الظلم. وسمى الكافر فاسقا في قوله: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾، وقوله: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾، وسمى العاصي فاسقا في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بنبأ فَتَبَيَّنُوا﴾، وقال في الذين يرمون المحصنات: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، وقال: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾، وليس الفسوق كالفسوق. وكذلك الشرك شركان: شرك لا ينقل عن الملة وهو: الشرك الأصغر، كشرك الربا. قال تعالى في الشرك الأكبر: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ﴾ الآية. وقال تعالى في شرك الرياء: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾.

стр. 270

وفي الحديث: (أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر) (١) وفي الحديث: (من حلف بغير الله فقد أشرك) (٢) ومعلوم أن حلفه بغير الله لا يخرجه عن الملة، ولا يوجب له حكم الكفار. ومن هذا قوله ﷺ : " الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل" (٣) فانظر كيف انقسم الشرك والكفر والفسوق والظلم إلى ما هو كفر ينقل عن الملة، وإلى ما لا ينقل عن الملة. وكذلك النفاق نفاقان: نفاق اعتقادي. ونفاق عملي. والنفاق الاعتقادي مذكور في القرآن في غير موضع، أوجب لهم تعالى به الدرك الأسفل من النار والنفاق العملي جاء في قوله ﷺ : " أربع من كن فيه كان منافقا

стр. 271

خالصا، ومن كانت فيه خلة منهن كانت فيه خلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر، وإذا اؤتمن خان" (١) قال بعض الأفاضل: وهذا النفاق قد يجتمع مع أصل الإسلام، ولكن إذا استحكم، وكمل، فقد ينسلخ صاحبه من الإسلام بالكلية، وإن صلى وصام، وزعم أنه مسلم فإن الإيمان ينهى عن هذه الخلال، فإذا كملت للعبد، ولم يكن له ما ينهاه عن شيء منها فهذا لا يكون إلا منافقا خالصا. انتهى. الأصل الخامس: أنه لا يلزم من قيام شعبة من شعب الإيمان بالعبد أن يسمى مؤمنا، ولا يلزم من قيام شعبة من شعب الكفر أن يسمى كافرا، وإن كان ما قام به كفر. كما أنه لا يلزم من قيام جزء من أجزاء العلم، أو من أجزاء الطب، أو من أجزاء الفقه أن يسمى عالما أو طبيبا أو فقيها. وأما الشعبة نفسها، فيطلق عليها اسم الكفر، كما في الحديث: "اثنتان في أمتي هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت (٢) وحديث: " من حلف بغير الله فقد كفر" (٣) ولكنه لا يستحق اسم الكفر على

стр. 272

الإطلاق. فمن عرف هذا عرف فقه السلف، وعمق علومهم، وقلة تكلفهم. قال ابن مسعود: (من كان متأسيا فليتأس بأصحاب رسول الله ﷺ فإنهم أبر هذه الأمة قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، فاعرفوا لهم حقهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم ". وقد كاد الشيطان بني آدم بمكيدتين عظيمتين، لا يبالي بأيهما ظفر: إحداهما: الغلو، ومجاوزة الحد والإفراط. والثانية: هي الإعراض والترك والتفريط. قال ابن القيم لما ذكر شيئا من مكائد الشيطان: قال بعض السلف: ما أمر الله تعالى بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان: إما إلى تفريط وتقصير، وإما إلى مجاوزة وغلو، ولا يبالي بأيهما ظفر. وقد اقتطع أكثر الناس إلا القليل في هذين الواديين: وادي التقصير، ووادي المجاوزة والتعدي، والقليل منهم الثابت على الصراط الذي عليه رسول الله صلى الله عليه وأصحابه. وعد ﵀ كثيرا من هذا النوع إلى أن قال: وقصر بقوم حتى قالوا: إيمان أفسق الناس وأظلمهم كإيمان جبريل وميكائيل، فضلا عن أبي بكر وعمر، وتجاوز بآخرين حتى أخرجوا من الإسلام بالكبيرة الواحدة (١)، (٢)

стр. 273

سئلت اللجنة الدائمة: من لم يحكم بما أنزل الله هل هو مسلم أم كافر كفرا أكبر وتقبل منه أعماله؟ فأجابت: الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله وصحبه .. وبعد. قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (١)، وقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٣) لكن إن استحل ذلك واعتقده جائزا فهو كفر أكبر، وظلم أكبر وفسق أكبر يخرج عن الملة. أما إن فعل ذلك من أجل الرشوة أو مقصد آخر وهو يعتقد تحريم ذلك فإنه آثم، يعتبر كافرا كفرا أصغر، وظالما ظلما أصغر، وفاسقا فسقا أصغر لا يخرجه من الملة، كما أوضح ذلك أهل العلم في تفسير الآيات المذكورة. وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. (٤)

стр. 274

فتاوى الأئمة في حكم الطعن في العلماء

стр. 275

قال عبد الله بن المبارك ﵀ (حق على العاقل أن لا يستخف بثلاثة: العلماء، والسلاطين، والإخوان، فإنه من استخف بالعلماء ذهبت آخرته، ومن استخف بالسلطان ذهبت دنياه، ومن استخف بالإخوان ذهبت مروءته. (١). قال الحافظ ابن عساكر ﵀: (واعلم يا أخي - وفقنا الله وإياك لمرضاته، وجعلنا ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته- أن لحوم العلماء -رحمة الله عليهم- مسمومة، وعادة الله في هتك أستار منتقصهم معلومة؛ لأن الوقيعة فيهم بما هم منه براء أمر عظيم التناول لأعراضهم بالزور والافتراء مرتع وخيم، والاختلاف على من اختاره الله منهم لنشر العلم خلق ذميم. (٢)

стр. 276

قال العلماء سعد بن عتيق محمد بن إبراهيم، عمر بن سليم، محمد بن عبد اللطيف، عبد الله العنقر ي " ومما ينبغي التنبيه عليه ما وقع من كثير من الجهلة من اتهام أهل العلم والدين بالمداهنة، والتقصير، وترك القيام بما وجب عليهم من أمر الله سبحانه، وكتمان ما يعلمون من الحق والسكوت عن بيانه. ولم يدر هؤلاء الجهلة أن اغتياب أهل العلم والدين، والتفكه بأعراض المؤمنين، سم قاتل، وداء دفين، وإثم واضح مبين، قال تعالى ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: آية ٥٨]. أقلوا عليهم لا أبا لأبيكمو من اللوم ... أو سدوا المكان الذي سدوا فإذا سمع المنصف هذه الآيات، والأحاديث والآثار، وكلام المحققين من أهل العلم والبصائر، وعلم أنه موقوف بين يدي الله ومسئول عما يقول ويعمل، وقف عند حده، واكتفى به عن غيره. وأما من غلب عليه الجهل والهوى، وأعجب برأيه، فلا حيلة فيه، نسأل الله العافية لنا، ولإخواننا المسلمين، إنه ولي ذلك والقادر عليه" (١).

стр. 277

قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ " الواجب على المسلم أن يحفظ لسانه عما لا ينبغي، وألا يتكلم إلا عن بصيرة. فالقول بأن فلانا لم يفقه الواقع، هذا يحتاج إلى علم، ولا يقوله إلا من عنده علم، حتى يستطيع الحكم بأن فلانا لم يفقه الواقع. أما أن يقول هذا جزافا. ويحكم برأيه على غير دليل، فهذا منكر عظيم لا يجوز، والعلم بأن صاحب الفتوى لم يفقه الواقع يحتاج إلى دليل، ولا يتسنى ذلك إلا للعلماء" (١).

стр. 278

مقال فضيلة الشيخ / د. صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين، أما بعد: فإنه لما حصل التفجير والتخريب من جماعة من الشباب غرر بهم، ولقنوا أفكارا فاسدة من قبل أعداء الإسلام والمسلمين، أجمع كل المحللين على أن سبب هذا العمل الإجرامي هو بعد الشباب عن العلماء الراسخين الموثقين، وقال بعض هؤلاء المحللين: إن العلماء مقصرون في توجيه هؤلاء الشباب وتحصينهم من تلك الأفكار الهدامة. وأقول: لا شك أن على العلماء واجبا عظيما في هذا المجال، ولكني أقول: أولا: هؤلاء الشباب الذين تلقنوا تلك الأفكار الهدامة ينفرون من العلماء ومن المجتمع كله، بل من والديهم وأقاربهم ولا يرون في المساجد ولا في ملتقى الناس وتجمعاتهم، وإنما يفرون إلى أمكنة مجهولة، يتلقون فيها التوجيهات من قادتهم وزملائهم، فكيف يتمكن العلماء من اللقاء بهم!! وهم يفرون ويتحاذرون منهم. ثانيا: هناك من يسقط منزلة العلماء في المجتمع من خلال الفضائيات ومن خلال بعض الصحف، فهناك من يسب الأئمة القدامى، كالإمام أحمد وشيخ الإسلام ابن تيمية وشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وغيرهم، ويفضل علماء الضلال عليهم، كعلماء الجهمية، والمعتزلة، والباطنية،

стр. 279

وهناك من يقلل من شأن العلماء المعاصرين، ويصفهم بالتشدد، والسطحية في التفكير، وقصور النظر، وأنهم لا يفهمون فقه الواقع، وأنهم علماء جزئيات، وأصحاب مناصب، أو علماء سلاطين، أو عملاء، وغير ذلك من الألقاب المنفرة عنهم، ويلمعون للشباب أصحاب المناهج الجديدة، والمفكرين، الذين ليس عندهم علم بالأحكام الشرعية، وإنما عندهم ثقافة عامة، لا تفرق بين صحيح وسقيم في العقيدة، فكيف يلقى باللائمة مع هذه المعوقات على العلماء؟! أو يقال إنهم في بروج عاجية لا يلتقون بالشباب ولا ينزلون في الميادين .. ثالثا: هناك من يقولون إذا أفتى العلماء بخلاف ما يهوون فإن العلم ليس مقصورا على علماء المملكة، فهناك علماء يرون غير هذا الرأي الذي رآه علماء المملكة، وكأن الشريعة في نظر هؤلاء تؤخذ من آراء الرجال والله تعالى يقول: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: آية ٥٩]. فالله لم يكلنا عند الاختلاف إلى آراء العلماء، وإنما أمرنا بالرد إلى كتابه وسنة رسوله، والأخذ بالذي يعضده الدليل من أقوال العلماء، فإن لم يظهر الدليل مع أحدهم وصارت الأقوال متساوية، فإن العمل على ما عليه القضاء والفتوى في البلد، على القاعدة التي تقول: (حكم الحاكم يرفع الخلاف) فالأمور الشرعية ولله الحمد منضبطة، وليست فوضى بحسب الأهواء والرغبات. والذين يقولون هذه الأقوال في حق العلماء يريدون نزع الثقة بهم،

стр. 280

وفصل المجتمع وخصوصا الشباب عنهم، وهذا هدم وتضييع، والشاعر يقول: متى يبلغ البنيان يوما تمامه إذا كنت تبني وغيرك يهدم ويقول الآخر: أرى ألف بان لا تقوم لهادم ... فكيف ببان خلفه ألف هادم وإذا لم ترد الأمور إلى أهل العلم الراسخين، وأهل الرأي الحصيف من العقلاء؛ ضاعت الأمور، واختلطت المعايير، كما قال الشاعر: لا يصلح الناس فوضى لا سراة ... لهم ولا سراة إذا جهالهم سادوا والله تعالى يقول: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: آية ٨٣]. فالواجب ألا يتدخل في القضايا العامة وحل المشكلات المعضلة إلا أهل العلم، وساسة الأمة، ولا يتدخل في ذلك أصحاب الأهواء والنزعات. نسأل الله أن يوفق علماءنا وولاة أمورنا لما فيه الخير والصلاح، وأن يجعلهم هداة مهتدين، وأن يصلح بطانتهم، ويبعد عنهم بطانة السوء والمفسدين، وأن يصلح ولاة أمور المسلمين في كل مكان، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه (١).

стр. 281

فتاوى الأئمة في بعض أحكام الصلح والجهاد

стр. 282

قال الشيخ سعد بن عتيق ﵀ -: "ومما انتحله بعض هؤلاء الجهلة المغرورين: الاستخفاف بولاية المسلمين، والتساهل بمخالفة إمام المسلمين، والخروج عن طاعته، والافتيات عليه بالغزو وغيره، وهذا من الجهل والسعي في الأرض بالفساد بمكان، يعرف ذلك كل ذي عقل وإيمان، وقد علم بالضرورة من دين الإسلام أنه لا دين إلا بجماعة ولا جماعة إلا بإمامة، ولا إمامة إلا بسمع وطاعة وإن الخروج عن طاعة ولي أمر المسلمين من أعظم أسباب الفساد في البلاد والعباد والعدول عن سبيل الهدى والرشاد " (١). وقال الشيخ عمر بن محمد بن سليم ﵀: " ... ولا يجوز الافتيات عليه بالغزو وغيره وعقد الذمة والمعاهدة إلا بإذنه، فإنه لا دين إلا بجماعة ولا جماعة إلا بإمامة، ولا إمامة إلا بسمع وطاعة، فإن الخروج عن طاعة ولي الأمر من أعظم أسباب الفساد في البلاد والعباد" (٢).

стр. 283

جواب سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀ - سائل يسأل عن تفسير الآية الرابعة من السورة الكريمة: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (١). الجواب: الذين لهم عهد أمر الله رسوله أن يتم عهدهم لهم، ما لم يغيروا، أو ينقضوا العهد، أو يظاهروا أعداء المسلمين، فإن ظاهروهم وجب قتالهم، وإن نقضوا العهد فكذلك، ولذلك لما ساعدت قريش بني بكر على خزاعة، انتقض عهد قريش وبني بكر، وحاربهم النبي ﷺ يوم الفتح، ودخل مكة وفتحها عنوة عام ثمان من الهجرة، لنقضهم العهد؛ لأن خزاعة كانت في حلف النبي ﷺ وكانت بنو بكر في حلف قريش وعهدهم، فهجدت بنو بكر خزاعة، يعني: تعدت عليهم، وأتوهم بغتة -أي: فجأة- وقاتلوهم وهم في حلف رسول الله ﷺ فاستنجدوا بالرسول ﷺ وطلبوا منه أن ينصرهم، ووعدهم النصر، وكانت قريش قد ساعدتهم بالمال والسلاح؛ فلهذا غزاهم النبي ﷺ وفتح الله عليه مكة؛ لنقضهم العهد، وكان قد عاهدهم عشر سنين، فلما نقضوا العهد بمساعدتهم بني بكر انتقض عهدهم، وغزاهم النبي ﷺ وفتح الله عليه (٢).

стр. 284

سؤال: إنني أحب الجهاد وقد امتزج حبه في قلبي. ولا أستطيع أن أصبر عنه، وقد استأذنت والدتي فلم توافق، ولذا تأثرت كثيرا ولا أستطيع أن أبتعد عن الجهاد. سماحة الشيخ: إن أمنيتي في الحياة هي الجهاد في سبيل الله وأن أقتل في سبيله وأمي لا توافق. دلني جزاك الله خيرا على الطريق المناسب؟ الجواب: جهادك في أمك جهاد عظيم، الزم أمك وأحسن إليها، إلا إذا أمرك ولي الأمر بالجهاد فبادر، لقول النبي ﷺ : "وإذا استنفرتم فانفروا" (١). وما دام أن ولي الأمر لم يأمرك، فأحسن إلى أمك، وارحمها، واعلم أن برها من الجهاد العظيم، قدمه النبي ﷺ على الجهاد في سبيل الله، كما جاء بذلك الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ فإنه قيل: (يا رسول الله أي العمل أفضل؟ قال: الصلاة على ميقاتها. قلت: ثم أي؟ قال: ثم بر الوالدين. قلت ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله. فسكت عن رسول الله ﷺ ولو استزدته لزادني) [متفق على صحته]. فقدم برهما على الجهاد. عن عبد الله بن عمرو، قال: جاء رجل إلى النبي يستأذنه في الجهاد فقال: " أحي والداك؟ قال: نعم. قال: " ففيهما فجاهد". [متفق على صحته]. وفي رواية أخرى قال ﷺ : " قال: ارجع إليهما فاستأذنهما فإن أذنا لك فجاهد وإلا فبرهما" (٢)، فهذه الوالدة: ارحمها وأحسن إليها، حتى تسمح

стр. 285

لك، وهذا كله في جهاد الطلب، وفي ما إذا لم يأمرك ولي الأمر بالنفير، وأما إذا نزل البلاء بك فدافع عن نفسك وعن إخوانك في الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وهكذا إذا أمرك ولي الأمر بالنفير فانفر ولو بغير رضاها، لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [التوبة: آية ٣٨] (١). س: هل يعتبر عمل المتطوعين في التعاون مع رجال الأمن من الرباط، أم لا؟ ج: عمل المتطوعين في كل بلد ضد الفساد مع رجال الأمن يعتبر من الجهاد في سبيل الله لمن أصلح الله نيته، وهو من الرباط في سبيل الله؛ لأن الرباط هو لزوم الثغور ضد الأعداء، وإذا كان العدو قد يكون في الباطن، واحتاج المسلمون أن يتكاتفوا مع رجال الأمن ضد العدو الذي يخشى أن يكون في الباطن يرجى لهم أن يكونوا مرابطين، ولهم أجر المرابط لحماية البلاد من مكائد الأعداء الداخليين. وهكذا التعاون مع رجال الهيئة الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر يعتبر من الجهاد في سبيل الله في حق من صلحت نيته، لقول الله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٢)، وقول النبي ﷺ : " ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان
следующие страницы →