← Акыда

Акыда · id 36571

الأجوبة الكافية عن الأسئلة الشامية

الكافي التونسي

Полный текст (168 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الرسول ﷺ وأصحابه العدول وأما سبب التفرق فيحتمل ما قاله

стр. 107

ويحتمل غيره، والله أعلم. (قوله) وقال مسروق: سألت أبي بن كعب عن شيء قال: أكان بعد؟ قلت: لا، قال: فاصبر حتى يكون فإذا كان اجتهدنا لك رأينا. أقول: أنه حجة عليه أيضا تأمل. قوله: وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: أدركت مائة وعشرين من الأنصار من أصحاب محمد ﷺ منهم من أحد يحدث بحديث إلا ود أن أخاه كفاه إياه، ولا يستفتى عن شيء إلا ود أن أخاه كفاه إياه، وفي رواية يسأل أحدهم المسألة فيردها إلى هذا حتى ترجع إلى الأول * فيه رد لقوله السابق إشارة إلى أن الفتوى ... إلخ، ولقولهم لا يؤخذ بقول الغير ولا يؤخذ إلا بالأصلين تأمل. قوله: ثم بعد الصحابة أراد الله أن يصدق نبيه في قوله تفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة أعظمها فرقة على أمتي يقيسون الأمور برأيهم فيحللون الحرام ويحرمون الحلال، رواه البراز في مسنده عن جبير بن نفير عن عوف بن مالك الأشجعي عنه ﷺ . (فيه نظر من وجهين الأول: صريح عبارته أن الافتراق ما وقع إلا بعد زمن الصحابة، وليس بصحيح، بل بدأ الافتراق من زمنهم يعلم ذلك أهل الخبرة، الثاني: لم يبين كيفية قياس الفرقة التي تقيس برأيها التي هي أعظم بلية على هذه الأمة فعدم بيان كيفية القياس بالرأي دليل في علة الحكم مشاركة بينة، ولا يمنع ذلك إلا من شذ كأستاذهم ابن حزم، وإنما شنع من شنع على أهل الرأي الذين يقيسون (١) الأدلة

стр. 108

له لم يعتقد بها الجمهور لوجود ما يعارضها، والمعول عليه عندهم أنه متى فقد النص فلا غبار على القياس للمتأهل لذلك، وحقه أن يقول في بيان الفرقة: هم الذين يقيسون الأمور برأيهم من غير مراعاة شروط القياس المقررة، فلو فعل ذلك لأدى وظيفة العالم وهى بيان حقيقة الشيء عند الحاجة إليه، ولكن إذا كان الإنسان مريض القلب يميل إلى ما يهوى. قوله: فكثرت الوقائع والنوازل في التابعين، ومن بعدهم واجتهدوا بآرائهم لمن اضطر ولمن لم يضطر، ووصلت إلى من بعدهم من الفقهاء ففرعوا عليها وقاسوا واجتهدوا في إلحاق غيرها بها، فتضاعفت مسائل الفقه وشككهم إبليس ووسوس في صدورهم واختلفوا كثيرا من غير تقليد، فقد نهى إمامنا الشافعى عن تقليده وتقليد غيره كما سنذكره في فصل، وكانت تلك الأزمنة مملوءة بالمجتهدين، فكل صنف على ما رأى وتعقب بعضهم بعضا مستمدين من الأصلين الكتاب والسنة وترجيح الراجح من أقوال السلف المختلفة بغير هوى. (فيه صدق وكذب وقلة حياء وحجة عليه وعلى من هو على شاكلته) فقوله: فكثرت الوقائع إلى قوله: مسائل الفقه صدق، وقوله: وشككهم إبليس ووسوس في صدورهم كذب؛ لأنه أخبر بما لم يعلم وقلة حياء لتطاوله على خيار خير القرون من بعد قرن

стр. 109

الصحابة وهم مجتهدون من التابعين وتابعيهم. والحجة ظاهرة من حيث إنهم اجتهدوا لمن اضطر وغيره، وهم العدول من غير ريب ولم يطعن فيهم إلا زنديق غير متدين؛ لأن الدين ما وصل إلينا إلا من طريقهم، ومن حيث إن الغير أخذ برأيهم من غير نكير على الآخذ، ولم يقل له: أنك أخذت بزبالة أذهان الرجال ... إلخ، ولم يكلفوهم الاجتهاد، بل كل من أتاهم مستفتيا أفتوه بالمنصوص إن كان، وإلا اجتهدوا له وأخبروه بما ترجح في ظنهم؛ لأن الأحكام الفقهية المجتهد فيها مظنونة غير مقطوع بها، والآخذ بها ناج عند الله تعالى، ولم يكلفنا مولانا بالاجتهاد مطلقا أعني من توفرت فيه شروط الاجتهاد، ومن لم يتوفر فيه ولم يكلفنا بالحكم في الواقع ونفس الأمر فضلا منه تعالى. قوله: ولم يزل الأمر على ما وصفت إلى أن استقرت المذاهب المدونة ثم اشتهرت المذاهب الأربعة وهجر غيرها. * وهو كذلك وكانت المذاهب كثيرة كمذهب أبي ثور والأوزاعي والليث بن سعد * ثم اشتهرت المذاهب الأربعة، نعم وشهرتها ببقاء متبعيها والآخذين بها وهجر غيرها لانقطاع مقلديها، وقد أخبرني بعض مشائخي أن مذهب الإمام الليث بقي معمولا به إلى القرن السادس. قوله: فقصرت همم اتباعهم إلا قليلا منهم فقلدوا بعد ما كان التقليد لغير الرسل حراما. (هو كذلك) بالنسبة لقصور الهمم عن الاجتهاد المطلق المطلوب لهذا الكاتب، إلا أن في عبارته تنافيا ودعوى غير صحيحة أما التنافي فحاصل بين قوله اتباعهم وقوله إلا قليلا؛ لأن التابع مهما طال باعه فقاصر عن الاجتهاد المطلق، ولو بلغه لما كان تابعا فقوله: إلا قليلا لا محل له عند من يحسن النقد، وأما الدعوى الفاسدة فقوله: فقلدوا إلى قوله: حراما وجه ذلك

стр. 110

هو أن عبارته تقتضي أن التقليد لم يكن قبل، وإنما حدث بعد تقرر المذاهب، وليس بصحيح، بل التقليد جائز واقع في زمنه ﷺ وفي زمن الصحابة، فكان الصحابي يأخذ بقول الصحابي من غير نكير عليه، ووقائع ذلك كثيرة شهيرة مسطرة في كتب الحديث نعوذ بالله تعالى من نزغات الشيطان وفلتات اللسان وطغيان القلم وغواية إبليس الإنسي .. قوله: بل صارت أقوال أئمتهم عندهم بمنزلة الأصلين. (هو كذلك) عندهم ولا شائبة نقص في ذلك البتة؛ لأن أقوال أئمتهم مأخوذة ومستنبطة من الأصلين ومن بقية أدلة الفروع المقررة عندهم، فهي أحكام الله بلا ريب عند المتقين؛ ولأن الموضوع أنهم غير قادرين على أخذ الأحكام الفرعية من أصولها فنص العلماء المقتدي بهم حسبما تأتي عبارتهم على أن المقلد تنزل أقوال وقواعد أمامه منزلة الأصول فيأخذ منها ويقيس عليها إن اقتضى الأمر ذلك ولا يسوغ له أن يتطاول إلى الأخذ من أصول الفقه لعجزه، وإنما يأخذ منها المجتهد المطلق، والمقلدون إنما قلدوهم لكونهم أعلم منهم بحكم الله تعالى وتلقوا منهم ما قلدوهم فيه على أنه حكم الله تعالى لا على أنه من مخترعاتهم التي لا مستند لها من الله تعالى، حتى يكونوا مثل أحبار اليهود ورهبان النصارى الذين غيروا دين الله تعالى تبعا لهواهم وإبقاء لمناصبهم، واتبعهم اليهود والنصارى فيما غيروه وبدلوه فصدق عليهم قوله تعالى ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ وأما المجتهدون الأئمة الأربعة وغيرهم ممن مضى قبلهم فننزههم عن التغيير والتبديل في أحكام رب العالمين، بل كل ما أداهم إليه اجتهادهم هو حكم رب العالمين في الظاهر، وإنما نحن مأمورون باتباع الظاهر ولسنا مكلفين بغير الظاهر

стр. 111

قطعا لقوله ﵊: أمرت أن أحكم بالظاهر والله يتولي السرائر، أو كما قال ﵊، ولقوله ﵊ تبكيتا وزجرا لسيدنا خالد بن الوليد في قضية الصابي: هلا شققت صدره أو كما، قال فلم يكونوا أربابا لمن تبعهم، وننزه أتباعهم أيضا عن أن يكونوا مثل اليهود والنصارى للفارق البين، وهو أن اليهود والنصارى اتبعوا من ذكر في دين مغير مبدل، فصح ما قيل في حقهم، وأما أتباع المجتهدين فإنما تبعوهم في دين غير مبدل ولا مغير فلم يخذوهم أربابا من دون الله بل لا رب لهم إلا الله تعالى. فقوله: وذلك معنى قوله تعالى ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ كذب وافتراء وجريمة عظيمة ارتكبها بالنسبة للتابع والمتبوع ما أقبح التهور خصوصا على عظماء المسلمين، اللهم احفظ سمعنا وبصرنا وخاطرنا وجميع جوارحنا من أن نتطاول على من لا يستحق التطاول عليه، وانصر المحقين على المبطلين، ومن رام تنقيص علماء المسلمين من هؤلاء الفرق الباغية الطاغية التي تريد الدين أن يكون على حسب هواها، بل بعضهم يود محوه بالمرة ﴿يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله ألا أن يتم نوره ولو كره الكافرون﴾. قوله: فعدم المجتهدون وغلب المقلدون وكثر التعصب (فيه تفصيل) في الحكم فقوله: فعدم المجتهدون صدق، وقوله: وغلب المقلدون فيه ركة من جهة اللفظ والمعنى، أما من جهة اللفظ فلأن الذي يقابل العدم البقاء فحقه أن يقول: وبقي المقلدون، وأما من جهة المعنى فلأن قوله: وغلب المقلدون يقتضي وجود بعض المجتهدين إلا أن الغالب المقلدون، وقد حكم قبل بانعدام المجتهدين بتاتا تأمل إن كنت ذا فهم. قوله: وكثر التعصب فيه تفصيل فإن كان

стр. 112

التعصب لإحقاق حق وإبطال باطل فممدوح يثاب عليه، وإن كان التعصب لإخفاء حق وإظهار باطل فمذموم يعاقب عليه فاعله إن لم يتب. (قوله) كفروا بالرسول حيث قال: يبعث الله في كل مائة سنة من ينفي تحريف الغالين وانتحال المبطلين، وحجروا على رب العالمين مثل اليهود أن يبعث بعد أئمتهم وليا مجتهدا. (فيه) من سوء التعبير ووقاحة الجراءة وخلع عذار الإيمان ما لا مزيد عليه فنسبة الكفر إليهم غير جائزة قطعا سواء أردنا معناه الحقيقي أو التحميس، كما قاله بعض أتباعهم وسواء أردنا كفر البعض أو أردنا كفرا دون كفر الذي ترجم له البخاري، كما قاله صاحب المنار فعبارته مؤاخذ بها ولا ينفي شؤم المؤاخذة عنه جواب من أجاب عنه من شيعته، بل من أجاب عنه يعد مبرئا له في الظاهر ومنتصرا له في الباطن؛ لأن المذهب واحد فيكون شريكه في جريمته الشنعاء. (قوله) حيث قال: يبعث الله إلى قوله: المبطلين هو من تحريف الغالين وانتحال المبطلين؛ لأن حديثا ورد عن النبي (١) بهذه الصورة لم يكن قطعا قوله: وحجروا على رب العالمين إلى قوله: مجتهد. (كذب واعتداء) فالكذب إخباره بأنهم حجروا على الله، ومن يقدر أن يحجر على الله، بل موقنون بأنه فاعل مختار في قدرته أن يؤهل من شاء للاجتهاد

стр. 113

المطلق في أي زمان ومكان شاء غاية ما عندهم أنهم يقولون (١) لم يوجد بعد تقرر المذاهب الأربعة من توفرت فيه شروط الاجتهاد المقررة عندهم، وإنما يوجد دجالون أصحاب دعاوى باطلة لا يتبعهم إلا رعاع الناس ولا تمضي مدة يسيرة حتى ينقطع أثرهم، كما أن كثيرا ادعى المهدية لوجود آثار تنص على ظهور الفاطمي في آخر الزمان، وكذلك سمى كثير من العرب أبناءهم محمدا طمعا في أنه يكون رسول آخر الزمان، وذلك لما أخبرتهم أحبار اليهود بأن رسول آخر الزمان يسمى محمدا حان أوان ظهوره، ولكن الله أعلم حيث يجعل رسالاته، فمثل ما عليه المدعون زبد، وما عليه الأربعة ما ينفع الناس وقد أخبر الله تعالى بحكم القسمين في كتابه تعالى فقال عز من قائل ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا﴾ الآية، ولا يلزم أن يكون المجدد الذي أخبر به النبي ﷺ مجتهدا مطلقا، بل يصح أن يكون مجتهدا في الفتوى وسنبين الفرق بينهما وهذا هو المتعين؛ لأن الذين قيل في حقهم أنهم مجددون كابن عرفة المالكي لم يكونوا مجتهدين اجتهادا مطلقا، وإنما كانوا مجتهدين اجتهاد الفتوى وبهم انتفع الناس وارتفع كعب العلم، انظر تراجمهم تجد الحقيقة كما ذكرت لك والاعتداء تطاوله على مقام الأبرياء من دعواه الكاذبة

стр. 114

الشنعاء الشوهاء فيا غارة الله خذي واستأصلي كل مارق مبتدع مفتون سولت له نفسه استحسان القبيح واستقباح الحسن حتى رأى الحلك +بلجا اللهم لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا ولا تجعلنا عرضة لأوليائك وأحبابك وانفعنا بهم، وهذه الطائفة التي منها هذا الرجل يستسهلون التكفير بدون موجبه المعتبر عند أهل الشرع حتى كفروا من يزور القبور، وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام معهم في ذلك بما يسر المطلع على كتابنا هذا. (قوله) حتى آل بهم التعصب إلى أن أحدهم إذا ورد عليه شيء من الكتاب أو السنة الثابتة على خلافه يجتهد في دفعه بكل سبيل من التأويل البعيدة نصرة لمذهبه ولقوله. (أقول) لا ضرر في ذلك التعصب حسبما أقرر لك، وذلك أن المقلد لا قدرة له على مدرك الأحكام من الكتاب أو السنة ولو اطلع على الناسخ والمنسوخ والعام والخاص والمطلق والمقيد وغير ذلك مما يتعلق بالكتاب والسنة لاختصاص المجتهد بتوفيق زيادة عما ذكر لم ينله غيره، فعدم قبوله لما ورد من الكتاب والسنة إنما هو من هذه الحيثية، وأما لو حصل له العلم بأن ما أورد عليه هو الحكم وأن ما عنده من حكم مذهبه ليس بالحكم الحق لوجب عليه قبوله ولو فرض أنه رده بعد حصول العلم لكفر قطعا بلا تردد، وفي هذه الحالة ليس بمقلد، وأهل هذه الطائفة الزائغة يشنشنون ويطنطنون بعبارات توهم من لم يجلس أمام الشيوخ الراسخين الغواصين على الدر في معادنه أنهم على حق، وأنهم دعاة للخير وأنهم مصلحون كما سموا أنفسهم بذلك كلا كلا ورب البيت ما هم بمحقين ولا دعاة للخير ولا مصلحين، ونقيض القضايا الثلاث هو المتحقق فيهم في الواقع ونفس الأمر يعلم الله ذلك منهم وأهل الخبرة

стр. 115

بهم. (قوله) ثم تفاقم الأمر حتى صار الكثير منهم لا يرون الاشتغال بعلوم القرآن والحديث ويرون أن ما هم عليه هو الذي ينبغي المواظبة عليه فبدلوا بالطيب خبيثا وبالحق باطلا واشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين. (فيه تفصيل) أما قوله: حتى صار الكثير إلى قوله: والحديث (فهو) كذلك لكن على وجه حسن ممدوح وهو أنهم لا يرون الاشتغال بهما من حيث أخذ الأحكام منهما لعجزهم عن ذلك، لما تقرر سابقا ويأتي أيضا إن شاء الله تعالى، وأما الاشتغال بهما من حيث تأييد الأحكام المقررة المأخوذة عن أئمتهم فلم ينقطع، ومن حيث التبرك بهما لاستنارة القلوب بسماعهما فلم ينقطع أيضا، ومدعي الانقطاع يكذب بالمشاهدة أعني في زمان هذا القائل، نعم قد تنازل ذلك جدا في زماننا نحن، لكن لا خصوصية لعلم الكتاب والسنة، بل تنازل أيضا الاشتغال بسائر العلوم النقلية وكثير من العلوم العقلية، بل كاد يتلاشى القسم الأول إنا لله وإنا إليه راجعون. (وأما قوله) ويرون أن ما هم عليه إلى قوله عليه فهو كذلك وينبغي في كلامه بمعنى يجب؛ لأنه يجب على كل مكلف أن يعلم حكم ما كلف به من عبادات ومعاملات إن احتاج إلى ذلك، والأحكام قد قررت وسطرت فلا يحتاج المكلف العاجز عن الاجتهاد إلا إلى تناول الأحكام من أفواه المشايخ أو بطون الكتب المعول عليها إن كان فيه قابلية لذلك، فهم على صراط مستقيم وحق بين وطيب مأخوذ من أصول طيبة وهدي كامل وتجارتهم رابحة وما خسروا ألبتة إن عملوا بما سطر لهم، فما بدلوا طيبا بخبيث ولا حقا بباطل وما اشتروا ضلالة بهدى وربحت تجارتهم وكانوا مهتدين. (فقوله) فبدلوا بالطيب

стр. 116

إلى قوله وما كانوا مهتدين قول أفاك أثيم ظالم لنفسه ولغيره بما ارتكبه من الجرم العظيم من وصف المسلمين بصفات الكافرين، فالله تعالى يجازي بعدله قائل هذا الكلام، وكل من أصغى إليه سمعه واستحسنه شر جزاء دنيا وأخرى. (قوله) ثم نبغ آخرون صارت عقيدتهم في الاشتغال بعلوم الأصلين يرون أن الأولى من الاقتصار على نكت خلافية وضعوها وأشكال منطقية ألفوها. (غير مرتبط) معناه حتى يصح الكلام معه بإثبات أو رد ولعل في العبارة سقطا. (قوله) وقال عمر بن الخطاب: اتهموا الرأي على الدين، وقال سهل بن حبيب: اتقوا الرأي في دينكم، وقال عبد الله بن مسعود: يحدث قوم يقيسون الأمور برأيهم فيهدم الإسلام صدق بالنسبة لمن يقيس برأيه مع وجود النص وبالنسبة لغير المتأهل للقياس، وأما إذا استوفيت شروط القياس فلا بأس به كما تقدم وإن أراد بهذا النقل عدم التقليد فيرد عليه بنقله هو نفسه السابق عن الصحابة راجعه إن شئت، وحاصل ما تقدم له إجمالا هو أن الصحابة كانوا يقولون لمن استفتاهم: أوقع ذلك؟ فإن قال: نعم أفتوه بما عندهم من النص من الكتاب والسنة، وإذا لم يكن لديهم نص في المسألة من الكتاب أو السنة اجتهدوا له برأيهم، وإن قال: لم يقع قالوا: له دعه ... إلخ ما تقدم، فيا للعجب ممن يناقض نفسه بنفسه مع كونه يشار له بالبنان عند العامة والداعي لتعظيم العامة، والطلبة الذين هم في عداد العامة لأمثال هؤلاء أحد أمور أن يكون ذا سلطة أو طلاقة لسان مع عذوبة ألفاظ أو حسن تركيب للألفاظ كتابة وإنشاء، وأعظمها إذا اجتمعت فيه الثالثة فمن حصل له واحد مما تقدم أو الكل فقوله هو القول الفصل

стр. 117

ولو كان مختل المعنى عقيم النتيجة متناقض القضايا ولو كانت أخباره كاذبة؛ لأنهم أخذوها على صيته ومدح الكثير له، وهذا النوع هو الغالب في زماننا؛ لأنهم لا يفرقون بين الغث والسمين، ولا بين ذي الورم وذي الشحم، بل عندهم كل بيضاء شحمة وكل سوداء فحمة، والواقع ليس كذلك نسأل الله تعالى أن يلهمنا وإياهم رشدنا، وأن يرجعنا وإياهم إلى الحق وإلى طريق مستقيم. (قوله) ما عبدت الشمس والقمر إلا بالرأي إلى آخر كلامه فيه تحذير عن القياس المعبر عنه بالرأي وتشنيع عن القائلين به والآخذين به، وقد تقدم لنا بيان القياس المذموم والقياس الممدوح فلا تغفل ولا تغتر بتهويله وتقريعه فإن ارتكاب ذلك مع عدم تحرير المناط يعد سفسطة وتمويها، وشأن هذه الطائفة ارتكاب ذلك كثيرا نسأل الله تعالى أن يوفقنا وإياهم لاتباع سنن الهدى بمنه وفضله آمين. (مبحث في الاجتهاد والتقليد) وذكر عبارة ابن حزم الموعود بها آنفا قال العلامة ابن حزم: مسألة دين الإسلام: الإسلام اللازم لكل أحد لا يؤخذ إلا من القرآن أو مما صح عن رسول الله ﷺ رواية جميع الأمة عنه ﵊ وهو الإجماع، وإما بنقل جماعته عنه ﵊ وهو نقل الكافة وإما برواية الثقات واحد عن واحد حتى يبلغ إليه ﵇ ولا مزيد. (مسألة) الموقوف والمرسل لا تقوم بهما حجة، وكذلك ما لم يروه إلا من لا يوثق بدينه وبحفظه ولا يحل ترك ما جاء في القرآن أو صح عن رسول الله ﷺ لقول صاحب أو غيره، سواء كان هو راوي الحديث أو لم يكن، والمرسل هو ما كان بين أحد رواته أو بين الراوي وبين النبي ﷺ من لا يعرف، والموقوف هو ما لم يبلغ به إلى النبي ﷺ إلى

стр. 118

أن قال: (مسألة) والواجب إذا اختلف الناس أو نازع واحد في مسألة أن يرجع إلى القرآن وسنة رسول الله ﷺ لا إلى شيء غيرهما، ولا يجوز الرجوع إلى عمل أهل المدينة ولا غيرهم. (مسألة) ولا يحل القول بالقياس في الدين ولا بالرأي؛ لأن أمر الله تعالى عند التنازع بالرد إلى كتابه وإلى رسوله ﷺ قد صح، فمن رد إلى قياس وإلى تعليل يدعيه أو إلى رأي فقد خالف أمر الله تعالى المعلق بالإيمان، ورد إلى غير من أمر الله تعالى بالرد إليه وفي هذا ما فيه إلى أن قال: (مسألة) ولا يحل لأحد أن يقلد أحدا لا حيا ولا ميتا، وعلى كل أحد من الاجتهاد بحسب طاقته فمن يسأل عن دينه، فإنما يريد معرفة ما ألزمه الله في هذا الدين، ففرض عليه إن كان أجهل البرية أن يسأل عن أعلم أهل موضعه بالدين الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، فإذا دل عليه سأله فإذا أفتاه قال له: هكذا قال الله ورسوله؟ فإن قال له: نعم، أخذ بذلك وعمل به أبدا، فإن قال له: هذا رأيي أو هذا قياس أو هذا قول فلان وذكر له صاحبا أو تابعا أو فقيها قديما أو حديثا أو سكت أو انتهره أو قال له: لا أدري فلا يحل له أن يأخذ بقوله، ولكن يسأل غيره اهـ. محل الحاجة منه وهي نبذة صغيرة من أصول الفقه ولا حاجة لنا بتتبع ما قال؛ لأن ما تقدم لنا يفيد إبطال ما قرره وسيأتي إن شاء الله تعالى ما يفيد عدم التعويل على ما قال. (نعم) الرأي الذي يراه الحاكم صوابا من غير استناد في الشريعة إلى شيء كالقوانين المدونة الآن وقبل الآن مما لم يشهد لها الشرع بالصحة، بل ربما تكون مباينة للشرع الشريف تمام المباينة فهذا لا يقع بين أفراد المسلمين خلاف في تحريمه، بل مرتكبه

стр. 119

الأول آثم وكل من أخذ به مثله، وعلى الأول مثل ما على الآخذ بدون أن ينقص من الآخذ شيئا ودليله: ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، وأي وزر أعظم من جعل شرع جديد نعوذ بالله من غضب الله، وفي هذا القدر كفاية لمن له علم ودراية. (في الجزء الخامس عشر) في صفحة ١٨٣ الاجتهاد والتقليد إن رعاع الفقهاء وضعفة الطلبة يخيل إليهم أن النظر في مسائل الشرع انسدت طرقه وعميت مسائله وأن الغاية القصوى عندهم أن يسأل واحد منهم عن مسألة فيقول فيها وجهان أو قولان، وقال الشافعي في القديم كذا وفي الجديد كذا وقال أبو حنيفة كذا وقال مالك كذا، ويرى أنه علم قد أبرزه وتراهم أبدا يقدحون في المجتهدين ويجادلون الطالبين ويحثون على تحصيل الأم للشافعي ولباب المحاملي وغير ذلك من الكتب المبسوطة، حتى إذا وقعت واقعة كشف الكتاب فإذا رأى المسألة مسطرة حكم بها وإن رأى مسألة أخرى فزعم أنها تشابهها حكم بحكم تلك المسألة فهم حشوية في الفروع، كما أن المشبهة حشوية في الأصول والعجب أنهم لا يقنعون بقصورهم حتى يضيقوا القصور إلى من سبق من الأئمة، ويقول بعضهم ما بقي بعد الشافعي مجتهد، ويقول آخر ما بقي بعد ابن سريج مجتهد فانظروا إلى قدح هؤلاء في الأئمة المبرزين وأنهم كانوا يقدمون على ما لا يعلمون فإن الأئمة ما زالوا في جميع الأقطار يراجعون في الفتاوى ويفتون باجتهادهم مع اختلاف أصنافهم، كالمعروفين بنشر مذهب الشافعي كأبي إسحاق صاحب المذهب وأشياخه من أئمة العراق كلهم مبرزون مفتون، وكذلك أئمة خراسان كإمام الحرمين وأشياخه وتلاميذه كأبي حامد الغزالي والكياء

стр. 120

والخوافي وكذلك أتباعهم كمحمد بن يحيي ومن كان في درجته من أصحاب الغزالي وكلهم طبقت فتاويهم وجه الأرض مع صريح من فقه الشافعي، ومن تأمل فتاويهم رأى ما ذكرناه، وكذلك الأئمة المشهورون في مذهب مالك وأبي حنيفة لم يزالوا يفتون ويجتهدون في جميع الأقطار، والمناكرة في ذلك مكابرة. (أقول) بحول الله تعالى في شأن هذا القائل ويشاركه في الحكم الناقل من حيث إقراره على ذلك، والسكوت عنه إنه ارتكب أمورا فظيعة تزري بصاحبها وتضع مقامه بين العقلاء. (منها) بشاعة التعبير بقوله رعاع الفقهاء مع أن الذين قال في حقهم ذلك هم ساداته بلا نزاع وهو الأحق بذلك الوصف. (ومنها) استغرابه قولهم انسدت طرقه وعميت مسائله، ولا غرابة في ذلك أبدا حيث إنهم يريدون بقولهم: أن المجتهد المطلق الذي وظيفته البحث في طرق الاستدلال ومسالكه فقد بعد الأربعة فبفقده عطلت تلك المعاهد عن أخذ الأحكام منها لعدم المتأهل، وعبروا عن تعطيلها بقولهم انسدت وعميت ولا حرج في المجاز. (ومنها) ازدراؤه بالأمر العظيم بالنسبة لهم وله أيضا بقوله: وإن الغاية القصوى إلى قوله: ويرى أنه علم قد أبرزه. (أقول) إن من كان من المقلدين وأحاط بأقوال أهل مذهب أو أقوال أهل مذاهب مخالفة يستحق مدحا لا مدح يفوقه، بأنه أبرز علما ليس عند غيره من حيث الإحاطة بذلك. (ومنها) ادعاؤه عليهم بدعوى باطلة لا يستطيع إثباتها بقوله: وتراهم يقدحون في المجتهدين ويجادلون الطالبين، فغاية ما يوجد عندهم رد دعوى مدعي الاجتهاد، وليس معه من العلم ما يصدق دعواه، كما حصل الرد لمدعي النبوة إن لم يكن

стр. 121

معه ما يؤيد نبوته. (ومنها) استهتاره بالأمر العظيم بالنسبة للمقلد أيضا بقوله: ويحثون على تحصيل الأم للشافعي إلى قوله: حكم بها مع أن الذي لم يره هو شيئا هو المطلوب من المقلد حسبما نبين لك إن شاء الله تعالى نعوذ بالله من العمى أو التعامي عن الحق. (ومنها) قوله: وأن رأى مسألة إلى قوله: حشوية في الأصول وهذه من قبيل ما قبلها مع قلة الحياء في التعبير فالله حسبه. (ومنها) استعجابه مما لا سبب للعجب فيه بقوله: والعجب إلى قوله: المبرزين إذ هم معترفون بعجزهم عن مرتبة الاجتهاد المطلق، ومن اعترف بوصفه ولم يدع ما فوق مقامه كدعوى هذا القائل يمدح ولا يذم فذمه من البهتان، فقولهم: ما بقي بعد الشافعي مجتهد اجتهادا مطلقا يعنون من أصحابه فهذا حق وصدق، وليس فيه نسبه القصور لمن سبق، بل هو إخبار بالواقع وهذا الرجل ومن كان على شاكلته يطلقون كثيرا مادة الاجتهاد ويطنطنون بها في كتبهم ومحاضراتهم ودروسهم، ويوهمون بها الضعفاء الذين لا علم عندهم يميزون به أنواع المجتهدين. (فهاك) بيان أنواع المجتهدين على سبيل الإجمال حتى يتبين لك بطلان طقطقة هؤلاء الغاوين لأمة المسلمين أنواعهم ثلاثة كما ذكرهم الجماعة. (مجتهد مطلق) وظيفته بذل وسعه في استنباط الأحكام الفرعية الظنية من أصولها اليقينية كالكتاب والسنة والإجماع والحكم بالنسبة له وجوب الاجتهاد عليه، وحرمة التقليد، علامته المعتبرة الإحاطة بأحكام الكتاب والسنة من ناسخ ومنسوخ ... إلخ، ومعرفته مواقع الإجماع؛ لئلا يخرقه، والإحاطة بأسرار اللغة العربية والمهارة فيما يحتاج إليه المستدل، انظر تمام ما يتعلق به في كتب الأصول وهذا النوع هو الذي عز وجوده بعد

стр. 122

استقرار المذاهب الأربعة وهو المراد لمن يقول: ليس بعد الشافعي مجتهد حسبما تقرر فلا غبار على قائل ذلك. (مجتهد مذهب) وهذا مرتبته أقل من مرتبة سابقة إلا أنه قريب منه، وظيفته بذل وسعه في إخراج المسائل الجزئية الواردة عليه تحت قواعد إمامه، وله الاستدلال بالحديث مثلا على بعضها إن لم يمكنه إدراجها ولا يخرجه ذلك عن درجة التقليد، وهذا النوع كأبي يوسف ومحمد بن الحسن من أصحاب أبي حنيفة، وكابن القاسم وأشهب من أصحاب مالك، والمزني والبويطي من أصحاب الشافعي ونحوهم من أصحاب أحمد ﵃ أجمعين وعنا بهم. (مجتهد فتوى) وهذا النوع كثير جدا في جميع المذاهب الأربعة وظيفته ترجيح أحد القولين أو الأقوال بمرجح معتبر عندهم وتعزيز أقوال مذهبه بالأحاديث والآيات مثلا؛ لأنه يستنبط منها أحكاما، بل هو ممنوع من ذلك لقصور باعه عن ذلك حسبما أذكره لك من نصوص الأئمة أهل الدين على ذلك، ومن أهله الله للاستنباط فليس بمقلد ولا كلام لنا معه، وأما من يقول إمامي الشافعي ويستنبط الأحكام المخالفة لمذهبه فهذا يؤف ويرد ما استنبطه عليه ولا يقبل منه صرف ولا عدل حيث تعدى طوره، وعلامته سعة اطلاعه على أقوال أهل مذهبه وإحاطته بقواعد المذهب وجودة فطنته في إدراك القوى من الضعيف إلى غير ذلك مما وصفوه به والحكم بالنسبة له ولمجتهد المذهب وجوب التقليد، ومنها إيهامه الواقفين على كلامه أنه محق في كلامه، والواقع ليس كذلك حيث لم يبين ماهية المجتهد الذي يثبته هو وينفيه غيره، فإن تواردا على ذات واحدة بأن يراد به المجتهد المطلق صدقنا غيره وكذبناه لما علمت سابقا وفي حكمه مجتهد المذهب، وإن تواردا

стр. 123

على مجتهد الفتوى فلم ينفه أحد للعلم به تواترا، وكتب المذاهب مشحونة بذلك ودعواه عليهم بقوله: وأنهم كانوا يقدمون على ما لا يعلمون إلى قوله والمناكرة في ذلك مكابرة باطلة. (لأني أقول) بعون الله تعالى إن هذا القائل والناقل ومن سار سيرهم ممن يريد المناصب العالية يرتكبون كثيرا مادة الاجتهاد من غير تمييز بين أنواعها كما تقدم، ويضيفون إلى ذلك تنقيص من نفى الاجتهاد في القرون الأخيرة ومرادهم المطلق من حيث وقوعه، وأما الجواز العقلي فلا سبيل إلى نفيه، وإنما تشبثوا بما ذكر ليتم لهم غرضهم الفاسد من ظهور العالمية التي لا يناظرون فيها، وهى دعوى الاجتهاد والاستدلال؛ لأن المقلد لا يمكنه أن يناظر مجتهدا للفرق الظاهر بينهما، وأما لو استمروا على التقليد وأفتوا في قضية بغير حكم الله، لأمكن الغير أن يرد عليهم خطأهم بنصوص أهل المذهب فيضطرون للرجوع عن الخطأ أو يقام عليهم النكير في المحافل، وانظر الفذلكة التي جعلها صاحب المنار مع من جرى بينه وبينه كلام في مسألة في آخر ورقة من المجلد الرابع عشر، وختمها بقوله: فعليه أن يعذر من يتبع نص الكتاب والسنة إذ هو أحق بأن يعذر والسلام. (أقول) يحق لي أن أتمثل بقول القائل: لقد هزلت حتى بدا من هزالها ... كلاها وحتى سامها كل مفلس والظن القوي عندي أن بقية المذاهب يوافقون ما قاله المالكية في شأن المقلد قال حجازي على المجموع عند قول الأمير في تضمين المفتي: المقلد إذا أخطأ في فتواه قال؛ لأنه لا يجوز له أن يفتي برأيه ويخالف نص الرواية ويقيس على أصل ثابت بالكتاب أو السنة أو الإجماع فإن هذا لا يكون للمجتهد، وأما إخراج جزئية من نصوص كلية أو إلحاق مسألة بنظيرتها مما نص

стр. 124

عليه المجتهد بعد إطلاع المقلد على مأخذه فيها أو تخريج قول من أقوال الإمام في مسألة بقياسه على قوله في مسألة أخرى تماثلها ولم يختلف قوله فيها بعد إطلاعه على المدرك فلا يمتنع على المقلد، كما قاله ابن مرزوق، وفي نوازل جنائز +الميعار من جواب لمؤلفه ردا على الإمام البقني لما استدل على عدم جواز تغطية النساء في النعش بالحرير بقوله ﷺ : "كل عمل ليس عليه عملنا فهو رد"، ما نصه نص الأئمة المحققون من علمائنا ﵃ وأرضاهم على أن المقلد الصرف مثلي ومثل من اشتملت عليه هذه الأوصاف، وأكبر منا طبقة وأعلى منزلة وأطول يدا ممنوع من الاستدلال بالحديث، وأقوال الصحابة ﵃، بل ذلك عندهم من الأوليات قالوا، وإنما يستعظم عدم استدلال المقلد بذلك ويشنع القول فيه الجهال، حتى نقل أبو بكر بن خيران على تحريمه إجماع الأئمة، ونقل العلامة كنون في حاشيته على الشيخ عبد الباقي الزرقاني ﵏ ورحمنا بهم عند قول خليل ﵀ فحكم بقول مقلده، قلت: قول البناني لا يحكم إلا بمشهور المذاهب ... إلخ، قال المازري رحمه الله تعالى: لست ممن يحمل الناس على غير المعروف المشهور من مذهب مالك وأصحابه؛ لأن الورع قد قل والتحفظ على الديانات كذلك وكثرت الشهوات، وكثر من يدعي العلم ويتجاسر على الفتيا، ولو فتح لهم باب مخالفة المذهب لاتسع الخرق على الراقع وهتكوا حجاب هيبة المذهب وهو من المفسدات التي لا خفاء بها ا. هـ. نقله الشيخ أبو إسحق الشاطبي في الموافقات، ثم قال: فانظر كيف لم يستجز وهو المتفق على إمامته الفتوى بغير مشهور المذهب ولا بغير ما عرف منه بناء على قاعدة مصلحة ضرورية، إذ قل الورع والديانة

стр. 125

في كثير ممن ينتصب لبث العلوم والفتوى، ولو فتح لهم هذا الباب لانفسخت عرى المذهب، بل جميع عرى المذاهب؛ لأن ما وجب للشيء وجب لمثله ا. هـ. وذكر ابن فرحون أن المازري بلغ درجة الاجتهاد وما أفتى قط بغير المشهور وعاش ٨٣ سنة ا. هـ. وكذا وصفه ببلوغ درجة الاجتهاد تلميذه بالإجازة أبو الفضل عياض في كتاب الغنية ا. هـ وقد توفي المازري رحمه الله تعالى سنة ٥٣٦، أقول وبالله أستعين: إذا كنت أيها الناظر في كلام هذا الإمام، وفي زمن مقاله لهذا الكلام وفي وصف أهله بما ذكره وكنت ذا بصيرة ودين خاليا من التعصب لزيد أو عمرو (١) ونظرت

стр. 126

إلى زماننا وما عليه أهله والمدة بيننا وبين وفاة المازري ٨٠١ سنة لكنا نصف أهل زماننا بأقبح وأشنع مما وصف به المازري أهل زمانه، ولم يجز لهم الفتوى

стр. 127

بغير المشهور فانظر يا أخي بين مقامه ومقام من يأمر بالاجتهاد المؤدي في زماننا إلى نقض قواعد الدين مرة فضلا عن عرى مذهب، وإن كانت عرى المذهب دينا لو أمعنت نظرك حق الإمعان ووجدت من يأمر صغار الطلبة بالاجتهاد، بل سرى ذلك إلى العامة فلا يتكلم أحد منهم إلا بقوله قال الله في كتابه وقال رسول الله كذا، ويكون الحديث أو الآية في جهة ومقصده في جهة أخرى، لأدركت بعريكتك السليمة أن هؤلاء أعداء الدين وأهله نسأل الله تعالى أن يحفظ علينا ديننا بمنه تعالى. (فإن قلت) أن الأستاذ الشيخ محمد عبده أنكر هذا القول الذي ذكرته في شأن المقلد وتوعده بلحوق الجزاء العظيم يوم القيامة بقوله في تفسير جزء سيقول السفهاء في صفحة ٨٩: ثم جاء من العلماء المقلدين في القرون الوسطى

стр. 128

من جعل قول المفتي للعامي بمنزلة الدليل مع قولهم بأنه لو بلغه الحديث فعمل به كان كذلك أو أولى، ثم خلف خلف أغرق في التقليد فمنعوا كل الناس من أخذ أي حكم من الكتاب أو السنة وعدوا من يحاول فهمهما زائغا، وهذا غاية الخذلان وعداوة الدين، وقد تبعه الناس في ذلك فكانوا لهم أندادا من دون الله وسيتبرأ بعضهم من بعض كما أخبر الله. أقول: إن كلامه إذا وزنته وقابلته بما تقدم أدركت طويته إن كنت ذا بصيرة ومع ذلك هو تابع لابن حزم فلا يعول على الجميع من كان ذا علم، والشيخ المذكور لا يسلم له أهل عصره في كل ما يدعيه، إنما تبعته شرذمة سقوا معه من عين واحدة، وسلكوا طريقا غير طريق الجماعة، فتكلموا في تفسير كتاب الله وفي سنة رسول الله على الأسلوب الجديد المخترع المؤيد بالتحسين العقلي وبالآلات الكشافية فكشف ذلك الغطاء عنهم، فأحلوا ما حرم كتابا وسنة وإجماعا حسبما نذكر لك بعضا منه، وكذبوا على فقهاء المسلمين كقول صاحب المنار: لم يرد نص من الأئمة الأربعة على تحريم آلات اللهو والغناء معها كما تقدم، وازدروا بمن يجب تعظيمه شرعا وعظموا من لا يستحق التعظيم، يعرف ذلك منهم من خالطهم وكان ذا دين، وأقول أيضا: إنما حظر العلماء المقلد من أن يأخذ الأحكام من الأدلة الشرعية وألزموه باتباع أقوال إمامه خوف ضلاله في نفسه وإضلاله لغيره، فتبعهم على قولهم من كان ذا دين وكان يخاف من عقاب الله تعالى، وخالفهم في ذلك من له حظ نفساني ويرى أن الاجتهاد ممكن لكل أحد وأن من اجتهد ممن مضى رجال ونحن رجال بل نحن أولى منهم بالاجتهاد من حيث تيسر أسبابه، وضل عنهم التوفيق لمن مضى دونهم

стр. 129

والتشبث بالدين وخوف الله تعالى والعلم الحقيقي الذي أخذوه عن أهله واستمروا على تحصيله إلى أن أهلهم الله تعالى وجعلهم قدوة لغيرهم، فاهتدى بهم الجم الغفير، وأما أهل الدعوى الباطلة فلم يستنشقوا شيئا من ذلك، وإنما استزلهم واستفزهم الشيطان وزينت لهم نفوسهم أعمالهم فرأوا الباطل حقا وتفرقوا في اجتهادهم وبحثوا في كتاب الله المنزه عن فهم القاصرين وأولوه تأويل الضالين المضلين، كأستاذهم في مسألة حل الميتة وأختيها التي نشرت على صفحات الجرائد، قال العلامة إبراهيم السمنودي المنصوري في رسالته المسماة بسيف أهل العدل على نحر من نازعوا في زماننا في تحريم ربا القرض والفضل في صفحة ٤ بعد أن تكلم مع الجماعة الذين يحاولون إبراز القول بتحليل بعض أنواع الربا: ولكن مباحثهم لا تزال عقيمة ولم يجسر واحد منهم على البت بالحكم مخافة أن يرمى بالكفر فهم في خطبهم يحومون حول الموضوع حوما ولا يجابهونه مجابهة، مع أن المغفور له الشيخ محمد عبده تقدمهم في هذا السبيل وأفتى على قاعدة أن الله أراد بالناس اليسر لا العسر، وأن الفائدة غير الربا وأن الربا المحرم دينا هو الربا المحرم قانونا والمحسوب جناية ا. هـ. وبالجملة يلزمنا اتباع السواد الأعظم ومن شذ شذ إلى النار وهل أنا إلا من غزية إن غوت ... غويت وإن ترشد غزية أرشد وأيضا فما آباؤنا بأمن منه ... علينا اللائي قد مهدوا الحجورا ولا تعترض علينا أيها القارئ بأن هذه صفة الكفار المقلدين النازل فيهم قوله تعالى ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ لأنهم اتبعوهم بزعم ظهور الحق لهم من غير برهان ونحن اتبعناهم مع البرهان الساطع الذي لا يخفى

стр. 130

إلا على أعمى البصر والبصيرة، وحاصل ما في المقام أن عمدة هذه الطائفة المبيحة للاجتهاد من غير شرط من شروطه هو ابن حزم وكان آية في العلم، لكن به نزعة أخرته عن رتبة الكاملين، وكاد مذهبه الظاهري ينتشر في المغرب بواسطة أمير ذلك الإقليم أعني الأندلس، لولا رجال كالعلامة الباجي قيضهم الله تعالى للدين الحق ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين، فأزاحوا شكوك ذلك الأمير وأوهامه وأبدلوها بحق اليقين الذي عليه عصابة المسلمين واستتب الأمر على ذلك إلى وقتنا هذا والحمد لله رب العالمين، وبعض هذه الطائفة اجتهد فأداه اجتهاده إلى أن سبب تأخر المسلمين عن الأمم الراقية هو تمسكهم بهذا الدين، فلو ألقيت هذه العوائد لارتقوا كغيرهم، لكن دعواه الاجتهاد في هذا السبب أيضا كاذبة، بل هو مقلد في ذلك غير المسلمين القائل بهذا القول كما سنذكره لك إن شاء الله تعالى، وعارضه في القول آخر وقال: يا هذا لا تقل سبب تأخر المسلمين عن منصتهم العالية التي لم يبلغها غيرهم هو تمسكهم بالدين أظنك تسمع بلفظ الدين ولم تفقه له معنى ولا عانقته ولو مرة في عمرك (١) بل سبب

стр. 131

تأخرهم هو إهمالهم لما أمروا به ولم يبق إلا بعض اسم من المسميات ولا يعود لهم شرفهم الأثيل حتى يراجعوا ما أمروا به. (ودليل كل منهما على دعواه) أما الأول فدليله ما ذكر في كتاب النشوء والارتقاء في صفحة ٣٦٧

стр. 132

لا يصلح الإنسان مجتمعا ... ما دام فيه الدين والوطن ولم يزل من علمه خطل ... يضيع فيه العقل والزمن محلقا في الغيب مختبلا ... كأنما الغيب له عطن إلخ ما ذكر راجعه إن شئت، وأما دليل الثاني فقوله ﷺ : إذا فعلت أمتي خمسة عشرة خصلة حل بها البلاء إذا كان المغنم دولا، والأمانة مغنما، والزكاة مغرما، وأطاع الرجل زوجته وعق أمه، وبر صديقه وجفا أباه، وارتفعت الأصوات في المساجد، وكان زعيم القوم أرذلهم، وأكرم الرجل مخافة شره، وشربت الخمور، ولبس الحرير، واتخذت القينات والمعازف، ولعن آخر هذه الأمة أولها، فليرتقبوا عند

стр. 133

ذلك ريحا حمراء أو خسفا أو مسخا وبعض آخر إلى أن المرأة المسلمة (١) كغيرها بحيث يكون لها الحق في الوظائف والانتخاب وحبس حريتها

стр. 134

والضغط عليها بإبقائها في البيت ظلم وهو مما يؤخر المسلمين عن غيرهم، ولا دليل عنده إلا اتباع غير سبيل المؤمنين فعارضه آخر وقال له يا هذا أظنك

стр. 135

نائيا عن الإسلام بعيدا عن انتشاق عبيقه يا مغرور بل يا جاهل بأحكام المسلمين التي أمرهم بها ربهم على لسان نبيهم، يا هذا المرأة وظيفتها إقامة حقوق ربها وحقوق زوجها في بيتها، وليس لها حظ ولا نصيب في مخالطة الأجانب منها، حظر ذلك عليها ربها ومنعها أن تبدي زينتها إلى غير بعلها وغير محرمها، ومن جملة المصائب الحالقة إدخال البنات للمدارس وتعليمهن ما لا ينبغي أن يعلمن، ضرب الله على قلوب بعض المسلمين وطبعها طبعا محكما حتى أذهب غيرته وشهامته ومروءته التي عليها أسلافه، حتى أن بعضهم ليترك زوجته تدير القهوة أو الشاي على الزائرين له وتحادثهم وهي شابة فارهة، بل ربما ضربت لهم بعض آلات اللهو وغنت لهم، أولئك هم الضالون، أولئك هم الخاسرون الذين خسروا دينهم ومروءتهم، فالمسلمة لا يحل لها أن تراها الأنثى الكافرة وتنزل في حقها منزلة الأجنبي الذكر فكيف بتبرجها للذكور بحضور ديوثها، لعن الله من كان هذا وصفه، دليل ما قاله المعارض أخرج عبد بن حميد وابن المنذر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ أو نسائهن الآية، قال: هن المسلمات لا تبديه ليهودية ولا

стр. 136

لنصرانية وهو النحر والقرط والوشاح وما حوله، وأخرج سعيد بن منصور والبيهقي في سننه وابن المنذر عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كتب إلى أبي عبيدة: أما بعد فإنه بلغني أن نساء من نساء المسلمين يدخلن الحمامات مع نساء أهل الشرك، فإنه لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن ينظر إلى عورتها إلا أهل ملتها، وعن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: إن المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان وأقرب ما تكون من ربها وهي في قعر بيتها، وعن عمر بن الخطاب ﵁ استعينوا على النساء بالعري إن إحداهن إذا كثرت ثيابها وحسنت زينتها أعجبها الخروج، وعن عائشة مرفوعا: لا تنزلوهن الغرف ولا تعلموهن الكتابة يعني النساء وعلموهن الغزل وسورة النور، وقال الشيخ زروق لما ذكر حديث البخاري في باب العلم والعظة بالليل وفي باب لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه رب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة ما نصه: فيجب أن لا تخرج إلا فيما لا ينظر إليه الرجال من ثياب مهنتها، ومرط من المروط التي لو ألقيت إلى كلب ما بولها، أو إلى ذئب ما نيبها إن كانت ممن يؤمن بالله واليوم الآخر، وقد صارت حالهن اليوم إلى أن لا تخرج إحداهن إلا في أحسن ثيابها وتستعير من جيرانها وتستعمل الروائح الطيبة وتنغنج في مشيتها، وعليها ما لو ألقي على عود لعشق، فهي متعرضة بذلك لمقت الله وغضبه، وكذلك من أعانها على ذلك من زوج أو غيره ا. هـ. فانظر أيها المؤمن إلى حال نساء المسلمين اليوم ووقاحتهن وازدحامهن مع الرجال في الأسواق مع استيفاء ما يلفت نظر الرجال إليهن، بل ربما تجولن في المحلات التي

стр. 137

يقل الماشي فيها أو يخرجن خارج البلد إلى البساتين ما يمكنها أن تعمل فيه ما تريد، ومع هذا كله لا ناهي عن فعلهن من حاكم أو زوج أو قريب لها إنا لله وإنا إليه راجعون. (فذلكة في حال دعاة الاجتهاد مع غيرهم) من أهل المذاهب الأربعة وهي أجدر وأحق بواقعة الإمام سحنون مع الإمام أشهب، وذلك أنه روي أن الإمام سحنون القيرواني رحل عن بلاده القيروان من أرض إفريقية ليأخذ عن الإمام مالك بالمدينة المنورة، فلما بلغ إلى مصر نفد زاده ولم يبق معه ما يوصله إلى المدينة فسأل عن أصحاب مالك فدل على أشهب بجامع الفسطاط، فذهب إليه فوجده في درسه وهو يتلاطم علما كالبحر إذا تلاطمت أمواجه، إلا أنه وجده يقول: حدثني مالك كذا وكذا وأصاب، ثم يقول: تارة حدثني مالك كذا وكذا وأخطأ، فلما تكرر منه ذلك قام الإمام سحنون من حلقة درسه فسئل عن سبب قيامه فقال: إنما مثل هذا كمثل فرس بال في شاطئ بحر فقام العامة وقالوا: تنجس البحر، فقال لهم أهل العلم: دعوكم من هذا الهذيان فإن البحر لا يتنجس ببول فرس ولا غيره. والله يراجعنا وإياهم إلى الطريق القويم ويجانبنا وإياهم السبيل السقيم إنه على ذلك قدير، وما كتبته وسطرته إلا تذكرة لي ولمن أراد الله به خيرا من إخواننا المؤمنين، وورد " لا تقوم الساعة حتى يسب آخر هذه الأمة أولها أو كما قال ﵊، وقد وقع ما أخبر به ﵊ وعلى الآل والصحب ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. (مبحث الكلام في زيارة القبور) في المجلد الرابع عشر من المنار صفحة ٩٥٥ التبرك بزيارة الصالحين، كتب إلينا بعض القراء من دمشق يقول: بعد الثناء قرأت

стр. 138

في مناركم الأغر في الجزء الرابع عشر جوابكم عن الاستمداد من الأنبياء، قلتم: ومن طلب من المخلوق مددا معنويا فهو على نوعين نوع يعد شركا كطلب الزيادة في العمر، فإن هذا مما لا يطلب إلا من الله تعالى فمن طلبه من غيره فقد أشركه معه، وهذا ظاهر لا يحتاج إلى بيان، وأما الذي غمض علي فهو قولكم: ونوع لا يعد شركا؛ لأنه داخل في دائرة الأسباب وهو ما يطلبه المتصوفون من أهل العلم بزيارة الصالحين وقربهم وذكر مناقبهم وسيرتهم، وتصور أحوالهم من الزيادة في حب الخير والصلاح والتقوى، ويعبرون عن هذه الزيادة التي يجدونها في أنفسهم بالبركة والمدد، ولكنهم لا يدعونهم من دون الله ولا يفعلون ما لم يفعله السلف الصالح، وإني أرى هذا هو الشرك بدليل قولكم ما يطلبه المتصوفون من أهل العلم بزيارة الصالحين وذكر مناقبهم وسيرتهم وتصور أحوالهم، وهذا الطلب لا يكون إلا من الأموات (١). (ومعلوم أن الاستمداد من الأموات شرك لا مرية فيه، وأما قولكم ولا يفعلون ما لا يفعله السلف ففيه أنه لم ينقل عن أحد من

стр. 139

السلف الصالح زيارة الأموات مع ذكر المناقب، بل الأمر بالعكس كانوا يناضلون هذه البدع أشد المناضلة ... إلخ * المنار يظهر أنكم فهمتم من كلمة يطلبه المتصوفون الدعاء والطلب القولي، وأننا أبحنا دعاءهم كما يدعى الله مع علمكم بأننا نصرف معظم العمر في مقاومة أمثال هذه البدع، وغفلتم عن تصريحنا بكونكم لا يدعونهم، وعن قولنا بزيارة الصالحين وقربهم أو ذكر مناقبهم وسيرتهم وتصور أحوالهم، وهو متعلق بطلبه المراد منه بقصده وببغيه، والمعنى أن الصوفي العالم بدينه الملتزم لسيرة السلف يبتغي ويقصد من زيارة الصالحين والقرب منهم في حال حياتهم وبذكر مناقبهم وسيرتهم وتصور أحوالهم بعد مماتهم أن ينمو في نفسه حب الخير والتقوى والصلاح التي هي صفات الصالحين، وذلك أن رؤية الصالحين والقرب منهم ومشاهدة سمتهم وهديهم تؤثر في النفس وتبعث فيها القدوة، وكذلك ذكر مناقبهم وسيرتهم وتصور أحوالهم بعد موتهم، وبضد ذلك معاشرة الأشرار والفساق وقراءة أخبارهم وتصور أحوالهم في فسقهم وإسرافهم يشوق النفس إلى المعاصي ويقود إلى الاقتداء بهم؛ ولذلك صرحنا بأن هؤلاء الذين أجزنا فعلهم وبينا قصدهم يلتزمون سيرة السلف في الاستمساك بالسنة واتقاء البدعة ولا يدعون مع الله أحدا، وما كل المتصوفة هكذا ا. هـ .. أقول: وبالله أستعين حاصل ما يؤخذ من كلام السائل المعترض والمجيب أن قصد زيارة القبور مهما كان ساكنها أعني نبيا فمن دونه تعد شركا وأن الطلب من الحي بالقول كذلك؛ لأن فيه دعاء لغير الله، وإنما ينتفع بالشق الأول بذكر سيرتهم مثلا وينتفع بالشق الثاني بالنظر إليهم، والاقتداء بفعلهم مثلا وأنه لم ينقل عن السلف

стр. 140

الصالح زيارة أهل القبور والتبرك بهم، وإنما المعروف من سيرتهم أنهم كانوا يناضلون عن هذه البدع، فالتفرقة عندهم بين الحي والميت من حيث القصد وعدمه، وأما الطلب منهما معا فيعدونه شركا بلا ريب (أقول) أيضا: أن أصل هذا المذهب لطائفة بناحية بغداد ثم انقرضت، وأصل مذهبهم من وقف على قبر زائرا له فكأنما زار صنما، ثم بعدهم نفخ في وبيصها ابن تيمية وتلقفها من بعد مدة ابن عبد الوهاب، وانتشرت وكثر دعاتها بنشر كتب ابن تيمية ونحوها مما فيه هذه العقيدة التي يلزم قائلها ومعتقدها تكفير الصحابة فمن بعدهم، بل والأنبياء حسبما أنقل لك فإن طلب زيارة القبور والتبرك بالصالحين كتب المسلمين مشحونة بذلك فراجعها، وإنما المقصود هنا تخطئتهم في اعتقادهم وإن النتيجة وخيمة عليهم من حيث ما يلزمهم حسبما يأتي إن شاء الله تعالى. (ثم) إني بعد أن هممت بأن أجمع ما يصلح للرد على هؤلاء مما تفرق في بطون الكتب بدا لي أن أقتصر على ما رد به علامة زمانه وفريد عصره، ولو أنه فرع الشجرة الذكية وخلاصة السلالة المصطفوية العلامة أبو حفص عمر المحجوب التونسي على ابن عبد الوهاب وأنقله بالحرف؛ لما فيه من المنافع والمعاني العزيزة ومن إصابة رمية مقاتل المردود عليه ومقاتل من أفتى أثره ولا يستطيعون رد ما أورده عليهم، وكان الواجب عليهم الأوبة والمبادرة إلى التوبة، ولكن من يضلل الله فلا هادي له. (قال) ﵀ ونفعنا بعلومه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ صلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾، ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾

стр. 141

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾. (أما بعد) هذه الفاتحة التي طلعت في سماء المفاتحة فإنك راسلتنا تزعم أنك قائم بنصرة الدين، وأنك تدعو على بصيرة لما دعا إليه سيد الأولين والآخرين وتحث على الاقتداء والاتباع وتنهى عن المخالفة والابتداع وأشرت في كتابك إلى النفرة عن الفُرقة واختلاف العباد فأضحيت كما قال الله تعالى ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ وقد زعمت أن الناس قد ابتدعوا في الإسلام أمورا وأشركوا بالله من الأموات جمهورا، في توسلهم بمشاهد الأولياء عند الأزمات وتشفعهم بهم في قضاء الحاجات ونذر النذور لهم والقربات، وغير ذلك من أنواع العبادات، وأن ذلك إشراك برب الأرضين والسماوات، وكفر قد استحللتم به القتال وانتهاك الحرمات، ولعمر الله لقد ضللت وأضللت وركبت مراكب الطغيان بما استحللت وشنعت وهولت، وعلى تكفير السلف والخلف عولت وها نحن نحاكمك إلى كتاب الله المحكم وإلى السنن الثابتة عن النبي ﷺ ، أما ما أقدمت عليه من قتال أهل الإسلام وإخافة أهل البلد الحرام والتسلط على المعتصمين بكلمتي الشهادة، وأدمتم إضرام الحرب بين

стр. 142

المسلمين وإيقاده فقد اشتريتم في ذلك حطام الدنيا بالآخرة، ووقعتم بذلك في الكبائر المتكاثرة، وفرّقتم كلمة المسلمين وخلعتم من أعناقكم ربقة الطاعة والدين، وقد قال الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ﴾. وقال ﵊: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله، وحيث كنت لكتاب الله معتمدا ولعماد السنة مستندا كيف بعد هذا ويحك تستحل دماء أقوام بهذه الكلمة ناطقون، وبرسالة النبي ﷺ مصدقون، ولدعائم الإسلام ولحوزة الإيمان يحمون، ولعباد الأصنام يقاتلون، وعن التوحيد يناضلون، وكيف قذفتم بأنفسكم في مهواة الإلحاد ووقعتم في شق العصا والسعي في الأرض بالفساد. وأما ما تلوته عليهم من تكفيرهم بزيارة الأولياء والصالحين وجعلهم واسطة بينهم وبين رب العالمين وزعمت أن ذلك شنشنة الجاهلية الماضين. فنقول لكم: في جوابه معاذ الله أن يعبد مسلم تلك المشاهد، أو أن يأتي إليها معظما لها تعظيم العابد، أو أن يخضع لها خضوع الجاهلية للأصنام، وأن يعبدها بركوع أو سجود أو صيام ولو وقع ذلك من جاهل لانتهض إليه ولاة الأمور والعظماء وأنكره العارفون والعلماء وأوضحوا للجاهل المنهج القويم وهدوه الصراط المستقيم. وأما ما جنحت إليه وعولت في التكفير عليه من التوجه إلى الموتى وسؤالهم النصر على العدا وقضاء الحاجات وتفريج الكربات التي لا يقدر عليها رب الأرضين والسماوات إلى

стр. 143

آخر ما ذكرته موقدا به نيران الفتنة والشتات فقد أخطأت فيه خطأ مبينا وابتغيت فيه غير الإسلام دينا فإن التوسل بالمخلوق مشروع ووارد في السنة القويمة ليس بمحظور ولا ممنوع، ومشارع الحديث الشريف بذلك مفعمة، وأدلته كثيرة محكمة تضيق المهارق (الصحف) عن استقصائها ويكل اليراع إذا كلف بإحصائها ويكفي منها توسل الصحابة والتابعين في خلافة عمر بن الخطاب أمير المؤمنين واستسقائهم عام الرمادة بالعباس واستدفاعهم به الجدب والبأس، وذلك أن الأرض أجدبت في زمن عمر ﵁ وكانت الرياح تذرو ترابا كالرماد لشدة الجدب فسمي عام الرمادة لذلك فخرج عمر ﵁ بالعباس بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه يستسقي للناس، فأخذ بضبعيه وأشخصه قائما بين يديه وقال اللهم إنا نتقرب إليك بعم نبيك فإنك تقول وقولك الحق: ﴿وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا﴾ فحفظتهما لصلاح أبيهما، فاحفظ اللهم نبيك في عمه فقد دنونا به إليك مستغفرين، ثم أقبل على الناس فقال استغفروا ربكم إنه كان غفارا والعباس عيناه تنضحان وهو يقول: اللهم أنت الراعي لا تهمل الضالة، ولا تدع الكسير بدار مضيعة، فقد ضرع الصغير ورق الكبير وارتفعت الشكوى وأنت تعلم السر وأخفى، اللهم فأغثهم بغياثك قبل أن يقنطوا فيهلكوا وأنه لا ييأس من رحمتك إلا القوم الكافرون، اللهم فأغثهم بغياثك فقد تقرب بي القوم إليك لمكانتي من نبيك ﵇ فنشأ تطرير من سحاب وقال الناس ترون ترون ثم تراكمت وماست فيها ريح ثم هرت ودرت حتى قلعوا الحذاء وقلصوا المآزر

стр. 144

وخاضوا الماء إلى الركب وعاد الناس يتمسحون بردائه ويقولون: هنيئا لك ساقي الحرمين فأمرع الله به الجنان وأخصب البلاد ورحم العباد. (فأخبرني) يا أخا العرب هل تكفر بهذا التوسل عمر بن الخطاب أمير المؤمنين وتكفر معه سائر من حضر من الصحابة والتابعين؛ لكونهم جعلوا بينهم وبين الله واسطة من الناس وتشفعوا إليه بالعباس؟ وهل أشركوا بهذا الصنيع مع الله غيره؟ وما منهم من أنهضته للدين القويم غيرة، كلا والله وأقسم بالله وتالله بل مكفرهم هو الكافر والحائد عن سبيلهم هو المنافق الفاجر، وهم أهدى سبيلا وأقوم قيلا، وقد قال ﵊: اقتدوا بمن بعدي أبي بكر وعمر وإذا قدحت في هؤلاء الجمع من الصحابة الذين منهم عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وغيرهما فمن أين وصل إليك هذا الدين ومن رواه مبلغا لك عن سيد المرسلين، ثم ما تصنع يا هذا في الحديث الآخر الذي رواه مسلم في صحيحه مرفوعا للنبي ﷺ : في أويس وأنه أخبر به ﵊ وهو من أعلام النبوة وأمر عمر بطلب الاستغفار منه وأنه طلب منه ذلك واستغفر له وقد قال تعالى عن إخوة يوسف ﵇ ﴿يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾ فالزائر للأولياء والصالحين إما أن يدعو الله لحاجته ويتوسل بسر ذلك الولي في إنجاح بغيته كفعل عمر في الاستسقاء، أو يستمد من المزور الشفاعة له وإمداده بالدعاء له كما في حديث أويس القرني؛ إذ الأولياء والعلماء كالشهداء أحياء في قبورهم، وإنما انتقلوا من دار الفناء إلى دار البقاء فأي حرج بعد هذا يا أيها القائم للدين في زيارة الأولياء والصالحين وأي منكر تقوم بتغييره

стр. 145

وتقتحم شق العصا وإضرام سعيره، ولعلك من المبتدعة الذين ينكرون أنواعا كثيرة من الشفاعة ولا يثبتونها إلا لأهل الطاعة كما أنه يلوح من كتابك إنكار كرامات الأولياء وعدم نفع الدعاء وكلها عقائد عن السنة زائغة وعن الطريق المستقيم رائغة، وقولكم أن ما قلتموه لا يخالف فيه أحد من المسلمين افتراء وَمَيْن وإلحاد في الدين؛ لأن أهل السنة والجماعة يثبتون لغير الأنبياء الشفاعة كالعلماء والصلحاء وآحاد المؤمنين، فمنهم من يشفع للقبيلة ومنهم من يشفع للفئام أي الجماعة من الناس كما ورد، وورد أيضا أن أويس القرني يشفع في مثل ربيعة ومضر، وأما المعتزلة فإنهم منعوا شفاعة غير النبي ﷺ ولم يثبتوا للنبي ﷺ إلا الشفاعة العظمى من هول الموقف والشفاعة للمؤمنين المطيعين والتائبين في رفع الدرجات، ولم يثبتوا الشفاعة لأهل الكبائر الذين لم يتوبوا في النجاة من النار بناء على مذهبهم الفاسد في التكفير بالذنوب، وأنه يجب عليها التعذيب، وأما ما جنحت إليه من هدم ما بني على مشاهد الأولياء من القباب من غير تفرقة بين العامر والخراب فهي الداهية الدهياء والعظيمة العظمى من الظلم التي أضلك الله بها على علم، وأقعدك منها في المقعد المقيم، وأقامك على مطية العذاب الأليم ﴿ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها ألا خائفين لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم﴾ وكأنك سمعت في المحاضر بعض الأحاديث الواردة في النهي عن البناء على المقابر فتلقفته مجملا من غير بيان وأخذته جزافا من غير كيل ولا ميزان وجعلت ذلك وليجة إلى ما تقلدته
следующие страницы →