← Акыда

Акыда · id 36571

الأجوبة الكافية عن الأسئلة الشامية

الكافي التونسي

Полный текст (168 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

عداهم، وأن فيهن من فيهن من يعقل من الخلق وفي مشاهدتهم السماء واستمدادهم الضوء منها قولان، أحدهما: أنهم يشاهدون السماء من كل جانب من أرضهم ويستمدون الضوء منها، والثاني: أنهم لا يشاهدون السماء، وأن الله تعالى خلق لهم ضياء يشاهدونه، وحكى الكلبي عن ابن عباس ﵄: أنها سبع متفرقة بالبحار تظل الجميع السماء وعن قتادة في كل سماء وفي كل أرض خلق من خلقه وأمر من أمره وقضاء من قضائه، وفي جامع البيان قال: حدثني يونس قال: أخبرني ابن وهب قال: حدثنا جرير ابن حازم قال: حدثني حميد بن قيس عن مجاهد قال (١) هذا البيت الكعبة رابع أربعة عشر بيتا في كل سماء بيت كل بيت منها حذو صاحبه لو وقع وقع عليه، وأن هذا الحرم حرمي بناؤه من السماوات السبع والأرضين السبع، حدثنا ابن أبي الأعلى قال: حدثنا ابن ثور عن معمر عن قتادة قال: بينا النبي ﷺ جالس مرة مع أصحابه إذا مرت سحابة فقال النبي ﷺ : أتدرون ما هذا هذه العنان؟ هذه روايا الأرض يسوقها الله تعالى إلى قوم لا يعبدونه، قال: أتدرون ما هذه السماء؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال هذه السماء موج مكفوف وسقف محفوظ، قال: أتدرون ما فوق ذلك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم قال: فوق ذلك سماء أخرى حتى عدد سبع سماوات، وهو يقول أتدرون ما بينهما؟ خمسمائة سنة ثم قال: أتدرون

стр. 72

ما فوق ذلك قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: فوق ذلك العرش، قال: أتدرون ما بينهما؟ قالوا: الله ورسوله أعلم قال بينهما خمسمائة سنة، ثم قال: أتدرون ما تحت هذه الأرض؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: تحت ذلك أرض، قال: أتدرون كم بينهما؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: بينهما مسيرة خمسمائة سنة حتى عدد سبع أرضين ا. هـ. باختصار وفي هذا القدر كفاية لمن صدق وآمن رسول رب العالمين انظر البخاري في كتاب بدء الخلق. (قوله) نعم ورد فيه قوله تعالى ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ وهي الآية الوحيدة التي فهموا منها أن الأرض سبع وهي كما لا يخفى لا تفيد ذلك مطلقا. (أقول) مستعينا بالله تعالى: أن هذا الجريء على كلام الله تعالى تكلم أولا على نفي تعدد الأرض بعقله، ثم علم بهذه الآية الشريفة وكان قبل جاهلا بها، وأنها نص في التعدد فلم يؤمن بها وحاول بتفسيرها بعقله الحاد في آيات الله ليثبت ما ادعاه أولا وأنى له ذلك مع تصريح رسول الله بالتعدد وتصريح الصحابة والتابعين بذلك وما أحوج هذا المسكين إلى الولوج فيما لا يستطيع الخروج منه. وابن اللبون إذا ما لز في قرن ... لم يستطع صولة البزل القناعيس (فقوله) وهي الآية الوحيدة ... إلخ، يقال له نعم هي الآية الوحيدة، وهي نص لا تحتاج لتأويل لتعضدها بالأحاديث الدالة على ذلك فالقائل بالتعدد له مستند، والقائل بنفي التعدد لا مستند له إلا الوهم المبني على وهم أهل الطبيعة، شتان بين المستندين. (ثم قال) ولنا في تفسيرها وجهان إلى أن قال: وعليه يعني على ما خبط به في الآية خبط

стр. 73

عشواء (١) فليس في القرآن الشريف أدنى دليل على أن الأرض سبع كما يزعمون. (قد علمت) الحكم في ذلك، واعلم أيضا أن هذا الشخص لا تقنعه الآيات والأحاديث ولا الآثار المروية عن السلف الصالح، وإنما يقنعه قول غير أهل الإسلام وهو الذي يرتاح له نفسه فانظر ممن هو. (ثم بعد) أن هذى في جانب العرش بما سولت له نفسه وقرينه، قال فإذا قلت أن العرش ثابت فما هذا الشيء الذي يثبته والجواب: أن الله تعالى وكل به قوى مخصوصة لا نعلم كنهها ولا حقيقتها، وهذه القوى المجهولة لنا تسمى حملة العرش، وهي أشياء روحانية لا يمكننا أن ندرك ماهيتها، كما أننا لا ندرك ماهية المغناطيس أو الكهرباء أو سائر القوى الجاذبة، ومن ادعى إدراك هذه الأشياء فليخبرني

стр. 74

أي شيء ينبعث من الجسم الجاذب إلى المجذوب فيجذبه، وما كنه هذا الشيء وكيف نتصوره قال الله تعالى ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾، وقال أيضا: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ أي ثمانية أصناف من هذه القوى الروحانية أو ثماني قوى، وهي المسماة بالملائكة، وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم. (أقول) بفضل الله تعالى أن هذا المسكين جاهل بأحكام دينه، حيث يخلط النور بالظلام والكفر بالإسلام يستدل بكلام رب العالمين على إثبات قول الملحدين يذكر لفظ المجاميع ويكررها كثيرا، وهذا المعنى الذي يريده منها لم يكن معلوما لدى أهل الدين ولا مراد الله في كلامه الذي أنزله على رسوله بلسان عربي مبين، وقال له فيه: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ والنبي ﷺ لم يبين للناس أن السماوات هي الكواكب السيارة وأن السبع السيارة مع الأرض تسمى مجموعة، ولم يبين لهم أيضا أن هناك مجموعات أخر، بل بين لهم أن السماوات سبع ما بين كل سماء وسماء كذا وأن سمك كل واحدة كذا وأن سماء الدنيا مزينة بالكواكب، وأن جميع السماوات عامرة بالملائكة، فبين لهم بيانا غير البيان الذي بينه هذا الشخص في السماوات والعرش والملائكة، فيلزم هذا الرجل أنه عالم والنبي جاهل بأحوال وأحكام ما أنزل عليه ليبينه للناس معاذ الله أن يكون رسول الله جاهلا، وهذا الشقي عالما، بل هو الجاهل بل الكافر بلا تردد، نسأل الله تعالى أن يحفظ علينا ديننا عند نزول الفتن ثم أن ما ادعاه في جانب حملة العرش هو نتيجة مذاكرة له مع الشيخ رشيد رضا كما صرح به هو

стр. 75

في ذلك المحل وما ذكره في حملة العرش وبقية الملائكة من أنهم قوى معنوية كالقوة الموجودة في المغناطيس وما رتبه على ذلك في حيز المنع، بل الملائكة بأجمعهم أجسام نورانية لطيفة قائمة بنفسها قادرة على التشكل كما تقدم، وما في المغناطيس من الخصوصيات ليس من هذا القبيل قطعا، بل هو معنى أوجده الله تعالى في ذلك الشيء وخصوصية شتان بين الأجسام والمعاني، فالجسم من شرطه أن يقوم بنفسه والمعنى من شرطه أن يقوم بغيره ولا تحيز له إلا تبعا للجسم فلو كانت الملائكة قوى كالمغناطيس فمن أتى بالوحي للنبي ﷺ إلا أن ينكر كون القرآن منزلا من عند الله فانظروا يا أولي الألباب إلى هذا المتطفل على موائد العلم، فإليك ما ورد في شأن حملة العرش أخرج ابن المنذر وأبو الشيخ والبيهقي في شعب الإيمان عن هارون بن رباب ﵁ قال: حملة العرش ثمانية يتجاوبون بصوت رخيم، يقول أربعة منهم: سبحانك وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، وأربعة منهم يقولون: سبحانك وبحمدك على حلمك بعد علمك إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على أنهم أجسام ناطقة لا أنهم معان صامتة (١) هذا هو الحق ولا تغتر بقول

стр. 76

من يلحد في آيات الله بغير علم قوله في صفحة ٥٨٣ والمراد بالسماء الدنيا هنا في قوله تعالى ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ ... إلخ، الفضاء المحيط بنا القريب أي هذا الجو الذي نشاهده وفيه العوالم كلها أما ما وراءه من الجواء البعيدة منا التي لا يمكن أن نصل إليها بأعيننا ولا بمناظرنا، فهو فضاء محض لا شيء فيه فلفظ السماء كما قلنا له معان كثيرة كلها ترجع إلى معنى السمو وتفسر في كل مقام بحسبه* كذب محض* ومع ذلك هو تابع فيه لأستاذه، وكلهم عالة على داروين وما قالوه فليس من كلام المسلمين ولا مراد لرب العالمين، بل السماء في الآية المذكورة ونحوها ليس المراد منها الجو، بل المراد منها بناء عظيم محكم كما تقدم والآيات الناطقة بأنها بناء كثيرة، ولا آية تدل على أنها جو كما قال هذا الدجال فمنها بناها وبنيناها، والبناء في لغة العرب معروف ﴿يوم تمور السماء مورا﴾ أي تدور دورا ومن المعلوم أن الدوران لا يكون إلا للأجسام هل ترى من فطور أي شقوق ﴿إذا السماء انشقت﴾ ﴿وفتحت السماء فكانت أبوابا﴾ والشقوق والأبواب لا تكون إلا في الأجرام قال الله تعالى ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ والسقف معناه معلوم عند العرب فالعجمي أو المستعجم إذا لم يفهم معاني القرآن

стр. 77

لا ينظر إلى قوله ولا يعد قوله قولا معتبرا، بل يضرب به عرض الحائط ولا يعول على قوله إلا من شاركه في أوصافه، قوله: والسقف المرفوع قال في جامع البيان لابن جرير الطبري رحمه الله تعالى قوله ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾ يعني السقف في هذا الموضع السماء وجعلها سقفا؛ لأنها سماء الدنيا كسماء البيت الذي هو سقفه والجو لا يسمى سقفا في لغة العرب التي نزل القرآن بها في مختار الصحاح الجو ما بين السماء والأرض وفي القاموس الجو الهواء ا. هـ. وكيف يكون الهواء سقفا محفوظا، وما ذكره هذا الشخص لا يقول به أحد من المسلمين الذين لم تدنس عقائدهم برجس أهل الضلال وهذا الذي جنح إليه هذا الشخص هو مذهب داروين ومن كان على مذهبه وفي كتاب النشوء والارتقاء في صفحة ٢٣٩ ولذلك كان انتشار الحقائق المخالفة لمألوف الناس صعبا جدا، فكوبر نيكوس وكبار وغليلي سحقوا بتعاليمهم الأفلاك البلورية التي اختلقتها أوهام الأقدمين وأصلحوا علم الهيئة من هذا الخطأ المبين وقرروا أن السماوات ليست قبة زرقاء مرفوعة فوق الأرض، فيسأل هذا الكاتب عن سبب عدوله عن صريح الآيات والأحاديث إلى تخمين داروين وأمثاله، اللهم إنا نعوذ بك من السلب بعد العطاء ومن الكفر بعد الإيمان ومن الشقاوة بعد السعادة، وفي الحقيقة هذه عقيدة كل من أدخل في المدارس قبل تعلم واجبات دينه فويل للأباء من الأبناء حيث لم يعتنوا بتربيتهم على ملة الإسلام. (قوله) ومما تقدم تعلم أن العوالم متعددة ولذلك يقول القرآن الشريف في كثير من المواضع الحمد لله رب العالمين. (صحيح) (١) باعتبار تعدد الأجناس والأنواع

стр. 78

والأصناف وإلا فالعالم بفتح اللام هو اسم لما سوى الله تعالى كما هو مقرر عند أهل العلم. (قوله) وهذا مما يخالف ما كان عليه القدماء فإنهم كانوا يزعمون أن العالم واحد وأن الإنسان أشرف الموجودات وأن الكواكب كلها أجرام فارغة خلقت ليتلذذ بمنظرها الإنسان ساقط عن درجة الاعتبار وما زعموه وقالوه هو الحق الذي لا محيص عنه من أن العالم واحد، وإنما يتعدد بالاعتبار المتقدم والجمع في العالمين جار على ذلك وأن الكواكب لا ساكن فيها، ومن ادعى أنها مسكونة لا دليل يعتبر عنده إلا تخمينه برصده وأن نوع بني آدم (١) أشرف المخلوقات

стр. 79

لا نزاع فيه بين المؤمنين باعتبار الهيئة الخلقية، وكذا باعتبار الرتبة والمزية إلا من شذ وقال بتفضيل الملائكة على البشر، والدليل للجمهور الحديث الذي أخرجه أبو نعيم والبيهقي في الدلائل عن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: إن الله خلق السماوات سبعا فاختار العليا منها فأسكنها من شاء من خلقه، ثم خلق الخلق فاختار من الخلق بني آدم، واختار من بني آدم العرب واختار من العرب مضر واختار من مضر قريشا واختار من قريش بني هاشم واختارني من بني هاشم فأنا خيار الأخيار، وآية ﴿ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا﴾ واردة على امتنان خاص ببني آدم

стр. 80

وهو أن أكلهم وشربهم يتناولونه بأيديهم بخلاف كثير من الخلق فإنهم يتناولونه بأفواههم كالبهائم، ولا تدل على أن هناك من هو أفضل من بني آدم، وقد قدمنا أن هذا الكتاب يكتب كيفما اتفق له من غير تدبر، وذلك دليل على أنه لم يتعاط العلم على أهله ولا أخذ بحظ يعتبر، بل أخذ شيئا سطحيا وسبح في شاطئ بحره، ولم يغص على اللآلئ في لججه، بل قنع بالاسم دون المسمى وذلك من الدواهي على الدين العظمى، ويشهد لما ذكرته أيضا ما أخرجه الطبراني والبيهقي في شعب الإيمان، والخطيب في تاريخه عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ما من شيء أكرم على الله من بنى آدم يوم القيامة، قيل: يا رسول الله ولا الملائكة المقربون؟ قال: ولا الملائكة، الملائكة مجبورون كالشمس والقمر. (قوله) فالقرآن ينطبق على العلوم الحالية أتم الانطباق. (غير صحيح) بل بينهما تمام التباين كما وقفت عليه سابقا. (قوله) يلاحظ القارئ مما تقدم أن القرآن الشريف قد أتى في هذا الباب بمسائل علمية دقيقة لم تكن معروفة في زمن النبي ﷺ ، وهذه المسائل تعتبر من معجزات القرآن العلمية الخالدة. (أقول) ما قاله ليس بصواب، والقرآن العظيم ينزه عن الهزليات والترهات التي اختلقها وألصقها بالقرآن قال تعالى ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ﴾ (قوله) وها كها ملخصة إلى آخر كلامه. (باطل) لنفرعه عن باطل فلا نحتاج إلى تتبعه ثانيا. (قال) في صفحة ٣٠٦ من الجزء المذكور بعد أن تكلم مع داروين وأصحابه: وأما كيفية خلق الإنسان فالجواب القطعي عنها لا يعلمه إلا الله تعالى، وأما الظني فيمكننا أن نقول لا يخفى أن أجنة الحيوانات بعضها يتكون

стр. 81

في الرحم والبعض الآخر خارج عن الرحم كالتي تتكون في التجويف البطني في الإنسان وغيره، وفي بعض الطيور وفي مياه البحار كالقنافذ وغير ذلك، والذي يظهر فيها كلها أن اللازم للتكوين هو حيوان منوي وبويضة ووسط للغذاء، سواء كان ذلك الوسط جدر الرحم أو غشاء البريتون أو زلال البيض أو مياه البحار وغير ذلك، وعليه فيحتمل أن الله تعالى خلق أولا حيوانات منوية وبويضات من مادة واحدة وهما خلايا حيوانية، كما خلق الأميبا وغيرها من الحيوانات ذات الخلية الواحدة، ولاختلاف الوسط والظروف صارت هذه الحيوانات المنوية والبويضات مختلفة متنوعة، فمن بعضها خلق الإنسان الأول آدم وحواء، ومن البعض الآخر خلقت الحيوانات الأخرى، وذلك بأن تخلقت البويضات بالحيوان المنوي ثم التصقت ببعض الموا البروتوبلاسمية الأولى التي كانت توجد في البحار وعلى شواطئها، ومن هذه المادة البروتوبلاسمية صارت البويضة تمص غذاءها كما تمصه أحيانا من البريتون في الحمل خارج الرحم، وصارت تنمو وتكبر كما تكبر الآن في بطون الأمهات ولما تم نموها انفجرت وخرج منها الإنسان كما يخرج من الكيس الأمنيوسي، ولعل الله تعالى ساق له إذ ذاك بعض الحيوانات الأخرى كالدبية المشهورة بهذا الأمر فأرضعته، أو كان يوجد مواد زلالية مغذية في البحار فصار يشرب منها، أو كان يشرب ماء فيه حيوانات دقيقة جدا فيتغذى بها، وما يقال فيه يقال في الحيوانات الأخرى الشبيهة به التي يجوز أن يقال في كيفية تغذيتها الأولى أيضا أنها وجدت بعض نباتات طرية هلامية مغذية فازدردتها في مبدأ نشأتها حتى كبرت وصار يمكنها أن تأكل غيرها من النباتات، أو الحيوانات الأخرى، فإن قيل: فكيف يوجد ذكر واحد وأنثى واحدة مع أنه يحتمل

стр. 82

أن الحيوانات والبويضات كانت كثيرة، قلت: هو عين ما يحصل الآن في الإنسان وغيره فمع وجود حيوانات منوية تعد بالملايين وكذلك بويضات في كل جماع فلا يتكون منها غالبا إلا ولد واحد، وإن قيل: لم لم يخلق الآن حيوانات بهذه الطريقة الجديدة؟ قلت: ولم لم يتولد الآن من الجمادات أحياء جديدة أليس ذلك لاختلاف حال الزمان وطبيعة الأرض الآن عما كانت عليه في مبدأ الخليقة، أما إذا وجدت تلك الأحوال الأولى فلا يبعد أن يتكون فيها حيوانات جديدة، كما لا يبعد أن يتكون فيها أيضا بطريق التولد الذاتي خلايات بروتوبلاسمية جديدة، أما مسألة التذكير والتأنيث فما يقال فيها الآن يقال نحوه، وما يقرب منه في الخلايات البروتوبلاسمية الأولى التي صار بعضها حيوانا منويا ملقحا بالكسر والبعض الآخر بويضات ملقحة، بالفتح والله تعالى أعلم بأسرار خلقه. (قوله) وأما كيفية خلق الإنسان إلى قوله إلا الله (صدق) غير أن الله أخبر عنها وعن أطوارها، فبذلك صارت معلومة عند كل مؤمن مصدق لخبر الله تعالى، فأول مادته التي تطور منها التراب ثم صار التراب مع ما خلط به طينا غير لازب، ثم صار طينا لازبا أي لازقا ثم صار حمأ مسنونا متغيرا، منتنا فسواه تعالى حينئذ على هيئته التي نفخ فيها الروح بعد مدة، ثم صار بعد التسوية صلصالا يابسا يصوت ثم مضت عليه مدة على هذه الحالة يعلمها الله تعالى، وبعدها نفخ فيه الروح، وبعد النفخ سجدت له الملائكة لأمر الله تعالى إياهم قبل النفخ بذلك والقرآن العظيم مشحون (١) ببيان كيفية خلق آدم ﵇ والأحاديث كثيرة

стр. 83

في ذلك فالعدول عن الخبر القطعي إلى التخمين وإلحاق النقص بصفوة الله

стр. 84

وأبي الأنبياء بالهيآت التي ذكرها من كونه تخلق من حيوان منوي ... إلخ

стр. 85

ردة إن كان مسلما من قبل، وعند المالكية من انتقص نبيا أو ملكا يقتل ولو تاب، والداعي لعدوله عن الخبر القطعي لقول داروين السابق اعتقاده

стр. 86

في نفسه أن الإنسان من أصل سماوي ... إلخ، وداروين طبيعي لا يعترف بالإله ولا بآدم المنزل من الجنة، ومثله لا نقيم له وزنا حتى نتصدى لرد مقاله بالبراهين العقلية؛ لأن الغالب على هؤلاء لا يرجعون عن معتقداتهم ولو ظهر لهم فساد ما هم عليه، بخلاف بعض المسلمين في هذه الأعصر الأخيرة فإنه غاب عليهم اعتقاد ما عليه غيرهم وترك ما كانوا عليه من غير بيان فساد ما كانوا عليه وغير بيان صحة ما انتقلوا إليه ضلالا وسفها وقلة حياء ومروءة، بل نقيم الوزن على من يدعي أنه مسلم فصاحب هذه المقالة لا يعترف بصدق خبر الله ولا بنزول آدم من الجنة ولا بكونه مخلوقا من طين، بل يعتقد أنه مخلوق من حيوان منوي وبويضة اعتقادا ظنيا كما قال سابقا، ويعتقد أن طبيعة الأرض والزمان مؤثرتان ومن يصرح بهذا فليس في عداد المسلمين ولو كان يقول في أثناء كلامه القرآن الشريف، وكذا يصرح بلفظ الجلالة وبلفظ الرسول؛ لأن ذلك يوجد ممن هو كافر أصلي، ومثل هذا كثير فيمن تعاطى العلوم الفلسفية والطبيعية من قبل أن يسبق إلى ذهنه شيء من عقائد المسلمين فتتمكن منه العقائد الزائغة تمكن السل والداء العضال، فلا ينجع فيه دواء البتة وهؤلاء ضررهم على المسلمين أشد من ضرر من لم يدع الإسلام، وكل عاقل يدرك ذلك في صفحة ٦٣٧ من المجلد المذكور استدراك العصمة لله ولكتابه، وحدهما أقول بفضل الله تعالى: لقد خالف بقوله هذا إجماع المسلمين من أن العصمة أيضا للرسل والأنبياء والملائكة فقوله وحدهما كذب على أن إطلاق لفظ العصمة على الله غير جائز، ثم قال وقد وقفنا في خطأ في مقالة الفلك صفحة ٥٨٩ من هذا العدد من المنار نبهنا عليه الأستاذ المفضال

стр. 87

السيد محمد رشيد، وذلك في تفسير قوله تعالى ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ فأحببت أن أصححه كما يأتي فيضاف هذا التصحيح في أول صفحة ٥٨٩ المذكورة بعد قولنا في الصفحة التي قبلها، ولنا في تفسيرها وجهان إما أن تكون إلى قولنا وعليه فليس في القرآن إلخ. (أقول بفضل الله تعالى) قد أصلح هذا الكتاب ما كتبه خطأ أولا من نفي تعدد الأرض بخطأ مثله بدون فرق؛ لأن ما تقدم له يعد عند العلماء من الهذيان ودخول الرعاة على بيوت الملوك فيستحق صاحبه إن لم يتب المقت الدائم، وما هنا مثله فيا ليته بقي على خطأ واحد لكان أجمل له، ويشاركه في خطئه الأول والثاني أستاذه الذي أرشده، حيث يظهر من كلامه السابق في شأن العرش أن ما كتبه ثم هو نتيجة مذاكرة مع السيد رشيد رضا فهذا المسكين والله أعلم لا يكتب إلا على رأيه، وعلى كل حال المسئولية عن الخطأ والنقص في الدين على الأستاذ رشيد أفندي رضا؛ لأنه رب الدار، قال وصحة العبارة هكذا كلمة الأرض فيها بمعنى الطين والتراب الذي نعرفه كما في قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ وقوله ﴿يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ ونحوه كثير وإما أن تكون بمعنى الكرة الأرضية كما في قوله تعالى ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ إلى قوله ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ أما على الوجه الأول فتقدير الآية هكذا الله الذي خلق سبع سماوات، ومن هذا الطين والتراب خلق ما هو مثلهن، وهو هذا الكوكب الأرضي أي الكرة الأرضية، فكأنه قال: إن هذه الأرض المركبة من الطين والتراب خلقت مثل السماوات أو الكواكب السيارة

стр. 88

وذلك؛ لأن الأرض مثل السيارات في المادة وكيفية الخلق وكونها تسير حول الشمس وتستمد النور والحرارة منها وكونها مسكونة بالحيوانات كالكواكب الأخرى وكونها كروية الشكل، فالسيارات أي السماوات والأرض هي متماثلة من جميع الوجوه كلها مخلوقة من مادة واحدة وهي مادة الشمس وعلى طريقة واحدة قال تعالى ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا﴾ أي شيئا واحدة ﴿فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ أي فصلنا بعضها عن بعض فالأرض خلقها مثل السماوات تماما ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾؛ لأن نواميس جميع الموجودات واحدة، وعلى تفسيرنا هذا تكون هذه الآية دالة على أن الأرض هي إحدى السيارات، وهو أمر ما كان معروفا في زمن النبي ﷺ وما يخطر ببال أحد من العرب وذلك من دلائل صدق القرآن. (أقول) وبالله أستعين: أن هذا الشخص تجرأ على تفسير كلام الله تعالى بما لم يتجرأ عليه غيره فيما علمت الحد في آيات الله وفسرها على حسب هواه، وتكلم فيها بغير علم، تلفظ في مواضع كثيرة بما هو كفر صريح لا يحتمل التأويل. قوله: كلمة الأرض إلى قوله: ونحوه كثير، (هو كذلك) أعني الأرض معلومة لا نحتاج إلى الاستدلال على معرفتها، وإنما نحتاج إلى إثبات كونها فردا واحدا لا تعدد فيه، وهذا دونه خرط القتاد ولو استعان بجميع أشياعه. (قوله) وأما أن تكون بمعنى الكرة الأرضية إلى قوله: ﴿ومن الأرض مثلهن﴾ لا تفيد اتحادها ولو قلنا بكرويتها، والآية الشريفة لا تدل على عدم تعددها كما حملها هذا الشخص على ذلك، أخرج ابن جرير عن ابن عباس ﵄ في تفسير

стр. 89

قوله تعالى ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ قال ما في السماوات السبع والأرضين السبع في يد الله ليس إلا كخردلة في يد أحدكم. (وقوله) وأما على الوجه الثاني إلى آخر كلامه فلا نحتاج إلى تتبعه؛ لأنه كسابقه، والحاصل أن ما فسر به الآيات هنا وفيما تقدم تفسير كفار لا تفسير مسلمين متبعين لرسولهم ﷺ ترك المأثور والمعقول واتبع أوهام الفلكيين الكفار، فيا أيها المسلم لا تكترث بشيء من تفسيره؛ لأنه خلاف الحق والواقع وعليك بالتفاسير المأثورة وتفاسير علماء المسلمين بغير المأثور (قوله) وهذا أمر ما كان معروفا في زمن النبي ﷺ ... إلخ، صدق؛ لأن المعروف في زمن النبي ﷺ بالنسبة لما يؤخذ من القرآن هو الأحكام والمواعظ وما هو حق عند الله تعالى، وأما ما ذكره هذا الشخص فليس في شيء مما ذكر كما تقدم فكون ما ذكره لم يعلم في زمن النبي ﷺ إلخ هو مدح لزمن النبي، بل وما بعده إلى أن حدث هذا المفسر برأيه فالله يجازيه بعدله أو يتوب عليه ويعفو عنا وعنه والمسلمين في صفحة ٦٧٣ من المجلد المذكور. (الكسب بآلة الفونغراف) وأما الجواب عن الرابع يعني عن السؤال الرابع فهو: أنه لا يظهر لنا وجه التحريم كسب صاحب آلة الفونغراف والأصل في الأشياء الحل. (أقول) وبالله اعتصم: الذي يظهر من كلامه أنه يستظهر الأحكام ولو خالفت ما أجمعت عليه الآمة والمنصوص عليها للفقهاء أجمع أن الكسب بغير ما أباحه الشرع لا يجوز، ولا شك أن الفونغراف من آلات اللهو ومن المعازف المنهي عنها شرعا، المنقول الإجماع على تحريمها ولا عبرة بمن شذ وقال بالجواز وكذب وافترى من نسب السماع المعروف،

стр. 90

اليوم للصحابة والتابعين، وإنما سمع النبي ﷺ والصحابة والتابعون السماع المعهود عندهم، وهو السماع الساذج لا آلة لهو معه غير الدف في العيد وفي العرس كقصيدة بانت سعاد وما في حكمها، كالسماع من سيدنا حسان بن ثابت ومن ادعى خلاف هذا فيهم فعليه الإثبات، ولن يستطيع والسماء أقرب إليه من ذلك. (قوله) وكان حاصل الجواب إنه لم يرد نص في الكتاب ولا في السنة في تحريم سماع الغناء وآلات اللهو يحتج به. (غير صحيح) ورد في الكتاب ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ وقد نهى عن ذلك ضمنا في قوله: كل لهو يلهو به المؤمن باطل إلا في ثلاث تأدبيه فرسه ورميه عن كبد قوسه وملاعبته امرأته فإنه حق. وورد في الحديث النهي عن ذلك ضمنا أيضا، ففي صحيح البخاري رحمه الله تعالى في كتاب الأشربة باب ما جاء فيمن يستحل الخمر ويسميه بغير اسمه، وقال هشام بن عمار: حدثنا صدقة بن خالد، حدثنا عبد الرحمن بن غنم الأشعري قال: حدثني أبو عامر أو أبو مالك الأشعري والله ما كذبني سمع النبي ﷺ يقول: ليكونن أقوام من أمتي يستحلون الحر (يعني الزنا) والحرير والخمر والمعازف وينزلن أقوام إلى جنب علم يروح عليهم بسارحة لهم يأتيهم يعني الفقير لحاجة، فيقولون: ارجع إلينا غدا فيبيتهم الله ويضع العلم ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة ا. هـ. فلعل هذا المفتي ممن أراد رسول الله ﷺ بأنهم يستحلون ... إلخ، في مختار الصحاح: المعازف الملاهي، والعازف اللاعب بها والمغني، وفي القاموس الملاهي كالعود والطنبور، الواحد عزف أو معزف كمنبر، والعازف اللاعب بها والمعنى. (قوله ورد في الصحيح) أن النبي صلى الله

стр. 91

عليه وسلم وكبار الصحابة سمعوا أصوات الجواري والدفوف بلا نكير. (صحيح) في ذاته إلا أنه لا يلاقي في السؤال؛ لأن السؤال وارد عن سماع آلات اللهو والغناء المعروف الآن، ولم ينقل عن مسلم أن النبي ﷺ وأصحابه سمعوا آلات الطرب والغناء معها فما قاله هنا تلبيس وتمويه وخلط موضوع بآخر كما هو ديدنه ويروج ذلك له عند السذج. قوله: لم يرد نص عن الأئمة الأربعة في تحريم سماع الآلات. (غير صحيح وكذب صريح) وتهور فاسد ما ألجأه إلى هذه الدعوى الطويلة العريضة التي يوهم بها المطلع على كلامه أنه تصفح كتب المذاهب الأربعة، ولم يعثر لهم في تحريم ما ذكر على نص صريح لو أفتى من عقله بدون نقل عن غيره لكان أستر لجهله، وإن كان في الواقع لا يحل له ذلك، وفي كتاب السيف اليماني لمن قال يحل سماع الآلات والأغاني للشيخ مصطفى البولاقي: وقد سئل مالك ﵀ عما يترخص فيه أهل المدينة من الغناء فقال: إنما يفعله عندنا الفساق ونهى عن الغناء واستماعه، وأما أبو حنيفة فإنه يكره الغناء ويجعله من الذنوب وذلك مذهب أهل الكوفة سفيان وحماد وإبراهيم والشعبي لا اختلاف بينهم في ذلك، إلى أن قال: وكان الشافعي يكره الطقطقة بالقضيب ويقول: وضعتها الزنادقة ليشغلوا بها عن القرآن، وأما العود والطنبور وسائر الملاهي فحرام ومستمعها فاسق، ثم قال: فصل فإن قيل: أليس قد روي عن جماعة من الصحابة أنهم سمعوه قلنا: ما بلغنا أن أحدا من السلف الصالح فعله وهذه مصنفات أئمة الدين وأعلام المسلمين مثل مصنف مالك بن أنس وصحيح البخاري ومسلم وسنن أبي داود والنسائي رضي الله عنهم

стр. 92

إلى غيرها خالية من دعواكم وهذه تصانيف فقهاء المسلمين الذين تدور عليهم الفتيا قديما وحديثا في شرقي البلاد وغربيها فقد صنف المسلمون على مذهب مالك تصانيف لا تحصى، وكذلك مصنفات علماء المسلمين على مذاهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم من فقهاء المسلمين، كلها مشحونة بالذب عن الغناء وتفسيق أهله، فإن كان فعله واحد من المتأخرين فقد أخطأ ولا يلزم الاقتداء به، وترك الاقتداء بالأئمة الراشدين ومن هنا زل من لا بصيرة له يحتج عليهم بفعل الصحابة والتابعين وعلماء المسلمين ويحتجون علينا بالمتأخرين، سيما وكل من يرى هذا الرأي الفاسد خلو من الفقه عاطل من العلم لا يعرف مأخذ الأحكام ولا يفصل الحلال من الحرام ولا يدرس العلم ولا يصحب أهله ولا يقرأ مصنفاته ولا دواوينه، وقد قال النبي ﷺ : ما استرذل الله عبدا إلا حظر عليه العلم، فمن هجر أهل العلم والحكمة وانقضى عمره في مخالطة أهل اللهو والبطالة كيف يؤمن على هذه المسألة وغيرها ﴿وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله﴾ فيا من رضي لدينه ودنياه ووتوثق لآخرته ومثواه باختيار مالك بن أنس إن كنت على مذهبه أو باختيار أبي حنيفة والشافعي وأحمد إن كنت على مذهبهم، كيف هجرت اختيارهم في هذه المسألة وجعلت إمامك فيها لشهواتك وبلوغ أوطارك ولذاتك ﴿وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون﴾ اهـ. وفي كتاب ابن حجر الهيتمي القسم الثالث عشر المعازف والأوتار كالطنبور والعود والرباب والكمنجة والسنطير وغير ذلك من آلالات اللهو المشهورة عند أهل اللهو والسفاهة والفسق، وهذه كلها محرمة بلا خلاف، ومن حكى فيها خلافا فقد غلط أو غلب عليه هواه حتى أصمه وأعماه ومنعه هداه

стр. 93

وزل به عن سنن تقواه ا. هـ. وممن حكى الإجماع على تحريمه الإمام أبو العباس القرطبي، وهو الثقة العدل فإنه قال كما نقله عنه أئمتنا وأقروه: وأما المزامير والأوتار والكوبة فلا يختلف في تحريم سماعها ولم أسمع عن أحد ممن يعتبر قوله من السلف وأئمة الخلف إنه يبيح ذلك، وكيف لا يحرم شعار أهل الخمور والفسوق ومهيج الشهوات والفساد والمجون وما كان كذلك لم يشك أحد في تحريمه وتفسيق فاعله وتأثيمه ا. هـ. وممن نقل الإجماع أيضا على ذلك إمام أصحابنا المتأخرين أبو الفتح سليم بن أيوب الرازي، فإنه قال في تقريبه بعد أن أورد حديثا في تحريم الكوبة وفيه حديث: إن الله يغفر لكل مذنب إلا صاحب عرطبة أو كوبة، والعرطبة العود ومع هذا فإنه إجماع ا. هـ. فقد تبين لك بما نقلناه لك كذب هذا المفتي على المذاهب الأربعة ومن كان شعاره الكذب كيف يصح له أن ينصب نفسه للفتيا ويدعي الاجتهاد، اللهم ألهمنا رشدنا وعرفنا مكائد أنفسنا وانصرنا عليها بفضلك يا أرحم الراحمين، فعليك يا أيها المسلم المتدين بمراجعة كف الرعاع لابن حجر الهيتمي والسيف اليماني للشيخ البولاقي إن أردت التثبت لدينك، فإنك تجد فيهما ما يقنعك ويكف نفسك عن سماع الخلاف في آلات اللهو والغناء، فإنهما تكفلا برد ما هو مخالف للحق في صفحة ٥١٠ من المجلد المذكور بحث الاجتهاد والتقليد فصول من كتاب المؤمل للرد إلى الأمر الأول لأبي شامة الفقيه الشافعي (أقول) ومن الله تعالى أطلب التوفيق أن بعض ما سينقله عن هذا العالم الشهير لا يناسب الفتوى به من عامة الناس فضلا عن علمائهم فضلا عمن حصلت له شهرة فإن كانت

стр. 94

النسبة له صحيحة فإن الله انتصر لأوليائه وحملة شرعه بأن بعث إليه اثنين بصفة كونهما مستفتيين في مسألة فدخلا عليه في بيته وضرباه ضربا مبرحا واعتل بسببه ومات من ذلك، وهذا أهون جزاء الدنيا انظر الطبقات لابن السبكي، وهذه سنة الله تعالى في كل من تغالى في أعراض أئمة الدين، فقد بلغنا عن الثقات أن اثنين من هذا العصر الأخير كان ديدنهما تنقيص العلماء قديما وحديثا فسلط الله تعالى على كل منهما الأكلة في لسانه، فالكبير منهما قطع لسانه قبل موته، والثاني اندلق على صدره ومات ممنوع الكلام نسأل الله تعالى أن يرزقنا الأدب مع أوليائه وحملة شرعه، ثم أني بفضل الله أريد أن أرد ما نقله صاحب مجلة المنار وأقره مستحسنا له، حيث لم ينتقد عليه في شيء مما نقل فيكون شريك القائل بقطع النظر عن قائل هذا الكلام لما قروه من أن الرجال تعرف بالحق لا الحق يعرف بالرجال، كما هو شأن كثير ممن لا حظ له في العلم في زماننا، ومن أن الكلام مع الكلام بقطع النظر عن مقام المتكلم، ومن أن كلا منكم راد ومردود عليه إلا صاحب هذا القبر ﵊. قوله: وصح من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلماء فيقبض العلم حتى إذا لم يترك عالما اتخذ الناس رؤساء جهالا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا. أقول: فيه قد حصل بعض ما أخبر به ﷺ ولا يزال الأمر في ازدياد حيث إن من اتخذه الناس مفتيا يأمر الناس بالاجتهاد وينهاهم عن التقليد وعن اتباع الأئمة الأربعة المشهود لهم بالخيرية في القرون

стр. 95

الأولى، ودعاة الاجتهاد لا يخلو منهم زمن في الغالب ورئيسهم في ذلك ابن حزم الأندلسي، فكل من أتى بهذه الدعوة بعده عالة عليه كالسنوسي في بغيته تراهم يزينون الاجتهاد من غير بيان شروط اجتهاد، بل غرض كثير منهم الفساد، وبلغني أن بعض العصريين يأخذ مرتبا شهريا على بث هذه الدعوى ليركب بعض ناقصي العقل متن الاجتهاد من غير استيفاء بعض شروطه، فيضلوا في أنفسهم ويضلوا غيرهم، وقد حصل من كثير دعوى الاجتهاد فخاضوا في لجج الكتاب والسنة من غير سفينة ولا معرفة سباحة، ولم ينظروا إلى غيرهما من بقية شروط الاجتهاد، تراهم يتفننون فيهما يحملون الآيات والأحاديث على حسبما زينت لهم أنفسهم، حيث إنهم لا يعترفون بغالب المأثور حيث لا يوافق غرضهم، بل يردونه ويزيفونه ويبرئون الله ورسوله منه حسبما تقدم، وما يأتي إن شاء الله تعالى، ثم تبعتهم في ذلك شبيبة متخرجة من المدارس وغيرها فطعنوا في البخاري، فقال بعضهم: يلزم حرقه ولا نقول ولا نعمل إلا بالقرآن، وبعضهم لا يقول بالقرآن حيث يقول: إنه تقادم زمنه، وإنما يقولون بأخبار علماء غير المسلمين، فيصدق عليهم قوله تعالى: ﴿وإذا لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم﴾ فممن اجتهد من هؤلاء وأداه اجتهاده إلى أن المرأة لها حق في كل ما يتناوله الرجل من حضور المحافل وإلقاء الخطب والاستخدام في الوظائف كالغربيين، وسيأتي إن شاء الله تعالى إفساد رأيه وأنه كاذب في دعواه الاجتهاد بل مقلد، وبعضهم اجتهد فرأى أن الذي أخر المسلمين هو تمسكهم بعوائد الدين، ويأتي أنه مقلد أيضا، وبعضهم أداه اجتهاده إلى إباحة ما قل من الربا وأستاذهم الكبير يبيح القليل والكثير

стр. 96

حسبما أنقل لك ذلك إن شاء الله تعالى، وغير ذلك مما يصدر عمن فسدت أخلاقهم بتعاطيهم سفاسف العلوم، وتركهم ما هو العمدة في دينهم، فإذا نظرت إلى من هذه أوصافهم وجدت صدق خبره ﵊ كالشمس في رابعة النهار، اللهم قيض لنا من ينصر شريعة رسولك ﷺ . (قوله) وما أعظم حظ من بذل نفسه وجهدها في تحصيل العلم حفظا على الناس لما بقي في أيديهم منه، فإن هذه الأزمنة قد غلب على أهلها الكسل والملل وحب الدنيا، وقد قنع الحريص منهم من علوم القرآن بحفظ سوره، ونقل بعض قراءاته وغفل عن علم تفسيره ومعانيه، واستنباط أحكامه الشريفة من مبانيه، واقتصر من علم الحديث على سماع بعض الكتب على شيوخ أكثرهم أجهل منه بعلم الرواية فضلا عن الدراية. (فيه تفصيل) فأما قوله: وما أعظم إلى قوله: وحب الدنيا فمسلم وواقع من حيث تعظيم حظ من بذل نفسه ... إلخ، ومن حيث غلبة الكسل وحب الدنيا نسأل الله التوفيق لنا ولإخواننا المسلمين إنه على ذلك قدير وبالإجابة جدير، وأما قوله: وقد قنع الحريص ففيه غش وتهمة، أما الغش فمن حيث الإغراء ضمنا بالاجتهاد واستنباط الأحكام من غير اعتبار شروط الاجتهاد، وأما التهمة فإن هذا الكلام لأبي شامة؛ لأن علماء الحديث في زمانه عالمون بالرواية والدراية غير أنهم كانوا على الحق المبين لم يدعوا شيئا ليس لهم فيه حظ ولا نصيب، أعني الاجتهاد ويأتي إن شاء الله تعالى أن كثيرا من علماء السلف قيل في حقهم أنهم بلغوا رتبة الاجتهاد ولم يجتهدوا لعلو كعب هذا المقام، ولعلمهم من نفوسهم أنهم لم يبلغوه على الحقيقة، وإلا لو بلغوه حقيقة لوجب عليهم

стр. 97

وحرم في حقهم التقليد ولكنهم كانوا أهل دين، فلما ذهبوا وخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات وادعوا مع ذلك الاجتهاد زادوا في الطين بلة وفي الطنبور نغمة، سبحانك ربي هذا بهتان عظيم. (قوله ومنهم) من قنع بزبالة أفهام الرجال وكناسة أفكارهم وبالنقل عن أهل مذهبه، وقد سئل بعض العارفين عن معنى المذهب فأجاب: أن معناه دين مبدل قال الله تعالى: ﴿ولا تكونوا كالذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا﴾ إلا ومع هذا يخيل إليه أنه من رءوس العلماء وهو عند الله وعند علماء الدين من أجهل الجهلاء، بل بمنزلة قسيس النصارى أو حبر اليهود؛ لأن اليهود والنصارى ما كفروا إلا بابتداعهم في الأصول والفروع. (قول) ذي رعونة عار عن المروءة والدين؛ لأن مقاله هذا يشمل كل من أخذ بقول الغير ولم ينظر في الدليلين أعني الكتاب والسنة من زمن الصحابة إلى وقتنا هذا، ولم ينج منه إلا المجتهد المطلق؛ ولأنه جعل علماء المسلمين غير المجتهدين بمثابة القسيسين والأحبار وأن المذاهب دين مبدل، وأن اختلاف المذاهب في بعض الجزئيات الفرعية بمثابة من أخبر الله تعالى عنهم من المشركين ورضي بذلك هذا الناقل، وهو مصدر نفسه للفتوى ولم يتمعر وجهه نصرة لحاملي لواء شريعة الرسول ﷺ ، فيكون أسوة من قيل في حقهم هذا القول لو صح، حيث إنه يلهج كثيرا بقوله أما منا الشافعي، فما أشد غباوته، حيث ينقل قولا باطلا فيه سبه وسب أسلافه ولم يتعقبه ببنت شفة، لكن ربما يتخلص منها بدعوى الاجتهاد أقول: لا يستطيع أن يخرج من حيث إنه معترف بإمامة الشافعي ﵁ له، ومن حيث إن من وقف على فتاويه لا يعترف له بغزارة علم

стр. 98

فضلا عن الاجتهاد في الدين ثم إن صاحب هذا القول ركب جموحا ولج به في مهمه مغبرة أرجاؤه ... كان لون أرضه سماؤه قدح بقوله هذا في أعراض علماء الإسلام أجمع، وفي ذلك تحقيرهم فانظر الحكم فيمن حقر عالما واحدا، وسيأتي إن شاء الله تعالى ما عليه المعول عند علماء المسلمين من حيث من يجب عليه الاجتهاد ومن يجب عليه التقليد، وننقل أيضا عبارة ابن حزم الصريحة أن الشخص ولو كان أميا لا يقلد حيا ولا ميتا حسبما يأتي إن شاء الله تعالى، وتمام الكلام على هذه المقولة يأتي عند تعرضه للأئمة إن شاء الله تعالى. (قوله فصل) والعلم بالأحكام واستنباطها كان أولا حاصلا للصحابة ﵃ فمن بعدهم. (لم يبين) فيه غاية زمن المستنبطين للأحكام في النوازل من الكتاب والسنة، إيهاما منه وخديعة وغشا بأن هذا الأمر مستمر حتى بعد تقرر المذاهب المعلومة الحقة، وليس كذلك، بل أخبر الثقات العدول بأنه لم يوجد مجتهد مطلق بعد تقرر المذاهب الحقة، وأن من ادعاه لم يسلم له ولم يتبعه على ذلك متبع يعول عليه، وإن كان الاجتهاد المطلق في حد ذاته جائزا. (فقوله) فكانوا إذا نزلت بهم النازلة بحثوا عن حكم الله تعالى فيها من كتاب الله وسنة نبيه، وكانوا يتدافعون الفتوى ويود كل منهم لو كفاه إياها غيره. (فيه نظر) من حيث تدافع كلامه، وذلك أن صريح عبارته أولا أن الأخذ للأحكام من الكتاب والسنة كان حاصلا لكل فرد فرد من الصحابة فمن بعدهم، وصريحها ثانيا أن ذلك كان حاصلا للبعض بدليل قوله: يتدافعون الفتوى ... إلخ، وحق العبارة السليمة من الخدش أن يقول: والعلم بالأحكام واستنباطها كان أولا حاصلا لبعض أفراد الصحابة ولبعض

стр. 99

أفراد من بعدهم. (وعليه) أن لم يستنبط الأحكام من الكتاب والسنة وأخذ بكلام المستنبط صحابيا كان أو من بعدهم آخذ بزبالة أذهان الرجال وكناسة أفكارهم، فانظر في حالة هذا المتهور الذي ورط نفسه وحملها تباعة عظيمة لهؤلاء السادة الذين هم خير القرون، المشهود لهم بالخيرية من سيد الرسل ﷺ وعليهم أجمعين. (قوله) وكان جماعة منهم يكرهون الكلام في مسألة لم تقع ويقولون للسائل عنها: أكان ذلك؟ فإن قال: لا، قالوا: دعه حتى يقع ثم نجتهد فيه، كل ذلك يفعلونه خوفا من الهجوم على ما لا علم لهم به واشتغالا بما هو الأهم من العبادة والجهاد. (صدق) والذي دعا العلماء غير المجتهدين تقليد المجتهدين في أقوالهم التي بذلوا جهدهم وأفرغوا وسع طاقتهم في استخراجها من أصولها الشرعية المنزلة بالنسبة لمن تبعهم عليها منزلة الفتاوى التي يأخذها الصحابي الذي ليس بمجتهد عن الصحابي المجتهد بلا فرق، ومن ادعى الفرق فعليه ببيانه هو خوف التقول على كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ بغير علم، وأي فرق بين العالم الذي لم تبلغ درجته الأخذ من الكتاب والسنة والصحابي والتابعي اللذين لم يبلغا ذلك لو أمعن النظر صاحب هذا القول إمعان المدقق في قوله لخجل بنفسه لنفسه، حيث إنه يأمر المقعد بالقيام ويحمل غير المستحق للاجتهاد على الاجتهاد ما ذاك إلا ضرب من الجنون، وإفساد في الدين وتلبيس على المستضعفين من المسلمين؛ ليأخذ بالحظوة من قلوبهم، وإن كان في ذلك بعد من الله تعالى، اللهم خلصنا من حظوظ أنفسنا، وأعتقنا من رقها، فإنك القادر على ذلك، متوسلين إليك بحبيبك الأعظم ﷺ .

стр. 100

(قوله) فإذا وقعت الواقعة لم يكن بد من النظر فيها. (هو كذلك) بالنسبة للمتأهل للنظر في الدليل، وأما من ليس كذلك، وليس فيه قابلية الأخذ من الكتاب والسنة كأهل زماننا ومن قبلهم إلى زمن المجتهدين فما الحكم فيه؟ أقول على مذهب دعاة الاجتهاد: يجتهد في ذلك ولا يأخذ بزبالة أذهان الرجال وكناسة أفكارهم، ولو أداه اجتهاده إلى خرق الإجماع والكفر، كاجتهاد من ادعى أنه علم من القرآن ما لم يكن معلوما زمن النبي، ولا خطر ببال أحد من العرب كما تقدم، وأما على مذهب أهل السنة والجماعة فينظر في المسألة إن كان فيه قابلية لذلك، فإن كان منصوص على حكم نظيرتها بلا فرق في مذهبه قال للسائل بذلك، وإن لم يكن منصوص على حكم نظيرتها وكان في قدرته إدراجها تحت قاعدة من قواعد إمامه إلى غير ذلك مما هو مبين في أحكام المفتي، وإذا لم يكن فيه قابلية أحال السائل على غيره، وإذا لم يمكنه أخذ حكم المسألة من مذهبه أخذ حكمها من بقية المذاهب الحقة، وليس بين المذاهب الأربعة اختلاف كاختلاف المشركين حتى يستدل بالآية السابقة التي في شأنهم، بل اختلافهم في فروع جزئية كل إمام منهم أخذ بمستند صح عنده ولم يطلع عليه غيره أو اطلع وعنده ما يرجح مقابله، وكل من الأئمة والأتباع لا يجهل نظيره، بل يقول كل على حق، وما وقع من بعض الأتباع من التنازع والتنافر لا يقدح في المذهب نفسه ولا في صاحبه، وإنما المسئولية على من قام بذلك وهذا أمر معلوم عند كل عالم منصف. (قوله) قال الحافظ البيهقي: وقد كره بعض السلف للعوام المسألة عما لم يكن ولم يمض فيه كتاب ولا سنة، وكرهوا للمسئول الاجتهاد

стр. 101

فيها قبل أن تقع؛ لأن الاجتهاد، إنما أبيح للضرورة ولا ضرورة قبل الواقعة فلا يغنيهم ما مضي من الاجتهاد، واحتج بما روي عن النبي ﷺ من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، وعن طاوس قال: قال عمر بن الخطاب ﵁ وهو على المنبر: أحرج على كل امرئ مسلم سأل عن شيء لم يكن فإنه قد بين ما هو كائن، وفي رواية لا يحل لكم أن تسألوا عما لم يكن فإنه قد قضي فيما هو كائن، قلت: وهذا معنى قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ ... إلخ، وعن عبد الرحمن ابن شريح أن عمر بن الخطاب كان يقول: إياكم وهذه العضل فإنها إذا نزلت بعث الله لها من يقيمها ويفسرها. (هو من معنى) ما قبله من حيث النهي عن السؤال عن الأشياء قبل وقوعها وهذا بخلاف ما ثبت عن الفقهاء من فرضهم مسائل قبل وقوعها جازاهم الله عن المسلمين خيرا. قوله: قلت: إنما يضطر إلى الاجتهاد في الأحكام الحكام ولم يأت الاجتهاد لغير الحكام؛ لحديث معاذ إن لم أجد في كتاب الله تعالى فبسنة رسوله ﷺ ، وإن لم أجد في سنة رسول الله أجتهد برأيي إلا أنه كان حاكما، وقوله ﵊ أقضي بينكم برأيي فيما لم ينزل علي فيه شيء وهو حاكم وكذلك قوله تعالى ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ لأنهما كانا حاكمين، فالاجتهاد بمنزلة الميتة قال الثعلبي والشافعي لا يحل تناولها إلا عند المخمصة، والذي ليس بحاكم ويجتهد برأيه فمثله كمثل رجل يقعد في بيته ويقول: جاز لفلان أكل الميتة ويجوز أكلها لي أيضا، فكذلك لا يجوز أن يحتج بقول المجتهد؛ لأن المجتهد يخطئ ويصيب، فإذا كان شيء يحتمل أن يكون صوابا وخطأ فتركه أولى مثل

стр. 102

الشبهات من الطعام تركها أولى من تناولها. (غير صواب) من عدة وجوه. (الوجه الأول) قوله: إنما يضطر إلى الاجتهاد إلى قوله: لأنه كان حاكما، ليس بصواب؛ لأنه تقدم له نفسه بقرب دور بعد فصل والعلم بالأحكام واستنباطها كان حاصلا للصحابة ﵃ فمن بعدهم، فكانوا إذا نزلت بهم النازلة بحثوا عن حكم الله تعالى فيها من كتاب الله وسنة نبيه، وكانوا يتدافعون الفتوى ومن المعلوم ببداهة العقل أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم هم الذين كانوا يقصدون للفتوى ولم يكونوا كلهم حكاما، فقصر الاجتهاد على الحكام باطل لمخالفته للواقع، أما قوله: وقوله ﵊: أقضي بينكم برأيي إلى قوله: وهو حاكم ففي ذلك خلاف قيل: يجتهد وقيل: لا يجتهد ويرجئ المسألة حتى يأتيه الوحي فيها، وهذا وقع منه كثيرا ﵊، وإذا اجتهد فاجتهاده برأيه ليس كاجتهاد غيره محتمل الصواب والخطأ، بل لا يخطئ؛ لأنه لا ينطق عن خطأ البتة فنطقه لا يكون إلا عن صواب. (الوجه الثاني) قوله: وكذلك قوله تعالى ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ لأنهما كانا حاكمين ليس بصواب؛ لأن سيدنا سليمان لم يكن حاكما، وإنما الحاكم أبوه سيدنا داود عليهما الصلاة، وإنما لما مر به الخصمان ظهر له غير ما حكم به أبوه فقال لهما: لو كان الحكم كذا وكذا، فلما سمعا الخصمان مقاله رجعا إلى أبيه داود وقصا عليه ما قاله ابنه سيدنا سليمان فرجع عن حكمه وحكم بما ظهر لابنه (١) راجع التفاسير تقف على حقيقة الأمر. (الوجه الثالث) قوله

стр. 103

فالاجتهاد بمنزلة الميتة غير مسلم؛ لأن المجتهدين بذلوا أنفسهم في استخراج غير المنصوص من الأحكام من أصولها المقررة عندهم وبينوها على فرض وقوعها، ولم يتوقفوا على الوقوع فإلحاق الاجتهاد بالميتة في الحكم من حيث إن كلا منهما لا يتناول إلا عند الضرورة غير مرضي. (الوجه الرابع) قوله: والذي ليس بحاكم ويجتهد برأيه إلى قوله أيضا ساقط عن درجة الاعتبار، ولما علمت من أن الاجتهاد ليس بقاصر على الحكام. (الوجه الخامس) قوله: فكذلك لا يجوز لأحد أن يحتج بقول المجتهد ... إلخ، (١) ساقط أيضا؛ لأن المسلمين من عصر الصحابة إلى

стр. 104

وقتنا يحتجون بآراء الصحابة والتابعين ومن بعدهم ويرشد لصحة علمهم قوله ﵊: عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواخذ، وقوله أيضا: أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم، وهم مجتهدون فكيف لا يحتج بقول المجتهد ما هذا القول إلا هفوة سقط بها قائلها من قنة شاهق، وأول من سن هذه السنة السيئة في علمي ابن حزم وهو عطية هذه الطائفة قنافذ هداجون حول بيوتهم ... بما كان إياهم عطية عودا وحال ابن حزم في شذوذه وخروجه عن السواد الأعظم وإطلاق لسانه على الأئمة المجتهدين معلوم عند أهل العلم، فمن يعلم حاله لا يقيم له وزنا وإن كان جبلا في العلم، فمن سلك مسلكه واتبع سبيله يحكم عليه بمثل حكمه، وسننقل عبارته عن قريب التي اغتر بها جمع غير أنهم مدلسون حيث يوهمون أتباعهم أنهم هم القائلون لتلك المقالة ولم ينسبوها لقائلها الأول. (قوله) وعن الصلت بن رشد قال سألت طاوسا عن شيء فقال أكان هذا؟ قلت: نعم، قال: الله الذي لا إله إلا هو، قلت: الله الذي لا إله إلا هو، قال: إن أصحابنا حدثونا عن معاذ بن جبل ﵁ قال يا أيها الناس لا تعجلوا بالبلاء قبل

стр. 105

نزوله فيذهب بكم ههنا وههنا وإن لم تعجلوا به قبل نزوله لم ينفك المسلمون أن يكون فيهم من إذا سئل سدد. (صواب) غير أنه حجة عليه من حيث إنه يؤخذ برأي هذا المسلم الذي يسدد الله رأيه، ومذهبهم أنه لا يؤخذ برأي الغير البتة، وإنما تؤخذ الأحكام من الأصلين ليس إلا كما يأتي في عبارة ابن حزم. (قوله) وعن النبي ﷺ لا تستعجلوا بالبلية قبل نزولها فإنكم إذا فعلتم ذلك لا يزال منكم من يوفق ويسدد وأنكم إذا استعجلتم بها قبل نزولها تفرقتم. (حكمه) حكم ما تقدم بلصقه، وقد تفرق الناس واختلفوا لغلبة الهوى عليهم. (قوله) وكان ابن عمر إذا سئل عن الفتوى يقول اذهب إلى هذا الأمير الذي تقلد أمور الناس وضعها في عنقه، إشارة إلى أن الفتوى والقضايا والأحكام من توابع الولاية والسلطنة. (هو كذلك) إلا إنه لا يقتضي عدم جواز الفتوى لغير الحاكم كما تقدم آنفا. (قوله قلت) بهذا السبب أخذوا سنن اليهود والنصارى وزادوا عليهم حتى صاروا ثلاثا وسبعين فرقة، وحكم عليهم رسول الله ﷺ أنهم أصحاب النار كما شهد للعشرة بأنهم من أصحاب الجنة. (أقول) فيه أن قوله وحكم عليهم بالنار غير صحيح، بل الذين أخبر عنهم من أصحاب النار اثنان وسبعون فريقا (١) والفرقة المتممة لثلاث وسبعين هي الناجية وهي التي سلكت سبيل

стр. 106

الرسول ﷺ وأصحابه العدول وأما سبب التفرق فيحتمل ما قاله

стр. 107

ويحتمل غيره، والله أعلم. (قوله) وقال مسروق: سألت أبي بن كعب عن شيء قال: أكان بعد؟ قلت: لا، قال: فاصبر حتى يكون فإذا كان اجتهدنا لك رأينا. أقول: أنه حجة عليه أيضا تأمل. قوله: وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: أدركت مائة وعشرين من الأنصار من أصحاب محمد ﷺ منهم من أحد يحدث بحديث إلا ود أن أخاه كفاه إياه، ولا يستفتى عن شيء إلا ود أن أخاه كفاه إياه، وفي رواية يسأل أحدهم المسألة فيردها إلى هذا حتى ترجع إلى الأول * فيه رد لقوله السابق إشارة إلى أن الفتوى ... إلخ، ولقولهم لا يؤخذ بقول الغير ولا يؤخذ إلا بالأصلين تأمل. قوله: ثم بعد الصحابة أراد الله أن يصدق نبيه في قوله تفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة أعظمها فرقة على أمتي يقيسون الأمور برأيهم فيحللون الحرام ويحرمون الحلال، رواه البراز في مسنده عن جبير بن نفير عن عوف بن مالك الأشجعي عنه ﷺ . (فيه نظر من وجهين الأول: صريح عبارته أن الافتراق ما وقع إلا بعد زمن الصحابة، وليس بصحيح، بل بدأ الافتراق من زمنهم يعلم ذلك أهل الخبرة، الثاني: لم يبين كيفية قياس الفرقة التي تقيس برأيها التي هي أعظم بلية على هذه الأمة فعدم بيان كيفية القياس بالرأي دليل في علة الحكم مشاركة بينة، ولا يمنع ذلك إلا من شذ كأستاذهم ابن حزم، وإنما شنع من شنع على أهل الرأي الذين يقيسون (١) الأدلة

стр. 108

له لم يعتقد بها الجمهور لوجود ما يعارضها، والمعول عليه عندهم أنه متى فقد النص فلا غبار على القياس للمتأهل لذلك، وحقه أن يقول في بيان الفرقة: هم الذين يقيسون الأمور برأيهم من غير مراعاة شروط القياس المقررة، فلو فعل ذلك لأدى وظيفة العالم وهى بيان حقيقة الشيء عند الحاجة إليه، ولكن إذا كان الإنسان مريض القلب يميل إلى ما يهوى. قوله: فكثرت الوقائع والنوازل في التابعين، ومن بعدهم واجتهدوا بآرائهم لمن اضطر ولمن لم يضطر، ووصلت إلى من بعدهم من الفقهاء ففرعوا عليها وقاسوا واجتهدوا في إلحاق غيرها بها، فتضاعفت مسائل الفقه وشككهم إبليس ووسوس في صدورهم واختلفوا كثيرا من غير تقليد، فقد نهى إمامنا الشافعى عن تقليده وتقليد غيره كما سنذكره في فصل، وكانت تلك الأزمنة مملوءة بالمجتهدين، فكل صنف على ما رأى وتعقب بعضهم بعضا مستمدين من الأصلين الكتاب والسنة وترجيح الراجح من أقوال السلف المختلفة بغير هوى. (فيه صدق وكذب وقلة حياء وحجة عليه وعلى من هو على شاكلته) فقوله: فكثرت الوقائع إلى قوله: مسائل الفقه صدق، وقوله: وشككهم إبليس ووسوس في صدورهم كذب؛ لأنه أخبر بما لم يعلم وقلة حياء لتطاوله على خيار خير القرون من بعد قرن

стр. 109

الصحابة وهم مجتهدون من التابعين وتابعيهم. والحجة ظاهرة من حيث إنهم اجتهدوا لمن اضطر وغيره، وهم العدول من غير ريب ولم يطعن فيهم إلا زنديق غير متدين؛ لأن الدين ما وصل إلينا إلا من طريقهم، ومن حيث إن الغير أخذ برأيهم من غير نكير على الآخذ، ولم يقل له: أنك أخذت بزبالة أذهان الرجال ... إلخ، ولم يكلفوهم الاجتهاد، بل كل من أتاهم مستفتيا أفتوه بالمنصوص إن كان، وإلا اجتهدوا له وأخبروه بما ترجح في ظنهم؛ لأن الأحكام الفقهية المجتهد فيها مظنونة غير مقطوع بها، والآخذ بها ناج عند الله تعالى، ولم يكلفنا مولانا بالاجتهاد مطلقا أعني من توفرت فيه شروط الاجتهاد، ومن لم يتوفر فيه ولم يكلفنا بالحكم في الواقع ونفس الأمر فضلا منه تعالى. قوله: ولم يزل الأمر على ما وصفت إلى أن استقرت المذاهب المدونة ثم اشتهرت المذاهب الأربعة وهجر غيرها. * وهو كذلك وكانت المذاهب كثيرة كمذهب أبي ثور والأوزاعي والليث بن سعد * ثم اشتهرت المذاهب الأربعة، نعم وشهرتها ببقاء متبعيها والآخذين بها وهجر غيرها لانقطاع مقلديها، وقد أخبرني بعض مشائخي أن مذهب الإمام الليث بقي معمولا به إلى القرن السادس. قوله: فقصرت همم اتباعهم إلا قليلا منهم فقلدوا بعد ما كان التقليد لغير الرسل حراما. (هو كذلك) بالنسبة لقصور الهمم عن الاجتهاد المطلق المطلوب لهذا الكاتب، إلا أن في عبارته تنافيا ودعوى غير صحيحة أما التنافي فحاصل بين قوله اتباعهم وقوله إلا قليلا؛ لأن التابع مهما طال باعه فقاصر عن الاجتهاد المطلق، ولو بلغه لما كان تابعا فقوله: إلا قليلا لا محل له عند من يحسن النقد، وأما الدعوى الفاسدة فقوله: فقلدوا إلى قوله: حراما وجه ذلك

стр. 110

هو أن عبارته تقتضي أن التقليد لم يكن قبل، وإنما حدث بعد تقرر المذاهب، وليس بصحيح، بل التقليد جائز واقع في زمنه ﷺ وفي زمن الصحابة، فكان الصحابي يأخذ بقول الصحابي من غير نكير عليه، ووقائع ذلك كثيرة شهيرة مسطرة في كتب الحديث نعوذ بالله تعالى من نزغات الشيطان وفلتات اللسان وطغيان القلم وغواية إبليس الإنسي .. قوله: بل صارت أقوال أئمتهم عندهم بمنزلة الأصلين. (هو كذلك) عندهم ولا شائبة نقص في ذلك البتة؛ لأن أقوال أئمتهم مأخوذة ومستنبطة من الأصلين ومن بقية أدلة الفروع المقررة عندهم، فهي أحكام الله بلا ريب عند المتقين؛ ولأن الموضوع أنهم غير قادرين على أخذ الأحكام الفرعية من أصولها فنص العلماء المقتدي بهم حسبما تأتي عبارتهم على أن المقلد تنزل أقوال وقواعد أمامه منزلة الأصول فيأخذ منها ويقيس عليها إن اقتضى الأمر ذلك ولا يسوغ له أن يتطاول إلى الأخذ من أصول الفقه لعجزه، وإنما يأخذ منها المجتهد المطلق، والمقلدون إنما قلدوهم لكونهم أعلم منهم بحكم الله تعالى وتلقوا منهم ما قلدوهم فيه على أنه حكم الله تعالى لا على أنه من مخترعاتهم التي لا مستند لها من الله تعالى، حتى يكونوا مثل أحبار اليهود ورهبان النصارى الذين غيروا دين الله تعالى تبعا لهواهم وإبقاء لمناصبهم، واتبعهم اليهود والنصارى فيما غيروه وبدلوه فصدق عليهم قوله تعالى ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ وأما المجتهدون الأئمة الأربعة وغيرهم ممن مضى قبلهم فننزههم عن التغيير والتبديل في أحكام رب العالمين، بل كل ما أداهم إليه اجتهادهم هو حكم رب العالمين في الظاهر، وإنما نحن مأمورون باتباع الظاهر ولسنا مكلفين بغير الظاهر
следующие страницы →