Полный текст (3 483 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
وكان لهؤلاء التجار الذين عُرِفوا بالتقوى والورع فضل كبير فى نشر
الإسلام وخاصة فى بلاد الحبشة.
كذلك كان لسلطنة «الكانم والبرنو» علاقات تجارية وثقافية مع
شمال إفريقيا وخاصة «تونس» فقد اتصل سلاطين «الكانم» بحكامها
من «بنى حفص» وتبادلوا الرسائل والهدايا، من ذلك سفارة أرسلها
الماى «عبدالله بن كادى» إلى السلطان الحفصى «أبى يحيى
المتوكل» فى عام (٧٢٧هـ = ١٣٠٧م)، كذلك تبودلت الرسائل
والسفارات مع «طرابلس» فى عام (٩٠٨هـ = ١٥٠٢م) وسفارة بعث بها
أيضًا فى عام (٩٤١هـ = ١٥٣٤م) وأخرى فى زمن الماى «إدريس
ألوما» المتوفَّى عام (١٠١١هـ = ١٦٠٢م) كذلك نشطت العلاقات
التجارية بين «برنو» وهذه البلدان.
ويمثل الجهاد قمة إيمان السلطنة بالإسلام، فقد اتخذه سلاطينها
طريقًا لرد العدوان والتعريف بالإسلام بين الوثنيين الذين كانوا
يقومون بالاعتداء على هذه الدولة الإسلامية، وخاصة الوثنيين
المقيمين فى الجنوب، فقد حاربهم السلاطين ودخل كثير منهم فى
الإسلام، بالإضافة إلى اتِّباع أسلوب الإقناع الذى اتبعه بعض
السلاطين وخاصة السلطان «إدريس ألوما»، الذى اشتهر ببناء
المساجد الضخمة من الحجارة، وطبق الشريعة الإسلامية خاصة فى
معاملة الأسرى، ونظم الجهاد بما يتمشى مع تعاليم الإسلام، فازداد
الدخول فى هذا الدين وانتشر فى منطقة «بحيرة تشاد» كلها.
كذلك فقد شجع سلاطين «الكانم والبرنو» انتشار الثقافة العربية
الإسلامية، فأكثروا من بناء المساجد والكتاتيب، وكانت اللغة العربية
هى لغة التعليم ولغة الحكومة الرسمية، فضلا عن كونها لغة
المعاملات التجارية ولغة المراسلات الدولية، كما كان الحال فى جميع
الدول الإسلامية التى قامت فى بلاد «السودان الغربى»، وظلت الحال
على هذا النحو حتى عصر الاستعمار الأوربى الذى قضى على اللغة
العربية ولم يعد لها إلا وجود محدود بين قليل من الأهالى، ووجود
كبير فى المدارس الدينية الإسلامية.
стр. 1017
وفى ظل تشجيع سلاطين «الكانم والبرنو» للثقافة الإسلامية ارتقى
العلماء والفقهاء منزلة رفيعة، وحرص السلاطين على رعايتهم
والإغداق عليهم، وإصدار المحارم (أى الفرمانات) التى كانوا
يمنحونهم بمقتضاها كثيرًا من الامتيازات المادية والإقطاعات،
ويحرِّمون على أى شخص مهما بلغت منزلته وقدره أن يسلبهم شيئًا
منها. ولذلك ظهر فى هذه السلطنة كثير من العلماء والفقهاء، منهم
الفقيه «محمد بن مانى» الذى سبق الحديث عنه، والإمام «أحمد بن
فرتو» الذى كان معاصرًا للماى «إدريس ألوما»، والذى تعد كتاباته
المرجع الرئيسى لتاريخ «برنو»، والعالم الكبير «عمر بن عثمان بن
إبراهيم»، والعالم «عبداللاه ديلى بن بكر»، وغيرهم من العلماء الذين
صدرت لهم محارم (فرمانات) تشجيعًا لهم على التفرُّغ للعلم والبحث
والتدريس؛ مما أدَّى إلى انتشار العلوم الإسلامية بين أهالى هذه
البلاد.
стр. 1018
الفصل السادس
*إمارات الهوسا الإسلامية فى شمالى نيجيريا
تشمل بلاد «الهوسا» ما يعرف الآن بنيجيريا الشمالية، وجزءًا من
جمهورية «النيجر»، وكانت تقع فى العصور الوسطى فى المنطقة
المحصورة بين سلطنتى «مالى» و «صنغى» غربًا، وسلطنة «البرنو»
شرقًا، تحدُّها من الشمال بلاد «أهير» والصحراء الكبرى، ومن
الجنوب ما يعرف الآن بنيجيريا الجنوبية.
و «الهوسا» (أو الحوصا) مصطلح يطلق على الذين يتكلمون بلغة
«الهوسا»، ولذلك فليس هناك جنس يمكن أن يتسمى بهذا الاسم؛ إذ
إن الهوسويين لاينحدرون من دم واحد، بل جاء أغلبهم نتيجة امتزاج
حدث بين جماعات قَبَلِيَّة وعِرْقِية كثيرة، أهمها: السودانيون. أهل
البلاد الأصليون، والطوارق من البربر، والفولانيون وغيرهم.
ونتج عن هذا الامتزاج هذا الشعب الذى أصبح يتكلم لغة واحدة، هى
لغة «الهوسا» التى انتشرت انتشارًا كبيرًا فى إفريقيا الغربية، حتى
أصبحت لغة الناس والمعاملات المالية والتجارية.
وعلى الرغم من أن المتكلمين بلغة «الهوسا» فى هذا الجزء من
القارة الذى يعرف الآن بنيجيريا كانوا يعيشون متجاورين، ويتكلمون
لغة واحدة، ويدين معظمهم بالإسلام، فإنهم لم يعيشوا تحت حكم
دولة واحدة، بل كَوَّنُوا سبع إمارات صغيرة، تُعرف باسم إمارات أو
ممالك «الهوسا»، وهى: «كانو»، و «كاتسينا»، و «زاريا»،
و «جوبير»، و «دورا»، و «رانو»، و «زمفرة».
ويرى بعض الباحثين أن «دورا» هى أقدم هذه الإمارات، وأن دماء
أهلها وافدة من «مصر العليا» و «الحبشة» وبلاد العرب، و «كاتسينا»
التى كانت تتوسط هذه الإمارات، و «زاريا» أوسعها أرضًا، و «كانو»
أغناها، و «جوبير» أجدبها، وتقع فى شماليِّها.
وعلى ذلك فقد كانت كل إمارة من هذه الإمارات مستقلة عن الأخرى،
وكانت الحروب تندلع فيما بينها فى فترات كثيرة؛ نتيجة لأطماع
حكامها فى فرض سيطرتهم، كل على الآخر؛ أو نتيجة لتحالف
أحدهم مع القوى الكبيرة المجاورة لبلاد «الهوسا» وهى:
стр. 1019
دولة «البرنو» الإسلامية من الشرق، ودولة «مالى» ثم دولة «صنغى»
الإسلامية من الغرب.
وقد اشتهر الهوسويون بالمهارة فى الزراعة والصناعة والتجارة،
وقد استغلوا موقع بلادهم المتوسط بين «السودان الغربى»
و «السودان الشرقى» فى الاشتغال بالتجارة، ولذلك مهروا فى هذه
الحرفة، وكانوا من أكثر التجار مغامرة، وكانت قوافلهم تخترق
الصحراء الكبرى ثلاثة أشهر من كل عام؛ لتزوِّد «طرابلس»، و «تونس»
وغيرهما من بلدان شمال إفريقيا بمنتجات بلاد «السودان» من ذهب
وعاج ورقيق.
كما اخترقت قوافلهم مناطق الغابات فى الجنوب؛ حيث وصل نشاطهم
التجارى إلى «نوب»، واتجهوا شرقًا إلى «برنو»؛ حيث فتحوا طريقًا
للتجارة عام (٨٥٦هـ= ١٤٥٢م)، وتوغَّلوا فى الجنوب حتى حوض
«فولتا» الأوسط.
وقد أصبحت طرق التجارة الخارجية، وخاصة التى تخرج من بلاد
«الهوسا»، متجهة شمالا إلى «أهير» وتتصل عندها بالطرق
الرئيسية المتجهة إلى «غات» و «غدامس» و «فزَّان» و «تكدا» و «برنو»
مفتوحة ومستعملة بطريقة كافية ومنظمة، وأصبحت مألوفة جدا
للمسافرين والتجار؛ مما شجَّع العلماء والباحثين على زيارة بلاد
«الهوسا» بكل سهولة وارتياح، كما شجَّع التجار المغامرين على
ارتيادها.
وقد أدَّى هذا كله إلى انتشار الإسلام، ونموِّ الحركة الفكرية، وازدياد
تأثير الثقافة العربية الإسلامية، وسيطرة تجار «الهوسا» على
النشاط التجارى فى جميع أنحاء «السودان الأوسط»، وتضخمت
جالياتهم فى كل المراكز التجارية المهمة، وأصبحت لغتهم لغة
التخاطب العامة فى الأسواق والمعاملات المالية والتجارية، وازدادت
سيطرتهم على التجارة فى بلاد «السودان» بعد انهيار سلطنة
«صنغى» الإسلامية أمام الغزو «المرَّاكُشى» سنة (١٠٠٠هـ =
١٥٩١م)، مما أدَّى إلى تحول المجرَى الرئيسى للحركة التجارية إلى
بلاد «الهوسا»، وقفزت «كانو» و «كاتسينا» بصفة خاصة إلى مكان
الصدارة والشهرة باعتبارهما مركزين مهمين من مراكز التجارة
стр. 1020
والحضارة فى ذلك الحين، وبخاصة بعد أن أصبحتا من أهم مراكز
الإسلام فى تلك المنطقة من بلاد «الهوسا».
وقد انتشر الإسلام فى إمارات «الهوسا» السبع فى فترة مبكرة إذ
دخل الإسلام فى إمارة «كانو» فى أواخر القرن الثانى عشر
الميلادى، وفى باقى الإمارات فى أوائل القرن الرابع عشر
الميلادى، وكان لاعتناق حكام إمارات «الهوسا» الإسلام، بالإضافة
إلى ما اتَّسمُوا به من العدالة وحب الرعية أثر كبير فى انتشار الإسلام
بين الناس، فازداد تمسكهم به وازداد تفانيهم وإخلاصهم له.
وبعد انتشار الإسلام فى هذه الإمارات، كثر وفود العلماء إليها
للدعوة ونشر الإسلام وتصحيح العقيدة بين أهلها، فقاموا بإنشاء
عدد كبير من المساجد كمراكز لنشر الدعوة الإسلامية فى هذه
الإمارات وما حولها من المناطق الأخرى، ونجحوا فى القضاء على
الوثنية التى كانت منتشرة بين السكان قبل دخولهم فى الإسلام.
وقد وجد هؤلاء العلماء فى هذه الإمارات الأمن والطمأنينة، مما
دفعهم إلى إحضار مؤلفاتهم، وبخاصة فى علوم اللغة والأدب
والتوحيد، ورحَّب بهم حكام هذه الإمارات، فازدهرت الثقافة واتسعت
مجالاتها بجهود هؤلاء العلماء، كما ازداد عدد الرجال المتعلمين؛ حيث
كان العلماء يعلِّمون الناس الآداب والثقافة الإسلامية باللغة والحروف
العربية.
ومن العلماء الذين يرجع إليهم الفضل فى نشر الإسلام والثقافة
الإسلامية فى هذه الإمارات الشيخ «عبدالرحمن زيد» الذى مارس
نشاطه فى الدعوة فى إمارة «كانو»، والشيخ «محمد بن عبدالكريم
المغيلى» فقيه «توات» الشهير الذى رحل إلى «كانو» و «كاتسينا»،
ونشر فيهما عقيدة الإسلام الصحيحة، والشيخ «عبده سلام» الذى
أحضر معه كتب «المدوَّنة» و «الجامع الصغير» والشيخ القاضى
«محمد بن أحمد بن أبى محمد التاذختى» المعروف باسم «أيد أحمد»
بمعنى «ابن أحمد» الذى وَلِىَ قضاء «كاتسينا» وتُوفِّى نحو سنة
(٩٣٦هـ = ١٥٢٩م)، وغيرهم.
стр. 1021
وقد كان للتجار - أيضًا - دور كبير فى نشر الإسلام فى هذه
الإمارات، بل كان لهم الدور الأول فى معرفة هذه الإمارات بالإسلام،
كما أدَّى انتشار الإسلام إلى ازدهار التجارة ازدهارًا كبيرًا، بسبب
كثرة احتكاك هذه الإمارات بالمدن المجاورة لها.
وعلى أية حال فقد كان لجهود العلماء والتجار القادمين إلى بلاد
«الهوسا» والمحليين أثرها الكبير فى نشر الإسلام فى هذه البلاد
منذ القرن الثانى عشر الميلادى، وأصبحت «كانو»، و «كاتسينا»،
و «زاريا» وغيرها من بلاد «الهوسا» مراكز إسلامية فى هذه البقاع
من القارة، وتألَّقت فيها الثقافة الإسلامية، وكان لها فضل كبير فى
نشر الثقافة الإسلامية بين سكانها وغيرهم من البلاد المجاورة،
فإمارة «كانو» يرجع إليها الفضل فى نشر الإسلام شرقًا حتى حدود
«برنو»، وإمارة «زاريا» يرجع إليها الفضل فى نشر الإسلام فى
أواسط بلاد «الهوسا»، وجنوبيها فى حوض «نهر فولتا»، وكان
علماء «تمبكت» - التى تقع على نهر «النيجر» - يرحلون إلى هذه
الإمارات، كذلك رحل إليها علماء من «مصر»، من أبرزهم الإمام «جلال
الدين السيوطى» المتوفى سنة (٩١١هـ = ١٥٠٥م) والذى نشأت بينه
وبين أمير «كاتسينا» علاقة طيبة، وهناك ما يدل على أن الإمام
«السيوطى» رحل إلى هذه الإمارة وعاش فيها زمنًا، يعلِّم الناس
ويفتيهم، وعاد إلى «مصر» سنة (٨٧٦هـ = ١٤٧١م)، واتصلت
المراسلات بينه وبين علماء هذه البلاد، كما اتصلت بينهم وبين علماء
«مصر» وبلاد «الحجاز» وغيرهما، مما يدل على التواصل الإسلامى،
وعلى صلة بلاد «الهوسا» بالعالم الإسلامى سواء فى إفريقيا، أو
فى غيرها من القارات.
стр. 1022
الفصل السابع
* سلطنة البلالة الإسلامية فى حوض بحيرة تشاد
[٧٦٦ - ١٣١٨ هـ =١٣٦٥ - ١٩٠٠م]:
قامت هذه السلطنة فى حوض بحيرة «تشاد» (أى: فى بلاد السودان
الأوسط)، وبالتحديد فى حوض بحيرة «فترى»، وإلى الشمال منها
حتى بحيرة «تشاد»، وظهرت كدولة يمكن التحقق من تاريخها منذ
عام (٧٦٦هـ = ١٣٦٥م)، واستمرت حتى بداية القرن العشرين، عندما
سقطت المنطقة كلها فى يد الاستعمار الفرنسى.
وعلى الرغم من طول مدة بقاء هذه السلطنة، فإن المؤرخين لم
يذكروها كثيرًا ولم يهتموا بها؛ لأنها كانت تابعة لسلطنة «الكانم
والبرنو» فى كثير من فترات حياتها.
ويعود اسم «البلالة» إلى أول زعيم لهم ويدعى «بولال» أو «بلال»
أو «جيل» أو «جليل»، ومنه جاء اسم أول زعمائهم وهو
«عبدالجليل»، وربما جاء اسم «بلالة» أو «بولالة» من «بولو» الذى
كان ابنًا لقبائل «البيوما» التى كانت تسكن منطقة «بيو» ( Biyo)، ثم
أُضيف إليه المقطع التماشكى ( ilalla) فجاء اسم «بولالا» أو «بلالة»،
وهى كلمة تعنى الأحرار النبلاء، وربما جاء الاسم أيضًا من اسم ميناء
كان ولايزال يقع على الساحل الشرقى لبحيرة «تشاد»، ويسمى
«بول» ( Bol)، ثم أُضيف إليه المقطع التماشكى، فصار «بولالا» أو
«بلالة» كما ينطقه البلاليون أنفسهم فى هذه الأيام.
أما أصل قبائل «البلالة» فقد جاء نتيجة اختلاط عناصر متعددة
سكنت هذه المنطقة، وهى: البربر والعرب والسودان والزنج، وقد
تصاهرت هذه العناصر فيما بينها، فأدَّى ذلك إلى امتزاجهم وتغير
فى صفاتهم.
وقد كان «البلالة» وثنيين حتى القرن الثانى عشر الميلادى؛ حيث
أسلموا عقب إسلام بنى عمومتهم الذين يتمثلون فى «الأسرة السيفية
الماغومية» الحاكمة فى سلطنة «كانم» فى القرن الحادى عشر
الميلادى.
أما من الناحية السياسية فقد ظهر خطر «البلالة» على سلاطين دولة
«كانم» منذ وقت مبكر، رغم صلة القرابة التى تربط بينهما، ويعود
стр. 1023
ذلك إلى أن «البلالة» كانوا يحاولون التخلُّص من تبعيتهم لأقربائهم
من حكام «كانم»، وقد ظهر هذا الخطر منذ عهد أول سلاطين «كانم»
الإسلامية وهو الماى (السلطان) «أوم بن عبدالجليل» (١٠٨٦ - ١٠٩٧م)
الذى حاربهم وانتصر عليهم، فأعلنوا الطاعة والخضوع، وظلوا
يتقلبون بين التبعية والتحرر من سلطان «كانم» حتى ظهر زعيمهم
الموصوف بالقوة والشجاعة والدهاء وهو «عبدالجليل سيكومامى»
الذى حقق لهم الاستقلال التام والتوسع فى حدود سلطنته فى عام
(١٣٦٥م)، بفضل معاونة العرب الموجودين فى هذه المنطقة، واتخذ
من مدينة «ماسيو» التى تقع بين «بحيرة فترى» و «كانم» عاصمة له.
ثم حارب مايات كانم وانتصر عليهم، وبذلك وقع إقليم «كانم» بأسره
فى قبضة «البلالة»، مما جعلهم يحكمون دولة واسعة تمتد من حدود
«دارفور» الغربية وبلاد «النوبة» حتى شواطئ «بحيرة تشاد»
الشرقية، واضطرت «الأسرة السيفية الماغومية» الحاكمة فى «كانم»
إلى الهرب إلى إقليم «برنو» الذى يقع فى غرب «بحيرة تشاد».
ولكن لم يلبث حكام «برنو» أن استعادوا قوتهم على يد الماى «على
جاجى بن دونمه» الملقب بالغازى؛ نظرًا لغزوه إقليم «كانم»، ونشب
بينه وبين «البلالة» صراع منذ عام (١٤٧٢م) فى محاولة لاسترداد
«كانم» مرة أخرى، واستمر الصراع فترة طويلة انتهى بعقد اتفاقية
سلام، اتفقا فيها على رسم الحدود بين «كانم» و «برنو».
وعلى الرغم من ذلك وبمرور الوقت بدأ الضعف يدب فى جسد سلطنة
«البلالة»؛ بسبب الفتن والاضطرابات والحروب الأهلية، وظهور إمارات
جديدة بدأت تُغِير على سلطنة «البلالة»، مثل سلطنة «واداى» التى
تقع فى الشمال الشرقى لدولة «البلالة»، وسلطنة «باجرمى» التى
تقع فى جنوبيِّها الغربى.
وعلى الرغم من هذا الضعف فقد ظلت هذه السلطنة قائمة حتى بداية
القرن العشرين؛ حيث سقطت فى قبضة الاستعمار الفرنسى فى عام
(١٩٠٠م)، ومع ذلك حكم بعض سلاطين «البلالة» تحت راية هذا
стр. 1024
الاستعمار، وظلوا كذلك حتى نالت البلاد استقلالها فى عام (١٩٦٠م)
ودخلت بلاد «البلالة» ضمن حدود جمهورية «تشاد» الحديثة منذ ذلك
التاريخ.
وقد أدَّت «سلطنة البلالة» دورًا اقتصاديا وعلميا ودينيا مهما فى
تاريخ المنطقة؛ إذ كانت نظرًا لموقعها بين «دارفور» و «النوبة» فى
الشرق، و «كانم» و «بحيرة تشاد» وماوراءها من بلاد «الهوسا»
و «مالى» فى الغرب، و «ليبيا» فى الشمال - مركزًا مهما من مراكز
التجارة التى تأتى من هذه البلدان مما انعكس أثره على مسيرتها
التاريخية، ودَعْم اقتصادها، ورَبَط بينها وبين دول تقع خارج منطقة
«بحيرة تشاد»، واتسعت تجارتها حتى وصلت إلى «مصر» وغيرها
من البلدان، كما زادت محصولاتها الزراعية.
أما الحياة العلمية: فقد تجلت فى المدارس والعلماء والفقهاء
والأشراف الذين كانوا يُعامَلُون بكلِّ تبجيلٍ واحترامٍ، كما ظهرت الطرق
الصوفية وبخاصة «التيجانية» و «القادرية»، وكان لهذه الطرق أثر
كبير فى نشر الإسلام فى هذه البلدان.
أما اللغات التى كانت منتشرة بين «البلالة»، فهى عديدة، فقد كانوا
يتكلمون لغة «كوكا» وهى قبيلة كانت تسكن مملكة «جاوجا» - أحد
أقاليم سلطنة البلالة - وكانوا يتكلمون أيضًا اللغة العربية التى كانت
لغة العلم والتعليم ولغة الحكومة الرسمية والتجارة والمراسلات، حتى
قضى الاستعمار الفرنسى عليها وعلى استخدام الحروف العربية فى
الكتابة وحَوَّلَها إلى الكتابة بالحروف اللاتينية، وإن كان كثير من
الأهالى - حتى الآن - يحافظون على التحدث والكتابة باللغة العربية،
ومعظمهم - أى نحو (٨٥%) - يدينون بالإسلام.
стр. 1025
الفصل الثامن
*الطابع الإسلامى والثقافة العربية فى غرب إفريقيا (السودان الغربى والأوسط):
يهمنا الآن أن نتحدث عن الطابع الإسلامى ومظاهر الحضارة فى
غربى إفريقيا، وعن المراكز التى نهضت بهذا العمل وحفظت للإسلام
نقاءه وقوته حتى بداية تعرض المنطقة للكشوف الجغرافية الأوربية
والاستعمار الأوربى فى العصر الحديث.
ونلاحظ أن الامتزاج الكامل بين التقاليد الإسلامية والتقاليد السودانية
الزنجية فى بداية هذا الدور قد تم، كما تمت المواءمة بين هذين
العنصرين، وظهرت تقاليد إسلامية الشكل والطابع، إفريقية الروح،
وروايات الرحالة والجغرافيين والمؤرخين العرب مثل: «ابن بطوطة»
و «الحسن الوزان» و «القلقشندى» وغيرهم، ومن مؤرخى «السودان»
مثل «السعدى» صاحب كتاب «تاريخ السودان»، و «محمود كعت»
صاحب كتاب «الفتاش» وغيرهما؛ تشعرنا بأننا نتعامل مع مجتمع
إفريقى صميم، اكتسب الثوب والصبغة الإسلامية الواضحة.
فالقلقشندى يتحدث عن تقاليد البلاط فى سلطنة «مالى»، فيشير
إلى جلوس السلطان على مصطبة كبيرة عليها دكة أو كرسى من
خشب الأبنوس، تحيط بها أسنان الفيلة من كل صوب، ويتحدث عن
رجل مهمته أن يكون سفيرًا بين السلطان والناس اسمه أو لقبه
الشاعر، وعن المحيطين بالسلطان وهيئة الداخلين عليه، وغير ذلك.
ورواية «ابن بطوطة» لا تبعد كثيرًا عن هذا الوصف، وهو يشير إلى
دار السلطان التى تطل على المشور (دار الشورى)، ويصف السلطان
وترتيب الجالسين فيشير إلى نائبه، ثم الفرارية، وهم الأمراء، ثم
الخطيب، والفقهاء.
ولم ينفرد سلاطين «مالى» بهذا اللون الفريد من الحياة، فقد شاركهم
فيه أهل «صنغى» وغيرهم من شعوب «السودان الغربى» والأوسط،
فى إمارات «الهوسا» السبع فى شمالى «نيجيريا» وفى بلاد
«الكانم والبرنو».
وكانت العلاقة بين السلاطين والرعية تقوم على الخضوع الشديد
لهؤلاء السلاطين، يدل على ذلك العادات التى كانت منتشرة فى بلاد
«السودان الغربى»، والأوسط.
стр. 1026
ومع ذلك فثمة مظاهر إسلامية أو عربية خالصة، تتجلى فى التشدد
والتمسك بمذهب «مالك»، وحرص الفقهاء على التقاليد وعزوفهم عن
مصاحبة السلطان وتولى الوظائف، مثلما كان الحال فى بلاد شمال
إفريقيا و «الأندلس». وقد تغلغل العلماء فى الحياة وتمتعوا بالزعامة
الدينية والشعبية؛ إذ صاروا لسان حال الشعب والمدافعين عنه أمام
ظلم الحكام وعنتهم، وهى الصورة نفسها التى نلحظها فى المغرب
الإسلامى وبلاد «الأندلس»؛ مما يدل على وحدة تلك المنطقة من
الناحية الدينية والثقافية، كذلك نشعر بتقدير سلاطين السودان لهؤلاء
الفقهاء واحترامهم لهم، حتى إن من يلجأ إلى ديارهم يأمن عقاب
السلطان ولايجرؤ أحد على التعرض له بسوء.
وقد سبقت الإشارة إلى مواظبة أهل «السودان الغربى» على
الصلوات والتزامهم بها فى الجماعات، وضربهم أولادهم إذا ما قصروا
فى أدائها أو فى حفظ القرآن، وازدحام المساجد بالمصلين حتى إنه
إذا لم يبكر المرء بالذهاب إلى المسجد لم يجد موضعًا، كما سبقت
الإشارة إلى كثرة عدد المساجد واعتناء السلاطين ببنائها وتعيين
الأئمة والخدم لها، وقد التزم الجميع بمذهب الإمام «مالك».
كما نلاحظ أن جميع الأسر الحاكمة فى «السودان الغربى» والأوسط
اصطنعت لنفسها نسبًا عربيا؛ فسلاطين «مالى» يدعون الانتساب
إلى «عبدالله بن صالح بن الحسن بن على»، وانتسب سلاطين «كانم
وبرنو» إلى «حِمْيَر»، واتخذ سلاطين «صنغى» مثل هذا النسب
العربى، بل وحرصوا على الحج والحصول على تقليد من الخليفة
العباسى بالحكم، كل ذلك ليكتسبوا صبغة إسلامية كاملة وليفوزوا
برضا الرعية، وليفسحوا لأنفسهم مجالا فى الحياة الإسلامية الدولية.
وقد حرص سلاطين «السودان الغربى» والأوسط وملوكهم ورعيتهم
على أن يقتبسوا من التقاليد الشائعة فى الحياة الإسلامية المعاصرة
لهم، فهم فى لباسهم يتشبهون بأهل «المغرب»، وتأثر كل من
«منسا موسى» و «أسكيا محمد الأول» اللذين زارا «مصر» بأساليب
стр. 1027
الحياة فى «مصر المملوكية»، فسلطان «مالى» مثلا يتخذ حاشية من
ثلاثين مملوكًا من الترك، اشتراهم من «مصر»، وطريقة جلوسهم
وخروجهم إلى المسجد يوم العيد لاتختلف كثيرًا عما كان مألوفًا عند
سلاطين المماليك وغيرهم من ملوك الإسلام.
كما حرصوا على أن تكون وثائقهم ومكاتباتهم الرسمية باللغة
العربية، حتى التنظيمات الإدارية والحربية تأثروا فيها بما شاهدوه
فى «مصر»، فملوك «صنغى» يقسمون الإمبراطورية إلى ولايات أو
أقاليم وكل ولاية إلى مدن ثم إلى قرى، ثم ينظمون الجيش إلى فرق
للمشاة والخيالة والأبالة، بل استخدموا الأسلحة النارية وخاصة ملوك
«الكانم والبرنو»؛ مما ساعدهم فى مشروعاتهم السياسية والحربية
إلى حد كبير.
أما عن الثقافة الإسلامية فإنه يمكننا القول: إن هذه الثقافة كانت
عربية خالصة، لم تدخلها تأثيرات أخرى؛ لعدم وجود تقاليد ثقافية
زنجية فى ذلك الوقت، وكانت هذه الثقافة الإسلامية ذات صبغة
مغربية أندلسية؛ حيث إن الإسلام دخل إلى تلك البلاد من «المغرب»،
وبالتالى انتقلت ثقافة «المغرب» إلى «أودغشت» و «تمبكت وجاو»
وبقية مدن «السودان الغربى» والأوسط، حتى طريقة الكتابة نفسها
تأثرت بالطابع المغربى، فالقلم المستخدم هو القلم المغربى،
والمناهج والكتب المتداولة هى المناهج والكتب المالكية المغربية
نفسها مثل كتب «عياض» و «سحنون» و «موطأ مالك» و «المدونة»
وغيرها، وكلها كانت تدرس فى مدارس غربى إفريقيا فى «جنى»
و «تمبكت» و «كانو» و «كاتسينا» و «برنو».
حتى التأثيرات الأندلسية دخلت إلى مدارس «المغرب» وغربى إفريقيا
وخاصة بعد سقوط دولة الإسلام فى «الأندلس»، فقد رحل علماؤها
إلى غربى إفريقيا وأقام كثير منهم فى «تمبكت»، وشواهد بعض
القبور التى كشف عنها فى منطقة «النيجر» ظهر أنها صنعت فى
مدينة «ألمرية» بالأندلس عام (٤٩٤هـ = ١١٠٠م)، وتحمل نقوشًا عربية
أندلسية، كما تأثرت قصور ملوك «السودان الغربى» والأوسط
стр. 1028
بالعمارة المغربية الأندلسية.
وقد تأثرت مدارس «السودان الغربى» والأوسط بالمدارس الإسلامية
الأخرى، خاصة مدارس «مصر» المملوكية، ورحل أهل «السودان» إلى
«مصر» وتعلموا فيها، ورحل بعضهم إلى «الشام» و «الحجاز»،
ووصلت مؤلفات المصريين إلى هذه البلاد، وقد عرفنا كيف ابتاع
«منسا موسى» الكتب وحملها معه إلى بلاده، كما أن مؤلفات
«السيوطى» وغيره من علماء «مصر» شاعت فى هذه البلاد، وكان
تأثر الطلاب السودانيين بمدارس «مصر» لايقل عن تأثرهم بمدارس
«المغرب العربى».
وليس معنى ذلك أن الثقافة الإسلامية فى غربى إفريقيا كانت تقل
عن نظيرتها فى بلاد «المغرب»، من حيث الغزارة والعمق، فعلماء
«السودان» وفقهاؤه لم يختلفوا عن نظائرهم فى «المغرب العربى»،
فقد روى «السعدى» أن فقيهًا اسمه «عبدالرحمن التميمى» جاء من
الحجاز بصحبة السلطان «منسا موسى» حين عاد من الحج فأقام
بتمبكت زمنًا، ولما رأى فقهاءها يتفوقون عليه غادرها إلى «فاس»
حتى يتزود من العلم ثم يعود إليهم.
وهناك من اشتهر من مؤرخى السودان الغربى والأوسط وكُتَّابه
أمثال: «أحمد بابا التمبكتى»، الذى وُلد بوهران عام (٩٦٣ - ١٠٣٧هـ
= ١٥٥٦ - ١٦٢٧م) فهو من أصل صنهاجى، ثم رحل إلى «تمبكت»
وفيها ظهرت مواهبه وارتفعت مكانته العلمية وكان رجلا واسع
الثقافة، ألَّف فى كل العلوم المألوفة فى عصره، وذيَّل كتاب الديباج
المذهب لابن فرحون وسماه «نيل الابتهاج بتطريز الديباج»، وأرَّخ
فيه حتى سنة (١٠٠٦ هـ = ١٥٩٧م) وهو يعطينا صورة طريفة لتاريخ
الحركة الفكرية فى «السودان الغربى» كله.
وهناك المؤرخ «السعدى» وهو من رجال القرن السابع عشر
الميلادى، وقد أقام بتمبكت و «جنى» ورحل إلى «المغرب»، وهو
صاحب الكتاب المشهور المسمى «تاريخ السودان»، والذى يعطينا
معلومات وافية عن تاريخ «دولة صنغى» وعن أحوالها الاجتماعية
والثقافية، كذلك كان شأن «محمود كعت التمبكتى» صاحب كتاب
стр. 1029
«الفتاش فى أخبار السودان»، فقد كان فقيهًا من فقهاء «تمبكت»
صَحِبَ «أسكيا محمد الكبير»، وألف كتابه بالأسلوب المغربى المألوف
نفسه.
وهناك أيضًا الإمام المؤرخ «أحمد بن فرتو»، الذى عاش فى سلطنة
«برنو» وكان يعاصر الماى «إدريس ألوما» (٩٧٨ - ١٠١٢هـ= ١٥٧٠ -
١٦٠٣م)، وهذا الإمام سليل أسرة دينية كان لها أثرها الكبير فى
نشر الإسلام فى «برنو»، وجده البعيد هو الإمام «محمد بن مانى»
الذى أسلم على يديه سلاطين «كانم وبرنو» الأوائل فى القرن
الحادى عشر الميلادى.
وقد كتب «أحمد بن فرتو» تاريخًا لبلاده يعتبر المرجع الرئيسى،
وخاصة تاريخ الفترة التى عاصرها زمن «إدريس ألوما»، ومؤلفاته
مدونة باللغة العربية ونشرت فى عام (١٣٤٩هـ = ١٩٣٠م) على يد
أمير «كانو» فى «نيجيريا».
ورغم أن هؤلاء الكتَّاب وغيرهم كتبوا باللغة العربية فإننا لا ندرى
بالضبط مدى انتشار اللغة العربية بين عامة الناس فى تلك الفترة،
ويبدو أنهم كانوا يستخدمون لغتهم الأصلية فى حياتهم الخاصة،
ويقتصر استعمال العربية عندهم على المكاتبات والعقود التجارية،
ومما يدُّل على ذلك أن «ابن بطوطة» حضر صلاة الجمعة فى أحد
مساجد «مالى»؛ فرأى رجلا يقف ويبين للناس بلسانهم كلام الخطيب،
أى أنه كان يترجم كلام الخطيب إلى اللغة المحلية، ويشير هو وغيره
إلى وجود وظيفة الترجمان فى بلاط السلطان، ويتضح ذلك أيضًا من
اختلاط «ابن بطوطة» و «الحسن الوزان» ببعض أهالى «السودان»،
وكانا لايعرفان لغة هؤلاء الناس إلا عن طريق ترجمان.
هذا عن انتشار الثقافة العربية الإسلامية فى غربى إفريقيا، أما
المراكز التى استقرَّت فيها هذه الثقافة وانطلقت منها إلى نواحى
«السودان» المختلفة فعديدة؛ من أهمها: مدينة «تمبكت»، و «جنى»،
و «أودغشت»، و «كانو»، و «كتسينا»، و «جاو».
١ - مدينة تمبكت:
تعتبر مدينة «تمبكت» أهم مركز تجارى وثقافى فى غربى إفريقيا،
стр. 1030
وقد أُنشئت فى أواخر القرن الخامس الهجرى سنة (٤٩٠هـ = ١٠٩٧م)
فى عهد الأمير «يوسف ابن تاشُفين» على نهر «النيجر» الأعلى،
وبلغت مكانةً لا تقل عن مكانة «القيروان» أو «فاس» أو «القاهرة»
أو «قرطبة» فى مجال الثقافة العربية الإسلامية، التقى فيها العلماء
والفقهاء من جميع الأجناس والألوان من بلاد «المغرب» و «الأندلس»
و «مصر» و «الحجاز» وبلاد «السودان».
وكانت «تمبكت» مركزًا مهما من مراكز الثقافة العربية فى إفريقيا،
تخرَّج فى جامعتها - التى يمثلها «جامع سنكرى» الشهير - علماء
ومؤرخون كان لهم فضلٌ كبيرٌ فى نشر الإسلام والثقافة العربية،
وكان الطلاب يَفِدون إلى هذه المدينة بعد حفظ أجزاء من القرآن فى
مدارسهم المحلية، ثم يُكْمِلون تعليمهم معتمدين على الأوقاف التى
كانت محبوسة عليهم وعلى «جامع سنكرى».
وكان علماء «تمبكت» يُقبِلون فى شغف على إنشاء مكتباتهم
الخاصة، وبعضهم زادت مكتبتهُ على ألفى كتاب، كما اقتنى بعض
السلاطين مثل هذه المكتبات، واتصل علماء «تمبكت» بإخوانهم فى
الأمصار الإسلامية الأخرى، فى «القاهرة» و «فاس» و «القيروان»؛ مما
أعطى الحركة الفكرية فى «تمبكت» صفة العالمية.
وخلاصة القول أن هذه المدينة كانت مدينة إسلامية منذ نشأتها،
فهى كما قال «السعدى»: ما دنَّستها عبادةُ الأوثان، ولا سُجِدَ على
أديمها لغير الرحمن، مأوى العلماء والعابدين، ومألف الأولياء
والزاهدين، ولذلك ارتبط تاريخ الثقافة العربية الإسلامية فى غربى
إفريقيا بتاريخ هذه المدينة نفسها.
٢ - مدينة جنِّى:
أُسِّسَت هذه المدينة على «نهر النيجر» الأعلى فى منتصف القرن
الثانى من الهجرة (حوالى سنة ٨٠٠م) وأسلم أميرُها «كنبرو» فى
نهاية القرن الحادى عشر الميلادى فى عهد المرابطين، وحذت حذوه
الرعية، وبنى أميرها مسجدها العتيق على نظام المسجد الحرام فى
«مكة المكرمة»، وكان الإسلام والثقافة الإسلامية قد تدفقا إلى هذه
стр. 1031
المدينة المهمة التى تلى «تمبكت» فى الأهمية قبل اعتناق «كنبرو»
الإسلام، بدليل أنه أسلم على يد علمائها وفقهائها الذين جمعهم،
وبلغ عددهم حسب رواية «السعدى» ما ينيف على أربعة آلاف، وإن
كان هذا العدد مبالغًا فيه إلا أنه ليس غريبًا؛ بسبب علاقات مدينة
«جنى» التجارية مع بلاد «المغرب» وحوض «السنغال»، وقد نهضت
الثقافة الإسلامية بمدينة «جنِّى» نهضة كبرى، يستفاد ذلك مما رواه
«السعدى» عمَّن أقام بها ووفد إليها من العلماء والقضاة ورجال
الدين.
٣ - أودغشت:
مدينة قديمة لم يَعُدْ لها وجود الآن، وتعد من المراكز الثقافية
الإسلامية المهمة التى كان لها دور كبير فى نشر الإسلام وثقافته
فى غربى إفريقيا.
كانت «أودغشت» أول الأمر محطة تجارية لقبيلة «صنهاجة»، على
الحدود الشمالية لمملكة «غانة» الوثنية، ولما فتح الصنهاجيون جزءًا
كبيرًا من «غانة» فى نهاية القرن الرابع الهجرى العاشر الميلادى
أصبحت «أودغشت» حاضرة لتلك القبيلة القوية، ثم استولت عليها
مملكة «غانة» الوثنية، ولكن الصنهاجيين الذين اعتمد عليهم
المرابطون أو الملثَّمون استطاعوا استعادتها عام (٤٤٧هـ= ١٠٥٥م)،
ومنها انطلقت موجات من دعاة المرابطين إلى بلاد «السودان»،
وتأكَّد دورها فى نشر الإسلام وازدهر بعد سقوط دولة «غانة»
الوثنية نفسها عام (٤٦٩هـ= ١٠٧٦م).
وقد وصفها «البكرى» المتوفى عام (٤٨٧هـ = ١٠٩٤م) بأنها مدينة
زاهرة، يتألف سكانها من العرب والبربر والسودانيين.
وكان يوجد بمساجدها معلمون لتعليم القرآن الكريم والسنة النبوية
وسائر العلوم الإسلامية، كما كثُرت بها المدارس لتعليم الأطفال،
واشتُهِرَت بمبانيها الجميلة وأسواقها العامرة، وكان يوجد بها بعض
الصناعات المعدنية التى بلغت درجة كبيرة من الرقى والإتقان، كما
كانت تتجر فى الأقمشة الحريرية الموشَّاه بالذهب، مما جعلها مركزًا
تجاريا وصناعيا وثقافيا كبيرًا؛ يربض على طرف الصحراء من ناحية
الجنوب.
٤ - كانو:
стр. 1032
تعتبر هذه المدينة من مراكز الثقافة الإسلامية بغربى القارة، ومن
أهم مدن شعب «الهوسا» شمالى «نيجيريا» الحالية، ويمكن أن يقال
إنه كانت هناك سبع إمارات تابعة للهوسا، هى إمارات: «كانو»
و «رانو» و «زاريا» و «دورا» و «جوبير» و «كتسينا» و «زمفارا»، وتقع
هذه الإمارات فى شمالى «نيجيريا» الحالية، شرقى ثنية نهر
«النيجر» أو بينها وبين بلاد «برنو».
ويذكر «الحسن الوزان» أن «أسكيا الحاج محمد» ملك «جاو»
(صنغى) قتل ملك «الهوسا» وضم البلاد إلى مملكته فى عام (٩١٨هـ=
١٥١٢م)، ورغم ذلك فقد كان لبعض إمارات الهوسا فضل ثقافى
كبير، فإمارة «كانو» يرجع الفضل إليها فى نشر الإسلام شرقًا
حتى «بورنو»، وإمارة «زاريا» يرجع الفضل إليها فى نشر الإسلام
فى أواسط «نيجيريا»، وقد ظهرت «كانو» و «كاتسينا» كمراكز
للثقافة الإسلامية منذ القرن الخامس عشر الميلادى.
وقد تضاعفت الشهرة العلمية لمدينة «كانو» و «كاتسينا» بعد الأحداث
التى أصابت مدينة «تمبكت» منذ القرن السادس عشر الميلادى،
وخاصة بعد الغزو المرَّاكُشى لها ولمملكة «صنغى»، وما نتج عن ذلك
من هجرة العلماء والطلاب والفقهاء إلى «كانو» وغيرها من مدن
«السودان الغربى» العديدة، ولاتزال تلك المدينة إلى اليوم من أهم
مراكز الثقافة الإسلامية فى غربى إفريقيا، وبها مدرسة للعلوم
العربية ومدرسة للقضاء الشرعى والفقه الإسلامى.
стр. 1033
الفصل التاسع
*الإسلام والعروبة فى سودان وادى النيل
لم تكن بلاد «السودان الشرقى» (النيلى) أو «سودان وادى النيل»
مجهولة للعرب قبل الإسلام، فقد مخرت سفنهم عباب البحر الأحمر
حتى وصلوا إلى الشاطئ الإفريقى ومنه إلى «السودان»
و «الحبشة»، فضلا عن الطريق البرى عبر «سيناء» إلى «مصر»،
ومنها جنوبًا إلى «السودان»، والطريق البحرى عبر «باب المندب»
إلى «الحبشة» ومنها إلى «السودان»؛ كل ذلك بهدف التجارة بين
هذه البلدان وبين عرب «اليمن» و «الحجاز»، وبظهور الإسلام
وانتشاره فى «مصر» أصبح وادى النيل معبرًا جديدًا للعرب والإسلام
إلى بلاد «السودان النيلى» سلكته الجيوش والقبائل العربية، إما
بقصد الغزو والفتح وإما بقصد التسرب السلمى بغرض الإقامة ونشر
الإسلام بين أهالى هذه البلاد.
وكانت هناك مملكتان مسيحيتان فى «السودان النيلى»، هما مملكة
«مقرة» أو «دنقلة» أو «النوبة» فى شمالى هذا السودان، ومملكة
«علوة» فى وسطه، وكانت هذه الممالك تقف فى وجه انتشار
الإسلام، وأمام جهود المسلمين للدخول إلى «السودان النيلى» من
ناحية «مصر، ولهذا كان انتشار الإسلام يتوقف على إضعاف هذه
الدول أو القضاء عليها.
وبدأ اللقاء الأول بين هذه الدول المسيحية وبين المسلمين منذ وقت
مبكر، فقد أرسل «عمرو بن العاص» - رضى الله عنه - والى «مصر»
بعض جنده إلى «بلاد النوبة» عام (٢١هـ = ٦٤٢م)، لكنه لم يتمكَّن من
فتحها، ثم غزاهم «عبدالله بن سعد بن أبى السرح» والى مصر عام
(٣١هـ = ٦٥١م)، ووصل فى زحفه حتى «دنقلة» عاصمة مملكة
«مقرة» المسيحية، وعقد معهم صلحًا عُرِفَ باسم «البقط»، وتدل
نصوص هذا الصلح على أنه يهدف إلى التسامح الدينى وحسن
الجوار، ولايعكس تبعية «دنقلة» لمصر الإسلامية، أى لم يكن فى
حقيقته إلا تأمينًا للنواحى الاقتصادية والتجارية والدينية، وتشجيعًا
للتبادل التجارى، وإقرارًا للسلام على الحدود المشتركة؛ ولذلك ظلت
стр. 1034
هذه المعاهدة سارية المفعول أكثر من ستمائة سنة. ...
ويلفت النظر فى هذه المعاهدة اشتراط «عبدالله بن سعد» على
النوبيين أن يحافظوا على المسجد الذى بناه المسلمون فى «دنقلة»،
ويحموا التجار المسلمين، وغيرهم ممن يطرقون بلادهم، وهذا يؤكد
حرص «عبدالله بن سعد» على أن يظل الطريق مفتوحًا خلال مملكة
«مقرة» إلى الجنوب؛ حيث توجد مملكة «علوة» التى يمكن نشر
الإسلام بها عبر التجار والمسافرين من المسلمين.
وأثناء انصراف «عبدالله بن سعد» من «النوبة» تعرض له «البجة» أو
«البجاة»، ويبدو أنه لم يصطدم بهم لهوان شأنهم فى نظره، لأنه لم
يكن لهم ملك يمكن الرجوع إليه، وكانت أوطان هذا الشعب تمتد فى
الصحراء الشرقية بين «النيل» و «البحر الأحمر» من حدود جنوب
«مصر» فى الشمال إلى حدود «الحبشة» فى الجنوب، وقد أغاروا
على صعيد «مصر» سنة (١٠٧هـ = ٧٢٥م) فصالحهم «عبيد الله بن
الحبحاب» والى «مصر»، وكتب لهم عقدًا بذلك.
وعندما أغاروا على «أسوان» بعد ذلك جرَّد لهم الخليفة «المأمون»
عام (٢١٦هـ = ٨٣١ م) جيشًا بقيادة «عبدالله بن الجهم»، وانتهى الأمر
بعقد صلح جديد بينه وبين ملكهم «كنون بن عبدالعزيز»، ومن أهم
شروطه أن تكون بلاد «البجة» من حدود «أسوان» إلى ما بين
«دهلك» و «مصوع» ملكًا للخليفة، وأن يكون «البجة» وملكهم أتباعًا
له، مع بقاء هذا الملك فى منصبه ويتعهدون بعدم منع أى مسلم من
دخول بلادهم بقصد التجارة أو الإقامة أو الحج، وأن يؤدى ملك
«البجة» ما عليه من الخراج.
وهكذا فتحت هذه المعاهدة البابَ أمام الهجرات العربية لاجتياز مملكة
«مقرة» دون الإقامة بها، فى طريقها إلى وسط «السودان النيلى»
أو ما عرف باسم «مملكة علوة» بينما سمحت المعاهدة مع «البجة»
للهجرات العربية بالاستقرار والإقامة فيما بين حدود «مصر» الجنوبية
وحتى «مصوع»، وبهذا أصبح الباب مفتوحًا للإسلام والثقافة العربية
стр. 1035
للتوغُّل فى وسط «السودان النيلى» وحتى حدود «الحبشة» الشمالية.
وقد أثَّرت أحداث العالم الإسلامى؛ وخاصة الصراع بين الأمويين
والعباسيين، وظهور العناصر الأخرى من الفرس وغيرهم على المسرح
السياسى واستبدادهم بالسلطة والنفوذ، فى هجرة الكثير من القبائل
العربية إلى الجنوب، وقد انتهزت تلك القبائل فرصة الحملة التى
أعدَّها «أحمد بن طولون» والى «مصر» إلى أرض «النوبة» و «البجة»
فاشترك فيها كثير من العرب وخاصة من «ربيعة» و «جهينة»؛ حيث
استقروا فى هذه المناطق ونشروا الإسلام واختلطوا بالنوبة
و «البجة».
وقد حرص رؤساء العرب على التزوُّج من بنات «البجة» و «النوبة»؛
مما أدَّى إلى انتقال الرئاسة إليهم وفقًا لنظام الوراثة عن طريق الأم،
وقد استطاعوا إقامة أول إمارة إسلامية عربية كان مقرُّها فى
«أسوان» فى عهد الفاطميين، وخلع الخليفة «الحاكم بأمر الله
الفاطمى» على أمير «ربيعة» لقب «كنز الدولة» فعرف «بنو ربيعة»
فى «أسوان» و «النوبة» ببنى كنز، واستطاع هؤلاء أن يصاهروا
البيت المالك النوبى فى «دنقلة»، وتبعًا لذلك انتقل الحكم هناك إلى
«بنى كنزة» وأعلنوا استقلالهم عن الدولة المملوكية فى «مصر»
سنة (٧٢٣هـ = ١٣٢٣م).
وبذلك ظهرت أول إمارة إسلامية فى بلاد «السودان الشرقى»،
وتدفقت موجات من العرب ولاسيما من عرب «جُهَينة» إلى داخل
«السودان» حتى بلاد «الحبشة» و «دارفور»، واستقر كثير منهم فى
أرض «مملكة علوة» المسيحية وأسَّسوا مدينة «أربجى» على
الشاطئ الغربى من النيل الأزرق عام (٨٧٩هـ = ١٤٧٤م) ومع توالى
الهجرات العربية إلى مملكة «علوة» وازدياد نفوذها، عمل ملوك
«علوة» على استمالتهم بالمصاهرة، فانتقل الحكم إلى «جهينة» عن
هذا الطريق، كما حدث فى مملكة «النوبة» من قبل، وخاصة بعد أن
تحالف هؤلاء العرب مع «الفونج» القادمين من الجنوب، وقضوا على
مملكة «علوة» نهائيا فى مستهل القرن السادس عشر الميلادى وبذلك
стр. 1036
انتهت ممالك «النوبة» أو ممالك «السودان الشرقى» (النيلى)
المسيحية، وبدأ عهد جديد فى تاريخ تلك البلاد ظهرت فيه عدة ممالك
أو سلطنات إسلامية من أهمها:
стр. 1037
الفصل العاشر
*سلطنة الفونج الإسلامية فى سنار
[٩١٠ - ١٢٣٦هـ = ١٥٠٥ - ١٨٢٠م]:
اختلف الباحثون فى أصل «الفونج»، فقيل إنهم من سلالة عربية
أموية هربت من وجه العباسيين، وأنهم جاءوا إلى «الحبشة» أولا
ومنها إلى «السودان الشرقى» (النيلى)؛ حيث تصاهروا مع ملوك
«السودان»، وظهرت نواة إمارة «الفونج» عقب القضاء على مملكة
«دنقلة» المسيحية، وتسرَّب العرب على نطاق واسع إلى مملكة
«علوة» المسيحية، واتَّسع نطاق هذه الإمارة غربًا، ووصل إلى
أطراف منطقة الجزيرة من الشرق، ثم تمَّ التحالف بين هذه الإمارة
النامية فى عهد أميرها «عمارة دونقس» (٩١١ - ٩٤١هـ= ١٥٠٥ -
١٥٣٤م) وبين عرب «القواسمة» الذين ينتمون إلى مجموعة
«الكواهلة» فى عهد زعيمهم وشيخهم «عبدالله جَمَّاع».
وقد كان لهذا التحالف نتائج مهمة فى تاريخ «سودان وادى النيل»:
أولها: قضاء الحليفين على مملكة «علوة» المسيحية عام (٩١١هـ=
١٥٠٥م).
وثانيها: قيام مملكة «العبد لاب» التى اتَّخذت مدينة «قِرِّى» حاضرة
لها، ثم انتقلت منها إلى «حلفاية»، وشاركت «الفونج» فى السيطرة
على القسم الشمالى من البلاد وامتدَّ ملكهم من مصب «دندر» إلى بلاد
«دنقلة».
وثالثها: قيام مملكة «الفونج» الإسلامية التى كان «عمارة دونقس»
أول سلطان لها وامتدت من «النيل الأزرق» إلى «النيل الأبيض».
وقد بلغت هذه السلطنة أوج مجدها فى عهد السلطان «بادى الثانى
أبو دقن» (١٠٥٢ - ١٠٨٨هـ = ١٦٤٢ - ١٦٧٧م)؛ إذ امتدت رقعتها من
«الشلال الثالث» إلى «النيل الأزرق»، ومن «البحر الأحمر» إلى
«كردفان»، واستمر توسُّع هذه الدولة طيلة القرن الثامن عشر
الميلادى فى عهد الملك «بادى الرابع».
غير أنه قبيل نهاية ذلك القرن ظهرت عوامل الضعف فى هذه
السلطنة، عندما تصدَّعت عُرَى التحالف بين سلاطين «الفونج» و «عرب
القواسمة»، كما كان لاستبداد الوزراء والقواد أثره فى القضاء على
هذه الدولة، فقد استطاع «محمد بن أبى لكيلك كتمور» المتوفى سنة
стр. 1038
(١١٩٠هـ = ١٧٧٦م) أن يعزل السلطان «بادى الرابع» ويولِّى غيره،
وبدأت الانقسامات الداخلية والحروب الأهلية؛ فأدَّت إلى انحلال
الأسرة المالكة، حتى جاء الفتح المصرى فى النصف الأول من القرن
التاسع عشر الميلادى فى عهد «محمد على باشا».
وقد اتخذت سلطنة «الفونج» مظهرًا إسلاميا منذ البداية، فقد استهلت
حياتها بالإسهام فى حركة الجهاد الإسلامى، وساعدت العرب فى
القضاء على مملكة «علوة» المسيحية، وبذلك تدفَّق الإسلام فى وسط
«السودان»، ومنه إلى الجنوب والغرب.
كما أسهموا فى محاربة الوثنيين داخل «السودان» نفسه، فقد
حاربوا أهل جبال «النوبا» بسبب غاراتهم على «كردفان»،
واستمروا فى حربهم زمنًا طويلا حتى انتشر الإسلام فى كثير من
مناطق هذه الجبال فى غربى «السودان».
كما حارب «الفونج» «الشلك» (أو الشلوك) للغرض نفسه، بل شاركوا
فى حركة الجهاد الإسلامى ضد الأحباش فى القرن الثامن عشر
الميلادى فقد قضوا على بعثة فرنسية كانت قد قدمت إلى
«الحبشة»، بهدف مساندتها فى حربها ضد المسلمين عام (١١١٧هـ=
١٧٠٥م)، كما اشتبكوا مع الأحباش فى عهد الملك «بادى الرابع أبى
شلوخ» سنة (١١٥٧هـ = ١٧٤٤م)، وكانت جيوش «الفونج» بقيادة
شيخ «قرى» التى كان يتولى إمارتها الشيخ «محمد أبو اللكيلك»
كبير الهمج (الهمق)، الذى قضى على دولة «الفونج» فيما بعد، وقد
انتصر هؤلاء القواد على جيش «الحبشة»، وكان لانتصارهم هذا دوى
هائل فى العالم الإسلامى المعاصر فى «مصر» و «الشام» و «الحجاز»
و «تونس» و «إستانبول» و «الهند».
ولم يسهم «الفونج» فى نشر الإسلام عن طريق الجهاد فحسب، إنما
استعانوا بالوسائل السِّلمية التى كانت الأصل فى غالب الأحوال
وكان لرواد الدعوة الذين وفدوا من «الحجاز» و «المغرب» و «مصر»
و «العراق» إلى جانب الدعاة الوطنيين فضل كبير فى هذا السبيل
فالحج والتجارة بين «الحجاز» و «السودان» كانا من أكبر ماهيَّأ
стр. 1039
للسودان نشر الدعوة. وكان حجاج «السودان» يشجعون علماء
«الحجاز» على الرحلة إلى بلاد «الفونج»، كما أن كثيرًا من
السودانيين كانوا يتلقون العلم فى «مكة» و «المدينة». أما «المغرب»
فكان منبعًا آخر للثقافة الإسلامية. أما «مصر» فكانت علاقة
«السودان» بها فى ذلك الحين أقل من تلك التى كانت بينه وبين
«الحجاز» و «المغرب»، ومع ذلك تطلَّع ملوك «الفونج» إلى «الأزهر»
وعلمائه ورحبوا بهم، وكان بعض السودانيين يذهبون إلى «الأزهر»
ثم يعودون إلى بلادهم ناشرين الإسلام وثقافته.
وقد رحل أحدهم وهو الفقيه «محمد الجعلى» إلى منطقة جبال
«النوبا» التى تقع جنوب «كردفان» مع مجموعة من الفقهاء؛ للدعوة
إلى الإسلام فى أوائل القرن السادس عشر الميلادى واستطاع أن
يتزوَّج أميرة من البيت الحاكم هناك، فانتقل الحكم إلى ابنه المسمَّى
«قيلى أبو جريدة». وقد أسَّس هذا الابن أول أسرة إسلامية حاكمة
فى جبال «النوبا»، سنة (٩٢٦هـ = ١٥٢٠م) عرفت باسم مملكة
«تقلى»، وكان هو أول سلاطينها.
كذلك كان لسلطنة الفونج وعاصمتها اتصال بدارفور التى كانت
تستعين بفقهاء «سنار» فى نشر الدعوة، وكان للفونج اتصال أيضًا
بالباشا التركى فى موانئ «البحر الأحمر» فى «سواكن»
و «مصوع»؛ حيث كان له وكلاء فى «سنار» و «أريجى»، وكذلك
اتصلوا باليمن وغيره من الأمصار الإسلامية؛ مما يدل على عمق الروح
الإسلامية التى تغلغلت فى مملكة «الفونج».
وتظهر هذه الروح الإسلامية فى معاملتهم الحسنة لرجال العلم، وفى
احترامهم وإحاطتهم بالرعاية والتكريم، فرحل إليهم كثير من علماء
المناطق النائية، وعاشوا فى جوارهم، مما كان له أثر كبير على
مسيرة الإسلام فى هذه السلطنة.
стр. 1040
الفصل الحادي عشر
*سلطنة دارفور الإسلامية
[٨٤٩=١٢٩٢هـ = ١٤٤٥ - ١٨٧٥م]:
بلاد «دارفور» عبارة عن هضبة تنتشر فيها المراعى وتتخللها بعض
المرتفعات، ويتألف سكانها من العنصر الزنجى والعنصر الحامى،
وكانت هذه البلاد مستقرا لشعب يُسمَّى شعب «الداجو»، وفد عليها
من الشرق أو من «جبال النوبا» الواقعة غرب «النيل الأبيض» قبل
القرن الثانى عشر الميلادى وأسس فيها مُلكًا.
وفى القرن الثانى عشر الميلادى دخل هذه البلاد عنصر مغربى من
«تونس» يتمثل فى «شعب التنجور» أو «عرب التنجور»، وهم عنصر
من البربر أو العرب، وقد خالط هؤلاء شعب «الداجو» وصاهروهم،
ونتج عن ذلك وجود جنس مختلط يُسمَّى شعب الفور استطاع أن يصل
إلى الحكم.
كان أول السلاطين المولدين من «الداجو» «والتنجور» هو «أحمد
المعقور» الذى تزوج من ابنة ملك «دارفور» الوثنى، بعد أن أثبت
جدارته فى الإشراف على شئون بيت الملك، وقد اتخذه الملك
مستشارًا، ولما لم يكن للملك أبناء ذكور، فقد زوج ابنته لأحمد
المعقور، وعينه خليفة له، فتأسست بذلك أول سلطنة إسلامية فى
«دارفور».
ولقد اقترنت إصلاحات السلطان «أحمد» وأولاده من بعده بنشاط
ملحوظ فى نشر الدعوة الإسلامية، على أن «دارفور» لم تدخل فى
الإسلام حقا إلا نتيجة جهود أحد ملوكها وهو «سليمان سولون» الذى
وصل إلى الحكم نتيجة لإحدى الهجرات العربية التى وفدت على
«دارفور» منحدرة من «وادى النيل» فى القرن الخامس عشر الميلادى
وأصهر هؤلاء العرب إلى سلاطين «الفور»، كما أصهروا إلى ملوك
«النوبة» من قبل.
وكان «سليمان سولون» وليد هذه المصاهرة، وتمكن من اعتلاء عرش
«دارفور» (٨٤٩ - ٨٨١هـ = ١٤٤٥ - ١٤٧٦م)، وفتح البلاد للهجرات
العربية، فوفدت قبائل «الحبانية» و «الرزيقات» و «المسيرية»
و «التعايشة» و «بنى هلبة» و «الزيادية» و «الماهرية» و «المحاميد»
و «بنى حسين» وغيرهم، وبفضل هؤلاء العرب المهاجرين إلى
«دارفور»، اصطبغت السلطنة بالصبغة الإسلامية الواضحة، وعمد
стр. 1041
السلطان «سليمان سولون» إلى تنشيط الحركة الإسلامية، عن طريق
استدعاء الفقهاء من الشرق ليعلِّموا الناس أصول دينهم، كما شجع
التجارة وأسس المساجد والمدارس.
وبدأت الدولة تتسع، فامتد سلطانها على «كردفان» فى عهد
السلطان «تيراب» (١٧٦٨ - ١٧٨٧م)، وبلغت أقصى اتساعها، فكان
حدها من الشمال «بئر النترون» فى الصحراء الكبرى، ومن الجنوب
«بحر الغزال»، ومن الشرق «نهر النيل»، ومن الغرب منطقة «
واداى».
وقد وصل نفوذ الدولة أقصاه فى عهد السلطان «عبدالرحمن الرشيد»
(١١٩٢ - ١٢١٤هـ = ١٧٧٨ - ١٧٩٩م)، الذى نقل العاصمة إلى مدينة
«الفاشر»، واتصل بالسلطان العثمانى واعترف بسيادته، فمنحه لقب
«الرشيد».
وفى عهد خلفاء «عبدالرحمن الرشيد» كان من الممكن أن تتسع
السلطنة إلى آفاق أوسع لولا التوسع المصرى فى القرن التاسع
عشر الميلادى، ذلك التوسع الذى قضى على هذه السلطنة عام
(١٢٩٢هـ = ١٨٧٥م) فى عهد الخديوى «إسماعيل».
واصطبغت هذه السلطنة بالصبغة الإسلامية الواضحة؛ حيث عمل
سلاطينها على ربط بلادهم بالعالم الإسلامى المعاصر، وتوثقت به
صلاتهم الثقافية والدينية، فوصل طلاب «دارفور» إلى «مصر»
والتحقوا بالأزهر، حيث أنشئ لهم رواق خاص بهم.
وكان سلاطين «دارفور» رغم ندرة أخبارهم ينهجون نهجًا إسلاميا،
فيلتزمون بأحكام الكتاب والسنة، ويحرصون على تحرى العدل فى
أحكامهم، كما حرصوا على تشجيع العلماء ومنحهم الهدايا، وعملوا
على نشر العلم فى بلادهم، ويذكر «التونسى» أخبارًا كثيرة عن
العلماء والفقهاء الذين وفدوا على «دارفور» لما وجدوه فيها من
تشجيع وعدالة وكرم واحترام.
ومن مظاهر ارتفاع مكانة العلماء فى سلطنة «دارفور» الإسلامية أن
مجلس السلطان كان لايتم إلا بحضورهم، وكانوا يجلسون عن يمينه،
ويجلس الأشراف وعظماء الناس عن يساره، وعند موت السلطان
واختيار سلطان جديد كان هؤلاء العلماء يدخلون ضمن مجلس الشورى
стр. 1042
الذى ينعقد لهذا الغرض، وإذا حدث تنازع فإنه لايتم حسمه إلا على
أيديهم، وكان السلاطين يكثرون من الإنعام عليهم ويقطعونهم
الإقطاعات الواسعة حتى يتفرغوا للعلم والدرس، ولم يكن هذا
التشجيع وقفًا على السلاطين وحدهم، فقد شارك فيه الأهالى؛ حيث
كان سكان القرية يسارعون لمقابلة العلماء الوافدين
ويستضيفونهم، كما كانوا يستضيفون الطلبة الغرباء فى بيوتهم
ويعاملونهم كأبنائهم أو ذوى قرباهم.
ومن المظاهر الإسلامية التى وضحت فى سلطنة «دارفور» أن
سلاطينها كانوا يتلقبون بألقاب إسلامية مثل «أمير المؤمنين»،
و «خادم الشريعة»، و «المهدى» و «المنصور بالله»، كما كانوا
يحرصون على النسب العربى كعادة الحكام فى كل ممالك
«السودان»، كما أن أختامهم التى يختمون بها كتبهم ورسائلهم
كانت تحمل آية من القرآن، وكانوا يحرصون على إرسال محمل
الحرمين الشريفين كل عام إلى «مكة» و «المدينة»، فكانت قافلة
المحمل ترسل إلى «مصر» محملة بالبضائع، مثل ريش النعام وسن
الفيل والصمغ وغير ذلك من منتجات البلاد، فتباع ويتكون من ثمنها
نقود الصرة التى تحملها القافلة المصاحبة لقوافل الحجاج المصريين
إلى الأراضى المقدسة، وهكذا نرى أن الحياة الإسلامية كانت زاهرة
فى سلطنة «دارفور» الإسلامية.
الطابع الإسلامى والثقافة العربية فى سودان وادى النيل:
يمثل عصر «سلطنة الفونج» فى «سنار» أو فى «وسط السودان»
و «سلطنة دارفور» فى «غربى السودان» عصر الازدهار الإسلامى
فى ذلك الوقت. فقد امتزجت التقاليد الإسلامية الوافدة بالتقاليد
المحلية سواء فى نظم الحكم أو فى الحياة الاجتماعية أو الثقافية،
ونشأ لون جديد من الحضارة إسلامى الصورة سودانى الطابع مثلما
حدث فى «بلاد السودان الغربى» والأوسط (غرب إفريقيا).
فالفونج عملوا على إقامة الشريعة الإسلامية لكنهم انتهجوا فى
الحكم نهجًا محليا صرفًا، يتميز باللامركزية الصرفة؛ حيث سمحوا
стр. 1043
للأمراء المحليين بالاستقلال الذاتى، ولم يكن سلطان سنار يحتفظ
بأكثر من تعيين الأمراء أو فرض الإتاوة، وتظهر التقاليد المحلية فى
طريقة التتويج أو التعيين حين يحضر الأمير إلى «سنار» ويحتفل به
السلطان على «الككر» (أى كرسى العرش) ويلبسه طاقية لها
ذُؤابتان عن اليمين والشمال محشوتان بالقطن كأنهما قرنان، ويمنحه
سيفًا، وهى تقاليد نوبية قديمة، ثم يذهب الأمير بعد انتهاء مراسم
التتويج إلى مكان معين فى انتظار دابة تخرج من الأرض يتفاءل
بخروجها، إلى غير ذلك من التقاليد السودانية.
والحياة الإسلامية فى «دارفور» خضعت لهذا التطور نفسه، فقد
تمسك السلاطين بالكتاب والسنة وطبقوا الشريعة الإسلامية تطبيقًا
تاما، ولكنهم لم يهملوا التقاليد المحلية التى تمثلت فى قانون
«دالى»، وهو مجموعة من الأحكام العرفية كان يقوم بتنفيذها حكام
الأقاليم والقاضى الأعظم، وهو كبير الخصيان الملقب بأبى شيخ.
وهذا القانون ينص على وراثة الملك وعلى إقامة الحدود ودفع
الغرامات من الأبقار التى يملكونها بكثرة، وكان لهم تقاليد خاصة
فى جلوس السلطان على كرسى العرش، ففى يده اليمنى صولجان،
وفى اليسرى سيف مستقيم، وعلى جنبه الأيسر سيف محدب، وفى
الدخول عليه يخلع الداخل الطاقية والسلاح ويلقى بنفسه على الأرض
ويحبو على ركبتيه ويديه كالسلحفاة.
أما فى ميدان الثقافة فلم يكن للسودان ثقافة قديمة، كما كان فى
«مصر» وبلاد «الشام» و «العراق»، ولذلك كانت ثقافة «السودان»
عربية إسلامية خالصة، لكنها تأثرت بعاملين:
الأول: ضعف النهضة الإسلامية فى هذا العصر عمومًا، وغرق الأمة فى
الدراسات الصوفية التى انتشرت طرقها فى شتى بلدان العالم
الإسلامى؛ ولقيت فى «السودان» جوا ساعدها على النمو والازدهار.
فقد شهد «السودان» فى هذا العصر كثيرًا من الحروب الداخلية، التى
كانت تسيطر على البلاد وتعمل على تمزيقها، بالإضافة إلى أن
стр. 1044
العرب الذين هاجروا إلى «السودان» كان معظمهم من الفارين من
الدول الإسلامية بسبب التقلبات السياسية، وكان هؤلاء قد كرهوا
الحياة السياسية، مما ولَّد فى نفوسهم ونفوس السودانيين رغبة
شديدة فى الحياة، بعيدًا عن مزالق السياسة فلبوا دعوة شيوخ
الصوفية فى ترحاب وحماس شديدين، وانتظموا فى الخلايا والزوايا،
وكان لذلك أثر كبير فى التقريب والربط بين القبائل والأجناس فى
بلاد «السودان».
أما الطرق الصوفية التى انتشرت فى «السودان» فى عصر «الفونج»
فهما طريقتان: الأولى هى «القادرية»، وكان أتباعها أكثر عددًا من
أى جماعة أخرى، وقد دخلت هذه الطريقة «السودان» على يد «تاج
الدين البهارى»، الذى وصل إلى «السودان» عام (٩٥٢هـ = ١٥٤٥م)،
ووفد عليه بعض الأمراء والمشايخ واتبعوا هذه الطريقة وظلت ذريتهم
تباشرها حتى اليوم.
والطريقة الثانية هى الطريقة «الشاذلية»، المنسوبة إلى «أبى
الحسن الشاذلى» (٥٩٢ - ٦٥٦هـ= ١١٩٦ - ١٢٥٨م) الذى وُلد فى
«شاذلة» بتونس، ويقال إن إحدى حفيداته تزوجت من الشريف «حمد
أبو دنانة» الذى نزح إلى «السودان» عام (٨٤٩هـ = ١٤٤٥م) قبل
عصر «الفونج» ونشر تلك الطريقة بين الناس.
أما العامل الثانى الذى أثر فى الثقافة العربية فى «السودان» فى
عصر «الفونج»، فهو موقع «السودان» واتصاله الطبيعى بأمم
إسلامية مجاورة، ومانتج عن ذلك من تبادل تجارى وثقافى؛ إذ
اتصل أهل «السودان» بمصر، ووفد عليها علماؤه وطلابه؛ مما يؤكد
أن «مصر» هى التى غرست البذور الأولى للثقافة العربية الإسلامية
فى بلاد «السودان»، وهناك عامل لايقل شأنًا عما مضى إن لم يفقها
جميعًا، وهو أثر القبائل العربية المهاجرة إلى «السودان النيلى»،
وهى قبائل كثيرة يمكن أن نحصرها فى ثلاث مجموعات قبلية
كبرى: أولها «مجموعة الجعليين» وهى عدنانية الأصل ومن أكثر
المجموعات العربية نفوذًا وعددًا، وتركزت هذه المجموعة على
стр. 1045
«النيل» بين بلاد «النوبة» وموقع «الخرطوم» الحالية، ثم أخذت
تنتشر نحو «النيل الأزرق» و «الأبيض» و «كردفان» و «دارفور».
وثانيها «مجموعة جهينة» وهى قبائل قحطانية تلى «مجموعة
الجعليين» فى العدد، وفدت إلى «مصر» بعد الفتح، ثم مضت فى
طريقها إلى «السودان النيلى» منذ القرن الرابع عشر الميلادى،
واتخذت شرقى «السودان» مركزًا لها، ومنه انتشرت بعض بطونها
غربًا حتى وصلت إلى بلاد «البرنو».
وثالثها «مجموعة الكواهلة» التى نزلت فى «عطبرة» و «النيل
الأزرق» وحول «النيل الأبيض» و «كردفان».
وقد أقامت هذه المجموعات مشيخات عربية كبيرة وممالك متعددة،
مثل مملكة «العبدلاب» ومملكة «تقلى» التى أسسها العرب من
الجعليين فى منطقة جبال النوبا بكردفان فى أواسط القرن السادس
عشر الميلادى واتخذت هذه المملكة لنفسها منهجًا فى نشر الإسلام
والعروبة فى هذه المناطق الوعرة، فكانت تشجع القبائل العربية
على الهجرة والاستيطان، فهاجر إليها كثير من «الجعليين»
و «البديرية» و «الجوامعة».
وكانت هذه القبائل ذاتها أداة لنشر الإسلام وثقافته فى أرجاء
«السودان»، من ذلك ما قام به «الجعليون» خصوصًا «عشيرة
المجذوبين»، التى تنتسب إلى الفقيه «حامد بن محمد المجذوب»،
وكان كثيرٌ من أبناء هذه العشيرة يرحلون إلى «القاهرة» أو «مكة»
طلبًا للعلم، ثم يعودون إلى «السودان» لمتابعة رسالتهم، فيبنون
المساجد وينشئون الزوايا لتصبح مدارس ومعاهد للتعليم، يفد إليها
الطلاب من مختلف الآفاق.
وقد أنشأت هذه العشيرة مدينة «الدامر» التى أصبحت حاضرة روحية
للجعليين، بل للسودان النيلى كله، وبانتشار العرب فى «السودان
النيلى» على هذا النحو اكتسبت هذه المنطقة النسب والدم العربيين،
بجانب اللغة العربية وثقافتها، وبذلك انضم إلى العالم العربى
والإسلامى قطر فسيح الرقعة يسهم فى الحياة الإسلامية مساهمة
الأقطار الأخرى، ومن أقدم المراكز الإسلامية فى «السودان النيلى»
стр. 1046
مدينة «دنقلة» التى دخلها الإسلام قرب منتصف القرن الرابع عشر
الميلادى وارتفعت مكانتها بعد سقوط «مملكة علوة» المسيحية،
وقيام «سلطنة الفونج» الإسلامية محلها، وانتشرت فيها المدارس
والمساجد، ووفد إليها كثير من العلماء والفقهاء من أمثال «غلام الله
اليمنى»، الذى وفد إليها فى النصف الثانى من القرن الرابع عشر
الميلادى وأنشأ فيها مدارس لتعليم القرآن والفقه والحديث.
على أن أعظم هذه المراكز فى المنطقة الشمالية وأوسعها نفوذًا
وأبعدها أثرًا مدينة «الدامر» مركز «الجعليين» وكعبتهم الثقافية،
وقد زارها الرحالة «بركهارت» وتحدث عنها طويلا مشيرًا إلى
مكانتها العلمية وإلى توقير الناس لفقهائها وانتشار نفوذهم فى
جميع أرجاء «السودان النيلى»؛ وقد وصف مسجدها وتحدث عن
أهميته وعن الحركة العلمية المزدهرة، وعن المدارس الكبيرة وعن
الطلاب الوافدين من «دارفور» و «سنار» و «كردفان»، وعن الكتب
الكثيرة التى اشتريت من «القاهرة»، وعن معاهد العلم التى تعلم
تجويد القرآن والتفسير والتوحيد والمنطق وغيرها من العلوم
الإسلامية.
وهناك مدينة «سنار» وهى أعظم المراكز الثقافية فى ديار
«الفونج»، وكانت مركزًا تجاريا قبل كل شىء فقد عرفت بغناها
الوافر وتجارتها الرابحة، وكان التجار يجلبون إليها البضائع من
«مصر» و «الحجاز»، وكان يجلب إليها من «كردفان» التبر والحديد
والرقيق، كما جلبت إليها تجارة «الحبشة» وأصبحت مركزًا علميا
تتطلع إليه جميع المناطق السودانية شرقًا وغربًا.
ومن المراكز الإسلامية أيضًا مدينة «الفاشر» التى أصبحت بعد
إنشائها من المراكز الثقافية المهمة فى غربى «السودان النيلى»،
وإن كانت أقل شأنًا من «سنار»، وقد لاحظ الرحالة «محمد بن عمر
التونسى» انخفاض المستوى العلمى فى هذه المدينة، ويعود هذا
الأمر إلى أن الإسلام تأخر فى انتشاره فى «دارفور» عن بقية
أقاليم «السودان النيلى» الأخرى، كما يعود إلى الترحال والتنقل
стр. 1047
الذى دأبت عليه القبائل العربية التى سكنت «دارفور»، وهو أمر
لايؤدى إلى ازدهار العلم الذى يحتاج إلى الاستقرار، ويعود أيضًا
إلى قلة عدد العلماء الذين رحلوا إلى هذا الإقليم، ربما بسبب بعده
عن مراكز الثقافة الإسلامية الزاهرة فى «بغداد» و «دمشق»
و «القاهرة».
أما معاهد التعليم فى «السودان» فى ذلك العصر فهى: المسجد،
والزاوية، والخلوة. والخلوة أو الكُتاب أو المكتب من أقدم هذه
الأماكن وهى منتشرة فى جميع القرى، وعرفها أهل «السودان»
على بداية عهد «الفونج» على يد الشيخ «محمود العركى»، الذى
قدم من «مصر» عام (٩٢٦هـ = ١٥٢٠م)، وأسس خمس عشرة خلوة فى
«سنار» وعلى «النيل الأبيض» وكان يُدرَّس فيها القرآن ويتعلم فيها
الأطفال القراءة والكتابة ومبادئ الحساب فيما يمكن أن نطلق عليه
المرحلة الأولية أو الابتدائية.
وفى المساجد كان الطلاب يدرسون فيما يشبه المرحلة الثانوية أو
العليا، وفيها كانوا يدرسون العلوم الدينية وعلوم العربية والتاريخ؛
حيث يلتف الطلاب حول شيوخهم فى حلقات دراسية.
أما الزاوية فهى تتميز عن الخلوة والمسجد بأنها تجمع بين السكنى
والعبادة والدرس، ففيها ينقطع الطلاب للدرس والعبادة، وهى غالبًا
للصوفية، وكانت فى زمن «الفونج» منتشرة فى جميع البلاد.
وكانت الطريقة التعليمية فى ذلك العهد تعتمد فى جملتها على
الاستظهار والحفظ كما فى سائر البلدان الإسلامية، وعرف
«السودان» معظم العلوم التى عرفها العالم الإسلامى من نحو وصرف
وبيان وبديع وعروض ومنطق وتوحيد وتفسير وحديث وفقه وتصوف
وجبر ومقابلة وتاريخ، ولكن كان أعظمها شأنًا هو علم الفقه
والتوحيد.
وقد ظلت الثقافة الإسلامية مزدهرة طوال ثلاثة قرون فى أرجاء
«السودان النيلى»، ولكن التعصب القبلى والتنازع على الحكم
وسياسة العزلة التى فرضها حكام «الفونج» فى القرن الثامن عشر
الميلادى أدى إلى انحلال هذه السلطنة، واستطاع «محمد على»
стр. 1048
حاكم «مصر» أن يقضى عليها فى عام (١٢٣٥هـ = ١٨٢٠م). أما
سلطنة «دارفور» فقد تم القضاء عليها بعد ذلك بنحو نصف قرن على
يد «إسماعيل بن محمد على»، ثم تمكن الإنجليز من احتلال «مصر»
نفسها عام (١٢٩٩هـ = ١٨٨٢م) ووضعوا «السودان» تحت سيطرتهم
ونفوذهم، وبعد استقلال «مصر» فى عام (١٣٧١هـ = ١٩٥٢م) أبرمت
«اتفاقية السودان» بين «مصر» و «بريطانيا» التى نصت على إعطاء
حق تقرير المصير لأهل «السودان»، فاختاروا الاستقلال وقامت
«جمهورية السودان» فى عام (١٣٧٦هـ = ١٩٥٦م).
стр. 1049
الفصل الثاني عشر
* الإسلام فى شرق إفريقيا
يقصد بتاريخ الإسلام فى شرق إفريقيا السلطنات الإسلامية التى
ظهرت فى بلاد «الحبشة» و «الزيلع» فى العصور الوسطى، مثل
«سلطنة شوا» و «أوفات» و «عدل»، وتلك التى ظهرت على طول
الساحل الشرقى من القارة جنوب «الحبشة» حتى «نهر الزمبيزى»
فى «موزمبيق»، مثل سلطنة «مقديشيو» و «بات» و «كلوا».
أ - الإسلام والسلطنات الإسلامية فى بلاد الحبشة والزيلع (منطقة
القرن الإفريقى):
كان للحبشة صلات قديمة مع بلاد العرب قبل الإسلام، وهى صلات
تجارية وسياسية وحربية، تتمثل فى التجارة وفى غزو الأحباش لبلاد
«اليمن»، ولم يقطع الإسلام هذه العلاقات وإنما زادها قوة، فاتصال
الإسلام بالحبشة يرجع إلى السنة الخامسة من البعثة حين هاجر بعض
المسلمين إلى «النجاشى» اعتصامًا بعدله ونجاة من أذى «قريش»
وعدوانها.
ثم بدأت الدولة الإسلامية تحتك بالحبشة فى عهد «عمر بن الخطاب»
الذى أرسل إليها فى عام (٢٠هـ = ٦٤١م) سرية بقيادة «علقمة بن
مجزر المدلجى»، كان نصيبها الفشل، ويرى بعض الباحثين أن أخبار
هذه الحملة لا تتفق مع علاقات الود التى سادت بين الأحباش
والمسلمين منذ أيام الرسول ﷺ ، ولم يكن «عمر»
بالرجل الذى يخرج على أمر قرره الرسول، والتعليل الصحيح لإرسال
هذه السرية أنها أُرسِلت لرد إغارات قراصنة البحر من الأحباش الذين
كانوا قد أغاروا على ساحل بلاد «الحجاز» مرة فى عهد الرسول
ﷺ ، ومرة أخرى فى عهد «عمر بن الخطاب»
نفسه، وذلك بعد أن مات «النجاشى» الذى استقبل المهاجرين
واعتنق الإسلام سرا، وأعقبه «نجاشى» آخر لم يَرْع هذه العلاقات
الطيبة بين المسلمين و «الحبشة»، وقد عاد الأحباش إلى الإغارة على
«جدة» عام (٨٣هـ = ٧٠٢م) فى عهد «بنى أمية»، فلم يجد العرب بُدا
من الحصول على قاعدة بحرية قريبة من الشاطئ الإفريقى تمكنهم
من رد غارة هؤلاء الأحباش، فاستولوا على جزر «دهلك» وأقاموا
стр. 1050
فيها، وقد وجدت فيها نقوش عربية يرجع تاريخها إلى منتصف القرن
التاسع الميلادى. ويبدو أن المسلمين انسحبوا من هذه الجزر بعد
ذلك، لكنهم تركوا بها جالية من المسلمين من أهل البلاد، فكانت جزر
«دهلك» أول رأس جسر يقيمه المسلمون على الساحل الشرقى
لإفريقيا، ويبدو أن هذه كانت آخر محاولة للتدخل الرسمى فى
شرقى إفريقيا، فقد ترك الإسلام يتسرب إلى البلاد تسربًا سلميا
بطيئًا فى ركاب المهاجرين إلى إفريقيا من التجار والدعاة عبر
المسالك البحرية المعهودة.
كانت عودة العلاقات التجارية بين «الحبشة» وبلاد العرب، واتساع
دائرتها وخاصة فى تجارة الرقيق، بسبب إقبال الإمارات المستقلة
فى الأمصار الإسلامية المختلفة على الاستعانة بالجنود السودانيين
عوضًا عن جنود العرب الذين تفرقوا فى الأمصار، وكان لذلك أثر
كبير فى نمو المدن الساحلية الزيلعية التى ازدحمت بهؤلاء الوافدين
من تجار المسلمين.
وظهرت فى هذا العصر جاليات إسلامية قوية فى «دهلك»
و «سواكن» و «باضع» و «زيلع» و «بربرة».
وقد أجمع كتاب القرن العاشر الميلادى مثل «المسعودى» و «ابن
حوقل» وغيرهما على ازدهار الحياة الإسلامية فى تلك المدن وتوطد
النفوذ الإسلامى على طول السهل الساحلى، وقد ظهرت مدن إسلامية
على ذلك الساحل كأنها العقد أو الطراز فى الفترة بين القرن العاشر
والثالث عشر الميلادى.
وقد أصبحت هذه المدن الإسلامية الساحلية مراكز وَثَبَ منها التجار
والدعاة إلى المناطق الداخلية فى بلاد الزيلع والحبشة؛ إذ كان هؤلاء
يرحلون إلى المناطق الداخلية التماسًا للتجارة ويقيمون بعض الوقت
ثم ينحدرون إلى الساحل من جديد، وفى أثناء إقامتهم يخاطبون
الناس وينشرون الإسلام ويوطدون صلتهم بالطبقة الحاكمة.
ويبدو أن الإسلام نفذ إلى الداخل فى وقت مبكر، ربما فى القرن
الثالث الهجرى حين تطرق إلى منطقة «شوا» حيث قامت سلطنة
إسلامية عملت على نشر الإسلام فى جنوب وشرق الحبشة، وقد
стр. 1051
ألقى ضوء جديد على تاريخ هذه السلطنة حينما عثر المستشرق
الإيطالى «تشيروللى» على مختصر لتاريخها يؤرخ لخمسين عاماً من
عمرها (١٣م).
стр. 1052
الفصل الثالث عشر
*سلطنة شوا الإسلامية
(٢٨٣ - ٦٨٤هـ = ٨٩٦ - ١٢٨٥م)
أسست هذه السلطنة على يد أسرة عربية تسمى «بنى مخزوم» سنة
(٢٨٣هـ = ٨٩٦م)، وليس ثمة شك فى أن هؤلاء كانوا عربًا هاجروا
إلى هذه الجهات فى ذلك الوقت المبكر، وليس بعيدًا أن يكونوا قد
نزلوا أول الأمر فى ضيافة إمارة محلية، ثم اختلطوا بالأمراء عن
طريق المصاهرة حتى آل إليهم الملك آخر الأمر.
وأيا كان الأسلوب الذى انتقل به الحكم فى «شوا» إلى هذه الأسرة
العربية المخزومية، فقد أدى ذلك إلى قيام «سلطنة شوا الإسلامية»،
التى استمرت أربعة قرون من الزمان فى الفترة (٢٨٣ - ٦٨٤هـ = ٨٩٦ -
١٢٨٥م) تمتعت فى معظمها بالأمن والاستقرار وازدهار العمران،
وكثرة المدن والقرى والنواحى، حتى إن وثيقة «تشيروللى» ذكرت
أكثر من خمسين اسمًا لمواقع كانت موجودة، ووقعت على أرضها
أحداث مهمة.
ومن أمثلة هذه المدن أو النواحى مدينة «ولِلَّه» العاصمة، ومدن هكلة
(هجلة) وجداية، ودجن، وأبتا، ومورة، وحدية (لعلها مملكة هدية
الإسلامية) والزناتير، والمحررة، وعَدَل التى أصبحت عاصمة لمملكة
إسلامية فى القرن الخامس عشر الميلادى، مما يدل على أن هذه
السلطنة اتسمت بسعة المكان وازدهار العمران وكثرة المدن والبلدان.
وهذا الازدهار العمرانى الحضارى الذى تمتعت به سلطنة شوا
الإسلامية كان نتيجة لما تملكه من أرض غاية فى الخصوبة استغلها
السكان وزرعوا فيها ما يكفى حاجتهم ويسد مطالبهم، خاصة أنه قد
استمر توافد الجماعات الإسلامية المهاجرة فى أعداد يسيرة،
واستطاعت أن تتجمع وتدعم كيان هذه السلطنة الإسلامية بزعامة
هذه الأسرة العربية التى اتخذت من «وللِّه» عاصمة لها، والتى يصعب
تحديد موضعها الآن نتيجة لكثرة التغيرات التى تعرضت لها المنطقة.
ونتيجة لهذا الإزدهار لم تكن الدولة المخزومية فى «شوا» إمارة أو
مملكة صغيرة، بل كانت سلطنة كبيرة، توالى على حكمها كثير من
стр. 1053
الحكام الذين اتخذوا لقب سلطان كما أشارت إلى ذلك وثيقة
«تشيروللى».
هذا وقد ظهر فى هذه السلطنة الوظائف السياسية والدينية المعروفة
وقتذاك فى بقية الدول الإسلامية مثل الوزراء والقضاة، يتضح ذلك
من الوثيقة المذكورة التى عنى المؤرخ فيها بتسجيل وفاة الفقيه
«إبراهيم بن الحسن» قاضى قضاة شوا فى رمضان (٦٥٣هـ =
أكتوبر ١٢٥٥م)، مما يدل على وجود حياة علمية ودينية زاخرة،
شأنها فى ذلك شأن السلطنات الإسلامية الأخرى؛ مما يجعلنا نقول
إن هذه السلطنة عاشت عصرًا زاهرًا كبيرًا، وأنها عاشت مستقلة عن
جيرانها سواء كانوا مسلمين أم مسيحيين.
والسبب الذى أتاح لهذه السلطنة ذلك الاستقلال وهذا الهدوء مع دولة
الحبشة هو ظروف الحبشة نفسها، فقد كانت تعيش حياة مليئة
بالاضطراب السياسى وعدم الاستقرار، فقد كانت مملكة «أكسوم»
الحبشية القديمة فى أواخر أيامها عندما نشأت سلطنة شوا
الإسلامية، ولذلك لم تتمكن «أكسوم» من التصدى لتلك الدولة أو تمنع
قيامها فى جزء من الهضبة الحبشية ذاتها لبعد «أكسوم» التى كانت
تقع فى أقصى الشمال، بينما كانت دولة «شوا» فى أقصى
الجنوب، ولذلك لم يحدث بينهما أى نوع من أنواع العلاقات، سواء
أكانت ودية أم عدائية.
ومن الأسباب التى أتاحت الهدوء لهذه السلطنة ما حظيت به من موقع
حصين فقد كان يحيط بها جبال وعرة تحف بمجرى نهر تكازى
الأعلى من ناحية اليمين، والنيل الأعلى من جهة اليسار، وهذه الجبال
جعلت من «شوا» حصنًا آمنًا يوفر الحماية لمن يسكنه.
وقد استغل بنو مخزوم هذا الهدوء وهذا السلام اللذين تمتعوا بهما
حوالى ثلاثة قرون ونصف قرن من الزمان فى تنمية قدرات السلطنة
الاقتصادية والسياسية والدينية، فصار لها نفوذها فى المناطق
المجاورة وخاصة المناطق الإسلامية التى تقع إلى الشرق منها وهى
سبع ممالك صغيرة قامت فى القرن الثالث عشر الميلادى.
كما كان لها دورها الدينى أيضًا، من ذلك أن أحد سلاطينها ويسمى
стр. 1054
(حربعر) بذل جهودًا كبيرة لنشر الإسلام صوب الداخل وخاصة فى
«جبلة» فى سنة (٥٠٢هـ = ١١٠٨م)، وفى بلاد «أرجبة»، وأن هذه
البلاد بعد إسلام أهلها أضيفت إلى أملاك سلطنة «شوا» المخزومية،
أى أن هذه السلطنة كانت من المراكز التى ساعدت على نشر الإسلام
وثقافته فى هذه المنطقة.
وقد حافظ الأهالى من الأحباش على إسلامهم، سواء أكانوا من
أحباش شوا أم من أحباش المناطق المجاورة لها، وذلك رغم الاضطهاد
الشديد والمستمر الذى تعرض له المسلمون فى القرن الإفريقى على
يد ملوك الحبشة (إثيوبيا) منذ عام (٦٦٩هـ= ١٢٧٠م).
ولكن سيطرة «شوا» على جيرانها المسلمين لم تستمر طويلا أمام
اضطراب أحوالها وكثرة الفتن الداخلية التى جعلتها تسير فى طريق
الضعف وخاصة فى الخمسين عامًا الأخيرة من عمرها، ولذلك انتهز
حكام «أوفات» الإسلامية الفرصة وأغاروا عليها وأسقطوها
وضموها إلى دولتهم.
وطبيعى أن لسقوط سلطنة «شوا» الإسلامية أسبابًا، وعوامل أدت
إليه، أهمها:
العوامل الاقتصادية: وتتمثل فى ظروف طبيعية جغرافية حدثت فى
الثلاثين عامًا الأخيرة من عمر الدولة، وأدت إلى نقص مياه الأمطار
بدرجة نتج عنها حدوث مجاعات، وطواعين فتكت بالناس فتكًا ذريعًا،
وأضعفت الدولة وسكانها أمام أى هزات داخلية أو خارجية.
سوء الأحوال السياسية: ويتمثل فى الصراع الداخلى بين أمراء
الأسرة المخزومية على الحكم، وكثرة المتمردين والمغتصبين لعرش
السلطنة، وكثرة الحروب الأهلية، وما كان ينتج عنها من إحراق المدن
وتدميرها ونهبها وقتل كثير من سكانها.
ولم يظهر الصراع الداخلى بين أمراء هذه السلطنة إلا فى المائة عام
الأخيرة من عمرها وخاصة منذ عهد السلطان «حسين» (٥٧٥هـ =
١١٧٩م)، ثم تولى بعده السلطان «عبدالله» سنة (٥٩٠هـ = ١١٩٤م)،
وكان مغتصبًا للعرش، استطاع أن يزيحه ابن السلطان «حسين» فى
(٦٣٢هـ = ١٢٣٢م) واستمر فى الحكم ١٤ عامًا، ثم أعقبه عدد من
стр. 1055
المغتصبين، ثم عاد العرش إلى صاحبه الشرعى وهو السلطان
«دلمارة بن والزرة» سنة (٦٦٨هـ = ١٢٦٩م) الذى صاهر «عمر
ولشمع» سلطان «أوفات» الإسلامية كى يشد أزره بهذه المصاهرة،
لكن الطامعين فى العرش ازدادوا شراسة حتى انتهى الأمر بمقتل
السلطان «دلمارة» فى سنة (٦٨٢هـ = ١٢٨٣م) وقد أدت هذه الظروف
السيئة إلى تدخل سلطان «أوفات» (عمر ولشمع) فدخل «شوا»
وانتقم من قتلة صهره السلطان «دلمارة» واستطاع أن يعيد الأمن
والوحدة إلى «شوا» من جديد، وبهذا حافظ (عمر ولشمع) على
سلطنة «شوا» من أن تقع فى يد الأحباش وذلك بعد أن ضمها لدولته.
следующие страницы →