← История

История · id 36578

موسوعة سفير للتاريخ الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (3 483 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

من قبيلة «الحارث» العربية، ولما وصلوا إلى هذا الساحل استطاعوا أن يطردوا الزيدية إلى الداخل. وأن ينشئوا مدينة «مقديشيو» فى عام (٢٩٥هـ= ٩٠٧م) ويتخذوها عاصمة لدولتهم التى أقاموها هناك، والتى كانت تعرف باسم «سلطنة مقديشيو الإسلامية». وبذلك ظهر إلى الوجود مركز إسلامى كبير كان له أثره القوى فى نشر الإسلام لا بين الصوماليين فحسب، بل بين كثير من سكان شرق إفريقيا كله. وقد أعقب تلك الهجرة هجرة شيرازية فارسية أتت من «شيراز» بإيران، كان على رأسها أمير يدعى «على بن حسن بن على الشيرازى»، وذلك فى عام (٣٦٥هـ = ٩٧٥م) نتيجة خلافات وقعت بينه وبين إخوته فى «شيراز»، اضطرته إلى الهجرة هو وأتباعه ورجاله فى سبع سفن ضخمة إلى شرق إفريقيا؛ حيث استقر بهم المقام فى جزيرة «كلوة» التى تتبع دولة «تنزانيا» الآن، واستطاع أن يؤسس سلطنة إسلامية تسمى «كلوة»، ظل يحكمها هو وأحفاده نحو قرنين من الزمان حتى أتت هجرة عربية أخرى من «اليمن» من «بنى الحسن بن طالوت المهدلى»، وحكمت هذه السلطنة، ومن ثم تغلبت الصبغة العربية فيها على الصبغة الشيرازية الفارسية واستمرت هذه السلطنة قائمة حتى جاء البرتغاليون وتغلبوا عليها فى عام (٩١١هـ = ١٥٠٥م). ونتيجة لهذه الهجرات العربية المتتابعة انتشر الإسلام واللغة العربية بين السكان المحليين فى منطقة «القرن الإفريقى»، وفى منطقة الساحل الشرقى لإفريقيا، وكذلك فى الجزر المواجهة لهذا الساحل، مثل «جزيرة زنجبار»، و «جزر القمر»، و «جزيرة مدغشقر» (مالاجاش الآن) وغيرها من الجزر، وتكوَّن عالم إسلامى واضح المعالم والقسمات، نشأت فيه دول وسلطنات إسلامية ظلت موجودة حتى اصطدمت بالبرتغاليين والأحباش، ثم بالاستعمار الأوروبى فى العصر الحديث. كذلك خرجت هجرات عربية من «مصر» فى اتجاه الغرب إلى بلاد المغرب العربى منذ عصر الفتوحات الإسلامية فى القرن الأول للهجرة،

стр. 982

وظلت هذه الهجرات تتتابع حتى القرن الخامس للهجرة؛ حيث نزح من «مصر» إلى هناك «بنو هلال» و «بنو سليم»، ولاشك أن الحكم العربى الإسلامى لهذه البلاد بالإضافة إلى هذه الهجرات قد أديا فى النهاية إلى تعريب أهل البلاد الأصليين، فانتشرت بينهم اللغة العربية وأصبحت لسانهم، وغدت هذه البلاد بلدانًا عربية إسلامية، وقد انطلقت من هذه البلاد هجرات عربية لكنها كانت قليلة العدد قليلة الأفراد، اتجهت جنوبًا إلى الصحراء الكبرى ومنها إلى حوض «نهر السنغال» و «النيجر»، وحوض «بحيرة تشاد» مثل «بنى جذام» و «بنى حسان» و «بنى معقل» و «أولاد سليمان» و «جهينة» وغيرهم، واستقرت هذه القبائل هناك ولاتزال توجد إلى الآن بعض هذه القبائل التى تحتفظ بأصولها العربية، ولكن نظرًا لقلة هذه الهجرات وقلة عدد أفرادها فإنها لم تؤدِّ إلى انتشار اللغة العربية بين الأهالى هناك، وكانت لغة العلم والتعليم والتجارة والوثائق الرسمية للدولة فقط، ولما جاء الاستعمار الأوربى إلى هذه البلاد حارب هذه اللغة وحارب الإسلام بكل ما يستطيع من قوة، ولايزال يحاربه رغم الاستقلال. وإذا كان العرب قد هاجروا إلى البلدان الإفريقية فى مختلف أنحاء القارة، وكان لهم أثرهم الكبير فى نشر الإسلام ولغته وثقافته، وكذلك فى إقامة سلطنات إسلامية، فقد كان لهجرات البربر أثر كبير أيضًا فى هذه الميادين، وخاصة «بربر صنهاجة»، الذين كانوا يسكنون الصحراء الكبرى، واستطاعوا نتيجة لجهود داعية عظيم أشرنا إليه وهو الشيخ «عبدالله بن ياسين الجزولى» أن يقيموا «دولة المرابطين» منذ عام (٤٤٨هـ = ١٠٥٦م)، وأن يضموا إليها «بلاد المغرب الأقصى» و «بلاد الأندلس»، ثم «مملكة غانة» الوثنية، وانطلق دعاتهم بين أهالى «غانة» و «السودان الغربى» ينشرون الإسلام، كذلك وفد كثير من قبائل البربر الأخرى إلى هذه البلاد مهاجرين إليها، واستقروا فيها وأنشئوا المدن والمراكز التجارية مثل مدينة

стр. 983

«أودغشت» ومدينة «تمبكت» وغيرهما. كما هاجرت قبائل من البربر منذ ما قبل الإسلام إلى حوض «بحيرة تشاد» وأقامت دولة تسمى «دولة الكانم والبرنو»، ولم يلبث ملوك هذه الدولة أن اعتنقوا الإسلام فى أواخر القرن الحادى عشر للميلاد، وظلوا يحكمون هذه البلاد وينشرون الإسلام فيها حتى القرن التاسع عشر. كذلك كان لهجرات النوبيين والصوماليين والجلا والأعفار والزنوج أثر كبير فى نشر الإسلام فى منطقة «القرن الإفريقى»، وفى «ساحل شرق إفريقيا»، وكانت هذه الهجرات وراء توسع السلطنات الإسلامية التى قامت فى هذه المنطقة، وساعدتها فى رد عدوان الأحباش على المسلمين فى منطقة «القرن الإفريقى» وخاصة فى القرن السادس عشرالميلادى. ٥ - الطرق الصوفية: ارتبط نشاط الدعوة إلى الإسلام لاسيما فى غرب إفريقيا وشرقها بانتشار الطرق الصوفية، وخاصة بين المشتغلين بالتجارة، وكانت هذه الطرق قد بزغ نجمها فى الأفق منذ أن تعرض العالم الإسلامى لخطر الإستعمار الأوروبى الحديث بدءًا من القرن السادس عشر الميلادى، واستطاعت الطرق الصوفية أن تُسهم إسهامًا كبيرًا فى الدعوة إلى مقاومة الاستعمار، وكذلك فى الدعوة إلى الوحدة الدينية، وفى نشر الإسلام بين من لم يعتنقه، ونتيجة لذلك جذبت هذه الطرق إليها كثيرًا من الشباب الأفارقة. ففى شرق إفريقيا وبلاد «سودان وادى النيل» ظهرت «الطريقة الميرغنية» فى القرن التاسع عشر للميلاد والتى كان لها تأثيرها الكبير على الناس هناك، وكانت قد ظهرت قبلها بعدة قرون «الطريقة القادرية والشاذلية والرفاعية»، وانتشر أتباع هذه الطرق على طول الساحل الشرقى لإفريقيا، وفى الجزر المواجهة له وكذلك فى المناطق الداخلية. وفى سنة (١٢٥٣هـ = ١٨٣٧م) ظهرت فى شمال إفريقيا الطريقة السنوسية على يد الفقيه الجزائرى «محمد بن على السنوسى»، الذى استطاع أن يقيم دولة دينية فى الأراضى الليبية، دون أن يريق قطرة

стр. 984

دم واحدة، وتمكنت هذه الطريقة من خلال أتباعها وزواياها التى انتشرت فى إفريقيا جنوب الصحراء أن تنشر الإسلام بين العديد من القبائل الإفريقية الوثنية، مثل قبيلة «بيلى» التى كانت تسكن منطقة «إنيدى» شرق «بوركو» فى شمال «نيجيريا»، وعمّقت الإسلام بين جماعات «التِّدَا» فى شمال «بحيرة تشاد». وكان للسنوسيين فضل كبير فى نشر الإسلام فى «واداى»، التى تقع شرق «بحيرة تشاد»، وبين قبائل «الجلا» فى «الحبشة»؛ حيث كانوا يشترون العبيد أو الأطفال ثم يحررونهم ويرسلونهم إلى مركز الطريقة الرئيسى فى «واحة جغبوب» فى الصحراء الكبرى بين «مصر» و «ليبيا»، فيتعلمون ثم يعودون إلى بلادهم دعاة للإسلام. كذلك كان لأتباع «الطريقة القادرية» التى انتشرت فى شمال إفريقيا وغربها أثر كبير فى نشر الإسلام فى هذه البلاد، فقد اتخذ أتباعها من مدينة «ولاتة» بموريتانيا أول مركز لهم فى تلك البلاد منذ القرن الخامس عشر الميلادى ثم لجئوا إلى «تمبكت»، وانتشر أتباعهم ودعاتهم فى أنحاء «السودان الغربى»، وكذلك فى منطقة «القرن الإفريقى» وساحل «شرق إفريقيا»، ووصل أتباعها فى الداخل حتى «الكونغو»، وكان أتباع هذه الطريقة يقومون بتأسيس المدارس لتعليم الدين ونشر الإسلام، ويرسلون نوابغ الطلاب إلى مدارس «القيروان» و «تونس» و «فاس» و «الأزهر»، وغيرها، فإذا ما أتموا دراستهم عادوا إلى أوطانهم دعاة للإسلام. ومن الطرق الأخرى التى انتشرت فى القارة «الطريقة التيجانية» التى أنشأها «أبو العباس أحمد بن محمد المختار بن سالم التيجانى» المتوفى عام (١٢٣١هـ = ١٨١٥م)، وقد قام أتباعه بنشر هذه الطريقة بين رجال القوافل والتجار، فانتشرت تعاليمها فى حوض «السنغال» وفى «تمبكت» وفى سائر أنحاء غرب إفريقيا، وظهرت هذه الطريقة أيضًا فى «السودان النيلى» وشرق إفريقيا على يد بعض التيجانية القادمين من غرب إفريقيا. وقد انخرط فى سلك هذه الطريقة علية

стр. 985

القوم فى «الحبشة»، مثل سلطان «جمة» «أبى جفار»، و «الرأس على» نائب الإمبراطور الحبشى، وعمل هذان الرجلان على نشر الإسلام بين الوثنيين من الأحباش، ونجحا فى ذلك نجاحًا عظيمًا فتحول معظم سكان الولايات الوسطى والشمالية فى «الحبشة» إلى الإسلام. ٦ - طبيعة الإسلام: ذلك أن الإسلام لم يُفرض كما رأينا على الشعوب الوثنية الإفريقية فرضًا، إنما حمله قوم من أهل إفريقيا نفسها، اتخذوا صفة التجار أو المعلمين أو الدعاة أو الصوفية، فليس غريبًا أن يلقى قبولا منهم، فهو فى نظرهم دين إفريقى غير دخيل، والدعوة إليه تتم بالطرق السلمية وليس بالغزو المسلح كما فعل الاستعمار الأوربى فى العصر الحديث. كما أن الإسلام لم يستعبد هذه الشعوب، إنما أشعرها بالعزة والكرامة، فخلق منها دولا كبرى وقوى فيها النزعة إلى الحرية والاستقلال، ولم يقضِ على نظمها المحلية بل تواءم معها وخلق منها ومن تقاليده تقاليد إسلامية الطابع إفريقية الروح. ومن ثم تقَبَّله الأفارقة، خاصة أن الإسلام لم يكن دينًا أخرويا فحسب، وإنما كان دينًا وحضارة تقوم على أساس تعمير الدنيا والفوز بالآخرة، ومن ثم لزم أن يَنشر الإسلام نور العلم والثقافة بين أتباعه ومعتنقيه، فارتبط الإسلام بالعلم والتعليم منذ البداية، وكان الإفريقى لا يكاد يسلم حتى يتعلم القراءة والكتابة ويرتفع قدره اجتماعيا كلما زادت ثقافته، ولذلك سمعنا عن عدد كبير من العلماء الأفارقة الذين ظهروا فى مختلف ميادين العلم والثقافة، ولم يكونوا فى ذلك أقل من إخوانهم علماء المغاربة أو المشارقة، زد على ذلك أن الإسلام لم يعترف بالتفرقة العنصرية، فهو لايعرف حواجز الطبقات أو العرق أو اللون، ولا يميز بين إنسان وآخر على أساس اللون أو الثروة، لأن معيار التفاضل فى الإسلام هو التقوى والعمل الصالح، ولذلك أقبل الأفارقة على اعتناقه، فوحَّد بينهم وقضى على عناصر الفرقة

стр. 986

والتشرذم، كما وحد بينهم لغويا؛ إذ انتشرت اللغة العربية بين كثير من شعوب القارة، وصارت هى أداة الفكر والعلم والمخاطبة، أما الشعوب التى احتفظت بلغاتها، فقد كانت العربية هى وسيلة العلم والتعامل كما كانت اللغة الرسمية، لأن اللغات الإفريقية لم تكن لغات مكتوبة. وكما وحَّد الإسلام بينهم دينيا وحد بينهم سياسيا وقضى على التشرذم القبلى والنزاعات القبلية، وأنشأ دولا كبرى، بل إمبراطوريات عظمى مثل «إمبراطورية مالى»، التى ضمت معظم منطقة غرب إفريقيا بالكامل، وكانت مساحتها تفوق مساحة دول غرب أوربا مجتمعة، ليس هذا فحسب بل إن الإسلام جعل الإفريقى يشعر بانتمائه ليس إلى بلاده فقط بل إلى عالم إسلامى واسع، يستطيع أن ينتقل بين أرجائه سواء كان تاجرًا أو حاجا أو طالب علم، وفى كل مكان يجد هذا الإفريقى القوت والمأوى والمساعدة والاستقبال الودود، على أساس من أخوة الإسلام التى جمعت بين أفراد هذا العالم الإسلامى الواسع، الذى يمتد من الصين شرقًا حتى المحيط الأطلسى غربًا، ومن هنا اعتبر الأفارقة الإسلام دينًا إفريقيا قام بنشره بينهم قوم منهم، اتخذوا الدعوة أو التجارة أو التصوف وسيلة إلى ذلك، وطبقوا مبادئ الإسلام السمحة وأخلاقه الحميدة وقيمه السامية من إخاء ومساواة وتكافل وتعاون، ومن ثم انتشر الإسلام فى هذه البقاع الواسعة فى القارة، حتى إنه يمكن القول بأن قارة إفريقيا هى القارة المسلمة الوحيدة فى عالم اليوم، على اعتبار أن غالبية سكانها يعتنقون الإسلام. ويتبين ذلك بوضوح من خلال حديثنا عن السلطنات والممالك الإسلامية التى قامت بالقارة (جنوب الصحراء) فى العصور الوسطى.

стр. 987

الفصل الثاني *الإسلام والدول الإسلامية فى غرب إفريقيا: يقتضى الحديث عن الإسلام والدول الإسلامية التى قامت فى بلدان غربى إفريقيا، التى كانت تعرف ببلاد «السودان الغربى»؛ أن نبدأ بإعطاء نبذة عاجلة عن انتشاره أولا بين بربر الصحراء الكبرى، الذين كانوا يعرفون باسم «الطوارق» أو «الملثمين» أو «الصنهاجيين»، فهذه القبائل هى التى قامت بجهد كبير فى نشر الإسلام فى بلاد «السودان الغربى». وقد انتشر الإسلام فى البداية فى شمال إفريقيا؛ بحيث لم يأتِ القرن الثانى الهجرى حتى كانت «بلاد المغرب» قطرًا إسلاميا خالصًا وكانت الصحراء الكبرى تحد «بلاد المغرب» من ناحية الجنوب، ويسكنها قبائل «الطوارق» أو «الملثمين»، ويلى هذه الصحراء «بلاد السودان الغربى»، التى كانت بها دولة وثنية تعرف بدولة «غانة»، وهى من أقدم الدول التى ظهرت فى هذه البقعة النائية من إفريقيا، ولكى يصل الإسلام إلى غربى إفريقيا كان لابد أن ينتشر أولا بين قبائل «الطوارق»، ثم يتسرب من خلالهم إلى دولة «غانة» الوثنية، وقد بدأت المحاولات الأولى لنشر الإسلام بين ديار «الملثمين» فى ولاية «عقبة بن نافع الفهرى» الثانية (٦٠ - ٦٣هـ) فى عهد «بنى أمية»؛ إذ استطاع هذا القائد أن يتدفق بقواته إلى «المغرب الأقصى»، ثم هبط جنوبًا إلى «إقليم السوس الأدنى»، ثم واصل تقدمه حتى وصل إلى مدينة «ماسه» بالسوس الأقصى، وأشرف على مدينة «أغمات»، وتوغّل فى بلاد «الملثمين» (مسوفة ولمتونة وجدالة) حتى وصل إلى مدينة «تارودنت»، وتذكر بعض الروايات أنه وصل إلى بلاد «غانة» و «التكرور». كان «عقبة» أول من دعا «الملثمين» إلى الإسلام كأول عربى مسلم يرتاد هذه الأقاصى، ولما جاء «موسى بن نصير» فاتح «الأندلس» أتمَّ ما بدأه «عقبة»، فقد وصل إلى مواطن «الملثمين»، ودعاهم إلى الإسلام وأنشأ مسجدًا فى مدينة «أغمات» التى غدت من أهم مراكز الإسلام وثقافته فى «المغرب الأقصى».

стр. 988

وعندما قامت «دولة الأدارسة» فى «المغرب الأقصى» (١٧٢ - ٣٧٣هـ = ٧٨٨ - ٩٨٣م) وحدوا بين السهول الساحلية وإقليم المراعى، كما وحدوا بين قبائل «صنهاجة» ووجهوا أنظارهم إلى نشر الإسلام فكانوا أشبه بالدعاة منهم بالولاة، فانتشر الإسلام فى إقليم «الواحات» بعد أن أصبحت مضارب «الملثمين» القريبة من جبال «أطلس» (تعرف بجبال درن) خاضعة للأدارسة وجزءًا من أملاكهم، وقد أدَّى إسلام قبائل «الملثمين» فى القرن الثالث الهجرى، إلى قيام حلف قوى جمع بين قبائل «صنهاجة» (لمتونة وجدالة ومسوفة) بزعامة «لمتونة»، وكان هذا الحلف يشير إلى موجة من التوسع صوب الجنوب؛ لنشر الإسلام بين القبائل الزنجية بالسودان الغربى. فقد استطاع «تيولوتان» زعيم هذا الحلف أن يحمل راية الجهاد، ودان له معظم ملوك «السودان الغربى»، واستولى على مدينة «أودغشت»، التى كانت محطة رئيسية لقوافل الصحراء، واتخذها عاصمة له بعد أن خلصها من يد ملك «غانة» الوثنى. تُوفِّى «تيولوتان» عام (٢٢٢هـ= ٨٣٦م) وتفرق الحلف الصنهاجى أثناء حكم أحفاده عام (٣٠٦هـ= ٩١٨م) واستطاعت مملكة «غانة» أن تستعيد مدينة «أودغشت»، واحتفظت تلك المملكة بقوتها كأعظم ما تكون فى «السودان الغربى»، حتى قام الحلف الصنهاجى الثانى عام (٤٢٦هـ = ١٠٣٥م) بزعامة الأمير «أبى عبدالله بن يتفاوت اللمتونى»، الذى استأنف الجهاد وحارب «غانة» وقبائل من «السودان»، لكنه استشهد فى موقعة «غارة» بالقرب من مدينة «تاتكلاتين» عام (٤٢٩هـ= ١٠٣٨م) بعد ثلاث سنوات من حكمه، وبذلك أخفق «الملثمون» فى استعادة «أودغشت» والسيطرة عليها مرة أخرى. وكان من نتيجة هذه الهزيمة أن تخلَّتْ «لمتونة» عن زعامة «الملثمين» وخلفتها فى الزعامة قبيلة «جدالة» فى شخص «يحيى بن إبراهيم الجدالى» الذى اتبع طريقة أسلافه فى الجهاد داخل بلاد «السودان الغربى» لنشر الإسلام، وأسس دولته على دعوة دينية إصلاحية

стр. 989

رائدها فقيه مغربى مالكى يدعى «عبدالله بن ياسين» فامتد بذلك نفوذ المذهب المالكى من «القيروان» إلى «المغرب الأقصى» ثم تخطى حدود هذا الإقليم نحو الجنوب وانتشر فى بلاد «السودان الغربى». وبعد موت الأمير «يحيى بن إبراهيم» أصبح «عبدالله بن ياسين» بلا معين، وفقد الحماية التى كان يبسطها عليه زعيم «جدالة» ورئيس الحلف الصنهاجى، وأصبح وجوده غير مرغوب فيه، لتشدده فى تنفيذ التعاليم الإسلامية، ولاختياره «يحيى بن عمر اللمتونى» خلفًا ليحيى بن إبراهيم الجدالى، فنقل الزعامة بذلك من «جدالة» إلى «لمتونة». لهذا كله رحل «ابن ياسين» إلى بلاد «السودان الغربى» وأقام رباطًا أو رابطة هناك فى أحد الأودية على حافة الصحراء الجنوبية قرب مضارب «لمتونة»، ناحية مصب «نهر السنغال» وتبعه كثير من الذين آمنوا بدعوته، ولما ازدادت قوته قام يجاهد قبائل البربر ويدعوهم إلى تنفيذ تعاليم الإسلام الحقَّة ومعه «يحيى بن عمر» وأخوه «أبو بكر بن عمر اللمتونى»، لكن «يحيى» استشهد عام (٤٤٨هـ = ١٠٥٦م)، فأخذ «ابن ياسين» البيعة لأخيه «أبى بكر» وأقامه مكانه، وتوجَّه لقتال «برغواطة» عام (٤٥١هـ = ١٠٥٩م) حيث استشهد «ابن ياسين» من جراح أصابته. وبعد أن فرغ «أبو بكر» من السيطرة على قبائل «الملثمين» وأعاد الأمن إلى الصحراء رأى أن يوجه جهوده لمحاربة الوثنيين فى بلاد السودان الغربى». وكان «ابن ياسين» قد انتزع مدينة «أودغشت» من ملك «غانة» بل وجاوزها إلى ناحية الجنوب فاتخذها الأمير «أبو بكر» مرتكزًا له فى جهاده ضد ملك «غانة»، وبعد جهاد دام أكثر من خمس عشرة سنة استولى «أبو بكر» على القسم الأكبر من مملكة «غانة» وضمه إلى دولته. ثم رحل هذا الأمير بعد ذلك إلى الشمال فى عام (٤٦٤هـ = ١٠٧٢م) قاصدًا «مرَّاكش» التى كان قد بناها عام (٤٥٤هـ = ١٠٦٢م)، وتم الصلح بينه وبين ابن عمه «يوسف بن تاشفين» على أساس أن يترك

стр. 990

«أبو بكر» لابن تاشفين بلاد «المغرب الأقصى»، وأن يعود هو إلى الصحراء مؤثرًا وحدة الصف، متجنبًا سفك الدماء، وكرس كل جهوده للتوسع فى بلاد «السودان» ونشر الإسلام بين قبائله، وكان هدفه هذه المرة هو إسقاط إمبراطورية «غانة» الوثنية التى أصبحت دولة «غانة» الإسلامية فيما بعد. دولة غانة الإسلامية [٤٦٩ - ٦٠٠ هـ = ١٠٧٦ - ١٢٠٣م]: «غانة» التى نقصدها بهذا الحديث ليست هى «غانا» التى تقع اليوم فى أقصى الجنوب من غرب إفريقيا وعاصمتها «أكرا» وإنما هى التى تقع بين منحنى «النيجر» و «نهر السنغال»، وتضرب حدودها فى جنوبى «موريتانيا» الحالية، وكانت عاصمتها مدينة تُسمَّى «كومبى» وتقع على بعد (٢٠٠) ميل شمال «باماكو» عاصمة دولة «مالى» الحالية. وكانت غانة القديمة متسعة النفوذ والسلطان حتى قيل عنها: إنها كانت إمبراطورية خضع لها معظم بلاد «السودان الغربى» فى النصف الأول من العصور الوسطى. وتعد هذه الدولة أو الإمبراطورية من أقدم ممالك غربى إفريقيا شمال نطاق الغابات، ويرجع تاريخ نشأتها إلى الفترة مابين القرن الثالث والرابع الميلاديين، ويبدو أن كلمة «غانة» كانت لقبًا يطلق على ملوكهم، ثم اتَّسع مدلول هذا الاسم حتى أصبح يطلق على العاصمة والإمبراطورية. وقد قامت هذه الدولة على يد جماعة من البيض وفدوا من الشمال، وكان أول ملوكهم المدعو «كازا» قد اتَّخذ مدينة «أوكار» قرب «تمبكت» الحالية عاصمة له، وكان الشعب يتكون من قبائل «السوننك»، وهى أحد فروع شعب «الماندى» الذى يسكن معظم نواحى غرب إفريقيا. واستطاعت هذه الدولة منذ أواخر القرن الثامن الميلادى، وبعد أن انتقل الحكم إلى فرع «السوننكى» - أن تُخضِع بلاد «فوتا» حيث التكرور والولوف والسرير، ووصل هذا التوسع إلى نهايته القصوى فى مستهل القرن الحادى عشر للميلاد، فأصبحت «غانة» تسيطر على المسافات الممتدة من أعالى «نهر السنغال» وأعالى «نهر

стр. 991

النيجر»، وامتد نفوذها إلى موقع «تمبكت» شرقًا وبلاد «التكرور» أو «السنغال» غربًا، وينابيع نهر «النيجر» جنوبًا، وأغلب الصحراء الغربية (موريتانيا حاليا) شمالا، وانتقلت عاصمتها إلى مدينة «كومبى» أو «كومبى صالح» وهى نفسها مدينة «غانة». وقد اعتمدت إمبراطورية «غانة» على التجارة كمصدر رئيسى فى اقتصادها خاصة تجارة الذهب، حتى صارت تعرف ببلاد الذهب، وأصبح ملوك «غانة» من أغنى ملوك الأرض؛ بفضل سيطرتهم على الطرق المؤدية إلى مناجم الذهب والتى كانت تقع فى منطقة «وانقارة» أو «وانجارة» جنوبى مملكة «غانة». وقد أدَّى رواج التجارة إلى أن أصبحت «غانة» (العاصمة «كومبى صالح») أكبر أسواق بلاد «السودان»، ودخل الإسلام إليها سلميا عن طريق التجار والدعاة المسلمين، ويتبين هذا من رواية «البكرى» الذى زار هذه البلاد فى عام (٤٦٠هـ = ١٠٦٨م)، وذكر أن مدينة «غانة» مدينتان يحيطهما سور، إحداهما للمسلمين وبها اثنا عشر مسجدًا، يُعيَّن لها الأئمة والمؤذِّنون، والقضاة، أما المدينة الأخرى، فهى مدينة الملك وتسمى بالغابة، وبها قصر الملك ومسجد يصلى فيه من يَفدُ عليه من المسلمين. ويضيف «البكرى» أن مترجمى الملك وصاحب بيت ماله وأكثر وزرائه كانوا من المسلمين، وهذا يدل على أن الإسلام قد انتشر بين زنوج غربى إفريقيا لدرجة أن شعب «التكرور» بأكمله أسلم على يد الملك «وارجابى بن رابيس» الذى توفى عام (٤٣٢هـ = ١٠٤٠م)، كذلك امتد الإسلام إلى مدينة «سلى» التى تقع بين «التكرور» و «غانة»، وإلى مدينة «غيارو» التى تبعد عن مدينة «غانة» مسيرة (١٨) يومًا. ويتحدث «البكرى» عن مملكة أخرى هى مملكة «ملل» ويقصد بها مملكة «مالى» التى تقع جنوبى مملكة «غانة»، ويقول: إن ملكها يعرف بالمسلمانى لأنه أعلن إسلامه على يد أحد الفقهاء المسلمين الذى خرج معه للاستسقاء بعد أن أجدبت البلاد وكاد الناس يهلكون،

стр. 992

ولما استجاب الله وهطل المطر أمر الملك بتحطيم الدكاكير (أى الأصنام)، وأخرج السحرة من بلاده، وأسلم هو وأهله وخاصته وحَسُنَ إسلامهم، على الرغم من أن أغلب أهل مملكته كانوا وثنيين. ويتحدث «البكرى» أيضًا عن مدن أخرى أهلها مسلمون مثل مدينة «كونمة» ومدينة «الوكن» ومدينة «كوكو» عند انحناءة «نهر النيجر» تجاه بلاد «الهوسا»، والمدينة الأخيرة مدينتان، مدينة الملك ومدينة المسلمين، ويبدو أن ملكهم كان مسلمًا، بدليل ما يذكره «البكرى» من أن ملكهم كان يتسلَّم عند تنصيبه خاتمًا وسيفًا ومصحفًا، يزعمون أن أمير المؤمنين بعثها إليه. ويصرح «البكرى» فى نهاية حديثه بأن ملكهم مسلم ولا يتولى العرش أحد من غير المسلمين. وحتى يسير الإسلام فى مجراه الطبيعى ويستقر بين هذه الشعوب التى آمنت به، وحتى ينتهى دور «غانة» فى مناهضة الإسلام والاعتداء على القبائل المسلمة كان الهدف الأساسى الذى كرَّس له الأمير «أبو بكر بن عمر اللمتونى» زعيم «الملثمين» جهوده هو الاستيلاء على «غانة» وإخضاعها لدولة المرابطين التى أقامها هؤلاء «الملثمون» من قبائل صنهاجة. وعلى الرغم من أن أغلب المصادر تغفل تفاصيل جهاد هذا الأمير فى بلاد «السودان الغربى» فإننا نعرف أنه استطاع أن يفتح مملكة «غانة»، وأن يستولى على العاصمة عام (٤٦٩هـ = ١٠٧٦م) ويسقط الحكومة الغانية الوثنية. ومنذ ذلك الوقت يمكن أن يؤرخ لإمبراطورية «غانة» الإسلامية حتى اختفائها من التاريخ فى مطلع القرن الثالث عشر الميلادى. فقد أضحت حكومتها إسلامية، ويقال إن ملكها اعتنق الإسلام بدليل أن المرابطين تركوه فى الحكم بعد أن أعلن الخضوع ودفع الخراج لهم. وبإسلام هذا الملك دخل عدد كبير من سكان المملكة فى الإسلام. ولم تستمر سيطرة المرابطين على «غانة»؛ إذ سرعان ما تخلَّصت من هذه السيادة على أثر اغتيال الأمير «أبى بكر» أمير المرابطين عام

стр. 993

(٤٨٠هـ = ١٠٨٧م) على يد أتباع أحد زعماء قبائل «الموسى» بجنوب «داهومى» وانتهزت بلاد «السودان الغربى» هذه الفرصة وما تبعها من اضطراب الجيوش المرابطية هناك بعد موت قائدها فأعلنت «غانة» استقلالها وانفصالها عن الدولة المرابطية، ونقضت تبعيتها لها، وفى الوقت نفسه استطاعت بعض الولايات التى كانت تابعة لإمبراطورية «غانة» أن تنفصل هى الأخرى وتستقل فى حكمها، مثل مملكة «أنبارة» وولاية «ديارا» و «كانياجا»، وأصبحت ممالك مستقلة، بينما أصبحت سلطة ملوك «غانة» لا تتعدَّى «أوكار» و «باسيكورو» مما أضعف الدولة ومهد للقضاء عليها. ومعنى ذلك أن فتح المرابطين لغانة لم يقض عليها تاريخيا، ولكنه حولها إلى الإسلام، وجاءت الصدمة القاضية على الوجود التاريخى لإمبراطورية «غانة» على يد قبائل «الصوصو» الوثنية التى استقلت بولاية «كانياجا» كما سبق القول، وكانوا من قبل يدفعون الجزية لحكومة «غانة» لفترة طويلة. وفى مطلع القرن الثالث عشر الميلادى استولى أعظم أباطرة «الصوصو» وهو «سومانجورو» على العاصمة «كومبى صالح» فى عام (٦٠٠هـ= ١٢٠٣م) بعد معركة طاحنة مع ملك «غانة» الإسلامية. وبذلك أنهى «الصوصو» سيادة الملوك الغانيين المسلمين فتفرقوا فى البلاد، وقام زعيم «الصوصو» بالاتجاه نحو الجنوب؛ حيث توجد دولة «الماندنجو» النامية فى «كانجابا» واستولى عليها ولكن أحد أبناء ملك «كانجابا» ويسمى «سندياتا» أو (مارى جاطهـ) نجح فى استرداد الأراضى التى ضاعت من أبيه، بل واستطاع أن يقضى على «سومانجورو» نفسه وأن يضم جميع أملاك «الصوصو» إليه. وذلك بعد موقعة حربية فاصلة (٦٣٢هـ = ١٢٣٥م)، وفى عام (٦٣٨هـ = ١٢٤٠م) نجح «مارى جاطة» فى تدمير ما بقى من «كومبى صالح» عاصمة «غانة»، وكان ذلك هو الفصل الختامى فى اختفاء إمبراطورية «غانة» من مسرح التاريخ. وعلى الرغم من أن «غانة» الإسلامية لم تعمَّر طويلا فإن أهلها

стр. 994

وأغلبهم من «السوننك» اشتهروا بحماسهم للإسلام وبالدعوة إليه، حتى إن بعض العشائر السوننكية تكاد تختص بالعمل فى الدعوة إلى الإسلام، بل إن كلمة «سوننك» فى أعالى نهر «غمبيا» استخدمها «الماندنجو» الوثنيون مرادفة لكلمة «داعية»، مما يدل على الدور الكبير الذى نهض به «السوننك» فى نشر الإسلام. ويبدو أن هذه الدفعة التى دفعها المرابطون للإسلام كانت من القوة بحيث تركت فى تاريخ الإسلام فى غربى إفريقيا آثارًا عميقة، ذلك أن دعاة المرابطين نشروا الإسلام فى المنطقة الواقعة بين «السنغال» و «النيجر» وعلى ضفاف «السنغال»، وتمخض ذلك عن إسلام شعب «التكرور» الذى عمل بدوره على متابعة الدعوة إلى هذا الدين الحنيف بين قبائل «الولوف» و «الفولبة» (الفولانى) و «المندنجو». وفى ركاب المرابطين دخلت الثقافة الإسلامية متدفقة من مدارس «المغرب» و «الأندلس»، فقد وحَّد المرابطون بين «السودان الغربى» و «المغرب» و «الأندلس» فى دولة واحدة. وفى عهدهم تم تأسيس مدينة «تمبكت» التى أصبحت حاضرة الثقافة العربية فى غربى «السودان» وقد أسَّسها قوم من طوارق «مقشرن» فى آخر القرن الخامس الهجرى، وأصبحت سوقًا مهمة يؤمُّها الرحالة ويَفِدُ إليها التجار من «مَرَّاكُش» و «السودان». وسرعان ما اقتفى العلماء أثر التجار فوفدوا إليها من «المغرب الأقصى» و «الأندلس»، بل ومن «مصر» و «توات» و «تافللت» و «فاس» وغيرها، وأصبح مسجدها الجامع الذى يسمى مسجد «سنكرى» جامعة إسلامية زاهرة فى هذه البقعة النائية، وامتدَّ الإسلام إلى مدينة أخرى كان لها ما لتمبكت من أثر فى تاريخ الإسلام والثقافة العربية، وهى مدينة «جنى» التى أسلم أهلها آخر القرن الخامس الهجرى، وأمَّها الفقهاءُ والعلماءُ، كما انتشرت اللغة العربية بين كثير من أهالى دولة «غانة» الإسلامية، وأصبحت لغة العبادة والثقافة الوحيدة بالبلاد بجانب كونها لغة التجارة والمعاملات.

стр. 995

انتهى هذا الدور بانتشار الإسلام فى بلاد «السودان الغربى» على نطاق واسع، وبتوطُّن الثقافة العربية فى مركزين مشهورين فى «تمبكت» و «جنى»، وبسقوط مملكة «غانة» الإسلامية على يد «الصوصو»، وورثتها مملكة «مالى» الناشئة، وبدأ دور جديد يمكن أن نسميه دور الازدهار فى تاريخ الدول والممالك الإسلامية التى قامت فى غرب إفريقيا فى العصور الوسطى. وفى هذا الدور انتقلت السلطة إلى أهل البلاد الأصليين الذين دخلوا الإسلام وتشربوا من ثقافته واقتبسوا من نظمه، وهو التطور نفسه الذى حدث فى «المغرب» حينما انتقل السلطان إلى أهل البلاد أنفسهم، بل شهده كل قطر دخله الإسلام وتغلغل فيه. ومن الدول الإسلامية التى قامت من أهل البلاد الأصليين فى غربى إفريقيا دولة «مالى» ودولة «صنغى» ودولة «الكانم والبرنو». وهذه الدول بعد قيامها كانت تشتغل بالحياة الإسلامية وتتخذ مظهرًا إسلاميا واضح المعالم.

стр. 996

الفصل الثالث * سلطنة مالى الإسلامية [٥٦٩ - ٨٧٤هـ = ١٢٠٠ - ١٤٦٩ م]: أسس هذه السلطنة شعب زنجى أصيل هو شعب «الماندنجوه»، أو «الماندنجو» ومعناها «المتكلمون بلغة الماندى»، ويطلق «الفولانى» على هذا الشعب اسم «مالى»، ويلقبه المؤرخون العرب بلقب «مليل» أو «ملل»، وتقع سلطنة «مالى» بين بلاد «برنو» شرقًا والمحيط الأطلسى غربًا وجبال البربر شمالا و «فوتاجالون» جنوبًا. وقد اشتهرت باسم بلاد «التكرور» وهى أحد أقاليمها الخمسة التى اشتملت عليها المملكة زمن قوتها وازدهارها، وكان كل إقليم منها عبارة عن مملكة مستقلة استقلالا ذاتيا، لكنها تخضع لسلطان «مالى»، وهذه الأقاليم الخمسة حسبما ذكرها «القلقشندى»: ١ - «مالى»، ويتوسط أقاليم المملكة. ٢ - «صوصو»، ويقع إلى الجنوب من «مالى». ٣ - «غانة»، ويقع شمال «مالى» ويمتد إلى «المحيط الأطلسى». ٤ - «كوكو»، ويقع شرق إقليم «مالى». ٥ - «تكرور»، ويقع غرب «مالى» حول «نهر السنغال». ولايعرف إلا القليل عن نشأة مملكة «مالى» ويتلخص فى أنه فى نحو منتصف القرن الحادى عشر الميلادى تقريبًا اعتنق ملوك «الماندنجو» فى «كانجابا» (مالى) الإسلام، وأنشئوا دُوَيلة صغيرة انفصلت عن مملكة «غانة»، وظفرت بنوع من الاستقلال الذاتى، مستغلة الصراع الذى نشب بين المرابطين ومملكة «غانة» واستطاع ملوك «كانجابا» أن يوسعوا مملكتهم فى أوائل القرن الثالث عشر فى اتجاه الجنوب والجنوب الشرقى، مما أثار حفيظة ملك «الصوصو»، الذى أخذ يعمل للسيطرة على مملكة «كانجابا» الناشئة وكادت جهوده تكلل بالنجاح، بعد أن استطاع القضاء على دولة «غانة» الإسلامية عام (٦٠٠هـ = ١٢٠٣م)، لكن «سندياتا» ملك «كانجابا» الذى اشتهر باسم «مارى جاطة» (٦٢٧ - ٦٥٣هـ = ١٢٣٠ - ١٢٥٥م) استطاع أن يقهر ملك «الصوصو»، وأن يقتله فى إحدى المعارك عام (٦٣٢هـ = ١٢٣٥م) وأن يضم بلاده إليه، ثم وسَّع نفوذه شمالا واستولى على البقية

стр. 997

الباقية من مملكة «غانة» عام (٦٣٨هـ= ١٢٤٠م)، وبذلك يعتبر هذا الملك المؤسس الحقيقى لسلطنة «مالى» الإسلامية. وقد برزت سلطنة «مالى» فى سماء الحياة السياسية فى غربى إفريقيا كأعظم ماتكون، واتخذت حاضرة جديدة لها، ترمز إلى الدولة وإلى نفوذها وقوتها النامية وهى عاصمتها الجديدة «نيانى» أو «مالى»، بدلا من عاصمتها القديمة «جارب»، وتقع العاصمة الجديدة على أحد روافد «نهر النيجر». استمرت حركة التوسُّع بعد ذلك، ففى عهد «منسى ولى» (٦٥٣ - ٦٦٩هـ = ١٢٥٥ - ١٢٧٠م) خليفة «مارى جاطة» استولى قواده على منطقة «وانجارة» الغنية بمناجم الذهب، كما استولوا على مدينتى «بامبوك» و «بندو»، ولم تتوقَّف الفتوح بعد «منسى ولى»، إنما استمرت فى عهد خلفائه - أيضًا - حتى وصلت الغاية فى عهد ملك «مالى» الشهير «منسا موسى» (٧١٢ - ٧٣٨هـ = ١٣١٢ - ١٣٣٧م) الذى استولت قواته على مدن «ولاته» و «تمبكت» و «جاو» فى «النيجر الأوسط»، وبلغت دولة «مالى» الإسلامية فى عهده ذروة مجدها وقوتها واتساعها، فقد امتدت من بلاد «التكرور» غربًا عند شاطئ «المحيط الأطلسى» إلى منطقة «دندى» ومناجم النحاس فى «تكدة» شرقى «النيجر»، ومن مناجم الملح فى «تغازة» فى الصحراء شمالا إلى «فوتاجالون» ومناجم الذهب فى «نقارة» جنوبًا، كما شملت الحدود الجنوبية منطقة الغابات الاستوائية. وتقدر مساحة «مالى» زمن السلطان «منسا موسى» بمساحة كل دول غربى أوربا مجتمعة، وتعتبر «مالى» من أعظم الإمبراطوريات فى القرن الرابع عشر الميلادى، وفاقت شهرتها دولة «غانة»؛ من حيث العظمة والقوة والثروة والاتساع والشهرة، فقد ضمَّت داخل حدودها مناجم الذهب والملح والنحاس، وتحكَّمت فى طرق القوافل بين هذه المناجم شمالا وجنوبًا، ونتج عن ذلك ثراء جم، يظهر ذلك من وصف «ابن بطوطة» و «الحسن الوزَّان» لهذه المملكة. لكن ما كادت الدولة تبلغ الغاية فى القوة حتى بدت عليها مظاهر

стр. 998

الضعف؛ فأَغرق الملوك فى الترف، وفقدوا الروح العسكرية، وبدأت أقاليمها تستقل عنها واحدًا بعد الآخر؛ فاستقلَّت «جاو» واستولى «الطوارق» على «أروان» و «ولاته» و «تمبكت»، وبدأ «الولوف» و «التكرور» يُغيرون عليها من الغرب، ودولة «الكانم» من الشرق واستقلّت إمارة «صنغى» التى ورثت مملكة «مالى» وتبوأت مكانتها فى غرب القارة فيما بعد. وقد بلغ ضعف مملكة «مالى» الغاية فى القرنين الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين حين استنجدوا فى عام (٨٨٦هـ = ١٤٨١م) بالعثمانيين، الذين كانوا قد استقروا بالمغرب، ثم بالبرتغاليين الذين كانوا قد أنشئوا لهم مستعمرة على ساحل إفريقيا الغربى، فلم يستجب لهم أحد، وكان «سُنِّى على» سلطان دولة «صنغى» الإسلامية والمؤسس الحقيقى لها قد أوغل فى سلطنة «مالى» فلم يترك بلدًا ولا مدينة فى النصف الشمالى منها إلا حاربه بما فى ذلك مدينة «مالى» نفسها، واحتل «تمبكت» عام (٨٧٣هـ = ١٤٦٩م)، ونرى عهد قوة إمبراطورية «مالى» ينتهى فى العام الذى سقطت فيه «تمبكت» فقد أخذت الإمبراطورية تفقد أقاليمها واحدًا إثر الآخر حتى أصبحت فى منتصف القرن السابع عشر الميلادى مجرد دُوَيلة صغيرة فى «كانجابا» كما كانت من قبل. وظلَّت هذه الدولة قائمة حتى ابتلعها الفرنسيون فى عام (١٣١٦هـ = ١٨٩٨م)، بعد أن هزموا آخر زعيم أراد أن يعيد مجد دولة «مالى» الإسلامية، ويوحد شعب «الماندنجو» وهو «سامورى التورى»، ورغم جهاده المستمر فإن الفرنسيين قضوا عليه فى العام نفسه، ونفوه إلى «جابون»؛ حيث مات هناك فى عام (١٣١٨هـ = ١٩٠٠م). وقد استطاعت دولة مالى تحقيق كثير من المظاهر الإسلامية. وأول هذه المظاهر، اتصالها بالقوى الإسلامية المختلفة، وإظهارها لروح الأخوة الإسلامية، وقد ظهر هذا فى سفر سلاطين هذه المملكة إلى مكة لأداء فريضة الحج وزيارة «مصر» فى طريقهم إلى «مكة»، وقد بدت هذه الظاهرة منذ فجر الدولة؛ إذ أشار «القلقشندى» إلى

стр. 999

خروج «منساولى بن مارى جاطة» إلى الحج فى عهد السلطان «بيبرس»، وتطورت الصلات بين «مالى» و «مصر» فى عهد السلطان «منسا موسى» الذى يعد موكبه من أروع مواكب الحج التى وفدت على «مصر» فى القرن الثامن الهجرى. وقد قدَّر بعض المؤرخين عدد من جاء فى ذلك الموكب بعدة آلاف، وقالوا إن السلطان حمل خمسين ألف أوقية من الذهب وزَّع أكثرها على الناس فى صورة هدايا أو صدقات فى «مصر» و «الحجاز»، وقد بعث إلى الخزانة السلطانية فى «القاهرة» بحمْل كبير من الذهب، وقد أكرمه سلطان «مصر» وبعث إليه بالخِلع وزوَّده بما يحتاج إليه فى سفره إلى «مكة» من الجمال والمتاع والمئونة. وكان السلطان «منسا موسى» قد بعث قبل مجيئه إلى «مصر» كتابًا إلى السلطان المملوكى «الناصر محمد» خاطبه فيه بما يدل على التقدير والإخاء، وبعث إليه بخمسة آلاف مثقال من الذهب، مما يدل على عمق الصلات الطيبة وروح الأخوة الإسلامية بين القاهرة وغربى إفريقيا، تلك الصلات التى نشأت عنها علاقات ثقافية وتجارية واسعة وقد انتهز السلطان «منسا موسى» فرصة وجوده فى «مصر»، فابتاع جملة من الكتب الدينية ليوفر لأهل بلاده طرفًا من الثقافة الإسلامية المتفوقة فى «مصر» وقتئذٍ وتبع ذلك رحيل كثير من علماء «مصر» إلى «مالى»، ورحيل علماء «مالى» إلى «مصر»؛ حيث كان لهم رواق فى الأزهر يقيمون فيه يسمى «رواق التكرور». ولم تقتصر العلاقات على «مصر» وحدها، بل كان لسلاطين «مالى» علاقات طيبة أيضًا بملوك «المغرب» وترجع العلاقات بين الطرفين إلى زمن بعيد، فيذكر «ابن عذارى» مؤرخ «المغرب» و «الأندلس» الشهير فى كتابه «البيان المغرب فى أخبار الأندلس والمغرب» بعض الهدايا التى كان يرسلها ملوك «السودان الغربى» فى القرنين الرابع والخامس الهجريين إلى ملوك «بنى زيرى» فى «تونس»، أما سلطان مملكة «مالى» «منسا موسى» فقد أرسل إلى السلطان «أبى الحسن

стр. 1000

المرينى» يهنئه باستيلائه على «تلمسان»، كما بعث بالسفراء الدائمين إلى مدينة «فاس»، وكانت العلاقات الثقافية مع «المغرب» فى غاية القوة والازدهار، بسبب انتشار مذهب «مالك» فى البلدين. وقد امتدت علاقات مملكة «مالى» إلى «الأندلس»، بدليل ما يروى من أن «منسا موسى» استعان بأحد علمائها وهو «أبو إسحاق السهلى» من أهل «غرناطة» فى بناء القصور والمساجد، وإليه يرجع الفضل فى إدخال فن البناء بالآجر فى غربى «السودان»، وبنى مسجدًا عظيمًا فى «جاو» وآخر فى «تمبكت»، كما بنى قصر «منسا موسى» نفسه. وكان أهل «مالى» يحتفلون بشهر رمضان وبالأعياد الإسلامية احتفالا كبيرًا، وكان السلطان يوزع الأموال والذهب على القضاة والخطباء والفقهاء وفقراء الناس، ويصف «ابن بطوطة» خروج السلطان لصلاة العيد وصفًا رائعًا لا يقل فخامة وأبهة عن خروج خلفاء «بغداد» و «القاهرة». ويقول إن الأهالى كانوا يواظبون على الصلاة فى الجماعات، وإنهم كانوا يضربون أولادهم إذا ما قصروا فى أدائها، وإنه إذا لم يبكر الإنسان فى الذهاب إلى المسجد يوم الجمعة لم يجد مكانًا لكثرة الزحام. وبلغ من عمق العقيدة فى نفوسهم أنهم كانوا يلزمون أبناءهم بحفظ القرآن الكريم، وكانوا يضعون قيودًا من الحديد فى أرجلهم إذا ماقصروا فى حفظه، ولا تفك عنهم حتى يحفظوه، ولذلك أتقن كثير من الماليين اللغة العربية، وكان السلطان «منسا موسى» نفسه يجيدها، وكان التعليم لايتم إلا بها كما كانت لغة الحكومة فكانت الوثائق المهمة والمراسلات الدولية لاتكتب إلا بها، كما كانت لغة التجارة والمعاملات، أى أنها كانت اللغة السائدة بجانب اللغات المحلية، مثل لغة «الهوسا» و «صنغى» و «الفولانيين» التى تأثرت باللغة العربية، وتوجد آلاف الكلمات العربية مستخدمة فى شتى مظاهر الحياة فى غرب إفريقيا حتى اليوم، وقد زار الرحالة الإنجليزى «فرانسيس مور» مالى عام (١١٤٤هـ = ١٧٣١م) ووجد معظم

стр. 1001

أهل «جمبيا» البريطانية يتكلمون العربية. وقد ساعد على ذلك أن سلاطين «مالى» كانوا يكثرون من بناء المساجد التى كانت تتخذ بجانب العبادة مكانًا للعلم والتدريس، ويذكر أن السلطان «منسا موسى» كان يقيم مسجدًا فى كل مكان تدركه فيه صلاة الجمعة إذا كان مسافرًا أو خارج عاصمته، ومن أهم هذه المساجد مسجد أو جامع سنكرى الذى أصبح جامعة علمية فى مدينة «تمبكت»؛ حيث وفد إليه العلماء وطلاب العلم من داخل «مالى» وخارجها، وبلغ من أهمية هذه المساجد أنها أصبحت حرمًا آمنًا، فكان السلطان إذا غضب على أحد من الرعية استجار المغضوب عليه بالمسجد، وإن لم يتمكن من ذلك يستجير بدار خطيب المسجد، فلا يجد السلطان سبيلا إلا أن يعفو عنه، وهذا يدل على مدى تقدير سلاطين «مالى» للأماكن الدينية وللعلماء، وكان مجلس السلاطين لا ينعقد إلا بحضور العلماء ولا يبت فى رأى إلا بعد مشورتهم، فإذا أضفنا إلى ذلك ما قام به سلاطين «مالى» من جهاد لنشر الإسلام وثقافته بين القبائل الوثنية سواء داخل دولتهم أو خارجها، وما قاموا به من أصول عربية مشرقية لأسرتهم الحاكمة وهى أسرة «كيتا»؛ لأدركنا مدى حرص تلك السلطنة وهؤلاء السلاطين على التقاليد الإسلامية ومظاهر الحياة الإسلامية.

стр. 1002

الفصل الرابع *سلطنة صنغى الإسلامية [٧٧٧ - ١٠٠٠هـ = ١٣٧٥ - ١٥٩١ م]: بدأت سلطنة «صنغى» (صنغاى- سنغاى) دويلة صغيرة لا تختلف من حيث قيامها عن سلطنة «مالى» أو «غانة» فقد تدفقت بعض قبائل مغربية - وخاصة قبائل «لمطة» - فى نحو منتصف القرن السابع الميلادى إلى الضفة اليسرى لنهر «النيجر» عند مدينة «دندى»، وسيطروا على الزراع من أهل «صنغى». ورحب هؤلاء بهم ليحموهم من الصيادين الذين كانوا يعتدون عليهم ونجح هؤلاء الوافدون فى تكوين أسرة حاكمة استفادت إلى حد كبير من العلاقات التجارية مع «غانة» و «تونس»، و «برقة» و «مصر»، وكانت هذه العلاقات التجارية ذات أثر بعيد فى تحويل ملوك «صنغى» إلى الإسلام فى بداية القرن الحادى عشر الميلادى إبان النهضة الإسلامية التى اضطلع بها المرابطون فى ذلك الوقت لنشر الإسلام فى غربى القارة. رأى ملوك «صنغى» أن ينقلوا حاضرة ملكهم من «كوكيا» إلى «جاو» لتكون على مقربة من طرق القوافل الرئيسية. ومدينة «جاو» زارها البكرى عام (٤٦٠هـ = ١٠٦٨م) وقال: «إن مدينة كوكوا (جاو) مدينتان، مدينة الملك ومدينة المسلمين، وإذا وُلِّى منهم ملك دُفع إليه خاتم وسيف ومصحف يزعمون أن أمير المؤمنين بعث بذلك إليهم، وملكهم مسلم لا يملِّكون غير المسلمين»، كما زارها «ابن بطوطة» فى منتصف القرن الرابع عشر للميلاد، وقال عنها: إنها مدينة كبيرة تقع على نهر «النيجر»، وهى من أحسن مدن «السودان» وأكبرها وأخصبها، وقد قابل فيها فقهاء ينتسبون إلى بعض قبائل البربر. وكانت «جاو» والبلاد التابعة لها تشكل جزءًا من سلطنة «مالى» (٧٧٧هـ = ١٣٧٥م)، عندما تحرك ملوك «صنغى»، واستردوا استقلالهم منتهزين فرصة الضعف الذى أخذ يظهر فى دولة «مالى» منذ ذلك الوقت واتخذوا لقب «سُنِّى» أو «السُّنِّى». وأخذت بلادهم تتسع فى عهد «سنى على» (٨٦٨ - ٨٩٧هـ = ١٤٦٤ - ١٤٩٢م) الذى كون جيشًا كبيرًا منظمًا سار على رأسه إلى الغرب،

стр. 1003

واستولى على مدينة «تمبكت» (٨٧٣هـ = ١٤٦٨م)، ثم على مدينة «جنِّى» (٨٧٨هـ = ١٤٧٣م)، وفتح مملكة «الموسى» وضمها إلى دولته، وتقدم شرقًا فهاجم بعض إمارات «الهوسا» فخضعت له «كاتسينا» و «جوبير» و «كانو» و «زمفرة» و «زاريا»، ثم اتجه غربًا فاستولى على بلاد «الماندنجو» و «الفولانى»، ومعظم ممتلكات دولة «مالى» الإسلامية، واتجه شمالا حتى مواطن الطوارق. وبذلك أسس «سنى على» إمبراطورية «صنغى» الإسلامية، وكان أول إمبراطور لها، حتى مات فى ظروف غامضة، وبموته انتقل الحكم إلى أسرة جديدة أسسها أحد قواد «السوننكى»، وهو «أسكيا محمد الأول» بعد إعلانه الثورة على ابن «سنى على» واستيلائه على السلطة. و «أسكيا» لقب يعنى «القاهر» وقام بتنظيم شئون البلاد من الناحية الإدارية، واستخدم طائفة من الموظفين الأكفاء، كما نظم الجيش وأفاد من الخبرات السابقة، واتخذت حركته مظهرًا إسلاميا واضحًا نتيجة عاملين قام بهما: الأول: هو اهتمامه بالشئون الدينية واستغلاله ثروة سلفه فى النهوض بها وقيامه بالحج إلى البيت الحرام فى مكة (٩٠٠هـ = ١٤٩٥م)، وكان موكبه فى موسم الحج يفوق ما عرف عن موكب ملوك «مالى»، من حيث الأبهة والفخامة، واستردت «تمبكت» فى عهده مكانتها كمركز للثقافة الإسلامية فى غربى إفريقيا، وبلغ من شهرتها أن ملك «صنغى» كان ينسب إليها. والعامل الثانى: هو الجهاد الذى قام به بغرض توسيع رقعة بلاده، ونشر الإسلام بين الوثنيين من جيرانه «الماندنجو» و «الفولانى» فى الغرب «والطوارق» فى الشمال، وقبائل «الموسى» الزنجية فى الجنوب، «والهوسا» فى الشرق فى مدن «كتسينا» و «غوبير» و «كانو» و «زنفروزاريا» وقد خضعت هذه المدن كلها لهذا الملك عام (٩١٩هـ = ١٥١٣م)، وكان هذا بداية لظهور الثقافة الإسلامية فى هذا الجزء من شمال «نيجيريا». وقد أشار كثير من المؤرخين السودانيين إلى أن علماء من «تمبكت» رحلوا إلى هذه الجهات الخاضعة لنفوذ «صنغى»، وأقاموا هناك

стр. 1004

يفقِّهون الناس فى الدين وينشرون الثقافة الإسلامية، حتى امتد النفوذ الإسلامى إلى منطقة «بحيرة تشاد»، وبلغت إمبراطورية «صنغى» أقصى اتساع لها، فقد شمل نفوذها منطقة «السافانا» كلها من الشرق إلى الغرب، واستطاع «أسكيا محمد الأول» أن ينشر الأمن والسلام فى جميع ربوع هذه المملكة الشاسعة الأرجاء، بتنظيماته الإدارية والعسكرية الرائعة التى قام بها بين صفوف الجيش والإدارة. لكن حكمه آذن بالزوال حينما أصيب بالعمى وانتابه المرض وتآمر عليه أولاده، وعزله أحدهم عن الحكم فى عام (٩٣٥هـ = ١٥٢٩م). وظل القواد والمغامرون يتنافسون من أجل السيطرة على الجيش والحكومة، إلا أن «أسكيا إسحاق الأول» (٩٤٦ - ٩٥٦هـ = ١٥٣٩ - ١٥٤٩م) استطاع أن يلى العرش بمساندة الجيش، وأن يعيد الأمن إلى نصابه، وأن يقضى على منافسيه، وأن يبعد كبار ضباط الجيش وكبار المسئولين، الذين أساءوا استخدام مناصبهم خلال فترة الاضطراب. وعلى الرغم من ذلك لم يستطع الاحتفاظ بالعرش مدة طويلة، فقد خلفه «أسكيا داود» (١٥٤٩ - ١٥٨٢م) الذى عين أنصاره فى الوظائف المهمة واشتهر بحنكته السياسية فأبعد خطر ملوك «مراكش» عن بلاده بالمهادنة والتودد إليهم. وبعد وفاة «داود» (٩٩٠هـ = ١٥٨٢م) أثرت المنازعات التى قامت بسبب العرش تأثيرًا سيئًا على مملكة «صنغى»، فقد كان سلاطين «المغرب» منذ عهد بعيد يتطلعون إلى مناجم الملح فى «تغازة» وإلى السيطرة على تجارة الذهب، وظل ملوك «صنغى» يصدون سلاطين «المغرب» حتى سنة (٩٩٣هـ = ١٥٨٥م)، حينما انقسمت البلاد على نفسها، فاستغل «أحمد المنصور الذهبى» سلطان «المغرب» الذى انتصر على البرتغاليين فى موقعة «القصر الكبير» ضعف «صنغى» وسيَّر جيشًا كبيرًا عام (٩٩٨هـ = ١٥٩٠م) استولى على العاصمة «جاو» بعد أن هزم قوات «إسحاق الثانى» فى موقعة «تونديبى» وبذلك دخلت البلاد فى طور جديد من أطوار تاريخها وهو طور التبعية والفناء.

стр. 1005

لكن واقعة «تونديبى» لم تكن نصرًا للمغرب إلا من الناحية العسكرية؛ إذ إنهم لم يحققوا الأغراض التى قاتلوا من أجلها، وهى السيطرة على مناجم الذهب فى غرب إفريقيا، لأن ثروة «صنغى» لم تكن نتيجة امتلاكها الذهب بقدر ما كانت نتيجة لسيطرتها على تجارته مع مواطن إنتاجه، فى «وانجارة» و «يندوكو» و «أشنتى»، وكلها فى جنوب مملكة «صنغى»، وهى تجارة لا تزدهر إلا فى ظل الأمن والسلام الذى قضى عليه سلاطين «مراكش»، الذين لم يستطيعوا أن يمدوا نفوذهم إلى ما وراء المدن الرئيسية «جنى» و «تمبكت» و «جاو»، ولما أدركوا قلة الفوائد التى عادت عليهم من وراء هذا الفتح الذى كلفهم كثيرًا، كفُّوا عن إرسال الجند والمئونة اللازمة إلى قواتهم، وتركوا هذه القوات تقرر مصيرها بنفسها، فنشأت أسرة محلية من باشوات «تمبكت» تدين بالتبعية الاسمية لسلطان «مراكش»، وتعتمد على عنصر خليط من البربر وأهل البلاد، أو المولدين الذين سموا باسم «أرما». وكان همُّ هؤلاء الباشوات منصرفًا إلى جمع المال وحمل الزعماء المحليين على دفع الإتاوة على أن سلطانهم ضعف تدريجيًا لاعتمادهم على الجيش الذى كان يعزلهم متى شاء، حتى بلغ عدد من تولى منهم بين سنتى (١٠٧٠هـ=١٦٦٠م) و (١١٦٣هـ= ١٧٥٠م) نحو (١٢٨) باشا، ولما ضعفت قوة الجيش نفسه اضطر الباشوات منذ عام (١٠٨١هـ = ١٦٧٠م) إلى دفع الإتاوة إلى الحكام الوثنيين من ملوك «البمبارا»، وهم ملوك مملكة «سيجو» الوثنية، التى كانت تقع على وادى نهر «بانى» جنوبى «كانجابا» فى حوض «النيجر». وظل الأمر على هذا النحو حتى جاء الفرنسيون والتهموا المنطقة بأسرها، وسموها «إفريقية الاستوائية الفرنسية». وبعد نجاح حركة الكفاح الوطنى ضد الاستعمار الفرنسى والإنجليزى؛ ظهرت عدة دول إسلامية حديثة على أنقاض إمبراطورية «صنغى» الإسلامية، وهذه الدول هى: «جمهورية موريتانيا، و «جمهورية غينيا»، و «جمهورية

стр. 1006

مالى»، و «جمهورية السنغال»، و «جمهورية النيجر»، و «جمهورية نيجيريا»، و «جمهورية جامبيا». وإذا كانت دولة «صنغى» قد شابهت دولة «مالى» من حيث تطورها العام، فإنها قد شابهتها أيضًا فى اتخاذها مظهرًا إسلاميا واضحًا، بل فاقتها فى هذه الناحية فى بعض الأحيان، وهذا التطور طبيعى، فقد امتد سلطان «صنغى» إلى القرن السادس عشر الميلادى، وكان الإسلام قد قطع خطوات واسعة فى سبيل النمو والانتشار. وقد سعى ملوك «صنغى» كما سعى ملوك «مالى» من قبل إلى الاتصال بالقوى الإسلامية المعاصرة، تحقيقًا لروح الأخوة الإسلامية، وفى هذا المجال كان لملوك «صنغى» اتصالات عديدة بملوك المسلمين فى الشرق والغرب. فقد خرج «أسكيا محمد الأول» إلى الحج ومر بمصر سنة (٨٩٩هـ= ١٤٩٤م) فى موكب حافل، وأغدق على الناس والفقراء أكثر مما أغدق أسلافه، فقد روى «السعدى» صاحب كتاب «تاريخ السودان» أنه تصدق مثلا فى الحرمين الشريفين بمائة ألف مثقال من الذهب، واشترى بساتين فى «المدينة المنورة» حبسها على أهل التكرور (أهل دولة صنغى)، واجتمع فى موسم الحج بزعماء المسلمين، وتأثر بما رآه فى «مصر» من نظم الحكم، ومن ثقافة عربية مزدهرة، فاتصل بالإمام «السيوطى» وغيره من علماء العصر، وتلقى تقليدًا من الخليفة العباسى بالقاهرة، وعاد إلى بلده متأثرًا بما رآه من روح إسلامية، وعمل على تطبيق ما تعلمه من آراء وتجارب شاهدها بنفسه. ويقال إن هذا السلطان قلد فى تنظيماته الإدارية النظم التى رآها فى «مصر»، وأمعن فى إحاطة نفسه ببطانة من العلماء الذين كان يحمل لهم كل احترام وتقدير، فقد روى مؤرخو «السودان» أنهم كانوا إذا دخلوا عليه أجلسهم على سريره وقربهم وأمر بألا يقف أحد إلا للعلماء أو الحجاج، وألا يأكل معه إلا العلماء والشرفاء. كما أبطل البدع والمنكر وسفك الدماء، وأقام الدين والعقائد، وأعطى «جامعة تمبكت» المزيد من عنايته، فتفوقت فى عهده

стр. 1007

ووصلت إلى ما لم تصل إليه من قبل، وكانت فى غربى «السودان» كجامعة «الأزهر» فى «القاهرة»، أو «القرويين» فى «فاس» أو «الزيتونة» فى «تونس» أو «النظامية» فى «بغداد». وأصبحت هذه السياسة الإسلامية سياسة مقررة لخلفائه من بعده، فأسكيا إسحاق يسير فى الطريق نفسه، من تشجيع العلماء وإكرامهم والأخذ بيدهم، و «أسكيا داود» يتخذ خزائن الكتب وله نساخ ينسخون الكتب وربما يهادى بها العلماء، وقيل إنه كان حافظًا للقرآن الكريم. وهذا يدل على أن دولة «صنغى» قد شهدت تمكن الإسلام من أهل غرب إفريقيا، كما شهدت ازدهار الثقافة الإسلامية إلى أبعد الحدود. وبذلك نكون قد انتهينا من الحديث عن الدول الإسلامية التى قامت فى بلاد «السودان الغربى»، أما «السودان الأوسط» فقد قامت فيه دول أهمها وأعظمها على الإطلاق هى سلطنة «الكانم والبرنو» الإسلامية.

стр. 1008

الفصل الخامس *سلطنة الكانم والبرنو الإسلامية [٤٧٩ - ١٢٦٢هـ = ١٠٨٦ - ١٨٤٦م]: قامت هذه السلطنة فى «بلاد السودان الأوسط» الذى يتكون من حوض «بحيرة تشاد» وما تقع حواليها من بلدان تمتد من «نهر النيجر» غربًا إلى «دارفور» شرقًا، وكانت منطقة «بحيرة تشاد» مهد سلطنة «الكانم والبرنو». وقد ضمَّت هذه الدولة عددًا كبيرًا من القبائل والعناصر، فهناك قبائل «الصو»، وقبائل «الكانمبو»، وقبائل «الكانورى» وهى خليط من العرب والبربر والزنوج، وهؤلاء يكوِّنون أغلب سكان هذه السلطنة، يضاف إلى ذلك قبائل «التبو» (التدا) من البربر، وكذلك «بربر الطوارق» من سكان المناطق الشمالية الصحراوية، وكذلك قبائل العرب الذين كانوا يُعرَفون هناك باسم (الشوا)، وقد قدموا إلى «تشاد» من «وادى النيل»، ومن القارة عبر الصحراء، وكانوا يتمثَّلون فى قبائل «جذام» و «جهينة» و «أولاد سليمان»، وقد أدَّى اختلاط هؤلاء العرب بالوطنيين إلى ظهور عناصر جديدة، منها: «التنجور» و «البولالا» و «السالمات» وغيرهم. وينقسم تاريخ هذه السلطنة إلى عصرين: عصر سيادة «كانم»، ثم عصر سيادة «برنو»، ويقع إقليم «كانم» - الذى كان مهدًا لقيام هذه الدولة - فى الشمال الشرقى لبحيرة تشاد وبه العاصمة «جيمى»، أما إقليم «برنو» فإنه يقع غرب هذه البحيرة، وبه العاصمة «بيرنى نجازرجامو» التى انتقل الحكم إليها بعد انقضاء عصر سيادة «كانم». وقد قامت هذه الدولة فى القرن التاسع للميلاد على يد أسرة من البربر البيض هى الأسرة «الماغومية السيفية»، التى تزعم أنها من أصل عربى من نسل «سَيْفِ بن ذِى يَزن الحِمْيَرِى»، واستطاعت هذه الأسرة أن تسيطر على حوض «بحيرة تشاد»، وأن تتخذ من مدينة «جيمى» عاصمة لها، وبدأ الإسلام يطرق أبواب هذه الدولة منذ قيامها، وخاصة من الشمال والشرق على يد التجار والمهاجرين الذين توافدوا عليها فى القرنين التاسع والعاشر الميلاديين. وتتحدث

стр. 1009

المصادر عن قيام داعية إسلامى كبير هو الفقيه «محمد بن مانى»، الذى عاش فى القرن الحادى عشر الميلادى، وعاصر خمسة من ملوك «الكانم» الذين كانوا يعرفون باسم «المايات» (جمع ماى، وهو لقب بمعنى: ملك)، أولهم «الماى بولو» الذى كان يحكم نحو (٤١١هـ = ١٠٢٠م) وآخرهم هو «الماى أوم بن عبدالجليل» الذى بدأ حكمه فى عام (٤٧٩هـ = ١٠٨٦م) وهو الذى جعل الدين الإسلامى دينًا رسميا للدولة، وذلك نتيجة لجهود هذا الداعية العظيم الذى أسلم على يديه هؤلاء المايات الخمسة، وقد قام آخرهم وهو «الماى أوم بن عبدالجليل» (٤٧٩ - ٤٩٠هـ = ١٠٨٦ - ١٠٩٧م) بجهد كبير فى نشر الإسلام فى بلاده، ثم اتَّجه إلى الشرق، وذهب إلى بلاد «الحجاز» لأداء فريضة الحج، ولكن المنية وافته بمصر أثناء عودته من أداء هذه الفريضة، فدُفِنَ بها، ومنذ عهد هذا الماى لم يتول حكم دولة «الكانم» أى ملك وثنى، وأصبحت منذ ذلك التاريخ دولة إسلامية. خلف «الماى دونمة بن أوم» والده فى حكم البلاد لفترة طويلة (٤٩١ - ٥٤٦هـ = ١٠٩٧ - ١١٥١م) وبلغت فى عهده دولة «الكانم» درجة كبيرة من القوة والاتساع وطبقت شهرته الآفاق، وحج ثلاث مرات. وفى عهده بُنيت مدرسة «ابن رشيق» فى «فسطاط مصر» بأموال كانمية؛ كى تكون موئلا للحجاج القادمين من «كانم» وبلاد «التكرور». وتابع خلفاؤه العمل على توسيع حدود هذه الدولة حتى صارت إمبراطورية كبيرة، وخاصة فى عهد «الماى دونمه بن سالم بن بكر» (٦١٨ - ٦٥٧هـ = ١٢٢١ - ١٢٥٩م) الذى اشتهر بقوة فرسانه، وكثرتهم حتى قيل إنها بلغت نحوًا من (٤١) ألف فارس، ويُعرف هذا الماى باسم «دونمه دباليمى»، نسبة إلى والدته «دابال»؛ حيث كانت النسبة إلى الأم شيئًا مألوفًا ومشهورًا فى هذه السلطنة بالذات. وقد حارب هذا الماى القبائل المتمردة، مثل قبائل «البولالا» الذين كانوا يعيشون فى حوض بحيرة «فترى الصغيرة» الواقعة إلى الشرق من «بحيرة تشاد»، وأخضعها وأقام علاقات طيبة مع «الدولة

стр. 1010

الحفصية» فى «تونس». واتسعت الإمبراطورية فى عهده حتى وصلت شرقًا إلى مشارف «وادى النيل»، وغربًا قرب نهر «النيجر»، مما يعنى أن بلاد «الهوسا» التى تشكِّل الآن «نيجيريا الشمالية» كانت تحت سيادته وسلطانه، كما امتدت حدود بلاده شمالا حتى وصلت قرب «فزان» الليبية واقتربت مساحتها من مساحة إمبراطورية «صنغى» الإسلامية التى سبق الحديث عنها، ولكن هذه الإمبراطورية الكبيرة لم تلبث أن دبَّ إليها الوهن نتيجة لعوامل كثيرة، منها الانقسامات التى ظهرت بين أبناء الأسرة الحاكمة، وظهور خطر قبائل «الصو»، التى كانت تسكن فى إقليم «بورنو» وقيامها بمهاجمة عاصمة الدولة؛ وتمكنها من قتل أربعة من المايات. كذلك اشتد خطر البولالا الذين ازدادوا ضراوة بعد أن تمكَّنوا من إقامة سلطنة صغيرة لهم فى حوض «بحيرة فترى» واتخذوها مركزًا لمناوأة أبناء عمومتهم من مايات «الكانم والبرنو». وقد استطاعت سلطنة «البولالا» التى ظهرت قوتها فى عهد سلطانها «عبدالجليل بن سيكوما» أن تشن حربًا شرسة ضد الأسرة «السيفية الماغومية» الحاكمة فى «كانم»، وتمكن «عبدالجليل» هذا من أن يقتل أربعة من المايات من هذه الأسرة. وقد انتهى أمر الصراع بين الفريقين إلى طرد الأسرة «السيفية» الحاكمة فى «كانم» إلى إقليم «بورنو» الذى يقع غرب «بحيرة تشاد»، وذلك فى عهد «الماى عمر بن إدريس» (٧٨٨ - ٧٩٣هـ = ١٣٨٦ - ١٣٩١م) الذى استأنف حكمه من إقليم «برنو» فيما يعرف بعصر سيادة «برنو»، هذا العصر الذى امتد حتى نهاية الدولة فى عام (١٢٦٢هـ = ١٨٤٦م)، وقد ترك طرد الماغوميين السيفيين إلى «برنو» فراغًا سياسيا فى «كانم»، ملأه «البولالا» الذين أقاموا سلطنة كبيرة ضمت هذا الإقليم بالإضافة إلى إقليم «بحيرة فترى» والمناطق المحيطة بها فى حوض «بحيرة تشاد». ورغم ذلك فقد استمر الصراع بين «البولالا» وبين الماغوميين فى مقرِّهم الجديد الذى جعلوه مركزًا

стр. 1011

لدولتهم، وبنوا فيه مدينة تسمى «بيرنى نجازرجامو» واتخذوها عاصمة لهم. ولما تطلعوا إلى إعادة نفوذهم فى «كانم»؛ وقعت حروب كثيرة بينهم وبين سلاطين «البولالا»، وتبادل الفريقان النصر والهزيمة، وخاصة فى عهد «الماى إدريس بن عائشة» (٩٠٨ - ٩٣٢هـ = ١٥٠٢ - ١٥٢٦م) الذى أنزل بالبولالا هزيمة ساحقة، واستولى على العاصمة «جيمى» وأقام فيها فترة ثم عاد إلى عاصمته «بيرنى». وتابع ابنه «الماى على بن إدريس» (٩٥٢ - ٩٥٣هـ = ١٥٤٥ - ١٥٤٦م) محاربة «البولالا» حتى لُقِّب بحارق «البولالا»، ولم يلبث أن لَقِىَ حتفه فى إحدى المعارك معهم. ولم يقضِ على خطرهم إلا «الماى إدريس ألوما» (٩٧٨ - ١٠١١هـ = ١٥٧٠ - ١٦٠٢م) الذى أقام معهم علاقة طيبة نتيجة ارتباط البيت البولالى بالأسرة السيفية برباط المصاهرة، مما سهل على هذا الماى أن يقضى على خطر «البولالا» وأن يعيد نفوذ أسرته إلى إقليم «كانم»، ووصلت الإمبراطورية فى عهده إلى أقصى اتساعها وقوتها وازدهارها. وكما تكالبت عوامل الضعف الداخلية والخارجية على إمبراطوريتى «مالى» و «صنغى» حتى سقطتا، فقد تعرَّضت إمبراطورية «البرنو» للظروف نفسها وشهدت النتيجة نفسها ذلك أن الماى «إدريس ألوما» الذى بلغت الإمبراطورية فى عهده قمتها وازدهارها خلفه حكام ضعاف لم يكونوا فى مثل قوته وحزمه، بلغوا خمسة عشر سلطانًا على مدى قرنين ونصف قرن من الزمان، حدث فى أثنائها كثير من الوقائع التى أدَّت إلى القضاء على الإمبراطورية، فبالإضافة إلى ضعف هؤلاء المايات أو السلاطين أصيبت البلاد بموجة من المجاعات المتلاحقة وصلت إلى خمس مجاعات، استمرت إحداها أربع سنوات، وأخرى سبع سنوات، ويدل تكرار حدوث هذه المجاعات على التدهور السريع والضعف العام الذى أصاب البلاد نتيجة إهمال الزراعة وكثرة الفتن والاضطرابات، فضلا عن ظهور أخطار جديدة تمثلت فى ظهور قبائل وثنية فى منطقة «جومبى» تُسمى قبائل «كوارارافا»

стр. 1012

اشتهرت بالقوة والشجاعة، وتمكنت من اجتياح الأقاليم الغربية فى «برنو»، كما حدثت حروب بين «برنو» وجيرانها من إمارات «الهوسا» وخاصة إمارة «كانو» فى النصف الأول من القرن الثامن عشر الميلادى، غير أن أخطر ما تعرضت له إمبراطورية «البرنو» هو خطر «الفولانيين» وهم قبائل بيضاء انحدرت من الشمال وأقامت فى غربى القارة، ثم انحدرت إلى الشرق واستقرَّت فى إمارات «الهوسا» التى تتكون منها «نيجيريا» الشمالية الآن، وقامت على يد زعيمها الشيخ «عثمان بن فودى» بحركة ضخمة لنشر الإسلام بين من كان على الوثنية فى هذه الإمارات، وتمكنت من ضم هذه الإمارات فى دولة واحدة تحت زعامة هذا الداعية الكبير، الذى أعلن قيام دولة «الفولانى» فى بداية القرن التاسع عشر الميلادى هذا فى الوقت الذى كانت إمبراطورية «البرنو» تزداد ضعفًا على ضعف وتلقى سلطانها «الماى أحمد بن على» (١٢٠٦ - ١٢٢٣هـ = ١٧٩١ - ١٨٠٨م) أكثر من هزيمة على يد الفولانيين فى عهد الشيخ «عثمان بن فودى» حتى اضطر هذا الماى إلى استدعاء أحد الكانميين والعلماء البارزين ويدعى الشيخ «محمد الأمين الكانمى» لمساعدته فى محنته ضد هذا الغزو الفولانى، واستجاب هذا الزعيم لهذا الطلب وتبادل عدة رسائل مع الشيخ «عثمان بن فودى»، كل منهما يحاجج الآخر عبرمناقشات فقهية يبرر كل منهما سياسته، ولكن هذه الرسائل لم تؤدِّ إلى إزالة حالة الحرب القائمة بين الفريقين، وأخيرًا نجح الفولانيون فى الاستيلاء على عاصمة «برنو» فاضطر الماى إلى الهرب منها ولجأ إلى الشيخ محمد الأمين الذى أصبحت له السيطرة الكاملة على المايات الذين صاروا حكامًا بالاسم فقط. استمر الشيخ «محمد الأمين» يحكم ما بقى من إمبراطورية «البرنو» و «الكانم» وأجرى مفاوضات مع سلطان الفولانيين «محمد بلو» الذى خلف أباه الشيخ «عثمان بن فودى» فى زعامة الفولانيين، واتخذ مدينة «سوكوتو» عاصمة له، وأرسل له الشيخ الكانمى رسائل

стр. 1013

أوضح له فيها أنهم أهل دين واحد هو الإسلام، وأنه لا ينبغى أن يحارب بعضهم بعضًا وأن كلا منهما يجب أن يحترم حدود الآخر، فهدأت الأحوال بين الدولتين حتى تُوفِّى الشيخ «محمد الأمين الكانمى» فى عام (١٢٥١هـ = ١٨٣٥م) وخلفه ابنه الشيخ «عمر». وفى عهد هذا الشيخ حاول «الماى إبراهيم بن أحمد» (١٢٣٢ - ١٢٦٢هـ = ١٨١٧ - ١٨٤٦م) أن يسترد سلطاته التى سلبها منه الشيخ «محمد الأمين» ثم ابنه «عمر»، واستعان فى ذلك بأمير دويلة صغيرة تقع بين «كانم» و «دارفور» تُسمَّى «واداى» وتآمر معه لغزو «برنو». ونفذ أمير «واداى» الخطة المتفق عليها وأباد جيش «برنو» فى (١٢٦٢هـ = ١٨٤٦م) منتهزًا فرصة غياب الشيخ «عمر» عن العاصمة؛ لحرب كانت واقعة بينه وبين أحد جيرانه الآخرين، ولما علم هذا الشيخ بنبأ هذا الغزو وهذه المؤامرة عاد إلى «برنو»، وأخرج الغزاة منها نظير مبلغ كبير من المال دفعه لهم، وقبض على الماى «إبراهيم» ومستشاريه وأعدمهم جميعًا، ثم تخلَّص من الماى «على بن دالاتو» عام (١٢٦٢هـ = ١٨٤٦م) الذى لم يحكم سوى أربعين يومًا وكان مفروضًا عليه كشرط لرحيل جيش أمير «واداى» عن «برنو». وبمقتل «على بن دالاتو» انتهى حكم الأسرة «السيفية الماغومية» التى ظلت تحكم هذه البلاد أكثر من ألف عام، وأصبحت «برنو» تحت حكم الأسرة الكانمية فِعليا ورسميا منذ ذلك التاريخ وحتى وقوعها فى قبضة الاستعمار الفرنسى فى عام (١٣١٨هـ = ١٩٠٠م)، وقد أعيد تقسيم أملاك إمبراطورية «برنو» بين «إنجلترا» و «فرنسا» و «ألمانيا» بعد القضاء على مقاومة أحد المجاهدين ضد الاستعمار الأوربى وهو «رابح الزبير». فأخذت «فرنسا» إقليم «كانم»، وأخذت «إنجلترا» إقليم «برنو»، وظفرت «ألمانيا» بالمناطق الجنوبية لبرنو، وهكذا تلاشت إمبراطورية «برنو» التاريخية على يد الغزاة الأوربيين فى بداية القرن العشرين الميلادى، وظل الأمر على هذا النحو حتى

стр. 1014

قامت حركة الكفاح الوطنى فى هذه المنطقة ضد المستعمر الأوربى، وتكللت جهودها بالنجاح وظفرت بالاستقلال، وقامت على أنقاض إمبراطورية «الكانم والبرنو» عدة دول حديثة، هى جمهورية «تشاد» التى استقلَّت عن «فرنسا» فى عام (١٣٨٠ هـ = ١٩٦٠م)، وهى دولة إسلامية يدين (٨٥%) من سكانها بالإسلام، ويتكلمون اللغة العربية بجانب اللغات المحلية واللغة الفرنسية هى اللغة الرسمية، وجمهورية «إفريقيا الوسطى» التى استقلَّت عن «فرنسا» فى العام نفسه أيضًا، وتضم هذه الدولة الأطراف الجنوبية من إمبراطورية «البرنو» التاريخية، ولذلك فإن نسبة المسلمين فيها قليلة. وجمهورية «النيجر» التى استقلَّت عن الفرنسيين فى العام نفسه، وضمت أغلب الأجزاء الشمالية الغربية من إمبراطورية «البرنو» ولذلك فإن (٩٥%) من سكانها مسلمون يتكلمون اللغة العربية بجانب اللغات المحلية، واللغة الفرنسية هى اللغة الرسمية، و «نيجيريا» التى استقلَّت عن «إنجلترا» فى عام (١٣٨١هـ = ١٩٦١م) وضمت إقليم «برنو» الذى يقع غرب «بحيرة تشاد»، كما ضمت جميع بلاد «الهوسا»، وأكثر من (٧٠%) من سكانها مسلمون يتكلم الكثير منهم اللغة العربية ولغة الهوسا بجانب اللغة الإنجليزية، وهى اللغة الرسمية، كذلك ضمت «جمهورية الكمرون» التى استقلَّت عن «فرنسا» فى عام (١٣٨٠هـ = ١٩٦٠م) وتضم بعض الأجزاء الجنوبية والجنوبية الشرقية من «برنو»، وكذلك فإن هذه الدولة دولة إسلامية؛ إذ إن أكثر من (٥٥%) من سكانها مسلمون، واللغة الفرنسية هى السائدة بجانب اللغة العربية واللهجات المحلية. وإذا كنا قد تحدثنا عن التاريخ السياسى لسلطنة «الكانم والبرنو» منذ أن أصبحت دولة إسلامية فى عام (٤٧٩هـ= ٦٨٠١م) وحتى نهايتها على يد الاستعمار الفرنسى، فإن الواجب يحتم علينا أن نتحدث باختصار عن الطابع الإسلامى ومظاهر الحياة الإسلامية فى هذه السلطنة الكبيرة. وفى هذا الصدد نستطيع القول بأن سلطنة «الكانم والبرنو» قد قامت

стр. 1015

بالدور نفسه الذى قامت به سلطنتا «مالى» و «صنغى»؛ فقد اتصلت بالقوى المعاصرة لتأكيد روح الأخوة الإسلامية وللإفادة من خبراتها الثقافية والعلمية والإدارية والحضارية فقد اتَّصلت بمصر أثناء ذهاب أهلها وسلاطينها لتأدية فريضة الحج، وقد سبقت الإشارة إلى قيام أول سلطان فى «كانم» وهو «أوم بن عبدالجليل» بأداء هذه الفريضة، وإلى وفاته فى «مصر» عام (٤٩٠هـ = ١٠٩٧م) عند عودته إلى بلاده، وقام ابنه «دونمة» بأداء هذه الفريضة ثلاث مرات مرَّ خلالها بمصر وفى حجته الثالثة غرق فى مياه «البحر الأحمر» عند مدينة «عيذاب» فى عام (٥٤٦هـ = ١١٥١م) وواصل مايات «الكانم والبرنو» أداء هذه الفريضة. ومن مظاهر الاتصال بالدول الإسلامية الرسائل المتبادلة بين سلاطين «مصر» و «البرنو»، من ذلك رسالة أوردها «ابن فضل الله العُمَرِى» و «القَلْقَشَنْدِى» وأشارت إلى استغاثة سلطان «البرنو» بسلطان «مصر» «الظاهر برقوق» فى عام (٧٩٥هـ = ١٣٩٣م) لمساعدته فى القضاء على تمرد القبائل العربية التى ساعدت خصومه السياسيين من «البولالا». كذلك كانت هناك علاقات ثقافية وتجارية بين «مصر» وسلطنة «الكانم والبرنو» من ذلك ما ترويه لنا المصادر من أن «الأزهر» كان به رواقٌ خُصِّص للطلاب القادمين من هذه السلطنة يُسمَّى «رواق البرنوية» كما سمحت «مصر» للكانميين بإنشاء مدرسة تُسمَّى مدرسة «ابن رشيق» فى مدينة «الفسطاط» بمصر لتدريس الفقه المالكى؛ ولكى تكون مقرا ينزل به حجاج «البرنو». أما العلاقات التجارية فقد ازدادت بين «مصر» وبلاد «الكانم والبرنو»، ومما يدل على ذلك أن طائفة من أهل «كانم» اشتهرت باسم «التجار الكارمية» رحلوا إلى «مصر» وأقاموا فيها واشتركوا بنصيب موفور فى تجارتها الخارجية وخاصة فى تصريف المحاصيل السودانية، وتجارة البهار القادمة من «اليمن» و «الهند» و «الصين»، واتخذت من مدينة «قوص» بصعيد «مصر» مركزًا لها.

стр. 1016

وكان لهؤلاء التجار الذين عُرِفوا بالتقوى والورع فضل كبير فى نشر الإسلام وخاصة فى بلاد الحبشة. كذلك كان لسلطنة «الكانم والبرنو» علاقات تجارية وثقافية مع شمال إفريقيا وخاصة «تونس» فقد اتصل سلاطين «الكانم» بحكامها من «بنى حفص» وتبادلوا الرسائل والهدايا، من ذلك سفارة أرسلها الماى «عبدالله بن كادى» إلى السلطان الحفصى «أبى يحيى المتوكل» فى عام (٧٢٧هـ = ١٣٠٧م)، كذلك تبودلت الرسائل والسفارات مع «طرابلس» فى عام (٩٠٨هـ = ١٥٠٢م) وسفارة بعث بها أيضًا فى عام (٩٤١هـ = ١٥٣٤م) وأخرى فى زمن الماى «إدريس ألوما» المتوفَّى عام (١٠١١هـ = ١٦٠٢م) كذلك نشطت العلاقات التجارية بين «برنو» وهذه البلدان. ويمثل الجهاد قمة إيمان السلطنة بالإسلام، فقد اتخذه سلاطينها طريقًا لرد العدوان والتعريف بالإسلام بين الوثنيين الذين كانوا يقومون بالاعتداء على هذه الدولة الإسلامية، وخاصة الوثنيين المقيمين فى الجنوب، فقد حاربهم السلاطين ودخل كثير منهم فى الإسلام، بالإضافة إلى اتِّباع أسلوب الإقناع الذى اتبعه بعض السلاطين وخاصة السلطان «إدريس ألوما»، الذى اشتهر ببناء المساجد الضخمة من الحجارة، وطبق الشريعة الإسلامية خاصة فى معاملة الأسرى، ونظم الجهاد بما يتمشى مع تعاليم الإسلام، فازداد الدخول فى هذا الدين وانتشر فى منطقة «بحيرة تشاد» كلها. كذلك فقد شجع سلاطين «الكانم والبرنو» انتشار الثقافة العربية الإسلامية، فأكثروا من بناء المساجد والكتاتيب، وكانت اللغة العربية هى لغة التعليم ولغة الحكومة الرسمية، فضلا عن كونها لغة المعاملات التجارية ولغة المراسلات الدولية، كما كان الحال فى جميع الدول الإسلامية التى قامت فى بلاد «السودان الغربى»، وظلت الحال على هذا النحو حتى عصر الاستعمار الأوربى الذى قضى على اللغة العربية ولم يعد لها إلا وجود محدود بين قليل من الأهالى، ووجود كبير فى المدارس الدينية الإسلامية.

стр. 1017

وفى ظل تشجيع سلاطين «الكانم والبرنو» للثقافة الإسلامية ارتقى العلماء والفقهاء منزلة رفيعة، وحرص السلاطين على رعايتهم والإغداق عليهم، وإصدار المحارم (أى الفرمانات) التى كانوا يمنحونهم بمقتضاها كثيرًا من الامتيازات المادية والإقطاعات، ويحرِّمون على أى شخص مهما بلغت منزلته وقدره أن يسلبهم شيئًا منها. ولذلك ظهر فى هذه السلطنة كثير من العلماء والفقهاء، منهم الفقيه «محمد بن مانى» الذى سبق الحديث عنه، والإمام «أحمد بن فرتو» الذى كان معاصرًا للماى «إدريس ألوما»، والذى تعد كتاباته المرجع الرئيسى لتاريخ «برنو»، والعالم الكبير «عمر بن عثمان بن إبراهيم»، والعالم «عبداللاه ديلى بن بكر»، وغيرهم من العلماء الذين صدرت لهم محارم (فرمانات) تشجيعًا لهم على التفرُّغ للعلم والبحث والتدريس؛ مما أدَّى إلى انتشار العلوم الإسلامية بين أهالى هذه البلاد.

стр. 1018

الفصل السادس *إمارات الهوسا الإسلامية فى شمالى نيجيريا تشمل بلاد «الهوسا» ما يعرف الآن بنيجيريا الشمالية، وجزءًا من جمهورية «النيجر»، وكانت تقع فى العصور الوسطى فى المنطقة المحصورة بين سلطنتى «مالى» و «صنغى» غربًا، وسلطنة «البرنو» شرقًا، تحدُّها من الشمال بلاد «أهير» والصحراء الكبرى، ومن الجنوب ما يعرف الآن بنيجيريا الجنوبية. و «الهوسا» (أو الحوصا) مصطلح يطلق على الذين يتكلمون بلغة «الهوسا»، ولذلك فليس هناك جنس يمكن أن يتسمى بهذا الاسم؛ إذ إن الهوسويين لاينحدرون من دم واحد، بل جاء أغلبهم نتيجة امتزاج حدث بين جماعات قَبَلِيَّة وعِرْقِية كثيرة، أهمها: السودانيون. أهل البلاد الأصليون، والطوارق من البربر، والفولانيون وغيرهم. ونتج عن هذا الامتزاج هذا الشعب الذى أصبح يتكلم لغة واحدة، هى لغة «الهوسا» التى انتشرت انتشارًا كبيرًا فى إفريقيا الغربية، حتى أصبحت لغة الناس والمعاملات المالية والتجارية. وعلى الرغم من أن المتكلمين بلغة «الهوسا» فى هذا الجزء من القارة الذى يعرف الآن بنيجيريا كانوا يعيشون متجاورين، ويتكلمون لغة واحدة، ويدين معظمهم بالإسلام، فإنهم لم يعيشوا تحت حكم دولة واحدة، بل كَوَّنُوا سبع إمارات صغيرة، تُعرف باسم إمارات أو ممالك «الهوسا»، وهى: «كانو»، و «كاتسينا»، و «زاريا»، و «جوبير»، و «دورا»، و «رانو»، و «زمفرة». ويرى بعض الباحثين أن «دورا» هى أقدم هذه الإمارات، وأن دماء أهلها وافدة من «مصر العليا» و «الحبشة» وبلاد العرب، و «كاتسينا» التى كانت تتوسط هذه الإمارات، و «زاريا» أوسعها أرضًا، و «كانو» أغناها، و «جوبير» أجدبها، وتقع فى شماليِّها. وعلى ذلك فقد كانت كل إمارة من هذه الإمارات مستقلة عن الأخرى، وكانت الحروب تندلع فيما بينها فى فترات كثيرة؛ نتيجة لأطماع حكامها فى فرض سيطرتهم، كل على الآخر؛ أو نتيجة لتحالف أحدهم مع القوى الكبيرة المجاورة لبلاد «الهوسا» وهى:

стр. 1019

دولة «البرنو» الإسلامية من الشرق، ودولة «مالى» ثم دولة «صنغى» الإسلامية من الغرب. وقد اشتهر الهوسويون بالمهارة فى الزراعة والصناعة والتجارة، وقد استغلوا موقع بلادهم المتوسط بين «السودان الغربى» و «السودان الشرقى» فى الاشتغال بالتجارة، ولذلك مهروا فى هذه الحرفة، وكانوا من أكثر التجار مغامرة، وكانت قوافلهم تخترق الصحراء الكبرى ثلاثة أشهر من كل عام؛ لتزوِّد «طرابلس»، و «تونس» وغيرهما من بلدان شمال إفريقيا بمنتجات بلاد «السودان» من ذهب وعاج ورقيق. كما اخترقت قوافلهم مناطق الغابات فى الجنوب؛ حيث وصل نشاطهم التجارى إلى «نوب»، واتجهوا شرقًا إلى «برنو»؛ حيث فتحوا طريقًا للتجارة عام (٨٥٦هـ= ١٤٥٢م)، وتوغَّلوا فى الجنوب حتى حوض «فولتا» الأوسط. وقد أصبحت طرق التجارة الخارجية، وخاصة التى تخرج من بلاد «الهوسا»، متجهة شمالا إلى «أهير» وتتصل عندها بالطرق الرئيسية المتجهة إلى «غات» و «غدامس» و «فزَّان» و «تكدا» و «برنو» مفتوحة ومستعملة بطريقة كافية ومنظمة، وأصبحت مألوفة جدا للمسافرين والتجار؛ مما شجَّع العلماء والباحثين على زيارة بلاد «الهوسا» بكل سهولة وارتياح، كما شجَّع التجار المغامرين على ارتيادها. وقد أدَّى هذا كله إلى انتشار الإسلام، ونموِّ الحركة الفكرية، وازدياد تأثير الثقافة العربية الإسلامية، وسيطرة تجار «الهوسا» على النشاط التجارى فى جميع أنحاء «السودان الأوسط»، وتضخمت جالياتهم فى كل المراكز التجارية المهمة، وأصبحت لغتهم لغة التخاطب العامة فى الأسواق والمعاملات المالية والتجارية، وازدادت سيطرتهم على التجارة فى بلاد «السودان» بعد انهيار سلطنة «صنغى» الإسلامية أمام الغزو «المرَّاكُشى» سنة (١٠٠٠هـ = ١٥٩١م)، مما أدَّى إلى تحول المجرَى الرئيسى للحركة التجارية إلى بلاد «الهوسا»، وقفزت «كانو» و «كاتسينا» بصفة خاصة إلى مكان الصدارة والشهرة باعتبارهما مركزين مهمين من مراكز التجارة

стр. 1020

والحضارة فى ذلك الحين، وبخاصة بعد أن أصبحتا من أهم مراكز الإسلام فى تلك المنطقة من بلاد «الهوسا». وقد انتشر الإسلام فى إمارات «الهوسا» السبع فى فترة مبكرة إذ دخل الإسلام فى إمارة «كانو» فى أواخر القرن الثانى عشر الميلادى، وفى باقى الإمارات فى أوائل القرن الرابع عشر الميلادى، وكان لاعتناق حكام إمارات «الهوسا» الإسلام، بالإضافة إلى ما اتَّسمُوا به من العدالة وحب الرعية أثر كبير فى انتشار الإسلام بين الناس، فازداد تمسكهم به وازداد تفانيهم وإخلاصهم له. وبعد انتشار الإسلام فى هذه الإمارات، كثر وفود العلماء إليها للدعوة ونشر الإسلام وتصحيح العقيدة بين أهلها، فقاموا بإنشاء عدد كبير من المساجد كمراكز لنشر الدعوة الإسلامية فى هذه الإمارات وما حولها من المناطق الأخرى، ونجحوا فى القضاء على الوثنية التى كانت منتشرة بين السكان قبل دخولهم فى الإسلام. وقد وجد هؤلاء العلماء فى هذه الإمارات الأمن والطمأنينة، مما دفعهم إلى إحضار مؤلفاتهم، وبخاصة فى علوم اللغة والأدب والتوحيد، ورحَّب بهم حكام هذه الإمارات، فازدهرت الثقافة واتسعت مجالاتها بجهود هؤلاء العلماء، كما ازداد عدد الرجال المتعلمين؛ حيث كان العلماء يعلِّمون الناس الآداب والثقافة الإسلامية باللغة والحروف العربية. ومن العلماء الذين يرجع إليهم الفضل فى نشر الإسلام والثقافة الإسلامية فى هذه الإمارات الشيخ «عبدالرحمن زيد» الذى مارس نشاطه فى الدعوة فى إمارة «كانو»، والشيخ «محمد بن عبدالكريم المغيلى» فقيه «توات» الشهير الذى رحل إلى «كانو» و «كاتسينا»، ونشر فيهما عقيدة الإسلام الصحيحة، والشيخ «عبده سلام» الذى أحضر معه كتب «المدوَّنة» و «الجامع الصغير» والشيخ القاضى «محمد بن أحمد بن أبى محمد التاذختى» المعروف باسم «أيد أحمد» بمعنى «ابن أحمد» الذى وَلِىَ قضاء «كاتسينا» وتُوفِّى نحو سنة (٩٣٦هـ = ١٥٢٩م)، وغيرهم.
следующие страницы →