Полный текст (3 483 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
وظهر الأمراء الأئمة منذ القرن الخامس عشر الميلادى، وكان هؤلاء
السلاطين يأتمرون بأمر الفقهاء ويتلقون منهم التوجيه والإرشاد.
وكان انتشار الإسلام يسير فى ركاب حركات الجهاد التى قام بها
السلاطين فى «أوفات» و «عدل» و «هرر». وليس ثمة شك فى أن
انتشار الإسلام كان مصحوبًا بنشاط تعليمى واضح؛ إذ كلما انتشر
الإسلام فى مكان خف إليه الفقهاء والمعلمون وأقاموا المدارس
والكتاتيب، وقد لاحظ المستشرق «توماس أرنولد» أثناء تنقله فى
بلاد الحبشة أن الوظائف التى تتطلب خبرة خاصة ومستوى ثقافيا
معينًا كان لا يشغلها إلا المسلمون، ويعلل ذلك بأن المسلمين كانوا
يعلمون أبناءهم القراءة والكتابة فى الوقت الذى كان فيه أبناء
المسيحيين لايتعلمون إلا إذا أرادوا الانتظام فى سلك الكهنوت.
وربما كانت الحياة الثقافية فى السلطنات الإسلامية التى انتشرت من
«مقديشيو» صوب الجنوب أكثر ازدهارًا منها فى مدن الشمال، فقد
عاشت هذه المدن عيشة رخاء وطمأنينة منذ نشأتها الأولى حتى
بداية الاحتلال البرتغالى فى أواخر القرن الخامس عشر الميلادى، ولم
تشهد ما شهدته مدن الشمال من جهاد لأجل البقاء، ولذلك كان أمامها
من الوقت ما تعطيه لرعاية الفنون والآداب وأنواع الثقافة الإسلامية
المختلفة.
وقد حمل إليها العرب والفرس حبهم للأدب والشعر، ويبدو أن فترة
الاحتلال البرتغالى وما أعقبها من تحرر وانطلاق أنتجت نهضة أدبية
وصلت غايتها فى القرن الثامن عشر الميلادى، وامتدت إلى الأدب
الشعبى السواحيلى، فظهر فى هذا الميدان شاعر من أهل الجنوب
اسمه «موياس بن الحاج الغسانى» بلغ إنتاجه درجة عالية من التفوق.
كما أنتجت ثقافة دينية عميقة تمثلت فى مؤلفات السيد «عبدالله بن
على» فى كتابه المسمى «الانكشاف» وكان يدرس فى المدن
الجنوبية كلها فى الأربطة والزوايا وغيرها.
وأيضًا فى الهمزية التى ألفها السيد «عيد اروس بن الشيخ على» من
стр. 1087
أهل «لامو» والتى اشتملت على نزعة دينية عميقة.
وكان تأثر تلك البلاد بالتقاليد والحياة الإسلامية واضحًا فى انتشار
الطرق الصوفية، وقد تم تبسيط هذه الطرق لتلائم عقلية البدائيين من
أهل تلك البلاد.
ويبدو أن الطرق الصوفية لم يكن لها وجود كبير فى القرن الثامن
الهجرى الرابع عشر الميلادى فى الوقت الذى زار فيه «ابن فضل الله
العمرى» هذه البلاد، فهو يتحدث عن المدارس والخوانق والروابط
والزوايا ولايشير إلى الصوفية إلا كأفراد.
والقادرية هى أولى الطرق الصوفية التى دخلت بلاد الحبشة على
أيدى المهاجرين من اليمنيين والحضارمة، وقد انتشرت الفرق
الصوفية فى «مصوع» و «زيلع» و «مقديشيو» وفى المراكز الإسلامية
على الساحل الشرقى جنوب «مقديشيو»، وفى الجزر الإفريقية
المواجهة له.
وقد ذاعت بين مسلمى الحبشة والصومال عادة تقديس الأولياء
وانتشرت أضرحتهم فى طول البلاد وعرضها، وأغلبهم من الغرباء
الذين وفدوا على البلاد وادعوا انتسابهم إلى بنى هاشم، وقد ظهر
فضلهم وتقواهم وتقشفهم وعلمهم، فتأثر بذلك المسلمون الذين نالوا
حظًا محدودًا من التعليم ولاسيما فى المدن والقرى. وكان هؤلاء
الشيوخ يؤمون الناس فى الصلاة ويعلمونهم القرآن والحديث، فإذا
ماتوا أصبحت أضرحتهم مركزًا للتعليم يفد إليها الناس، ومن أشهر
هؤلاء الأولياء «الشيخ سعد الدين» فى «زيلع»، والشيخ «عمر
السكرى»، و «الأمير نور بن المجاهد» فى «هرر».
وعلى ذلك فقد قامت سلطنات وإمارات إسلامية فى بلاد الحبشة
والصومال وجنوبًا على طول الساحل الشرقى حتى نهر «زمبيزى»
فى «موزمبيق»، وفى الجزر الإفريقية المواجهة له. وكان نصيب هذه
الإمارات هو الدخول فى صراع الحياة والموت أمام خطر الأحباش
بالنسبة إلى السلطنات الشمالية وطوال أربعة قرون من الثانى عشر
إلى السادس عشر، ذلك الصراع الذى انتهى بإخضاع معظم هذه
الإمارات سياسيا للأحباش حتى تم تحرير معظمها فى النصف الثانى
стр. 1088
من القرن العشرين، ثم مواجهة خطر البرتغاليين بالنسبة إلى سلطنات
الجنوب بدءًا من القرن السادس عشر وطوال القرن السابع عشر،
حتى تم تحرير تلك المناطق من البرتغاليين على يد العرب العُمانيين.
وإذا كان الإسلام قد انتشر فى إفريقيا جنوب الصحراء على هذا
النحو الذى تحدثنا عنه، فقد أصبحت القارة الإفريقية هى القارة
المسلمة الوحيدة فى العالم كله؛ حيث إن أغلبية سكانها بما لا يقل
عن (٦٥%) مسلمون، وأصبح الإسلام هو مستقبلها، فما هو الأثر الذى
تركه منذ انتشاره فى هذه القارة؟
أثر الإسلام فى إفريقيا جنوب الصحراء:
قبل أن نتحدث عن أثر الإسلام فى حياة الأفارقة جنوب الصحراء نود
أن نقدم لهذا الحديث بشهادة وردت على لسان أحد الأوربيين
المنصفين ويسمى «ميك» فى كتابه فقال: «إن الإسلام لم يترك أثرًا
عميقًا فى التركيب الجنسى لهذه الشعوب فحسب، بل إنه جاء
بحضارة أتاحت للشعوب الزنجية طابعًا حضاريا لايزال واضحًا حتى
اليوم مؤثِّرًا فى نظمهم السياسية والاجتماعية، ذلك أن الإسلام حمل
الحضارة إلى القبائل المتبربرة، وجعل من المجموعات الوثنية
المنعزلة المتفرقة شعوبًا، وجعل تجارتها مع العالم الخارجى
ميسورة. فقد وسع من الأفق ورفع من مستوى الحياة بخَلْق مستوى
اجتماعى أرقى، وخلع على أتباعه الكرامة والعزة واحترام الذات
واحترام الآخرين .. لقد أدخل الإسلام فن القراءة والكتابة، وحرم
الخمر، وأكل لحوم البشر، والأخذ بالثأر، وغير ذلك من العادات
الوحشية، وأتاح للزنجى السودانى الفرصة لأن يصبح مواطنًا حرا فى
عالم حر».
وشهادة ثانية يتحدث فيها صاحبها «جرانفيل» (الكونغولى) فى
العصر الحديث عن شىء من أثر العروبة والإسلام فى عمق القارة
فيقول: «لقد زوَّر البلجيك فى الكونغو، فليست مدينة ستانلى فيل
سوى مدينة تيبوتيب وهو الزعيم حميد بن محمد المرجبى العُمانى
العربى الذى أقام هذه المدينة قبل قدوم الرحالة ستانلى، وليس
стр. 1089
العرب كما قالوا لنا تجار رقيق، وإنما هم تلك الموجة الإنسانية التى
اختلطت بنا وصاهرتنا وتركوا لنا لغة متولدة من لغتهم - يقصد اللغة
السواحيلية - ودينًا، وحضارة، وسماحة تسرى بين كل الناس، كما
تركوا على أرضنا دماءهم والبلجيك يحصدونهم بالأسلحة الحديثة،
وليس أعز علينا شىء من هذا الدم العربى الذى سال فى الماضى
كما سال ويسيل دمنا الآن فى بلادنا على أيدى أعداء العرب
أنفسهم فى القرن الماضى».
ونشير الآن فى إيجاز شديد إلى أثر الإسلام وحضارته فى شتى
ميادين الحياة فى إفريقيا جنوب الصحراء:
الدين والعقيدة:
وفى هذا المجال نستطيع القول إن الإسلام قضى على العقائد
الوثنية وحلت الوحدانية محل عبادة الأرواح والأسلاف ومظاهر
الطبيعة، فاستبدل الناس الإسلام بهذا الشتات والفرقة الدينية الوثنية
ذات الطبيعة الخرافية والوهمية، وتم القضاء على تحكم أرواح
الأسلاف والأجداد - كما كانوا يعتقدون - فى حياة الأحياء؛ إذ كانت
أرواح هؤلاء الأسلاف من الموتى هم الرؤساء الفعليون للأسرة
وللقبيلة كلها، وهم القوامون والمراقبون لسلوك الأحياء، ولهم عليهم
حق الثواب والعقاب، ولابد من استشارتهم فى كل أمر من أمور
الحياة ومشاكلها. كما قضى الإسلام على الاحتفالات الدينية المهيبة
التى كانت تقام لآلهتهم ولأسلافهم، والتى كانوا يشربون فيها
الخمور ويقدمون فى أحيان كثيرة القرابين البشرية كى ترضى عنهم
الآلهة وأرواح الأسلاف، حررهم الإسلام من كل ذلك ومن أعمال
السحر والكهانة المرتبطة بهذه العقائد الوثنية، وحل الفقيه أو الداعية
المسلم محل الكاهن أو الساحر، وحل المسجد فى القرية الإفريقية
محل دار عبادة الأوثان ذات المنظر البشع، وحلت حلقات الذكر التى
كان الصوفية يعقدونها محل حفلات الرقص الماجنة، وبذلك تحرر
الأفارقة سودانًا كانوا أم زنوجًا من هذا التخلف العقيدى والفكرى
وتم جمعهم على عبادة واحدة وإله واحد وشريعة واحدة ذات نظم
стр. 1090
واضحة تنظم حياة الفرد والمجتمع.
الحياة الاجتماعية:
وفى هذا الصدد نستطيع القول إن الإسلام خلَّصهم من عادات سيئة
كثيرة مثل العُرْى وأكْل لحوم البشر ودفن الجوارى والخدم والزوجات
مع الملك المتوفى، ووأد الأطفال أحياءً، وكان هؤلاء الأطفال
يوءدون لا لشىء إلا لأنهم وُلدوا مشوهين، أو وُلدوا وبهم مس من
الشيطان كما كان يعتقد آباؤهم، أو لأن أسنانهم العليا ظهرت أولا،
وهو فأل سيئ عندهم، فكانت بعض القبائل تترك هؤلاء الأطفال فى
الغابة تخلصًا منهم، ولكن الإسلام عدَّل هذه العادة بين المسلمين
الأفارقة.
زد على ذلك أن الإسلام علمهم النظافة فأخذ الأهالى الذين لم يتعودوا
من قبل على النظافة يغتسلون ويتنظفون، لأن إقامة الشعائر الدينية
الإسلامية لا تصح إلا بطهارة البدن والملبس والمكان. يضاف إلى ذلك
أن الإسلام نظمهم فى الزواج ونظام الأسرة، إذ جعل الرجل هو
المسئول الأول عن الأسرة لا المرأة كما كان الشأن عند كثير من
القبائل الإفريقية، فصار الأبناء ينسبون لآبائهم وليس لأمهاتهم، كما
حدد عدد الزوجات فى أربع فقط وليس كما كان الحال عندما كان
الرجال يختلطون بالنساء اختلاطًا جماعيا، أو كان للرجل ما يشاء من
نساء حسب قدرته ومقدرته. وبذلك رفع الإسلام مكانة المرأة
وأحاطها بسياج من الاحترام والطهر والعفاف، بعد أن كان الابن يرث
زوجات أبيه بل ويتزوج بهن، وكان نظامهم أن ابن الزوجة الأولى هو
الذى يختص بميراث أبيه كله عند وفاته ويحرم منه باقى الأبناء
فوضع الإسلام نظامًا عادلا لتوزيع التركة بين أفراد الأسرة جميعًا إذا
مات عائلها، حسب نظام دقيق يعطى لكل ذى حق حقه دون زيادة أو
نقصان، ودون ظلم أو بهتان، مما أورث الحب والمودة فى قلوب
الأبناء وزرعها محل الكراهية والبغضاء.
ولا يقل عن ذلك أهمية أن الإسلام أزال تقسيم الناس إلى طبقات
حسب اللون أو العنصر أو الثروة أو المنزلة الاجتماعية، وجعل الإخاء
стр. 1091
والمساواة والتعاون والتكافل أساس الحياة الاجتماعية، وأصبح
الأسود باعتناقه الإسلام على قدم المساواة مع غيره داخل وطنه،
ومع إخوته فى الإسلام فى أى مكان آخر، مما أشعره بالعزة
والكرامة والاعتداد بالنفس بعد أن كان عبدًا مهانًا يتحكم الملك
الإفريقى الوثنى أو شيخ القبيلة فى أموره كلها بل فى حياته
نفسها، وأصبح سلوك الناس ملوكًا وعامة مضبوطًا بضوابط الإسلام
وشريعته وأحكامه، ولم يصبح مرتهنًا بأوامر الملك المقدس ونزواته
أو نزوات شيخ القبيلة. وبذلك حرر الإسلام الإنسان الإفريقى وكل
إنسان يعتنقه من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد.
الحياة الاقتصادية:
كان النظام الاقتصادى يقوم على احتكار شيخ القبيلة أو الملوك أو
الزعماء للأرض والثروة الحيوانية والمحاصيل الزراعية وحق المتاجرة
فى سلع معينة، فلا يحق للناس العاديين تملك شىء فقد كانوا هم
والأرض وما ينتجونه منها ملكًا للملك. فلما جاء الإسلام قضى على
ذلك، فأطلق حق التملك حسب الجهد والطاقة وبَذْل المجهود والعمل،
وجعل كسب المال أمرًا متاحًا للجميع كل حسب جده وكده، فقضى
بذلك على الإقطاع والاستغلال والاحتكار، كما قضى على العبودية
ونظام السخرة فصار العامل يأخذ أجره عما يقوم به من عمل بعد أن
كان يعمل فى مزرعة الشيخ أو الملك دون أجر.
كما حرَّم الإسلام الربا وفرض الزكاة التى كان الأغنياء يدفعونها
للفقراء، وكان السلاطين يأخذونها ويوزعونها فى مصارفها
الشرعية، مما جعل حياة الناس محاطة بسياج من العدالة والأمن
والرخاء.
وقد جلب الإسلام للأفارقة منافع مادية ضخمة؛ إذ ربط الساحل
بالداخل من خلال قوافل التجارة التى توغلت حتى الكونغو ومنطقة
البحيرات، وحتى أعماق الغابة فى غرب القارة مما أدى إلى القضاء
على عزلة المناطق الداخلية، بل وعلى عزلة الأفارقة عامة وربطهم
بالعالم الإسلامى الواسع وبتجارته الزاهرة، وقد أتاح لهم إسلامهم
стр. 1092
أن يخرجوا من أوطانهم المحلية ويتعرفوا هذا العالم الواسع، سواء
أكان من خلال رحلات الحج التى كانوا يقومون بها إلى بلاد الحجاز،
أم من خلال قوافل التجارة التى كانوا يرحلون معها إلى شتى
الأقطار حتى وصل بعضهم إلى الهند والصين.
الحياة الثقافية:
وفى هذا المجال كان أثر الإسلام أمرًا غير مسبوق، ذلك لأن الأفارقة
لم تكن لهم ثقافة ناهضة راقية قبل اعتناقهم الإسلام، ولم يكونوا
يعرفون مجرد القراءة والكتابة، بل لم يكونوا يعرفون من الثقافة إلا
العادات والتقاليد المرتبطة بالكهانة والسحر والشعوذة، وبالطبيعة
من مطر وجدب وإنبات وحصاد ونبوءات وأساطير، فلما جاء الإسلام
أمدهم بالعلم والفن الرفيع، وعلَّمهم القراءة والكتابة، واستقدم لهم
العلماء من مصر والمغرب وتونس وشتى أنحاء العالم الإسلامى، بل
وأرسل طلابهم إلى هذه البلدان استزادة من العلم والفقه، وبنى لهم
المدارس والكتاتيب، وزوَّدهم بلغة القرآن وهى اللغة العربية التى
وحدت مشاربهم ونسقت أفكارهم وربطتهم بالدين والعقيدة
الإسلامية، فمهدت السبيل أمام ظهور ثقافة إفريقية إسلامية مشتركة
بعد أن صارت هذه اللغة هى لغة العلم والدراسة والإدارة والتجارة
والعبادة بل والتخاطب بين قبائل كثيرة فى القارة. وأصبح العلماء
الأفارقة هم حلقة الربط والوصل بين هذا المجتمع السودانى الزنجى
وبقية المجتمعات الإسلامية، بذهابهم إلى هذه المجتمعات كما قلنا
لمزيد من الدراسة والعلم أو تأدية لفريضة الحج، وبذلك تم القضاء
على التخلف الثقافى والحضارى والفكرى الذى كان يسود
المجتمعات الإفريقية، وأصبح الإفريقى يزهو بأنه يجيد القراءة
والكتابة، بل يفخر بأنه أصبح من العلماء والفقهاء مثله فى ذلك مثل
غيره من علماء المسلمين فى كافة ديار الإسلام.
ولقد أدى هذا الرقى العلمى والثقافى الذى وصلوا إليه أن الدول
الإفريقية التى لايحكمها مسلمون كانت الوظائف التى تتطلب خبرة
стр. 1093
خاصة ومستوى ثقافى معين كان لايشغلها إلا المسلمون من أهلها،
لأن هؤلاء المسلمين كما يقول «توماس أرنولد» كانوا أعلى همة
وأوفر نشاطًا وأرفع مستوى من غيرهم من أصحاب الديانات
الأخرى، لأن كل مسلم كان ملتزمًا بتعليم أبنائه القراءة والكتابة بينما
كان غيرهم لايعلمون أبناءهم إلا عندما يريدون لهم الانتظام فى سلك
الكهنوت. ولم يفعل المسلمون ذلك إلا لأن الإسلام جعل من التعليم
فريضة على كل مسلم ومسلمة، وبذلك تغير حال الأفارقة وأنتجوا
علمًا وفقهًا وأدبًا وحضارة لم يطمس معالمها إلا الاستعمار الأوربى
الذى أصيبوا به فى مطلع العصر الحديث.
الوحدة السياسية:
لم تعرف إفريقيا جنوب الصحراء قبل الإسلام دولا كبيرة أو صغيرة إلا
القليل، وكان النظام القبلى هو السائد، وعندما ظهر الإسلام ودخل
القارة (جنوب الصحراء) لم يكن فيها من الدول المعروفة وقتذاك إلا
مملكة «غانة» الوثنية فى غرب القارة، أما فى وسط القارة فلم يكن
هناك إلا دولة «الكانم» الوثنية فى حوض بحيرة تشاد، وهذه الدولة
لم تنشأ إلا فى القرن التاسع للميلاد، أى بعد ظهور الإسلام بحوالى
قرنين من الزمان، أما فى شرق القارة فكانت هناك دولة واحدة هى
مملكة الحبشة المسيحية، وفى أقصى الجنوب كانت هناك مملكة
«مونوموتابا» الوثنية، وباقى إفريقيا جنوب الصحراء لم يكن فيها
إلا المشيخات القبلية لا غير، وكانت حياة الناس لا ينظمها قانون أو
شريعة، إلا ما يقوله الملك أو الشيخ، فكلمته هى القانون، لأنه هو
الذى يهب الحياة ويقضى بالموت، ويبارك الزرع والحصاد، وينزل
المطر، ويتحكم فى كل ما على وجه الأرض، لأنه ببساطة هو الإله
والرب المعبود.
وعندما جاء الإسلام لم ينشئ دولا صغيرة شبيهة بالتى أشرنا إليها
من قبل فقد أقام إمبراطوريات إسلامية كبرى سبق الحديث عنها،
وجمع القبائل المتفرقة المتنازعة والعناصر المتباينة داخل هذه
الإمبراطوريات الكبيرة، وقضى على عادات هذه القبائل فى النهب
стр. 1094
والسلب والإغارة، وقضى أيضًا على استبداد الحكام وتألههم
وظلمهم للرعية، بل وجعلهم يخضعون لرجال من رعيتهم نالوا قسطًا
وافرًا من العلم والثقافة هم العلماء والفقهاء، فكانوا لا يبرمون أمرًا
إلا بعد استشارتهم، فعل ذلك - أيضًا - الملوك الوثنيون الذين لم
يكونوا قد دخلوا الإسلام بعد و «البكرى» يقص علينا نبأ ملك «غانة»
الوثنى الذى اتخذ من العلماء المسلمين الذين كانوا يقيمون فى
عاصمته وزراءه ومستشاريه.
وقد أقام الحكام والسلاطين دُورًا للشورى كان واحدها يسمى
«المشور» وكان هذا «المشور» هو المكان الذى يلتقى فيه الحاكم
بالمحكومين، فإذا أصيب أحد من الرعية بظلم أو أصابه مكروه على
يد غيره من الرعية أو الحكام كان يلجأ على الفور إلى «المشور»
ويرفع مظلمته، فكان يقضى فيها على الفور على يد العلماء
والفقهاء أو على يد الوزراء والسلطان نفسه حسب نوع المظلمة.
ولذلك ساد الأمن والأمان والطمأنينة حياة الناس فيما عدا أوقات
الفتن والاضطرابات والحروب.
ونتيجة لذلك كله ارتقت الحياة المادية والعمرانية وازدهرت الحضارة
فى إفريقيا جنوب الصحراء، ويكفى فى ذلك ما سقناه فى صدر هذا
الحديث من شهادات قالها بعض الغربيين المنصفين، وما قاله آخرون
منهم من أن الدول الإسلامية فى إفريقيا جنوب الصحراء شهدت ظهور
مئات المدن ذات المنازل الجميلة المبنية بالحجارة، وكانت هذه المنازل
ذات حدائق جميلة وبعضها - وكما تُبيِّن الحفريات والآثار - كان مصممًا
لأكثر أنواع المعيشة رفاهية وفخامة وكان الناس الذين يعيشون فى
هذه المنازل وتلك المدن ذات الشوارع الفسيحة يرتدون الملابس
الحريرية والقطنية ويتزينون بمقادير كبيرة من الذهب والنحاس
والعاج، كما سكَّوا العملة الذهبية ووجدت عندهم صناعات راقية حتى
إن المنسوجات المقدشية كانت تباع فى مصر وفى شتى أنحاء
العالم الإسلامى.
هذا هو الإسلام وذاك هو تأثيره، وتلك حضارته التى أدهشت الرحالة
стр. 1095
المسلمين والبرتغاليين ومن أتى بعدهم من الأوربيين، ولكن هذه
الحضارة تلقت ضربة عنيفة على يد الغزاة البرتغاليين وإخوانهم من
الأوربيين الآخرين فى العصر الحديث حيث أخضعوا هذه القارة
بكاملها لنفوذهم وسيطرتهم ونهبهم واستغلالهم، وحاربوا الإسلام
وثقافته وحضارته ولغته بقدر ما وسعهم الجهد وبكل وسيلة ممكنة
ولكن إفريقيا جنوب الصحراء بعد أن نالت استقلالها بدأت تفيق من
هذا الكابوس الرهيب وتلتمس فى الإسلام طوق النجاة من جديد
стр. 1096
- المراجع:
* إبراهيم طرخان: إمبراطورية غانة الإسلامية - القاهرة - ١٩٧٠م
* إبراهيم طرخان: دولة مالي الإسلامية - القاهرة - ١٩٧٣م
* إبراهيم طرخان: إمبراطورية البرنو الإسلامية - القاهرة - ١٩٧٥م
* أحمد بابا التمبكتي: نيل الابتهاج بتطريز الديباج - طرابلس - ليبيا - ١٩٨٩م
* أحمد شلبي: موسوعة التاريخ الإسلامي - جـ ٦ - الطبعة الرابعة - القاهرة - ١٩٨٣م
* أحمد علي أحمد: كلوة؛ تاريخهاا وحضارتها؛ رسالة ماجستير غير منشورة - جامعة القاهرة - ١٩٨٣م
* الإدريسي: نزهة المشتاق في اختراق الآفاق - بيروت - ١٩٨٩م
* بازل دافدسون: إفريقيا تحت أضواء جديدة - بيروت - بدون تاريخ
* بن بطوطة (أبو عبدالله محمد): تحفة النظار في غرائب الأمصار - بيروت - ١٩٨٧م
* البكري: المغرب في ذكر بلاد إفريقية والمغرب - القاهرة - بدون تاريخ
* بوركهات: رحلات بوركهات في بلاد النوبة والسودان - القاهرة - ١٩٧٩م
* ترمنجهام: الإسلام في شرق إفريقيا - القاهرة - ١٩٧٣م
* توماس أرنولد: الدعوة إلي الإسلام - القاهرة - الطبعة الثالثة - ١٩٧١م
* التونسي: تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان - القاهرة - ١٩٦٥م
* جيان: وثائق تاريخية وجغرافية وتجاريةعن إفريقيا الشرقية - القاهرة - ١٩٢٧م
* حسن إبراهيم حسن: انتشار الإسلام في القارة الإفريقية - القاهرة - الطبعة الثانية - ١٩٨٤م
* حسن عيسى عبدالظاهر: الدعوة الإسلامية في غرب إفريقيا - القاهرة - الطبعة الأولى - ١٩٩١م
* حسن محمود: الإسلام والثقافة العربية في إفريقيا - القاهرة - الطبعة الثالثة - ١٩٨٦م
* الحسن الوزان: وصف إفريقيا - بيروت - الطبعة الثانية - ١٩٨٣م
* الحيمي: سيرة الحبشة - القاهرة - الطبعة الثانية - ١٩٧٢م
* رجب محمد عبدالحليم: العروبة والإسلام في دارفور في العصور الوسطى - القاهرة - ١٩٩١م
* زاهر رياض: الإسلام في إثيوبيا - القاهرة - ١٩٦٤م
стр. 1097
* زين العابدين عبدالحميد السراج: دولة كانم الإسلامية - رسالة ماجستير - آداب القاهرة - ١٩٧٥م
* السعدي: تاريخ السودان - باريس - ١٨٨٩م
* سعيد المغيرى: جهينة الأخبار في تاريخ زنجبار - القاهرة - ١٩٨٩م
* الشاطر بعييلي عبد الجليل: تاريخ وحضارات السودان الشرقي والأوسط - القاهرة - ١٩٧٢م
* عبد الرحمن زكي: الإسلام والمسلمون في غرب إفريقيا؛ الإسلام والمسلمون في شرق إفريقيا- القاهرة - بدون تاريخ
* عبد الفتاح مقلد: سلطنة البرنو حتي عام ١٨٠٨م؛ رسالة ماجستير غير منشورة - جامعة القاهرة - ١٩٧٨م
* عرب فقيه: فتوح الحبشة (تحفة الزمان) - القاهرة ١٩٧٢م
* عطية القوصي:دولة الكنوز الإسلامية - القاهرة - الطبعة الثانية- ١٩٨٦م
* فتحي غيث: الإسلام والحبشة عبر التاريخ - القاهرة - بدون تاريخ
* القلقشندي (أحمد بن علي): صبح الأعشي في صناعة الأنشا - جـ ٥،٨ - القاهرة - بدون تاريخ
* محمد بلو: اتفاق الميسور في تاريخ بلاد التكرور - القاهرة - ١٩٦٤م
* محمد ضيف الله: كتاب الطبقات - بيروت - بدون تاريخ
* محمد النقيرة: التأثير الإسلامي في غرب إفريقيا - الرياض - ١٩٨٠م
* محمود التمبكتي: تاريخ الفتاش - باريس - ١٩١٦م
* محمود الحويري: أسوان في العصور الوسطى - القاهرة - ١٩٨٠م
* مصطفى أبو شعيشع: برنو في عصر الأسرة الكانمية - رسالة ماجستير غير منشورة - جامعة القاهرة - ١٩٧٦م
* مصطفى مسعد: الإسلام والنوبة في العصور الوسطى - القاهرة - ١٩٦٠م
* مكي شبيكة: السودان عبر القرون - بيروت - ١٩٦٤م
* نعوم شقير: تاريخ السودان القديم والحديث وجغرافيته - القاهرة - ١٩٠٣م
* ياقوت الحموي: معجم البلدان - جـ ٥ - بيروت - ١٩٧٩م
стр. 1098
* العزيز بالله بن المعز
خليفة فاطمى تولَّى أمرالدولة الفاطمية فى قمة مجدها، ولكنه
كان رجلا لا يعرف المستحيل، وفى عهده وامتد ملك الفاطميين
من بلاد «الشام» شرقًا إلى ساحل «المحيط الأطلسى» غربًا،
ومن «آسيا الصغرى» شمالا إلى بلاد «النوبة» جنوبًا، وخُطب
للعزيز بالموصل وأعمالها سنة (٣٨٢هـ)، وضُرب اسمه على
العملة، وكُتب على الأعلام، وخُطب له باليمن - كما فُتحت له
«حمص» و «حماة» و «شيزر» و «حلب»، فانصرف إلى نشر عقائد
المذهب الشيعى، وأصبحت دواليب الإدارة كلها فى يد الشيعة.
стр. 1099
* الحاكم بأمر الله
هو «أبو على منصور الحاكم بأمر الله» الفاطمى، بويع له
بالخلافة وهو فى الحادية عشرة من عمره، وعين أستاذه
«برجوان» التركى وصيا عليه؛ لذا لم يكن للحاكم من أمره شىء
حتى تم القضاء على الوصى، وحل محله «ابن عمار الكتامى»
المغربى وصيا ووزيرًا، فاستبد بالأمر، ولم يسلم من شره أحد،
سواء كان من الشيعة أو من السنة أو من أهل الذمة، وكذلك
ساءت سيرته بين الجند، فنشب القتال فى شوارع «القاهرة»
و «الفسطاط»، وطالب الجميع بحياة «ابن عمار»، ولكنه اختفى،
وأصبح زمام الأمور فى يد «الحاكم»، وهو بعد فى الخامسة
عشرة من عمره، وأنشأ المرصد الحاكمى على سفح المقطم،
وقد روى المؤرخون مواقف غريبة تدل على غرابة أطواره.
حاولت «ست الملك» أخت «الحاكم بأمر الله» ردعه عما يفعل،
لكنه أبى أن يرتدع، فدبرت مع «سيف الدولة بن دواس الكتامى»
أمر قتله، فلما تم ذلك فى عام ٤١١ هـ، حمل جثمانه إليها،
فدفنته فى مجلسها.
стр. 1100
* الظاهر
هو «أبو الحسن الظاهر بن الحاكم بأمر الله» تولى الخلافة فى
شوال سنة (٤١١هـ)، بعد مقتل أبيه مباشرة، وكان لعمته «ست
الملك» النفوذ والسيطرة فى تسيير دفة الدولة، وقامت بذلك
على أحسن وجه، وبذلت العطاء للجند، وتمكنت من تهدئة الأمر
حتى وافاها الأجل فى سنة (٤١٥هـ)، فانتهج «الظاهر» نهجها
وعمل بسياستها، وألغى ما سنَّه أبوه «الحاكم» من قوانين
مجحفة، واهتم بتحسين شئون البلاد وأحوال الرعية، ومنح الناس
الحرية الدينية، فنعموا بالكثير من إنجازاته، وعلى الرغم من أن
مجاعة حدثت فى عهده استمرت ثلاث سنوات، نتيجة انخفاض
النيل، فإنه عمل على تخفيف المعاناة عن الشعب، وعقد اتفاقًا
مع إمبراطور الروم ليمده بالقمح بمقتضاه، على أن يقوم
«الظاهر» بإعادة بناء «كنيسة القيامة» بالقدس. مرض «الظاهر»
بالاستسقاء، ولم يلبث أن تُوفِّى سنة (٤٢٧هـ).
стр. 1101
* المستنصر
خليفة فاطمى تولى الخلافة عقب وفاة والده «الظاهر» فى
جمادى الآخرة سنة (٤٢٧هـ)، ويُعدُّ أطول الخلفاء عهدًا، إذ
قضى بالخلافة نحو ستين سنة، لم تكن على وتيرة واحدة، حيث
وصف «ناصر خسرو» «مصر» فى أوائل عهد المستنصر بقوله:
«كانت تتمتع بالرخاء، وأن الشعب محب لخليفته». وفى الفترة
الأولى من عهده بلغ النفوذ الفاطمى أقصى مداه، إذ دُعى
للخليفة على منابر بلاد الشام و «فلسطين» و «الحجاز» و «اليمن»،
بل دُعِى له فى «بغداد» حاضرة العباسيين نحوًا من سنة،
ودُعى له - أيضًا - فى «صقلية» و «شمال إفريقية». وكما شهد
«المستنصر» مجد دولته، شهد أيضًا تقلُّصَ نفوذه، فقد زالت
سلطة الفاطميين فى بلاد «المغرب الأقصى» سنة (٤٧٥هـ)،
واستولى النورمانديون على «صقلية»، وخلع أميرا «مكة»
و «المدينة» طاعتهما - من قبل - فى سنة (٤٦٢هـ)، وانقطع ماء
النيل، وحدث ما عُرِف فى عهده بالشدة العظمى أو المستنصرية
، وغلت الأسعار، وانتشرت المجاعات والأوبئة حتى قيل إنه كان
يموت بمصر كل يوم عشرة آلاف نفس، ووصل الحال بالناس إلى
أكل القطط والكلاب، فلما لم يجدوها بعد ذلك كان بعضهم يحتال
على خطف بعضهم الآخر ليذبحه ويأكله، وبلغت الشدة منتهاها،
وباع المستنصر جميع ممتلكات قصوره، وقام صراع عنيف بين
الأتراك والسودانيين، وظل الجنود فترة طويلة لا يتقاضون فيها
رواتبهم، فنهبوا قصور الخلفاء، واستولوا على ما فى المكتبات
ودور العلم من مؤلفات باعوها بثمن بخس، واتخذوا من جلودها
نعالا وأحذية، واستولى «ناصر الدولة ابن حمدان» زعيم الجند
الأتراك على مقاليد الأمور، وهدد بإزالة الخلافة الفاطمية، بل
حذف اسم الخليفة من الخطبة فى بعض المناطق، ووصلت الحال
بالخليفة إلى درجة أنه لم يتمكن من حماية أمه من دخول السجن،
ففرت مع بناتها إلى «بغداد» طلبًا للحماية، واستمرت هذه الشدة
تسع سنوات، حتى جاء «اليازودى»، فعالج الأمور، وضبط
стр. 1102
الأسواق وضرب بشدة على أيدى العابثين، ولكن الوشاة دسُّوا
له عند «المستنصر» بأنه على صلة بالسلاجقة وأنه يراسلهم،
فقتله «المستنصر»، وعادت البلاد ثانية إلى ما كانت عليه، وظلت
تنتقل من سيئ إلى أسوأ مدة تسع سنوات تولَّى الوزارة فيها
أربعون وزيرًا، فاستنجد «المستنصر» ببدر الدين الجمالى حاكم
«عكا»، فأتى على الفور، وألقى القبض على العابثين
والعناصر المتنافرة، وضرب بيد من حديد على أيدى الخارجين
على النظام والقانون، وعَمَّر الريف، واهتم بالزراعة، وحصن
مدينة «القاهرة» التى كانت قد خُربت أسوارها من جراء الفتن،
وبنى جامعه المعروف بجامع الجيوش بالمقطم، فتحسنت الأحوال
فى عهده باستثناء إذكائه روح العداء بين الشيعة والسنة، لأنه
كان شيعىا متعصبًا، وظل وزيرًا للمستنصر حتى وافاه أجله
فى عام (٤٨٧هـ)، بعد أن عهد إلى ابنه بالوزارة من بعده،
ليصبح هذا الأمر تقليدًا جديدًا، لم يُعمَل به من قبل.
стр. 1103
* المستعلى
خليفة فاطمى تولى الخلافة بعد أبيه المستنصر سنة (٤٨٧هـ)
على الرغم من حداثة سنه، وعدم شرعية خلافته لوجود أخيه
«نزار» الأكبر منه فى السن، ولكن الوزير «الأفضل بن بدر»
أسهم إسهامًا كبيرًا فى هذا ليتمكن من السيطرة على الخليفة
الصغير، وخرج «نزار» إلى الإسكندرية ليكون فى حماية واليها
«أفتكين» فخرج إليهما «الأفضل» بجيش كبير، ودارت الحرب
بين الفريقين، فاضطر «نزار» و «أفتكين» إلى طلب الأمان،
فأجابهما «الأفضل» إلى مطلبهما، ثم قتلهما بعد أن هدأت
الأمور، فانقسم الشيعة على أنفسهم، وأعلنت الباطنية (فرقة
تفرعت عن الشيعة لها معتقداتها الخاصة) وعلى رأسهم «الحسن
بن الصباح» أن نزارًا كان الأحق بالخلافة، لأن «الحسن» زار
«مصر» وسأل «المستنصر» عمن يكون خليفته، فقال له: إنه
«نزار».
стр. 1104
* الحافظ
خليفة فاطمى تولَّى الخلافة سنة (٥٢٤هـ) عقب وفاة ابن عمه
«الآمر»، ولم تكن حاله مع وزيره «على بن الأفضل» بأحسن من
حال ابن عمه، فقد كان يتحكم فيه، وجعله كالمحجور عليه، ولا
يسمح لأحد بزيارته إلا بإذن منه، وانعطفت سياسة الدولة -فى
عهده- انعطافًا خطيرًا يهدد بزوالها، فقد عين اثنين من القضاة
الشيعة، ومثلهما من السنة، وجعل لكل الحق فى إصدار حكمه
وفق مذهبه، ولقب نفسه بالأكمل مالك فضيلتى السيف والقلم،
مولى النعم، رافع الجور عن الأمم، وأسقط اسم الخليفة من
الخطبة، فكانت نهايته القتل جزاءً لما صنع. لم يكد الخليفة
يستريح من سيطرة «ابن الأفضل» حتى وقع تحت سيطرة ونفوذ
«بهرام الأرمنى» والى «الغربية»، الذى تقلد الوزارة، واستقدم
الكثيرين من بنى جلدته حتى تجاوزوا ثلاثين ألفًا، وكلهم من
الشيعة المتعصبين لمذهبهم، فأذاقوا أهل البلاد الهوان، وبنوا
الكنائس والأديرة، فأثار ذلك حفيظة الناس، وثار «رضوان بن
الولخشى» والى «الغربية»، وقاد جيشه، وهاجم به الوزير
«بهرام» الذى انهزم، وفرَّ هاربًا إلى «أسوان»، فتولى
«رضوان» الوزارة بدلا منه، ولكنه ارتكب أعمالا أثارت عليه
حفيظة الخليفة، فاستدعى الخليفة «بهرام» من أسوان ليتولى
الوزارة من جديد، فهرب «رضوان» إلى الشام، ثم عاد إلى
«مصر» ثانية على رأس جيش تصدى له جنود الخليفة، فهزموه
وأسروا «رضوان»، ثم قُتل. تُوفِّى «الحافظ» فى سنة (٥٤٤هـ)،
وقد تميز عصره بالنزاع الدائم من أجل الوصول إلى منصب
الوزارة بالقوة والجيوش المسلحة.
стр. 1105
* الظافر
خليفة فاطمى تولى الخلافة عقب وفاة أبيه «الحافظ» سنة
(٥٤٤هـ)، وقد سلكت الدولة فى عهده مسلكًا خطيرًا؛ لم يكن
معهودًا من قبل؛ إذ استعان الوزراء بالقوى الخارجية للوصول
إلى منصب الوزارة، وأبرز مثال على ذلك ما حدث بين «ابن
السلار» و «ابن مصال»، فقد استعان الأول على منافسه الثانى
بنور الدين محمود صاحب «حلب»، ودارت بين الطرفين حرب
شعواء قُتل فيها «ابن مصال»، ثم تبعه «ابن السلار»، فسعد
الخليفة سعادة بالغة لقتل «ابن السلار» لاستعانته «بنور الدين
محمود»، ودلل الخليفة على مدى سعادته بمكافأته لنصر بن
العباس قاتل «ابن السلار» بمبلغ عشرين ألف دينار. كان
الصليبيون قد أسسوا عدة إمارات لهم - فى ذلك الوقت - بالشام،
وبدأت طموحاتهم تتجه إلى «مصر»، ويتحينون الفرصة لتحقيقها
فى الوقت الذى كان «نور الدين محمود» يترقب فيه الأوضاع
للاستيلاء على «مصر»، وظل كلاهما على ذلك حتى قام «نصر
بن عباس» - بالاتفاق مع والده - بقتل الخليفة «الظافر» وإخوته،
فغلت «القاهرة» كالمرجل، وهرب «عباس» إلى الشام، فقُتل
فى طريقه إليها، وقُبض على ابنه «نصر» ثم وُضِع فى قفص من
حديد بعد أن جُدع أنفه، وقطعت أذناه، وطِيف به فى أنحاء
المحروسة، ثم صُلِبَ حيا على باب زويلة حتى مات، فأُحرقت
جثته. وتولى «الفائز» الخلافة.
стр. 1106
* الفائز
خليفة فاطمى تولى الخلافة (٥٤٩هـ) وعمره أربع سنوات فحسب
بعد وفاة أبيه الظافر، وكانت البلاد فى حالة من الفوضى
والاضطراب الشديدين، حتى إن نساء القصر لم تأمن على
حياتهن فى ظل هذه الظروف، فاستنجدن بطلائع بن زريك والى
الأشمونيين، الذى حضر على الفور، وقضى على الفتنة
والشغب، وضرب على أيدى صانعى الفتنة، وظل الخليفة -
بالطبع - مسلوب الإرادة حتى وفاته سنة (٥٥٥هـ).
стр. 1107
* العاضد لدين الله الفاطمي
خليفة فاطمى تولى الخلافة (٥٥٥هـ) خلف «الفائز»، فتخلص من
الوزير «طلائع» بقتله، وأسند منصبه إلى ابنه «أبى شجاع
العادل بن طلائع»، فرأى «شاور» والى الصعيد أنه أحق
بالوزارة من «أبى شجاع»، وقدم على رأس قواته، وتمكن من
خلع «أبى شجاع» من الوزارة، وتنصيب نفسه مكانه سنة
(٥٥٨هـ)، ولكنه لم يهنأ بمنصبه الجديد إذ استطاع «ضرغام»
أمير البرقية (فرقة من المغاربة) خلعه، فهرب «شاور» إلى الشام
مستنجدًا بنور الدين محمود ليعيده إلى منصبه، فأحس «ضرغام»
بالخطر وخشى من ضياع منصبه فاستنجد بعمورى الصليبى ملك
«بيت المقدس»، ولبى كل طرف نداء مَنْ استنجد به، وقدمت
القوات الإسلامية كما قدمت القوات الصليبية فى ثلاث حملات،
ولكن «أسد الدين شيركوه» قائد حملات «نور الدين محمود»
كانت له عقلية سياسية حكيمة، كما كان يجيد التخطيط الجيد،
فتولى الوزارة بنفسه بعد أن قُضى على الخصمين المتنافرين،
وظل على ذلك حتى مات، فخلفه فى منصبه ابن أخيه «صلاح
الدين الأيوبى» السنىُّ المذهب. وتوفى العاضد سنة ٥٦٧هـ
وبوفاته سقطت الدولة الفاطمية.
стр. 1108
* معاوية بن أبى سفيان
هو «معاوية بن أبى سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن
عبدمناف»، وأمه «هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد
مناف»، ويلتقى نسبه من جهة أبيه وأمه مع نسب رسول الله
ﷺ فى «عبد مناف»، ولُقِّب بخال المؤمنين؛
لأن أخته «أم حبيبة» أم المؤمنين كانت زوجًا للنبى - صلى الله
عليه وسلم -. وُلد قبل الهجرة بنحو خمسة عشر عامًا، وأسلم عام
الفتح، سنة (٨هـ)، مع أبيه وأخيه «يزيد بن أبى سفيان» وسائر
«قريش»، وأصبح منذ أن أسلم كاتبًا من كتَّاب الوحى لرسول
الله ﷺ ، وشارك فى عهد «أبى بكر الصديق»
فى حروب الردة، وفى فتوح الشام تحت قيادة أخيه الأكبر
«يزيد»، وأبلى فى ذلك بلاءً حسنًا. عيَّنه «عمر بن الخطاب»
واليًا على الشام كله، بعد وفاة أخيه «يزيد» سنة (١٨هـ)؛
لكفاءته الحربية ومهارته فى السياسة والإدارة، وظل فى ولايته
مدة خلافة «عمر»، ثم أقره «عثمان بن عفان» (٢٤ - ٣٦هـ) على
ولايته، فاستمر فى سياسته الحكيمة، ضابطًا لعمله، حارسًا
لحدود إمارته، متصديا بكل حزم لأعداء الإسلام، محبوبًا من
رعيته. استقبل المسلمون خلافة «معاوية» استقبالا حسنًا،
واجتمعت عليه كلمتهم، وكان هو عند حسن الظن، جديرًا
بالمنصب الجليل، خبيرًا بشئون الحكم وأمور السياسة، تدعمه فى
ذلك خبرة واسعة، وتجربة طويلة فى الإدارة وسياسة الناس،
امتدت إلى أكثر من عشرين عامًا، هى فترة ولايته على الشام،
بالإضافة إلى تمتعه بكثير من الصفات الرفيعة، التى تؤهله
ليكون رجل دولة من الطراز الأول. وقد أجمع المؤرخون على أنه
كان لمعاوية نصيب كبير من الذكاء والدهاء والسماحة والحلم
والكرم، وسعة الأفق، وقدرة فائقة على التعامل مع الناس على
قدر أحوالهم، أعداءً كانوا أم أصدقاء. وقد أفرغ «معاوية»
جهده كله، ومواهبه وطاقاته فى رعاية مصالح المسلمين
وتوطيد دعائم الدولة، ونشر الأمن والاستقرار فى ربوعها، واتبع
стр. 1109
فى تحقيق ذلك سياسة حكيمة تقوم على دعائم ثابتة، تتلخص
فيما يلى: - العمل على تضميد جراح الأمة، وتسكين نفوسها،
وتأليف قلوبها بعد فترة مضطربة من حياتها، والإحسان والتودد
إلى كبار الشخصيات من شيوخ الصحابة وأبنائهم، وبخاصة آل
بيت النبى ﷺ ، وقد أدت هذه السياسة إلى
تجميع القلوب حوله، وتحويل الخصوم إلى أعوان وأصدقاء. -
وحسن اختياره للولاة والحكام، لأنه أدرك أنه مهما أوتى من
ذكاء وفطنة، ومقدرة وحكمة، فلن يستطيع أن يحكم الدولة
وحده، ومن ثم لابد له من أعوان، يساعدونه فى إدارة البلاد
على خير وجه، فاختارهم بعناية فائقة من بين أقوى الناس
عقلا، وأحسنهم سياسة، وأحزمهم إدارة، أمثال «عمرو بن
العاص»، و «المغيرة بن شعبة»، و «زياد» و «عتبة» أخويه،
وغيرهم. - ومباشرته أعماله بنفسه، وتكريسه وقته وجهده
للدولة وسياستها، وعدم ركونه إلى حياة الراحة والدعة، على
الرغم من استعانته فى إدارة الدولة بأعظم الرجال فى عصره.
بهذه السياسة استقرت الدولة وسادها النظام، وعمَّها الأمن
والسكينة، ولم يشذ عن ذلك سوى الخوارج، فأخذهم «معاوية»
بالشدة؛ حفاظًا على سلامة الأمة، واتسمت سياسته الخارجية
وبخاصة تجاه الدولة البيزنطية بمواصلة الضغط عليها، ومحاصرة
«القسطنطينية» - عاصمتها - أكثر من مرة، وجعلها تقف موقف
الدفاع عن نفسها. وتُوفِّى «معاوية» فى شهر رجب سنة (٦٠هـ).
стр. 1110
* يزيد بن معاوية
هو «يزيد بن معاوية بن أبى سفيان» وأمه «ميسون بنت مخول
الكلبية». ولد فى «دمشق» سنة (٢٦هـ) فى خلافة «عثمان بن
عفان»، حين كان أبوه واليًا على الشام، فنشأ فى بيت إمارة
وجاه، وقد عُنى أبوه بتربيته تربية عربية إسلامية، فأرسله
وهو طفل إلى البادية عند أخواله من «بنى كلب»، فشب شجاعًا
كريمًا، أبى النفس، عالى الهمة، شاعرًا فصيحًا، وأديبًا لبيبًا،
حاضر البديهة، حسن التصرف فى المواقف. ويعده العلماء من
الطبقة الأولى من التابعين، ولبعضهم رأى حسن فيه مع أخذهم
عليه ميله إلى حياة اللهو فى صدر شبابه، فلقبه «الليث بن
سعد» فقيه «مصر» الكبير بلقب «أمير المؤمنين»، وقال عنه
«ابن كثير»: «وقد كان فى يزيد خصال محمودة من الكرم
والفصاحة والشعر والشجاعة، وحسن الرأى فى الملك، وكان ذا
جمال، حسن المعاشرة». ومنذ أن عزم أبوه على توليته الخلافة
بعده أخذ يحمله على الجد والحزم، وترك حياة اللهو والترف،
استعدادًا لتولى هذا المنصب الجليل، وعهد إليه بالقيام بالمهام
الصعبة، فأرسله على رأس الحملة العسكرية التى وجهها فى
سنتى (٤٩ - ٥٠ هـ) لحصار القسطنطينية عاصمة الدولة البيزنطية
، وكان تحت قيادته بعض كبار الصحابة. كان «يزيد» غائبًا عن
«دمشق» عند وفاة أبيه فى رجب سنة (٦٠هـ)، فأخذ البيعة له
«الضحاك بن قيس»، ولما حضر جاءته الوفود وأمراء الأجناد،
لتعزيته فى أبيه وتهنئته بالخلافة وتجديد البيعة له. وقد ترسَّم
«يزيد» خطى أبيه، واستوعب وصيته له التى توضِّح له معالم
طريقه السياسى، وتبيِّن له كيفية التعامل مع المشكلات وأحوال
الرعية، وهذه الوصية تُعدُّ من أهم الوثائق السياسية فى فن
الحكم وإدارة الدول. حافظ «يزيد» على سلامة الدولة وهيبتها،
وحمى حدودها، واستمرت حركة الفتوحات فى عهده، فوصل
«عقبة بن نافع» إلى شواطئ «المحيط الأطلسى»، مخترقًا
الشمال الإفريقى كله، وعبرت طلائع الفتح نهر «جيحون» لفتح
стр. 1111
بلاد «ما وراء النهر» (آسيا الوسطى). وكان يمكن لعهد «يزيد»
أن يكون امتدادًا لعهد أبيه، استقرارًا واستتبابًا، لولا عدة
حوادث خطيرة، عكَّرت صفو الأمة الإسلامية، وألقت بظلال سوداء
على عهد «يزيد»، وطمست إنجازاته، منها: حادثة استشهاد
«الحسين بن على» - رضى الله عنهما - فى «كربلاء» سنة
(٦١هـ) وغزو «المدينة المنورة» سنة (٦٣هـ) لقمع الثورة التى
قام بها أهلها ضده دون سبب قوى، ثم غزو «مكة المكرمة»
للقضاء على دولة «عبدالله بن الزبير» سنة (٦٤هـ). ولم تطل أيام
«يزيد»، فقد توفى فى شهر ربيع الأول سنة (٦٤هـ)، وهو فى
الثامنة والثلاثين من عمره.
стр. 1112
* معاوية بن يزيد
هو «معاوية بن يزيد بن معاوية بن أبى سفيان»، وأمه «أم
هاشم بنت أبى هاشم بن عتبة بن ربيعة»، ومع أنه لم ينهض
بعمله باعتباره خليفة، فإنه أخذ مكانه فى سلسلة خلفاء الدولة
الأموية، ويسميه بعض المؤرخين «معاوية الثانى»؛ لأن أباه قد
عهد إليه بالخلافة بعده، طبقًا لنظام الوراثة الذى أسسه جده
«معاوية»، وقد بايعه الناس بعد وفاة أبيه، لكنه أعلن فى
صراحة أنه عاجز عن النهوض بمسئولية الخلافة، وعليهم أن
يبحثوا عن شخص كفء من أهل الصلاح والتقوى لتحمل عبء
مسئولية منصب الخلافة. ولم تطل حياة ذلك الشاب الورع، حيث
تُوفِّى بعد أبيه «يزيد» بنحو أربعة أشهر، أو بعد أربعين يومًا
فى قول آخر سنة (٦٤هـ).
стр. 1113
* مروان بن الحكم
هو «مروان بن الحكم بن أبى العاص بن أمية بن عبد شمس»، ولد
فى السنة الأولى من الهجرة، ولذلك يعده بعض العلماء من
الصحابة، وهو ابن عم الخليفة «عثمان بن عفان» رضى الله عنه،
وكان كاتبه وأمين سره، وولاه «معاوية بن أبى سفيان» فى
خلافته «المدينة المنورة» أكثر من مرة؛ ثقة منه بقدرته وخبرته
السياسية التى اكتسبها طوال عمله مع «عثمان». وكان
«مروان» أثناء ولايته على «المدينة» يتحرَّى العدل، ولا يصدر
أمرًا إلا بعد استشارة صلحاء الناس، ومن مآثره التى جلبت ثناء
الناس عليه أنه جمع صيعان «المدينة» التى يكيلون بها، وأخذ
بأعدلها وأضبطها كيلا، فنسبه الناس إليه، وقالوا: «صاع
مروان»، وقال عنه الإمام «أحمد بن حنبل»: «كان عند مروان
قضاء - يقصد كان عادلا فى قضائه - وكان يتبع قضايا عمر بن
الخطاب»، ويصفه المؤرخون بالشجاعة والشهامة، والدهاء
وحسن السياسة. اضطرب أمر «بنى أمية» بعد رفض «يزيد بن
معاوية» أن يتولى الخلافة، أو يعهد بالأمر إلى أحد من أهل
بيته، وفى هذه الأثناء أعلن «عبدالله بن الزبير» نفسه خليفة
للمسلمين سنة (٦٤هـ) فى «مكة»، فبايعه «العراق» و «مصر»،
حتى الشام نفسها معقل الأمويين بايعه معظم أقاليمها، وبدا
الأمر كما لو أن دولة الزبيريين قامت، ودولة الأمويين بادت. كان
«مروان بن الحكم» وبنوه يعيشون فى «المدينة المنورة»،
فأخرجهم منها «عبدالله بن الزبير» فرحلوا إلى الشام، حيت
تجمع هناك كل أنصار «بنى أمية» وولاتهم، من أمثال: «عبيد
الله بن زياد»، و «الحصين بن نمير»، فأخذوا يشجعون «مروان»
على تحمل قيادة البيت الأموى، ومنع دولتهم من السقوط. وبعد
مداولات طويلة بين زعماء القبائل استغرقت عدة شهور عقد
مؤتمر فى «الجابية» بالقرب من «دمشق»، فى شهر ذى القعدة
سنة (٦٤هـ)، بويع فيه «مروان بن الحكم» بالخلافة، باعتباره
أكبر أبناء البيت الأموى سنا، وأكثرهم تجربة. كان على
стр. 1114
«مروان» بعد بيعته أن يثبت جدارته بهذا المنصب وأهليته له،
بأن يسترد نفوذ «بنى أمية» وسلطانهم فى الشام، معقلهم
الرئيسى، الذى خضع معظمه لعبدالله بن الزبير، ومن ثم خاض
«مروان» مع أنصار «ابن الزبير» معركة كبيرة فى «مرج
راهط»، شرقى «دمشق» فى نهاية سنة (٦٤هـ)، وكان النصر
فيها حليف «مروان»، وبداية الطريق لاستعادة الأمويين لدولتهم
التى كانت قاب قوسين أو أدنى من الزوال. ولم يضيع «مروان»
وقتًا بعد هذا الانتصار، فعاد إلى «دمشق»، حيث تلقى وفود
المهنئين والمبايعين. وبعد فترة قصيرة اطمأن فيها على
استقرار الأوضاع فى الشام، ترك ابنه «عبدالملك» فى «دمشق»
نائبًا عنه فى حكمها، وتوجه إلى «مصر» التى كانت تحت حكم
«عبدالله بن الزبير»، فاستردها بسهولة، وأقام بها نحو
شهرين، رتَّب فيها أوضاعها، وعيَّن ابنه «عبدالعزيز» واليًا
عليها، وعاد هو إلى «دمشق»، ليستأنف صراعه مع «ابن
الزبير»، لكن الموت عاجله سنة (٦٥هـ) بعد حكم دام عشرة
شهور.
стр. 1115
* عبدالملك بن مروان
هو «عبدالملك بن مروان بن الحكم»، ولد فى «المدينة» سنة
(٢٦هـ) فى خلافة «عثمان بن عفان»، ونشأ بها نشأة علمية،
وتتلمذ لكبار الصحابة، من أمثال «عبدالله بن عمر»، و «أبى
سعيد الخدرى»، و «أبى هريرة» رضى الله عنهم، وبرع فى
الفقه حتى عُدَّ من فقهاء «المدينة»، وقد تواترت الأخبار عن
فقهه وغزارة علمه ورجاحة عقله، قال عنه «الذهبى»: «ذكرته
لغزارة علمه»، وقال «الشعبى»: «ما جالستُ أحدًا إلا رأيت لى
الفضل عليه إلا عبدالملك بن مروان»، واحتج الإمام «مالك بن
أنس» بقضائه. ومكث «عبدالملك» معظم حياته قبل أن يلى
الخلافة فى «المدينة المنورة»، لم يغادرها إلا لحج أو لجهاد،
فقد اشترك فى فتح «شمال إفريقيا» فى عهد «معاوية بن أبى
سفيان». تولى «عبدالملك» الخلافة بعد وفاة أبيه فى رمضان
سنة (٦٥هـ)، ووجد الدولة الإسلامية قد تنازعتها خمس دول:
دولته هو، وتتكون من «مصر» والشام وعاصمتها «دمشق»،
ودولة «عبدالله بن الزبير» وتتكون من «الحجاز» وبعض
«العراق» و «بلاد فارس»، وعاصمتها «مكة المكرمة»، ودولة
للشيعة أقامها «المختار بن أبى عبيد الثقفى» فى جزء من
«العراق»، وعاصمتها «الكوفة»، ودولة للخوارج الأزارقة فى
إقليم «الأهواز»، جنوبى شرقى «العراق»، ودولة للخوارج
النجدات فى إقليم «اليمامة» فى شرقى الجزيرة العربية
وجنوبى شرقيها. رأى «عبدالملك» أن هذه الدول التى برزت
خلال الفوضى التى عمَّت بعد وفاة «يزيد بن معاوية» لا رابط
يجمع بينها سوى العداء لبنى أمية، فتركهم فى البداية يأكل
بعضهم بعضًا، فاشتبك «ابن الزبير» مع «المختار الثقفى»،
وقضى عليه تمامًا حين أرسل له جيشًا بقيادة أخيه «مصعب بن
الزبير»، فتمكن من هزيمته سنة (٦٧هـ)، وبذلك تخلص
«عبدالملك» من واحد من أقوى خصومه دون أن يبذل أى جهد،
ثم توجَّه هو على رأس جيش استطاع أن يقضى به على «مصعب
بن الزبير» سنة (٧٢هـ)، ثم أرسل جيشًا بقيادة «الحجاج بن
стр. 1116
يوسف» إلى «مكة» استطاع أن يقضى على «عبدالله بن الزبير»
سنة (٧٣هـ)، كما نجح عبدالملك فى القضاء على دولتى
الخوارج، وبذلك تخلَّص من خصومه، وقضى على الانقسامات
التى أضعفت الدولة الإسلامية، وأعاد إليها وحدتها، ولذا عدَّه
المؤرخون المؤسس الثانى للدولة الأموية، وعدُّوا سنة (٧٣هـ) عام
الجماعة الثانى. أظهر «عبدالملك» براعة فائقة فى إدارة الدولة
وتنظيم أجهزتها، مثلما أظهر براعة فى إعادة الوحدة إلى
الدولة الإسلامية، فاعتمد على أكثر الرجال -فى عصره- مهارة
ومقدرة، وأعظمهم كفاءة وخبرة، وسياسة وإدارة، ومن
أبرزهم «الحجاج بن يوسف الثقفى» الذى عهد إليه «عبدالملك»
بإدارة القسم الشرقى للدولة، الذى يتكون من «العراق»، وكل
أقاليم الدولة الفارسية القديمة، وكان «الحجاج» عند حسن الظن
به، فبذل أقصى طاقته فى تثبيت أركان الدولة، والقضاء على
كل مناوئيها، وكذلك إخوة «عبدالملك» الذين كانوا من أبرز
ركائز دولته، ومنهم: «بشر بن مروان»، «ومحمد بن مروان»
و «عبدالعزيز بن مروان» الذى ولى «مصر» نحو عشرين سنة (٦٥
- ٨٥هـ). وتفقد «عبدالملك» أحوال دولته بنفسه وتابع أحوال
عُمَّاله وولاته، وراقب سلوكهم، ولم يسمح لأحد منهم بأن يداهنه
أو ينافقه. وأنجز أعمالا إدارية ضخمة، دفعت بالدولة الإسلامية
أشواطًا على طريق التقدم والحضارة، تمثلت فى تعريب دواوين
الخراج فى الدولة الإسلامية كلها، وتعريب النقود، وتنظيم
ديوان البريد، وجعله جهازًا رقابيا، يراقب العمال والولاة ويرفع
إليه تقارير عن سير العمل فى الولايات. وتُوفِّى «عبدالملك بن
مروان» فى شوال سنة (٨٦هـ) بعد أن كرَّس كل وقته وجهده
لتوطيد أركان الدولة، والسهر على رعاية مصالح المسلمين.
стр. 1117
* الوليد بن عبدالملك
هو «الوليد بن عبدالملك بن مروان»، وُلد سنة (٥٠هـ)، وهو أكبر
أبناء «عبدالملك»، الذى حرص على تربيتهم تربية إسلامية،
فعهد بهم إلى كبار العلماء والصلحاء لتعليمهم وتربيتهم، وخص
ابنه «الوليد» بعناية خاصة، لأنه ولى عهده، وخليفته فى حكم
الدولة الإسلامية، فشب «الوليد» على الصلاح والتقوى، حافظًا
للقرآن، دائم التلاوة له. تولَّى «الوليد» الخلافة بعد وفاة أبيه،
الذى ترك له دولة واسعة الثراء، غنية بالموارد، قوية الساعد،
مرهوبة الجانب، موحَّدة الأجزاء، متماسكة البناء، موطَّدة
الأركان، فاستثمر ذلك على أحسن وجه فى الفتوحات
الإسلامية، فاستكمل المسلمون فى عهده فتح الشمال الإفريقى
كله، وفتحوا بلاد «الأندلس»، وأتمُّوا فى المشرق فتح بلاد «ما
وراء النهر» - آسيا الوسطى - وفتح إقليم «السند» فى «شبه
القارة الهندية». وبرز فى عهده عدد من القادة الكبار، منهم من
أشرف على فتح تلك البلاد، مثل: «الحجاج بن يوسف الثقفى»،
ومنهم من قاد تلك الفتوحات بنفسه، مثل: «قتيبة بن مسلم
الباهلى» فاتح بلاد «ما وراء النهر»، و «محمد بن القاسم
الثقفى» فاتح «السند»، و «موسى بن نصير» و «طارق بن زياد»
فاتحى «الأندلس». كما نهض «مسلمة بن عبدالملك» أخو «الوليد»
بمنازلة الدولة البيزنطية، ومواصلة الضغط عليها، والاستعداد
لمحاصرة عاصمتها «القسطنطينية». وشهد عصره نهضة عمرانية
كبرى، فأعاد بناء «المسجد النبوى» وأدخل عليه توسعات
كبيرة، وعهد إلى ابن عمه والى «المدينة» «عمر بن عبدالعزيز»
بمتابعة ذلك، كما بنى «المسجد الأقصى» فى مدينة «القدس»،
وبنى «مسجد دمشق»، وأنفق عليه كثيرًا ليكون آية من آيات
العمارة، وعُنى عناية فائقة بتعبيد الطرق التى تربط بين أجزاء
الدولة، التى امتدت أطرافها من «الصين» شرقًا إلى «الأندلس»
غربًا، ومن «بحر قزوين» شمالا إلى «المحيط الهندى» جنوبًا،
وبخاصة الطرق التى تؤدى إلى «مكة المكرمة»، لتسهِّل سفر
стр. 1118
حجاج بيت الله الحرام. وفى عهده سبقت الدولة الإسلامية كل
دول العالم فى تقديم الخدمات للناس مجانًا، وبخاصة الخدمات
الطبية لأصحاب الأمراض المزمنة، يقول «الطبرى»: «كان الوليد
عند أهل الشام أفضل خلائفهم، بنى المساجد، مسجد دمشق،
ومسجد المدينة، ووضع المنابر، وأعطى الناس، وأعطى
المجذومين، وقال لا تسألوا الناس، وأعطى كل مُقعَد خادمًا،
وكل ضرير قائدًا، وفُتح فى عهده فتوح عظام». وتُوفِّى الوليد
بن عبدالملك فى جمادى الآخرة سنة (٩٦هـ).
стр. 1119
* سليمان بن عبدالملك
هو «سليمان بن عبدالملك بن مروان»، وُلد فى «المدينة»، ونشأ
فى الشام، وبُويع له بالخلافة فى اليوم الذى تُوفِّى فيه أخوه
«الوليد بن عبدالملك». كان «سليمان» من أفضل أولاد
«عبدالملك»، ومن أكبر أعوان أخيه «الوليد» أثناء خلافته،
وولى له «فلسطين»، وصفه «الذَّهبى» بقوله: «من أمثل
الخلفاء - يعنى من أفضلهم - نشر علم الجهاد، وكان ديِّنا فصيحًا
مفوَّهًا، عادلا محبا للغزو، استعان فى إدارة دولته وتصريف
شئونها بعظماء الرجال وصالحيهم، من أمثال: ابن عمه «عمر بن
عبدالعزيز»، و «رجاء بن حيوة». حافظ «سليمان» على هيبة
الدولة ومكانتها، فواصل الجهاد والفتوحات، وأرسل جيشًا
بقيادة أخيه «مسلمة بن عبدالملك» لحصار «القسطنطينية»، فدام
نحو سنة كاملة (٩٨ - ٩٩هـ)، وأشرف بنفسه على هذه الحملة،
حيث اتخذ من مدينة «مرج دابق» شمالى الشام مركز قيادة له؛
ليكون على مقربة من ميدان المعارك الحربية، وتُوفِّى هناك فى
شهر صفر سنة (٩٩هـ)، ولذا قال بعض العلماء: إنه مات شهيدًا،
بعد أن توَّج أعماله بعمل يدل على صلاحه وحرصه على مصالح
المسلمين، وهو تولية ابن عمه «عمر بن عبدالعزيز» الخلافة من
بعده.
стр. 1120
* عمر بن عبدالعزيز
هو «عمر بن عبدالعزيز بن مروان بن الحكم»، وأمه «أم عاصم
بنت عاصم بن عمر بن الخطاب». وُلد فى «المدينة المنورة» سنة
(٢٦هـ) على الأرجح، ونشأ بها بناءً على رغبة أبيه، الذى تولَّى
إمارة «مصر» بعد ولادة «عمر» بثلاث سنوات سنة (٦٥هـ)، فنشأ
بين أخواله من أسرة «عمر بن الخطاب»، ونهل من علم علمائها
من بقية الصحابة، وكبار التابعين، حتى صار من كبار الفقهاء
علمًا وعملا. ظل «عمر» فى «المدينة» حتى سنة (٥٨هـ)، وهى
السنة التى تُوفى فيها أبوه، فاستدعاه عمه «عبدالملك بن
مروان» إلى «دمشق»، وخلطه بأبنائه، وزوَّجه ابنته «فاطمة»،
ثم عيَّنه واليًا على منطقة «خناصرة» شمالى شرقى الشام، ثم
عيَّنه ابن عمه «الوليد بن عبدالملك» واليًا على «المدينة
المنورة»، فكان ذلك مصدر سعادة لعمر ولأهل «المدينة» جميعًا،
ونعم الناس فى فترة ولايته عليها (٨٧ - ٩٣ هـ) بالعدل والأمن،
وأشرك معه أهل العلم والفضل منهم فى إدارة أمور الولاية. أخذ
«عمر بن عبدالعزيز» منذ أن ولى الخلافة فى بذل كل ما يملك
من طاقة، وما يتمتع به من خبرة فى إصلاح أمور الدولة،
واستقرار الأمن، ونشر الرخاء والعدل، وتحقيق الكفاية والوفرة
فى كل أنحائها، والحرص على مال المسلمين، وإنفاقه فى
وجوهه المشروعة، وحسن التصرف فى الأمور، والدقة فى
اختيار الولاة والقضاة وسائر كبار رجال الدولة، وتحقيق التوازن
بين طبقات المجتمع، ومجادلة الخارجين على الدولة بالحسنى؛
لإقناعهم بالعودة إلى حظيرة الجماعة. وقد سرت تلك الروح فى
كل ناحية من نواحى الحياة فى الأمة الإسلامية، فعمها الرخاء،
وسادت فيها الكفاية والعدالة الاجتماعية، حتى إن عمال
الصدقات كانوا يبحثون عن فقراء لإعطائهم فلا يجدون. رأى
«عمر بن عبدالعزيز» أن الدولة اتسعت كثيرًا، وأن كثيرًا من
المشاكل والأخطاء نشأت من ذلك الاتساع، فرأى وقف
الفتوحات والاهتمام بنشر الإسلام فى البلاد التى تم فتحها،
стр. 1121
وإرسال الدعاة والعلماء لدعوة الناس بدلا من إرسال الجيوش
والحملات، وقد أثمرت تلك الجهود نتائج محمودة، فأقبل أبناء
الشعوب المفتوحة على اعتناق الإسلام، يجذبهم إليه سمعة
الخليفة الحسنة، وسمو أخلاقه، ونبله وعدله، الذى تجاوز حدود
دولته إلى غيرها من الدول، فكان موضع إعجاب وتقدير، وحمد
وثناء من أهلها، وبخاصة الدولة البيزنطية. وقد استمرت خلافة
«عمر» سنتين وبضعة أشهر، شهدت فيها الدولة إصلاحات
عظيمة فى الداخل والخارج، وامتلأت الأرض نورًا وعدلا وسماحة
ورحمة، وتجدَّد الأمل فى النفوس بإمكان عودة حكم الراشدين،
واقعًا ملموسًا وحقيقة لا خيالا، وأن يقام المعوج، وينصلح
الفاسد، ويُرد المنحرف إلى جادة الصواب، إذا استشعر الحاكم
مسئوليته عن الأمة أمام الله، واستعان بأهل الصلاح من ذوى
الكفاءة والقدرة، ومن ثم فليس بغريب أن يطلق على «عمر»
«خامس الخلفاء الراشدين»، وأن يكون موضع تقدير أشد الفرق
عداءً لبنى أمية كالشيعة والخوارج. وتُوفِّى «عمر بن
عبدالعزيز» فى أواخر شهر رجب سنة (١٠١هـ).
стр. 1122
* يزيد بن عبدالملك
هو «يزيد بن عبدالملك بن مروان»، وأمه «عاتكة بنت يزيد بن
معاوية ابن أبى سفيان»، وُلد فى «دمشق» سنة (٧١هـ) على
وجه التقريب، وبويع له بالخلافة فى اليوم الذى تُوفى فيه ابن
عمه «عمر بن عبدالعزيز» فى نهاية شهر رجب (١٠١هـ). وتدل
أخباره قبل تولِّيه الخلافة على أنه كان يحب العلم ومجالسة
العلماء، ولديه ميل إلى الاستقامة، وقد حاول بعد توليه الخلافة
أن يقتدى بسلفه العظيم «عمر بن عبدالعزيز»، لكن قرناء السوء
حالوا بينه وبين ذلك، وزيَّنوا له حياة اللهو واللعب، ويعبِّر عن
ذلك «ابن كثير» بقوله: «فلما ولى - «يزيد بن عبدالملك» الخلافة
- عزم على أن يتأسَّى بسيرة عمر بن عبدالعزيز، فما تركه
قرناء السوء، وحسَّنوا له الظلم». ولم تكن مناعة «يزيد» ضد
الانغماس فى حياة اللهو قوية، فاستجاب لقرناء السوء ورفاق
اللهو، ولولا أن الدولة الأموية كانت زاخرة بالرجال الأفذاذ،
وعامرة بالأبطال من أبناء الأسرة الحاكمة، لانهارت فى عصره،
فقد عوَّض هؤلاء عدم كفاءة الخليفة لقيادة الدولة، ويأتى فى
مقدمتهم أخوه: «مسلمة بن عبدالملك» فارس «بنى مروان»، وابن
أخيه «العباس بن الوليد بن عبدالملك»، وابن عمه «مروان بن
محمد بن مروان»، وقد نجح الأولان فى القضاء على الثورة
العارمة، التى أشعلها «يزيد بن المهلب» سنة (١٠٢هـ)، أحد
أبناء البيوتات العربية الطامحة إلى الخلافة بعد ما نجح فى
السيطرة على معظم «العراق»، وعرّض الدولة للسقوط، كما
تصدّوا لحركات الخوارج وكل مناوئى الدولة، وحافظوا على
سلامتها. ولم تطل خلافة «يزيد»، فقد تُوفى فى أواخر شهر
شعبان سنة (١٠٥هـ).
стр. 1123
* هشام بن عبدالملك
هو «هشام بن عبدالملك بن مروان»، رابع أبناء «عبدالملك»
الذين ولوا الخلافة، أمه «أم هاشم بنت إسماعيل المخزومى»،
وُلد فى «دمشق» سنة (٧٢هـ)، وبويع له بالخلافة سنة (١٠٥هـ).
ومع أن المصادر التاريخية لم تحدثنا كثيرًا عن حياته قبل
الخلافة، وعمَّا إذا كانت له مشاركة فى تسيير أمور الدولة أم لا،
فإنها تجمع على أنه كان ذا رأى وبصيرة، وحكمة وفطنة،
حازمًا ذكيا، له بصر بالأمور، جليلها وحقيرها، محشوا عقلا على
حسب تعبير «الطبرى». وكان من حسن الطالع للدولة الأموية
وللمسلمين أن يخلف «هشام بن عبدالملك» أخاه «يزيد»، فقد
ظل فى الخلافة نحو عشرين عامًا، أدار فيها الدولة بكفاءة
عالية، وأظهر حكمة سياسية فى تعامله مع الكتلتين العربيتين
الرئيسيتين فى الدولة، وهما عرب الجنوب (اليمن)، وعرب
الشمال (قيس)، فلم يتحيز إلى كتلة ضد الأخرى، واحتفظ بعلاقة
طيبة معهما ومع الجميع بصفة عامة، ولعل هذه السياسة هى
التى كفلت للدولة الاستقرار النسبى طوال حكمه. وقد تمتع
«هشام» بعديد من الصفات اللازمة لرجل الدولة، من حلم وتسامح
وسعة صدر، وعدل وحزم، أما أبرز صفاته الإدارية على الإطلاق
فهى قدرته الفائقة على تدبير الأموال وحسن التصرف فيها، مع
تحرى العدل فى جمعها وإنفاقها على حد سواء، فنعمت الدولة
فى عهده باستقرار مالى كبير. وأظهر «هشام» كفاءة عالية
ومقدرة فائقة فى إدارة الشئون الخارجية للدولة، فحافظ على
هيبتها فى عيون أعدائها، وبخاصة الدولة البيزنطية. ولم يعكر
صفو الدولة فى عهد «هشام» سوى ثورة «زيد بن على بن
الحسين بن على» سنة (١٢١هـ)، حين حرّضه العراقيون على
الثورة ضد «هشام»، والخروج عليه، ثم تخلَّوا عنه كما فعل
أسلافهم مع جده «الحسين بن على»، وتركوه يلقى حتفه سنة
(١٢٢هـ)، وقد حزن «هشام» على قتله، لأنه كان يكره سفك
الدماء. وتُوفى «هشام بن عبدالملك» فى مطلع شهر ربيع الآخر
سنة (١٢٥هـ).
стр. 1124
* الوليد بن يزيد بن عبدالملك
هو أول حفيد من أحفاد «عبدالملك بن مروان» يتولى الخلافة،
طبقًا لنظام الوراثة الذى سار عليه الأمويون، إذ عَهِدَ «يزيد بن
عبدالملك» إلى ابنه بالخلافة بعد أخيه «هشام بن عبدالملك».
وتُعد خلافة «الوليد بن يزيد» بداية النهاية للدولة الأموية،
وطليعة سقوطها؛ لأنه كان على شاكلة أبيه لهوًا ولعبًا، وإذا
كان أبوه قد رزق من يعوض نقص كفاءته فى الحفاظ على
سلامة الدولة، من إخوته وأبناء عمومته، فإن «الوليد» لم يجد
مثل هذا النوع من أفذاذ الرجال، بل ثار عليه أبناء عمومته من
أبناء «الوليد بن عبدالملك» وأخيه «هشام»، وشهد عصره أول
انقسام داخلى بين الأسرة الأموية وأشده خطرًا. وقد حاول
«الوليد» استرضاء الجند بزيادة رواتبهم، واستمالة الناس بزيادة
أعطياتهم من الأموال الكثيرة التى تركها له عمه «هشام بن
عبدالملك» فى خزانة الدولة، لكن ذلك لم يمنع الثائرين عليه من
أبناء عمومته بزعامة «يزيد بن الوليد» من تلطيخ سمعته واتهامه
بالفسق والفجور، والمبالغة فى تلك التهم والتشهير به؛ لأن «ابن
الأثير» يقول: «إن الوليد لم يكن على هذه الدرجة من السوء، غير
أن خصومه نجحوا فى خطتهم، وقتلوه فى جمادى الآخرة سنة
(١٢٦هـ)، فاتحين بذلك أبواب الشر على الدولة من كل جانب،
مفجِّرين الثورات والفتن فى كل مكان».
стр. 1125
* يزيد بن الوليد بن عبدالملك
هو أول أموى من أم غير عربية يتولَّى الخلافة، فأمه فارسية
تُدعى «شاه أفريد بنت فيروز بن يزدجرد الثالث» آخر ملوك
الفرس. تولَّى الخلافة بعد مقتل ابن عمه «الوليد بن يزيد» سنة
(١٢٦هـ)، وحاول أن يظهر الصلاح والتقوى، ويتشبه بعمر بن
عبدالعزيز فى عدله وزهده، ليمحو من أذهان الناس فعلته
الشنعاء بابن عمه، لكنه لم ينجح فى ذلك، إذ اضطربت عليه
الأمور، ونقم عليه الجند بعد أن أنقص أعطياتهم التى كان قد
زادها الخليفة السابق، ولقَّبُوه «يزيد الناقص». وقد اضطربت
الدولة فى عهده اضطرابًا شديدًا، وجرَّ عليها بفعلته كوارث لا
قِبَل لها بها، وشغل أبناء الأسرة الأموية فى صراعات داخلية
دمويّة، فى الوقت الذى كانوا فيه أحوج الناس إلى الوحدة
والتضامن إزاء الدعوة العباسية التى نشطت استعدادًا للانقضاض
على الدولة. وزاد الأمر سوءًا أن «يزيد» عجز عن المحافظة على
سياسة التوازن بين القبائل العربية التى انتهجها عمه «هشام بن
عبدالملك»؛ فانحاز إلى أهل «اليمن» الذين ساعدوه فى الثورة
على «الوليد»؛ مما أغضب عرب «قيس»، فثاروا عليه فى الشام
معقل «بنى أمية»، ثم أخذ الخلل والاضطراب يسريان فى جميع
أقاليم الدولة. وفى ظل هذه الأحداث الهائجة، والأجواء العاصفة
توفى «يزيد» فجأة فى نهاية سنة (١٢٦هـ)، بعد حكم لم يتجاوز
ستة أشهر، تاركًا الدولة غارقة فى حالة من الفوضى والغليان.
следующие страницы →