← История

История · id 36578

موسوعة سفير للتاريخ الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (3 483 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

وإرسال الدعاة والعلماء لدعوة الناس بدلا من إرسال الجيوش والحملات، وقد أثمرت تلك الجهود نتائج محمودة، فأقبل أبناء الشعوب المفتوحة على اعتناق الإسلام، يجذبهم إليه سمعة الخليفة الحسنة، وسمو أخلاقه، ونبله وعدله، الذى تجاوز حدود دولته إلى غيرها من الدول، فكان موضع إعجاب وتقدير، وحمد وثناء من أهلها، وبخاصة الدولة البيزنطية. وقد استمرت خلافة «عمر» سنتين وبضعة أشهر، شهدت فيها الدولة إصلاحات عظيمة فى الداخل والخارج، وامتلأت الأرض نورًا وعدلا وسماحة ورحمة، وتجدَّد الأمل فى النفوس بإمكان عودة حكم الراشدين، واقعًا ملموسًا وحقيقة لا خيالا، وأن يقام المعوج، وينصلح الفاسد، ويُرد المنحرف إلى جادة الصواب، إذا استشعر الحاكم مسئوليته عن الأمة أمام الله، واستعان بأهل الصلاح من ذوى الكفاءة والقدرة، ومن ثم فليس بغريب أن يطلق على «عمر» «خامس الخلفاء الراشدين»، وأن يكون موضع تقدير أشد الفرق عداءً لبنى أمية كالشيعة والخوارج. وتُوفِّى «عمر بن عبدالعزيز» فى أواخر شهر رجب سنة (١٠١هـ).

стр. 1122

* يزيد بن عبدالملك هو «يزيد بن عبدالملك بن مروان»، وأمه «عاتكة بنت يزيد بن معاوية ابن أبى سفيان»، وُلد فى «دمشق» سنة (٧١هـ) على وجه التقريب، وبويع له بالخلافة فى اليوم الذى تُوفى فيه ابن عمه «عمر بن عبدالعزيز» فى نهاية شهر رجب (١٠١هـ). وتدل أخباره قبل تولِّيه الخلافة على أنه كان يحب العلم ومجالسة العلماء، ولديه ميل إلى الاستقامة، وقد حاول بعد توليه الخلافة أن يقتدى بسلفه العظيم «عمر بن عبدالعزيز»، لكن قرناء السوء حالوا بينه وبين ذلك، وزيَّنوا له حياة اللهو واللعب، ويعبِّر عن ذلك «ابن كثير» بقوله: «فلما ولى - «يزيد بن عبدالملك» الخلافة - عزم على أن يتأسَّى بسيرة عمر بن عبدالعزيز، فما تركه قرناء السوء، وحسَّنوا له الظلم». ولم تكن مناعة «يزيد» ضد الانغماس فى حياة اللهو قوية، فاستجاب لقرناء السوء ورفاق اللهو، ولولا أن الدولة الأموية كانت زاخرة بالرجال الأفذاذ، وعامرة بالأبطال من أبناء الأسرة الحاكمة، لانهارت فى عصره، فقد عوَّض هؤلاء عدم كفاءة الخليفة لقيادة الدولة، ويأتى فى مقدمتهم أخوه: «مسلمة بن عبدالملك» فارس «بنى مروان»، وابن أخيه «العباس بن الوليد بن عبدالملك»، وابن عمه «مروان بن محمد بن مروان»، وقد نجح الأولان فى القضاء على الثورة العارمة، التى أشعلها «يزيد بن المهلب» سنة (١٠٢هـ)، أحد أبناء البيوتات العربية الطامحة إلى الخلافة بعد ما نجح فى السيطرة على معظم «العراق»، وعرّض الدولة للسقوط، كما تصدّوا لحركات الخوارج وكل مناوئى الدولة، وحافظوا على سلامتها. ولم تطل خلافة «يزيد»، فقد تُوفى فى أواخر شهر شعبان سنة (١٠٥هـ).

стр. 1123

* هشام بن عبدالملك هو «هشام بن عبدالملك بن مروان»، رابع أبناء «عبدالملك» الذين ولوا الخلافة، أمه «أم هاشم بنت إسماعيل المخزومى»، وُلد فى «دمشق» سنة (٧٢هـ)، وبويع له بالخلافة سنة (١٠٥هـ). ومع أن المصادر التاريخية لم تحدثنا كثيرًا عن حياته قبل الخلافة، وعمَّا إذا كانت له مشاركة فى تسيير أمور الدولة أم لا، فإنها تجمع على أنه كان ذا رأى وبصيرة، وحكمة وفطنة، حازمًا ذكيا، له بصر بالأمور، جليلها وحقيرها، محشوا عقلا على حسب تعبير «الطبرى». وكان من حسن الطالع للدولة الأموية وللمسلمين أن يخلف «هشام بن عبدالملك» أخاه «يزيد»، فقد ظل فى الخلافة نحو عشرين عامًا، أدار فيها الدولة بكفاءة عالية، وأظهر حكمة سياسية فى تعامله مع الكتلتين العربيتين الرئيسيتين فى الدولة، وهما عرب الجنوب (اليمن)، وعرب الشمال (قيس)، فلم يتحيز إلى كتلة ضد الأخرى، واحتفظ بعلاقة طيبة معهما ومع الجميع بصفة عامة، ولعل هذه السياسة هى التى كفلت للدولة الاستقرار النسبى طوال حكمه. وقد تمتع «هشام» بعديد من الصفات اللازمة لرجل الدولة، من حلم وتسامح وسعة صدر، وعدل وحزم، أما أبرز صفاته الإدارية على الإطلاق فهى قدرته الفائقة على تدبير الأموال وحسن التصرف فيها، مع تحرى العدل فى جمعها وإنفاقها على حد سواء، فنعمت الدولة فى عهده باستقرار مالى كبير. وأظهر «هشام» كفاءة عالية ومقدرة فائقة فى إدارة الشئون الخارجية للدولة، فحافظ على هيبتها فى عيون أعدائها، وبخاصة الدولة البيزنطية. ولم يعكر صفو الدولة فى عهد «هشام» سوى ثورة «زيد بن على بن الحسين بن على» سنة (١٢١هـ)، حين حرّضه العراقيون على الثورة ضد «هشام»، والخروج عليه، ثم تخلَّوا عنه كما فعل أسلافهم مع جده «الحسين بن على»، وتركوه يلقى حتفه سنة (١٢٢هـ)، وقد حزن «هشام» على قتله، لأنه كان يكره سفك الدماء. وتُوفى «هشام بن عبدالملك» فى مطلع شهر ربيع الآخر سنة (١٢٥هـ).

стр. 1124

* الوليد بن يزيد بن عبدالملك هو أول حفيد من أحفاد «عبدالملك بن مروان» يتولى الخلافة، طبقًا لنظام الوراثة الذى سار عليه الأمويون، إذ عَهِدَ «يزيد بن عبدالملك» إلى ابنه بالخلافة بعد أخيه «هشام بن عبدالملك». وتُعد خلافة «الوليد بن يزيد» بداية النهاية للدولة الأموية، وطليعة سقوطها؛ لأنه كان على شاكلة أبيه لهوًا ولعبًا، وإذا كان أبوه قد رزق من يعوض نقص كفاءته فى الحفاظ على سلامة الدولة، من إخوته وأبناء عمومته، فإن «الوليد» لم يجد مثل هذا النوع من أفذاذ الرجال، بل ثار عليه أبناء عمومته من أبناء «الوليد بن عبدالملك» وأخيه «هشام»، وشهد عصره أول انقسام داخلى بين الأسرة الأموية وأشده خطرًا. وقد حاول «الوليد» استرضاء الجند بزيادة رواتبهم، واستمالة الناس بزيادة أعطياتهم من الأموال الكثيرة التى تركها له عمه «هشام بن عبدالملك» فى خزانة الدولة، لكن ذلك لم يمنع الثائرين عليه من أبناء عمومته بزعامة «يزيد بن الوليد» من تلطيخ سمعته واتهامه بالفسق والفجور، والمبالغة فى تلك التهم والتشهير به؛ لأن «ابن الأثير» يقول: «إن الوليد لم يكن على هذه الدرجة من السوء، غير أن خصومه نجحوا فى خطتهم، وقتلوه فى جمادى الآخرة سنة (١٢٦هـ)، فاتحين بذلك أبواب الشر على الدولة من كل جانب، مفجِّرين الثورات والفتن فى كل مكان».

стр. 1125

* يزيد بن الوليد بن عبدالملك هو أول أموى من أم غير عربية يتولَّى الخلافة، فأمه فارسية تُدعى «شاه أفريد بنت فيروز بن يزدجرد الثالث» آخر ملوك الفرس. تولَّى الخلافة بعد مقتل ابن عمه «الوليد بن يزيد» سنة (١٢٦هـ)، وحاول أن يظهر الصلاح والتقوى، ويتشبه بعمر بن عبدالعزيز فى عدله وزهده، ليمحو من أذهان الناس فعلته الشنعاء بابن عمه، لكنه لم ينجح فى ذلك، إذ اضطربت عليه الأمور، ونقم عليه الجند بعد أن أنقص أعطياتهم التى كان قد زادها الخليفة السابق، ولقَّبُوه «يزيد الناقص». وقد اضطربت الدولة فى عهده اضطرابًا شديدًا، وجرَّ عليها بفعلته كوارث لا قِبَل لها بها، وشغل أبناء الأسرة الأموية فى صراعات داخلية دمويّة، فى الوقت الذى كانوا فيه أحوج الناس إلى الوحدة والتضامن إزاء الدعوة العباسية التى نشطت استعدادًا للانقضاض على الدولة. وزاد الأمر سوءًا أن «يزيد» عجز عن المحافظة على سياسة التوازن بين القبائل العربية التى انتهجها عمه «هشام بن عبدالملك»؛ فانحاز إلى أهل «اليمن» الذين ساعدوه فى الثورة على «الوليد»؛ مما أغضب عرب «قيس»، فثاروا عليه فى الشام معقل «بنى أمية»، ثم أخذ الخلل والاضطراب يسريان فى جميع أقاليم الدولة. وفى ظل هذه الأحداث الهائجة، والأجواء العاصفة توفى «يزيد» فجأة فى نهاية سنة (١٢٦هـ)، بعد حكم لم يتجاوز ستة أشهر، تاركًا الدولة غارقة فى حالة من الفوضى والغليان.

стр. 1126

* إبراهيم بن الوليد بن عبدالملك على الرغم من مبايعة بعض الناس لإبراهيم بالخلافة بعد وفاة أخيه «يزيد» الذى كان قد عهد إليه بالخلافة، فإن الأمرلم يتم له، ولم يستطع أن يمسك بزمام الأمور فى الدولة التى انفرط عقدها، لذا يقول «الطبرى»: «كان الناس فى جمعة يسلمون على إبراهيم بن الوليد بالخلافة، وفى الأخرى بالإمارة، وفى الثالثة لا يسلمون عليه لا بالخلافة ولا بالإمارة»، كما رفضت معظم أقاليم الشام بيعته، وحمَّلته هو وأخاه «يزيد» مسئولية قتل «الوليد بن يزيد» وما ترتب على ذلك من فتن وشرور. وفى هذه الأثناء تحرك «مروان بن محمد بن مروان»، والى «أرمينيا» و «أذربيجان»، لإنقاذ الدولة من السقوط والضياع، بعد أن هاله وأفزعه ما أقدم عليه أبناء عمومته، وقدم إلى «دمشق» على رأس ثمانين ألف جندى، للقضاء على «إبراهيم بن الوليد» الذى هرب، فدخلها فى ربيع الآخر سنة (١٢٧هـ)، وبايعه الناس بالخلافة، مؤملين إنقاذ الدولة من الضياع، ولكن كان للأقدار رأى آخر، فقد شاءت أن تكتب فى عهده شهادة وفاة تلك الدولة.

стр. 1127

* مروان بن محمد بن مروان بن الحكم هو آخر خلفاء «بنى أمية»، ولى حكم «أرمينيا» و «أذربيجان» منذ خلافة ابن عمه «هشام بن عبدالملك»، وكان من أكفأ الولاة، وأكثرهم خبرة وبصرًا بالأمور؛ فارسًا شجاعًا، بطلا مقدامًا، غيورًا على ملك «بنى أمية». أدرك «مروان» عواقب مقتل «الوليد بن يزيد» على البيت الأموى، فخرج من «أرمينيا» قاصدًا «دمشق»؛ ليثأر لمقتل «الوليد»، لكن الخليفة الجديد «يزيد بن الوليد» ترضَّاه، ورجاه أن يرجع، ووعده بإصلاح الأحوال، فرجع مؤمِّلا أن يفى الخليفة بوعده، غير أن الخليفة تُوفِّى فجاءة، تاركًا الدولة وأحوالها مضطربة، لأخيه «إبراهيم»، الذى عجز عن النهوض بأعباء الخلافة؛ مما دفع «مروان» إلى التحرك من جديد، قاصدًا «دمشق»، ليجد «إبراهيم» قد غادرها هربًا، فيدخلها، ويبايع له بالخلافة، ليقوم بآخر محاولة لإنقاذ الدولة الأموية، التى شاءت الأقدار أن تكون نهايتها على يديه. ولا يستطيع أحد أن يلوم «مروان» أو يحمله مسئولية زوال الدولة، فعوامل سقوطها كانت تتفاعل وتعمل من زمن بعيد، وكُتب له أن يجنى وحده الثمار المرة لأخطاء من سبقه، على الرغم مما بذله من جهد ومثابرة، وعزم لا يلين، فحارب فى أكثر من ميدان، وصارع أحداثًا عدّة، كانت كلها ضدَّه، وأول خطر واجهه هو انقسام البيت الأموى شيعًا وأحزابًا، وإشعال أبناء عمومته الثورات العارمة ضده فى الشام و «العراق»، ثم انقسام القبائل العربية؛ حيث وقفت القبائل اليمنية فى وجهه، وهم الأنصار التقليديون لبنى أمية، وهبوب ثورات الخوارج الأخيرة ضد الدولة، وانفجار المشكلات فى أنحاء الدولة كلها من «الأندلس» حتى بلاد «خراسان» و «ما وراء النهر». وفى الوقت الذى يواجه فيه «مروان» كل هذه الظروف الصعبة، منتقلا من ميدان إلى ميدان، ومن جبهة إلى أخرى دون كلل أو ملل، محاولا إنقاذ الدولة، وبث روح الحياة فيها، وتجديد الدماء فى أوصالها -

стр. 1128

تفاجئه رايات العباسيين منحدرة من «خراسان» كالسيل المنهمر، مكتسحة كل قواته فى طريقها، ولم تتوقف إلا بهزيمته وهو على رأس جيوشه فى معركة على «نهر الزاب» بالعراق، فى شهر جمادى الآخرة سنة (١٣٢هـ). ولم يجد «مروان» طريقًا سوى الهرب إلى «مصر»، غير أن العباسيين لاحقوه إلى هناك، واستطاع «صالح بن على بن عبدالله بن عباس»، عم أول خليفة عباسى أن يقتله فى قرية تُسمَّى «زاوية المصلوب» التابعة لبوصير الواقعة جنوبى «الجيزة»، فى ذى الحجة سنة (١٣٢هـ)، وبوفاته انتهت الدولة الأموية فى المشرق، وقامت الدولة العباسية.

стр. 1129

* أبان بن عثمان أبوه الخليفة «عثمان بن عفان»، وُلد سنة (٢٠ هـ) بالمدينة، وكان من فقهاء «المدينة» المعدودين، ومن كبار رواة الحديث، تتلمذ لأبيه وغيره من كبار الصحابة، وتعلم على يديه كثير من علماء الحديث والسيرة، فى مقدمتهم: «محمد بن مسلم بن شهاب الزهرى». وعلى الرغم من اشتغاله بالحديث والفقه، فإن شهرته فى العلم بالمغازى والسير جعلته من علمائها البارزين، وتوفى فى نهاية القرن الأول الهجرى.

стр. 1130

* عروة بن الزبير بن العوام وُلد فى «المدينة» سنة (٢٦هـ)، وتتلمذ على يد خالته أم المؤمنين السيدة «عائشة»، وروى عنها حديث النبى - صلى الله عليه وسلم - ومغازيه، واشتهر «عروة» بأنه من فقهاء «المدينة»، مثل «أبان بن عثمان»، غير أن شهرته بالمغازى والسير كانت أكبر، وكانت له مؤلفات كثيرة، ذكر «ابن سعد» فى كتابه «الطبقات» أنه أحرقها فى يوم «الحرة»، وهى الواقعة الحربية المشهورة سنة (٦٣هـ) فى «المدينة»، وقد حزن كثيرًا على فقدها، وتوفى «عروة» سنة (٩٤هـ).

стр. 1131

* شرحبيل بن سعد وهو ثالث ثلاثة من كتاب الطبقة الأولى من أهل «المدينة» فى علم السيرة، نشأ فى «المدينة»، وأخذ العلم عن الصحابة، حتى صار علمًا من أعلام السير والمغازى، ويروى أنه كان أعلم الناس بالمغازى وبخاصة أهل «بدر»، وقد تُوفُّى سنة (١٢٣هـ).

стр. 1132

* وهب بن منبه وُلد فى قرية «زمار» بجوار «صنعاء» باليمن، وهو واحد من رجال الطبقة الأولى من علماء السيرة والمغازى، ومن العلماء الموسوعيين الذين كتبوا فى علوم شتىَّ، فكان مصدرًا من مصادر علوم أهل الكتاب، ومن الثقاة فى تاريخ الأنبياء. وقد ألَّف «وهب» مؤلفات كثيرة، لم يصل إلينا منها شىء، وإن وجدت مؤخرًا فى مدينة «هيدلبرج» بألمانيا أوراق بردى، يقال إنها قطعة من كتاب المغازى لوهب بن منبه، تحوى معلومات عن «بيعة العقبة»، وحديث «قريش» فى دار الندوة، وتدبيرها لقتل الرسول ﷺ ، والاستعداد للهجرة إلى «المدينة». ثم تلا هذه الطبقة طبقة أخرى، واصلت عملها فى مجال التأليف والكتابة فى السيرة والمغازى، من أبرزهم «محمد بن مسلم بن شهاب الزهرى»، الذى امتاز على معاصريه بكثرة الكتابة والتدوين، غير أن مؤلفاته ضاعت ولم يصل إلينا منها شىء، وعلى الرغم من ذلك فإن علمه حفظه لنا تلاميذه الكثيرون، وكان من أعظمهم فى مجال السيرة والمغازى:

стр. 1133

* محمد بن إسحاق وُلد فى «المدينة» سنة (٨٥هـ) فى خلافة «عبد الملك بن مروان»، وتتلمذ لأبيه الذى كان محدثًا فقيهًا، ولغيره من كبار التابعين فى «المدينة»، مثل: «القاسم بن محمد بن أبى بكر الصديق»، و «سالم بن عبد الله بن عمر»، و «أبان بن عثمان بن عفان»، و «نافع مولى عبد الله بن عمر»، و «أبى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف»، و «محمد بن مسلم بن شهاب الزهرى»، ثم رحل «ابن إسحاق» إلى «مصر» سنة (١١٥هـ)، والتقى بعلمائها الكبار، وفى مقدمتهم: «يزيد بن أبى حبيب»، وزار الإسكندرية، ثم عاد إلى «المدينة» ليواصل دراسته، ثم رحل إلى «العراق» بعد قيام الدولة العباسية، وقضى فيها بقية حياته، حتى تُوفِّى سنة (١٥١هـ) وهناك إجماع بين العلماء على إمامة «ابن إسحاق» لعلم السيرة والمغازى، فقد حفظ فى كتابه معظم روايات السابقين وآثارهم العلمية، وكل من أتى بعده عالة عليه فى هذا العلم كما قال الإمام «الشافعى».ولابن إسحاق كتابان: أحدهما عنوانه «كتاب الخلفاء»، وهو مفقود حتى الآن. والآخر: كتاب «السيرة والمبتدأ والمغازى» وهو أقدم كتاب وصل إلينا عن سيرة الرسول ومغازيه، وأوفاها علمًا.

стр. 1134

* ابن إسحاق وُلد فى «المدينة» سنة (٨٥هـ) فى خلافة «عبد الملك بن مروان»، وتتلمذ لأبيه الذى كان محدثًا فقيهًا، ولغيره من كبار التابعين فى «المدينة»، مثل: «القاسم بن محمد بن أبى بكر الصديق»، و «سالم بن عبد الله بن عمر»، و «أبان بن عثمان بن عفان»، و «نافع مولى عبد الله بن عمر»، و «أبى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف»، و «محمد بن مسلم بن شهاب الزهرى»، ثم رحل «ابن إسحاق» إلى «مصر» سنة (١١٥هـ)، والتقى بعلمائها الكبار، وفى مقدمتهم: «يزيد بن أبى حبيب»، وزار الإسكندرية، ثم عاد إلى «المدينة» ليواصل دراسته، ثم رحل إلى «العراق» بعد قيام الدولة العباسية، وقضى فيها بقية حياته، حتى تُوفِّى سنة (١٥١هـ) وهناك إجماع بين العلماء على إمامة «ابن إسحاق» لعلم السيرة والمغازى، فقد حفظ فى كتابه معظم روايات السابقين وآثارهم العلمية، وكل من أتى بعده عالة عليه فى هذا العلم كما قال الإمام «الشافعى».ولابن إسحاق كتابان: أحدهما عنوانه «كتاب الخلفاء»، وهو مفقود حتى الآن. والآخر: كتاب «السيرة والمبتدأ والمغازى» وهو أقدم كتاب وصل إلينا عن سيرة الرسول ومغازيه، وأوفاها علمًا.

стр. 1135

* أبو العباس السفاح هو «عبدالله بن محمد بن على بن عبدالله بن العباس بن عبدالمطلب بن هاشم»،ولد سنة (١٠٠هـ= ٧١٨م) تقريبًا. بويع «أبو العباس» فى «الكوفة» فى شهر ربيع الأول سنة (١٣٢هـ= ٧٤٩م). واستمر فى الحكم أربع سنوات، استطاع خلالها توطيد أركان الخلافة العباسية، والقضاء على كل مقاومة ظهرت فى عهده. وتُوفى الخليفة العباسى الأول «أبو العباس» بالأنبار فى (١٣ من ذى الحجة سنة ١٣٦هـ= ٩ من يونيو سنة ٧٥٤م)، وعمره نحو ست وثلاثين سنة.

стр. 1136

* أبو جعفر المنصور هو «عبدالله بن محمد بن على بن عبدالله بن العباس بن عبدالمطلب الهاشمى»، وكنيته «أبو جعفر». ولد سنة (٩٥هـ= ٧١٤م) فى قرية «الحميمة» بالشام، وتربى وسط كبار الرجال من «بنى هاشم»، فنشأ فصيحًا عالمًا بسير الملوك والأمراء، ودرس النحو والتاريخ والأدب شعرًا ونثرًا وغير ذلك، كما كان كثير الأسفار والتنقل. ولما تولى أخوه «أبو العباس» الخلافة استعان به فى محاربة أعدائه وتصريف أمور الدولة، وكان ينوب عنه فى الحج، كما أوصى «أبو العباس» قبيل وفاته مباشرة بولاية عهده لأخيه «أبى جعفر»، الذى كان غائبًا فى موسم الحج، فلما تُوفِّى «أبو العباس» قام ابن أخيه «عيسى بن موسى» بأخذ البيعة لأبى جعفر من «بنى هاشم» وغيرهم، وأرسل إلى عمه «أبى جعفر» بوفاة أخيه ومبايعته بالخلافة. يُعدُّ «أبو جعفر المنصور» المؤسس الحقيقى للدولة العباسية، وقد واجه بحزم واقتدار العديد من المشاكل والثورات حتى نجح فى السيطرة عليها والقضاء على القائمين بها، ومنها: ثورة عمه «عبدالله بن على»، وتمرد «أبى مسلم الخراسانى»، وثورة «محمد النفس الزكية»، وثورات الفرس، وحركات الخوارج. تُوفى «المنصور» فى (٦ من ذى الحجة سنة ١٥٨هـ= ٧ من أكتوبر سنة ٧٧٥م)، وهو فى طريقه إلى الحج.

стр. 1137

* المهدى العباسي هو «محمد بن عبدالله بن محمد» وُلد بالحميمة سنة (١٢٦هـ=٧٤٣م)، وقد هيأه والده «المنصور» وأعده ليكون جديرًا بمنصب الخلافة من بعده، فنشأ على ثقافة عربية واسعة، ودراية بفنون الحرب وأساليب الإدارة. وعقب وفاة «المنصور» بويع «المهدى» بيعة خاصة من قبل الزعماء بمكة، ثم بايعه جمهور المسلمين فى «بغداد» فى (ذى الحجة سنة ١٥٨هـ= أكتوبر سنة ٧٧٥م). اختلفت سياسة «المهدى» عمن سبقه، فاتسم عهده بالاستقرار والهدوء والتسامح والصفح، فأطلق سراح المسجونين السياسيين، واهتم بإقرار العدل بين الناس، وجلس للنظر فى مظالم الناس مستعينًا بالقضاة، وأمر بالإنفاق على مرضى الجذام؛ حتى لا يختلطوا بالناس فتصيبهم العدوى، كما اهتم اهتمامًا خاصا بالحرمين الشريفين وبكسوة «الكعبة». وقد عفا «المهدى» عن بعض آل البيت ومنحهم الأموال والإقطاعات، وحينما أدى فريضة الحج سنة (١٦٠هـ= ٧٧٧م) وزع أموالاً كثيرة على أهل «مكة» و «المدينة»، وأصدر عفوًا عاما عمن عاقبهم «المنصور» من أهل «الحجاز»؛ لمشاركتهم فى الثورة العلوية، واختار خمسمائة من رجال الأنصار وكوَّن منهم حرسه الخاص، كما قام ببث العيون والجواسيس بالبلاد لرصد أى تحرك معادٍ للدولة، ورغم ذلك فقد حاول بعض العلويين مثل «عيسى بن زيد بن على» و «على بن العباس بن الحسن» القيام بثورة ضد الخلافة العباسية، لكنها لم تنجح؛ حيث عاجلهما الموت. واجه «المهدى» عدة ثورات من الخوارج وقضى عليها بحزمه وسرعة مواجهته، كان «المنصور» قد ترك بعد وفاته فى بيت المال أربعة عشر مليون دينار وستمائة مليون درهم، قام «المهدى» بتوزيعها على الناس؛ فشاع بينهم الترف والنعيم واللهو واللعب، كما اتبعه الناس فى حبه للآداب والفنون؛ فارتقت الآداب والفنون، وسادت بين طبقات الشعب، وكان «المهدى» أول خليفة يُحمل إليه الثلج إلى «مكة» فى الحج، كما كان مترفًا فى ملبسه ومأكله. تُوفِّى «المهدى» سنة (١٦٩هـ= ٧٨٥م)

стр. 1138

وعمره ثلاث وأربعون سنة، وقد قضى فى الحكم إحدى عشرة سنة.

стр. 1139

* الهادى (خليفة عباسي) هو «موسى» ابن الخليفة «المهدى»، تولى الخلافة فى (٢٢ من المحرم سنة ١٦٩هـ= ٥ من أغسطس سنة ٧٨٥م). اتصف الخليفة «الهادى» بالغيرة والشهامة والجرأة، ورفض تدخل أمه «الخيزران» فى سياسة الدولة كما كانت تفعل فى عهد والده «المهدى». وقد واجه «الهادى» مشاكل خطيرة على رأسها ثورة البيت العلوى بقيادة «الحسين بن على بن الحسن» فى «المدينة» سنة (١٦٩هـ= ٧٨٥م)، إلا أن «الهادى» أرسل جيشًا على وجه السرعة نجح فى القضاء عليها فى (٨ من ذى الحجة سنة ١٦٩هـ=١١من يونيو سنة ٧٨٦م) وحاول «الهادى» نقل ولاية العهد من أخيه «الرشيد» إلى ابنه «جعفر»، الذى لم يكن قد بلغ الثامنة من عمره مخالفًا وصية والده فى ترتيب ولاية العهد، إلا أن الموت عاجله فلم يتحقق له ما أراد. تُوفِّى «الهادى» ليلة الجمعة، (نصف ربيع الأول سنة ١٧٠هـ= نصف أغسطس ٧٨٦م) وبذلك تكون مدة خلافته سنة وشهرًا واثنين وعشرين يومًا.

стр. 1140

* هارون الرشيد هو «هارون بن محمد المهدى»، وُلد بالرى فى آخر (ذى الحجة سنة ١٤٥هـ= فبراير سنة ٧٦٣م)، وتولى الخلافة فى الليلة التى مات فيها أخوه «الهادى» وعمره اثنان وعشرون عامًا. ويُعدُّ «الرشيد» أشهر خلفاء العباسيين وأبعدهم صيتًا، فقد ملأت أخباره كتب التاريخ شرقًا وغربًا. اهتم «الرشيد» بإقامة العدل فى الناس، فأمر بإعادة الأراضى التى اغتصبها أهل بيته فى عهد الخلفاء السابقين إلى أصحابها، ورفع الظلم عن المسجونين ظلمًا، وقسم أموال ذوى القربى بين «بنى هاشم» كلهم بالعدل، وأصدر عفوًا عن المعتقلين السياسيين، فأخرج من كان فى السجن من العلويين، وسمح لهم بالعودة إلى «المدينة»، ومنحهم الرواتب، كما أجرى «الرشيد» تعديلات واسعة فى مناصب الدولة فى كل من «مكة» و «المدينة» و «الطائف» و «الكوفة» و «خراسان» و «أرمينية» و «الموصل». تمتع البرامكة فى بداية عهد «الرشيد» بالسلطة والجاه والنفوذ، وتقلدوا مناصب الدولة المهمة، حتى إذا جاء شهر (صفر سنة ١٨٧هـ= يناير سنة ٨٠٣م) أمر «الرشيد» بسجنهم، ومصادرة أموالهم وممتلكاتهم، فيما عرف فى التاريخ بنكبة البرامكة. ازدهر المجتمع فى عهد «الرشيد» اقتصاديا وثقافيا وعلميا وعمرانيا، فقد تدفقت الأموال من كل مكان، واتسعت رقعة الدولة واستقر الأمن بها وازدهرت التجارة، وأصبحت «بغداد» قبلة للطامحين فى الثراء والترف، كما قصدها النوابغ والعباقرة والصناع المهرة من سائر الشعوب، وشيدت فيها القصور الرائعة والمساجد الكبيرة، وانتشرت الحدائق العامة، والأسواق المتخصصة كسوق الذهب والنحاس، والنسيج وغير ذلك. وكان «الرشيد» على قدر عالٍ من الثقافة والمعرفة، واجتمع عنده أقطاب العلم والعمل والسياسة والحرب مثل: «أبى يوسف» تلميذ الإمام «أبى حنيفة»، و «الأصمعى» الراوية المشهور، و «أبى العتاهية» و «أبى نواس» من الشعراء، وداهية السياسة «يحيى البرمكى» وابنيه «الفضل» و «جعفر»، ومن المغنين «إبراهيم

стр. 1141

الموصلى» وابنه «إسحاق»، ومن الموسيقيين «زلزل» و «برصوم»، وغيرهم من أمراء العباسيين القادة والخطباء والشعراء والساسة. أثناء سفر «الرشيد» من «بغداد» إلى «خراسان» اشتد المرض عليه، وتُوفِّى صباح يوم الجمعة (٢ من جمادى الآخرة سنة ١٩٣هـ= ٢٣ من مارس سنة ٨٠٩م)، وعمره خمس وأربعون سنة. وقد حكم «الرشيد» البلاد ثلاثة وعشرين عامًا، بلغت فيها «الدولة العباسية» ذروة مجدها، وقد تحدث عنه كثير من المؤرخين، فقال عنه «الطبرى»: «غزا سبع مرات، وجهز عشرين حملة للجهاد فى البر والبحر». وقال عنه «ابن خلكان»: «حج فى خلافته تسع حجج، وكان يصلى فى اليوم مائة ركعة».

стр. 1142

* محمد الأمين هو «محمد بن هارون الرشيد»، وُلد بالرصافة وأمه «زبيدة» ابنة «جعفر الأكبر بن المنصور»، تولى الخلافة عقب وفاة أبيه «هارون الرشيد» باعتباره ولى عهده، وكان عمره حينئذٍ ثمانية وعشرين عامًا. تشير مصادر التاريخ إلى أن بداية الخلاف بينه وبين أخيه المأمون كانت من جانب «الأمين»، حين خالف أمر والده «الرشيد» فى مرضه، بأن يكون ما فى معسكره من أموال ومتاع وجند لأخيه «المأمون»، فى «مرو»؛ مما أحدث أثرًا سيئًا فى نفس «المأمون». وكانت الخطوة التالية قيام «الأمين» بتعيين ابنه «موسى» وليا للعهد بدلاً من أخويه «المأمون» و «المؤتمن»، فقام «المأمون» بإسقاط اسم «الأمين» من الطرز والسّكَة، ومنع البريد من الوصول إليه بأخبار «خراسان»، ثم طلب من أخيه «الأمين» أن يرد إليه مائة ألف دينار كان والده «الرشيد» قد أوصى بها إليه فرفض «الأمين»، ثم تطور الصراع بينهما إلى المواجهة العسكرية، فجهز «الأمين» جيشًا بقيادة «على بن عيسى بن ماهان»، وجهَّز «المأمون» جيشًا ضخمًا بقيادة «طاهر بن الحسين»، ودارت عدة معارك بين الجيشين انتهت بمحاصرة «بغداد» ومقتل «الأمين» سنة (١٩٨هـ= ٨١٣م)، وقد دامت خلافة «الأمين» أربع سنوات وثمانية أشهر وخمسة أيام.

стр. 1143

* الأمين بن هارون الرشيد هو محمد بن هارون الرشيد بن محمد المهدى بن المنصور، أبو عبدالله أو أبو موسى، سادس خلفاء الدولة العباسية. ولد ببغداد فى شوال سنة (١٧٠ هـ = ٧٨٦ م) وتلقى تعليمه فى صغره على الكسائى العالم اللغوى وقرأ عليه القرآن. وكان الأمين حسن الصورة، وشجاعًا، وفصيحًا. وفى سنة (١٧٥ هـ = ٧٩١ م) قسم أبوه الرشيد الدولة بينه وبين أخيه المأمون ثم أوصى له بالخلافة من بعده. فلما توفى الرشيد سنة (١٩٣ هـ = ٨٠٩ م) بويع للأمين بالخلافة، ولم يكن الأمين والمأمون على وفاق فى حياة أبيهما، فلما مات الرشيد ساءت العلاقة بينهما، وقد شجع على ذلك الوزير الفضل بن الربيع وزير الأمين، وتفاقم الأمر حتى إن الأمين أعدَّ جيشًا بقيادة قائده على بن عيسى وأمره بالتوجه إلى خراسان واليًا عليها، وعزل أخيه المأمون، ولكن هذا الجيش هزم، وقُتل على بن عيسى وأرسل الأمين أكثر من جيش كان مصيرهم الهزيمة أمام جيش المأمون حتى خلعت أكثر الأقاليم طاعتها له وبايعت المأمون بالخلافة فأرسل المأمون قائده طاهر بن الحسين فاستولى على بغداد، وهرب منها الأمين ولكن بعض العجم لحقوا به وقتلوه فى صفر سنة (١٩٨ هـ = ٨١٣ م).

стр. 1144

* المأمون هو «عبدالله بن هارون الرشيد»، وُلد فى منتصف (ربيع الأول سنة (١٧٠هـ= أغسطس سنة ٧٨٦م) وأمه «أم ولد» فارسية تُسمَّى «مراجل»، وكان يكنى «أبا العباس»، ويُلقب بالمأمون. نشأ «المأمون» نشأة إسلامية، وتلقى العلوم العربية، وتدرَّب على فنون القتال والنزال وقيادة الجند، كما أسند والده «الرشيد» إلى وزيره «جعفر البرمكى» مهمة الإشراف على تنشئته، وقد أظهر المأمون نبوغًا خلال دراسته. ولما تولى «المأمون» الخلافةعزم أن يقدم القدوة الصالحة والسيرة الحسنة فى الناس حتى يقتدى به رجال دولته، وكان يقول: «أول العدل أن يعدل الملك فى بطانته، ثم الذين يلونهم، حتى يبلغ إلى الطبقة السفلى». كما اتصف «المأمون» بالعفو والحلم حتى اشتهر بذلك وهو القائل: «لو عرف الناس حبى للعفو لتقربوا إلىّ بالجرائم، وأخاف ألا أؤجر عليه»، يعنى لكونه طبعًا له يستلذ به. انتهج «المأمون» سياسة واعية تقوم على أسس واضحة منها: ١ - تأليف القلوب بالعفو والعطاء، وقد عد «اليعقوبى» سبع عشرة حادثة يستحق صاحب كل واحدة منها القتل عند أمثال «المنصور»، لكنها قوبلت عند «المأمون» بالعفو. ٢ - العناية بالعلم والعلماء: كان للمأمون ولعٌ بالأمور العلمية والفلسفية، فكان يعقد مجالس المناظرة ويبعث فى طلب العلماء والأعلام من «بيزنطة» لحضورها، وكان يتصيَّد الكتب النادرة ويدفع فيها المبالغ الطائلة، ويجعل حصوله عليها شرطًا من شروط الهدنة ووقف القتال مع الروم، كما أقام «بيت الحكمة» وجعل فيها مكتبة ضخمة، وجهازًا كبيرًا للترجمة من مختلف اللغات إلى اللغة العربية، حشد له نحو سبعين مترجمًا. ظل «المأمون» خليفة للمسلمين عشرين سنة وخمسة أشهر وعشرين يومًا، وقد تُوفِّى فى (١٨من رجب سنة ٢١٨هـ= ٨٣٣م).

стр. 1145

* المعتصم بالله هو «محمد بن هارون الرشيد»، وُلد فى (شعبان سنة ١٨٠هـ= أكتوبر سنة ٧٩٦م)، وأمه جارية تركية اسمها «مارده»، وقد تولى الخلافة عقب وفاة أخيه «المأمون». اختلفت الأوضاع السياسية فى عهد «المعتصم» عنها فى عهد من سبقه، بسبب ظهور عوامل جديدة على مسرح الأحداث، كان فى مقدمتها ظهور العنصر التركى قوة مؤثرة فى حركة الأحداث؛ فتمتع الأتراك بصفات عسكرية كالشدة والقوة والتحمل جعل «المعتصم» يستكثر منهم، يضاف إلى ذلك أن أمه تركية. إلا أن كثرة الأتراك سببت أضرارًا كبيرة لسكان «بغداد»، مما دفع «المعتصم» إلى البحث عن مكان جديد يكون عاصمة له فوقع الاختيار على المكان الذى بنيت عليه مدينة «سُرّ من رأى» (سامراء حاليا) التى بُدء البناء فيها سنة (٢٢١هـ= ٨٣٦م)، ويتميز موقعها بميزات سياسية واقتصادية وعسكرية، فمن الناحية السياسية فإنها فى موقع متوسط يسهل الاتصال بأنحاء الدولة، ومن الناحية الاقتصادية فإن موقعها يسهل عمليات التبادل التجارى بين النواحى الشمالية والجنوبية، وعسكريا فإن إحاطة المياه بها يجعلها فى مأمن من أى عدوان خارجى. ومن الأعمال العظيمة التى تنسب إلى «المعتصم بالله» نجاحه فى القضاء على ثورة «بابك الخرمى»، فحينما تولى أمر البلاد جهز جيشًا بقيادة «الأفشين» وزوَّده بكل أدوات القتال وبالمال اللازم؛ حيث دارت عدة معارك، انتهت بالقبض على «بابك الخرمى» وإعدامه. تُوفى «المعتصم بالله» فى شهر (ربيع الأول سنة ٢٢٧هـ= ديسمبر سنة ٨٤١م)، وقد أطلق عليه بعض المؤرخين «المُثَمن»، لأن خلافته دامت ثمانى سنين وثمانية أشهر ويومين، ومولده فى الشهر الثامن من العام الهجرى، ومات عن ثمانية بنين وثمانى بنات.

стр. 1146

* الواثق بالله هو «هارون بن المعتصم بالله»، يكنى «أبا جعفر» وأمه أم ولد رومية تُسمى «قراطيس»، وكان فطنًا لبيبًا فصيحًا ينظم الشعر ويحب الموسيقىوقد تولى «الواثق بالله» الحكم يوم وفاة والده «المعتصم». تظهر ملامح سياسة الواثق فيما يلى: أولاً: تمسكه بمذهب المعتزلة، حتى جعله المذهب الرسمى للدولة، مما أثار أهل السنة ضده، إلا أنه تصدى لهم وقبض على زعمائهم. ثانيًا: تقريبه للأتراك جريًا على سياسة والده «المعتصم»، حتى إنه قسم البلاد بين رجلين من الأتراك، الأول «أشناس» وأعطاه الشطر الغربى من الدولة إلى آخر بلاد «المغرب»، والثانى قائده «إيتاخ» وأعطاه الشطر الشرقى: «دجلة» و «فارس» و «السند»، وكان كل منهما يعين الولاة الذين يريدهم، هذا بالإضافة إلى عدد من القادة الأتراك الذين شغلوا مناصب خطيرة، مثل: «وصيف التركى» الذى أوكل إليه «الواثق» القضاء على ثورة المتمردين الأكراد، و «بغا الكبير» الذى أخمد ثورة الأعراب بنواحى «المدينة».وكان الواثق يغدق عليهم الأموال والهدايا. ثالثًا: مصادرة أموال كبار الموظفين، مثل «أحمد بن إسرائيل»، الذى أخذ منه ثمانين ألف دينار، و «سليمان بن وهب» كاتب «إيتاخ»، الذى أخذ منه أربعمائة ألف دينار، وغيرهما، مما ترك آثارًا سيئة فى الجهاز الإدارى والاستقرار المالى للدولة، وأصابهما بالفساد والخلل. رابعًا: إحسانه إلى بعض طوائف الأمة، وفى مقدمتهم العلويون حيث أغدق عليهم الأموال. استمر «الواثق» فى مقعد الخلافة خمس سنين وتسعة أشهر، ثم أُصيب بمرض الاستسقاء، ومات فى (ذى الحجة سنة ٢٣٢هـ= يوليو سنة ٨٤٧م)، وعمره اثنان وثلاثون عامًا، وقيل: ستة وثلاثون.

стр. 1147

* المتوكل على الله هو جعفر بن المعتصم بالله، تولى الخلافة فى ذى الحجة سنة (٢٣٢هـ= ٨٤٧م)، وكان عهده بداية حقبة الضعف والتدهور، وتفكك بنيان الخلافة العباسية. ورغم أن «المتوكل»: كان قوى الشخصية، وافر الهيبة فإنه لم يستطع أن يضع حدا لاستفحال النفوذ التركى فى عهده، الذى كان له دور فى توليته الخلافة بعد أن كادت البيعة تتم لمحمد بن الواثق، وكان غلامًا. وقد نجح «المتوكل» فى البداية فى التخلص من أخطر العناصر التركية فى عهده، وهو «إيتاخ» الذى استفحل خطره حتى إنه همَّ يومًا بقتل الخليفة «المتوكل» حين تبسَّط معه فى المزاح، لكن الخليفة نجح فى التخلص منه سنة (٢٣٥هـ= ٨٤٩م)، كما عزم على التخلص من قادة الأتراك ووجوههم، مثل «وصيف» و «بُغا»، إلا أنهم استغلوا ما بينه وبين ابنه وولى عهده «محمد المنتصر» من خلاف وجفوة ودبروا مؤامرة انتهت بقتل «المتوكل» ووزيره «الفتح بن خاقان» فى الخامس من شوال سنة (٢٤٧هـ= ٨٦١م)، وبايعوا ابنه «المنتصر» خليفة. وقد استطاع «المتوكل» فى عهده أن يظفر بمكانة عظيمة فى قلوب جماهير المسلمين، حين منع النقاش فى القضايا الجدلية التى آثارها المعتزلة، مثل قضية خلق القرآن، كما رد للإمام «أحمد بن حنبل» اعتباره وجعله من المقربين إليه، بعد أن اضطُهد فى عهد «المأمون» و «المعتصم» و «الواثق»؛ لعدم إقراره القول بخلق القرآن، كما أمر «المتوكل» الفقهاء والمحدِّثين أن يجلسوا للناس ويحدثوهم بالأحاديث التى فيها رد على المعتزلة فأثنى الناس عليه، حتى قالوا: الخلفاء ثلاثة: «أبو بكر الصديق» قاتل أهل الردة حتى استجابوا له، و «عمر بن عبدالعزيز» رد مظالم «بنى أمية»، و «المتوكل» محا البدع وأظهر السنة.

стр. 1148

* جعفر بن المعتصم بالله هو جعفر بن المعتصم بالله، تولى الخلافة فى ذى الحجة سنة (٢٣٢هـ= ٨٤٧م)، وكان عهده بداية حقبة الضعف والتدهور، وتفكك بنيان الخلافة العباسية. ورغم أن «المتوكل»: كان قوى الشخصية، وافر الهيبة فإنه لم يستطع أن يضع حدا لاستفحال النفوذ التركى فى عهده، الذى كان له دور فى توليته الخلافة بعد أن كادت البيعة تتم لمحمد بن الواثق، وكان غلامًا. وقد نجح «المتوكل» فى البداية فى التخلص من أخطر العناصر التركية فى عهده، وهو «إيتاخ» الذى استفحل خطره حتى إنه همَّ يومًا بقتل الخليفة «المتوكل» حين تبسَّط معه فى المزاح، لكن الخليفة نجح فى التخلص منه سنة (٢٣٥هـ= ٨٤٩م)، كما عزم على التخلص من قادة الأتراك ووجوههم، مثل «وصيف» و «بُغا»، إلا أنهم استغلوا ما بينه وبين ابنه وولى عهده «محمد المنتصر» من خلاف وجفوة ودبروا مؤامرة انتهت بقتل «المتوكل» ووزيره «الفتح بن خاقان» فى الخامس من شوال سنة (٢٤٧هـ= ٨٦١م)، وبايعوا ابنه «المنتصر» خليفة. وقد استطاع «المتوكل» فى عهده أن يظفر بمكانة عظيمة فى قلوب جماهير المسلمين، حين منع النقاش فى القضايا الجدلية التى آثارها المعتزلة، مثل قضية خلق القرآن، كما رد للإمام «أحمد بن حنبل» اعتباره وجعله من المقربين إليه، بعد أن اضطُهد فى عهد «المأمون» و «المعتصم» و «الواثق»؛ لعدم إقراره القول بخلق القرآن، كما أمر «المتوكل» الفقهاء والمحدِّثين أن يجلسوا للناس ويحدثوهم بالأحاديث التى فيها رد على المعتزلة فأثنى الناس عليه، حتى قالوا: الخلفاء ثلاثة: «أبو بكر الصديق» قاتل أهل الردة حتى استجابوا له، و «عمر بن عبدالعزيز» رد مظالم «بنى أمية»، و «المتوكل» محا البدع وأظهر السنة.

стр. 1149

* المنتصر بالله هو محمد بن المتوكل على الله جعفر بن المعتصم، تولى الخلافة العباسية فى اليوم الذى قُتل فيه أبوه، وذلك فى شوال سنة (٢٤٧هـ= ديسمبر سنة٨٦١م)، وعمره ستة وعشرون عامًا. وحاول التصدى للنفوذ التركى بكل حزم، وصار يسب الأتراك ويقول: هؤلاء قتلة الخلفاء! ورغم أن «المنتصر بالله» كان وافر العقل قوى الشخصية فإن الأتراك احتالوا على قتله، فأعطوا طبيبه «ابن طيفور» ثلاثين ألف دينار، ففصده بمبضع مسموم فمات، فى (ربيع الآخر سنة ٢٤٨هـ= يونيو سنة٨٦٢م) بعد حكم دام ستة أشهر فقط، ويروى أنه حينما احتضر، قال لأمه: «يا أماه! ذهبت منى الدنيا والآخرة، عاجلت أبى فعوجلت». ومن مآثر «المنتصر بالله»، خلال فترة حكمه القصيرة، إحسانه إلى العلويين، وإزالته عنهم ما كانوا فيه من خوف وضيق فى عهد أبيه «المتوكل».

стр. 1150

* محمد بن المتوكل هو محمد بن المتوكل على الله جعفر بن المعتصم، تولى الخلافة العباسية فى اليوم الذى قُتل فيه أبوه، وذلك فى شوال سنة (٢٤٧هـ= ديسمبر سنة٨٦١م)، وعمره ستة وعشرون عامًا. وحاول التصدى للنفوذ التركى بكل حزم، وصار يسب الأتراك ويقول: هؤلاء قتلة الخلفاء! ورغم أن «المنتصر بالله» كان وافر العقل قوى الشخصية فإن الأتراك احتالوا على قتله، فأعطوا طبيبه «ابن طيفور» ثلاثين ألف دينار، ففصده بمبضع مسموم فمات، فى (ربيع الآخر سنة ٢٤٨هـ= يونيو سنة٨٦٢م) بعد حكم دام ستة أشهر فقط، ويروى أنه حينما احتضر، قال لأمه: «يا أماه! ذهبت منى الدنيا والآخرة، عاجلت أبى فعوجلت». ومن مآثر «المنتصر بالله»، خلال فترة حكمه القصيرة، إحسانه إلى العلويين، وإزالته عنهم ما كانوا فيه من خوف وضيق فى عهد أبيه «المتوكل».

стр. 1151

* المستعين بالله هو «أحمد بن المعتصم»، تولى الخلافة فى السادس من (ربيع الآخر سنة ٢٤٨هـ= يونيو سنة ٨٦٢م)، وعمره ثمانٍ وعشرون سنة، فعقب وفاة «المنتصر» اجتمع الأتراك بزعامة «بُغا الصغير» و «بُغا الكبير»، وقرروا عدم تولية أحد من أولاد «المتوكل» الخلافة، خوفًا من انتقامه منهم، وبايعوا «أحمد بن المعتصم»، الملقَّب بالمستعين بالله. وكان من الطبيعى ألا يكون للمستعين بالله مع الأتراك أمر ولا نهى، ولم يمضِ وقت طويل حتى غضب عليه الأتراك وقرروا خلعه ومبايعة «المعتز بالله محمد بن المتوكل»؛ فاشتعلت الحرب بين أنصار «المستعين» وأنصار «المعتز»، وانتهت بالقبض على «المستعين» وقتله فى سجنه فى (شوال سنة ٢٥٢هـ= ديسمبر سنة ٨٦٦م). وقد شهدت خلافة «المستعين بالله» قيام «الدولة العلوية» بطبرستان سنة (٢٥٠هـ= ٨٦٤م)، على يد «الحسن بن زيد العلوى» الملقب بالداعى الكبير، واستمرت هذه الدولة حتى سنة (٣١٦هـ= ٩٢٨م).

стр. 1152

* المعتز بالله محمد بن المتوكل هو محمد بن المتوكل على الله، بويع له بالخلافة العباسية فى شوال سنة (٢٥٢هـ= ديسمبر سنة ٨٦٦م)، وعمره تسعة عشر عامًا، وكان من أهم الأحداث التى شهدتها خلافة «المعتز» قيام «الدولة الصفَّارية» فى «فارس» بزعامة «يعقوب بن الليث الصفَّار» وذهاب «أحمد بن طولون» إلى «مصر» سنة (٢٥٤هـ= ٨٦٨م) نائبًا عن واليها، لكنه استطاع فى فترة لاحقة أن يستقل بها عن العباسيين، وأن يضم إليها «الشام» مكونًا بذلك «الدولة الطولونية» فى «مصر» و «الشام». وقد استضعفه الأتراك وطلبوا منه مالاً فاعتذر لهم بفراغ بيت المال، فثاروا عليه وضربوه ومزقوا ملابسه، وأقاموه فى الشمس، فكان يرفع رجلاً ويضع أخرى من شدة الحر، ثم سجنوه وعذبوه حتى مات (فى شعبان سنة ٢٥٥هـ= يوليوسنة ٨٦٩م).

стр. 1153

* المهتدى بالله محمد بن الواثق هو محمد بن الواثق بن المعتصم، بايعه الأتراك خليفة للمسلمين فى (رجب سنة ٢٥٥هـ= يونيو سنة٨٦٩م)، عقب الإطاحة بالمعتز، وقد كان «المهتدى» تقيا شجاعًا حازمًا، وكان يتخذ «عمر بن عبدالعزيز» مثله الأعلى، ويقول: إنى أستحيى أن يكون فى «بنى أمية» مثله، ولا يكون مثله فى «بنى العباس»، ولذلك نبذ الملاهى وحرَّم الغناء والخمور وحارب الظلم. وقد كان من أهم الأحداث التى شهدها عصر «المهتدى بالله» ثورة الزَّنج وسُميت بذلك لأن أعدادًا كبيرة من الذين شاركوا فيها كانوا عبيدًا سودًا. حاول «المهتدى بالله» أن يوقف طغيان الأتراك واستبدادهم فقتل بعضهم، فثاروا عليه وأسروه وعذبوه ليخلع نفسه فرفض، فقاموا بخلعه وسجنه وتعذيبه حتى مات فى (رجب سنة ٢٥٦هـ= يونيو ٨٧٠م).

стр. 1154

* المعتمد على الله هو «المعتمد على الله» أحمد بن المتوكل، تولى الخلافة بعد خلع «المهتدى» سنة (٢٥٦هـ= ٨٧٠م)، وقد أتاحت الظروف التى تولى فيها «المعتمد» مقاليد الحكم ظهور ما عُرف باسم «صحوة الخلافة» فى «العصر العباسى الثانى». فقد تصاعد النزاع الداخلى بين القادة الأتراك، وساءت معاملتهم لجنودهم، كما ازدادت شكوى الجمهور من مضايقاتهم، مما أدى إلى ظهور اتجاه قوى داخل الجيش بحتمية جعل القيادة العسكرية العليا فى يد أحد أمراء البيت العباسى؛ يقوم الخليفة باختياره، ويدين له الجميع بالطاعة، وقد اختار «المعتمد» أخاه «الموفق» قائدًا للجيش، فكانت «صحوة الخلافة»؛ حيث استردت قوتها وهيبتها واستطاع «الموفق» بحكمته وحزمه وصلابة إرادته أن يكبح جماح الأتراك، وأن يعيد تنظيم الجيش، ويقر الأمن والنظام. ورغم أن «المعتمد بالله» كان الخليفة الرسمى فإن أخاه «الموفق» كان صاحب السلطة الفعلية، فكان له الأمر والنهى، وقيادة الجيش ومحاربة الأعداء، ومرابطة الثغور، وتعيين الوزراء والأمراء، وكان قضاء «الموفق» على «ثورة الزنج» سنة (٢٧٠هـ= ٨٨٣م) أعظم إنجاز له. وقد تُوفِّى «الموفق» فى (صفر سنة ٢٧٨هـ= مايوسنة ٨٩١م)، وفى العام التالى تُوفِّى الخليفة «المعتمد» فى (رجب سنة ٢٧٩هـ= سبتمبرسنة ٨٩٢م)، بعد أن حكم البلاد ثلاثة وعشرين عامًا. وقد حفل عهده بالعلماء الأعلام فى مجالات المعرفة المختلفة.

стр. 1155

* أحمد بن المتوكل بن المعتصم هو «المعتمد على الله» أحمد بن المتوكل، تولى الخلافة بعد خلع «المهتدى» سنة (٢٥٦هـ= ٨٧٠م)، وقد أتاحت الظروف التى تولى فيها «المعتمد» مقاليد الحكم ظهور ما عُرف باسم «صحوة الخلافة» فى «العصر العباسى الثانى». فقد تصاعد النزاع الداخلى بين القادة الأتراك، وساءت معاملتهم لجنودهم، كما ازدادت شكوى الجمهور من مضايقاتهم، مما أدى إلى ظهور اتجاه قوى داخل الجيش بحتمية جعل القيادة العسكرية العليا فى يد أحد أمراء البيت العباسى؛ يقوم الخليفة باختياره، ويدين له الجميع بالطاعة، وقد اختار «المعتمد» أخاه «الموفق» قائدًا للجيش، فكانت «صحوة الخلافة»؛ حيث استردت قوتها وهيبتها واستطاع «الموفق» بحكمته وحزمه وصلابة إرادته أن يكبح جماح الأتراك، وأن يعيد تنظيم الجيش، ويقر الأمن والنظام. ورغم أن «المعتمد بالله» كان الخليفة الرسمى فإن أخاه «الموفق» كان صاحب السلطة الفعلية، فكان له الأمر والنهى، وقيادة الجيش ومحاربة الأعداء، ومرابطة الثغور، وتعيين الوزراء والأمراء، وكان قضاء «الموفق» على «ثورة الزنج» سنة (٢٧٠هـ= ٨٨٣م) أعظم إنجاز له. وقد تُوفِّى «الموفق» فى (صفر سنة ٢٧٨هـ= مايوسنة ٨٩١م)، وفى العام التالى تُوفِّى الخليفة «المعتمد» فى (رجب سنة ٢٧٩هـ= سبتمبرسنة ٨٩٢م)، بعد أن حكم البلاد ثلاثة وعشرين عامًا. وقد حفل عهده بالعلماء الأعلام فى مجالات المعرفة المختلفة.

стр. 1156

* المعتضد بالله هوأبو العباس أحمد بن الموفق طلحة بن المتوكل، تولى الخلافة بعد وفاة عمه «المعتمد»، وكان قوى الشخصية؛ فحفظ هيبة الخلافة، كما كانت فى عهد أبيه «الموفق» وعمه «المعتمد»، يقول «السيوطى»: كان «المعتضد» شهمًا جلدًا، موصوفًا بالرُّجلة (أى الشجاعة)، وقد خاض الحروب وعُرف فضله، فقام بالأمر أحسن قيام، وهابه الناس ورهبوه أحسن رهبة، وسكنت الفتن فى أيامه لفرط هيبته، وكانت أيامه طيبة كثيرة الأمن والرخاء. وقد تمكن «المعتضد» خلال حكمه الذى دام عشر سنوات من تهيئة المزيد من القوة والاستقرار للدولة العباسية، فقضى على مصادر الفتن والثورات، وأخمد ثورة «بنى شيبان» بأرض الجزيرة سنة (٢٨٠هـ= ٨٩٣م)، وثورة «حمدان بن حمدون» - رأس الأسرة الحمدانية - بالموصل، واستولى على قلعة «ماردين» التى كان يتحصن بها سنة (٢٨١هـ= ٨٩٤م)، كما قضى على ثورة الخوارج فى «الموصل» بزعامة «هارون بن عبدالله الشارى» الذى وقع فى الأسر، وأمر «المعتضد» بضرب عنقه سنة (٢٨٣هـ=٨٩٦م)، ومن أخطر الحركات التى شهدها عصر «المعتضد» حركة القرامطة. كذلك انتقلت عاصمة الخلافة فى عهده من سامراء إلى بغداد. تُوفِّى «المعتضد» فى ربيع الآخر سنة (٢٨٩هـ= ٩٠٢م)، وكان عصره يموج بالحركة العلمية والدينية والأدبية، فقد عاش فى عصره عدد من العلماء والأدباء البارزين.

стр. 1157

* المكتفى بالله هو أبو محمد على بن المعتضد، تولى الخلافة فى (ربيع الآخر سنة ٢٨٩هـ= مارس سنة ٩٠٢م) عقب وفاة أبيه، وعمره خمس وعشرون سنة، ورغم أنه كان حسن السيرة محبوبًا لدى الرعية فإنه لم يكن يتمتع بما كان يتمتع به أبوه «المعتضد»، من قوة الشخصية والحزم، فكانت خلافته تمهيدًا لعودة الأمور إلى أوضاعها السابقة، وفترة انتقالية بين «صحوة الخلافة» وانتكاستها. وقد شهد عهد «المكتفى» أحداثًا كثيرة، منها: ازدياد خطر القرامطة وتهديدهم للشام و «الحجاز» و «اليمن»، وقد جرت على يد زعيمهم «زكرويه بن مهرويه» مذابح بشعة ضد حجاج بيت الله الحرام وعامة الناس، ونشروا الفزع فى أنحاء العالم الإسلامى، واستطاع «زكرويه» أن يهزم جيشًا للخليفة «المكتفى»، وأن يقتل منه عددًا كبيرًا، فأعد له «المكتفى» جيشًا حشد فيه أكفأ القواد، نجح فى قتل «زكرويه» وكثيرًا من أتباعه عام (٢٩٤هـ= ٩٠٧م)، وتتبعهم فى «العراق»، ولكنه لم يستطع القضاء عليهم تمامًا، فظلوا من بعده مصدر خطر مؤكد على كيان الخلافة. ومما شهده عصر «المكتفى» أيضًا من أحداث: تولية «المكتفى» «أبى الهيجاء عبدالله بن حمدان التغلبى» ولاية «الموصل» والبلاد التابعة لها سنة (٢٩٣هـ=٩٠٦م)، وكان ذلك مقدمة لاستقلال الحمدانيين بالموصل - فيما بعد - وضمهم «حلب» إليها، ونشأة «الأسرة الحمدانية». تُوفِّى «المكتفى» وفاة طبيعية فى (ذى القعدة سنة ٢٩٥هـ= أغسطس سنة ٩٠٨م)، وترك خزانة الدولة ممتلئة بالأموال، وقد أرجع المؤرخون ذلك إلى الجهد الذى بذله أبوه «المعتضد» فى جلب أسباب الاستقرار الاقتصادى إلى الدولة، وحسن سيرة «المكتفى بالله».

стр. 1158

* المقتدر بالله هو أبو الفضل جعفر بن المعتضد، تولى الخلافة بعد أخيه «المكتفى» بعهد منه فى (ذى القعدة سنة ٢٩٥هـ= أغسطس سنة ٩٠٨م)، وكان صبيا فى الثالثة عشرة من عمره، ولم يلِ الخلافة قبله أصغر منه. أثار تولى «المقتدر» الخلافة اعتراض كثير من رجال الدولة بسبب صغر سنه، وعدم قدرته على الاضطلاع بشئون الخلافة مع وجود الأقدر منه على تحمل المسئولية، خاصة «عبد الله بن المعتز» الشاعر المعروف بتمام العقل وجودة الرأى، فاتفق رأى عدد منهم على خلع «المقتدر» وتولية «عبدالله بن المعتز»، وكان عمره نحو تسعة وأربعين عامًا، وعندما عرضوا الأمر على «ابن المعتز» وافق بشرط ألا يسفك دم أو تنشب حرب، فأخبروه أن الأمر يُسلَّم إليه عفوًا، وأن جميع من وراءهم من الجند والقواد والكُتَّاب قد رضوا به فبايعهم على ذلك، وتمت البيعة لابن المعتز فى (١٩من ربيع الأول سنة ٢٩٦هـ= نوفمبر سنة ٩٠٨م)، ولقب بالراضى بالله، ولكن أنصار «المقتدر» - وعلى رأسهم «مؤنس الخادم» - لم يرضوا بهذه البيعة، وتوجهوا نحو «ابن المعتز» وأنصاره وقبضوا عليهم وفتكوا بهم وأعادوا تنصيب «المقتدر» فى اليوم التالى لبيعة «ابن المعتز»، الذى لم يمكث فى الخلافة إلا يومًا أو بعض يوم، ولهذا يتجاهله المؤرخون عند ذكرهم قائمة خلفاء «بنى العباس». وقد تدهورت الأوضاع فى عهد «المقتدر»، وانتشرت الفتن وازداد تمزق الدولة، وأصبحت الخلافة نهبًا للطامعين بسبب صغر سنه، وأفلت زمام الأمور من يده، وتحكم النساء والخدم فى شئون البلاد، فكانت «أم المقتدر» وتسمى «شغب» تولِّى من تشاء وتعزل من تشاء، كما كان «مؤنس الخادم» صاحب مكانة متميزة وخطيرة فى عهد «المقتدر». وقد ازداد خطر القرامطة اتساعًا وعنفًا فى عهد «المقتدر»، ووصل مداه سنة (٣١٧هـ= ٩٢٩م)، حينما دخلوا «مكة» بقيادة «أبى طاهر القرمطى» (٣) وقتلوا الحجاج فى المسجد الحرام، واستولوا على الحجر الأسود وأخذوه إلى

стр. 1159

مركزهم الرئيسى «هَجَر» حتى تم رده إلى مكانه فى عهد «المطيع» سنة (٣٣٩هـ = ٩٥٠م). ومن أهم الأحداث فى عهد «المقتدر» بداية ظهور العُبيديين أو الفاطميين فى «شمالى إفريقيا» وقيام دولة «بنى حمدان» فى «الموصل» وقد أسهم أمراء «بنى حمدان» وفى مقدمتهم «سيف الدولة الحمدانى» فى صد غارات الروم (البيزنطيين) عن مناطق الثغور الإسلامية، وفى رعاية الحركة العلمية والأدبية التى بلغت فى عهدهم مركزًا مرموقًا. ساءت العلاقة بين «المقتدر بالله» وخادمه «مؤنس الخادم»؛ مما أدى إلى مقتله على يد أنصار «مؤنس» فى أواخر شوال سنة (٣٢٠هـ= ٩٣٢م)، بعد أن ظل فى الحكم خمسًا وعشرين سنة، هى أطول مدة يقضيها خليفة عباسى فى الحكم حتى عصره. ورغم تدهور أحوال البلاد السياسية فى عهد «المقتدر» فإن الحياة العلمية قد شهدت ازدهارًا ملحوظًا فى هذا العصر. وبمقتل «المقتدر» دخل عصر نفوذ الأتراك مراحله الأخيرة.

стр. 1160

* القاهر بالله هو أبو منصور محمد بن المعتضد، تولى الخلافة فى شوال سنة (٣٢٠هـ= ٩٣٢م)، عقب مقتل «المقتدر»، وعمره ثلاث وثلاثون سنة. وقد اتصف «القاهر» بالغلظة وقلة التثبت، ورغم أنه نجح فى التخلص من «مؤنس الخادم»، صاحب النفوذ الأكبر فى عهد «المقتدر»، ومن غيره من أعيان الدولة فإن سوء سياسته كان سببًا فى تدبير الانقلاب عليه والإطاحة به. وقد لعب الوزير المشهور «أبو على بن مقلة» الدور الأساسى فى خلع «القاهر» والتنكيل به، لخوفه منه واعتقاده أنه كان يدبر للقضاء عليه، فهاجم أعوانه الخليفة «القاهر» فى دار الخلافة وقبضوا عليه وسملوا عينيه وعذبوه وأعلنوا خلعه فى الثالث من جمادى الأولى سنة (٣٢٢هـ= ٩٣٤م). ولعل من أبرز التطورات السياسية التى شهدها عهد «القاهر» - رغم قصره - ظهور النفوذ البويهى فى بلاد فارس سنة (٣٢١هـ= ٩٣٣م)، وكان ذلك مقدمة لامتداد نفوذهم إلى «العراق» وسيطرتهم على مقاليد الأمور هناك فى سنة (٣٣٤هـ= ٩٤٥م)، لتبدأ مرحلة جديدة فى تاريخ الخلافة العباسية فى عصرها الثانى، كما سنبين بعد قليل.
следующие страницы →