Полный текст (3 483 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
وحده بارتكاب جريمة خطيرة كهذه، فالأمر أكبر من ذلك وأبعد
مدى، ووراءه تدبير واسع ومؤامرة محكمة نُسجت خيوطها فى بلاد
فارس وكان فيها «أبو لؤلؤة» أداة تنفيذ فحسب، وكان هو مستعدًا
بتكوينه للقيام بها، فقد رُوى عنه أنه كان كلما رأى أسرى بلاده
فى «المدينة»، يقول: «أكل عمر كبدى»، لأن «عمر» هو الذى أزال
دولة الفرس وأنزل الأكاسرة من على عروشهم.
ولم تكن الجريمة فارسية فقط باشتراك «أبى لؤلؤة»، و «الهرمزان»
الذى كان أميرًا فارسيا وأُسِرَ فى إحدى الحروب وجاء إلى
«المدينة» وأظهر الإسلام، بل كانت يهودية باشتراك «كعب الأحبار»،
ونصرانية باشتراك «جفينة».
وكان «كعب الأحبار» يهوديا ادعى الإسلام، جاء إلى «عمر» قبل
طعنه بثلاثة أيام، وقال له: يا أمير المؤمنين اعهد - أى اختر لك خلفًا
يعقبك فى الحكم - فإنك ميت بعد ثلاثة أيام، فتعجب «عمر» وسأله
كيف عرفت ذلك؟ قال: أجده فى التوراة، فقال «عمر»: يا سبحان
الله! هل تجد «عمر بن الخطاب» مذكورًا فى التوراة، قال: أجدك
بصفتك. لكن «عمر» لم يعط لهذا الحديث اهتمامًا، فهل كان «كعب
الأحبار» على علم بما دبره «أبو لؤلؤة المجوسى» وبقية شركائه؟
يقول الدكتور «هيكل»: «لابد إذًا أن يكون كعب الأحبار عرف بسر
ماكان يجرى، فوجه النذير إلى «عمر»، وأغفل «عمر» أمر هذا
النذير .. فحدث ما حدث، ونذير «كعب» وطعنات «أبى لؤلؤة» تدل
على أن فى الأمر سرا لم يظهر ساعة ارتكاب الجريمة؛ لكنه ظهر من
بعد».
أما «الهرمزان» و «جفينة» فأمرهما أوضح من أمر «كعب الأحبار»،
واشتراكهما فى الجريمة لا لبس فيه، فقد شهد «عبدالرحمن بن عوف»
أنه رأى الخنجر الذى طُعِن به «عمر» مع «الهرمزان» و «جفينة» فى
اليوم السابق ليوم الجريمة، وسألهما ماذا يصنعان به؟ فقالا: نقطع
به اللحم، وشهد «عبدالرحمن بن أبى بكر الصديق» أنه مرَّ فى الليلة
التى طعن «أبو لؤلؤة» «عمر» فى صبيحتها فى أحد طرق
стр. 107
«المدينة»، فوجد «أبا لؤلؤة» و «الهرمزان» و «جفينة» يتناجون -
يتحدثون سرا - فلما طلع عليهم فجأة، قام «أبو لؤلؤة» مرتبكًا،
فسقط منه الخنجر نفسه الذى طعن به «عمر».
ومما يؤكد أن قتل «عمر بن الخطاب» كان مؤامرة انتحار «أبى
لؤلؤة» نفسه، فليس هناك رجل يقدم على عمل كهذا من أجل بضعة
دراهم، حتى لو رأى أن «عمر» لم ينصفه، فقد كان بإمكانه أن
يعاود الشكوى ويأخذ حقه، ولكن العبد المجوسى مُلئ حقدًا، وأوعز
عليه فأقدم على جريمته إقدام من يؤمن بأنه يقوم بعمل بطولى
يستحق أن يدفع من أجله حياته.
وهناك أمر آخر يؤكد المؤامرة، وأنها نُسجت خيوطها فى بلاد فارس
نفسها، وهو ثورة معظم بلاد فارس على المسلمين، ونقض معاهدات
الصلح، التى وقعها معهم الفاتحون المسلمون، فور سماعهم خبر
مقتل «عمر»، وكأنهم كانوا ينتظرون ذلك بصبر نافد؛ لأنهم ظنوا أن
وفاة «عمر» هى فرصتهم لإعادة الأمور إلى ماكانت عليه قبل
الفتوحات.
تفكير عمر فى أمر الخلافة ووفاته:
أيقن «عمر بن الخطاب» بعد طعنه أنه لم يبق من عمره سوى
ساعات، وكذلك أيقن المسلمون، ولذا ألحوا عليه أن يختار لهم من
يخلفه فيهم، فرشَّح لهم ستة من الصحابة، هم بقية العشرة المبشرين
بالجنة، يختارون من بينهم واحدًا للخلافة، ومع أن ابن عمه «سعيد بن
زيد بن عمرو بن نُفيل» واحد من العشرة المبشرين بالجنة، فقد
استبعده من الترشيح، خوفًا أن يقع عليه الاختيار لقرابته منه، كما
استبعد ابنه «عبد الله» من الترشيح تمامًا، بل رد على من اقترح عليه
ترشيحه ردا قاسيًا، إبعادًا لشبهة الوراثة عن نظام الحكم الإسلامى،
وجعل الأمر فى يد الأمة تختار الأصلح ليتولى أمرها.
قال «عمر» لهم: «عليكم هؤلاء الرهط الذين قال رسول الله - صلى الله
عليه وسلم -: إنهم من أهل الجنة، سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل
منهم، ولست مدخله فيهم، ولكن الستة، هم: على بن أبى طالب،
وعثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وسعد بن أبى وقاص،
стр. 108
وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة بن عبيد الله».
واهتم «عمر» وهو فى تلك الحال بأمر دفنه، وطلب أن يُدفن إلى
جوار الرسول ﷺ و «أبى بكر الصديق» - رضى الله
عنه - فى بيت «عائشة»، لينعم بصحبته فى الآخرة كما نعم بها فى
الدنيا، فأرسل ابنه «عبد الله» إلى «عائشة» - رضى الله عنهما -
وقال له: قل لها: «عمر» يقرأ عليك السلام ويستأذنك فى أن يُدفن
مع صاحبيه، فأتاها «عبد الله» فوجدها تبكى، فسلم عليها، ثم قال
لها ما أمره به أبوه، فقالت: «كنت والله أريده لنفسى - أى المكان -
ولأوثرنه به اليوم على نفسى»، فلما رجع «عبد الله»، وأخبر أباه أن
«عائشة» أذنت له، تهلل وجهه، وقال: الحمد لله ماكان شىء أهم
إلى من ذلك المضجع.
وفى اليوم التالى لطعنه أى يوم الخميس الموافق ٢٧ من ذى الحجة
سنة ٢٣هـ فاضت روح «عمر» بعد أن قضى فى الخلافة عشر سنوات
وبضعة شهور، وكُفن فى ثلاثة أثواب أسوة بكفن رسول الله،
وصلى عليه «صهيب الرومى» -رضى الله عنه - وكان «عمر» قد أمره
أن يصلى بالناس بعد طعنه، ودُفن مع رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - و «أبى بكر الصديق».
стр. 109
الفصل الثامن
*خلافة عثمان بن عفان (٢٤ - ٣٥)
نسبه:
هو «عثمان بن عفان بن أبى العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد
مناف»، ولِد بعد «عام الفيل» بست سنوات (٥٧٦م)، وأمه «أروى بنت
كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس»،فعثمان يلتقى فى نسبه من
جهة أمه وأبيه مع النبى ﷺ فى «عبدمناف».
صفاته:
كان ربعة من الرجال، ليس بالقصير ولا بالطويل، حسن الوجه أبيض
مشربًا بحمرة، غزير الشعر يكسو ذراعيه شعر طويل، طويل اللحية،
ومن أحسن الناس ثغرًا.
أخلاقه:
أجمعت المصادر التى أرخت له على وصفه بسماحة النفس، ورقة
المشاعر، وكان رضى الخلق، كريمًا، شديد الحياء، صوَّامًا قوَّامًا،
محبوبًا من الناس فى جاهليته وإسلامه.
وتحدث هو عن نفسه فقال: لقد اختبأت لى عند ربى عشرًا، إنى
لرابع أربعة فى الإسلام، ولقد ائتمننى رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - على ابنته - رقية - ثم توفيت، فزوجنى الأخرى - أم كلثوم -
ووالله ما سرقت ولا زنيت فى جاهلية ولا إسلام قط ولا تغنيت، ولا
تمنيت ولا مسحت فرجى بيمينى منذ بايعت رسول الله، ولقد جمعت
القرآن على عهد رسول الله، ولا مرت بى جمعة منذ أسلمت إلا وأنا
أعتق فيها رقبة، فإن لم أجد فيها رقبة أعتقت فى التى تليها
رقبتين.
إسلامه:
أسلم «عثمان» مبكرًا، وكان الذى دعاه إلى الإسلام هو «أبو بكر
الصديق»، وجاء به إلى رسول الله ﷺ فأسلم على
يديه بعد إسلام «أبى بكر» مباشرة، ولذا كان يقول: «إنى لرابع
أربعة فى الإسلام بعد «أبى بكر» و «خديجة» و «زيد بن حارثة»،
وحرص عثمان على إسلامه أشد الحرص، على الرغم من الضغوط التى
تعرض لها، فعندما علم عمه «الحكم بن أبى العاص» بإسلامه أوثقه
بالحبال، وقال له: «ترغب عن دين آبائك إلى دين محدث؟ والله لا
أدعك حتى تدع ما أنت فيه» فأجابه «عثمان»: «والله لا أدعه أبدًا
ولا أفارقه».
مصاهرته للرسول ﷺ :
стр. 110
تزوج «عثمان بن عفان» من ابنتى رسول الله ﷺ ،
فتزوج «رقية»، وظلت معه حتى تُوفيت يوم انتصار المسلمين فى
غزوة «بدر»، ولهذا لم يحضر «عثمان» «بدرًا»، لأن الرسول - صلى الله
عليه وسلم - أمره بالبقاء معها لتمريضها، وقد عده النبى - صلى الله
عليه وسلم - من البدريين رغم غيابه عن المعركة، وفرض له فى
غنائمها، ثم زوجه النبى ﷺ ابنته «أم كلثوم»،
ولهذا لُقب بذى النورين، فلما توفيت فى العام التاسع من الهجرة؛
حزن «عُثمان» حزنًا شديدًا؛ لانقطاع مصاهرته للنبى - صلى الله عليه
وسلم -، فواساه مواساة رقيقة قائلا: «لو كانت لنا أخرى لزوجناكها
يا عثمان».
عثمان مع النبى ﷺ :
جاهد «عثمان بن عفان» منذ أن أسلم مع النبى - صلى الله عليه
وسلم - بماله ونفسه، فهاجر الهجرتين: إلى «الحبشة» وإلى
«المدينة»، وصاحبته زوجه رقية بنت النبى ﷺ ،
وتحمل كثيرًا من الأذى.
بذل «عثمان» ماله فى سبيل الله ونصرة دعوته، وكان من أكثر
«قريش» مالا، فاشترى «بئر رومة» باثنى عشر ألف درهم، وجعلها
للمسلمين فى «المدينة»، وكانوا يعانون من قلة المياه، وغلاء
أسعارها.
كما أنفق ماله فى تجهيز الجيوش وبخاصة جيش العسرة فى غزوة
«تبوك» فى العام التاسع من الهجرة، فقد جهز وحده ثلث الجيش،
وكان عدده نحو ثلاثين ألفًا، فدعا له رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - بخير، وقال: «ماضر عثمان مافعل بعد اليوم»، قالها مرتين.
وشهد «عثمان» المشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ،
عدا غزوة «بدر»، فقد تخلف عنها بأمر من النبى - صلى الله عليه
وسلم -، وأرسله النبى إلى «مكة» عام «الحديبية» لمفاوضة «قريش»،
بعد اعتذار «عمر بن الخطاب» لرسول الله بقوله: «إنى أخشى على
نفسى من «قريش» لشدتى عليها وعداوتى إياها، ولكنى أدلك على
رجل أمنع وأقوى بها منى، عثمان بن عفان».
стр. 111
ولما أشيع أن «قريشًا» قد قتلت «عثمان»، قال النبى - صلى الله
عليه وسلم -: «لو كانوا فعلوها فلن نبرح حتى نناجزهم»، وبايعه
أصحابه «بيعة الرضوان» تحت الشجرة، وبايع النبى نفسه نيابة عن
«عثمان»، وقال: «إن عثمان بن عفان فى حاجة الله وحاجة رسوله»
وضرب بإحدى يديه على الأخرى مشيرًا إلى أن هذه بيعة «عثمان»،
فكانت يد النبى ﷺ لعثمان خيرًا من أيديهم
لأنفسهم.
وكان من كُتاب الوحى كما هو معلوم.
ثناء النبى ﷺ على عثمان:
الأحاديث الواردة فى فضل «عثمان بن عفان» وثناء النبى عليه
كثيرة، من ذلك قوله ﷺ :
«ألا أستحى من رجل تستحى منه الملائكة؟».
وكان عثمان بن عفان قريبًا من الخليفتين، «أبى بكر الصديق»
و «عمر بن الخطاب»، وموضع ثقتهما وأحد أركان حكومتهما، ومن
كبار مستشاريهما، وكان يكتب لهما، وهو الذى كتب كتاب ولاية
العهد من «أبى بكر» إلى «عمر بن الخطاب» - رضى الله عنهما -
وترتيب «عثمان» فى الفضل بين الصحابة كترتيبه فى تولِّى الخلافة
عند جمهور علماء الأمة.
أهل الشورى وبيعة عثمان:
لم يشأ «عمر بن الخطاب» أن يعهد بالخلافة إلى شخص بعينه، وقال:
«إن أعهد - يعنى لشخص محدد - فقد عهد من هو خير منى - يقصد
أبا بكر عندما عهد إليه هو نفسه - وإن لم أعهد فلم يعهد من هو خير
منى - يقصد رسول الله ﷺ حين تركها شورى بين
المسلمين».
ولعل اجتهاده أدَّاه إلى أن تصرف الرسول و «أبى بكر» يعطى له
الفرصة أيضًا أن يختار طريقة أخرى لاختيار من يخلفه، ليثرى بذلك
طرق الاختيار، وليرسخ فى أذهان الناس أن أمر اختيار الحاكم منوط
دائمًا بالأمة وإرادتها ورضاها، وهى التى تملك محاسبته وعزله إن
ارتكب ما يوجب العزل.
رشح «عمر بن الخطاب» ستة من الصحابة، ليتولى واحد منهم منصب
الخلافة، ولم يأمر أحدًا منهم أن يصلى بالناس إمامًا، حتى لا يظن
стр. 112
الناس أنه يميل إليه، بل أمر صهيبًا أن يصلى بالناس، لتكون فرصتهم
فى الاختيار متساوية، وشدد على ألا تمضى ثلاثة أيام بعد وفاته إلا
ويكون عليهم أمير من هؤلاء الستة يتولى مسئولية الخلافة ويتحمل
تبعاتها.
وبعد أن فرغ المسلمون من دفن «عمر»، شرع المرشحون الستة فى
التفاوض، وبعد نقاش طويل اقترح عليهم «عبد الرحمن بن عوف» أن
يتنازل عن حقه فى الخلافة. ويتركوا له اختيار الخليفة، فوافقوا على
ذلك، فشرع فى معرفة آرائهم واحدًا بعد واحد على انفراد، فرأى أن
الأغلبية تميل إلى «عثمان»، ثم أخذ يسأل غيرهم من الصحابة، «فلا
يخلو به رجل ذو رأى فيعدل بعثمان».
اطمأن «عبد الرحمن» إلى أن الأغلبية تزكى «عثمان بن عفان»
فأعلن ذلك على ملأ من الصحابة فى مسجد النبى - صلى الله عليه
وسلم -، ولما كان يعلم أن الذى يلى «عثمان» فى المنزلة عند
الصحابة، هو «على بن أبى طالب»، الذى مال إليه عدد منهم، فإنه
رأى أن يوضح له أن الأغلبية مع «عثمان»، فقال له: «أما بعد
ياعلى، فإنى نظرت فى الناس، فلم أرهم يعدلون بعثمان، فلا تجعلن
على نفسك سبيلا» - كأنه يحذره من المخالفة- ثم أخذ بيد «عثمان»،
فقال: «نبايعك على سنة الله ورسوله، وسنة الخليفتين بعده»،
فبايعه «عبد الرحمن»، وبايعه المهاجرون والأنصار؛ ولم يتخلف أحد
عن بيعته من الصحابة، وكان ذلك بعد وفاة «عمر» بثلاثة أيام.
خطبة البيعة:
استقبل «عثمان» بخلافته أول المحرم سنة ٢٤هـ، وصعد المنبر بعد
تمام البيعة، وخطبهم قائلا -بعد حمد الله والصلاة على رسوله-: «إنكم
فى دار قلعة -أى دار الدنيا - وفى بقية أعمار، فبادروا آجالكم بخير
ما تقدرون عليه .. ألا وإن الدنيا طويت على الغرور، فلا تغرنكم الحياة
الدنيا، ولا يغرنكم بالله الغرور، اعتبروا بما مضى، ثم جدوا ولا
تغفلوا، فإنه لا يغفُل عنكم، أين أبناء الدنيا وإخوانها: الذين
أثاروها وعمروها، ومتعوا بها طويلا، ألم تلفظهم؟ ارموا الدنيا حيث
стр. 113
رمى الله بها، واطلبوا الآخرة .. ».
وأول ما يُلاحظ على الخطبة الأولى، التى افتتح بها «عثمان»
خلافته، خلوها من الإشارة إلى المنهج الذى سيسير عليه، ولعله
اكتفى بما قاله لعبدالرحمن بن عوف لحظة البيعة، من أنه سيعمل
بكتاب الله، وسنة نبيه، وسيرة الخليفتين بعده.
كتبه إلى العمال والولاة:
كتب «عثمان» - رضى الله عنه - فى الأيام الأولى من خلافته عددًا من
الكتب إلى الولاة وأمراء الجند، بل وإلى عامة الناس، تتضمن نصائحه
وإرشاداته، يقول «الطبرى»: أول كتاب كتبه «عثمان» إلى عماله:
«أما بعد فإن الله أمر الأئمة أن يكونوا رعاة - يرعون مصالح الأمة -
ولم يتقدم إليهم - أى لم يطلب منهم - أن يكون جباة، وإن صدر هذه
الأمة خلقوا دعاة، ولم يخلقوا جباة، وليوشكن أئمتكم أن يصيروا
جباة ولا يكونوا دعاة، فإن عادوا كذلك انقطع الحياء والأمانة
والوفاء، ألا وإن أعدل السيرة أن تنظروا فى أمور المسلمين فيما
عليهم، فتعطوهم مالهم، وتأخذوهم بما عليهم، ثم تثنوا بالذمة،
فتعطوهم الذى لهم، وتأخذوهم بالذى عليهم، ثم العدو الذى
تنتابون، فاستفتحوا عليهم بالوفاء».
وكتب إلى أمراء الأجناد وقادة الجيوش: «أما بعد، فإنكم حماة
المسلمين وذادتهم، وقد وضع لكم عمر ما لم يغب عنا، بل كان عن ملإ
منا، فلا يبلغنى عن أحد منكم تغيير ولا تبديل، فيغير الله ما بكم،
ويستبدل بكم غيركم، فانظروا كيف تكونون، فإنى أنظر فيما
ألزمنى الله النظر فيه، والقيام عليه».
وكتب إلى عمال الخراج المسئولين عن الشئون المالية: «أما بعد فإن
الله خلق الخلق بالحق، ولا يقبل إلا الحق، خذوا الحق، وأعطوا الحق،
والأمانة الأمانة، قوموا عليها، ولا تكونوا أول من يسلبها .. والوفاء
الوفاء، ولا تظلموا اليتيم ولا المعاهد، فإن الله خصم لمن ظلمهم».
وكتب إلى عامة الرعية: «أما بعد فإنكم إنما بلغتم ما بلغتم بالاقتداء
والاتباع، فلا تفتنكم الدنيا عن أمركم، فإن أمرهذه الأمة صائر إلى
стр. 114
الابتداع بعد اجتماع».
وهذه الكتب توضح سياسة «عثمان بن عفان» العامة، التى كان
يتوخى أن يتبعها عماله وولاته فى إدارة شئون الأمة، وهى سياسة
طابعها الرفق بالرعية، والسهر على مصالحها، والإنصاف فى جمع
الخراج، وإيصال الحقوق إلى أصحابها، والإحسان إلى أهل الذمة،
ورعاية جميع طوائف الأمة.
الفتوحات فى عهد عثمان بن عفان:
المسلمون والفرس:
كان «عمر بن الخطاب» قد أمر المسلمين بالانسياح فى بلاد فارس
بعد موقعة «نهاوند» سنة (٢١هـ) وكلمة الانسياح من تعبيرات
المؤرخين القدماء، وهى تدل على سهولة الفتح بعد «نهاوند»؛ إذ لم
يلق المسلمون هناك مقاومة تذكر.
وقد نجح قادة الجيوش التى أرسلها «عمر» فى فتح المقاطعات
الفارسية كهمذان، و «خراسان» و «أذربيجان»، و «اصطخر»،
و «أصبهان»، وكان أمراؤها الفرس قد رأوا عدم جدوى المقاومة،
فسلموا بلادهم على شروط المسلمين، وقبلوا دفع الجزية، ووقعت
معهم معاهدات، هى آية فى الرحمة والعدل والتسامح، من ذلك
معاهدة «عتبة بن فرقد» لأهل «أذربيجان»:
«بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى عتبة بن فرقد عامل عمر بن
الخطاب أمير المؤمنين أهل أذربيجان: سهلها وجبلها وحواشيها
وشفارها، وأهل مللها كلهم، الأمان على أنفسهم وأموالهم ومللهم
وشرائعهم، على أن يؤدوا الجزية على قدر طاقتهم، ليس على صبى
ولا امرأة ولا زمن - مريض - ليس فى يديه شىء من الدنيا، ولا متعبد
متخل ليس فى يديه شىء من الدنيا لهم ذلك ولمن سكن معهم،
وعليهم قِرَى المسلم من جنود المسلمين يومًا وليلة ودلالته - على
الطريق -ومن حشر منهم - أى من يُستعان به فى خدمات الجيش - فى
سنة، وضع عنه جزاء تلك السنة - أى لا يدفع جزية - ومن أقام فله
مثل ما لمن أقام من ذلك، ومن خرج فله الأمان حتى يلجأ إلى حرزه».
وبعد مقتل «عمر» نقضت معظم المقاطعات الفارسية معاهداتها مع
المسلمين، ظنا من أمرائها أن فى مقتل «عمر» فرصة لطرد المسلمين
стр. 115
من البلاد التى فتحوها، فوقف «عثمان بن عفان» لهذه الثورة
وقضى عليها، كما فعل «أبو بكر» حيث قمع الردة فى شبه الجزيرة
العربية، وأعاد إليها وحدتها الدينية والسياسية، وأخذ «عثمان»
يجهزالجيوش، ويصدر أوامره إلى أمراء الأمصار: «الوليد بن عقبة»
فى «الكوفة»، و «عبدالله بن عامر» فى «البصرة»، للتصدى بحزم
لحركة الردة الفارسية، وإعادة الفرس إلى الطاعة والنظام.
وكانت إعادة فتح تلك المقاطعات أصعب من فتحها الأول فى عهد
«عمر بن الخطاب»؛ لأنها حينذاك سلمت بدون قتال تقريبًا بعد
هزيمتهم فى «نهاوند» فى حين بذل المسلمون فى عهد «عثمان»
جهدًا كبيرًا، وخاضوا معارك شرسة فى بضع سنوات (٢٤ - ٣١هـ)
لإعادة فتح بلاد فارس مرة أخرى، وقد شهدت تلك المعارك الفصل
الأخير من حياة آخر ملوك «آل ساسان» «يزدجرد الثالث»، حيث لقى
مصرعه على يد رجل فارسى فى «مرو» سنة (٣١هـ)، وبموته طويت
صفحة دولة فارس من التاريخ.
ومما يجدر ذكره ويثير الإعجاب أن المسلمين لم يقسوا على الفرس
ولم ينكلوا بهم بعد ثورتهم وخروجهم، بل قبلوا اعتذارهم، ولم
يفرضوا عليهم التزامات جديدة، واستمروا فى معاملتهم طبقًا
للمعاهدات الأولى.
وبدأت بلاد فارس تشهد تاريخًا جديدًا تحت راية الإسلام، يملؤه العدل
والتسامح والرحمة، وأسلمت الأمة الفارسية، وأصبحت جزءًا مهما من
العالم الإسلامى وأسهمت إسهامًا كبيرًا فى بناء الحضارة الإسلامية.
المسلمون والروم فى عهد عثمان:
بعد وفاة «عمر بن الخطاب»، قام الروم بمحاولة لطرد المسلمين،
فهاجموا الشام - فى السنة الأولى من خلافة «عثمان» بقوات كبيرة
من آسيا الصغيرة، جعلت والى الشام القدير «معاوية بن أبى
سفيان» يطلب المدد من «عثمان بن عفان»، الذى أمر بتحريك قوات
من «العراق» لنجدة الشام.
وكتب «عثمان بن عفان» إلى والى «الكوفة» «الوليد بن عقبة»
كتابًا يقول فيه: «أما بعد فإن معاوية بن أبى سفيان كتب إلىَّ
стр. 116
يخبرنى أن الروم قد أجلبت على المسلمين بجموع عظيمة - أى
هاجمت - وقد رأيت أن يمدهم إخوانهم من أهل الكوفة، فإن أتاك
كتابى هذا، فابعث رجلا ممن ترضى نجدته وبأسه وشجاعته
وإسلامه، فى ثمانية آلاف، أو تسعة آلاف، أو عشرة آلاف، إليهم من
المكان الذى يأتيك فيه رسولى، والسلام».
ولما بلغ الكتاب والى «الكوفة»، جمع الناس وخطب فيهم وأبلغهم
أمر الخليفة، وقال: «قد كتب إلىَّ أمير المؤمنين يأمرنى أن أندب
منكم ما بين العشرة الآلاف إلى الثمانية الآلاف، تمدون إخوانكم من
أهل الشام، فإنهم قد جاشت عليهم الروم، وفى ذلك الأجر العظيم
والفضل المبين، فانتدبوا رحمكم الله مع سلمان بن ربيعة الباهلى،
فانتدب الناس، فلم يمض ثالثة - أى ثلاثة أيام - حتى خرج ثمانية آلاف
رجل من أهل الكوفة، فمضوا حتى دخلوا مع أهل الشام إلى أرض
الروم، وعلى جند أهل الشام حبيب بن مسلمة بن خالد الفهرى، وعلى
جند أهل الكوفة سلمان بن ربيعة، فشنوا الغارات على أرض الروم،
فأصاب الناس ماشاءوا من سبى، وملئوا أيديهم من المغنم، وافتتحوا
بها حصونًا كثيرة».
محاولات الروم العودة إلى مصر:
لم يكف الروم عن محاولاتهم الهجوم على المسلمين، على الرغم من
هزيمتهم فى الشام، وما إن اعتلى الإمبراطور «قنسطانز الثانى» (٢٢
- ٤٨هـ =٦٤٢ - ٦٦٨م) حتى سيطرت عليه فكرة استرداد الشام
و «مصر» من أيدى المسلمين، كما استردها جده «هرقل» من الفرس
قبل سنوات قليلة من الفتح الإسلامى، فأرسل فى سنة (٢٥ هـ = ٦٤٥
م) حملة بحرية كبيرة إلى «مصر»، بقيادة «مانويل»، تمكنت من
الاستيلاء على «الإسكندرية»، بمساندة من بقى فيها من الروم
والإغريق، وبدأت تتوغل جنوبًا قاصدة «حصن بابليون»، فكلف
الخليفة «عثمان» قائده «عمرو بن العاص» بمهمة الدفاع عن «مصر»
وطرد الروم، وكان «عمرو» قد أعفى من ولايتها بناء على طلبه فى
مطلع خلافة «عثمان»، فلم يتردد الفاتح الكبير فى العودة إلى
стр. 117
«مصر» للقيام بهذه المهمة، ونجح فى طرد الروم نهائيا، بعد أن
ألحق بهم هزيمة منكرة، وقتل «مانويل» قائد حملتهم.
استمرار فتح شمال إفريقيا فى عهد عثمان:
لما ولى «عبدالله بن سعد بن أبى السرح» ولاية «مصر» من قبل
«عثمان بن عفان»؛ كتب إليه أن الروم الذين لا يزالون يسيطرون على
«شمال إفريقيا» يغيرون على حدود «مصر» الغربية، ولابد من
مواجهتهم قبل أن يتجرءوا ويهاجموا «مصر» نفسها، فاقتنع
«عثمان» بعد أن استشار كبار الصحابة، وأذن له بتجريد حملات
عسكرية لردعهم وكف عدوانهم، كما أرسل إليه جيشًا من «المدينة»
مددًا، يضم عددًا من الصحابة كابن عباس، و «عبد الله بن الزبير» رضى
الله عنهما.
وفى سنة (٢٧هـ = ٦٤٧م) انطلق جيش المسلمين بقيادة «عبدالله بن
سعد»، وتوغل غربًا حتى وصل إلى «قرطاجنة» عاصمة إقليم
«تونس» فى ذلك الوقت، ودارت عدة معارك بين المسلمين وبين
ملكها «جريجوار» أو «جرجير» كما تسميه المصادر العربية، انتهت
بانتصارالمسلمين وقتل الملك «جريجوار» على يد «عبدالله بن
الزبير».
ولم تكن تلك الحملة تهدف إلى الاستقرار، بل إلى ردع العدوان، ولذا
اكتفى «عبدالله بن سعد» بعقد معاهدات صلح مع زعماء تلك البلاد
تعهدوا فيها بدفع مبلغ كبير.
وبعد عودة «عبدالله بن سعد» إلى «مصر»، قام بفتح بلاد النوبة
جنوبًا سنة (٣١هـ = ٦٥١م)، وعلى الرغم من أنها لم تخضع بلاد
«النوبة» للمسلمين، فإنها انتهت بعقد صلح بين الطرفين، اتفقا فيه
على تبادل التجارة والمنافع.
نشأة الأسطول الإسلامى:
يُعد إنشاء الأسطول الحربى الإسلامى من أعظم الإنجازات التى تمت
فى عهد أمير المؤمنين «عثمان بن عفان» فبعد الفتوحات الإسلامية
فى «مصر» و «الشام» وجد المسلمون أنفسهم قد سيطروا على
الشواطئ الشرقية والجنوبية للبحر المتوسط، الذى كان يُعرَف وقتئذٍ
ببحر الروم، لأن سيطرتهم عليه كانت كاملة، ولم تنازعهم فى ذلك
стр. 118
دولة أخرى؛ ولذا كان المسلمون فى حاجة إلى قوة بحرية تمكنهم
من الحفاظ على شواطئهم ضد هجمات الأسطول البيزنطى.
وكان أول من تنبه إلى ذلك «معاوية بن أبى سفيان» والى الشام؛
لأنه اضطلع بفتح سواحل الشام، مثل: «صور»، و «عكا»، و «صيدا»،
و «بيروت» منذ عهد الخليفتين «أبى بكر الصديق» و «عمر بن
الخطاب»، وواجه صعوبات كثيرة فى فتح تلك المدن، لقوة تحصينها
من ناحية، وتوالى الإمدادات التى تأتيها من البحر من ناحية أخرى،
كما أنها كانت محطات للأساطيل البيزنطية.
ولما أدرك «معاوية» أنه بدون قوة بحرية إسلامية فلن يتمكن من
الدفاع عن كل الساحل الشامى، فعرض الأمر على الخليفة «عمر بن
الخطاب»، مصورًا له حجم الخطر بقوله: «يا أمير المؤمنين، هناك قرية
من قرى الروم - يقصد جزيرة قبرص - فى عرض البحر، تتخذها
أساطيلهم قاعدة للعدوان علينا، وهذه القرية قريبة من حدودنا إلى
درجة أن أهل «حمص» - من مدن الشام - يسمعون نباح كلابها وصياح
دجاجها، فأذن لنا ببناء أسطول حربى بحرى»، لكن «عمر» رفض
ذلك رفضًا قاطعًا؛ لخوفه على المسلمين من أهوال البحار، وأن
الوقت لا يزال مبكرًا للدخول فى هذا المجال، وقال لمعاوية: «لمسلم
واحد أحب إلى مما حوت الروم»، يقصد أن سلامة المسلمين عنده
مقدمة على أى شىء آخر، وطلب من «معاوية» أن يستعيض عن ذلك
بتقوية حصون السواحل، فامتثل «معاوية»، لكنه لم يفقد الأمل فى
تحقيق ما يصبو إليه.
بناء الأسطول:
بادر «معاوية بن أبى سفيان» بعد تولى «عثمان بن عفان» الخلافة
سنة (٢٤ هـ) إلى عرض مشروعه القديم عليه، الذى يقضى بإنشاء
أسطول بحرى، لكن «عثمان» رفض فى البداية، وذكره بمادار بينه
وبين «عمر بن الخطاب» فى ذلك الشأن، وأنه حريص على سلامة
المسلمين كحرص «عمر» من قبل لكن «معاوية» ألح عليه إلحاحًا
شديدًا، وكان أجرأ عليه من «عمر»، ولم يكف عن المحاولة حتى ظفر
منه بالإذن، وكان إذنًا مشروطًا، بألا يُكره أحدًا من الجنود على
стр. 119
العمل فى الأسطول.
بدأ «معاوية بن أبى سفيان» يعمل على الفور فى بناء الأسطول،
متعاونًا مع «عبدالله بن سعد بن أبى السرح»، والى «مصر»،
ومستثمرًا كل الإمكانات المتاحة والصالحة لصناعة السفن فى «مصر»
والشام، حيث كانت فى «مصر» دور قديمة لصناعة السفن، وعدد
كبير من العمال المهرة المدربين، وأشجار «السنط» التى تصلح لعمل
الصوارى وضلوع السفن، وكانت الشام تتمتع بكثير من المواد اللازمة
مثل أخشاب «الصنوبر» و «البلوط» و «العرعر»، وأدى هذا التعاون
بين «مصر» والشام إلى بروز الأسطول الإسلامى وظهوره.
فتح جزيرة قبرص سنة (٢٨هـ):
كان أول عمل بحرى ناجح قام به الأسطول الإسلامى، هو فتح
«جزيرة قبرص» التى كانت تهدد شواطئ المسلمين باستمرار لقربها
منها من ناحية، وباعتبارها محطة مهمة من محطات الأساطيل
البيزنطية من ناحية أخرى.
وقد غزاها «معاوية» سنة (٢٨هـ)، أى بعد أربع سنوات فقط من بناء
الأسطول الإسلامى، وهى مدة ليست بالطويلة لإنشاء أسطول
بحرى، ولكنها عزيمة الرجال وإصرارهم على إنجاز العمل.
وكانت الغزوة مشتركة أسهمت فيها قوات الشام، وقوات «مصر»
بقيادة «عبدالله بن سعد»، ونزلوا «قبرص» واستولوا عليها، فعرض
أهلها الصلح، فقبل «معاوية»، واشترط لعقده عدة شروط:
- أن يدفع أهل «قبرص» جزية سنوية، مقدارها سبعة آلاف دينار.
- وأن يُعلموا المسلمين بأية تحركات عدائية من جانب الروم ضد
سواحلهم.
- وأن يقف أهل «قبرص» على الحياد، إذا نشبت حرب بين المسلمين
والروم، ولكن لا يمنعون المسلمين من المرور بجزيرتهم إذا احتاجوا
إلى ذلك.
ولم يلتزم أهل «قبرص» بما تعاهدوا عليه فى الصلح، مما جعل
«معاوية» يعاود غزو الجزيرة مرة أخرى سنة (٣٣هـ) ويضمها إلى
دولة الخلافة، وينقل إليها اثنى عشر ألفًا من المسلمين من أهل
الشام، وأسكنهم فيها، وبنى لهم الدور والمساجد.
موقعة ذات الصوارى سنة (٣٤هـ):
أثار بروز الأسطول الإسلامى فى البحر المتوسط حفيظة «قنسطانز
стр. 120
الثانى» الإمبراطور البيزنطى، وجعله يفكر فى القضاء على الأسطول
الإسلامى وتحطيمه، قبل أن تكتمل قوته، ويزداد خطره، وحتى تظل
السيطرة على «البحر المتوسط» للأسطول البيزنطى وحده دون
غيره، فعبأ الإمبراطور قواته البحرية كلها، واتجه بها قاصدًا سواحل
الشام، وهو لا يراوده شك فى قدرته على تدمير السفن الإسلامية؛
لحداثة نشأتها، وقلة خبرة رجالها، لكن المسلمين استعدوا لهذا
اللقاء جيدًا وتعاون الأسطولان فى «مصر» والشام، لرد هذا العدوان،
وأسندت قيادتهما إلى «عبدالله بن سعد» والى «مصر».
والتقى الأسطولان الإسلامى والبيزنطى - الذى كان بقيادة الإمبراطور
نفسه - فى شرقى «البحر المتوسط»، جنوبى شاطئ «آسيا
الصغرى» (تركيا الحالية)، ودارت بينهما معركة بحرية كبيرة، سُميت
بمعركة «ذات الصوارى»، لكثرة السفن التى اشتركت من الجانبين
(خمسمائة سفينة من جانب الروم، مقابل مائتى سفينة من جانب
المسلمين) وانتهت المعركة بنصر عظيم للمسلمين، وهزيمة ساحقة
للأسطول البيزنطى، ونجاة الإمبراطور من القتل بأعجوبة.
ونتيجة لهذه الهزيمة لم يرجع الإمبراطور إلى عاصمة «القسطنطينية»
بعد المعركة، وإنما ذهب إلى «جزيرة صقلية»، قبالة شاطئ
«تونس»، فى محاولة منه لحماية ما تبقى من دولة الروم فى «شمال
إفريقيا»، لكنه قتل فى «صقلية» سنة (٦٨هـ = ٦٨٨م).
مصحف عثمان:
إذا كان لعهد «عثمان بن عفان» - رضى الله عنه - أن يفخر بما أنجز
فيه من الأعمال العظيمة؛ فإن له أن يفخر بما هو أعظم منها جميعًا،
وهو جمع القرآن الكريم على لغة واحدة.
للقرآن صورتان: صورة صوتية مقروءة، وأخرى مكتوبة مدونة، وقد
حرص الرسول ﷺ على تدوين الآيات فور نزولها،
وقبل انتقاله إلى الرفيق الأعلى راجع مع «جبريل» ﵇
ترتيب الآيات والسور مرتين.
وقد حفظ الصحابة القرآن باللهجات التى درجوا عليها، وأجاز لهم
стр. 121
النبى ﷺ ذلك، ولذا ظهرالاختلاف فى وجوه
القراءة بين الصحابة من بدء نزول القرآن، نتيجة للهجة التى اعتادها
اللسان.
ولما جُمِعَ القرآن الكريم الجمع الأول فى الصحف فى عهد «أبى بكر»
بهيئته المكتوبة، بقيت الصورة الصوتية كما هى، ولما فُتحت البلاد
وتفرق الصحابة فيها، أخذ أهل كل إقليم يقرءون القرآن بقراءة
الصحابى أو الصحابة الذين عاشوا بينهم، فتمسك أهل «الكوفة»
بقراءة «عبدالله بن مسعود»، وأهل الشام بقراءة «أبى بن كعب»،
وأهل «البصرة» بقراءة «أبى موسى الأشعرى»، ومع اتساع
الفتوحات، زاد الخلاف بين المسلمين حول قراءة القرآن، وتحول الأمر
إلى تعصب، بل كاد أن يؤدى إلى فتنة بينهم، مما أفزع «حذيفة بن
اليمان» الصحابى الجليل، وكان يقرأ فى «أذربيجان»، فرجع إلى
«المدينة»، وأخبر «عثمان بن عفان»» بما رأى.
جمع «عثمان» الصحابة، وأخبرهم الخبر، فأعظموه، ورأوا جميعًا
مارأى «حذيفة» من ضرورة جمع الناس على مصحف واحد، وأرسل
«عثمان» إلى أم المؤمنين «حفصة بنت عمر» أن تبعث إليه بالمصحف
الذى جُمع فى عهد «أبى بكر» - وكان «عمر بن الخطاب» قد أخذه
بعد وفاة «أبى بكر»، ثم حُفظ بعد موته عند ابنته «حفصة» - ثم أمر
«زيد بن ثابت» - الذى جمع القرآن الجمع الأول فى عهد «أبى بكر
الصديق» - و «عبدالله بن الزبير»، و «سعيد بن العاص»، و «عبدالرحمن
بن الحارث بن هشام»، أن ينسخوه، وقال لهم: إذا اختلفتم - يعنى
فى كلمة أو كلمات- فاكتبوها بلسان «قريش»، فإنما نزل بلسانهم،
فلما نسخوه، أرسل إلى كل إقليم مصحفًا وأمر بإحراق ما سوى
ذلك، وقد سمى هذا المصحف بالمصحف الإمام أو «مصحف عثمان».
الفتنة وأسبابها:
سارت الأمور فى الدولة الإسلامية على خير ما يرام فى الشطر الأول
من خلافة «عثمان» - رضى الله عنه - (٢٤ - ٣٠هـ)،ولكن مع بداية سنة
(٣١هـ) هبت على الأمة الإسلامية رياح فتنة عاتية، زلزلت أركانها،
стр. 122
وكلفتها تضحيات جسيمة، واستمرت هذه الفتنة نحو عشر سنين،
شملت ما تبقى من خلافة «عثمان بن عفان»، وكل زمن خلافة «على
بن أبى طالب» -رضى الله عنهما- (٣١ - ٤٠هـ).
ومما لاشك فيه أن تلك الفتنة كانت نتيجة لمؤامرة واسعة النطاق
كانت أحكم فى تدبيرها، وأوسع فى أهدافها، وأخطر فى نتائجها
من مؤامرة اغتيال «عمر بن الخطاب» - رضى الله عنه -، لأن اغتيال
«عمر» لم يخلف آثارًا خطيرة بين المسلمين، ولم يقسمهم شيعًا
وأحزابًا كما حدث فى آخر عهد «عثمان»، ولأن الذين خططوا لقتل
«عمر» والذين قاموا بتنفيذ ذلك كانوا غير مسلمين وغير عرب، فى
حين أن الذين قتلوا «عثمان» و «عليا» من بعده كانوًا عربًا مسلمين،
وهذا هو وجه الخطورة، حتى وإن كان التخطيط من غيرهم.
والذى لاشك فيه أن الذى تولى التخطيط للفتنة، وقتل «عثمان»،
وإغراق الأمة فى بحر من الدماء، هو «عبد الله بن سبأ» اليهودى،
الذى ادعى الإسلام؛ ليتمكن من الكيد له من داخله، والذى لُقِّب بابن
السوداء.
وقبل الحديث عنه يحسن تناول الظروف والأجواء التى كانت سائدة
فى عهد «عثمان» - رضى الله عنه - واستغلها «ابن سبأ» لتحقيق
أهدافه المدمرة:
أولا: تغيرت الظروف فى آخر حياة «عثمان» بل وفى بداية خلافته
عما كانت عليه فى خلافة «عمر بن الخطاب»، وربما كان هذا تطورًا
طبيعيا فى حياة الأمة، فقد كثرت الغنائم فى أيدى الناس، وبدءوا
يتوسعون فى المأكل والملبس والمشرب، وبخاصة الجيل الجديد من
العرب الذى دخل فى الإسلام بعد وفاة النبى ﷺ ،
ولم يتأدب بآدابه، ولم يتعود حياة القناعة والقصد فى المعيشة التى
كان يحياها الصحابة فى حياته ﷺ .
ولم يُرضِ ذلك التوسع فى المعيشة صحابيا جليلا اشتهر بالزهد، هو
«أبو ذر الغفارى»، فسخط على «عثمان» وولاته وعماله، وحملهم
مسئولية ذلك التطور الاجتماعى الطبيعى الذى لم يكن من صنعهم،
стр. 123
وراح ينادى بتحريم امتلاك المسلم لشىء من المال فوق حاجة يومه
وليلته، واستشهد على ذلك بقوله تعالى: ﴿والذين يكنزون الذهب
والفضة ولا ينفقونها فى سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم﴾. [التوبة:
٣٤].
ولم يوافق أحد من الصحابة «أبا ذر» فيما نادى به، وكانوا يرون أن
المال إذا جُمع من حلال، وأدى عنه صاحبه حق الله وهو الزكاة: لا
يعتبر كنزًا، ولا تنطبق عليه الآية موضع الاستشهاد، والنبى - صلى
الله عليه وسلم - كان يخزن مؤنة بيوته لمدة سنة إذا كانت الظروف
تسمح بذلك، وتشريع الله للمواريث فى نظام دقيق يقتضى ترك الميت
ثروة تقسم بين ورثته، وكثير من الصحابة كانوا أغنياء على عهد
النبى ﷺ ، ولم يعب النبى ﷺ
ثراءهم، بل يُروى أنه قال: «نعم المال الصالح للمرء الصالح». [مسند
أحمد].
وقد نصح النبى ﷺ «سعد بن أبى وقاص» حين
أراد أن يتصدق بماله كله بقوله: «إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من
أن تذرهم عالة يتكففون الناس». [صحيح البخارى، كتاب الجنائز].
ولو أن «أبا ذر الغفارى» - رضى الله عنه - احتفظ برأيه لنفسه، لكان
الأمر هينًا، ولكنه أذاعه فى الناس؛ ووجد صداه عند الكسالى والذين
يريدون أن يعيشوا عالة على غيرهم، فألبوا الناس على «عثمان»
وولاته، وكانت تلك الدعوة سببًا من أسباب الفتنة.
وعلى الرغم من اعتزال «أبى ذر» الناس فى الربذة «شرقى المدينة»
امتثالا للخليفة؛ فإن دعوته كانت قد استشرت، وتلقفها «ابن سبأ»
اليهودى وأشعلها بين الناس.
ثانيًا: شارك عدد كبير من أهل «اليمن» ومنطقة «الخليج» فى
الفتوحات الإسلامية، وكان دورهم فى تحقيق النصر لا ينكر، ولكنهم
وجدوا بعد الفتح أن الإمارات والوظائف الرئيسية قد أُسندت إلى
غيرهم وبخاصة أبناء «قريش»، وكبار المهاجرين والأنصار وأبنائهم،
فلم يعجبهم ذلك، ورأوا أنفسهم أحق بالإمارات التى فتحوها
стр. 124
بسيوفهم، مع أنه كان من الضرورى أن يتولى المهاجرون والأنصار
هذه الولايات؛ لأنهم يعرفون الإسلام وشرائعه أكثر، فقدمهم علمهم
وفقههم فى الدين وسابقتهم فى الإسلام، وجهادهم مع رسول الله
ﷺ لا أنسابهم وأحسابهم.
ونتيجة لذلك تكونت جبهة عريضة من أبناء تلك المنطقة معارضة
لسيطرة أبناء المهاجرين والأنصار على الدولة الإسلامية، ولم تكن
شكواهم من الولاة واتهامهم بالظلم حقيقية، بل كانت ذريعة للنيل
منهم، ومن الخليفة «عثمان»، وهدفًا لقلب الدولة وتغيير نظام الحكم
المتهم بالظلم، وهؤلاء كانوا صيدًا سمينًا لابن سبأ فاستغل السخط
الذى ملأ قلوبهم لتحقيق هدفه الشرير.
ثالثًا: عندما بدأت هذه الفتنة كان معظم ولاة الأقاليم من «قريش»، بل
من «بنى أمية» أهل «عثمان»، وأقربائه، مما سهل على «ابن سبأ»
مهمته فى إشعال نار الفتنة، والحق أن هؤلاء الولاة، وهم «معاوية
بن أبى سفيان» والى الشام، و «عبدالله بن سعد بن أبى السرح»
والى «مصر»، و «عبدالله بن عامر» والى «البصرة»، و «الوليد بن
عقبة» والى «الكوفة»، كانوا من خيرة الولاة، وممن أسهموا فى
تثبيت الفتوحات الإسلامية بعد استشهاد «عمر»، وممن مارسوا الحكم
قبل خلافة «عثمان»، بل إن «معاوية بن أبى سفيان» كان واليًا
على الشام من عهد «أبى بكر الصديق». ومن ثم لم يولِّهم «عثمان»
لهوى فى نفسه، أو لأنهم من أقربائه، بل ولاهم لكفايتهم ومقدرتهم
الإدارية.
ومما يؤسف له أن بعض الكتاب الكبار صوَّروا الأمر على غير ما
تقتضيه الحقيقة التاريخية، وكأن «عثمان بن عفان» أتى بهؤلاء
الولاة من قارعة الطريق، وعينهم على الولايات الكبيرة، وحملهم
على رقاب الناس؛ لأنهم أقرباؤه فحسب. ويذهب بعضهم إلى تصوير
أمر استعفاء «عمرو بن العاص» من إمارة «مصر» بناء على طلبه
على أنه عزل من «عثمان» ليعين مكانه أخاه من الرضاعة «عبدالله
بن سعد»، ولا يذكر شيئًا مما يعرضه مؤرخو «مصر» الإسلامية كابن
стр. 125
عبد الحكم و «الكندى»، من أن «عبد الله بن سعد» كان واليًا على
صعيد «مصر» من قبل «عمر بن الخطاب»، فلما تولى «عثمان بن
عفان» الخلافة طلب منه «عمرو بن العاص» أن يخصه وحده بإمارة
«مصر» كلها، فرفض «عثمان»، فاعتزل «عمرو» الولاية بناء على
طلبه، ولم يعزله «عثمان بن عفان».
رابعًا: أن من أبناء البلاد المفتوحة وبخاصة بلاد فارس، من لم يسترح
إلى سيادة العرب عليهم، وسيطرتهم على بلادهم، وهم الذين كانوا
بالأمس يحتقرونهم وينظرون إليهم فى استعلاء، فعزَّ على أنفسهم
ذلك، فلم يتركوا فرصة لزعزعة الدولة الإسلامية إلا وانتهزوها، خاصة
من لم يتمكن الإسلام فى قلوبهم منهم، وهؤلاء كان لهم دور فى
إثارة الفتنة على «عثمان»، واستمر حتى آخر العصر الأموى.
خامسًا: أن كل ما تقدم كان يمكن تداركه وعلاجه، بل إن «عثمان» -
رضى الله عنه - حاول إجابة كل مطالب الثائرين عليه والمؤلبين للناس
ضده، لكنهم لم يقتنعوا؛ لأن الخليفة لان معهم وحلُم عليهم أكثر مما
كان ينبغى، ولو أخذهم بالشدة والحزم كما كان يفعل «عمر بن
الخطاب» مع أمثالهم لارتدعوا، ولحُسمت الفتنة.
عبد الله بن سبأ:
هو رجل يهودى من «صنعاء» ادعى الإسلام فى عهد «عثمان»،
وأخذ يبث فى المسلمين أفكارًا غريبة وبعيدة عن الإسلام، مثل قوله
بالوصية أى أن «على بن أبى طالب»، هو وصى النبى - صلى الله
عليه وسلم - وخليفته من بعده، ومعنى ذلك أن الخلفاء الثلاثة، «أبا
بكر» و «عمر» و «عثمان» اغتصبوا حق «على» فى الخلافة.
وبدأ «ابن سبأ» من هذه النقطة، مستغلا كل الأطراف التى سبق
الحديث عنها، ووضع للثائرين والناقمين على اختلاف مشاربهم
وأهدافهم خطة للتحرك ضد الخليفة وولاته، وأشار عليهم بالنيل من
الولاة أولا؛ لما كان يعرف أن «عثمان» نفسه فوق الشبهات، حتى
إذا نجحوا فى تشويه سمعة الولاة، انتقلوا إلى «عثمان» باعتباره
المسئول الأول عنهم، ومما قاله لأتباعه: «إن عثمان أخذها بغير حق،
стр. 126
وهذا وصى رسول الله - يقصد عليًّا - فانهضوا فى هذا الأمر
فحركوه، وابدءوا بالطعن فى أمرائكم، وأظهروا الأمر بالمعروف
والنهى عن المنكر، تستميلوا الناس».
أخذ «ابن سبأ» يتنقل بهذا التدبير الشيطانى بين الأقاليم من
«البصرة» إلى «الكوفة» إلى الشام إلى «مصر»، يبث أفكاره
وسمومه، وكانت خطته بالغة الإحكام، جعلت أتباعه ينجحون فى
زرع الشكوك فى نفوس الصحابة فى «المدينة»، مثل «على بن أبى
طالب»، و «الزبير بن العوام»، و «طلحة بن عبيد الله»، والسيدة
«عائشة» - رضى الله عنها - وهؤلاء كلهم كانت تصلهم معلومات
كاذبة عن ظلم ولاة الأقاليم، لكنهم صدقوها للأسف، ولم يتبينوا
كذبها إلا بعد فوات الأوان، وبعد أن وقعت الواقعة، وقتل الخليفة
الثالث مظلومًا.
موقف عثمان من الفتنة:
لما سمع «عثمان بن عفان» ما يقال عن ولاة أقاليمه جمع أهل
«المدينة»، وقال لهم: أشيروا على، فأشاروا عليه أن يرسل رجالا
إلى الأقاليم للتحقيق فيما وصله من كلام عنهم، كما كان يفعل «عمر
بن الخطاب»، فاستجاب على الفور، وحدد أربعة من الصحابة من غير
«بنى أمية» - حتى لا يتهمهم أحد بالتحيز للولاة - للقيام بما كلفهم
به، فأرسل «محمد بن مسلمة» إلى «الكوفة»، و «أسامة بن زيد»
إلى «البصرة»، و «عبدالله بن عمر» إلى الشام، و «عمار بن ياسر»
إلى «مصر»، وعاد الثلاثة الأول إلى «المدينة»، وقدموا تقارير
للخليفة بأن الأمور تجرى على خير وجه، وأن الشكاوى التى تصل
إلى «المدينة» كلها باطلة، ولا أساس لها من الصحة؛ وأن الولاة
يقومون بعملهم خير قيام، أما «عمار بن ياسر» فلم يعد من «مصر»،
لأنه لما وصل إليها، تصادف وجود «ابن سبأ» فيها، فاستقطبه
للأسف وضمه إلى صفه، مما جعل الأمر يستفحل ويزداد خطرًا.
وبعد أن تبين بطلان مزاعم أتباع «ابن سبأ»، الذين ألبوا الناس على
«عثمان» - وكلهم عرب مسلمون- لان لهم الخليفة، وعطف عليهم
وحاول استرضاءهم بدلا من عقابهم وأخذهم بالشدة.
стр. 127
ولما تهيأ الجو، ورأى زعماء الفتنة أن الفرصة سانحة للتخلص من
الخليفة، خرجوا إلى «المدينة» على رأس وفود أهل «مصر»
و «البصرة» و «الكوفة»، وكانوا نحو عشرة آلاف متظاهرين بالحج،
مخفين نياتهم الخبيثة عن عامة الناس، الذين شكوا إلى الخليفة من
تصرفات لولاتهم لا يرضونها، فوعدهم خيرًا، وأمرهم بالعودة إلى
أمصارهم، فرضوا لما رأوه من سماحته وعطفه، وعادوا. أما زعماء
الفتنة من أمثال: «الأشتر النخعى»، و «عمرو بن الأصم»، و «حرقوص
بن زهير السعدى»، و «الغافقى بن حرب»، فقد ساءهم عودة عامة
الناس الذين لا علم لهم بالمؤامرة، وسُقِطَ فى أيديهم، وعزموا على
قتل الخليفة أو عزله، فتخلفوا فى «المدينة»، وزوَّروا كتابًا، ادعوا
كذبًا أنهم وجدوه مع غلام من غلمان «عثمان»، موجه إلى «عبدالله
بن سعد» والى «مصر» يأمره فيه بقتل بعض الثائرين وتعذيب بعضهم
الآخر.
عاد الثائرون من الطريق بهذا الكتاب، فعرضوه على «على بن أبى
طالب»، فأدرك أنه مزور، لأن الذين ادعوا أنهم وجدوه هم أهل
«مصر»، ولكنهم عندما عادوا عادوا جميعًا، أهل «مصر» و «الكوفة»
و «البصرة»، مع أن طرقهم مختلفة، فعودتهم فى وقت واحد، تدل
على أن الأمر مدبر، فقال لهم على: «كيف علمتم يا أهل الكوفة ويا
أهل البصرة بما لقى أهل مصر وطريقكم مختلف وقد سرتم على
مراحل؟! هذا والله أمر أبرم بالمدينة».
ولما علموا أن أمرهم قد ظهر، وخطتهم انكشفت، قالوا لعلى:
«ضعوه حيث شئتم - أى الكتاب مصممين على كذبهم - لاحاجة بنا
إلى هذا الرجل، ليعتزلنا»، ولا شك أن هذا تسليم منهم بأن قصة
الكتاب مختلقة، وأن غرضهم الأول والأخير هو خلع أمير المؤمنين أو
سفك دمه، الذى عصمه الله بشريعة الإسلام.
محاصرة بيت الخليفة وقتله:
تشبث الأشرار بهذا الكتاب المزور، ولم يستجيبوا لنصح الصحابة
بالرجوع إلى بلادهم؛ لأن الخليفة لم يرتكب خطأ يستحق عليه العقاب،
فحاصروه فى بيته، ولم تكن هناك قوة تدافع عنه، فقد رفض عرضًا
стр. 128
من «معاوية بن أبى سفيان» بالذهاب معه إلى الشام، وكره أن
يغادر جوار رسول الله كما رفض أن يرسل «معاوية» إليه جندًا من
الشام لحمايته، لأنه كره أن يضيق على أهل مدينة رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - بجيش يضايقهم فى معاشهم.
ولما رأى «على بن أبى طالب» و «الزبير بن العوام» و «طلحة بن عبيد
الله» وغيرهم الحصار المضروب على بيت الخليفة؛ أرسلوا أبناءهم
لحراسته، لكنه رفض ذلك أيضًا، وأقسم عليهم بما له من حق الطاعة
عليهم أن يذهبوا إلى بيوتهم ويغمدوا سيوفهم، لأنه أدرك أن أبناء
الصحابة وهم عدد قليل، إن تصدوا لهؤلاء الأشرار - وكانوا زهاء
عشرة آلاف - فقد يقتلونهم جميعًا، فآثر سلامتهم وحقن دماءهم،
ولعله كان يفكر أن الثوار إذا قتلوه هو فستنتهى المشكلة، فرأى
أن يضحى بنفسه، حقنًا للدماء، ولم يدر أن دمه الطاهر الذى
سيُسفك، كان مقدمة لبحور من دماء المسلمين، سالت بعد ذلك نتيجة
مقتله.
امتثل أبناء الصحابة لأمره، وعادوا إلى بيوتهم، لكنه طلب منهم ماء
للشرب، بعد أن منعه الثوار عنه، وهو الذى اشترى للمسلمين «بئر
رومة» ووهبها لهم، بناء على طلب من الرسول ﷺ
الذى بشره بنهر عظيم فى الجنة.
وكانت أم المؤمنين «أم حبيبة بنت أبى سفيان» أول المغيثين
لعثمان، لكنها لم تستطع أن توصل الماء إليه لأن الثوار منعوها،
وأساءوا معها الأدب وسبوها، ولم يراعوا لها حرمة.
فلما فعلوا بأم حبيبة ذلك، ذهب إليهم «على بن أبى طالب» - رضى
الله عنهم - وقال لهم: «إن الذى تصنعون لا يشبه أمر المؤمنين ولا أمر
الكافرين، لاتقطعوا عن الرجل المادة (الطعام والشراب) فإن الروم
وفارس لتأسر فتطعم وتسقى، وما تعرض لكم هذا الرجل، فبم
تستحلون حصره وقتله؟! قالوا: لا والله ولا نعمة عين - يعنى ولا
قطرة ماء تصله - لا نتركه يأكل ويشرب».
وبعد ذلك اقتحموا على الخليفة داره اقتحامًا، متسلقين من دور
стр. 129
مجاورة، وقتلوه وهو صائم يقرأ القرآن، وروعوا الأمة الإسلامية فى
إمامها، الذى كانت تستحى منه الملائكة، والذى بشره النبى - صلى
الله عليه وسلم - بالجنة، وتنبأ له بالشهادة، وكان استشهاده فى
أواخر شهر ذى الحجة سنة (٣٥هـ).
قُتِل «عثمان بن عفان» مظلومًا لم يرتكب ذنبًا أو يقترف جرمًا يستحق
به أن يرفع هؤلاء الأشرار أصواتهم عليه ولو كان كل ما رموه به من
تُهم صحيحًا - مع أنه باطل وملفق - ما أباح لهم قتله، ولكنه الحقد
الأسود والأفكار الهدامة، التى زرعها «ابن سبأ» فى نفوسهم
وعقولهم، جعلهم يرون فضائله وإنجازاته تهمًا وجرائم، فاتهموه -مثلا
- بأنه تخلف عن «بيعة الرضوان» فى «الحديبية»، مع أنهم يعلمون
أنه عندئذٍ كان فى «مكة» سفيرًا للرسول ﷺ يقوم
بمهمة اعتذر عنها «عمر بن الخطاب» لخطورتها، وناب النبى - صلى
الله عليه وسلم - نفسه عن «عثمان» فى البيعة، فكانت بيعة عن
«عثمان» أفضل من بيعة الصحابة لأنفسهم، كما اعتبروا جمعه للقرآن
فى مصحف واحد جريمة، مع أنه أعظم أعماله باعتراف الصحابة
أنفسهم.
وقد وصف «أبو بكر بن العربى» قتلة «عثمان» وصفًا صادقًا، فقال:
«وأمثل ما روى فى قصته - أى عثمان - أنه بالقضاء السابق، تألب
عليه قوم لأحقاد اعتقدوها، ممن طلب أمرًا فلم يصل إليه، أو حسد
حسادة أظهر داءها، وحمله على ذلك قلة دين، وضعف يقين، وإيثار
العاجلة على الآجلة، وإذا نظرت إليهم دلك صريح ذكرهم على دناءة
قلوبهم، وبطلان أمرهم».
وقد لا يصدق بعض الناس أن رجلا واحدًا هو «عبد الله بن سبأ»
يستطيع أن يفسد أمر أمة بكاملها، مهما تبلغ قدراته، بل وصل الأمر
ببعضهم إلى إنكار وجوده أصلا، ولكن الواقع أن «ابن سبأ» كان
موجودًا ووجوده حقيقة، وهو كأى متآمر خبيث يتمتع بقدر كبير من
الدهاء والمكر، مكنه من أن يستميل إلى صفه صحابيين جليلين هما
«أبو ذر الغفارى» و «عمار بن ياسر»، وأن يستغل كل الساخطين من
стр. 130
أبناء العرب الطامعين فى الوظائف، بالإضافة إلى الحاقدين من
أبناء البلاد المفتوحة، الذين سقطت دولهم، وبادت عروشهم، وخلق
من ذلك كله تيارًا عامًّا، أدى إلى فتنة عارمة، ذهب ضحيتها «عثمان
بن عفان»، ولم تنته بعد موته.
стр. 131
الفصل التاسع
*خلافة على بن أبى طالب (٣٥ - ٤٠) هـ
نسبه ونشأته:
هو «على بن أبى طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف»،
وأمه «فاطمة بنت أسد بن هاشم»، وهى أول هاشمية ولدت
هاشميًّا، وقد أسلمت وهاجرت إلى «المدينة»، وهو ابن عم النبى
ﷺ ، وتربى فى بيته، لأن أباه كان كثير العيال
قليل المال، فأراد النبى أن يخفف عن عمه أعباء المعيشة، فأخذ
«عليًّا» ليعيش معه فى بيته، وكان عمره يومئذٍ ست سنوات، فشاءت
إرادة الله أن ينشأ «على» فى بيت النبوة، فوقاه الله أرجاس
الجاهلية، فلم يسجد لصنم قط، وكان أول من أسلم من الصبيان.
صفته:
كان «على بن أبى طالب» ربعة من الرجال، يميل إلى القصر، أسمر
اللون، حسن الوجه واسع العينين، أصلع الرأس، عريض المنكبين،
غزير اللحية، قوى الجسم.
عُرف «على بن أبى طالب» بالشجاعة والعلم الغزير، والزهد فى
الدنيا مع القدرة عليها، وكان واحدًا ممن حفظوا القرآن كله من
الصحابة، وعرضوه على النبى ﷺ ، ومن أكثرهم
معرفة بالقرآن وبتفسيره وأسباب نزوله، وأحكامه، وكان من كتاب
الوحى، ولذا اختص فى سيرته بلقب «الإمام» لأفضليته العلمية
والفقهية، وكان أقضى الصحابة رضى الله عنهم جميعًا، واشتهر
بالفصاحة والخطابة وقوة الحجة، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة،
وقد تآخى الرسول ﷺ مع على بعد الهجرة، ثم
زوجه ابنته «فاطمة»، وأنجب منها «الحسن» و «الحسين»، وهما
اللذان حفظا نسل الرسول ﷺ .
شهد «على» المشاهد كلها -عدا تبوك - مع رسول الله - صلى الله عليه
وسلم -، فكان فى طليعة من صرعوا المشركين فى «بدر»، وواحداً
من الذين ثبتوا مع رسول الله ﷺ فى غزوة
«أحد»، وحمل اللواء عندما سقط من يد «مصعب بن عمير» بعد
استشهاده، حمله بيده اليسرى، وظل يقاتل بيده اليمنى، وصرع فى
غزوة الخندق «عمرو بن عبد ود» فارس «قريش» والعرب كلها عندما
стр. 132
لم يقدم أحد على مبارزته وأعطاه الرسول ﷺ
الراية يوم «خيبر»، وقال: «لأعطين اللواء غدًا رجلا يحب الله ورسوله
ويحبه الله ورسوله»، وأخبر أن الفتح سيكون على يديه، وتحقق
ذلك، وثبت مع من ثبتوا مع النبى ﷺ فى «حنين».
وفى غزوة «تبوك» خلفه النبى ﷺ فى أهله
يرعى مصالحهم وشئونهم، ولما تأذى من ذلك، وقال: يارسول الله،
تخلفنى فى النساء والصبيان؟!، فقال له النبى - صلى الله عليه
وسلم -: «أما ترضى أن تكون منى بمنزلة هارون من موسى غير أنه
لا نبى بعدى؟»، إشارة من النبى إلى أن «موسى» عندما ذهب
لمناجاة ربه، ترك أخاه «هارون»، خلفًا له فى قومه، كما جاء فى
قوله تعالى: ﴿وقال موسى لأخيه هارون اخلفنى فى قومى وأصلح
ولا تتبع سبيل المفسدين﴾. [الأعراف:١٤٢].
وكان رضى الله عنه موضع ثقة واحترام من الصحابة جميعًا، فكان من
أكبر أعوان «أبى بكر الصديق» فى قمع حروب الردة، ولازم «عمر
بن الخطاب»، فكان لا يقطع أمرًا دون مشاورته، والاستنارة برأيه،
وكان «عمر» يقول: «قضية ولا أبا حسن لها». وعاون «عثمان»
بالرأى والمشورة مثلما كان يفعل مع «أبى بكر» و «عمر»، فلم
يحجب عنه نصحه ومؤازرته فى الفتنة التى أطبقت على الأمة،
وأرسل أولاده مع بقية أولاد الصحابة لحراسته والدفاع عنه، ثم ذهب
بنفسه لمواجهة الأشرار.
بيعته بالخلافة:
رُوِّعت «مدينة» رسول الله ﷺ بمقتل أمير المؤمنين
«عثمان بن عفان» - رضى الله عنه - وعم الناس الهلع والرعب، لهذه
الجريمة التى أقدم عليها هؤلاء الأشرار.
سيطر الثائرون على «المدينة»، وظل «الغافقى بن حرب» زعيم ثوار
«مصر»، وأحد كبار زعماء الفتنة يصلى بالناس إمامًا فى مسجد
رسول الله ﷺ خمسة أيام، والدولة كلها بدون
خليفة، ولم يكن فى وسع أحد من الثوار أن يرشح نفسه لها، لأنهم
يعلمون أن هذا الأمر يخص المهاجرين وحدهم.
стр. 133
وبدأ الثائرون يعرضون منصب الخلافة على كبار الصحابة: «على بن
أبى طالب»، و «طلحة بن عبيد الله»، و «سعد بن أبى وقاص»،
و «الزبير بن العوام»، و «عبدالله بن عمر بن الخطاب»، فرفضوا
جميعًا، وسماهم «على بن أبى طالب» الثائرين ولعنهم على فعلتهم
الشنعاء، فهددهم الثائرون بقتلهم جميعًا كما قتلوا «عثمان» إن لم
يقبل أحدهم منصب الخلافة.
وفى مثل هذه الظروف العصيبة كان لابد من رجل شجاع غير هياب،
يتقدم الصفوف لحمل الأمانة وسط الأخطار المحدقة بها، واتجهت
الأنظار إلى «على بن أبى طالب»، وتعلقت به الآمال، ترجوه تحمل
المسئولية، وقيادة الركب إلى بر الأمان، وألح عليه كبار الصحابة
إلحاحًا شديدًا لتولى المنصب الشاغر، منصب الخلافة الجليل، فقبل
تجشم تبعاتها فى هذه الظروف الدقيقة، وكان قبوله لها ضربًا من
ضروب الفروسية والشجاعة، والاحتساب عند الله، والنزول على رغبة
كبار الصحابة.
كان «على بن أبى طالب» هو أول خليفة يخطب قبل البيعة، وكانت
خطبة قصيرة، أشهد الله عليهم، وأشهدهم على أنفسهم أنهم هم
الذين ألحوا عليه تقبل أمرٍ كان له كارهًا، لتبعاته ومسئولياته، فلما
وافقوا بايعوه، ولهذا كان عليه أن يخطب مرة أخرى خطبة يوضح
فيها أسلوبه فى الحكم، فقال: «إن الله أنزل كتابًا هاديًا، بين فيه
الخير والشر، فخذوا بالخير ودعوا الشر، الفرائض الفرائض أدوها إلى
الله تعالى يؤدكم إلى الجنة، إن الله حرم حرمات غير مجهولة، وفضل
حرمة المسلم على الحرم كلها، وشد بالإخلاص والتوحيد حقوق
المسلمين، فالمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده إلا بالحق، لا
يحل دم امرئ مسلم إلا بما يجب، بادروا أمر العامة، وخاصة أحدكم
الموت، فإن الناس أمامكم، وإن من خلفكم الساعة تحدوكم تخففوا
تلحقوا، فإنما ينتظر الناس أخراهم، اتقوا الله عباد الله فى بلاده
وعباده، إنكم مسئولون حتى عن البقاع والبهائم، أطيعوا الله فلا
стр. 134
تعصوه ﴿واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون فى الأرض﴾». [الأنفال:
٢٦].
خطبة قصيرة مناسبة للمقام وللظرف الذى قيلت فيه، فقد بدأها
بالتذكير بالله، وحث المسلمين على عمل الخير وتجنب الشر، وحذرهم
حرمات الله والوقوع فيها، وأهمها حرمة دم المسلم، ولعله بذلك
يعرض بقتلة «عثمان» ويحدد موقفه من هذه الفعلة الشنعاء، وأنه لن
يتساهل فى القصاص منهم، وإقامة الحد عليهم.
على والقرارات الصعبة:
تمت بيعة «على بن أبى طالب» فى اليوم الخامس والعشرين من شهر
ذى الحجة سنة (٣٥ هـ)، فاستقبل بخلافته عام (٣٦هـ)، وكان عليه
أن يواجه الموقف العصيب، الذى نتج عن استشهاد أمير المؤمنين
«عثمان بن عفان»، باتخاذ قرارات صعبة تجاه عدد من المعضلات،
التى كان أولها:
- القصاص من قتلة «عثمان» - رضى الله عنه - وكان ذلك مطلب
الصحابة، ففى أول يوم من خلافته ذهب إليه «طلحة» و «الزبير»،
وطالباه بإقامة الحد على القتلة، وكان هو مقتنعًا بذلك، ولذلك قال
لهما: «يا إخوتاه إنى لست أجهل ما تعلمون ولكن كيف أصنع بقوم
يملكوننا ولا نملكهم؟ هاهم هؤلاء قد ثارت معهم عبدانكم، وثابت
إليهم أعرابكم، وهم خلالكم -أى يعيشون بينكم - يسومونكم
ماشاءوا - أى يسيطرون عليكم - فهل ترون موضعًا لقدرة على شىء
مما تريدون؟ قالوا: لا، قال: فلا والله لا أرى إلا رأيًا ترونه أبدًا».
ويتضح من هذا أن «على بن أبى طالب» لم يكن أقل من غيره حرصًا
على إقامة الحد على قتلة «عثمان»،ولكن الظرف الذى هم فيه لا
يمكنه من ذلك، فإذا كان الذين نفذوا القتل فى «عثمان» عددًا
محدودًا، وهم «الغافقى بن حرب»، ومعه «سودان بن حمران»
و «كنانة بن بشر التجيبى»، فإن وراءهم نحو عشرة آلاف من الثوار
الذين ضللوهم، وهم مستعدون للدفاع عنهم، ولذلك عندما كانوا
يسمعون قائلا يقول: من قتل «عثمان»؟ كان هؤلاء جميعًا يصيحون:
نحن جميعًا قتلناه، ولذا كان رأى الإمام التريث حتى تهدأ الأمور،
стр. 135
ويعود الناس إلى بلادهم، حتى يتمكن من التحقيق فى الأمر وإقامة
الحد، وقد اقتنع الصحابة بهذا الحل، لكن الأمور تطورت تطورًا آخر
على غير ما يهوى الجميع.
- وتغيير كل ولاة «عثمان» على الولايات الكبرى: «مصر» و «الشام»،
و «الكوفة»، و «البصرة» حتى تهدأ الفتنة. وقد اتخذ «على» بالفعل
قرارًا بذلك، فعزل «معاوية بن أبى سفيان» عن الشام، وعين بدلا
منه «سهل بن حنيف»، وعزل «عبدالله بن سعد بن أبى السرح» عن
«مصر» وعين بدلا منه «قيس بن سعد بن عبادة»، وعزل «عبدالله بن
عامر» عن «البصرة» وعين بدلا منه «عثمان بن حنيف»، وعزل «أبا
موسى الأشعرى» عن «الكوفة»، وعين بدلا منه «عمارة بن شهاب».
وهذا القرار الخطير راجعه فيه أقرب الناس وأخلصهم له، ابن عمه
«عبدالله بن عباس»، ونصحه بالانتظار فترة ولو لمدة سنة، لتكون
الأمور قد هدأت واستقرت، ويتم التغيير فى ظرف مناسب، لكن الإمام
أصر على تنفيذ قراره محتجًا بأن هؤلاء الثوار ثاروا غضبًا من ولاة
«عثمان»، سواء أكانوا مخطئين أم مصيبين، ولن تهدأ ثورتهم إلا إذا
عُزِلوا.
وإزاء إصرار على - رضى الله عنه - على تنفيذ قراره، اقترح «ابن
عباس» أمرًا آخر، بأن يعزل من يشاء من الولاة، ويُبقى «معاوية»
على ولاية الشام، وكان اقتراحًا ذكيًا وجيهًا، فمعاوية لم يكن موضع
شكوى أحد من رعيته، ولم يشترك أهل الشام فى الثورة على
«عثمان» وقتله، وعلى هذا فلو أقره علىّ فى ولاية الشام، فلن
يلومه أحد، وكان «ابن عباس» يعرف من ناحية أخرى أن «معاوية»
لن يذعن لقرار العزل، وسيبقى فى لايته، مسببًا متاعب كثيرة، ومع
هذا صمم الإمام «على بن أبى طالب» على عزل ولاة «عثمان» جميعًا
بما فيهم «معاوية».
بدأ الولاة الجدد يتجهون إلى ولاياتهم لمباشرة أعمالهم، فذهب
«قيس بن سعد» إلى «مصر»، ودخلها بدون متاعب؛ لأن واليها القديم
«عبدالله بن سعد» تركها منذ علمه بمقتل «عثمان»، وذهب إلى
стр. 136
«فلسطين»، واعتزل الفتنة، وبقى هناك حتى مات فى مدينة
«عسقلان» سنة (٣٧هـ).
وكذلك دخل «عثمان بن حنيف» «البصرة»، وتولى شئونها بدون
مشاكل؛ لأن واليها «عبدالله بن عامر» كان قد تركها وذهب إلى
«مكة».
أما «عمارة بن شهاب» فلم يمكنه أهل «الكوفة» من دخولها،
وتمسكوا بواليهم «أبى موسى الأشعرى»، فوافق الإمام «على»
على ذلك، وأقر عليهم «أبا موسى الأشعرى».
وكذلك لم يستطع «سهل بن حنيف» دخول الشام، فقد منعه «معاوية
بن أبى سفيان»، رافضًا قرار العزل. وهنا لم يعامل الإمام «على»
الشام معاملة «الكوفة»، فإنه رفض إقرار «معاوية» فى ولاية
الشام، مع أن تمسك أهلها به كان أشد من تمسك أهل «الكوفة»
بأبى موسى الأشعرى.
بين على ومعاوية:
دارت مراسلات عديدة بين «على» و «معاوية» - رضى الله عنهما -
يطلب الأول من الآخر مبايعته بالخلافة، والإذعان لأوامره، باعتباره
الخليفة الشرعى الذى بايعه معظم الصحابة فى «المدينة»، على حين
يطلب الثانى من الأول القصاص من قتلة «عثمان»، باعتباره ولى
دمه، لأنه ابن عمه، وبعدها ينظر فى بيعته.
ولم تكن وجهة نظر الإمام فى قضية القصاص رافضة، لكنه كان يرغب
فى تأجيلها حتى تتهيأ الظروف المناسبة، ولكن «معاوية» تمسك
بالقصاص أولا، وجعله شرطًا لازمًا يسبق البيعة.
ولما لم تؤد الاتصالات بينهما إلى نتيجة، وصلت رسالة من «معاوية»
إلى «على» تتضمن جملة واحدة، هى: «من معاوية إلى على»،
بعثها «معاوية» بيضاء مع رجل يدعى «قبيصة» من «بنى عبس»،
وأمره أن يدخل بها «المدينة»، رافعًا يده حتى يراها الناس، ويعلموا
أن «معاوية» لم يبايع «عليًّا»، إذ يخاطبه باسمه فقط دون أن يصفه
بأمير المؤمنين.
وأدرك علىٌّ رضى الله عنه- أن حمل معاوية على البيعة سلمًا غير
ممكن، فأخذ يعد العدة لحمله على البيعة بالقوة، باعتباره خارجًا
على طاعة الخليفة، على الرغم من أن كثيرين نصحوه بعدم اللجوء
стр. 137
إلى الحرب لعواقبها الوخيمة، ومن بينهم ابنه «الحسن» لكن الإمام
«على» أصر على موقفه، وبينما هو يستعد لذلك، جاءته أخبار
أخرى مفزعة من «مكة»، تخبره بمسير «عائشة» وجماعتها إلى
«البصرة».
موقعة الجمل (٣٦هـ):
كانت أم المؤمنين «عائشة» - رضى الله عنها - عائدة من أداء فريضة
الحج، وسمعت بمقتل «عثمان»، فعادت من الطريق إلى «مكة»،
وأعلنت سخطها على قتله، وأخذت تردد «قُتل والله عثمان مظلومًا
لأطلبن بدمه»، ثم وافاها فى «مكة» «طلحة» و «الزبير» - رضى الله
عنهما - و «بنو أمية»، وكل من أغضبه مقتل «عثمان»، وراحوا
يتباحثون فى الأمر، وهداهم تفكيرهم إلى تجهيز جيش للأخذ بالثأر
من قتلة «عثمان» والسير به إلى «البصرة»، باعتبارها أقرب بلد
إليهم من البلاد التى اشترك أهلها فى الثورة على «عثمان» وقتله،
وكان هذا اجتهادًا منهم مجانبًا للصواب، لأنهم بهذا العمل كأنهم
أقاموا حكومة أخرى غير حكومة الإمام، المبايع شرعًا من الأمة،
والمنوط به وحده إقامة الحدود والقصاص من القتلة، وربما كان
الأفضل من هذا أن يتوجهوا إلى «المدينة»، ليشدوا من أزر الخليفة
فى هذا الوقت العصيب الذى تمر الأمة به، ويتشاوروا معه فى إيجاد
طريقة لحل المشكلات التى تواجهها الأمة.
وصلت أخبار سير «عائشة» ومن معها إلى «على» وهو يتأهب
للخروج إلى الشام لقتال «معاوية»، فاضطر إلى تغيير خطته، فلم
يعد ممكنًا أن يذهب إلى الشام، ويترك هؤلاء يذهبون إلى
«البصرة»، فاستعد للذهاب إلى هناك.
خرجت السيدة «عائشة» - رضى الله عنها - ومعها فى البداية نحو
ألف رجل لكن هذا العدد تضاعف عدة مرات، بانضمام كثيرين إلى
الجيش، نظرًا إلى مكانة «عائشة»، فلما اقتربوا من «البصرة»، أرسل
واليها «عثمان بن حنيف» إلى أم المؤمنين «عائشة» رسولين من
عنده، هما «عمران بن حصين» و «أبو الأسود الدؤلى» يسألانها عن
سبب مجيئها. فقالت لهما: «إن الغوغاء من أهل الأمصار ونزاع
стр. 138
القبائل غزوا حرم رسول الله ﷺ ، وأحدثوا فيه
الأحداث وآووا فيه المحدثين، واستوجبوا لعنة الله ورسوله، مع
مانالوا من قتل إمام المسلمين، بلا ترة ولا عذر، فخرجت فى
المسلمين، أعلمهم ما أتى هؤلاء».
وكذلك سأل الرسولان «طلحة» و «الزبير» - رضى الله عنهما - عن
سبب مجيئهما، فقالا: «الطلب بدم عثمان»، فرجع الرجلان وأخبرا
«عثمان بن حنيف»، فقال: «إنا لله وإنا إليه راجعون! دارت رحى
الإسلام ورب الكعبة»، وأصرَّ على منعهم من دخول «البصرة»، فدارت
بينه وبينهم معركة عند مكان يُسمى «الزابوقة» قُتل فيها نحو
ستمائة من الفريقين، فلما رأوا كثرة القتلى تنادوا إلى الصلح والكف
عن القتال، وانتظار قدوم الإمام «على» إلى «البصرة»، وتم الصلح
على أن يتركوا للوالى دار الإمارة والمسجد وبيت المال، وينزلوا هم
فى أى مكان بالبصرة.
وصول «على» إلى البصرة:
وصل «على» إلى «البصرة» وعلم بما حدث من سفك الدماء وهاله
ذلك، فأرسل على الفور «القعقاع بن عمرو التميمى» إلى معسكر
«عائشة» و «طلحة» و «الزبير»، ليعرف ماذا يريدون، فقالت «عائشة»
- رضى الله عنها -: «خرجنا لنصلح بين الناس»، وكذلك قال «طلحة»
و «الزبير»، فسألهم «ما وجه الإصلاح الذى تريدون»، قالوا: «قتلة
عثمان»، قال: «لقد قتلتم ستمائة من قتلة عثمان، فغضب لهم ستة
آلاف من قبائلهم، وكنتم قبل ذلك أقرب إلى السلامة منكم الآن»،
قالوا: «فماذا ترى أنت؟»، قال: «أرى أن هذا الأمر دواؤه
التسكين»، واقترح عليهم تجديد البيعة لعلى، ومقابلته، والتفكير بعد
ذلك فيما يصلح المسلمين، فقبلوا.
ومعنى ذلك أن الجميع كانوا راغبين، فى الإصلاح، كل على حسب
اجتهاده، لكن عناصر الشر التى كانت لاتزال فى معسكر «على»
هى التى أفسدت السعى الذى قام به «القعقاع».
أتباع ابن سبأ يفسدون الصلح ويبدءون المعركة:
كانت نقطة الضعف التى فى معسكر الإمام «على» هى وجود كثيرين
стр. 139
ممن اشتركوا فى قتل «عثمان» والتخطيط له، وعلى رأسهم «عبدالله
بن سبأ»، و «الأشتر النخعى»، ولم يكن لعلى حيلة فى وجودهم معه،
ولا قدرة على إبعادهم، لكونهم قوة كبيرة تساندهم عصبات قبلية،
وقد أدرك زعماؤهم الذين تولوا كبر الثورة على «عثمان» أن الصلح
بين الفريقين سيجعل «عليًّا» يتقوى بانضمام الفريق الآخر إليه،
ويقيم الحد عليهم باعتبارهم قتلة «عثمان»، فعزموا على إفساد الأمر
كله.
وترتب على هذا العزم أن عقد «ابن سبأ» لهم مؤتمرًا تدارسوا فيه
الأمر، فاقترح «الأشتر» أن يقتلوا «عليًا» كما قتلوا «عثمان» من
قبل، فتهيج الدنيا من جديد، ولا يقدر عليهم أحد، لكن هذا الاقتراح
لم يعجب «ابن سبأ»، فهو يريد أن يدخل الأمة كلها فى حرب طاحنة،
لا أن يقتل فرد واحد وإن كان خليفة المسلمين، فأمرهم بشن هجوم
فى ظلام الليل على جيش «عائشة» و «طلحة» و «الزبير»، بدون علم
الإمام «على»، فاستجابوا لرأيه، وبينما الناس نائمون مطمئنون بعد
أن رأوا بوادر الصلح تلوح فى الأفق، إذا بهم يفاجئون بقعقعة
السلاح، وكانت هذه هى بداية حرب «الجمل» المشئومة التى راح
ضحيتها خيرة الصحابة «طلحة» و «الزبير» المبشران بالجنة، ونحو
عشرين ألفًا من المسلمين.
أسباب خروج عائشة ومن معها:
لم تكن أم المؤمنين «عائشة»، ولا «طلحة» ولا «الزبير» ولا أمير
المؤمنين «على» يريدون سفك الدماء، ولا يتصورون حدوث ذلك،
وكل ما دفع السيدة «عائشة» ومن معها إلى الخروج إنما هو
اقتناعهم بأن «عثمان» قُتل مظلومًا، وعليهم تقع مسئولية إقامة الحد
على قتلته، ولم يكونوا أبدًا معادين لعلى، أو معترضين على
خلافته، وقد رأينا ميلهم جميعًا إلى الصلح، لولا أن أتباع «ابن سبأ»
(السبئية) أفسدوا كل شىء وأشعلوا الحرب، ولقد ندمت السيدة
«عائشة» ندمًا شديدًا على ماحدث، وقالت: «والله لوددت أنى مت
قبل هذا اليوم بعشرين سنة».
وخلاصة القول أن تبعة هذه المأساة تقع على عاتق «السبئية»، فهم
стр. 140
الذين أشعلوا الفتنة من البداية، وقتلوا خليفة المسلمين ظلمًا،
وأشعلوا حرب «الجمل»، أما الصحابة، فقد وصف «ابن خلدون»
موقفهم وصفًا دقيقًا، فقال: «وإذا نظرت بعين الإنصاف عذرت القوم
أجمعين، وعلمت أنها كانت فتنة ابتلى الله بها الأمة»
معركة صفين:
بعد معركة «الجمل» توجه «على ابن أبى طالب» بجيش يبلغ عدده
نحو مائة ألف إلى «صفين»، واستعد «معاوية» لمقابلته بجيش يقاربه
فى العدد، ودارت بينهما معركة شرسة فى شهر صفر سنة (٣٧هـ)
قُتِل فيها من الجانبين نحو سبعين ألفًا، خمسة وعشرين ألفًا من
جيش «على»، وخمسة وأربعين ألفًا من جيش «معاوية»، ولما رأى
الناس كثرة القتلى من الجانبين تنادوا يطلبون وقف القتال، فجعل
أهل «العراق» (جيش «على») يصيحون فى أهل الشام (جيش
«معاوية») قائلين: من لثغور «العراق» إن فنى أهل «العراق». ويرد
الآخرون: من لثغور الشام إن فنى أهل الشام. ومن هنا جاءت فكرة
التحكيم.
التحكيم:
رفع جيش «معاوية» المصاحف للاحتكام إليها، ووقف القتال فورًا،
بدلا من سفك الدماء، وكانت فكرة التحكيم من عند «عمرو بن
العاص»، وقد قبلها الطرفان، وأوقفت الحرب، بعد أن فزع الناس
لكثرة عدد القتلى.
أوقفت الحرب، وطلب من «على» و «معاوية» أن ينيب كل منهما
شخصًا يتفاوض باسمه، للفصل فى القضايا محل الخلاف، فأناب
«معاوية» «عمرو بن العاص»، وأناب «على» «أبا موسى الأشعرى»
على كره منه وذلك فى شهر صفر (٣٧هـ) وكان «على» قد حاول أن
ينيب عنه «عبدالله بن عباس»، لكن أنصاره، وبخاصة من أبناء
«اليمن» بزعامة «الأشعث بن قيس»، رفضوا ذلك بحجة عصبية،
وأعلنوها صراحة، كيف يكون الخلاف بين رجلين من «قريش»، ثم
يكون الحكمان رجلين من «قريش» أيضًا، لقد حسدوا قريشًا على
زعامتها للدولة الإسلامية التى استحقتها بسابقتها فى الإسلام، لا
بنسبها فقط.
واتفق على أن يأخذ الطرفان مهلة مدتها ستة أشهر، تهدأ فيها
стр. 141
النفوس، ويجتمع الحكمان للتباحث والوصول إلى حل، وبعد مفاوضات
طويلة وصل الحكمان إلى نتيجة رأياها أفضل الحلول، وهى عزل
«على» -رضى الله عنه- عن الخلافة، ورد الأمر إلى الأمة تختار من
تشاء، أما التصرف العملى فى إدارة البلاد التى كانت تحت يد كل من
الرجلين المتحاربين، فيبقى كما كان: «على» يتصرف فى البلاد التى
تحت حكمه (وهى كل الدولة الإسلامية عدا الشام) و «معاوية» يتصرف
فى البلاد التى تحت حكمه (الشام).
موقف على وأنصاره من التحكيم:
اجتهد الحكمان فيما توصلا إليه، وأعلناه على الناس، غير أن
«عليًّا» - رضى الله عنه - لم يقبل تلك النتيجة، واعتبر الحكمين قد
تجاوزا حدودهما؛ لأن الخلاف لم يكن على منصب الخلافة، وإنما على
إقامة الحد على قتلة «عثمان»، وبيعة «معاوية» له، أيهما يسبق
الآخر، ولذلك عدَّ نفسه فى حل من هذه النتيجة، فعادت الأمور إلى ما
كانت عليه قبل التحكيم، أى إلى حالة الحرب.
ظهور الخوارج:
حاول «على» أن يدعو أنصاره إلى حرب «معاوية» من جديد لكنهم
كانوا قد ملوا القتال، وتقاعسوا عنه، بل إنهم انقسموا إلى «شيعة»
وافقوه على ماصنع «وخوارج» اعتبروا التحكيم كان خاطئًا من
أساسه، مع أنهم هم الذين فرضوه عليه، ثم تجاوزوا ذلك إلى ما هو
أكثر تطرفًا، فاتهموا «عليًّا» بالكفر، لأنه حكَّم الرجال فى القرآن،
وصاغوا شعارًا أخذوا يرددونه «الحكم لله لا لك يا على»، وكان هو
يقول لهم: «كلمة حق أريد بها باطل»، وطالبوه بأن يعلن كفره،
ويتوب ويسلم من جديد، حتى يعودوا إليه ويقاتلوا معه، فإذا لم يفعل
فسوف يقاتلونه.
ولا يمكن لمسلم أن يتصور كيف يُكفَّر رجل من صحابة رسول الله
المبشرين بالجنة، وممن رضى الله عنهم تحت الشجرة فى «بيعة
الرضوان»، وإزاء هذا التطرف من «الخوارج» اضطر الإمام أن يحاربهم
فى معركة شهيرة تُسمى معركة «النهروان» بالقرب من «الكوفة»،
وبعدها لم يستطع أن يجمع شمل أنصاره لقتال «معاوية» من جديد
стр. 142
كما كان يريد، بل أجبرته الظروف على التفاهم والاتفاق معه.
الاتفاق بين على ومعاوية:
بعد انقسام جبهة «على» إلى «شيعة» و «خوارج» ازداد موقفه
ضعفًا؛ لأن صراعه مع «الخوارج» كبده متاعب جسيمة، وفى الوقت
نفسه كان موقف «معاوية» يزداد قوة، وبخاصة بعد أن استطاع
الاستيلاء على «مصر» سنة (٣٨هـ)، بجيش قاده فاتحها الأول «عمرو
بن العاص»، ونشر قوات له فى أطراف «العراق»، وضم «اليمن» إليه،
وأصبحت دولته تتسع بمرور الزمن، فى الوقت الذى تضيق فيه دولة
«على».
وانتهى الأمر بأن جرت بينهما مفاوضات طويلة، اتفقا على وضع
الحرب بينهما وتكون لعلى «العراق» وبلاد فارس ولمعاوية الشام فلا
يدخل أحدهما على صاحبه فى عمله بجيش ولا غارة .. وتراضيا على
ذلك» .. وهكذا أجبرت الظروف التى تكون أحيانًا أقوى من الرجال
«على بن أبى طالب» أن يصالح «معاوية»، ويسلم له بنصف الدولة
الإسلامية تقريبًا، يحكمها حكمًا مستقلا، وهو الذى رفض فى بادئ
الأمر إبقاءه واليًا على الشام وحدها يأتمر بأمره، وينتهى بنهيه.
إدارة الدولة وتثبيت الفتوحات فى عهده:
على الرغم من الظروف الصعبة التى واجهت الإمام «عليًّا» -رضى الله
عنه- فإنه أدار الدولة باقتدار وعدالة ونزاهة وتجرد، ولم يقصر فى
شأن من شئونها، واتخذ من «الكوفة» عاصمة لدولته منذ أن خرج من
«المدينة» إلى «البصرة» وبعد معركة «الجمل»، وظل يحكم منها إلى
أن لقى الله، وعهد بإدارة بقية أجزاء دولته إلى أقرب الناس إليه،
وأخلصهم له، فجعل «عبدالله بن عباس» واليًا على «البصرة» وأخاه
«عبيد الله بن عباس» واليًا على «اليمن»، وأخاهما الثالث «قثم بن
عباس» على «مكة» و «الطائف»، وعزل «قيس بن سعد» عن «مصر»،
وولى مكانه «محمد بن أبى بكر الصديق».
ولا لوم على «عثمان» و «على» إذا وليا أهل قرابتهما؛ لأن كل واحد
منهما اجتهد لمصلحة الأمة، وكان أمينًا عليها، فعهد بإدارة الدولة
стр. 143
إلى من رأى أنهم ينفذون سياسته، ولم يولِّ أى منهما أحدًا محاباة
أو لقرابة.
ولم تشغل الإمام «عليًّا» مشكلات الدولة الداخلية عن التصدى
لمحاولات الانتقاض التى حدثت فى بلاد فارس، فقد حاول الفرس
تكرار ما فعلوه بعد استشهاد «عمر بن الخطاب»، فأرسل إليهم
«زياد بن أبيه» فى جمع كثير، «فوطئ بهم أهل فارس، وكانت قد
اضطرمت، فلم يزل يبعث إلى رءوسهم، يعد من ينصره ويعينه،
ويخوّف من امتنع عليه، وضرب بعضهم ببعض، فدل بعضهم على
عورة بعض، وهربت طائفة، وأقامت طائفة، فقتل بعضهم بعضًا،
وصفت له فارس، فلم يلقَ منهم جمعًا ولا حربًا».
أما الروم فلم يتحركوا؛ لأن الإمبراطور «قنسطانز» لما عرض عليه
بعض قواده أن ينتهزوا فرصة الحروب التى جرت بين «على»
وأصحاب «الجمل»، وبينه وبين «معاوية»، ويغيروا من جديد على
«مصر» و «الشام»، رفض الإمبراطور معللا ذلك بأن غزوه لمصر
والشام سيجعل المسلمين يتصالحون ويتحدون ويقاتلوننا جميعًا، ولن
نقوى عليهم، فخير لنا أن نتركهم يقتل بعضهم بعضًا حتى يضعف
شأنهم.
استشهاد على رضى الله عنه:
جاءت نهاية الإمام «على بن أبى طالب» على يد «الخوارج»، أنصاره
السابقين، الذين بلغ بهم الغلو والتطرف حدًا اعتبروا فيه «عليًّا»
و «معاوية» و «عمرو بن العاص» أئمة ضلالة، وحمَّلوهم مسئولية ما
حدث، وقرروا قتل الثلاثة جميعًا، واتفقوا أن يتم التنفيذ فى وقت
واحد، هو فجر اليوم السابع عشر من شهر رمضان سنة (٤٠هـ)؛ تيمنًا
بذكرى معركة «بدر» حسب تصور نفوسهم المريضة وعقولهم
الفاسدة، وانتدبوا ثلاثة للقيام بهذه المهمة، هم «عبدالرحمن بن
ملجم»، و «البرك بن عبدالله»، و «عمرو بن بكر»، على أن يذهب الأول
إلى «الكوفة» لقتل «على»، والثانى إلى «دمشق» لقتل «معاوية»،
والثالث إلى «مصر» لقتل «عمرو بن العاص».
وشاءت إرادة الله - تعالى - أن ينجو «معاوية» و «عمرو» من القتل،
وأن تكون الشهادة من نصيب «على»، حيث ضربه «عبدالرحمن بن
стр. 144
ملجم» بسيف مسموم فى جبهته، فشقها فمات من أثر الضربة بعد
وقت يسير، بعد أن قضى أربع سنوات وبضعة شهور، لم يذق فيها
طعم الراحة، وحاصرته المشكلات والمتاعب، وأنهكته الحروب من كل
جانب.
خلافة الحسن بن على: (٤٠ - ٤١هـ)
وبعد وفاة الإمام «على» بايع أنصاره ابنه «الحسن»، وكان «جندب
بن عبد الله» قد دخل على الخليفة بعد طعنه وتيقن ألا أمل فى حياته،
وسأله: «يا أمير المؤمنين إن فقدناك - ولا نفقدك - أنبايع للحسن؟
فقال: ما آمركم ولا أنهاكم، أنتم أبصر»، ولم يوصِ لأحد من بعده، بل
قال لهم: «ولكن أدعو الله - تعالى- أن يجمعكم بعدى على خيركم
كما جمعنا بعد نبينا على خيرنا» -يقصد أبا بكر-، مرسخًا بذلك
قاعدة الشورى التى اتُبِعَت فى بيعته هو وبيعة الثلاثة الراشدين من
قبله.
أراد أنصار «الحسن» أن يتأهبوا لقتال «معاوية» من جديد، لكنه
رفض، ورأى عدم جدوى ذلك، بل إنه وقف ضد فكرة اقتتال
المسلمين من البداية.
راسل «الحسن» «معاوية» بشأن الصلح، فسر به سرورًا عظيمًا،
وجاء إلى «الكوفة» فى شهر ربيع الأول سنة (٤١هـ)، بعد ستة
أشهر من خلافة «الحسن»، وبايعه «الحسن» و «الحسين»، وتبعهما
الناس، وبهذا قامت الدولة الأموية رسميًّا، وأصبح «معاوية» خليفة
للأمة الإسلامية كلها، ولُقب لأول مرة بأمير المؤمنين، وكان يلقب قبل
ذلك بالأمير فقط.
استبشر المسلمون خيرًا بتلك المصالحة، وحمدوا الله على انتهاء
الفتنة وسفك الدماء، وسمُّوا ذلك العام «عام الجماعة»، وترك صنيع
«الحسن» صدى طيبًا عند جمهور المسلمين، وأثنى عليه كثير من
علماء أهل السنة، ورأوا فيما فعل تحقيقًا لنبوءة جده محمد - صلى
الله عليه وسلم -، الذى قال «ابنى هذا سيد، ولعل الله يصلح به بين
فئتين عظيمتين من المسلمين».
стр. 145
- المراجع:
* بن الأثير (عز الدين): الكامل في التاريخ - دار الكتب العلمية بيروت - الطبعة الأولي ١٩٨٧م
* جواد علي: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ـ جامعة بغداد ـ الطبعة الثانية ـ ١٩٩٣م
* بن حجر العسقلاني (أحمد بن علي): الإصابة في تمييز الصحابة ـ دار الجبل ـ بيروت ـ الطبعة الأولي ـ ١٩٩٢م
* بن حجر العسقلاني (أحمد بن علي): فتح الباري بشرح صحيح البخاري - المكتبة السلفية ـ القاهرة ـ الطبعة الثالثة ـ ١٤٠٧م
* سليمان الطماوي: عمر بن الخطاب وأصول السياسة والإدارة الحديثة ـ دار الفكر العربي ـ القاهرة ـ بدون تاريخ
* السيد سابق: فقه السنة ـ دار الريان للتراث ـ القاهرة ـ الطبعة الأولي ـ ١٩٨٨م
* السيوطي (جلال الدين): تاريخ الخلفاء ـ دار الفكر العربي ـ القاهرة ـ بدون تاريخ
* الصالحي (محمد بن يوسف): سبيل الهدي والرشاد في سيرة خير العباد ـ الناشر: المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية ـ القاهرة ـ ١٤١٣هـ = ١٩٩٣م
* الطبري (محمد بن جرير): تاريخ الطبري ـ دار الكتب العلمية ـ بيروت ـ الطبعة الثانية ـ ١٤١٨ هـ ـ ١٩٩٨ م
* عباس محمود العقاد: عبقرية عمر ـ دار نهضة مصر ـ القاهرة ـ بدون تاريخ
* بن عبد البر (يوسف بن عبد الله): الدرر في اختصار المغازي والسير ـ دار المعارف ـ الطبعة الثانية ـ ١٩٨٣م
* بن عبد الحكم (أبو القاسم عبد الرحمن): فتوح مصر وأخبارها ـ نشره وصححه: هنري ماسية ـ القاهرة ـ ١٩١٤م
* عبد الحي الكتاني: التراتيب الإدارية أو نظام الحكومة النبوية ـ دار الكتاب العربي ـ بدون تاريخ
* بن كثير (إسماعيل بن عمر): البداية والنهاية ـ دار الكتب العلمية ـ بيروت - الطبعة الرابعة ـ ١٤٠٨هـ = ١٩٨٨م
* محمد بن الحسن الشيباني: كتاب السير الكبير ـ مطبعة شركة الإعلانات الشرقية ـ القاهرة ـ ١٩٧١م
* محمد حسين هيكل: الفاروق عمر ـ دار المعارف القاهرة ـ بدون تاريخ
следующие страницы →