Полный текст (3 483 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
النفوس، ويجتمع الحكمان للتباحث والوصول إلى حل، وبعد مفاوضات
طويلة وصل الحكمان إلى نتيجة رأياها أفضل الحلول، وهى عزل
«على» -رضى الله عنه- عن الخلافة، ورد الأمر إلى الأمة تختار من
تشاء، أما التصرف العملى فى إدارة البلاد التى كانت تحت يد كل من
الرجلين المتحاربين، فيبقى كما كان: «على» يتصرف فى البلاد التى
تحت حكمه (وهى كل الدولة الإسلامية عدا الشام) و «معاوية» يتصرف
فى البلاد التى تحت حكمه (الشام).
موقف على وأنصاره من التحكيم:
اجتهد الحكمان فيما توصلا إليه، وأعلناه على الناس، غير أن
«عليًّا» - رضى الله عنه - لم يقبل تلك النتيجة، واعتبر الحكمين قد
تجاوزا حدودهما؛ لأن الخلاف لم يكن على منصب الخلافة، وإنما على
إقامة الحد على قتلة «عثمان»، وبيعة «معاوية» له، أيهما يسبق
الآخر، ولذلك عدَّ نفسه فى حل من هذه النتيجة، فعادت الأمور إلى ما
كانت عليه قبل التحكيم، أى إلى حالة الحرب.
ظهور الخوارج:
حاول «على» أن يدعو أنصاره إلى حرب «معاوية» من جديد لكنهم
كانوا قد ملوا القتال، وتقاعسوا عنه، بل إنهم انقسموا إلى «شيعة»
وافقوه على ماصنع «وخوارج» اعتبروا التحكيم كان خاطئًا من
أساسه، مع أنهم هم الذين فرضوه عليه، ثم تجاوزوا ذلك إلى ما هو
أكثر تطرفًا، فاتهموا «عليًّا» بالكفر، لأنه حكَّم الرجال فى القرآن،
وصاغوا شعارًا أخذوا يرددونه «الحكم لله لا لك يا على»، وكان هو
يقول لهم: «كلمة حق أريد بها باطل»، وطالبوه بأن يعلن كفره،
ويتوب ويسلم من جديد، حتى يعودوا إليه ويقاتلوا معه، فإذا لم يفعل
فسوف يقاتلونه.
ولا يمكن لمسلم أن يتصور كيف يُكفَّر رجل من صحابة رسول الله
المبشرين بالجنة، وممن رضى الله عنهم تحت الشجرة فى «بيعة
الرضوان»، وإزاء هذا التطرف من «الخوارج» اضطر الإمام أن يحاربهم
فى معركة شهيرة تُسمى معركة «النهروان» بالقرب من «الكوفة»،
وبعدها لم يستطع أن يجمع شمل أنصاره لقتال «معاوية» من جديد
стр. 142
كما كان يريد، بل أجبرته الظروف على التفاهم والاتفاق معه.
الاتفاق بين على ومعاوية:
بعد انقسام جبهة «على» إلى «شيعة» و «خوارج» ازداد موقفه
ضعفًا؛ لأن صراعه مع «الخوارج» كبده متاعب جسيمة، وفى الوقت
نفسه كان موقف «معاوية» يزداد قوة، وبخاصة بعد أن استطاع
الاستيلاء على «مصر» سنة (٣٨هـ)، بجيش قاده فاتحها الأول «عمرو
بن العاص»، ونشر قوات له فى أطراف «العراق»، وضم «اليمن» إليه،
وأصبحت دولته تتسع بمرور الزمن، فى الوقت الذى تضيق فيه دولة
«على».
وانتهى الأمر بأن جرت بينهما مفاوضات طويلة، اتفقا على وضع
الحرب بينهما وتكون لعلى «العراق» وبلاد فارس ولمعاوية الشام فلا
يدخل أحدهما على صاحبه فى عمله بجيش ولا غارة .. وتراضيا على
ذلك» .. وهكذا أجبرت الظروف التى تكون أحيانًا أقوى من الرجال
«على بن أبى طالب» أن يصالح «معاوية»، ويسلم له بنصف الدولة
الإسلامية تقريبًا، يحكمها حكمًا مستقلا، وهو الذى رفض فى بادئ
الأمر إبقاءه واليًا على الشام وحدها يأتمر بأمره، وينتهى بنهيه.
إدارة الدولة وتثبيت الفتوحات فى عهده:
على الرغم من الظروف الصعبة التى واجهت الإمام «عليًّا» -رضى الله
عنه- فإنه أدار الدولة باقتدار وعدالة ونزاهة وتجرد، ولم يقصر فى
شأن من شئونها، واتخذ من «الكوفة» عاصمة لدولته منذ أن خرج من
«المدينة» إلى «البصرة» وبعد معركة «الجمل»، وظل يحكم منها إلى
أن لقى الله، وعهد بإدارة بقية أجزاء دولته إلى أقرب الناس إليه،
وأخلصهم له، فجعل «عبدالله بن عباس» واليًا على «البصرة» وأخاه
«عبيد الله بن عباس» واليًا على «اليمن»، وأخاهما الثالث «قثم بن
عباس» على «مكة» و «الطائف»، وعزل «قيس بن سعد» عن «مصر»،
وولى مكانه «محمد بن أبى بكر الصديق».
ولا لوم على «عثمان» و «على» إذا وليا أهل قرابتهما؛ لأن كل واحد
منهما اجتهد لمصلحة الأمة، وكان أمينًا عليها، فعهد بإدارة الدولة
стр. 143
إلى من رأى أنهم ينفذون سياسته، ولم يولِّ أى منهما أحدًا محاباة
أو لقرابة.
ولم تشغل الإمام «عليًّا» مشكلات الدولة الداخلية عن التصدى
لمحاولات الانتقاض التى حدثت فى بلاد فارس، فقد حاول الفرس
تكرار ما فعلوه بعد استشهاد «عمر بن الخطاب»، فأرسل إليهم
«زياد بن أبيه» فى جمع كثير، «فوطئ بهم أهل فارس، وكانت قد
اضطرمت، فلم يزل يبعث إلى رءوسهم، يعد من ينصره ويعينه،
ويخوّف من امتنع عليه، وضرب بعضهم ببعض، فدل بعضهم على
عورة بعض، وهربت طائفة، وأقامت طائفة، فقتل بعضهم بعضًا،
وصفت له فارس، فلم يلقَ منهم جمعًا ولا حربًا».
أما الروم فلم يتحركوا؛ لأن الإمبراطور «قنسطانز» لما عرض عليه
بعض قواده أن ينتهزوا فرصة الحروب التى جرت بين «على»
وأصحاب «الجمل»، وبينه وبين «معاوية»، ويغيروا من جديد على
«مصر» و «الشام»، رفض الإمبراطور معللا ذلك بأن غزوه لمصر
والشام سيجعل المسلمين يتصالحون ويتحدون ويقاتلوننا جميعًا، ولن
نقوى عليهم، فخير لنا أن نتركهم يقتل بعضهم بعضًا حتى يضعف
شأنهم.
استشهاد على رضى الله عنه:
جاءت نهاية الإمام «على بن أبى طالب» على يد «الخوارج»، أنصاره
السابقين، الذين بلغ بهم الغلو والتطرف حدًا اعتبروا فيه «عليًّا»
و «معاوية» و «عمرو بن العاص» أئمة ضلالة، وحمَّلوهم مسئولية ما
حدث، وقرروا قتل الثلاثة جميعًا، واتفقوا أن يتم التنفيذ فى وقت
واحد، هو فجر اليوم السابع عشر من شهر رمضان سنة (٤٠هـ)؛ تيمنًا
بذكرى معركة «بدر» حسب تصور نفوسهم المريضة وعقولهم
الفاسدة، وانتدبوا ثلاثة للقيام بهذه المهمة، هم «عبدالرحمن بن
ملجم»، و «البرك بن عبدالله»، و «عمرو بن بكر»، على أن يذهب الأول
إلى «الكوفة» لقتل «على»، والثانى إلى «دمشق» لقتل «معاوية»،
والثالث إلى «مصر» لقتل «عمرو بن العاص».
وشاءت إرادة الله - تعالى - أن ينجو «معاوية» و «عمرو» من القتل،
وأن تكون الشهادة من نصيب «على»، حيث ضربه «عبدالرحمن بن
стр. 144
ملجم» بسيف مسموم فى جبهته، فشقها فمات من أثر الضربة بعد
وقت يسير، بعد أن قضى أربع سنوات وبضعة شهور، لم يذق فيها
طعم الراحة، وحاصرته المشكلات والمتاعب، وأنهكته الحروب من كل
جانب.
خلافة الحسن بن على: (٤٠ - ٤١هـ)
وبعد وفاة الإمام «على» بايع أنصاره ابنه «الحسن»، وكان «جندب
بن عبد الله» قد دخل على الخليفة بعد طعنه وتيقن ألا أمل فى حياته،
وسأله: «يا أمير المؤمنين إن فقدناك - ولا نفقدك - أنبايع للحسن؟
فقال: ما آمركم ولا أنهاكم، أنتم أبصر»، ولم يوصِ لأحد من بعده، بل
قال لهم: «ولكن أدعو الله - تعالى- أن يجمعكم بعدى على خيركم
كما جمعنا بعد نبينا على خيرنا» -يقصد أبا بكر-، مرسخًا بذلك
قاعدة الشورى التى اتُبِعَت فى بيعته هو وبيعة الثلاثة الراشدين من
قبله.
أراد أنصار «الحسن» أن يتأهبوا لقتال «معاوية» من جديد، لكنه
رفض، ورأى عدم جدوى ذلك، بل إنه وقف ضد فكرة اقتتال
المسلمين من البداية.
راسل «الحسن» «معاوية» بشأن الصلح، فسر به سرورًا عظيمًا،
وجاء إلى «الكوفة» فى شهر ربيع الأول سنة (٤١هـ)، بعد ستة
أشهر من خلافة «الحسن»، وبايعه «الحسن» و «الحسين»، وتبعهما
الناس، وبهذا قامت الدولة الأموية رسميًّا، وأصبح «معاوية» خليفة
للأمة الإسلامية كلها، ولُقب لأول مرة بأمير المؤمنين، وكان يلقب قبل
ذلك بالأمير فقط.
استبشر المسلمون خيرًا بتلك المصالحة، وحمدوا الله على انتهاء
الفتنة وسفك الدماء، وسمُّوا ذلك العام «عام الجماعة»، وترك صنيع
«الحسن» صدى طيبًا عند جمهور المسلمين، وأثنى عليه كثير من
علماء أهل السنة، ورأوا فيما فعل تحقيقًا لنبوءة جده محمد - صلى
الله عليه وسلم -، الذى قال «ابنى هذا سيد، ولعل الله يصلح به بين
فئتين عظيمتين من المسلمين».
стр. 145
- المراجع:
* بن الأثير (عز الدين): الكامل في التاريخ - دار الكتب العلمية بيروت - الطبعة الأولي ١٩٨٧م
* جواد علي: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ـ جامعة بغداد ـ الطبعة الثانية ـ ١٩٩٣م
* بن حجر العسقلاني (أحمد بن علي): الإصابة في تمييز الصحابة ـ دار الجبل ـ بيروت ـ الطبعة الأولي ـ ١٩٩٢م
* بن حجر العسقلاني (أحمد بن علي): فتح الباري بشرح صحيح البخاري - المكتبة السلفية ـ القاهرة ـ الطبعة الثالثة ـ ١٤٠٧م
* سليمان الطماوي: عمر بن الخطاب وأصول السياسة والإدارة الحديثة ـ دار الفكر العربي ـ القاهرة ـ بدون تاريخ
* السيد سابق: فقه السنة ـ دار الريان للتراث ـ القاهرة ـ الطبعة الأولي ـ ١٩٨٨م
* السيوطي (جلال الدين): تاريخ الخلفاء ـ دار الفكر العربي ـ القاهرة ـ بدون تاريخ
* الصالحي (محمد بن يوسف): سبيل الهدي والرشاد في سيرة خير العباد ـ الناشر: المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية ـ القاهرة ـ ١٤١٣هـ = ١٩٩٣م
* الطبري (محمد بن جرير): تاريخ الطبري ـ دار الكتب العلمية ـ بيروت ـ الطبعة الثانية ـ ١٤١٨ هـ ـ ١٩٩٨ م
* عباس محمود العقاد: عبقرية عمر ـ دار نهضة مصر ـ القاهرة ـ بدون تاريخ
* بن عبد البر (يوسف بن عبد الله): الدرر في اختصار المغازي والسير ـ دار المعارف ـ الطبعة الثانية ـ ١٩٨٣م
* بن عبد الحكم (أبو القاسم عبد الرحمن): فتوح مصر وأخبارها ـ نشره وصححه: هنري ماسية ـ القاهرة ـ ١٩١٤م
* عبد الحي الكتاني: التراتيب الإدارية أو نظام الحكومة النبوية ـ دار الكتاب العربي ـ بدون تاريخ
* بن كثير (إسماعيل بن عمر): البداية والنهاية ـ دار الكتب العلمية ـ بيروت - الطبعة الرابعة ـ ١٤٠٨هـ = ١٩٨٨م
* محمد بن الحسن الشيباني: كتاب السير الكبير ـ مطبعة شركة الإعلانات الشرقية ـ القاهرة ـ ١٩٧١م
* محمد حسين هيكل: الفاروق عمر ـ دار المعارف القاهرة ـ بدون تاريخ
стр. 146
* محمد أبو زهرة: خاتم النبيين ـ دار الفكر العربي ـ القاهرة ـ الطبعة الأولي ـ ١٩٧٣م
* محمد أبو شهبه: السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة ـ دار القلم ـ دمشق ـ الطبعة الأولي ـ ١٩٨٨م
* محمد صادق عرجون: محمد رسول الله صلي الله عليه وسلم منهج ورسالة ـ دار القلم ـ دمشق ـ الطبعة الأولي ١٤٠٥ هـ = ١٩٨٥م
* محمد بن عبد الله الأردي: فتوح الشام ـ تحقيق عبد المنعم عبدالله عامر ـ مؤسسة سجل العرب ـ ١٩٧٠م
стр. 147
الجزء الثاني
العصر الأموي
تأليف:
أ. د. عبد الشافي محمد عبد اللطيف
أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية بجامعة الأزهر
الفصل الأول
*قيام الخلافة الأموية وتطورها
قامت الخلافة الأموية رسميا فى شهر ربيع الأول من سنة (٤١هـ)، بعد
أن تنازل (الحسن بن على بن أبى طالب) - رضى الله عنه - عن
الخلافة لمعاوية بن أبى سفيان -رضى الله عنه - وبايعه هو وأخوه
(الحسين)، وتبعهما الناس فى (الكوفة)، وأصبح بذلك (معاوية) خليفة
للمسلمين وحده، ولُقِّب بأمير المؤمنين، وكان قبل ذلك يلقَّب بالأمير
فقط.
واستبشر المسلمون خيرًا بهذا التطور، وحمدوا الله - تعالى - على
انتهاء الفتن والحروب، وسمُّوا ذلك العام عام الجماعة؛ حيث عادت
إلى الأمة الإسلامية وحدتها، واجتمع شملها على خليفة واحد، بعد
الفرقة والنزاع، ولقى ما فعله (الحسن بن على) كل تقدير وإجلال من
جمهور المسلمين، وأثنى عليه كثير من العلماء، ورأوا فيما أقدم
عليه تحقيقًا لنبوءة جده (محمد) حين قال: (إن ابنى هذا سيد، ولعل
الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين - صحيح البخارى
تطور نظام الخلافة فى العصر الأموى:
عرفنا فيما سبق كيف قامت الخلافة الإسلامية عقب وفاة الرسول
ﷺ وكيف كان يتم اختيار الخليفة فى دولة
الراشدين بالبيعة المباشرة من المسلمين لخليفتهم، بعد أن يرشحه
عدد من الصحابة، كما حدث فى خلافة الصديق، حيث بايعه عدد من
الصحابة فى (سقيفة بنى ساعدة) بيعة خاصة، كانت بمثابة ترشيح
له لمنصب الخلافة، ثم جاءت البيعة العامة له فى مسجد الرسول - صلى
الله عليه وسلم - - بعد مواراة جسده الطاهر تحت الثرى - لتزكى ذلك
الترشيح وتوافق عليه، ومن ثم أصبح (أبو بكر الصديق) أول خليفة
لرسول الله ﷺ فى حكم الدولة الإسلامية، باختيار
حُر من المسلمين.
وعندما مرض (أبو بكر) -رضى الله عنه - مرض الموت قال للمسلمين:
(إنه قد نزل بى ما ترون - يعنى المرض الشديد - ولا أظننى إلا ميِّتًا
لما بى من المرض، وقد أطلق الله أيمانكم من بيعتى، وحلَّ عنكم
стр. 148
عقدتى، ورد عليكم أمركم، فأمِّروا عليكم من أحببتم، فإنكم إن
أمرتم فى حياة منِّى كان أجدر ألا تختلفوا بعدى).
وتصرُّف (أبى بكر الصديق) دليل ساطع وبرهان قوى على أن اختيار
الحاكم من حق الأمة وحدها، لكن الصحابة فوَّضوه فى اختيار خلف
له، وألحُّوا عليه فى ذلك، فقبل تكليفهم، ووقع اختياره على (عمر
بن الخطاب) -رضى الله عنه - لكفاءته وقدرته وسابقته فى الإسلام،
ولم يكتفِ (الصديق) باختياره هو لعمر بن الخطاب، بل استطلع آراء
كبار الصحابة حول مرشحه، مع أنه مفوض من الصحابة فى اختيار
خليفة لهم، ويعلم بأن (عمر) هو أفضل الصحابة بعده، وأصلحهم
لتولِّى الخلافة، لكنه آثر ألا ينفرد وحده باختيار خليفة له.
ولما اطمأنت نفسه إلى أن الغالبية ممن شاورهم تؤيد اختيار (عمر)،
جمع الناس حوله، وحدَّثهم قائلا: (أترضون بمن أستخلف عليكم،
فإنى والله ما آلوت من جهد الرأى، ولا ولَّيت ذا قرابة، وإنى قد
استخلفت عليكم عمر بن الخطاب، فاسمعوا له وأطيعوا، فقالوا:
سمعنا وأطعنا).
ولم تنعقد بيعة (عمر) ليصبح خليفة إلا بعد وفاة (أبى بكر)، وبمبايعة
الناس له بيعة عامة، ولو لم يرضَ الناس بترشيح (أبى بكر)، ورفضوا
مبايعة (عمر)، ما كان لعهد (أبى بكر الصديق) عليهم حجة أو سلطان.
وجاء اختيار (عثمان بن عفان) - رضى الله عنه - ببيعة عامة حرَّة من
بين الستة الذين رشحهم (عمر بن الخطاب) -رضى الله عنه - ليختاروا
واحدًا منهم، وقد حصرها فيهم؛ لأنهم بقية العشرة المبشرين بالجنة،
والذين تُوفِّى رسول الله ﷺ وهو عنهم راضٍ.
ولما قُتل (عثمان بن عفان) شهيدًا، ألحَّ الصحابة على (علىِّ بن أبى
طالب) أن يقبل الخلافة، بعد أن سادت الفوضى مدينة رسول الله
ﷺ ، وامتنع كبار الصحابة عن قبول الخلافة، فقبل
علىّ الخلافة؛ لينقذ الأمة من الفتن، وبايعه معظمهم، ولا جدال فى أن
قيام علىّ بالأمر فى ذلك الوقت العصيب كان تضحية تنطوى على
стр. 149
شجاعة حيث تحمل المسئولية فى أصعب الظروف وأدقها.
وكان متوقعًا أن تنهى بيعته بالخلافة حالة الفوضى التى سادت
البلاد بعد مقتل (عثمان)، لكن الأحداث تطورت سريعًا من سيئ إلى
أسوأ، وانتهى به الحال أن قُتل شهيدًا، وقبل وفاته استشاره
أصحابه فى بيعة ابنه (الحسن) بعده، فقال لهم: (لا آمركم ولا
أنهاكم، أنتم أبصر)، لكنهم بايعوا (الحسن)، الذى تنازل عن الخلافة
لمعاوية كما ذكرنا.
وخلاصة ما سبق أن طريقة اختيار الخليفة فى عهد الراشدين كانت
تتم ببيعة حرة وعامة بعد ترشيح شخص أو أكثر، وأن ترشيح
الخليفة السابق لم يكن ملزمًا للأمة، بل لها أن توافق أو تعترض،
وهذا هو نظام الشورى فى الإسلام الذى يشبه فى مصطلحات العصر
الحديث النظام الديمقراطى.
ولم يفكر أى واحد من الخلفاء الراشدين فى أن يعهد بالأمر إلى أحد
من أبنائه أو أقربائه، حرصًا منهم على إبعاد فكرة الوراثة عن نظام
الحكم الإسلامى إبعادًا تاما، وقد وضَّح (أبو بكر الصديق) هذا المعنى
عندما رشَّح (عمر) فى قوله: (أترضون بمن أستخلف عليكم؟ فإنى
والله ما آلوت من جهد الرأى، ولا وليت ذا قرابة)، كما استبعد (عمر
بن الخطاب) ابنه (عبدالله) تمامًا من الترشيح، بل استبعد ابن عمه
(سعيد بن زيد) أيضًا من الترشيح مع أهل الشورى؛ دفعًا لشبهة
القرابة مع أن الشروط تنطبق عليه.
ولم يُؤثَر عن (عثمان) شىء من ذلك، وترك (على بن أبى طالب) الأمر
للأمة لاختيار من ترضاه، ورفض ترشيح ابنه (الحسن) للخلافة أو
الوصاية له بالبيعة.
أسلوب اختيار الخليفة الأموى:
لم يكن أحد يظن أن بيعة المسلمين لمعاوية بن أبى سفيان ستكون
إيذانًا بتأسيس دولة أموية وراثية وكان المسلمون قد استبشروا خيرًا
بهذه البيعة بعد فترة من الفتن والحروب، حتى إن بعض الصحابة
الذين كانوا قد توقفوا فى بيعة (على) - رضى الله عنه - بايعوا
(معاوية)، دعمًا لوحدة الأُمة ولمِّ شملها، مثل: (سعد بن أبى وقاص)
و (عبدالله بن عمر).
стр. 150
وربما توقَّع الناس أن (معاوية) سيحذو حذو من سبقه من الخلفاء
الراشدين ويترك الأمر شورى للمسلمين، يختارون للخلافة من بعده من
يرونه أهلا لتولى تبعات هذا المنصب الجليل، أو سيجتهد فى اختيار
شخص يراه أصلح الناس لتولِّى منصب الخلافة، ويكون بعيدًا عن
قرابته كما فعل الخلفاء قبله، لكن (معاوية) فاجأ الأمة الإسلامية
بترشيح ابنه (يزيد) للخلافة من بعده، وبدأ فى أخذ البيعة له فى
حياته، بدعم من أهل الشام، ولما نجح فى ذلك لم يكن صعبًا عليه أن
ينتزع البيعة لابنه من بقية الأقطار الإسلامية، بالترغيب تارة
وبالترهيب تارة أخرى.
ولم يعارض (معاويةَ) فى خطواته هذه سوى أهل (الحجاز)، الذين
رأوا فى عمله خروجًا على ما ألفه المسلمون فى اختيار خليفتهم
ببيعة حرة قائمة على الشورى، وتركزت المعارضة فى ثلاثة من
أبناء كبار الصحابة، هم (الحسين بن على بن أبى طالب)، و (عبدالله
بن الزبير)، و (عبدالله بن عمر).
وقد تطورت معارضة الأوَّلين إلى خروج (الحسين) على (يزيد) بعد
موت (معاوية)، واستشهاده فى موقعة (كربلاء) المشهورة سنة
(٦١هـ)، وإلى دعوة (عبدالله بن الزبير) بالخلافة لنفسه بعد موت (يزيد
بن معاوية) سنة (٦٤هـ)، ثم دخوله فى صراع مع الأمويين، انتهى
بمقتله سنة (٧٣هـ)، بعد أن دامت خلافته تسع سنوات، أمَّا (عبدالله
بن عمر)، فقد بايع (يزيد) حفاظًا على وحدة المسلمين، بعد أن رأى
أن استمراره فى معارضته لن يكون فى مصلحة الأمة الإسلامية.
وقد دافع عن عمل (معاوية) كثير من المؤرخين، ورأوا فى صنيعه
عملا ضروريا للحفاظ على وحدة الأمة، واجتناب العودة إلى الحروب
الأهلية، ويقف على رأس هذا الفريق المؤرخ الكبير (عبدالرحمن بن
خلدون) مؤيِّدًا إقدام (معاوية) على هذه الخطوة بقوله: (والذى دعا
معاوية لإيثار ابنه يزيد بالعهد دون سواه إنما هو مراعاة المصلحة
فى اجتماع الناس، واتفاق أهوائهم، باتفاق أهل الحل والعقد حينئذٍ
стр. 151
من بنى أمية؛ إذ بنو أمية يومئذٍ لا يرضون سواهم، وهم عصابة قريش
- أى أكثرهم قوة - وأهل الحل أجمع، وأهل الغلب منهم، فآثره
بذلك دون غيره ممن يظن أنه أولى بها، وعدل عن الفاضل إلى
المفضول؛ حرصًا على الاتفاق واجتماع الأهواء، الذى شأنه أهم عند
الشارع، لا يظن بمعاوية غير هذا، فعدالته وصحبته مانعة من سوى
ذلك، وحضور أكابر الصحابة لذلك وسكوتهم عليه، دليلٌ على انتفاء
الريب فيه، فليسوا ممن يأخذهم فى الحق هوادة، وليس معاوية ممن
تأخذه العزة فى قبول الحق، فإنهم كلهم أجلُّ من ذلك وعدالتهم
مانعة).
ويدعم (ابن خلدون) رأيه هذا بأن ولاية العهد من الخليفة القائم إلى
شخص يتولى الخلافة بعده أمر جائز لا حرج فيه، فيقول: (قد عرف
ذلك من الشرع بإجماع الأمة على جوازه وانعقاده، إذ وقع من أبى
بكر - رضى الله عنه - لعمر بن الخطاب بمحضر من الصحابة، وأجازوه
وأوجبوا على أنفسهم به طاعة عمر رضى الله عنه وعنهم).
وما قاله (ابن خلدون) يمكن الرد عليه بأن (أبا بكر) عهد إلى (عمر)؛
لأنه رآه أصلح الصحابة لتولى الخلافة بعده وتحمُّل تبعاتها، وقد كان
كذلك بالفعل، ولم تكن تربطه به صلة قرابة قريبة، وقد أوضح ذلك
بقوله: (أترضون بمن أستخلف عليكم؟ فإنى والله ما آلوت من جهد
الرأى، ولا ولَّيت ذا قرابة)، كما أن (عمر) لم يصبح خليفة بترشيح
(أبى بكر الصديق) واختياره له فحسب، بل برضى المسلمين وبيعتهم
له.
ولو أن (معاوية) عهد إلى أحدٍ غير ابنه، واجتهد فى اختيار من هم
أصلح للخلافة بعده، ما اعترض عليه أحد، ولحقَّق الغرض الذى قصده
(ابن خلدون) من ولاية العهد، وهو سد أبواب الخلاف بين المسلمين،
ومن ثم فإن الاعتراضات على تصرف (معاوية) جاءت من اختياره ابنه
لولاية العهد دون سواه، لا من فكرة ولاية العهد نفسها.
وأياً ما كان الأمر فإن الخلافة حُصِرت فى الأسرة الأموية، يتوارثها
الأبناء والإخوة، ولم يكتفِ الخليفة منهم بتولية العهد لواحد فقط، بل
стр. 152
درجوا على تولية أكثر من ولى للعهد، وكان (مروان بن الحكم)
مؤسس الفرع المروانى أول من بدأ هذا التقليد، فقد عهد إلى ابنه
(عبدالملك) ثم (عبدالعزيز) بولاية العهد، وقد تابعه فى هذا كل من
جاء بعده حتى آخر دولتهم، وقد جرَّ هذا الأمر عليهم المتاعب، وأوقد
نار الفتنة والصراع بين أبناء الأسرة الأموية، مما كان له أكبر الأثر
فى تدهور الدولة والإسراع بسقوطها فى نهاية الأمر.
وعلى الرغم من استقرار الخلافة بنظام التوريث فإن الأمويين حافظوا
على نظام البيعة من حيث الشكل فكان الخليفة القائم يعهد من بعده
بولاية الأمر إلى ابنه أو أخيه، ثم تؤخذ البيعة من الناس لمن صدر له
كتاب العهد فى حياة الخليفة القائم، ثم تجدد له بعد وفاته، ومغزى
هذا أنهم كانوا على يقين أن مجرد العهد ليس ملزمًا شرعًا للناس، بل
لابد من البيعة العامة.
الفتوحات الإسلامية فى العصر الأموى:
شهد العصر الأموى أوسع حركات الفتح الإسلامى وأكثرها نشاطًا
فى التاريخ الإسلامى كله بعد فتوحات الخلفاء الراشدين، التى شملت
(العراق) و (بلاد فارس) كلها، و (مصر) والشام، ثم توقفت الفتوحات
الإسلامية، أو كادت تتوقف بسبب الفتن والحروب الأهلية التى حدثت
بين المسلمين.
وقد استأنف المسلمون فتوحاتهم بعد اجتماع شملهم على (معاوية بن
أبى سفيان) وتوحدهم تحت رايته فى عام الجماعة سنة (٤١هـ)،
وحقق الأمويون أعظم إنجازاتهم على الإطلاق فى ذلك الميدان
العظيم، وامتدت فتوحاتهم إلى مناطق عديدة فى قارات العالم القديم
(آسيا - إفريقيا - أوربا) ففتحوا فى عهد (الوليد بن عبدالملك) بلاد (ما
وراء النهر) (آسيا الوسطى) وإقليم (السند) فى (شبه القارة الهندية)،
واستكملوا فتح الشمال الإفريقى كله من حدود (مصر) الغربية إلى
(المحيط الأطلسى)، ثم عبروا (مضيق جبل طارق) إلى القارة الأوربية،
ليفتحوا (الأندلس)، و (جنوبى فرنسا)، كما استولوا على معظم الجزر
стр. 153
فى (شرقى البحر المتوسط) وشرقيه وجنوبيه، ثم واصلوا ضغطهم
على مدينة (القسطنطينية)، عاصمة الدولة البيزنطية، وحاصروها أكثر
من مرَّة.
التيارات والأحزاب السياسية والدينية:
شغلت الدولة الأموية فى التاريخ الإسلامى إحدى وتسعين سنة (٤١ -
١٣٢هـ)، وامتدت حدودها من حدود (الصين) شرقًا إلى (الأندلس) غربًا،
ومن بحر (قزوين) شمالا إلى (المحيط الهندى) جنوبًا، وعمل خلفاؤها
فى جد ومثابرة وحسن سياسة على نشر الإسلام فى تلك الرقعة
الكبيرة، ونمت الحضارة الإسلامية ونهضت فى عهدهم.
وهذه الأعمال تشهد للأمويين بدورهم البارز فى التاريخ الإسلامى،
وتخفف كثيرًا من النقد الذى وجه إليهم، ومما يزيد المرء إعجابًا
وتقديرًا لإنجازهم أنهم قاموا بتلك الأعمال الجليلة، وهم يصارعون
أعداء أشداء من تيارات وأحزاب سياسية ودينية، لم يتركوا فرصة
للثورة عليهم إلا انتهزوها.
من تلك الأحزاب من تذرَّع بالدين يحارب به، ويتَّهم (بنى أمية) بالخروج
على الدين وقواعده، وأنهم مغتصبون للسلطة، كالخوارج والشيعة.
وهناك شخصيات أعلنت التمرد والثورة على (بنى أمية) لأهداف
شخصية، ولتحقيق طموحات ذاتية، والوصول إلى الحكم بأى ثمن،
مثل (المختار بن أبى عبيد الثقفى)، و (عبدالرحمن بن محمد بن
الأشعث)، و (يزيد بن المهلب).
الخوارج:
كان الخوارج من أنصار (على بن أبى طالب)، وشهدوا معه معركتى
(الجمل) و (صفين)، ثم انشقوا عليه لما قبل التحكيم بينه وبين
(معاوية)، فسمَوا الخوارج، لخروجهم على إمامهم، ولما بالغوا
وتطرَّفوا فى عدائهم له، وعاثوا فى الأرض فسادًا، اضطر إلى
مقاتلتهم فى معركة (النهروان)، ثم عادوا (بنى أمية) ودخلوا فى
صراع طويل معهم.
وكانوا فى مبدأ أمرهم فرقة واحدة، يدور خلافهم مع بقية الأمة حول
الخلافة ومَن أحق بها، ومجمل أمرهم أن الخلافة حق لمن يصلح لها
من المسلمين، وتتوافر فيه شروطها من العلم والأمانة والشجاعة،
стр. 154
وليس من الضرورى أن يكون عربيا فضلا عن أن يكون قرشيا.
ولو أنهم حصروا خلافهم مع غيرهم فى جدل وحوار نظرى يقوم على
مقارعة الحجة بالحجة والدليل بالدليل لما كان فى الأمر شىء، ولكن
الخطر كل الخطر جاء من لجوئهم إلى العنف واستخدام السيف فى
فرض آرائهم، وقد بدأ مع (على بن أبى طالب) مما جعل خصومهم
يواجهون القوة بالقوة، وتكبَّدت الأمة الإسلامية عشرات الآلاف من
الضحايا من أبنائها نتيجة هذه الخصومة العنيفة.
وظل الخوارج فرقة واحدة، تتبنَّى أفكارًا ومبادئ واحدة حتى وفاة
(يزيد بن معاوية) سنة (٦٤هـ)، ثم بدأ الشقاق والخلاف يدب بينهم هم
أنفسهم، فانقسموا فرقًا وأحزابًا، حتى وصل عددهم إلى ثلاثين
فرقة، ثم تطور تفكيرهم بمرور الزمن، وبدءوا يخوضون فى قضايا
تدخل فى صلب الدين، مثل مباحثهم فى مرتكب الكبيرة هل مؤمن أو
كافر، وغير ذلك من القضايا، وأشهر فرق الخوارج التى ناصبت
الدولة الأموية العداء وشنت عليها الحرب، هى:
الأزارقة:
هم أتباع (نافع بن الأزرق)، أحد زعماء الخوارج الكبار، وهى تعد
أشد فرق الخوارج تطرفًا فى أفكارها السياسية والدينية، فهى
ترى الخروج على الخليفة الذى يخالفها فى آرائها وقتاله، وأتباعها
يتبرءون ممن لا يوافقهم على ذلك، ويَعدُّونهم من القاعدين، ويكفرون
مرتكب الذنوب الكبيرة ويحكمون بخلوده فى النار، مخالفين فى ذلك
صريح القرآن الكريم، حيث يقول الله تعالى:﴾ إن الله لا يغفر أن يشرك
به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴿. [النساء: من ٤٨]. ويبيحون دماء
مخالفيهم فى الرأى.
النجدات:
وينسبون إلى (نجدة بن عامر)، وهم أقل تطرفًا من (الأزارقة)؛ لأنهم
لا يقولون بكفر مرتكب الكبائر.
البيهسية:
وينسبون إلى زعيمهم (بيهس)، وهم أقل تطرفًا من (الأزارقة)، ويرون
أن مخالفيهم فى الرأى منافقون، تجرى عليهم أحكام المنافقين،
لكنهم يجيزون حوارهم، والتزاوج معهم، وميراثهم.
الصفرية:
стр. 155
أتباع (زياد بن الأصفر)، وهم كذلك أقل تطرفًا من (الأزارقة)،
ومعتدلون فى أفكارهم.
الشيعة:
تعنى كلمة (الشيعة): الأهل والأتباع والأنصار، كما فى قوله - تعالى،
فى معرض حديثه عن (موسى)، ﵇: (فاستغاثه الذى من
شيعته على الذى من عدوهـ). [القصص: من ١٥].
وكل قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعة، بعضهم لبعض، غير أن هذه
الكلمة أصبحت علمًا على أنصار (على بن أبى طالب) -رضى الله عنه -
وذريته من بعده، فإذا قيل: إن فلانًا من الشيعة، عُرف أنه منهم، أو
قيل: فى مذهب الشيعة كذا، أى: عندهم.
وقد نشأ التشيع بسيطًا فى أول الأمر ثم تطور بمضى الزمن، وأصبح
مذهبًا دينيا وسياسيا، كما كان أتباعه فرقة واحدة، شأنهم فى ذلك
شأن الخوارج، ثم لم يلبثوا أن تفرعوا إلى فرق، مثل: (الإمامية الاثنا
عشرية)، و (الزيدية) و (الإسماعيلية).
ويخالف رأى الشيعة فى الخلافة جمهور الأمة الإسلامية التى ترى أن
الخلافة أمر من الأمور العامة، يفوض للأمة أمر البت فى شأنها،
وتختار من تراه الأصلح لدينها ودنياها لتولى منصب الخلافة.
أمَّا هم فيرون أن الإمامة ليست من المصالح العامة التى تفوَّض إلى
الأمة، بل هى ركن من أركان الإسلام، لا يجوز للنبى - صلى الله عليه
وسلم - إغفاله، ولا تفويض الأمة فيه، بل يجب عليه تعيين الإمام للأمة
بعده، وأن الإمام لابد أن يكون معصومًا من الكبائر والصغائر،
ويزعمون أن النبى ﷺ فعل ذلك، وعيَّن (على بن
أبى طالب)، وقد تعددت ثوراتهم المسلحة ضد الدولة الأموية طلبًا
للخلافة.
انتشار الإسلام فى العصر الأموى:
امتدت الفتوحات الإسلامية من حدود (الصين) إلى (الأندلس)، ومن (بحر
قزوين) إلى (المحيط الهندى)، وأدخلت فى الدولة الإسلامية شعوبًا
كثيرة، مختلفة فى الديانات والمذاهب واللغات والأجناس والثقافات
والعادات والتقاليد، ولم تكن تلك الفتوحات غزوًا عسكريا مستغلا
стр. 156
للشعوب ناهبًا لثرواتها، وإنما كان فتحًا دينيا وثقافيا ولغويا،
فانتشر الإسلام فى البلاد المفتوحة بخطى حثيثة، وتغيرت أوضاعها
السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
ويمكن القول: إن هذا العالم الفسيح أصبح عالمًا إسلاميا واحدًا،
فسيادة المسلمين عليه لاتنازع، والإسلام هو الدين الغالب فى سماحة
ورحمة، والحاكم فى عدل، ولم تأخذ المسلمين نشوة النصر والغلبة،
التى قد تحملهم على الكبر والتعالى وإذلال الشعوب المغلوبة، بل
عاملوهم معاملة كريمة، وصانوا أرواحهم وأموالهم وعقائدهم،
وحفظوا عهودهم ومواثيقهم معهم، ووفوا بها فى صدق وإخلاص،
وأشركوا أبناءهم فى حكم بلادهم وإدارتها.
عوامل انتشار الإسلام:
أولا عالمية الإسلام:
لا جدال فى أن الإسلام دين عالمى، ورسالته للجنس البشرى كله؛
لقوله تعالى مخاطبًا نبيَّه ﷺ : ﴿وما أرسلناك إلا
كافة للناس بشيرًا ونذيرًا﴾. [النبأ: ٢٨].
وقال تعالى: ﴿قل يا أيها الناس إنى رسول الله إليكم جميعًا﴾.
[الأعراف: ١٥٨].
وقال النبى ﷺ : (إن مثلى ومثل الأنبياء من قبلى
كمثل رجل بنى بيتًا فأحسنه وأجمله، إلا موضع لبنة من زاوية،
فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له، ويقولون: هلا وُضعت هذه
اللبنة؛ فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين). [صحيح البخارى].
وليس معنى عالمية الإسلام أن يُنشَر بالقوة وبحد السيف، كما يزعم
أعداء الإسلام، ولكن بالحكمة والموعظة الحسنة كما أمر النبى - صلى
الله عليه وسلم -.
- ثانيًا: التسامح:
تعامل المسلمون الفاتحون مع أبناء الشعوب المفتوحة بتسامح
ورحمة، وقد شهد بذلك غير المسلمين، فيقول (جوستاف لوبون): (لم
يعرف التاريخ فاتحًا أرضى من العرب).
وليس أدل على وجود هذه السياسة المتسامحة من رد (أبى عبيدة بن
الجراح) الجزية التى أخذها من أهل (حمص) إليهم، حين اضطر إلى
الانسحاب من (حمص) للدفاع عن (دمشق)، ولما سألوه فى دهشة عن
стр. 157
سبب ذلك، قال لهم: (إنما رددنا عليكم أموالكم، لأنه بلغنا ما جُمِع لنا
من الجموع - يقصد الروم الذين تجمَّعوا للهجوم على دمشق- وإنكم قد
اشترطتم علينا أن نمنعكم، وإنا لا نقدر على ذلك، فرددنا عليكم ما
أخذنا منكم).
فقال أهل (حمص): (لولايتكم وعدلكم أحب إلينا لحاكمنا فيه من الظلم
والغشم -يقصدون الحكم البيزنطى- وردَّكم الله إلينا سالمين، والله لو
كانوا هم ما ردُّوا علينا شيئًا).
- ثالثًا: إشراك أبناء البلاد المفتوحة فى إدارة بلادهم:
أدرك المسلمون أن سير الأمور فى البلاد المفتوحة سيرًا حسنًا،
وتحقيق مصالح أهلها يكمُن فى الأسلوب الإدارى الذى سيتبعونه
فى إدارة البلاد، ومن ثم لم يترددوا فى الاحتفاظ بالنظم الإدارية التى
وجدوها فى البلاد سواء التى كانت تابعة للدولة البيزنطية مثل (مصر)
و (الشام) و (شمالىّ إفريقيا)، أو التى كانت تابعة للفرس، مثل
(العراق) وبلاد فارس نفسها، ولم يكتفوا بذلك، بل طوروا من النظم ما
يرونه ضروريا، ليتفق مع دينهم ونظامهم السياسى والاجتماعى
القائم على أسس من الشريعة الإسلامية، وما يحقق الصالح العام
للدولة وللأمة.
وكان (عمر بن الخطاب) هو أول من سنَّ هذه السنة، فاقتبس نظام
الدواوين، الذى يشبه نظام الوزارات فى الدولة الحديثة من النظم
الفارسية والبيزنطية، ولم يجد غضاضة فى ذلك.
ولم يقف المسلمون عند حد الاستفادة من النظم الإدارية التى وجدوها
فى البلاد المفتوحة، بل أبقوا أيضًا على الجهاز الإدارى الذى يسيِّر
العمل، واحتفظوا لأنفسهم بالمناصب العليا كالإمارة، وقيادة الجيش
والقضاء والشرطة.
وإزاء هذه السياسة كان المجال رحبًا أمام أبناء البلاد المفتوحة
الذين لم يعتنقوا الإسلام للوصول إلى المناصب العليا فى الجهاز
الإدارى، التى كانوا محرومين من توليها فى ظل الحكومات السابقة
على الفتح الإسلامى، على حين كان الطريق مفتوحًا لمن يسلم منهم
стр. 158
للوصول إلى مناصب الإمارة أو قيادة الجيوش، مثل (طارق بن زياد)
الذى كان من أصل بربرى، لكنه صار من كبار الفاتحين، وفى ذلك
يقول أحد الباحثين: (إن روح الإسلام الحقَّة هى التى حفَّزت العرب
إلى اتباع سياسة التسامح الدينى نحو المصريين .. أى أن الأقباط
أصبحوا يتمتعون بحرية تامة فى الدين، كما أصبح لهم نصيب كبير
فى إدارة بلادهم .. ولم يقتصر القبط على الأعمال الإدارية الصغيرة،
بل شقوا طريقهم إلى أعمال لها خطورتها، ففى ولاية عبد العزيز بن
مروان على مصر (٦٥ - ٨٥هـ) كان هناك كاتبان قبطيان لإدارة مصر،
واحد لمصر العليا - الصعيد - والآخر لمصر السفلى - الدلتا - بل أكثر من
ذلك فقد تولَّى ولاية الصعيد والٍ قبطى اسمه بطرس .. كما كان حاكم
مريوط قبطيا اسمه تاوناس).
ولم يحدث هذا فى (مصر) وحدها بل كان ذلك فى البلاد المفتوحة
كلها، ففى الشام - مقر الدولة الأموية - بقى أهم الدواوين وأخطرها،
وهو ديوان الخراج - الذى يمثل وزارة المالية فى الوقت الحاضر - فى
أيدى المسيحيين من أسرة (سرجيوس الرومى).
ونتيجة لهذه السياسولاية عبد العزيز بن مروان على مصر (٦٥ - ٨٥هـ)
كان هناك كاتبان قبطيان لإدارة مصر، واحد لمصر العليا - الصعيد -
والآخر لمصر السفلى - الدلتا - بل أكثر من ذلك فقد تولَّى ولاية
الصعيد والٍ قبطى اسمه بطرس .. كما كان حاكم مريوط قبطيا اسمه
تاوناس).
ولم يحدث هذا فى (مصر) وحدها بل كان ذلك فى البلاد المفتوحة
كلها، ففى الشام - مقر الدولة الأموية - بقى أهم الدواوين وأخطرها،
وهو ديوان الخراج - الذى يمثل وزارة المالية فى الوقت الحاضر - فى
أيدى المسيحيين من أسرة (سرجيوس الرومى).
ونتيجة لهذه السياسة شعر أهل الذمة - اليهود والنصارى - بالأمان
والاطمئنان، فأقبلوا على اعتناق الإسلام فى حرية تامة ودون إكراه.
- رابعا: الأوضاع الدينية فى البلاد المفتوحة:
أقبل كثير من أبناء البلاد المفتوحة على اعتناق الإسلام لبساطته
стр. 159
وملاءمته للفطرة الإنسانية، ولعدم اقتناعهم بالأديان التى كانت
سائدة فى بلادهم، ومعظمها كانت ديانات وضعية وثنية
كالزرادشتية، و (البوذية)، و (المانوية) و (المزدكية)، حتى (اليهودية)
و (النصرانية) دخلها الزيف والتحريف والتعقيد، وأصبحت كل منهما
تستعصى على الفهم. يقول أحد الباحثين المسيحيين: (ومن المرجح
أن تأثير المسيحية فى السواد الأعظم من شعب مصر كان قليلا فى
القرن السابع - عند الفتح الإسلامى لها- وأن التعليقات النظرية التى
استغلها زعماؤهم فى إثارة شعور الكراهية والمقاومة فى وجه
الحكومة البيزنطية، كان يمكن أن يدركها عدد قليل جدا من الناس،
كما أن سرعة انتشار الإسلام قد تكون راجعة إلى عجز ديانة
كالديانة المسيحية، وعدم صلاحيتها للبقاء، أكثر من أن تكون راجعة
إلى الجهود الظاهرة التى قام بها الفاتحون لجذب الآهلين إلى
الإسلام).
- خامسًا: أثر سياسة الدولة الأموية فى انتشار الإسلام:
حافظ الأمويون على روح التسامح الإسلامى فى سياستهم للبلاد
المفتوحة إلى حد كبير، فالتزموا بنصوص المعاهدات وروحها التى
أعطيت لأهالى تلك البلاد، فلم ينكثوا عهدًا أو ينقضوا معاهدة، وإذا
حدث شىء من هذا فإن الدولة تسارع بتصحيح الخطأ، ولم تذكر
المصادر التاريخية سوى حدث واحد من هذا القبيل وقع فى العصر
الأموى، حين نقض (قتيبة بن مسلم) عهده مع أهل (سمرقند)، وكان
قد دخل مدينتهم بناءً على اتفاق معهم على أن يخرج منها بعد أن
يبنى فيها مسجدًا، لكنه لم يخرج منها ناقضًا اتفاقه معهم، فشكوا
إلى (عمر بن عبدالعزيز)، فأمر الوالى بأن يحقق فى المسألة
بإنصاف، فحكم القاضى المسلم بإخراج المسلمين من (سمرقند)، وأن
ينابزوا أهلها على سواء، فكرهوا القتال، وأقروا المسلمين على
البقاء فيها، وأسعدهم هذا المسلك من الحكومة الإسلامية التى لم
تفرق بين المسلم وغير المسلم فى العدل، فأقبلوا على اعتناق
الإسلام.
انتشار الإسلام فى الشام:
стр. 160
كان معظم سكان الشام عند الفتح الإسلامى من العرب الذين هاجروا
من شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام بعدة قرون، وأقاموا هناك
ممالك وإمارات، وإلى جانب هؤلاء كانت هناك أقليات من اليهود
والأرمن المسيحيين، والروم، والأكراد.
وقد وقف عرب الشام فى بداية الفتوحات الإسلامية فى عهد
الراشدين مع الروم ضد أبناء عمومتهم العرب الفاتحين، ظنا منهم
أنهم جاءوا إلى الشام لمزاحمتهم فيه، وأخذ أرضهم وأموالهم، لكنهم
حين فطنوا إلى أهداف المسلمين الرفيعة ورسالتهم السامية، القائمة
على العدل والحرية والمساواة، اطمأنت نفوسهم إلى الإسلام،
وأَنسوا إلى جانب المسلمين، وبخاصة بعد انتهاء المعارك ووضوح
نتائجها، وزوال سلطان الروم عنهم.
وقد أدَّى ذلك إلى مشاركة عرب الشام عربَ الجزيرة فى عقيدتهم
ومثلهم وتطلعهم للحياة، وبخاصة أنهم وجدوا أبواب العمل فى الدولة
الإسلامية مفتوحة أمامهم، فمن أسلم أصبح منهم، وربما تدفعه
مواهبه إلى الصفوف الأولى مع كبار القادة العظام، مثل (حسان بن
النعمان) الذى كان ينتمى إلى الأسرة الحاكمة فى الشام عند الفتح
الإسلامى، ومن بقى على مسيحيته شارك فى ميادين العمل الإدارى
والمالى.
وكان نشر الإسلام فى الشام موضع عناية المسلمين وهدفهم، منذ
الخطوات الأولى للفتح، فقد أرسل (يزيد بن أبى سفيان) إلى (عمر بن
الخطاب) يطلب معلمين من الصحابة، يعلمون الناس شرائع الإسلام
ويقرءونهم القرآن، فبعث إليه عددًا من كبار الصحابة، منهم: (عبادة
بن الصامت)، و (أبو الدرداء)، و (معاذ بن جبل)، رضى الله عنهم،
وبدأت القبائل العربية التى كانت تقطن الشام قبل الفتح الإسلامى
تقبل على الإسلام عن اختيار وفى حرية تامة، فأسلمت أغلبية قبيلة
(الغساسنة) كبرى القبائل العربية فى الشام، وكانت لها دولة تبسط
سلطانها على (جنوبىّ سوريا)، و (شرقى الأردن)، وكذا قبائل (لخم)
و (جذام) و (كلب).
стр. 161
ولم يقتصر الدخول فى الإسلام على القبائل العربية بل اعتنق الإسلامَ
كثيرٌ من المسيحيين غير العرب؛ كالأرمن والروم، لما فيه من بساطة
وسماحة، بالقياس إلى المسيحية التى تحولت إلى طلاسم وألغاز
وجدل عقيم.
ويذكر (توماس آرنولد) أن (انتشار الإسلام بين نصارى الكنائس
الشرقية كان نتيجة شعور بالاستياء من السفسطة المذهبية التى
جلبتها الروح الهللينية إلى اللاهوت المسيحى، لأنها أحالت تعاليم
المسيح ﵇ البسيطة السامية إلى عقيدة محفوفة بمذاهب
عويصة، مليئة بالشكوك والشبهات، فأدى ذلك إلى خلق شعور من
اليأس، بل زعزع أصول العقيدة الدينية ذاتها، فلما أهلَّت آخر الأمر
أنباء الوحى الجديد فجأة من الصحراء، لم تعد تلك المسيحية الشرقية
التى اختلطت بالغش والزيف، وتمزَّقت بفعل الانقسامات الداخلية،
قادرة على مقاومة إغراء الدين الجديد - الإسلام - الذى بدَّد بضربة
واحدة من ضرباته كل الشكوك التافهة، وقدَّم مزايا مادية جديدة إلى
جانب مبادئه الواضحة البسيطة التى لا تقبل الجدل، وحينئذٍ ترك
الشرق المسيح، وارتمى فى أحضان نبى بلاد العرب).
وكان من الطبيعى أن يكون حجم انتشار الإسلام فى الشام كبيرًا،
لقربه من (الحجاز) منزل الوحى، ووفود كثير من الصحابة إليه فى
الفتوحات وبعدها، وإقامتهم فيه، وإقامة كثير من أفراد جيوش الفتح
الوافدة من الجزيرة العربية فى الشام.
ولما قامت الدولة الأموية سنة (٤١هـ) واتخذت من (دمشق) عاصمة لها،
اتسع نطاق انتشار الإسلام بين القبائل العربية، وأصبح الشام قطرًا
عربيا إسلاميا خالصًا، يعيش فيه بعض الأقليات المسيحية واليهودية
فى حرية وأمان.
انتشار الإسلام فى مصر:
فُتحت (مصر) فى عهد (عمر بن الخطاب)، ومنذ الأيام الأولى للفتح
أقبل بعض المسيحيين على الدخول فى الإسلام بحرية تامة وحتى
قبل تمام الفتح، فقد كتب (يوحنا النقيوسى) - وهو رجل دين مسيحى
стр. 162
كان قريبًا من حوادث الفتح - أن بعض المصريين تركوا الدين
المسيحى وأسلموا، وصحبوا جيوش العرب أثناء الفتح، كان منهم
(يوحنا) أحد رهبان (دير سيناء).
واستمرت حركة الدخول فى الإسلام فى زيادة مطردة، فدخل على
عهد الخليفة (هشام بن عبد الملك) أربعة وعشرون ألفًا منهم الإسلام
دفعة واحدة سنة (١٠٨هـ).
ولم يكن دخول الإسلام مقصورًا على طبقة بعينها، بل دخل فيه ناس
من كل الطبقات، كما اعتنقه كثير من الروم الذين بقوا فى (مصر) بعد
الفتح الإسلامى.
وباستمرار دخول المسيحيين فى (مصر) فى الإسلام أصبح أغلبية
السكان مسلمين، وتعلموا اللغة العربية، وأصبحت (مصر) بلدًا عربيا
إسلاميا، وبقى بعض الأقباط على دينهم حتى الآن، وهذا دليل
سماحة الإسلام، وآية على أن من اعتنق الإسلام منهم اعتنقه عن
رضى واقتناع ودون إكراه، فلو أكره الفاتحون المسلمون الأقباط
على ترك دينهم والدخول فى الإسلام؛ لما بقى مسيحى واحد فى
(مصر).
وكان دور المسلمين فى جذب المسيحيين وغيرهم دور الداعى إلى
دينه بالحكمة والموعظة الحسنة، والقدوة الطيبة، بالإضافة إلى جو
الحرية وسريان روح الرحمة والتسامح الذى أشاعه الخلفاء والحكام
والأمراء، ولم يعد المسلمون أنفسهم طبقة متميزة على أهل البلاد،
وإنما اختلطوا بهم وتعايشوا معهم وصاهروهم، وعاملوهم بتقدير
واحترام، خاصة أن النبىَّ أوصى المسلمين خيرًا بأهل (مصر) حين
يفتحونها، فإن لهم ذمة ورحمًا، فهاجر أم (إسماعيل) ﵇
منهم، وكذلك (مارية القبطية) التى تزوجها النبى - صلى الله عليه
وسلم - وأنجب منها (إبراهيم).
انتشار الإسلام فى شمالى إفريقيا:
تشمل منطقة (شمالى إفريقيا) المنطقة التى تمتد من حدود (مصر)
العربية حتى شاطئ (المحيط الأطلنطى)، وهى من أكثر المناطق التى
أرهقت المسلمين فى فتحها، الذى استغرق نحو سبعين سنة، وذلك
بسبب المقاومة العنيدة التى لقيها المسلمون من سكان البلاد،
стр. 163
ومعظمهم من (البربر) الذين يعتزون بحريتهم وكرامتهم.
وكانت مقاومتهم الشديدة للفتح ترجع إلى جهلهم بطبيعة الإسلام
وأهدافه ومبادئه، وظنهم أن الفاتحين كغيرهم من الغزاة، جاءوا
لاستغلال بلادهم والاستيلاء على خيراتها، فلما فهموا الإسلام وما
يحمله من عزة وكرامة، واحتكوا بالفاتحين المسلمين وسماحتهم
ورحمتهم أقبلوا على الإسلام بحماس لا نظير له، وحملوا رايته،
وجاهدوا فى سبيله، وشاركوا فى فتوحاته، فكان لهم فى فتح
(الأندلس) بلاءٌ حسن.
وعلى الرغم من طول أمد فتح (شمالى إفريقيا)؛ بسبب المقاومة
العنيدة التى أبداها السكان فإن استجابتهم للإسلام واعتناقهم له
كان أسرع وأوسع انتشارًا مما حدث فى بلاد المشرق الأسبق فتحًا
مثل (العراق) و (الشام) و (مصر). وقد بدأ السكان يقبلون على الإسلام
منذ فتح (عمرو بن العاص) برقة فى عهد (عمر بن الخطاب)، وظل
هؤلاء متمسكين بإسلامهم على الرغم من توقف الفتوحات فترة
طويلة؛ بسبب الفتن الداخلية فى الدولة، بدليل وجود كثير من أهل
البلاد فى جيش (عقبة بن نافع)، عندما أسند إليه (معاوية) قيادة
جيش الفتح فى (شمالى إفريقيا)، كما أسلم على يدى (عقبة) فى
تلك الفترة أعداد كبيرة.
ثم خطا الإسلام فى المغرب خطوات واسعة، وسعى سعياً حثيثًا فى
عهد (أبى المهاجر دينار)؛ لحسن سياسته التى جذبت ملك البربر
(كسيلة) إلى الإسلام، وأسلم بإسلامه أعداد هائلة، وكان (أبو
المهاجر) يبنى مسجدًا فى كل مدينة يفتحها، ويعمل على امتزاج
العرب الفاتحين بأهالى البلاد؛ ليكون لذلك أثره فى تعليمهم الدين
واللغة العربية.
ثم كان ظهور (حسان بن النعمان) ومن بعده (موسى بن نصير) فى
(شمالىّ إفريقيا) من عوامل التمكين للإسلام فى البلاد؛ فاستطاع
(حسان) أن يقضى على الوجود البيزنطى قضاءً تاما، ثم على
مقاومة (الكاهنة) التى تزعمت البلاد بعد مقتل (كسيلة).
والعجيب أن هذه المرأة العنيدة وهى تخوض معركتها الأخيرة مع
стр. 164
(حسان)، أوصت أبناءها بالانضمام إليه واعتناق الإسلام إن هى
هزمت فى الحرب، فلما حدث ذلك أسلم أبناؤها، وعيَّنهم (حسَّان)
أمراء على قبائلهم، وأسلم بإسلامهم اثنا عشر ألف رجل دفعة
واحدة.
وأمَّا (موسى بن نصير) فقد ركز اهتمامه على نشر الإسلام بين
السكان، وكان يأمر جنده العرب بتعليم (البربر) المسلمين فى جيشه
القرآن الكريم، وتفقيههم فى الدين، كما ترك بين قبائل (المصامدة)
سبعة عشر رجلا من العرب ليقوموا بالغرض نفسه.
وكان لعمر بن عبدالعزيز أثر كبير فى نشر الإسلام بالمغرب، فقد
أرسل عشرة رجال من صلحاء التابعين إلى هناك، ليعلموا الناس
الدين، فتوافد عليهم الناس من أنحاء البلاد كلها، ليتلقوا عنهم أمور
دينهم.
ومن المعروف أن المسيحية قد دخلت (شمالى إفريقيا) منذ القرون
الأولى لميلاد السيد المسيح، ﵇، وبخاصة فى منطقة
الساحل المطلة على (البحر المتوسط) فى حين بقيت المناطق الداخلية
البعيدة عن الساحل على وثنيتها.
انتشار الإسلام فى الأندلس:
لمَّا فتح المسلمون (الأندلس) فى أواخر القرن الهجرى الأول (٩٢ -
٩٥هـ) كانت ديانة معظم السكان هى المسيحية الكاثوليكية،
بالإضافة إلى جالية يهودية كبيرة وبعض الوثنيين، ثم بدأت أعداد
كبيرة منهم تعتنق الإسلام، يأتى فى مقدمتهم طبقة الرقيق التى
وجدت فى الإسلام نجاتها وخلاصها من الظلم والاضطهاد الذى كانت
تعانيه تحت حكم (القوط).
ولم تكن طبقة الرقيق وحدها هى التى أسرعت إلى اعتناق الإسلام،
بل اعتنقه كثير من الوثنيين وأشراف المسيحيين، بالإضافة إلى
أعداد كبيرة من الطبقات الوسطى والدنيا، بل إن بعض القساوسة
اعتنق الإسلام، مثل (تيود سكلوس) الذى كان رئيس أساقفة
(إشبيلية).
وقد حدث ذلك كله فى السنوات الأولى، التى أعقبت الفتح الإسلامى
مباشرة، دون إكراه من المسلمين لإجبار أهل (الأندلس) وحملهم على
الإسلام حملا، بل أقبلوا عليه عن رضى واقتناع تام، ساعد على ذلك
стр. 165
بساطة الإسلام وبعده عن التعقيدات الكهنوتية التى حفلت بها
ديانتهم، واختلاط المسلمين الفاتحين بأهل البلاد ومصاهرتهم، وقد
فعل ذلك أعداد كبيرة من المسلمين، حتى الأمراء منهم، فقد تزوج
(عبدالعزيز بن موسى بن نصير) بابنة الملك القوطى (رذريق)، وحذا
حذوه كثير من القادة والجنود، ونتج عن هذه المصاهرات جيل جديد
فى الأندلس) عُرف بالمولدين، وهم الذين ولدوا من آباء عرب وأمهات
أندلسيات، وهؤلاء نشئوا مسلمين بطبيعة الحال، وسرعان ما تزايد
عددهم، وأصبحوا يشكلون غالبية السكان، واحتلوا مكانة كبيرة فى
المجتمع وكان لهم دورهم فى تسيير أمور الدولة الإسلامية.
وقد أصبح هذا الجزء الذى يقع فى جنوبى غربى (أوربا) بلدًا عربيا
مسلمًا فى حرية تامة ودون تعصب أو إكراه، ولم يستغل الفاتحون
المسلمون انتصارهم على (القوط) فى استئصال المسيحية من البلاد
كما فعل (فرديناند) و (إيزابيلا) فى استئصال المسلمين بعد ذلك
بثمانية قرون.
انتشار الإسلام فى العراق:
كان معظم سكان (العراق) عند الفتح الإسلامى عربًا من قبائل
(ربيعة)، مثل: (بكر بن وائل) و (تغلب)،ثم جاء المناذرة اللخميون ومن
هم من قبائل (اليمن)، فأقاموا فى (العراق) إمارة عربية عُرفَت
بإمارة (المناذرة)، كانت خاضعة للفرس، تأتمر بأمرهم، وتصد غارات
القبائل العربية عليهم، وهجمات البيزنطيين وحلفائهم غساسنة
الشام، وقبيل ظهور الإسلام أنهى الفرس سنة (٦٠٢م) حكم المناذرة،
وحكموا (العراق) حكمًا مباشرًا.
ولم يكن موقف عرب (العراق) من الفاتحين المسلمين عدائيا صريحًا،
وإنما تراوح بين العداء والوقوف مع الفرس وتأييدهم وبين التعاون
مع العرب الفاتحين، ثم الترحيب بهم بعد توالى انتصاراتهم على
الفرس فى (القادسية) و (نهاوند).
وقد وجد سكان (العراق) أنفسهم بعد الفتح تحت حكم المسلمين
يعاملون معاملة حسنة، تُحفظ لهم كرامتهم وحريتهم، وتصان
عقائدهم، ولم تنتزع أرضهم، ولم يجبرهم أحد على الدخول فى
стр. 166
الإسلام، وكانوا قبل ذلك أقرب ما يكونون إلى حال الرق، ذلا
واستعبادًا للفرس، فأقبلوا على اعتناق الإسلام فى حرية تامة.
ولم يسلم عرب (العراق) فقط، بل أسلم كثير من الفرس أنفسهم، الذى
يعيشون فى (العراق)، وقدموا للمسلمين مساعدات كثيرة، ووقفوا
إلى جانبهم فى المعارك، فاستشار (سعد بن أبى وقاص) من أسلم
من الفرس فى كيفية التغلب على الفيلة الفارسية المدربة على الحرب
والقتال، ولم تكن للفاتحين المسلمين خبرة بمواجهتها فى ساحات
المعارك، فدلوه على مقاتلها، بأن تُضرب فى عيونها ومشافرها،
فلا تستطيع القتال بعد ذلك.
ثم ازداد إقبال الفرس على الدخول فى الإسلام بعد انتصار المسلمين
فى (القادسية)، فأسلم أربعة آلاف من (الديلم) دفعة واحدة، وجاهدوا
مع الفاتحين فى (نهاوند)، ويدل تزايد الإقبال على الدخول فى
الإسلام، سواء من العرب أو من غيرهم على أن اشتراك الطبقات
المقهورة مع الفرس ضد المسلمين فى البداية، إنما كان خوفًا من
بطشهم، فلما تحطمت قوتهم فى (القادسية) زال الخوف، وأقبل الناس
على الإسلام.
وإلى جانب هؤلاء أسلمت أعداد كبيرة من الأساورة والأشراف وعلية
القوم، فرحَّب بهم القادة العرب، وأشركوهم معهم فى الحكم،
فيروى (الطبرى) أن (سعد بن أبى وقَّاص) كتب إلى (عبدالله بن
المعتم) أن أخلف على (الموصل) (مسلم بن عبداللهـ) الذى كان قد أُسِرَ
فى (القادسية)، وأن (القعقاع بن عمرو التميمى) استخلف على
(حلوان) - مدينة فارسية شمالى شرقى (المدائن) - بعد فتحها، رجلا
فارسيا اسمه (قباذ).
وقد أخذ الإسلام ينتشر فى (العراق) باطِّراد إلى أن أصبح بلدًا عربيا
إسلاميا خالصًا فى العصر الأموى، ومركزًا ودعامة لتثبيت الحكم
الإسلامى فى بلاد فارس، ومنطلقًا للفتوحات الإسلامية فى بلاد (ما
وراء النهر) و (السند).
انتشار الإسلام فى بلاد فارس:
كانت الديانة الرئيسية فى بلاد فارس قبل الفتح الإسلامى هى الديانة
стр. 167
(الزرادشتية)، وهى ديانة وثنية، تؤمن بأن للعالم إلهين، أحدهما إله
الخير، والآخر إله الشر، وإلى جانب تلك الديانة التى كان يدين بها
ملوك (آل ساسان) توجد (البوذية) و (المانوية) و (المزدكية) بالإضافة
إلى اليهودية والمسيحية على نطاق ضيق.
ولم يأخذ المسلمون من هذه الأديان موقفًا عدائيا، ولم يتخذوا إجراءً
ضدها، بل صانوا للناس حرية الاعتقاد، إلى الحد الذى اعتدُّوا فيه
بالمجوسية الفارسية وهى عبادة النار، وعاملوا أتباعها معاملة أهل
الكتاب من اليهود والنصارى، فقبلوا منهم الجزية نظير بقائهم على
دينهم.
ولما اطمأنت نفوس أهل فارس أو معظمهم إلى حكم الفاتحين نظروا
إلى دينهم، مقارنين بينه وبين ما لديهم من أديان فلم يجدوا وجهًا
للمقارنة، فكلها أديان وثنية مليئة بالخرافات والأوهام، فتركوها غير
آسفين، وأقبلوا على الإسلام فى حرية تامة، ودون ضغط أو إكراه،
ولم يفعل ذلك أتباع الديانات الوثنية فقط، وإنما فعله كثير من
المسيحيين. يقول (آرنولد): (وقد أدَّى تغير الحكومة - الساسانية -
إلى تخليص الكنيسة المسيحية المضطربة فى فارس من استبداد ملوك
الساسانيين الذين أثاروا الخلافات .. وزادوا فى فوضى الطوائف -
المسيحية - المتنافرة، ولعل هذه الأحوال المضطربة قد هيأت عقول
الناس لذلك التحول الفجائى فى شعورهم، الذى سهل تغيير العقيدة،
وإلى جانب الاضطراب السياسى فى الدولة ظهرت تلك الفوضى
الأخلاقية التى ملأت عقول المسيحيين .. فمالوا إلى هذا النظام العجيب
من التنسيق العقلى، الذى ينمو فيه الدين الجديد فى سهولة ويسر،
ويكتسح أمامه أكثر الأديان الأخرى، ويحاول أن يقيم الحالة الدينية
والاجتماعية على أسس جديدة، وبعبارة أخرى كان أهل فارس قد
بلغت عقليتهم درجة ساعدتهم على التحول إلى ذلك الدين الجديد،
والترحيب باعتناقه فى حماسة ملحوظة؛ لما يمتاز به من البساطة،
وهكذا قدر للإسلام أن يبدد بضربة واحدة كل هذه الغيوم، وأن يفتح
стр. 168
أمام الناس سبلا واضحة من الآمال الكبيرة، وأن يخلصهم فى أقرب
وقت من عبوديتهم وحالتهم السيئة).
وقد تتابع دخول الفرس بأعداد كبيرة فى الإسلام دون إكراه،
مدفوعين بالدعوة الصادقة التى يقوم بها المسلمون لدينهم،
والتعريف به وشرح مبادئه، والالتزام بها فى حياتهم، كل ذلك كان له
عظيم الأثر فى التمكين للإسلام فى البلاد.
ثم خطا الأمويون خطوات واسعة أدَّت إلى انتشار الإسلام واللغة
العربية فى بلاد فارس، تمثلت فى تهجير عشرات من القبائل العربية
إلى الأقاليم الفارسية وتسكينهم فيها، فنقل (زياد بن أبى سفيان)
والى (العراق) فى خلافة (معاوية) سنة (٥١هـ) خمسين ألف أسرة
عربية من أهل (البصرة) و (الكوفة) إلى (خراسان) دفعة واحدة،
وتتابعت بعد ذلك الهجرات العربية إلى الأقاليم الفارسية بأعداد
كبيرة؛ مما كان له أثر كبير فى نشر الإسلام عن طريق المعايشة،
والقدوة العملية، وإقامة شعائر الدين.
وفى الوقت نفسه هاجرت أعداد كبيرة من الفرس إلى المدن العربية
الجديدة كالبصرة و (الكوفة)، بقصد العمل فى التجارة والأعمال
الحرفية، كأعمال البناء التى لا يجيدها العرب، كما عمل كثيرون
منهم فى دواوين الدولة، وقد بلغ عدد العمال من الفرس - أى
الموظفين - المقيدين فى ديوان (عبيدالله بن زياد) والى (البصرة) (٥٥ -
٦٤هـ) مائة وأربعين ألفًا، وهو رقم غير مبالغ فيه، لأن ديوان
(البصرة) كان يشمل الموظفين المدنيين فى جنوبى (العراق)، وكل
المقاطعات الجنوبية الشرقية من بلاد فارس حتى (خراسان) شمالا.
وقد علل (ابن زياد) استخدام هذا العدد الكبير من الفرس فى الديوان
بكفاءتهم ومهارتهم وأمانتهم فى العمل، وهذا يعنى ثقة الدولة
بالموظفين من الفرس، وهذه الثقة شجعتهم على الدخول فى الإسلام.
وأدَّى وجود أعداد كبيرة من الفرس فى البيوت العربية، ومصاهرتهم
للعرب، إلى انتشار الإسلام بينهم، واتخاذ أسماء وألقاب عربية.
стр. 169
ويمكن إجمال القول بأن غالبية الشعب الفارسى تحولت إلى الإسلام
فى العصر الأموى، وأصبحت عنصرًا مؤثرًا فى المجتمع والدولة
الإسلامية ذاتها، وكانت فى طليعة المجاهدين فى فتح بلاد (ما وراء
النهر).
موقف الموالى الفرس من الدولة الأموية:
كان لبعض الموالى الفرس مواقف عدائية ضد الدولة الأموية، على
الرغم من تسامح الحكومة مع الفرس وإشراكهم فى الإدارة، بل
تفضيلهم أحيانًا على العرب أنفسهم؛ فلم يتركوا فرصة للخروج عليها
إلا انتهزوها، ولا دعوة لثائر إلا انضموا تحت لوائه، أيا كان اتجاهه
السياسى، فانضموا إلى (ابن الزبير)، و (المختار الثقفى)،
و (عبدالرحمن بن الأشعث)، و (يزيد بن المهلب)، وغيرهم، وناصروا
الخوارج، وتحالفوا مع الشيعة دائمًا.
وهذه المواقف العدائية من الدولة الأموية جعلت بعض الباحثين يظنون
أنهم فعلوا ذلك لظلم وقع عليهم من الدولة، وراحوا يكيلون التهم
جزافًا للأمويين بأنهم متعصبون للعرب ضد الفرس، وهذا اتهام لا دليل
عليه وبعيد عن واقع الأمر، فالدولة الأموية عُرفَت بتسامحها مع غير
المسلمين من أهل الذمة، فكيف يضيق صدرها بالمسلمين من الموالى
ولعل السبب الرئيسى فى عداء الموالى للدولة الأموية يكمن فى أن
كثيرين من أبناء فارس لم يستطيعوا التخلص تمامًا من ماضيهم، حيث
كانوا أصحاب السيادة على العرب، ولهم نفوذ فى العالم، فلما فتح
المسلمون بلادهم عزَّ عليهم أن يحكمهم العرب، فعملوا كل ما فى
وسعهم لتقويض الدولة الأموية.
ولم يكن الموالى كلهم يعادون العرب، ولذا نستطيع أن نقسم الموالى
إلى أربع طوائف رئيسية، هى:
- الطائفة الأولى: أسلمت إسلامًا حقيقيا، ارتفع بها فوق العصبية
القومية، مثل: (سلمان الفارسى)، رضى الله عنه، و (الحسن البصرى)
التابعى المعروف، وهذه الطائفة لم تر بأسًا فى أن يحكمها العرب،
ونظرت إليهم نظرة تقدير واحترام؛ لأنهم سبب هدايتها، وبادل العرب
стр. 170
هذه الطائفة ودا بود وتقديرًا بتقدير، وكان كبار التابعين من
الموالى، مثل (الحسن البصرى)، و (محمد بن سيرين)، و (عطاء بن
يسار)، و (عطاء بن أبى رباح)، موضع احترام المجتمع والدولة، وكان
تأثيرهم فى الحركة العلمية عظيمًا.
- الطائفة الثانية: وهى التى أسلمت إسلامًا رقيقًا، ولم تتخلص من
الماضى تمامًا، وظلت تفخر بالأمجاد الفارسية القديمة، وهذه الطائفة
لم ترفض الإسلام دينًا ولكنها رفضت السيادة والحكم العربيين، وظلت
تسعى للقضاء عليهما بدأب شديد، وكانت نواة الحركة الشعوبية
التى نادت بتفضيل الفرس على العرب.
- الطائفة الثالثة: وهى التى أسلمت نفاقًا، لأنها رأت أن السبيل إلى
المال والجاه والسلطان لا يكون إلا بالدخول فى الإسلام، فأعلنت
اعتناقه ولم يدخل الإيمان قلوبها، ولم تدع فرصة للكيد للعرب إلا
انتهزتها، كما دعت إلى الشعوبية والمذاهب الدينية القديمة، وهذه
الطائفة كانت أساسًا لحركة الزندقة.
- الطائفة الرابعة: وهى التى لم تسلم، وبقيت على مجوسيتها بفضل
الحرية التى منحها العرب لأهل بلاد فارس.
والذى نريد أن نخلص إليه أن القول باضطهاد الدولة الأموية للموالى،
وعداء الموالى للدولة كان رد فعل لذلك، هو قول بعيد عن الحقيقة،
فلم تكن هناك سياسة مرسومة للأمويين تعادى الموالى الفرس، وفى
الوقت نفسه لا ننكر أن يكون بعض العرب قد نظر إلى الموالى الفرس
نظرة تعالٍ وتكبر، لكن ذلك لم يكن سياسة دولة، وإنما كان نظرة
البدو الجفاة الذين لم يفهموا الإسلام على وجهه الصحيح.
انتشار الإسلام فى بلاد ماوراء النهر:
فتح (قتيبة بن مسلم الباهلى) بلاد (ماوراء النهر) - آسيا الوسطى-
فى خلال عشر سنوات (٨٦ - ٩٦هـ)، وأقبل كثير من أهالى تلك البلاد
على الدخول فى الإسلام، لما فيه من عدل وسماحة ورحمة، وشجعهم
على ذلك أن معظمهم وثنيون يعبدون الأصنام، وبعضهم يدين بالأديان
التى كانت منتشرة فى بلاد فارس المجاورة لهم، مثل (الزرادشتية)
стр. 171
و (المانوية) و (المزدكية)، وكلها أديان فاسدة، ولم يكن تمسك الناس
بها قويا، ولذا سرعان ما أقلعوا عنها بعد أن قارنوا بينها وبين
الإسلام، فأقبلوا عليه فى حماس شديد.
وعندما دخل (قتيبة بن مسلم) مدينة (سمرقند) سنة (٩٣هـ)، وجد فيها
عددًا كبيرًا من الأصنام، فقرر تحطيمها، فخوَّفه سكانُها من ذلك،
وقالوا له: إن من يقترب منها تهلكه، فلم يبالِ بذلك، وأقسم ليحطمنَّها
بيده، فحطمها وحرقها بالنار، فلما رأى الناس ذلك ولم يحدث لقتيبة
شىء أدركوا أن هذه الأصنام لا تنفع ولا تضر، وأسرعوا إلى اعتناق
الإسلام.
وقد تردَّد صدى هذه الحادثة فى المدن الأخرى، فأسلم من أهلها
أعدادٌ هائلة، حتى إنه لما سار قتيبة لفتح إقليم (الشاش) فيما وراء
نهر (سيحون) سنة (٩٤هـ)، أى بعد سنة واحدة من تحطيمه لأصنام
(سمرقند)، كان جيشه يضم عشرين ألف مسلم من أهل (بخارى).
وحرص الفاتحون المسلمون على دعوة الناس إلى الإسلام بالحكمة
والموعظة الحسنة، والتأثير فيهم بالقدوة الطيبة، وكان (قتيبة بن
مسلم) يُعنَى ببناء المساجد فى المدن والقرى؛ حتى تؤدى فيها
الصلاة، ويقوم الدعاة فيها بتعليم الناس شعائر الإسلام وشرائعه.
غير أن تزايد إقبال الناس على الإسلام جعل الولاة المسلمين أمام
مشكلة مالية، جعلتهم يأخذون الجزية من المسلمين الجدد من أهل
البلاد، مخالفين بذلك قواعد الإسلام التى تقرر أن لا جزية على من
أسلم، ولم يطل هذا الأمر كثيرًا، إذ صحح (عمر بن عبد العزيز) هذا
الإجراء الخاطئ وكتب إلى الولاة موبخًا إياهم على فعلتهم، قائلا
قولته المشهورة: (قبَّح الله رأيكم، إن الله بعث محمدًا - صلى الله عليه
وسلم - هاديًا ولم يبعثه جابيًا).
وكان الخليفة (عمر بن عبد العزيز) معنيا بنشر الإسلام فى تلك
المنطقة، وكتب إلى ملوك بلاد (ما وراء النهر) وأمرائهم ودعاهم إلى
الإسلام، فأسلموا وتسمَّوا بأسماء عربية.
وتتابعت جهود الأمويين لنشر الإسلام فى هذه البلاد بعد (عمر بن
стр. 172
عبدالعزيز)، وبخاصة فى عهد (هشام بن عبدالملك) (١٠٥ - ١٢٥هـ)،
الذى أسند ولاية (خراسان) و (ما وراء النهر) إلى (أشرس بن عبدالله
السلمى)، المسمى بالكامل لصلاحه وتقواه، فما إن استقر فى
(خراسان) حتى شرع فى توجيه الدعاة والفقهاء إلى بلاد (ماوراء
النهر)؛ لدعوة الناس إلى الإسلام.
وقد مضت حركة نشر الإسلام فى بلاد (ما وراء النهر) مطَّردة مزدهرة،
بفضل جهود (صالح بن طريف) وأمثاله من أهل الصلاح والتقوى، وإن
اعترض ذلك بعض المعوقات التى كانت تأتى فى الغالب من بعض
الولاة الذين كانوا يفضلون الجباية على الهداية، مخالفين بذلك قواعد
الإسلام، غير أن هذه السياسة الخاطئة كانت تجد دائمًا من يصححها
ويقومها من الخلفاء والولاة.
وقد استاء المسلمون الجدد من أهل بلاد (ما وراء النهر) من دفع
الجزية، لا لكونها عبئًا ماليا كبيرًا فحسب، بل لإحساسهم بالمهانة من
دفعها وهم مسلمون؛ إذ لاجزية على المسلم، ومن ثم تمسكوا بحقهم
الشرعى الذى كفله لهم الإسلام، فقاوموا الولاة، ومن أجل ذلك
وجدوا استجابة من قمة الدولة لإنصافهم، وتضامنًا من إخوانهم العرب
المسلمين لمساعدتهم على الحصول على حقهم.
وخلاصة القول أن غالبية الناس فى بلاد (ماوراء النهر) تحولت إلى
الإسلام، وأصبحت بلادهم جزءًا عزيزًا من العالم الإسلامى، وأهدت
إلى العالم الإسلامى عددًا لا حصر له من العلماء فى شتى العلوم
الإسلامية، وغدت بعض مدنه مثل (بخارى) و (سمرقند) و (جرجان) من
أكبر المراكز الحضارية فى العالم الإسلامى وأشهرها.
وقد رسخ الإسلام فى تلك المنطقة رسوخًا عميقًا، ظهر أثره فى
ثبات أهلها أمام موجات الغزو العاتية التى تعرضت لها، مثل غزوات
المغول المدمِّرة فى القرن (٧ هـ = ١٣ م)، كما تعرضت لمحنة الحكم
الشيوعى الملحد فى القرن (١٤ هـ = ٢٠ م)، الذى حاول بشتى الطرق
وبأقسى الأساليب الوحشية محو الإسلام، لكنه فشل فشلا ذريعًا
стр. 173
أمام ثبات المسلمين وإصرارهم على التمسك بعقيدتهم، وبعد انهيار
(الاتحاد السوفييتى) سنة (١٤١١هـ = ١٩٩١م) وزوال الحكم الملحد،
تنفَّس الناس الصعداء وعادت بلادهم إلى حظيرة العالم الإسلامى.
ولم يكتفِ أهالى تلك المنطقة باعتناق الإسلام، وإنما جنَّدوا أنفسهم
للدفاع عنه على حدوده الشرقية عند (الصين) والأتراك الشرقيين،
وأصبحت بلادهم معبرًا رئيسيا للإسلام إلى (الصين) وغيرها من بلاد
شرقى آسيا وجنوبى شرقيها إلى حوض (نهر الفولجا) شمالا؛ حيث
كانت قوافل الدعاة والتجار تجوب الطرق التجارية بين العالم
الإسلامى وتلك البلاد، يدعون إلى الإسلام، وقد وجدوا استجابة طيبة
وسريعة.
انتشار الإسلام فى السند:
كان إقليم (السند) مملكة مستقلة عندما فتحه المسلمون فى أواخر
القرن الأول الهجرى بقيادة (محمد بن القاسم الثقفى)، وسادت فيه
عدة ديانات كانت هى نفسها السائدة فى سائر ممالك شبه القارة
الهندية وولاياتها، مثل: (البرهمية)، و (البوذية).
ويؤكد لنا التاريخ أن الاتصال بين أهل (السند) والمسلمين سبق بزمن
طويل فتح بلادهم، وأنهم عرفوا كثيرًا عن الإسلام ومبادئه، بل إن
بعضهم أسلم مبكرًا، يروى (البلاذرى) أن كثيرين من أهل (السند) -
المنبوذين - قد أسلموا مبكرًا، بعد أن انحازوا إلى المسلمين؛ فرارًا
من اضطهاد البراهمة، فعندما كان (أبو موسى الأشعرى) يفتح إقليم
(الأهواز) غربى بلاد فارس، فى عهد (عمر ابن الخطاب) أرسل له زعيم
سندى اسمه (سياهـ) قائلا: (إننا قد أحببنا الدخول معكم فى دينكم
على أن نقاتل معكم عدوكم من العجم) واشترط أن يفرض له ولقومه
من العطاء، وأن ينزلوا حيث شاءوا من البلاد، فوافق (عمر بن
الخطاب) على ذلك لما كتب له (أبو موسى) يستأذنه.
وبعد انتهاء الفتح، نزل هؤلاء (البصرة)، وفرض لهم العطاء، ثم سألوا
أى القبائل أقرب إلى رسول الله ﷺ ، فقيل لهم:
(بنو تميم)، فحالفوهم وخططت لهم الأحياء السكنية.
стр. 174
وقد عمل كثير منهم فى بيت المال؛ لخبرتهم فى الشئون المالية، فقد
كان فى بيت مال البصرة منهم فى عهد (على بن أبى طالب) أربعون
رجلا، كما عمل بعضهم فى الأعمال الحرَّة، وبخاصة فى الصرافة،
فيروى الجاحظ: (إنك لا ترى فى البصرة صيرفيًا إلا وصاحب كيسه -
أى خزانته - سندى).
وكل هذه الشواهد تؤكد اتصال أهل (السند) بالمسلمين قبل فتح
بلادهم، ومن الطبيعى أن يتردد بعضهم على وطنه، وينقل للناس
هناك أخبار الإسلام والمسلمين، ومعاملتهم الرحيمة ممَّا هيأ قلوبهم
للإسلام، والإقبال عليه بعد الفتح الإسلامى لبلادهم.
فمنذ الخطوات الأولى للفتح بدأت شخصيات كبيرة تعتنق الإسلام،
وعندما تقدَّم (محمد بن القاسم) بعد فتح (الديبل)، وجه الدعوة إلى
الأمراء والحكام والوزراء والأعيان وعامة الشعب؛ للدخول فى الإسلام
فاستجاب له كثيرون.
وكانت هناك أقاليم تدخل فى الإسلام جملة واحدة، مثل إقليم
(سوسيان)، فقد روى فى سبب إسلامهم أنهم كانوا قد أرسلوا
جاسوسًا من عندهم إلى معسكر المسلمين لمعرفة أخبارهم، وأثناء
اختفائه حان وقت الصلاة، فقام أحد الجنود وأذَّن بالصلاة بصوت
خاشع جميل مؤثر، ثم اصطف الجنود خلف قائدهم (محمد بن القاسم)
فى صفوف منتظمة، فلما رأى الجاسوس السندى هذا المشهد الرائع
تأثر به تأثرًا كبيرًا، وعاد إلى قومه، وأخبرهم بما رأى، فقالوا: إذا
كان العرب متحدين متمسكين بدينهم على هذا النحو وهم فى وقت
الحرب، فإننا لايمكننا التغلب عليهم، وقرروا إرسال وفد منهم إلى
(محمد بن القاسم)، وانتهى الأمر بإسلامهم جميعًا، وانضمامهم إلى
المسلمين، وأقاموا حفل تكريم للقائد المسلم (محمد بن القاسم) الذى
هداهم للإسلام.
وكان إقبال أهل (السند) على الإسلام عظيمًا على اختلاف طبقاتهم،
فأسلم إلى جانب عامة الشعب الحكامُ والقوَّاد والوزراء وأمراء
المناطق المختلفة، مثل الأمير (كاكة بن جندر) ابن عم الملك (داهر) ملك
(السند).
стр. 175
وأدَّى سلوك المسلمين السوىُّ إلى جذب الناس إلى الإسلام، وبخاصة
سلوك (محمد بن القاسم) الذى اهتم بإقامة المساجد وأداء الشعائر
الدينية، فلم يكن يدخل مدينة إلا ويبنى فيها مسجدًا، وقد تابع خلفاء
(محمد بن القاسم) فى (السند) سياسته فى بناء المساجد.
وقد بلغ قمة النجاح فى انتشار الإسلام فى (السند) فى خلافة (عمر
بن عبدالعزيز) (٩٩ - ١٠١هـ)، الذى كان لسمعته الطيبة أثر عظيم فى
دخول أعداد كبيرة من أهل (السند) فى الإسلام لما دعاهم إلى ذلك،
فأسلموا وتسمَّوا بأسماء عربية.
وأصبح هذا الإقليم منذ دخول الإسلام فيه جزءًا عزيزًا من العالم
الإسلامى، ولا يزال يمثل قوة رئيسية من قواه؛ فقد شارك فى صنع
التاريخ الإسلامى والحضارة الإسلامية، فلولا الإسلام لبقى ذلك الإقليم
منزويًا فى عزلته، دون أن يكون له مثل ذلك الدور الذى قام به فى
ظل الإسلام، ونختم الحديث عن انتشار الإسلام فى (السند) بشهادة
واحد من أبنائه هو العلامة (أبو الحسن الندوى) الذى يقول:
(إن دخول الإسلام إلى بلاد السند وبلاد الهند، كان فاتحة عصر جديد،
عصر علم ونور وحضارة وثقافة .. لم يكن العرب المسلمون من طراز
أولئك الغزاة الذين إذا دخلوا قرية أفسدوها، واعتبروها بقرة حلوبًا،
أو ناقة ركوبًا، يحلبون ضرعها، ويركبون ظهرها، ويجزون صوفها،
ثم يتركونها هزيلة عجفاء، ولا يعتبرون أنفسهم كالإسفنج،
يتشرب الثروة من مكان، ويصبها فى مكان آخر، كما كان شأن
الإنجليز فى الهند، وفرنسا فى الجزائر والمغرب الأقصى، وإيطاليا
فى طرابلس وبرقة، وهولندا فى إندونسيا، لم يكن العرب المسلمون
مثل هؤلاء الغزاة المستغلين، بل وهب العرب البلاد التى فتحوها
أفضل ما عندهم من عقيدة ورسالة، وأخلاق وسجايا، ومقدرة
وكفاية، وتنظيم وإدارة، وأقبلوا عليها بالعقل النابغ، والشعور
الرقيق، والذوق الرفيع، والقلب الولوع، واليد الحاذقة الصناع،
стр. 176
فنقلوها من طور البداوة إلى طور الحضارة، ومن عهد الطفولة إلى
عهد الشباب الغض، فأمنت بعد خوف، واستقرت بعد اضطراب،
وأخذت الأرض زخرفها، وبلغت المدنية أوجها، وتحولت الصحارى
الموحشة والأراضى القاحلة إلى مدن زاخرة وأرض خصبة، وتحولت
الغابات إلى حدائق ذات بهجة، والأشجار البرية إلى أشجار مثمرة
مدنية، ونشأت علوم لا علم للأولين بها، وفنون وأساليب فى
الحضارة لا عهد لهم بها فى الماضى، وانتشرت التجارة، فكأنما
ولدت هذه البلاد فى العهد الإسلامى ميلادًا جديدًا، ولبست ثوبًا
قشيبًا).
الجانب الحضارى:
الحضارة الإسلامية فى العصر الأموى:
تعنى الحضارة عند بعض الباحثين كل نشاط إنسانى فى الحياة،
سواء أكان فكريا يتمثل فى العلوم والفنون والآداب، وما ينتج عن
ذلك من نظم سياسية واقتصادية واجتماعية وإدارية، ومن عادات
وتقاليد وأخلاق، أم كان ماديا ملموسًا، يتمثل فى البناء والتشييد
والعمران، كبناء المدن والقرى وتخطيطهما، والتأنق فى بناء
المساكن والمساجد، ودور التعليم والقلاع والحصون، كما تتمثل فى
العناية بالأوضاع الاقتصادية للبلاد، كبناء السدود والخزانات لتخزين
المياه واستخدامها فى الزراعة والصناعة، أو فى تعبيد الطرق
وإقامة المصانع.
وقد عرفت الحضارة الإسلامية فى العصر الأموى كل هذه الأنشطة،
وهى وإن اشتركت مع غيرها من الحضارة الإنسانية فى بعض
السمات، فإنها تتميز عنها بسمات خاصة بها؛ لأن الإسلام هو الذى
أنشأها ورعاها وتمثلت فيها قيمه ومبادئه وسماحته ورحمته وآدابه.
وهى كغيرها من الحضارات البشرية أخذت وأعطت وتعلَّمت من
غيرها، وعلَّمت غيرها، وانفتحت على الحضارات كلها بما فيها من
ثقافات وأفكار، شعارها: الحكمة ضالة المؤمن أنَّى وجدها فهو
أحق الناس بها.
ولقد قامت الحضارة الإسلامية على دعامتين أساسيتين:
الدعامة الأولى:
القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، وكان تأثيرهما فى نشوء
стр. 177
الحضارة الإسلامية وارتقائها وتألقها من وجهين:
- الأول: حثهما على العلم والتعلم والتفكر فى الكون وأسراره،
وتسخيره لمنفعة الإنسان، وعدهما طلب العلم فريضة على كل مسلم،
ودعوتهما إلى رفع شأن العلم والعلماء، والشواهد على ذلك من
كتاب الله وسنة رسوله ﷺ كثيرة، من ذلك:
قول الله تعالى: ﴿قل هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما
يتذكر أولو الألباب﴾ [الزمر: من ٩].
وقوله تعالى: ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾.
[المجادلة من١١].
وقوله تعالى فى أول ما نزل من القرآن: ﴿اقرأ باسم ربك الذى خلق
خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذى علَّمَ بالقلم﴾. [العلق: ١ -
٤].
وقوله ﷺ : (طلب العلم فريضة على كل مسلم). [ابن
ماجة].
وقوله ﷺ أيضًا: (من سلك طريقًا يطلب به علمًا
سهَّل الله له طريقًا إلى الجنة). [رواه الحاكم].
- الوجه الآخر: يتمثل فى العلوم الكثيرة التى انبثقت من القرآن
والسنة كالتفسير وعلوم القرآن، والفقه والأصول، والحديث وعلومه،
والمغازى والسير والتاريخ، واللغة العربية وآدابها وغير ذلك.
الدعامة الأخرى:
وهى دعامة لا يُنكَر دورها فى ازدهار الحضارة الإسلامية، وتتمثل
فى التراث الحضارى الهائل، الذى ورثه المسلمون عن الأمم السابقة
فى البلاد التى فتحوها، كتراث الحضارة الإغريقية والفارسية
والهندية والمصرية القديمة.
وكان من حسن الطالع أن ذلك التراث الحضارى كان موجودًا فى
المناطق التى شملتها الدولة الأموية، فحافظت عليه وصانته من
الضياع، وهو ما يحسب للأمويين، فلولا يقظتهم وسعة أفقهم لضاع
من الإنسانية كثير من هذه الكنوز الحضارية، التى أنتجها العقل
البشرى فى القرون السابقة لظهور الإسلام، غير أن الاستفادة
الكاملة جاءت فى العصر العباسى، حيث بدأت ترجمة العلوم والفنون
إلى اللغة العربية، وصُحِّحت أخطاؤها، ثم أضاف إليها المسلمون من
стр. 178
عبقريتهم الخلاقة ما شهد به علماء الغرب فى العصر الحديث.
الإدارة والنظم فى العصر الأموى:
أولا: الإدارة:
اتسعت الدولة الإسلامية فى العصر الأموى وامتدت حدودها شرقًا من
(الصين)، إلى (الأندلس) غربًا، ومن بحر (قزوين) شمالا إلى (المحيط
الهندى) جنوبًا، وأصبحت تتكون من الأقسام الإدارية الآتية:
١ - الحجاز: ويشمل (مكة المكرمة) و (المدينة المنورة) و (الطائف)، وكان
الوالى يقيم فى (المدينة).
٢ - اليمن: وكانت فى معظم الأحيان ولاية مستقلة، يحكمها والٍ يعين
من قبل الخليفة، وأحيانًا أخرى كانت تضاف إلى والى (الحجاز)،
فيعين عليها واليًا من قبله.
٣ - العراق: وتشمل حدودها الإدارية كل ولايات الدولة الفارسية
القديمة، وأقاليم (ما وراء النهر) و (السند)، وكان الأمويون فى أغلب
الأحيان يجعلون (العراق) والشرق الإسلامى كله تحت إدارة والٍ واحد،
يُعيَّن من قبله ولاة على بقية الأقاليم، وقد حدث ذلك فى عهد (معاوية
بن أبى سفيان)؛ حيث عهد إلى (زياد بن أبى سفيان) بولاية (العراق)
والمشرق، وفى عهد (عبد الملك بن مروان) حيث ولَّى (الحجاج بن
يوسف الثقفى) أمر المشرق كله.
٤ - الجزيرة: وتشمل ولايات (الموصل) و (أرمينيا)،و (أذربيجان).
٥ - الشام: ولم يكن يعين لها والٍ؛ حيث كانت هى مقر الخلافة
الأموية، وكان الخليفة يقوم بهذا الدور.
٦ - مصر: وكان يتبعها (شمالىُّ إفريقيا)، ثم أصبحت ولاية مستقلة
تقريبًا، منذ تولاها (موسى بن نصير) (٨٥هـ)، وعاصمتها (القيروان).
٧ - الأندلس: وكانت فى بداية الفتح الإسلامى لها تتبع ولاية (شمالى
إفريقيا)، ثم أصبحت ولاية مستقلة منذ خلافة (عمر بن عبدالعزيز).
وكان الخلفاء الأمويون يعينون لكل ولاية من هذه الولايات واليًا من
قبلهم، وهو بدوره يختار مساعديه وأعوانه، وكانوا يحرصون فيمن
يقع عليه اختيارهم للإمارة أن يكون من المعروفين بالحزم وحسن
السياسة والقدرة الإدارية، وأن يكون من الأسرة الأموية نفسها، أو
стр. 179
من أكثر الرجال ولاءً وإخلاصًا لها.
وتمتَّع هؤلاء الولاة بسلطات واسعة، مكنَّتهم من التصرف بما يرونه
محققًا لمصالح الدولة والمجتمع، وكانت هذه السياسة التى اتبعها
الأمويون مع ولاتهم مختلفة عن سياسة الخلفاء الراشدين؛ حيث كانت
سلطات ولاتهم مقيَّدة، وحرصوا على الفصل بين السلطات السياسية
والإدارية والعسكرية، وبين السلطات المالية والقضائية، بمعنى أنهم
كانوا يعينون إلى جانب الوالى - الذى يُسمَّى والى الحرب والصلاة-
واليًا لبيت المال يُسمَّى صاحب الخراج، وكان مسئولا أمام الخليفة
مباشرة، حتى لا تمتد أيدى الولاة إلى أموال الدولة، كما كانوا
يعينون القضاة للأقاليم بأنفسهم.
أما فى العصر الأموى، فكان الولاة يشرفون غالبًا على الشئون
المالية، ولاشك أن أسلوب الخلفاء الراشدين كان أسلم وأقوى حرصًا
على المال العام. وإذا شئنا أن نستخدم التعبيرات العصرية فى مجال
الإدارة قلنا إن إدارة الخلفاء الراشدين كانت مركزية، وكان ذلك
مطلوبًا فى ذلك الوقت؛ حيث كانت الدولة فى مرحلة البناء، وكان
الخلفاء الراشدون راغبين فى الاطلاع على كل شىء بأنفسهم، على
حين كان طابع الإدارة الأموية لامركزيا، نظرًا لاتساع الدولة، وبُعد ما
بين الولايات وعاصمة الخلافة فى (دمشق)، ولايعنى هذا أن الولاة
كانوا فى العصر الأموى يفعلون ما يشاءون دون رقابة أو محاسبة
من الخلفاء الذين لم يكونوا يترددون فى عزل أى والٍ مهما تكن
درجة قرابته منهم إذا ثبت أنه أخل بواجبات وظيفته، أو لم يقم بما
هو مكلف به على النحو الأكمل.
وكانت دقة الأمويين فى اختيار ولاتهم هى التى مكنتهم من حكم
هذه الدولة العملاقة وإدارتها وبسط الأمن والنظام فى ربوعها
الممتدة الأطراف، التى ضمت شعوبًا مختلفة الأجناس واللغات
والثقافات والعادات والتقاليد، ومن ثم فإن صهر هذه الشعوب فى
بوتقة واحدة، وإخضاعها لنظام واحد، لم يكن أمرًا سهلا، فى وقت
كانت فيه الخيل هى أسرع وسيلة للمواصلات.
стр. 180
وكان نجاح الأمويين فى إدارة الدولة الإسلامية بوساطة رجالهم -
ومعظمهم كانوا من أفذاذ الرجال- دليلا على عبقرية إدارية، وقدرة
فائقة فى فن الحكم وإدارة البلاد، ومهارة فى سياسة الناس، ولا
يقلل من ذلك أخطاؤهم واتهامات ناقديهم.
أبرز الولاة فى العصر الأموى:
حفل العصر الأموى بالكثير من الأسماء اللامعة التى تألقت فى فن
الحكم والإدارة، ومن أشهر تلك الأسماء: (عمرو بن العاص)، و (المغيرة
بن شعبة)، و (عتبة بن أبى سفيان)، و (مروان بن الحكم)، (ومسلمة بن
مخلد الأنصارى)، و (عقبة بن نافع)، و (عبدالعزيز بن مروان)، و (المهلب
بن أبى صفرة) وأولاده، و (زهير بن قيس البلوى)، و (حسان بن
النعمان الغسانى)، و (مسلمة بن عبدالملك)، و (قتيبة بن مسلم
الباهلى)، و (محمد بن القاسم الثقفى)، و (موسى بن نصير)، وابنه
(عبدالعزيز)، و (طارق بن زياد)، و (قرة بن شريك)، و (عبدالحميد بن
عبدالرحمن)، و (الجراح بن عبدالله الحكمى)، و (عدى بن أرطأة)،
و (السمح بن مالك الخولانى).
كما برز (عمر بن هبيرة)، و (بشر بن صفوان)، و (العباس بن الوليد)،
و (خالد بن عبدالله القسرى)، وأخوه (أسد بن عبدالله)، و (يوسف بن
عمر الثقفى)، و (الجنيد بن عبدالرحمن)، و (أشرس بن عبدالله السلمى)،
و (مروان بن محمد بن مروان)، و (يزيد بن عمر بن هبيرة)، و (نصر بن
سيار).
ثانيًا: النظم فى العصر الأموى:
كان من الطبيعى عندما قامت الدولة الأموية أن يتوسَّع الأمويون فى
إنشاء الأجهزة الإدارية والدواوين؛ لملاءمة تطور الحياة، واتساع
مساحة الدولة الإسلامية المتزايد، وهذه الدواوين تقوم بالأعمال
والاختصاصات التى تقوم بها الوزارات فى الدول المعاصرة، فديوان
الجند الذى أنشأه (عمر بن الخطاب) كان يقوم بالعمل الذى تقوم به
وزارة الدفاع حاليًا، ففيه تُدوَّن أسماء الجند وأعطياتهم - رواتبهم -
ورتبهم العسكرية، وكانت الأسماء تُدوَّن حسب القبائل، حتى تتميز
следующие страницы →