Полный текст (3 483 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.
стр. 1261
بين القتلى ليطعنه بخنجر فيقتله على الفور، ويستشهد فى
ساحة الجهاد، وهو يبلغ من العمر (٦٥) عامًا. عُرف الأمير «مراد
الأول» بالعدل، وبمعاملة رعيته من أهل الذمة معاملة حسنة،
وبكثرة المعارك التى حالفه فيها النصر، حتى إنه دخل (٧٣)
معركة فى «الأناضول» وفى «البلقان» خرج منها جميعًا مظفرًا،
كما أنه تسلم الدولة من أبيه ومساحتها نحو (٥٩٠٠٠كم٢)،
وتركها عند استشهاده وهى تبلغ (٥٠٠٠٠٠ كم٢)، أى أنها
زادت فى مدى (٢٩) سنة أكثر من خمسة أمثالها حين تسلمها من
أبيه.
стр. 1262
* مراد الثانى
أحد سلاطين الدولة العثمانية، تولى عرش السلطنة سنة
٨٢٤هـ=١٤٢١م وعمره (١٧) سنة، وبدأ عهده بعقد هدنة مع ملك
«المجر» لمدة خمس سنوات حتى يتفرغ للأناضول، وبعقد صلح
مع أمير «قرمان»، ثم اتجه «مراد» إلى محاصرة مدينة
«القسطنطينية» سنة (٨٢٥هـ = ١٤٢٢م)، ودام الحصار (٦٤) يومًا،
وكان بحريا وبريا، بجيش قوامه ثلاثون ألف جندى، وكان
احتمال سقوط العاصمة البيزنطية كبيرًا، بعد أن أحدثت القوات
العثمانية أضرارًا بالغة بسور المدينة، غير أن السلطان «مراد»
اضطر إلى رفع الحصار بعد أن جاءته أنباء حدوث فتنة فى
«الأناضول» وعقد الصلح مع «بيزنطة» مقابل أن تدفع جزية
كبيرة سنوية. ثم اتجه «مراد الثانى» إلى تأديب إمارات
«الأناضول» التى تمردت عليه أثناء انشغاله بمحاربة «بيزنطة»
فقضى بصورة نهائية على إمارات «منتشة» و «أيدين»،
و «تسكا» وقلَّص حدود إمارة «جاندار». وفى سنة (٨٢٩ هـ =
١٤٢٦م) اجتاز السلطان «مراد الثانى» على رأس جيشه «نهر
الدانوب» والتقى مع الجيش المجرى، وانتصر عليه، وعقد مع ملك
«المجر» معاهدة تنازل بمقتضاها عن أملاكه فى الضفة اليمنى
لنهر الدانوب، الذى أصبح فاصلا بين أملاك الدولة العثمانية
و «المجر»، ثم فتح «مراد» «سلانيك»، و «يانيا» ونجح فى إلغاء
إمارة «الصرب» تمامًا وأطلق عليها لواء «سمندرة» كما خضعت
«ألبانيا» للدولة العثمانية بعد حروب يسيرة، وعقدت «البندقية»
صلحًا معها. وفى عهد «مراد الثانى» توترت العلاقات بين
المماليك والعثمانيين بسبب إمارتى «قرامان» و «دلقادر» غير
أنه لم يهتم بهذا الأمر بسبب إعلان البابا «أوجينيوس الرابع»
سنة (٨٤٣هـ=١٤٣٩م) عن حملة صليبية ضد الدولة العثمانية بقيادة
القائد المجرى «هونيادى» الذى اتخذ من إخراج العثمانيين من
«البلقان» هدفًا لحياته. وقد تمكن هذا القائد المجرى من هزيمة
عدة جيوش عثمانية، مما اضطر السلطان إلى محاربته بنفسه، ثم
стр. 1263
عقد صلحًا مع «المجر» سنة (٨٤٨هـ = ١٤٤٤م)، أعيد بمقتضاه
تأسيس إمارة «الصرب» على أن تكون تابعة للدولة العثمانية،
ومنطقة عازلة بينها وبين «المجر». ولما شعر السلطان «مراد
الثانى» بالتعب تخلى عن عرشه لابنه «محمد الثانى» الذى عرف
فيما بعد بمحمد الفاتح، وكان عمره آنذاك (٢١) عامًا، فشكل
الأوربيون على الفور حملة عسكرية على الدولة العثمانية،
وشاركت فيها قوات من «المجر» و «قولونية» و «ألمانيا»،
و «فرنسا» و «البندقية» و «بيزنطة» و «بيرجوذريا» وكانت تلك
الحملة بقيادة «هونيادى»، واختير الملك المجرى «لاديسلاس»
قائدًا شرفيا للحملة، وقد نهبت هذه الحملة وهى فى طريقها كل
شىء، حتى الكنائس الأرثوذكسية لم تسلم من أيديهم. وإزاء
هذه التطورات اجتمع مجلس شورى السلطنة العثمانية، وطلب
عودة «مراد الثانى» إلى الحكم مرة أخرى، فعاد وبدأ فى
إعداد جيشه للقاء تلك الحملة الصليبية، فتحرك على رأس جيشه
الضخم الذى بلغ أربعين ألف جندى، والتقى مع تلك الحملة فى
«فارنا» وهى مدينة بلغارية تقع على شاطئ «البحر الأسود»،
ودارت بينهما معركة هائلة عرفت باسم «معركة فارنا» فى (٢٨
من رجب ٨٤٨ هـ = ١٠ من نوفمبر ١٤٤٤م)، وفيها حقق
العثمانيون نصرًا غاليًا، وقتل الملك «لاديسلاس»، وهرب
«هونيادى» من المعركة، وبهذا النصر أيقن الأوربيون صعوبة
طرد العثمانيين من منطقة «البلقان». وقد فرح العالم الإسلامى
بهذا النصر فرحًا شديدًا حتى إن السلطان «جقمق» المملوكى أمر
أن يذكر اسم السلطان «مراد الثانى» مجاملة بعد اسم الخليفة
العباسى فى «القاهرة». لم تستسلم «أوربا» لهذه الهزيمة
فجهزت حملة صليبية أخرى ضمت نحو مائة ألف جندى بقيادة
«هونيادى» والتقت بالعثمانيين بقيادة السلطان «مراد الثانى»
فى صحراء «قوصوه» فى (١٨ من شعبان ٨٥٢هـ=١٧ من أكتوبر
١٤٤٨م)، وانتصر العثمانيون فى هذا اليوم انتصارًا عظيمًا.
стр. 1264
* بايزيد الثانى
هو أحد سلاطين الدولة العثمانية، تولى الحكم بعد أبيه محمد
الفاتح بعد نزاع بينه وبين أخيه «جم»، وكان الأخوان قد اختلفا
بعد وفاة والدهما فى (٤ من ربيع الأول سنة ٨٨٦هـ= ٣ من مايو
سنة ١٤٨١م)، وانتهى الصراع بينهما لصالح «بايزيد»،وفر «جم»
إلى «القاهرة»، ثم إلى «فرنسا»، ثم إلى «إيطاليا»، وقد تكفل
أخوه «بايزيد» بالإنفاق عليه فى كل مكان ذهب إليه، وقد
حاول بابا روما استخدام الأمير «جم» أداة ضغط على الدولة
العثمانية، لكنه لم يعش طويلاً. عُرف «بايزيد» بلقب الولى أو
الصوفى، لأن حروبه ضد «أوربا» لم تكن فى مستوى من
سبقوه فى حكم الدولة العثمانية، لكن كانت له حملات على
«المجر» و «البغدان» و «بلجراد»، كما كانت له معارك فى
«الأناضول»، وصدام مع المماليك، لكن «يحيى الثالث» سلطان
«تونس» قام بالوساطة بين الدولتين. وقامت فى عهده أول حملة
عثمانية فى غربى «البحر المتوسط»، بهدف مساعدة المسلمين
فى «الأندلس»، ودخلت هذه الحملة المياه الإسبانية، واستولت
على ميناء «مالقة» الذى كان الإسبان قد استولوا عليه من
مسلمى «الأندلس» قبل أشهر. وبعد سقوط «غرناطة» فى أيدى
الإسبان سنة (٨٩٧هـ= ١٤٩٢م) انتشر نحو (٣٠٠) ألف مسلم على
سواحل «إسبانيا»، وقد قامت السفن العثمانية بنقل هؤلاء إلى
«فاس» و «الجزائر»، وأنقذتهم من المصير المؤلم الذى تعرَّض له
المسلمون بالداخل، وظلَّت هذه الحملات تتتابع، وقاد أغلبها
«كمال رئيس» نحو (٢٣) سنة حتى استشهد أثناء عودته من حملة
على «إسبانيا» سنة (٩١٧هـ= ١٥١١م). عقد «بايزيد الثانى»
صلحًا مع «أوربا» لمدة عشرين سنة تقريبًا، وكان السبب فى
ذلك انشغال الدولة العثمانية بتحركات الشاه «إسماعيل
الصفوى»، الذى جعل «إيران» دولة شيعية، وكوَّن جيشًا قويا،
ووسع حدوده، وتفوق على المماليك عسكريا واقتصاديا، وعمل
على التوسع على حساب الدولة العثمانية، والتحالف مع «أوربا»
стр. 1265
ضد العثمانيين، وحاول التحالف مع «مصر» ضد الدولة العثمانية،
لكن المماليك فى «مصر» رفضوا ذلك. حدثت مناوشات بين الشاه
«إسماعيل الصفوى» وبين «سليم ابن السلطان بايزيد» والى
«طرابزون»، كان النصر فيها حليف «سليم بن بايزيد»، فأثار
ذلك حفيظة الشاه، فاشتكى إلى السلطان «بايزيد» من ابنه،
فأمر بإعادة الأراضى التى استولى عليها إلى الصفويين. وقد
أدَّى هذا التصرف إلى استياء «سليم بن بايزيد» من والده،
وشكه فى مقدرة والده على التصدى للدولة الصفوية، فقام
بانقلاب على والده، بمساعدة الجنود الإنكشارية، التى سارت
بالأمير «سليم» إلى «إستانبول»، وطلبوا من السلطان «بايزيد»
التنازل عن عرش السلطنة لابنه «سليم»، فقبل واستقال فى يوم
(٨ من صفر سنة ٩١٨ هـ= ٢٥ من أبريل سنة ١٥١٢م).
стр. 1266
* سليمان القانونى
تولى السلطان «سليمان القانونى» عرش الدولة العثمانية بعد
موت والده السلطان «سليم الأول» عام (٩٢٦هـ= ١٥٢٠م) وحكم
الدولة العثمانية مدة ست وأربعين سنة وهى أطول مدة حكم
فيها سلطان عثمانى. كان عهد «القانونى» قمة العهود
العثمانية سواء فى الحركة الجهادية أم فى الناحية المعمارية أو
العلمية أو الأدبية أو العسكرية، وكان هذا السلطان يؤثر فى
السياسة الأوربية تأثيرًا عظيمًا؛ حيث كانت الدولة العثمانية هى
القوة العظمى دوليا فى زمنه، ونعمت بالرخاء والطمأنينة. وفى
(صفر ٩٧٤هـ= سبتمبر ١٥٦٦م) اشتد المرض بالسلطان «سليمان»
وهو يحاصر مدينة «سيكتوار» المجرية، ثم تُوفى فى (٢٠ من
صفر سنة ٩٧٤هـ= ٥ من سبتمبر سنة ١٥٦٦م) بعد أن قضى فى
الحكم ٤٦ عامًا قضاها فى توسيع دولته وإعلاء شأنها، حتى
بلغت فى أيامه أعلى درجات القوة والكمال، وفى وضع النظم
الداخلية للدولة حتى اشتهر بلقب «القانونى».
стр. 1267
* محمود الثانى
وُلد السلطان «محمود» سنة (١١٩٩هـ= ١٧٨٤م)، وتقلد مقاليد
الخلافة العثمانية وهو فى الرابعة والعشرين من عمره، فقلّد
«مصطفى البيرقدار» منصب الصدارة العظمى، وطلب منه إصلاح
نظام «الإنكشارية» فاعترضوا عليه، ووقع الخلاف بينهم وبين
السلطان، وأرادوا إعادة الخليفة «مصطفى الرابع» المعزول،
لكنه قتل وهم يحاصرون الصدر الأعظم فى قصره الذى أحرقوه
وهو بداخله. وقد رأى السلطان «محمود» أن نجاح الإصلاح فى
دولته يجب أن يكون شاملاً لكل النظم العثمانية ومؤثرًا فى
المجتمع، ولا يقتصر على المجال العسكرى، ولذا يجب إزالة
النظم القديمة، حتى لا تعترض طريق الإصلاح، والتخطيط الدقيق
للإصلاح، وإيجاد الضمانات اللازمة التى تكفل نجاحه قبل القيام
به. وقد نجح السلطان «محمود» فى القضاء على فرقة
«الإنكشارية»، التى قامت بالتمرد وإثارة الجماهير ضد
الإجراءات المتصلة بإصلاح الجيش، وبخاصة فيما يتعلق بارتداء
القوات الجديدة للملابس الأوربية، لكن الشعب العثمانى وقف
ضدهم، فى الوقت الذى استعد فيه السلطان «محمود»
لمواجهتهم، مما مكنه من القضاء عليهم تمامًا، وأنشأ جيشًا قويا
يتولى إمرته قائد عام، كان قوامه (١٢٠٠٠) جندى فى العاصمة،
وقوات أخرى فى الولايات. وكما ارتبط التعليم لدى «محمد
على» بالجيش ارتبط بالجيش أيضًا عند «محمود الثانى»، الذى
حاول الاقتداء بواليه الناجح، فأرسل البعثات إلى «أوربا»
لتلقى العلوم العسكرية خاصة، وأنشأ المدارس الحديثة، وعنى
بتعليم اللغتين العربية والفرنسية والجغرافيا، والتاريخ
والرياضيات والعلوم. وحاول السلطان إصلاح أجهزة الدولة
المركزية، فوضع الأوقاف تحت إشرافه، وألغى «التيمارات»،
وضمها إلى أملاك السلطان، وأجرى أول إحصاء للأراضى
العثمانية فى العصر الحديث، وأجرى تحسينات على شبكة
المواصلات، فأنشأ كثيرًا من الطرق الجديدة، وأدخل البرق،
وخطوط السكك الحديدية، كما أنشأ جريدة رسمية للدولة. وبعد
стр. 1268
وفاة السلطان «محمود» سنة ١٢٥٥هـ =١٨٣٩م تولى ابنه «عبد
المجيد» الخلافة وعمره دون الثامنة عشرة.
стр. 1269
* عبد العزيز بن محمود الثانى
ولد فى (١٤ من شعبان ١٢٤٥هـ= ٩ من فبراير ١٨٣٠م)، وتولى
الخلافة بعد وفاة أخيه «عبد المجيد بن السلطان محمود» فى
(١٧ من ذى الحجة ١٢٧٧هـ= ٦ من يونيو ١٨٦١م)، وبعد وفاة
«غالى باشا» و «فؤاد باشا» اللذين توليا منصب الصدر الأعظم
وضيقا على السلطان، مارس السلطان «عبد العزيز» حكمه
الشخصى، فاشتد سخط العثمانيين على ممارسات السلطان
الاستبدادية، وتدخُّل السلطانة «الوالدة باشا» فى شئون الحكم،
وازداد القلق بسبب سوء الأوضاع الاقتصادية، وإعلان إفلاس
الحكومة العثمانية فى أواخر سنة (١٢٩٢هـ= ١٨٧٥م)، وهو
الإفلاس الذى عُزى إلى إسراف «عبد العزيز» وخراب ذمته هو
وحاشيته. وأما المحافظون فقد أرجعوا متاعب الدولة إلى
«التنظيمات» العلمانية، ونفوذ الأجانب، وتدخلهم فى شئون
البلاد، مما أدَّى إلى انتعاش إسلامى، كان من نتيجته التضييق
على المدارس الأجنبية وأعمال المبشرين، وطرد المعلمين
والخبراء الأجانب، كما اشتدت المطالبة بإلغاء الامتيازات
الأجنبية، والوضع الذى كان يتمتع به الأجانب. وساءت أحوال
الدولة الاقتصادية فى أواخر عهد السلطان «عبد العزيز»، بحيث
توقف صرف مرتبات الموظفين - بما فى ذلك العسكريون - لعدة
شهور، ولم يؤدِّ فرض ضرائب جديدة إلى معالجة الأوضاع
المتردية، لهذا سعى «مدحت باشا» إلى تحسين أوضاع الحكومة
بخلع «عبد العزيز» خاصة، ولأنه كان مؤمنًا بأن ولى العهد الأمير
«مراد الخامس» أميل إلى إعلان الدستور. وفى (٦ من جمادى
الأولى سنة١٢٩٣هـ= ٣٠ من مايو سنة ١٨٧٦م) قامت مجموعة
صغيرة من كبار موظفى الحكومة يرأسهم «مدحت باشا» بانقلاب
ضد الخليفة، عززته فتوى شيخ الإسلام، وولى الثائرون السلطان
«مراد الخامس» الذى كان قد اتصل بشباب العثمانيين عدة
سنوات.
стр. 1270
* أيوب بن حبيب البلخى
أحد ولاة الأندلس، تولى الحكم فى (رجب ٩٧هـ = فبراير
٧١٦م)،وهو ابن أخت «موسى بن نصير»، ومن العرب الذين
اشتركوا فى فتح هذه البلاد، ثم استقروا بها، ورأوا أنهم أولى
من غيرهم بحكم الأندلس، ولم تزد ولاية «أيوب» على ستة أشهر
لم يفعل فيها شيئًا يذكر سوى نقله العاصمة من «إشبيلية» إلى
«قرطبة» لأن موقعها أوسط وأقرب إلى منازل جماعات العرب
فى الشرق، والجنوب، والجنوب الشرقى.
стр. 1271
* الحر بن عبدالرحمن الثقفى
أحد ولاة الأندلس، تولى الحكم فى (ذى الحجة٩٨هـ = يوليو
٧١٧م)، ودام حكمه سنتين وثمانية أشهر، استطاع خلالها أن
يقمع المنازعات التى كانت بين العرب والبربر، ويصلح الجيش،
وينظم الإدارة، ويوطد الأمن. وينسب إلى «الحر» إقامته دار
الإمارة فى «قرطبة» فى مواجهة «قنطرة الوادى»، وكانت من
قبل مقرا للحاكم القوطى، فاعتنى بها «الحر» وسمى القصر
والأرض الواسعة أمامه على ضفة النهر «بلاط الحر». وبعد أن
تولى «عمر بن عبدالعزيز» الخلافة عزل «الحر» عن ولاية
الأندلس، لاضطراب النظام فى آخر عهده.
стр. 1272
* السمح بن مالك الخولانى
أحد ولاة الأندلس، تولى الحكم فى سنة (١٠٠هـ = ٧١٩م)، ويعد
من خيرة ولاة «الأندلس»، فضلا وصلاحًا وكفاءة وقدرة؛ حيث
نظم شئون البلاد، وأعاد بناء القنطرة التى كانت مقامة على
الوادى الكبير، وكانت قد تهدَّمت ولم يعد الناس يستطيعون
العبور إلا فى السفن، وكان العرب فى أمسِّ الحاجة إلى قنطرة
متينة يستطيعون العبور إليها من الجنوب إلى عاصمتهم الجديدة،
كما أعاد الأمن والاستقرار إلى البلاد لحسن سياسته، وحمله
الناس على طريق الحق، ورفقه بهم. ولم يكن «السمح بن مالك»
كفءا من الناحية الإدارية فحسب، بل كان أيضًا قائدًا عسكريا
ممتازًا قام بحملة شاملة، اخترقت «جبال البرت» من الشرق،
وسيطر على عدد من القواعد هناك، واستولى على «سبتمانيا»
وأقام حكومة إسلامية بها فى هذا الوقت المبكر، واتخذ من
«أربونة» قاعدة للجهاد وراء «البرت»، وقد استشهد فى
معركة مع النصارى عند «تولوز» فى يوم عرفة من سنة (١٠٢هـ
= ٧٢١م)، فتولى القيادة «عبدالرحمن بن عبدالله الغافقى»،
وأقر واليًا للأندلس حتى يأتى الحاكم الجديد.
стр. 1273
* عبدالرحمن الغافقى
أحد ولاة الأندلس، تولى الحكم مرتين الأولى كانت سنة ١٠٢هـ
=٧٢١م ولم تدم طويلاً، أما الثانية فبدأت فى (صفر ١١٢هـ =
مارس / إبريل ٧٣٠م) وكان «الغافقى» من كبار رجالات الأندلس
عدلاً وصلاحًا، وقدرة وكفاءة، نظَّم شئون البلاد، وأصلح نظم
الحكم والإدارة، وعين أصحاب الكفاءات فى المناصب المختلفة،
وقمع الظلم، ورد إلى النصارى كنائسهم وأملاكهم، وفرض
ضرائب عادلة وعنى بتنظيم الجيش وإصلاحه، وأنشأ فرقًا من
العرب والبربر، وحصن القواعد والثغور الإسلامية، وجمع أعظم
جيش سيره المسلمون إلى فرنسا. وقد استشهد عبد الرحمن
الغافقى فى موقعة بلاط الشهداء سنة ١١٤هـ = ٧٣٢م
стр. 1274
* عبدالملك بن قطن الفهرى
أحد ولاة الأندلس، ولى حكم الأندلس بعد استشهاد «عبد الرحمن
الغافقى» فى موقعة بلاط الشهداء، فعبر إلى الأندلس فى جيش
من جند إفريقية فى أواخر سنة (١١٤هـ = ٧٣٢م) وسار إلى
«أراجون» وهزم الثائرين فى عدة مواقع، ثم عبر جبال البرت
إلى بلاد «البشكنس» سنة (١١٥هـ = ٧٣٣م)، وكانت أشد
المقاطعات الجبلية مراسًا وأكثرها انتفاضًا وثورة، فشتت جندها
وألجأهم إلى طلب الصلح، ثم اضطر بعد ذلك إلى أن يرتد إلى
الجنوب دون أن يتوغل كثيرًا فى أرض العدو، لقلة ما معه من
الجند، ثم سخط عليه الزعماء، ودب خلاف بين القبائل، وأدى
ذلك إلى عزله. ثم أقامى عرب الأندلس «عبد الملك بن قطن» واليًا
عليهم للمرة الثانية سنة ١٢١هـ، فكان عهده بداية عهد من الفتن
والاضطرابات والحروب الأهلية؛ إذ اشتعلت ثورة البربر بسبب
تعصب العرب لبنى جنسهم وتعاليهم على غيرهم، وكان معظم
هؤلاء من «القيسية» الذين يرون أن الدولة الأموية دولتهم، على
حين كان العرب البلدانيون ومعظمهم من «اليمنية» بعيدين عن
هذه النزعة وظل الأمر على هذا النحو حتى عزل عبد الملك فى
(سنة ١٢٤هـ = ٧٤٢م).
стр. 1275
* عقبة بن الحجاج السلولى
أحد ولاة الأندلس، تولى الحكم سنة (١١٦هـ = ٧٣٤م) بعد
«عبدالملك بن قطن» وكان رجلاً عظيمًا مثل «عبد الرحمن
الغافقى»، فنشر العدل ورد المظالم، وأنشأ المساجد ودور العلم
ونظم الجيش، وتوغل فى أراضى «جليقية» شمالى الأندلس،
واهتم بتحصين جميع المواقع الإسلامية، ومنح عناية خاصة لثغر
«أربونة» واتخذه قاعدة للجهاد، وأمد رجاله بالجند والذخيرة.
وكان يخرج للغزو كل عام على مدار خمس سنوات فى الجنوب
والشمال الشرقى من فرنسا، حتى أصبح نهر «الرون» رباط
المسلمين ومعقل فتوحاتهم بعد أن كان الفرنج قد استردوا
مافى أيدى المسلمين، وقد استشهد «عقبة» فى معركة مع
الأعداء سنة (١٢١هـ = ٧٣٩م)، فكان خاتمة الولاة المجاهدين
وراء البرت.
стр. 1276
* أبو الخطار الكلبى
أحد ولاة الأندلس، أرسله والى إفريقية فقدم إلى «الأندلس» فى
(رجب سنة ١٢٥هـ = مايو ٧٤٣م)، وبدأ ولايته بتأمين العرب
البلدانيين والبربر على ممتلكاتهم ومصالحهم، وحال بين
الشاميين وبين إيذائهم، وعمل على القضاء على المنازعات
القبلية بين السكان، ورأى بعد نصيحة ذوى الرأى أن يفرق
الشاميين فى مناطق لايوجد فيها بلدانيون أو يمنيون، ويستقر
كل فريق منهم بناحية ويأخذ ثلث خراج الأرض مقابل أن يقدموا
عددًا معينًا من الجند، كلما طلبت السلطات منهم ذلك، كما تتبع
الزعماء الخارجين وسلك معهم سبيل الحزم، وكان عادلا؛ فَرضى
عنه الجميع. غير أن «أبا الخطار» مالبث أن تخلى عن تلك
السياسة الحكيمة، ومال إلى قومه من اليمنية وتنكر للمُضَرية،
فعادت المعارك بينه وبين خصومه من جديد، وقتل بعضهم بعضًا،
وانفضت عنه جنده، وعمت الفوضى البلاد إلى أن تولى الفهرى.
стр. 1277
* يوسف بن عبدالرحمن الفهرى
أحد ولاة الأندلس، تولى الحكم سنة (١٢٩هـ = ٧٤٧م) دون
مصادقة من إفريقية أو من دمشق التى كانت قد بدأت فترة من
الضعف فلم تتمكن الخلافة من الإشراف على الولايات، واستقلت
الأندلس بشئونها. استقل «يوسف» بولاية الأندلس نحو عشرة
أعوام، واتفق مع «الصميل ابن حاتم» زعيم المضرية على أن
يتداولا السلطة فيما بينهما، لكن الأمور لم تستقر، وتجدد النزاع
بين المضرية واليمنية، ولم تستقر الأوضاع ليوسف إلا بعد مقتل
زعيم اليمنية سنة (١٣٠هـ = ٧٤٨م). وقد حاول «يوسف» إصلاح
الدولة، فنظم شئونها المالية، وقسم البلاد إلى خمس ولايات
إدارية على نحو ماكانت عليه زمن القوط، كما عنى بتنظيم
الجيش وإصلاحه، والقضاء على خصومه، وشغلت الخلافة
بمشاكلها عن الأندلس. ثم ظهر فى شمال البلاد رجل يدعى
«عامر بن عمرو بن وهب العبدرى»، وبدأ يراسل الخليفة
العباسى «أبا جعفر المنصور»، وعين نفسه واليًا على الأندلس،
وأصبح الشمال فى قبضته، وخرج عن سلطان «يوسف» الذى
توجه إلى «سرقسطة»، وحاصرها بشدة سنة (١٣٧هـ = ٧٥٤م)
حتى استسلم «عامر»، ثم اتجه «يوسف» بعد ذلك إلى «طليطلة».
وفى طليطلة جاء رسول من قرطبة بخبر مؤداه أن فتىً من بنى
أمية يدعى «عبدالرحمن بن معاوية» قد نزل فى ثغر المنكب
بالأندلس، واجتمع حوله أشياع بنى أمية فى كورة غرناطة،
وأن دعوته انتشرت بسرعة فى الجنوب، وقد ذاع هذا الخبر فى
جند يوسف فأحدث فزعًا واضطرابًا، وتفرق عنه جنده، فاضطر
هو و «الصميل» بالعودة بمن معهما متوجهين إلى قرطبة؛
لمواجهة هذا الخطر الداهم، وكان ذلك سنة (١٣٨هـ= ٧٥٥م).
стр. 1278
* عبدالرحمن الداخل
هو «عبدالرحمن ابن معاوية بن هشام بن عبدالملك» تمكن من
الوصول إلى الأندلس، بعد أن عبر فلسطين ومصر وكان ذلك بعد
سقوط الدولة الأموية على يد العباسيين، ثم لحق به مولاه «بدر»
وهو رومى الأصل، ومولاه «سالم» ومعهما شىء من المال
والجواهر، ثم وصل «عبدالرحمن» إلى «برقة» والتجأ إلى
أخواله من «بنى نفزة» - من برابرة طرابلس - وأقام عندهم مدة،
ثم غادر إلى المغرب الأقصى، وتجول هناك، متغلبًا على ما
قابله من صعاب، وأقام حينًا عند شيوخ البدو، وحينًا عند بعض
رجال قبيلة زناتة، وكان أثناء ذلك يدرس أحوال الأندلس، ويرقب
الفرصة المناسبة للعبور إليها. وقد اتصل بمعونة مولاه «بدر»،
الذى كان قد نزل بساحل «لبيرة» فى كورة «غرناطة» موطن
أهل «الشام» بموالى خلفاء البيت الأموى والقرشيين عامة،
وبالكلبية اليمنية، خصوم الوالى يوسف الفهرى، ثم عبر
عبدالرحمن إلى الأندلس فى ربيع سنة (١٣٧هـ = ٧٥٤م)، ونزل
بثغر «المنكبّ» لموقعه الممتاز، وقد التف الناس حوله بما فى
ذلك جماعات البربر، على أمل أن ينقذهم من الأوضاع المتردية.
تقدم عبدالرحمن نحو العاصمة «قرطبة»، وجمع «يوسف الفهرى»
و «الصميل» ما أمكنهما من قوات، والتقى الفريقان عند
«المصارة» أو «المسارة» بالطرف الغربى، وتمكن عبد الرحمن
من تحقيق انتصار حاسم، دخل على إثره قرطبة وصلى بالناس
الجمعة، وخطب الجند، وعُد ذلك اليوم ميلادًا للدولة الأموية فى
الأندلس، ولقب «عبدالرحمن بن معاوية» بعبدالرحمن الداخل، لأنه
أول من دخل الأندلس من بنى أمية حاكمًا. ولم يكن عمر
«عبدالرحمن الداخل» حين حقق هذا الإنجاز يتجاوز السادسة
والعشرين من عمره، لكنه كان رجل الموقف، شحذت همته
الخطوب والمحن، وأعدته لحياة النضال والمغامرة، فقضى بقية
عمره اثنين وثلاثين عامًا فى كفاح مستمر، لاينتهى من معركة
إلا ليخوض أخرى، ولايقمع ثورة إلا تلتها ثورة، ولم تبق بالأندلس
стр. 1279
ناحية أو مدينة إلا ثارت عليه، ولاقبيلة إلا نازعته فى الرياسة،
فكانت الأندلس طوال عهده بركانًا يشتعل بنيران الحرب والثورة
والمؤامرة، لكنه صمد لتلك الخطوب جميعًا، واستطاع بما أوتى
من حزم وحسن سياسة وبعد الهمة والجلد والإقدام أن يغالب تلك
الأخطار والقوى وأن يقبض على زمام الأمور بالأندلس بيده
القوية. تُوفِّى عبدالرحمن فى (١٠من جمادى الآخرة ١٧٢هـ = ١٦
من أكتوبر ٧٨٨م) بعد حياة طويلة قضاها فى كفاح متواصل،
ومواجهة للصعاب والأهوال، وأقام ملكًا ودولة فوق بركان
يضطرم بالثورات والمؤامرة، وأثبت أنه بطل فريد من أبطال
التاريخ، لا يجود الزمان بمثله كثيرًا، فتى شريدًا بلا أنصار
وأعوان يفر من الموت الذى تعرضت له أسرته، لكنه يستغل
ظروف الأندلس فيقودها بكثير من الدهاء والحزم والعزيمة
والذكاء، ويقيم دولة على أسس إدارية وسياسية ومالية ثابتة.
стр. 1280
* هشام الأول
خلف «هشام» أباه «عبدالرحمن الداخل» سنة ١٧٢هـ = ٧٨٨م
على حكم الأندلس، وكان أبوه قد اختاره لا لأنه أكبر أبنائه، بل
لما توسَّمه فيه من المزايا الخاصة، وقد أبدى «هشام» لينًا
وورعًا، وحسن سياسة، وبصرًا بالأمور، فجذب الناس إليه
بإقامته للحق وتحريه للعدل، ومعاقبته للولاة المقصرين. ولم
يعكر صفو أيام «هشام» إلا اشتعال بعض الثورات، منها: الثورة
التى قام بها أخواه «سليمان» و «عبدالملك»، وانتهت بالصلح
سنة (١٧٤هـ = ٧٩٠م) على أن يقيما بعدوة المغرب، كما قاد
حملة على نصارى الشمال الذين أغاروا على البلاد، فنجح فى
القضاء عليهم سنة (١٧٥هـ = ٧٩١م) ثم تكررت حملاته عليهم،
حتى قضى على محاولاتهم التى استهدفت التوسع جنوبًا. وأهم
ما يتميز به عهد «هشام» ذيوع مذهب الإمام «مالك بن أنس»،
وحلوله محل مذهب الأوزاعى إمام أهل الشام الذى اتبعه
الأندلسيون، وكان الإمام مالك معاصرًا لهشام بن عبدالرحمن،
كثير الثناء عليه، وقد وفد بعض الأندلسيين إلى المشرق
وتتلمذوا على الإمام مالك، أمثال: الغازى بن قيس، وزياد بن
عبدالرحمن المعروف بشيطون، وغيرهما، فلما عادوا إلى الأندلس
رحَّب بهم هشام، وسمح لهم بتدريس مذهب «مالك»، وأخذ
القضاة يصدرون أحكامهم بناءً عليه، واتخذ منهم هشام كبار
قضاته ومستشاريه، وشيئًا فشيئًا أصبح المذهب المالكى هو
المذهب الرسمى للدولة. ويكاد يجمع المؤرخون على أن
«هشاماً» كان رقيقًا تقيا، صارمًا فى الحق، محبا للجهاد، أنفق
كثيرًا من الأموال فى فداء الأسرى، كما كان شغوفًا بالإصلاح
والتعمير، فأتم بناء مسجد قرطبة الجامع، وأنشأ مساجد
أخرى، وزين «قرطبة» بكثير من الحدائق والمبانى، وجدَّد
قنطرة قرطبة التى بناها «السمح بن مالك»، ونظَّم وسائل الرى،
وجلب إلى الأندلس الأشجار والبذور. وكان هشام يحب مجالس
العلم والأدب، وبخاصة مجالس الفقه والحديث، فقرَّب إليه الفقهاء
стр. 1281
والعلماء، وبوَّأهم أهم المناصب، خلافًا لما كان عليه زمن والده،
وقد ترتب على ذلك نتائج سياسية واجتماعية ظهرت فيما بعد.
стр. 1282
* هشام بن عبد الرحمن الداخل
خلف «هشام» أباه «عبدالرحمن الداخل» سنة ١٧٢هـ = ٧٨٨م
على حكم الأندلس، وكان أبوه قد اختاره لا لأنه أكبر أبنائه، بل
لما توسَّمه فيه من المزايا الخاصة، وقد أبدى «هشام» لينًا
وورعًا، وحسن سياسة، وبصرًا بالأمور، فجذب الناس إليه
بإقامته للحق وتحريه للعدل، ومعاقبته للولاة المقصرين. ولم
يعكر صفو أيام «هشام» إلا اشتعال بعض الثورات، منها: الثورة
التى قام بها أخواه «سليمان» و «عبدالملك»، وانتهت بالصلح
سنة (١٧٤هـ = ٧٩٠م) على أن يقيما بعدوة المغرب، كما قاد
حملة على نصارى الشمال الذين أغاروا على البلاد، فنجح فى
القضاء عليهم سنة (١٧٥هـ = ٧٩١م) ثم تكررت حملاته عليهم،
حتى قضى على محاولاتهم التى استهدفت التوسع جنوبًا. وأهم
ما يتميز به عهد «هشام» ذيوع مذهب الإمام «مالك بن أنس»،
وحلوله محل مذهب الأوزاعى إمام أهل الشام الذى اتبعه
الأندلسيون، وكان الإمام مالك معاصرًا لهشام بن عبدالرحمن،
كثير الثناء عليه، وقد وفد بعض الأندلسيين إلى المشرق
وتتلمذوا على الإمام مالك، أمثال: الغازى بن قيس، وزياد بن
عبدالرحمن المعروف بشيطون، وغيرهما، فلما عادوا إلى الأندلس
رحَّب بهم هشام، وسمح لهم بتدريس مذهب «مالك»، وأخذ
القضاة يصدرون أحكامهم بناءً عليه، واتخذ منهم هشام كبار
قضاته ومستشاريه، وشيئًا فشيئًا أصبح المذهب المالكى هو
المذهب الرسمى للدولة. ويكاد يجمع المؤرخون على أن
«هشاماً» كان رقيقًا تقيا، صارمًا فى الحق، محبا للجهاد، أنفق
كثيرًا من الأموال فى فداء الأسرى، كما كان شغوفًا بالإصلاح
والتعمير، فأتم بناء مسجد قرطبة الجامع، وأنشأ مساجد
أخرى، وزين «قرطبة» بكثير من الحدائق والمبانى، وجدَّد
قنطرة قرطبة التى بناها «السمح بن مالك»، ونظَّم وسائل الرى،
وجلب إلى الأندلس الأشجار والبذور. وكان هشام يحب مجالس
العلم والأدب، وبخاصة مجالس الفقه والحديث، فقرَّب إليه الفقهاء
стр. 1283
والعلماء، وبوَّأهم أهم المناصب، خلافًا لما كان عليه زمن والده،
وقد ترتب على ذلك نتائج سياسية واجتماعية ظهرت فيما بعد.
стр. 1284
* الحكم الأول بن هشام
أحد حكام الأندلس فى فترة الإمارة الأموية، تولى الحكم سنة
(١٨٠هـ = ٧٩٦م) بعد أبيه هشام بن عبد الرحمن الداخل. بدأ عهده
بالجهاد ضد البشكنس (ثافارا)، لكنه اضطر إلى تركه لمواجهة
الثورات التى اشتعلت ضده فى الثغر الأعلى سنة (١٨١هـ =
٧٩٧م)، وكان عمَّاه «سليمان» و «عبدالله» قد أتيا إليها سرا
واتصلا بملك الفرنج وطلبا مساعدتهما، ولما علم «الحكم» سار
بجيوشه إلى الشمال، فاضطر الفرنج إلى الانسحاب، فأحكم
سيطرته على هذه المناطق، وفى هذه الآونة حاول عمَّاه
الإغارة على قرطبة، فعاد الحكم وهزمهما، وقتل «سليمان»،
على حين فرَّ «عبد الله» إلى «بلنسية» والتزم الهدوء طوال فترة
الحكم. ولم يكن الحكم الربضى كأبيه محبا للعلماء والفقهاء،
فتراجعت مكانتهم فى زمنه وآثر عليهم حضور مجالس الإماء
والشعراء، وانصرف إلى حياة اللهو والصيد. ويُعدُّ الحكم أول من
أظهر هيبة الملك بالأندلس وفخامته، ورتَّب للبلاط نظمه ورسومه،
واستكثر من الموالى، فظهر «الصقالبة» بكثرة فى بلاطه،
وأسند إليهم معظم شئون الحكم والحرس الخاص، ووصل بهم إلى
مراتب القيادة والرياسة، كما كانت له شرطة قوية وعيون على
الناس. وضمَّت حكومته شخصيات بارزة فى تاريخ الأندلس، منهم:
«ابن مغيث» الذى تولَّى حجابته، واستحدث منصبًا يهتم بشئون
أهل الذمة، سمَّى شاغله بالقومس أو «القمط». وعلى الرغم من
اشتعال الفتن والثورات فى عهد الحكم، فقد ازدهرت العلوم
والآداب ونبغ عدد كبير من الكتاب والشعراء والعلماء، منهم
«عباس بن ناصح الثقفى»، وابنه «عبدالوهاب»، و «أبو القاسم
عباس بن فرناس»، و «يحيى الغزال». فى أواخر عهد الحكم
اشتعلت فى «قرطبة» ثورة عنيفة سميت ثورة الربض، بسبب
كراهية «المولِّدين» للحاكم، وبغضهم له لصرامته وقسوته،
واتهامهم له بممارسة اللهو والشراب، والمبالغة فى فرض
الضرائب، وعلى الرغم من نجاح «الحكم» فى القضاء على هذه
стр. 1285
الحركة الثائرة، فإن أهل «قرطبة» تضاعفت كراهيتهم له، وزاد
من نفورهم منه ما فرض عليهم من ضرائب. مرض الحكم بعد ذلك،
وأخذ البيعة لولى عهده فى حياته، وأبدى أسفه لما وقع منه
لأهل الربض، ثم مات فى (٢٦ من ذى الحجة ٢٠٦هـ = ٢٢ من مايو
٨٢٢م) بعد أن لُقِّب بالربضى، نسبة إلى ماقام به من أعمال
شنيعة فى منطقة الربض الجنوبى.
стр. 1286
* عبدالرحمن الأوسط
أحد حكام الأندلس فى فترة الإمارة الأموية، تولى الحكم فى (٢٧
من ذى الحجة ٢٠٦هـ = ٨٢٢م) بعهد من أبيه الحكم بن هشام
الربضى؛ وسمى عبد الرحمن الثانى لأنه حكم بعد جده عبد
الرحمن الداخل. وكان «عبدالرحمن» منذ صغره شغوفًا بدراسة
الأدب والحديث والفقه، ذا عقل مستنير، خبيرًا بشئون الحرب
والسياسة، هادئ الطباع، حسن العشرة، متقربًا إلى الناس،
حازمًا فى أمره، ولهذا كان مؤهلاً لإزالة ما خلفته إمارة أبيه
الحكم من آثار سيئة. وقد واجه «عبدالرحمن» فى أول ولايته
سنة (٢٠٧هـ = ٨٢٣م) ثورة فى «بلنسية» دامت عدة سنوات، ولم
تنته إلا فى سنة (٢١٣هـ = ٨٢٨م) حيث نجح فى القضاء عليها
وإخماد فتنتها، كما واجه ثورة فى قرطبة نجح فى القضاء
عليها أيضًا. استأنف «عبدالرحمن الثانى» برنامجه فى الجهاد
مبكرًا، فأرسل فى سنة (٢٠٨هـ = ٨٢٣م) حملة عسكرية بقيادة
«عبدالكريم بن عبدالواحد بن مغيث» إلى «ألبة والقلاع» بعد أن
أغار ملك جليقية (ليون) على مدينة سالم فى الثغر الأعلى، وقد
نجحت الحملة فى إلحاق الهزيمة بالنصارى فى عدة مواقع،
وخربت مدينة «ليون» وأحرقت حصونها، وأطلقت سراح
المسلمين، وألزمت القوات المعتدية بدفع جزية كبيرة وعادت
الحملة بقيادة «عبدالكريم» إلى قرطبة مثقلة بالغنائم، وكانت
تلك آخر غزوات هذا القائد المظفر الذى استمر يدافع عن الأندلس
فى ميادين القتال أكثر من ثلاثين سنة؛ حيث توفى فى سنة
(٢٠٩هـ = ٨٢٤م) ثم تعرَّضت البلاد لعدد من الثورات والفتن
والقلاقل فى «طليطلة» و «ماردة» دامت سنوات طوال،
واستنفدت كثيرًا من الجهد والمال وإراقة الدماء حتى تمكن
«عبدالرحمن» من القضاء عليها. عاود «عبدالرحمن» نشاط
الجهاد، فبدأ يرسل الصوائف كل عام إلى الشمال تارة إلى
أطراف الثغر الأعلى لتشتبك مع الفرنجة، وتارة إلى «ألبة
والقلاع» حيث تغير على بلاب البشكنس وأطراف مملكة جليقية
стр. 1287
(ليون)، وكان أحيانا يقود تلك الصوائف، مثلما فعل سنة (٢٢٨هـ
= ٨٤٣م) حيث سار بجيشه إلى الشمال، وزحف على بلاد
البشكنس، وألحق بملكها الهزيمة، واضطر إلى طلب الأمان، وعاد
عبدالرحمن إلى قرطبة بعد أن وطد نفوذه هناك، وفرض هيبته
وقوته على البشكنس، حتى لايتجرءوا على مهاجمة أراضى
المسلمين مرة أخرى. وقد حرص «عبدالرحمن» على موالاة
إرسال الصوائف فى كل عام إلى الحدود الشمالية مما يلى
«طليطلة» شمالا، لأن الصراع هناك كان شديدًا، ولأن أهل طليطلة
كانوا يستنجدون بالإمارات النصرانية فى منازعاتهم مع الإمارة
الأندلسية، ويستنجدون أيضًا بنصارى الشمال وبخاصة ملوك
ليون. ظهرت آثار الرخاء وترف الحضارة فى عهد عبدالرحمن
فيما بناه الناس من قصور جميلة، تم تزيينها بالأثاث الفاخر
والفرش الوثيرة، والجوارى الحسان اللاتى جلبن من المشرق،
وانتشرت فى قرطبة البيوت المحاطة بالحدائق المزدانة بالأشجار
وأطلقوا عليها اسم «المنى»، وتوسَّع بعض الأغنياء فى الحدائق
المحيطة بهذه المنازل حتى أصبحت رياضًا، أطلق عليها اسم
«الجور»، وفى كل منها مكان معد لغناء المغنيات. وامتاز عهد
عبدالرحمن بالأمن والسكينة. وازدهار الصناعة والزراعة
والتجارة، وازدياد موارد الدولة التى بلغت نحو مليون دينار
سنويا مكنت الأمير من الإنفاق على الحملات العسكرية وإقامة
المنشآت العامة، كما أشرفت الحكومة المركزية على أعمال
الحكام من خلال ديوان المظالم المختص بالنظر فى شكاوى الناس
من تصرفات بعض رجال الحكومة. ونالت إقامة المبانى
والمنشآت قسطًا عظيمًا من عناية «عبدالرحمن الأوسط»، فبنى
مسجد إشبيلية الجامع، وزاد فى المسجد الجامع بقرطبة قدر
بهوين كبيرين من ناحية القبلة، ونقل المحراب إلى الجزء الجديد،
وأقام أعمدة أخرى، وأقواسًا فوق الأعمدة الأصلية، فكانت
الأقواس المزدوجة التى يعدها المعماريون من روائع العمارة
الإسلامية، وكان صحن المسجد مكشوفًا يدور حوله سور، وتزرع
стр. 1288
فيه أشجار النارنج، ولهذا سُمِّى بهو النارنج، وهو الآن صحن
الكنيسة. ولايزال مسجد قرطبة الجامع باقيًا حتى اليوم بكل
عقوده الإسلامية وأروقته ومحاريبه، وقد تحوَّل إلى كاتدرائية
فى القرن السادس عشر الميلادى، وأقام المسيحيون هياكلهم
فى عقوده الجانبية، وبنوا مصلى على شكل صليب فى وسطه،
وأزالوا كثيرًا من قباب المسجد وزخارفه الإسلامية، وجعلوا
مكانها زخارف نصرانية، وعلى الرغم من ذلك فإن آيات القرآن
الكريم، والنقوش الإسلامية لاتزال تزين محاريبه الفخمة وأبوابه.
توفى «عبدالرحمن» فى (٣ من ربيع الآخر ٢٣٨هـ = ٢٣ من
سبتمبر ٨٥٢م) عن عمر يناهز (٦٢) سنة، بعد أن حكم البلاد أكثر
من إحدى وثلاثين سنة، عدت من أزهى سنوات الحكم الإسلامى
فى الأندلس، فقد عاش الناس فى رخاء وعم الهدوء والاستقرار
البلاد، وقام الحكم على أسس من العدالة والنظام.
стр. 1289
* محمد بن عبدالرحمن الأوسط
أحد حكام الأندلس فى فترة الإمارة الأموية، تولى الحكم فى
(٤من ربيع الآخر ٢٣٨هـ = ٢٤ من سبتمبر ٨٥٢م)، وقدر له أن
يقضى فترة حكمه فى إخماد الثورات ومواجهة أعداء دولته من
النصارى ومحاولة قمع ثورة عمر بن حفصون. عُنى الأمير محمد
بالجيش بسبب الظروف التى عاشتها الإمارة فى زمنه، وكان
حريصًا على فرض أعداد من الفرسان على كل ناحية أندلسية
تحشد دائمًا للصوائف، وهؤلاء كانوا يسمون «الفرسان
المستقرين» يضاف إليهم حشود المستنفرة والمتطوعة، مما يدل
على ضخامة الجيش الذى كانت الإمارة تستطيع تعبئته. كما عنى
بالأسطول لحماية الشواطئ الغربية من ناحية، وغزو مملكة
«جليقية» من ناحية أخرى، واهتم بتحصين أطراف الثغور، وأقام
قلاعًا منيعة؛ لحماية مدينة «سالم» و «طليطلة»، وبنى حصونًا
فى «طلمنكة» و «مجريط» بمنطقة وادى الحجارة. أما من ناحية
سياسته الخارجية فقد جمعته مع أمراء المغرب المعاصرين علاقة
صداقة متينة خاصة «بنى رستم» فى «تيهرت» و «بنى مدرار»
فى «سجلماسة»، وكان يشاورهم فى أموره ويهتم بأخبارهم
ويستنصحهم، وتتردد الكتب والرسل بينه وبين هذه الدول بهدف
متابعة أخبار «بنى العباس» وأعمالهم فى إفريقية وبلاد الشام.
كذلك قامت علاقة صداقة بين الأمير «محمد» وملك «فرنسا»
وتبادلا الرسائل والهدايا. أما من الناحية المالية فقد خفَّف
الضرائب على المواطنين رغم حاجته إلى المال للإنفاق على
الجهاد والقضاء على الثورات المستمرة، وكان يكتفى من أهل
«قرطبة» بجهادهم ولايكلفهم أعباء مالية، وكان الأمير «محمد»
بارعًا فى مراجعة الحسابات وموازنة الدخل والخرج، وقد
ساعده هذا الضبط للأمور المالية على مواجهة بعض المحن
الطبيعية التى تعرضت لها الإمارة فى زمنه. وعلى الرغم من أن
أحداث فترة حكم الأمير «محمد» لم تتح له فرصة كبيرة للقيام
بأعمال إنشائية، فإنه أولى للمسجد الجامع فى قرطبة اهتمامًا
стр. 1290
كبيرًا، فأتم الزيادة التى بدأها أبوه فى وسط الجامع وأقام
فيه المقصورة، وكان أول من اتخذها، وأصلح القسم القديم
الذى بناه جده «الداخل» وجدده، كما أصلح جوامع «استجة»
و «شذونة» وغيرها .. وأضاف زيادات لقصر الإمارة، وجدد «منية
الرصافة» واستجلب لها الأشجار النادرة واتخذها متنزهًا، وأنشأ
منية خاصة جنوب غربى قرطبة أسماها «منية كنتش» جعلها
متنزهًا له كذلك. وتوفى الأمير محمد سنة ٢٧٣هـ = ٨٨٦م
стр. 1291
* المنذر بن محمد
أحد حكام الأندلس فى فترة الإمارة الأموية، تولى الحكم فى
(٢٧٣هـ = ٨٨٦م) خلفاً لأبيه محمد بن عبد الرحمن الأوسط، وكان
«المنذر» ولى عهده ومحل ثقته، وفارسًا شجاعًا، وقائدًا متميزًا
اعتمد عليه أبوه كثيرًا فى مواجهة المشاكل ومحاربة العصاة
وقيادة الحملات. وفى أول ولاية «المنذر» عادت «طليطلة» إلى
الثورة كعادتها، وانضم إلى أهلها كثير من البربر، فأرسل
الأمير حملة قضت على الثورة وقتلت الألوف، وفى العام نفسه
قام حاكم الثغر الأعلى بغزو «ألبة والقلاع» ودخل فى حرب ضد
النصارى وهزمهم، لكن أعظم ماكان يشغل «المنذر» هو القضاء
على «ابن حفصون»، بعد أن استفحل خطره وانتشر سلطانه فى
نواحٍ كثيرة وانضم إليه المغامرون والثائرون والعصاة فى كل
الأندلس. وكان «ابن حفصون» صاحب دعوة سياسية تبغض العرب
والبربر معًا، وعنده نزعة إلى الاستقلال والتحرر؛ لأن العرب
حملوا الناس فوق طاقتهم وزادوهم رهقًا وهو إنما قام ليثأر لهم،
وقد لقيت دعوته استجابة لدى سكان المناطق الجبلية خاصة،
وكان الرجل متواضعًا يكرم الشجعان، فساعد ذلك على التفافهم
حوله. وقد أرسل «المنذر» بعض قواته، فاستردت قسمًا من
الحصون التى كان «ابن حفصون» قد سيطر عليها، وفى ربيع
(٢٧٤هـ = ٨٨٧م) خرج «المنذر» بنفسه مصممًا على القضاء على
«ابن حفصون» واجتثاث ثورته من جذورها، وقد نجح فى فتح
بعض الحصون، وأسر بعض أعوان ذلك الثائر، وبعث بهم إلى
قرطبة حيث صلبوا، بينما بقى «ابن حفصون» ممتنعًا بجبال
«بيشتر». ولما شدد «المنذر» حصاره وقطع كل علاقات «ابن
حفصون» بالخارج، لجأ «ابن حفصون» إلى الحيلة والخديعة
وطلب الصلح على أن يسير ومعه أهله وولده إلى «قرطبة»
فوافق الأمير وبعث إليه فى قلاعه بكل ما طلبه من الأدوات
ووسائل النقل، وتم رفع الحصار، وعاد الأمير بجيشه إلى
قرطبة. ولما لم يكن «ابن حفصون» وفيا؛ فقد هرب فى جنح
стр. 1292
الظلام وامتنع مرة أخرى بجبال «بيشتر» مستفيدًا بما حصل عليه
من زادٍ وأقوات وإمدادات، فاشتد غضب الأمير ورجع لمحاصرته،
وأصر على عدم العودة إلى «قرطبة» إلا بعد القبض على «ابن
حفصون» حيا أو ميتًا، ودام الحصار ثلاثة وأربعين يومًا بعدها
مرض «المنذر»، وطلب من أخيه «عبدالله» أن يحضر؛ لينوب عنه
فى متابعة الحصار، ثم مات تحت أسوار «بيشتر» بعد حكم لم
يستمر أكثر من عامين وكان موته فى (صفر ٢٧٥هـ = يونيو
٨٨٨م)، وتم رفع الحصار، وعاد الجيش إلى «قرطبة»
стр. 1293
* عبدالله بن محمد
أحد حكام الأندلس فى فترة الإمارة الأموية، تولى الحكم فى
(٢٧٥ هـ = ٨٨٨م) وما كاد يتولَّى الحكم حتى قامت الثورات ضده
فى المناطق الجبلية، بل تجاوزت ذلك إلى المدن والقواعد
الكبرى، ولم تعد تقتصر على القادة من المولدين بل تجاوزتهم
إلى العرب أنفسهم، وبرز العنصر البربرى واعتصم كثير من
زعمائه فى الحصون النائية، وتنوعت المعارك وتعددت بين
العرب والمولدين وبين العرب والبربر، وبين العرب أنفسهم
بعضهم ضد بعض، وأعلن بعض زعماء العرب استقلالهم فى
«جيان» «البيرة» و «لورقة» و «مدينة سالم»، وغيرها. واستقل
زعماء البربر فى «الثغر الأعلى» و «بطليوس» و «مرسية» وبعض
مناطق «جيان» وغيرها، وأضحت «إشبيلية» مسرحًا لقتال مرير
بين العرب والبربر، ونشر «ابن حفصون» سلطانه فى أغلب
النواحى الجنوبية القريبة. ويجدر بالذكر أن سلطة الأمير
الأندلسى لم تنكمش كما انكمشت فى عهد الأمير «عبدالله»، فلم
تتجاوز سيطرته أحيانًا قرطبة وضواحيها وقضى خمسة
وعشرين عامًا هى مدة حكمه فى كفاح وصراع دائمين بهدف
حماية الدولة والحكم الأموى من الانهيار، وقد نجحت جهوده فى
تفرقة الثوار والسيطرة على بعض القواعد والحصون المهمة،
وفى استمالة بعض الزعماء من ذوى النفوذ، وكان ذلك معاونًا
للأمير عبدالرحمن الناصر فيما تحقق من نتائج فيما بعض. ومن
الطبيعى فى ظل هذه الفتن الدائمة ألا يتمكن الأمير «عبدالله»
من القيام بغارات ضد النصارى بسبب انشغاله بمحاربة الثائرين
والمتمردين، ولم يقم النصارى من جانبهم بأية محاولة ضد
الأراضى الإسلامية غير أن ملك ليون (جليقية) حاول إشعال الفتنة
بين المسلمين وتشجيع الثوار وعلى رأسهم «ابن حفصون» على
العمل ضد حكومة قرطبة. ومن الحوادث البارزة فى زمن الأمير
«عبدالله» فتح جزر «البليار» أو الجزائر الشرقية، ومن المعروف
أن «عبدالرحمن الأوسط» كان قد أرسل حملة إلى «ميورقة»
стр. 1294
فلما كانت سنة (٢٩٠هـ = ٩٠٣م) سارت إليها قوة بحرية من
المجاهدين يقودها «عصام الخولانى»، وقامت بمحاصرتها حتى
تم فتحها، وتولى القائد إمارتها، ومنذ ذلك الحين وهى جزء من
الدولة الإسلامية. وكان من الطبيعى أيضًا ألا يتسع عهد الأمير
«عبدالله» للأمور الإنشائية ولايذكر له فى هذا المجال إلا
«الساباط» الموصل بين القصر والمسجد الجامع وهو ممر مسقوف
مبنى فوق عقد كبير يفضى من القصر إلى الجامع ويتصل به
قريبًا من المحراب. كان الأمير «عبدالله» عالمًا أديبًا شاعرًا
فصيحًا يتصف بالتواضع والجود والبر بالفقراء، حريصًا على رفع
الظلم والتخفيف من معاناة الشعب، وقد خصص يومًا من كل
أسبوع للفقراء، كما أقام بابًا حديديا أسماه «باب العدل» تقدم
عنده الشكاوى والتظلمات، وكان صارمًا عنيفًا مع الطغاة،
فشاع العدل فى زمنه، وقد آثر الاحتشام والتقشف فى حياته
الخاصة. وقد تولى الحجابة له «عبدالرحمن بن أمية بن شهيد»،
ثم «سعيد بن محمد بن السليم» ثم عزله ولم يولِّ أحدًا، واكتفى
بالوزراء والكتاب، وبرز من بينهم بدر الخصى الصقلبى. وقد
اعتمد - بالإضافة إلى العرب والبربر - على الموالى والفتيان،
وقدَّم الموالى الشاميين على البلدانيين كما فعل أبوه. وقد جرى
حادث مؤسف داخل الأسرة الأموية يتمثل فى قتل الأمير
«عبدالله» لولده «محمد» لاتهامه بالتواطؤ مع الثوار لكنه ندم
على ذلك، وتحول ندمه، إلى عطفٍ وبر بطفل للقتيل لم يكن قد
تجاوز عمره أسابيع ثلاثة عند مقتل أبيه فعنى بتربيته وتعليمه
وجعله موضع سره، وشاء الله أن يتولى هذا الطفل أمر الأندلس
بعد جده ويصبح أعظم حكامها على الإطلاق. وقد توفى الأمير
«عبدالله» فى (أول ربيع الأول سنة ٣٠٠هـ = ٩١٢م).
стр. 1295
* عبد الرحمن الناصر
هو عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله الملقب بالناصر، تولى حكم
الأندلس فى (ربيع الأول سنة ٣٠٠هـ = أكتوبر ٩١٢م) بعد أن
بايعه الجميع بنفس راضية فى المجلس الكامل بقصر قرطبة مع
وجود كثير من أعمامه، لكن «عبدالرحمن» اكتسب محبة الناس
بحسن أخلاقه وتوسطه بين الأمراء وأهل الدولة وبين جده فنال
محبتهم وولاءهم، وكان عليه أن ينهض بمهمة ثقيلة، فقد تعرضت
الإمارة للثورات من كل ناحية حتى أصبحت لايحسد عليها
صاحبها، ولعل هذا أحد الأسباب التى جعلت أعمام «عبدالرحمن»
ينصرفون عن منافسته، لشعورهم بعظم المسئولية التى تنتظر
من يتولى الإمارة. وقد نجح عبد الرحمن الناصر فى القضاء على
ثورة عمر بن حفصون وتوحيد الأندلس التى تنازعتها الفتن
والثورات لفترات طويلة، كما نجح فى غزو إمارات النصارى فى
الشمال وتأمين البلاد من أخطارهم. عندما تولى الناصر، وجد أن
هناك دولة فاطمية قامت فى بلاد الشمال الإفريقى، ووصل
نفوذها إلى شواطئ المغرب الأقصى، وقد اتخذ حكامها
لأنفسهم لقب الخلافة وسماتها، وإذا كان هو قد نهض بالدولة
ووطد سلطان بنى أمية فى كل الأندلس فلماذا لايكون من حقه
لقب خليفة؟ لذلك أصدر أمرًا بذلك فى يوم الجمعة مستهل (ذى
الحجة سنة ٣١٦هـ = أوائل ٩٢٩م) وأصبح عبدالرحمن الثالث يلقب
بالخليفة أمير المؤمنين الناصر لدين الله، وقد أرسلت نسخ من
هذا الإعلان إلى إفريقية والمغرب، وبذلك أصبحت الخلافة الأموية
مساوية للخلافة العباسية، ويناط بها رعاية شئون المسلمين،
وتولية أمر الإسلام فى الجناح الغربى من العالم الإسلامى. ورغم
ميل الناصر إلى الاستبداد فإنه لم يعرف عنه أنه كان ظالمًا، ولم
تذكر المصادر أنه قتل وزيرًا أو صادر مالا أو اعتدى على حق
لأحد أو بالغ فى عقوبة، وربما كان الوحيد بين خلفاء المسلمين
بالأندلس فيما يتعلق بتصرفاته فى الخلافة وسلوكه بما يتفق مع
стр. 1296
مكارم الأخلاق ومبادئ الإسلام، وبهذه الأخلاق والوفاء استطاع
الناصر بعد عشر سنوات من حكمه أن يعيد النظام والهدوء
والوحدة والأمان إلى دولته الواسعة، كما منح أمانات لبيوتات
الثغر الأعلى من أمثال: بنى هاشم وبنى قسى وبنى الطويل
واستفاد بهم وبما تميزوا به من شجاعة فى حروبه، ونجح فى
تحويل ملوك إسبانيا النصرانية إلى أتباع له أو حلفاء. ويذكر
للناصر أنه بنى مدينة الزهراء التى بدأ العمل بها فى أول
المحرم سنة ٣٢٥هـ = نوفمبر ٩٣٦م، وتولى الإشراف على بنائها
«الحكم» ولى العهد، وحشد لها أشهر المهندسين والصناع
والفنانين من سائر الأنحاء ولاسيما القسطنطينية وبغداد، وجلب
لها الرخام بألوانه من «المرية» و «رية»، ومن قرطاجنة إفريقية
وتونس والشام، وجلب لها (٤٣٢٤) سارية من الرخام واشتغل فى
بنائها يوميا عشرة آلاف رجل، و (١٥٠٠) دابة، واستخدمت من
الصخر المنحوت ستة آلاف صخرة فى اليوم، وقدرت النفقة على
بنائها ب ٣٠٠ ألف دينار سنويا بخلاف ما أنفق فى عهد الحكم،
كما أمر الناصر بإضافة زيادة ثالثة إلى المسجد الجامع فى
قرطبة سنة (٣٤٦ هـ = ٩٥٧م)، وقد ضاعفت هذه الزيادة حجم
المسجد فى الاتجاه الجنوبى، وقد تم بناء الزيادة على طراز
بقية المسجد نفسه من حيث الأقواس ومواد البناء. وعُد محراب
هذه الزيادة فى المسجد آية من آيات الفن الأندلسى ذلك أنه ليس
محرابًا بل غرفة من الرخام سقفها قطعة واحدة منه فى هيئة
محراب، ووسط هذا المحراب كرسى يوضع عليه المصحف الشريف
يستخدمه القارئ فى تلاوة القرآن الكريم قبل الصلوات. وقد
اهتم الناصر بالجيش وجمع له الجند من أنحاء المغرب والأندلس،
واستكثر من الأسلحة، وأمده بمجموعة من أمهر القادة، وتولى
القيادة بنفسه أحيانًا. كما عنى بالأسطول واهتم بإصلاح
وحداته، وأنشأ به وحدات جديدة، وكانت «المرية» هى مركز
الأسطول الرئيسى وبها دار الصناعة، وقد ضم أسطول الناصر
стр. 1297
(٢٠٠) سفينة بخلاف أسطول المغرب، وكان لأسطول الناصر
السيطرة على مياه إسبانيا الجنوبية الشرقية، كما كان ينازع
الفاطميين السيادة على غربى البحر الأبيض المتوسط، وعلى
الرغم من الحروب فإن عصرالناصر كان عصر رخاء زاد فيه الدخل
وازدهرت الزراعة والصناعة والتجارة وكثرت أخماس الغنائم.
وفى سنة (٣١٦هـ = ٩٢٨م) أمر الناصر باتخاذ دار للسكة فى
قرطبة لضرب الدنانير والدراهم، وبذل جهده فى الاحتراس من
الغش والتدليس فأصبحت دنانيره ودراهمه عيارًا محضًا، وكان
ضرب النقد معطلا قبله. وبلغ الأمن ذروته فى سائر البلاد أيام
الناصر، وترك ذلك آثارًا طيبة على مصادر الدخل وازدهرت العلوم
والآداب ورخصت المعايش. وقد بلغت السفارات والمراسلات
والمعاهدات بين قرطبة وبين الدولة النصرانية أوجها فى عهد
الناصر، وكان بلاط القسطنطينية من الساعين إلى توثيق
الروابط مع حكومة الأندلس، ووفدت رسله تحمل هدايا للخليفة،
وأهم سفارة تلقاها الناصر هى سفارة إمبراطور ألمانيا زعيم
النصرانية سنة (٣٤٤هـ= ٩٥٥م). وقد توفى الناصر فى (الثانى من
رمضان سنة ٣٥٠هـ = ١٥أكتوبر ٩٦١م) ودفن فى قرطبة، وتولى
بعده ابنه «الحكم المستنصر».
стр. 1298
* الحكم بن عبدالرحمن الناصر
أحد خلفاء الدولة الأموية بالأندلس، تولى الحكم فى ٣رمضان
سنة ٣٥٠هـ = ١٦أكتوبر سنة ٩٦١م خلفاً لأبيه عبد الرحمن الناصر
ولقب بالحكم المستنصر. استهل الحكم عهده بالأمر بتوسيع
المسجد الجامع بعد أن ضاق بالمصلين، فأدخلت عليه زيادة من
الناحية الشرقية من الجنوب إلى الشمال إلى أن بلغت الصحن
وتضاعف بذلك حجم الجامع، كما بنى الحكم محراب المسجد
الثالث واستغرق بناؤه لهذا الجزء أربعة أعوام، وعملت له قبة
زخرفت بالفسيفساء الذى جاء معظمه هدية من إمبراطور
بيزنطة، وأنشأ الحكم أيضًا قبة على الطراز البيزنطى ومقصورة
ودارًا للصدقة وأخرى للوعاظ وعمال المسجد، وأنشأ للمسجد
الجامع منبرًا جديدًا، وزود المسجد بالماء بطريقة هندسية وأنفق
على ذلك كثيرًا، وبهذا أكمل الحكم توسعة المسجد الجامع التى
بدأها أبوه ولم يتمها، وتعتبر هذه الزيادة تتويجًا لأعمال الناصر
وابنه المستنصر من الناحية الحضارية. يمتاز عصر الحكم بازدهار
العلوم والآداب فيه بصورة غير مسبوقة، وهو صاحب الفضل
الأكبر فى إنشاء المكتبة الأموية، أعظم مكتبات العصور
الوسطى. ويرجع ذلك لشخصية الحكم وشغفه الفائق بالعلم
لدرجة دفعته إلى استجلاب نفائس الكتب من كل بلد وفى كل
فن. وقد شهد التعليم فى عهد الحكم نهضة عظيمة، فانتشرت
بين أفراد الشعب معرفة القراءة والكتابة، بينما كان لايعرفها
أرفع الناس فى أوربا باستنثناء رجال الدين، وقد بَنَى الحكم
مدرسة لتعليم الفقراء مجانًا، كما أسس جامعة قرطبة أشهر
جامعات العالم آنئذ، وكان مركزها المسجد الجامع، وتدرس فى
حلقاتها كل العلوم ويختار لها أعظم الأساتذة. وقد احتلت حلقات
الدرس أكثر من نصف المسجد، وتم تحديد مرتبات للشيوخ
ليتفرغوا للدرس والتأليف، كما خصصت أموال للطلاب ومكافآت
ومعونات للمحتاجين، ووصل الأمر بنفر من الأساتذة إلى ما يشبه
منصب الأستاذية اليوم فى مجالات علوم القرآن الكريم والحديث
стр. 1299
النبوى الشريف والنحو، وعهد الحكم إلى أخيه المنذر بالإشراف
على جامعة قرطبة، كما عهد بمهمة الإشراف على المكتبة
الأموية إلى أخيه عبدالعزيز. وفى عهده أضحت الأندلس كعبة
تأتى إليها ملوك النصرانية وتلتمس ودها، بدأ ذلك عام (٣٥٥هـ =
٩٦٦م) واستمر بعده، وكان أول الوافدين أمير جليقيه وأمير
اشتورياس، ثم وفدت رسل ملك نبرة، وفى سنة (٣٦٠هـ = ٩٧١م)
جاءت سفارة من أمير برشلونة تطلب تجديد الصداقة، ثم جاءت
عمة ملك ليون، وغير هؤلاء، كما تلقى الحكم رسائل من قيصر
بيزنطة، ومن امبراطور ألمانيا وغيرهما، كل ذلك جعل فندث
بيدال - العالم الإسبانى الكبير - يقول: «وصلت الخلافة الأندلسية
فى ذلك العصر إلى أوج روعتها وبسطت سيادتها السلمية على
سائر إسبانيا وكفلت بذلك السكينة العامة». وتوفى الحكم فى
(٢ صفر ٣٦٦هـ = ٣٠سبتمبر ٩٧٦م)، وبموته انتهى آخر العظماء
من بنى أمية فى الأندلس.
стр. 1300
* الحكم المستنصر
أحد خلفاء الدولة الأموية بالأندلس، تولى الحكم فى ٣رمضان
سنة ٣٥٠هـ = ١٦أكتوبر سنة ٩٦١م خلفاً لأبيه عبد الرحمن الناصر
ولقب بالحكم المستنصر. استهل الحكم عهده بالأمر بتوسيع
المسجد الجامع بعد أن ضاق بالمصلين، فأدخلت عليه زيادة من
الناحية الشرقية من الجنوب إلى الشمال إلى أن بلغت الصحن
وتضاعف بذلك حجم الجامع، كما بنى الحكم محراب المسجد
الثالث واستغرق بناؤه لهذا الجزء أربعة أعوام، وعملت له قبة
زخرفت بالفسيفساء الذى جاء معظمه هدية من إمبراطور
بيزنطة، وأنشأ الحكم أيضًا قبة على الطراز البيزنطى ومقصورة
ودارًا للصدقة وأخرى للوعاظ وعمال المسجد، وأنشأ للمسجد
الجامع منبرًا جديدًا، وزود المسجد بالماء بطريقة هندسية وأنفق
على ذلك كثيرًا، وبهذا أكمل الحكم توسعة المسجد الجامع التى
بدأها أبوه ولم يتمها، وتعتبر هذه الزيادة تتويجًا لأعمال الناصر
وابنه المستنصر من الناحية الحضارية. يمتاز عصر الحكم بازدهار
العلوم والآداب فيه بصورة غير مسبوقة، وهو صاحب الفضل
الأكبر فى إنشاء المكتبة الأموية، أعظم مكتبات العصور
الوسطى. ويرجع ذلك لشخصية الحكم وشغفه الفائق بالعلم
لدرجة دفعته إلى استجلاب نفائس الكتب من كل بلد وفى كل
فن. وقد شهد التعليم فى عهد الحكم نهضة عظيمة، فانتشرت
بين أفراد الشعب معرفة القراءة والكتابة، بينما كان لايعرفها
أرفع الناس فى أوربا باستنثناء رجال الدين، وقد بَنَى الحكم
مدرسة لتعليم الفقراء مجانًا، كما أسس جامعة قرطبة أشهر
جامعات العالم آنئذ، وكان مركزها المسجد الجامع، وتدرس فى
حلقاتها كل العلوم ويختار لها أعظم الأساتذة. وقد احتلت حلقات
الدرس أكثر من نصف المسجد، وتم تحديد مرتبات للشيوخ
ليتفرغوا للدرس والتأليف، كما خصصت أموال للطلاب ومكافآت
ومعونات للمحتاجين، ووصل الأمر بنفر من الأساتذة إلى ما يشبه
منصب الأستاذية اليوم فى مجالات علوم القرآن الكريم والحديث
следующие страницы →