Полный текст (3 483 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.
стр. 1296
مكارم الأخلاق ومبادئ الإسلام، وبهذه الأخلاق والوفاء استطاع
الناصر بعد عشر سنوات من حكمه أن يعيد النظام والهدوء
والوحدة والأمان إلى دولته الواسعة، كما منح أمانات لبيوتات
الثغر الأعلى من أمثال: بنى هاشم وبنى قسى وبنى الطويل
واستفاد بهم وبما تميزوا به من شجاعة فى حروبه، ونجح فى
تحويل ملوك إسبانيا النصرانية إلى أتباع له أو حلفاء. ويذكر
للناصر أنه بنى مدينة الزهراء التى بدأ العمل بها فى أول
المحرم سنة ٣٢٥هـ = نوفمبر ٩٣٦م، وتولى الإشراف على بنائها
«الحكم» ولى العهد، وحشد لها أشهر المهندسين والصناع
والفنانين من سائر الأنحاء ولاسيما القسطنطينية وبغداد، وجلب
لها الرخام بألوانه من «المرية» و «رية»، ومن قرطاجنة إفريقية
وتونس والشام، وجلب لها (٤٣٢٤) سارية من الرخام واشتغل فى
بنائها يوميا عشرة آلاف رجل، و (١٥٠٠) دابة، واستخدمت من
الصخر المنحوت ستة آلاف صخرة فى اليوم، وقدرت النفقة على
بنائها ب ٣٠٠ ألف دينار سنويا بخلاف ما أنفق فى عهد الحكم،
كما أمر الناصر بإضافة زيادة ثالثة إلى المسجد الجامع فى
قرطبة سنة (٣٤٦ هـ = ٩٥٧م)، وقد ضاعفت هذه الزيادة حجم
المسجد فى الاتجاه الجنوبى، وقد تم بناء الزيادة على طراز
بقية المسجد نفسه من حيث الأقواس ومواد البناء. وعُد محراب
هذه الزيادة فى المسجد آية من آيات الفن الأندلسى ذلك أنه ليس
محرابًا بل غرفة من الرخام سقفها قطعة واحدة منه فى هيئة
محراب، ووسط هذا المحراب كرسى يوضع عليه المصحف الشريف
يستخدمه القارئ فى تلاوة القرآن الكريم قبل الصلوات. وقد
اهتم الناصر بالجيش وجمع له الجند من أنحاء المغرب والأندلس،
واستكثر من الأسلحة، وأمده بمجموعة من أمهر القادة، وتولى
القيادة بنفسه أحيانًا. كما عنى بالأسطول واهتم بإصلاح
وحداته، وأنشأ به وحدات جديدة، وكانت «المرية» هى مركز
الأسطول الرئيسى وبها دار الصناعة، وقد ضم أسطول الناصر
стр. 1297
(٢٠٠) سفينة بخلاف أسطول المغرب، وكان لأسطول الناصر
السيطرة على مياه إسبانيا الجنوبية الشرقية، كما كان ينازع
الفاطميين السيادة على غربى البحر الأبيض المتوسط، وعلى
الرغم من الحروب فإن عصرالناصر كان عصر رخاء زاد فيه الدخل
وازدهرت الزراعة والصناعة والتجارة وكثرت أخماس الغنائم.
وفى سنة (٣١٦هـ = ٩٢٨م) أمر الناصر باتخاذ دار للسكة فى
قرطبة لضرب الدنانير والدراهم، وبذل جهده فى الاحتراس من
الغش والتدليس فأصبحت دنانيره ودراهمه عيارًا محضًا، وكان
ضرب النقد معطلا قبله. وبلغ الأمن ذروته فى سائر البلاد أيام
الناصر، وترك ذلك آثارًا طيبة على مصادر الدخل وازدهرت العلوم
والآداب ورخصت المعايش. وقد بلغت السفارات والمراسلات
والمعاهدات بين قرطبة وبين الدولة النصرانية أوجها فى عهد
الناصر، وكان بلاط القسطنطينية من الساعين إلى توثيق
الروابط مع حكومة الأندلس، ووفدت رسله تحمل هدايا للخليفة،
وأهم سفارة تلقاها الناصر هى سفارة إمبراطور ألمانيا زعيم
النصرانية سنة (٣٤٤هـ= ٩٥٥م). وقد توفى الناصر فى (الثانى من
رمضان سنة ٣٥٠هـ = ١٥أكتوبر ٩٦١م) ودفن فى قرطبة، وتولى
بعده ابنه «الحكم المستنصر».
стр. 1298
* الحكم بن عبدالرحمن الناصر
أحد خلفاء الدولة الأموية بالأندلس، تولى الحكم فى ٣رمضان
سنة ٣٥٠هـ = ١٦أكتوبر سنة ٩٦١م خلفاً لأبيه عبد الرحمن الناصر
ولقب بالحكم المستنصر. استهل الحكم عهده بالأمر بتوسيع
المسجد الجامع بعد أن ضاق بالمصلين، فأدخلت عليه زيادة من
الناحية الشرقية من الجنوب إلى الشمال إلى أن بلغت الصحن
وتضاعف بذلك حجم الجامع، كما بنى الحكم محراب المسجد
الثالث واستغرق بناؤه لهذا الجزء أربعة أعوام، وعملت له قبة
زخرفت بالفسيفساء الذى جاء معظمه هدية من إمبراطور
بيزنطة، وأنشأ الحكم أيضًا قبة على الطراز البيزنطى ومقصورة
ودارًا للصدقة وأخرى للوعاظ وعمال المسجد، وأنشأ للمسجد
الجامع منبرًا جديدًا، وزود المسجد بالماء بطريقة هندسية وأنفق
على ذلك كثيرًا، وبهذا أكمل الحكم توسعة المسجد الجامع التى
بدأها أبوه ولم يتمها، وتعتبر هذه الزيادة تتويجًا لأعمال الناصر
وابنه المستنصر من الناحية الحضارية. يمتاز عصر الحكم بازدهار
العلوم والآداب فيه بصورة غير مسبوقة، وهو صاحب الفضل
الأكبر فى إنشاء المكتبة الأموية، أعظم مكتبات العصور
الوسطى. ويرجع ذلك لشخصية الحكم وشغفه الفائق بالعلم
لدرجة دفعته إلى استجلاب نفائس الكتب من كل بلد وفى كل
فن. وقد شهد التعليم فى عهد الحكم نهضة عظيمة، فانتشرت
بين أفراد الشعب معرفة القراءة والكتابة، بينما كان لايعرفها
أرفع الناس فى أوربا باستنثناء رجال الدين، وقد بَنَى الحكم
مدرسة لتعليم الفقراء مجانًا، كما أسس جامعة قرطبة أشهر
جامعات العالم آنئذ، وكان مركزها المسجد الجامع، وتدرس فى
حلقاتها كل العلوم ويختار لها أعظم الأساتذة. وقد احتلت حلقات
الدرس أكثر من نصف المسجد، وتم تحديد مرتبات للشيوخ
ليتفرغوا للدرس والتأليف، كما خصصت أموال للطلاب ومكافآت
ومعونات للمحتاجين، ووصل الأمر بنفر من الأساتذة إلى ما يشبه
منصب الأستاذية اليوم فى مجالات علوم القرآن الكريم والحديث
стр. 1299
النبوى الشريف والنحو، وعهد الحكم إلى أخيه المنذر بالإشراف
على جامعة قرطبة، كما عهد بمهمة الإشراف على المكتبة
الأموية إلى أخيه عبدالعزيز. وفى عهده أضحت الأندلس كعبة
تأتى إليها ملوك النصرانية وتلتمس ودها، بدأ ذلك عام (٣٥٥هـ =
٩٦٦م) واستمر بعده، وكان أول الوافدين أمير جليقيه وأمير
اشتورياس، ثم وفدت رسل ملك نبرة، وفى سنة (٣٦٠هـ = ٩٧١م)
جاءت سفارة من أمير برشلونة تطلب تجديد الصداقة، ثم جاءت
عمة ملك ليون، وغير هؤلاء، كما تلقى الحكم رسائل من قيصر
بيزنطة، ومن امبراطور ألمانيا وغيرهما، كل ذلك جعل فندث
بيدال - العالم الإسبانى الكبير - يقول: «وصلت الخلافة الأندلسية
فى ذلك العصر إلى أوج روعتها وبسطت سيادتها السلمية على
سائر إسبانيا وكفلت بذلك السكينة العامة». وتوفى الحكم فى
(٢ صفر ٣٦٦هـ = ٣٠سبتمبر ٩٧٦م)، وبموته انتهى آخر العظماء
من بنى أمية فى الأندلس.
стр. 1300
* الحكم المستنصر
أحد خلفاء الدولة الأموية بالأندلس، تولى الحكم فى ٣رمضان
سنة ٣٥٠هـ = ١٦أكتوبر سنة ٩٦١م خلفاً لأبيه عبد الرحمن الناصر
ولقب بالحكم المستنصر. استهل الحكم عهده بالأمر بتوسيع
المسجد الجامع بعد أن ضاق بالمصلين، فأدخلت عليه زيادة من
الناحية الشرقية من الجنوب إلى الشمال إلى أن بلغت الصحن
وتضاعف بذلك حجم الجامع، كما بنى الحكم محراب المسجد
الثالث واستغرق بناؤه لهذا الجزء أربعة أعوام، وعملت له قبة
زخرفت بالفسيفساء الذى جاء معظمه هدية من إمبراطور
بيزنطة، وأنشأ الحكم أيضًا قبة على الطراز البيزنطى ومقصورة
ودارًا للصدقة وأخرى للوعاظ وعمال المسجد، وأنشأ للمسجد
الجامع منبرًا جديدًا، وزود المسجد بالماء بطريقة هندسية وأنفق
على ذلك كثيرًا، وبهذا أكمل الحكم توسعة المسجد الجامع التى
بدأها أبوه ولم يتمها، وتعتبر هذه الزيادة تتويجًا لأعمال الناصر
وابنه المستنصر من الناحية الحضارية. يمتاز عصر الحكم بازدهار
العلوم والآداب فيه بصورة غير مسبوقة، وهو صاحب الفضل
الأكبر فى إنشاء المكتبة الأموية، أعظم مكتبات العصور
الوسطى. ويرجع ذلك لشخصية الحكم وشغفه الفائق بالعلم
لدرجة دفعته إلى استجلاب نفائس الكتب من كل بلد وفى كل
فن. وقد شهد التعليم فى عهد الحكم نهضة عظيمة، فانتشرت
بين أفراد الشعب معرفة القراءة والكتابة، بينما كان لايعرفها
أرفع الناس فى أوربا باستنثناء رجال الدين، وقد بَنَى الحكم
مدرسة لتعليم الفقراء مجانًا، كما أسس جامعة قرطبة أشهر
جامعات العالم آنئذ، وكان مركزها المسجد الجامع، وتدرس فى
حلقاتها كل العلوم ويختار لها أعظم الأساتذة. وقد احتلت حلقات
الدرس أكثر من نصف المسجد، وتم تحديد مرتبات للشيوخ
ليتفرغوا للدرس والتأليف، كما خصصت أموال للطلاب ومكافآت
ومعونات للمحتاجين، ووصل الأمر بنفر من الأساتذة إلى ما يشبه
منصب الأستاذية اليوم فى مجالات علوم القرآن الكريم والحديث
стр. 1301
النبوى الشريف والنحو، وعهد الحكم إلى أخيه المنذر بالإشراف
على جامعة قرطبة، كما عهد بمهمة الإشراف على المكتبة
الأموية إلى أخيه عبدالعزيز. وفى عهده أضحت الأندلس كعبة
تأتى إليها ملوك النصرانية وتلتمس ودها، بدأ ذلك عام (٣٥٥هـ =
٩٦٦م) واستمر بعده، وكان أول الوافدين أمير جليقيه وأمير
اشتورياس، ثم وفدت رسل ملك نبرة، وفى سنة (٣٦٠هـ = ٩٧١م)
جاءت سفارة من أمير برشلونة تطلب تجديد الصداقة، ثم جاءت
عمة ملك ليون، وغير هؤلاء، كما تلقى الحكم رسائل من قيصر
بيزنطة، ومن امبراطور ألمانيا وغيرهما، كل ذلك جعل فندث
بيدال - العالم الإسبانى الكبير - يقول: «وصلت الخلافة الأندلسية
فى ذلك العصر إلى أوج روعتها وبسطت سيادتها السلمية على
سائر إسبانيا وكفلت بذلك السكينة العامة». وتوفى الحكم فى
(٢ صفر ٣٦٦هـ = ٣٠سبتمبر ٩٧٦م)، وبموته انتهى آخر العظماء
من بنى أمية فى الأندلس.
стр. 1302
* هشام المؤيد بالله
أحد خلفاء الدولة الأموية بالأندلس، بويع له بالخلافة فىصفر٣٦٦
= أكتوبر ٩٧٦ وهو طفل صغير لا يتجاوز عمره اثنتى عشر
سنةولم يشذ عن بيعته أحد، وأضحت السلطة بيدى الحاجب جعفر
المصحفى وصاحب الشرطة والمواريث (القضاء) «محمد بن أبى
عامر»، وشخصية ثالثة ذكية طموحة تشاركهما من وراء ستار
هى أمه «صبح» البشكنسية أو النفارية، نسبة إلى بلاد
البشكنس أو إقليم «نبرة»، وقد اشتركت فى الوصاية على ابنها
الصبى وأصبحت لها سلطة شرعية فى تدبير شئون الحكم.
وطوال فترة حكمه التى امتدت ثلاث وثلاثين سنة لم يكن الأمر
فى يديه ولكن تركزت السلطة فى يد حاجبه المنصور بن أبى
عامر وابنه عبد الملك بن المنصور، وانتهى الأمر بالخليفة أن
عزل عن الخلافة فى ١٧ من جمادى الأولى ٣٩٩هـ = ١٦فبراير
١٠٠٩م
стр. 1303
* هشام بن الحكم بن عبد الرحمن
أحد خلفاء الدولة الأموية بالأندلس، بويع له بالخلافة فىصفر٣٦٦
= أكتوبر ٩٧٦ وهو طفل صغير لا يتجاوز عمره اثنتى عشر
سنةولم يشذ عن بيعته أحد، وأضحت السلطة بيدى الحاجب جعفر
المصحفى وصاحب الشرطة والمواريث (القضاء) «محمد بن أبى
عامر»، وشخصية ثالثة ذكية طموحة تشاركهما من وراء ستار
هى أمه «صبح» البشكنسية أو النفارية، نسبة إلى بلاد
البشكنس أو إقليم «نبرة»، وقد اشتركت فى الوصاية على ابنها
الصبى وأصبحت لها سلطة شرعية فى تدبير شئون الحكم.
وطوال فترة حكمه التى امتدت ثلاث وثلاثين سنة لم يكن الأمر
فى يديه ولكن تركزت السلطة فى يد حاجبه المنصور بن أبى
عامر وابنه عبد الملك بن المنصور، وانتهى الأمر بالخليفة أن
عزل عن الخلافة فى ١٧ من جمادى الأولى ٣٩٩هـ = ١٦فبراير
١٠٠٩م
стр. 1304
* المنصور بن أبى عامر
أحد كبار رجالات الأندلس المعروفين، تولى منصب الحجابة فى
عهد الخليفة هشام المؤيد بالله ثم أصبح الأمر كله فى يديه
وسيطر على أمور الدولة بعد أن دخل فى صراع مع جعفر
المصحفى الذى كان يتولى الحجابة من قبله وانتهى هذا الصراع
بالقبض على جعفر ودخوله السجن حتى مات. وبعد أن أصبحت
السيطرة كاملة لابن أبى عامر فكر فى إنشاء مدينة جديدة
يتوافر فيها الأمان ومظاهر السلطان فكانت مدينته الزاهرة أو
العامرية شرقى قرطبة والتى استغرق بناؤها عامين، وضمت
قصرًا ومسجدًا ودواوين للإدارة ومساكن للحرس، ونقل خزائن
المال والسلاح إليها، وأقيم حولها سور ضخم كما بنى خندقًا
وتم إقطاع ضواحيها للوزراء والقادة، فابتنوا الدور وأنشئت
الشوارع والأسواق حتى اتصلت مبانيها بضواحى قرطبة، وقد
انتقل إليها ابن أبى عامر سنة (٣٧٠هـ = ٩٨٠م)، واتخذ له حرسًا
خاصا من الصقالبة والبربر أحاطوا بقصره، ومنعوا الدخول
والخروج إليه، وبذلك أقفرت قرطبة وأقفر قصرها ونقلت كل
مظاهر السلطان إلى المدينة الجديدة، ومنع الخليفة من أى حركة
إلا بإذن ابن أبى عامر حماية له من المتآمرين وحتى يتفرغ
للعبادة كما زعم. بدأ المنصور بن أبى عامر سلسلة من الغزوات
الشهيرة بعد أن استقرت الأمور له، ووصل عددها إلى نحو أربع
وخمسين غزوة استقصى المؤرخ القرطبى ابن حيان أخبارها
فى كتاب له مفقود عنوانه «الدولة العامرية» ويتحدث عنها ابن
خلدون فيقول: «غزا ابن أبى عامر اثنتين وخمسين غزوة فى
سائر أيام ملكه، لم ينكسر له فيها راية ولا فل له جيش ولاأصيب
له بعث ولا هلكت له سرية». اتخذ المنصور فى سنة (٣٨١هـ=
٩٩١م) خطة غير مسبوقة بهدف دعم سلطانه فرشح ابنه عبدالملك
ليتولى الأمر من بعده، وتنازل له عن الحجابة والقيادة وجميع ما
كان يتولى من خطط مكتفيًا بلقب «المنصور» ثم تلقب بالملك
الكريم فى سنة (٣٨٦هـ = ٩٩٦م) وبولغ فى تعظيمه وإجلاله، ولم
стр. 1305
يكن المنصور يقصد أن تجتمع السلطات فى يده، فكل السلطات
السياسية والعسكرية فى قبضة يديه بالفعل، لكنه أراد أن
يصبغ حكمه بالصبغة الشرعية، وأن تكون له رسوم الملك
والخلافة، ويقوم بتأسيس دولة تحل محل دولة بنى أمية، لكن
الظروف لم تكن مهيأة فالناس لاتميل كثيرًا إلى المنصور؛ بسبب
الوسائل الدموية التى لجأ إليها لتصفية خصومه. وقد أظهر
المنصور مقدرة كافية ممتازة فى جميع المناصب التى تولاها
وشهدت البلاد فى زمنه أمنًا واستقرارًا وطمأنينة لم تعرفها
قبله، وفى زمنه لم تعرف البلاد الثورات مقارنًا بغيره، وازدهرت
الصناعة والتجارة والزراعة، وارتقت العلوم والآداب، وامتلأت
خزائن قرطبة بالمال حتى وصلت الإيرادات إلى نحو أربعة ملايين
دينار، بخلاف الموارد من المواريث ومال السبى والغنائم، ولم
يخل عهد المنصور من الإنشاءات العظيمة على الرغم من الغزوات
المستمرة وقد أشرنا إلى بنائه مدينته الزاهرة بقصورها
وحدائقها، وجعلها قصرًا للحكم والإدارة، وقد بنى المنصور
بجانبها منية جميلة ازدانت بالحدائق والقصور أسماها
«العامرية»، وكان يقصدها عندما يريد الاستجمام. كذلك قام
بزيادة المسجد الجامع فى «قرطبة» بعد أن اتسعت المدينة،
وضمت واحدًا وعشرين حيا، الواحد فيها أكبر من أية مدينة
أندلسية، وقد حفر حولها خندقًا بلغ ١٦ ميلاً وزاد سكانها كثيرًا
لا سيما البربر، وضاق المسجد الجامع بهؤلاء السكان فأدخل
المنصور فى سنة (٣٨٧هـ = ٩٩٧م) زيادة عليه من الناحية
الشرقية، بلغت المساحة الأصلية نفسها تقريبًا، وحرص المنصور
على الاشتراك فى هذا المشروع بنفسه، واشتغل فيه أسرى
النصارى، وتم تعويض أصحاب الدور والأماكن التى صودرت لهذا
الغرض، ولا يزال هذا الجناح قائمًا حتى اليوم، ويعرف بمسجد
المنصور، وإن تحولت عقوده الجانبيه إلى هياكل وكنائس.
وبهذه الزيادة بلغت مساحة المسجد الجامع ما يزيد على ستة
стр. 1306
أفدنة، كما انفرد بطرازه الرائع، وليس فى العالم مسجد ولا
كنيسة فى مثل حجمه اللهم إلا قصر «فرساى» بفرنسا. كما جدد
المنصور قنطرة قرطبة على نهر الوادى الكبير، وكان «السمح
بن مالك» قد جددها من قبل وأنفق المنصور على تجديدها فى
سنة (٣٧٨هـ = ٩٨٨م) مائة وأربعين ألف دينار وبنى قنطرة
«أستجة» على نهر «شنيل» أحد فروع نهر الوادى الكبير. وفى
ربيع (٣٩٢هـ =١٠٠٢م) خرج المنصور لآخر مرة، وتوجَّه إلى
قشتالة ومنها اتجه غربًا نحو «برغش» وعاث فى تلك المنطقة،
وتقول المصادر النصرانية إنه تعرض لهزيمة على أيدى ملوك
النصارى متحدين، وإنه اضطر إلى الفرار فى جنح الظلام بعد
موقعة معهم جرت أحداثها بمكان يسمى «قلعة النسور»، وقد
جرح المنصور ثم مات بعد ذلك متأثرًا بجراحه، لكن الباحثين
المحدثين - ومنهم المستشرق الهولندى دوزى - يرفضون هذه
الرواية لأنها تخالف الحقائق التاريخية الثابتة، فهى تتحدث عن
تحالف بين ملوك من النصارى ماتوا قبل هذه الموقعة، أضف
إلى ذلك أن المصادر الإسلامية لاتذكرشيئًا عن تلك الموقعة، مع
أنها لاتخفى هزائم المسلمين، فالصمت قرينة على أنه لم تكن
هناك هزيمة ولاحتى موقعة أصلا. ومهما يكن من أمر فقد سار
المنصور فى حملته هذه محمولا حتى وصل إلى «مدينة سالم»،
وهناك وافاه الأجل فى (٢٧ رمضان ٣٩٢هـ = ١١ أغسطس
١٠٠٢م) بعد حكم دام ٢٧ عامًا.
стр. 1307
* عبدالملك بن المنصور المظفر بالله
هو عبد الملك بن محمد بن أبى عامر الملقب بالمظفر بالله، تولي
منصب الحجابة بعد وفاة والده المنصور، وقد بدأ عهده بإسقاط
سدس الجباية (الضرائب) عن السكان بكل نواحى الأندلس
فاستبشر الناس به خيرًا. ظن ملوك النصارى أن خطر الغزوات
الإسلامية عليهم سيقل بعد وفاة المنصور، لكنهم كانوا واهمين
لأن عبدالملك بدأ بعد أشهر قليلة من ولايته يستعد لغزواته ضدهم
التى بلغت سبع غزوات التزم عبدالملك الأسلوب الذى كان يحكم
به والده الأندلس فجعل الخليفة محجورًا عليه لاحول له
ولاقوة. وجمع السلطات كلها فى يديه، وحدَّ من نفوذ الوزراء
والكتاب وراقبهم وحاسبهم، وجلس للناس وهجر اللهو، وعمل
على تنمية الموارد وترتب على هذا تحسن فى الأحوال المالية
التى كانت قد ساءت بسبب كثرة النفقات. ولم يكن لعبدالملك
نصيب كبير فى مجالات العلم والأدب وكان مجلسه لايقوم إلا على
الأعاجم من البربر وغيرهم، ومع ذلك فقد استمر يجرى الرواتب
التى كان أبوه يجريها على العلماء والأدباء والندماء، كما
استمع إلى الشعر ووصل الشعراء. وفى شوال من سنة ٣٩٨هـ
خرج عبدالملك بغزوته السابعة والأخيرة وتعرف «بغزوة العلة»؛
إذ إنه ما كاد يصل إلى مدينة سالم حتى اشتد به المرض وتفرق
عنه المتطوعة، واضطر إلى الرجوع إلى قرطبة فى (المحرم
٣٩٩هـ = سبتمبر ١٠٠٨م) لكنه شعر بتحسن فى صحته فعمل
على استئناف الغزو بعد فترة وجيزة لكن حالته ساءت، وتعرض
لنكسة سببها التهاب رئوى، وعاد إلى العاصمة فى محفة حيث
مات فى (١٦ من صفر سنة ٣٩٩هـ = ٢١ من أكتوبر ١٠٠٨م) بعد
حكم دام نحو سبع سنوات.
стр. 1308
* عبدالرحمن بن شنجول
هو عبد الرحمن بن محمد المنصور بن أبى عامر، قلده الخليفة
هشام المؤيد بالله الحجابة بعد وفاة أخيه عبد الملك المظفر
بالله، وأنعم عليه بالخلع السلطانية، وكانت أمه ابنة لملك
«نبرة» تزوجها «المنصور» وأنجب منها، وقد أسلمت وتسمت
باسم «عبدة» ولأنه أشبه جده لأمه المسمى «شانجة» لقب
بشنجول أو شانجة الصغير. ولم يكن الشعب يميل إلى
«عبدالرحمن» لما فيه من دماء نصرانية ولانحراف سلوكه، ولأنه
جرى على منهج أبيه وأخيه فى الحجر على الخليفة هشام مع
الاستبداد بالرأى وإن مال هو إلى التودد إلى الخليفة ومخالطته،
وقد منحه الخليفة لقب المأمون ناصر الدولة بعد عشرة أيام من
ولايته، ليس هذا فحسب، بل إن عبدالرحمن جرؤ على ما لم يجرؤ
عليه أحد لا المنصور ولا عبدالملك، حين نجح بعد محاولات فى
استصدار مرسوم من الخليفة بتعيينه وليا للعهد من بعده، لتنتقل
رسوم الخلافة من أسرة بنى أمية إلى أسرة بنى عامر، وأقر
فقهاء قرطبة وعلماؤها هذا التحول وزكاه الوزراء والقضاة
والقادة، وكان ذلك فى ربيع الأول سنة (٣٩٩هـ= ١٠٠٨م)،
ومضى «عبدالرحمن» أبعد من ذلك حين عين ابنه الطفل فى خطة
الحجابة ولقبه سيف الدولة، ثم اتخذ قرارًا جلب عليه كثيرًا من
السخط حين طلب من أكابر الموظفين ورجال الدولة خلع القلانس
الطويلة التى يتميزون بها لأنها لبس الأندلسيين، وتغطية الرأس
بالعمائم التى هى لباس البربر فأذعن هؤلاء كارهين. فكر
عبدالرحمن أن يشغل الناس بالغزو، فقرر أن يتوجه إلى جليقية
رغم تحذيره من سوء الأحوال الجوية، ومن انقلاب قد يقوم به
المروانية ضده، لكنه صمم وسار بالجيش نحو طليطلة، ومنها إلى
جليقية وسط أمطار وبرد شديدين وكان يمارس هوايته فى اللهو
والشراب، وقد اخترق مملكة ليون قبل أن يصل إلى جليقية،
فتحصن الأعداء برءوس الجبال، ولم يجد عبدالرحمن سبيلا إلى
مقاتلتهم بسبب كثرة الثلوج وفيضان الأنهار، فاضطر إلى أن
стр. 1309
يعود دون أن يفعل شيئًا. وعند وصوله إلى طليطلة جاءته الأنباء
تفيد أن انقلابًا قد حدث فى قرطبة وأن الثوار استولوا على
مدينة الزاهرة فاضطربت صفوفهم، واضطر عبدالرحمن إلى أن
يعود عن طريق قلعة رباح، ولم يلتفت إلى نصح من طلب منه
البقاء فى طليطلة، لاعتقاده أن الناس سترحب به إذا رأوه يقترب
من قرطبة. وكان السبب الرئيسى للثورة هو استبداد بنى عامر
وقهرهم للناس استنادًا إلى قوة قوامها البربر والصقالبة، ثم
كانت ولاية عبدالرحمن للعهد واستئثاره برسوم الخلافة والحكم
هى الشرارة التى انتقلت منها نيران الثورة إلى كل العناصر
الناقمة، وعلى رأسهم بنو أمية، وكان المخطط للثورة والمتابع
لمراحل تنفيذها «الزلفاء» والدة عبدالملك -التى اعتقدت أن
«شنجول» سم ابنها - ثم فتى أموى اسمه «محمد بن هشام بن
عبدالجبار بن عبدالرحمن الناصر» كان عبدالملك قد أعدم أباه. لم
يكن المروانية وحدهم يرغبون فى القضاء على العامريين، وإنما
كان معهم كل العناصر الناقمة من البيوت العربية مضرية أو
يمنية، يؤازرهم كل طبقات الشعب، وأحكم هؤلاء جميعًا خطتهم
وانتهزوا فرصة خروج عبدالرحمن للغزو ومعه معظم الجيش
ليقوموا بالتنفيذ، وفى يوم (١٦ من جمادى الأولى ٢٩٩هـ = ١٥
من يناير ١٠٠٩م) جاءت الأنباء بأن عبدالرحمن عبر بجيشه إلى
أرض النصارى، فقام محمد بن هشام بإنزال ضربته، وهجم على
قصر قرطبة وقتل صاحب المدينة، والتف حوله الساخطون، ثم
اقتحم سجن العامرية وأخرج من فيه، واجتمع حوله المروانية
وانضم إليه الناس من كل حدب وصوب، وبعد أن سيطر ابن
عبدالجبار على القصر واستولى على كل ما فيه من سلاح
وغيره، طلب من الخليفة هشام أن يخلع نفسه فوافق، وانتهت
بذلك خلافته الصورية التى دامت (٣٣) سنة وتولى الأمر «محمد بن
هشام بن عبدالجبار» وتلقب بالمهدى فى (١٧ من جمادى الآخرة
٣٩٩هـ = ١٦ من فبراير ١٠٠٩م) وجاءه الناس مهنئين، وما شعروا
стр. 1310
أن تلك هى بداية الفتنة التى ستطيح ليس بالدولة العامرية
وحدها بل وبالخلافة بكل ما تمثله وفى اليوم التالى قام
الثائرون بهدم مدينة الزاهرة وقصورها، وأحست الحامية المنوط
بها الدفاع عنها أن المقاومة غير مجدية ففتحوا أبواب المدينة
شريطة أن يؤمنهم المهدى، وتم نهب القصور والاستيلاء على كل
ما كان فيها من متاع وجواهر، ولم يكتف المهدى بذلك وإنما قام
بهدم كل مبانى مدينة الزاهرة وأسوارها بعد أن استولى على
كل ما فيها من خزائن وأموال وتحف حرصًا منه على إزالة كل
آثار بنى عامر، وأصبحت المدينة أطلالا، وتحولت إلى أثر بعد
عين. وقد حاول «عبدالرحمن» وهو فى «طليطلة» بعد أن بلغته
أخبار الثورة أن يتنازل عن ولاية العهد مكتفيًا بالحجابة، فلم
يلتفت إليه أحد ثم سار إلى قرطبة، ولما اقترب منها تركه جند
البربر وفروا فى جنح الظلام، ثم تمكن الخليفة الجديد من
مطاردته وإلقاء القبض عليه وهو مختبئ فى أحد الأديرة، وقتله
فى (٣ من رجب ٣٩٩هـ = ٣ من مارس ١٠٠٩م).
стр. 1311
* بركة خان
هو «بركة خان بن جوجى بن جنكيزخان» أحد حكام منطقة
القبجاق، اعتنق هو ورعيته الإسلام، وطلب العون من المماليك
فى «مصر»، لكى يقفوا إلى جانب بلاده ضد «المغول
الإيلخانيين» الذين كانوا يحكمون «فارس».
стр. 1312
* قطب الدين أيبك
أول سلاطين المماليك فى الهند (سلطنة دهلى الإسلامية)، حكم
من سنة (٦٠٢ هـ= ١٢٠٦م) إلى سنة (٦٠٧هـ = ١٢١٠م)، وقد
اشتهر بحبه للعدل، وإقراره السلام والأمن فى نواحى بلاده،
وبنى مسجدين كبيرين، أحدهما بدهلى والآخر بآجمبر. وتوفى
هذا السلطان فى عام (٦٠٧هـ= ١٢١٠م)
стр. 1313
* ألتمش
هو شمس الدين ألتمش أو إيلتمش. سلطان هندى مسلم. أحد
سلاطين دولة المماليك التركية بالهند ويعد المؤسس الحقيقى
لهذه الدولة، كان مملوكًا للسلطان قطب الدين أيبك أول سلاطين
هذه الدولة، ثم أعتقه وقربه منه وزَّوجه ابنته. وبعد موت قطب
الدين أيبك اتفق أمراؤه على تولية ألتمش لما فيه من خصال
حسنةً تؤهله لذلك الأمر فتولى الحكم سنة (٦٠٧هـ = ١٢١١م)،
ودام حكمه نحو ربع قرن قضاه فى تثبيت دعائم دولته التى
شملت شمال الهند من السند إلى البنغال، ونجح فى القضاء
على ثورات أمراء الهندوس وعدة ثورات أخرى ولكنه ما كاد
يتخلص منها حتى ظهر له خطر المغول، وألحقوا بدياره الخراب
والدمار، ولكنهم لم يتحملوا حرارة جو بلاده، واتجهوا صوب
الغرب ثانية، فنجت البلاد من شرورهم.، واكتسب حكم ألتمش
صفة شرعية بعد أن اعترف به الخليفة العباسى المستنصر بالله
سلطانًا على دولة المسلمين بالهند ولقبه بالناصر أمير المؤمنين
حامى الإيمان، فكان أول سلطان هندى يعترف به الخليفة
العباسى. وعلى الرغم من غزوات ألتمش المتكررة وجهوده
لتثبيت دعائم دولة الإسلام فى الهند فإن ذلك لم يشغله عن
الاهتمام بالإصلاحات الداخلية فأعاد تنظيم الجهاز الإدارى، وأقر
العدل والحرية فى البلاد، وعنى بتشجيع العلوم والآداب وأنفق
أموالاً كثيرة لنسخ أعداد كبيرة من المصحف الشريف، وأسس
العديد من المدارس وزيَّن بلاطه بالشعراء والعلماء وقرَّبهم منه،
وأتم بناء مسجد قطب الدين فى دلهى، وشيد مسجدًا آخر فى
أجمير، وتوفى شمس الدين ألتمش سنة (٦٣٣هـ = ١٢٣٥ م).وكان
لم ير فى أبنائه الذكور مَنْ يصلح للحكم من بعده، فأوصى به
لابنته «رضية»، ولكن رجال البلاط عهدوا بالملك عقب وفاته إلى
الأمير «ركن الدين فيروز شاه»، إلا أنه لم يهنأ بالملك بسبب
الفتن والاضطرابات التى عمت أنحاء البلاد، وكان نتيجة ذلك أن
قُتل هو وأمه، فآلت أمور الحكم إلى السلطانة «رضية» فى عام
(٦٤٣هـ = ١٢٣٦م).
стр. 1314
* بلبان
يعد السلطان «بِلْبان» (بِلْبِن) الذى حكم سلطنة دهلى الإسلامية
فى الهند فى الفترة من عام (٦٦٤هـ = ١٢٦٥م) إلى عام (٦٨٦هـ
= ١٢٨٧م)، من أقوى سلاطين «الهند» وأعظمها فى تاريخها
الوسيط، إذ واجه المغول الذين عادوا إلى تهديد «الهند» ثانية،
وأعاد الهدوء والاستقرار إلى بلاده، ثم قضى على «الهندوس»
الذين قطعوا الطريق بين «دهلى» و «البنغال»، وأقر الأمن
والنظام فى ربوع دولته. عهد «بلبان» - حين شعر بدنو أجله -
بالحكم إلى ابنه «بغراخان»، إلا أن ابنه رفض ذلك، فعهد به إلى
حفيده «كيخسرو بن بغراخان»، فتولى أمور البلاد، ولكنه كان
ضعيفًا لا يقوى على تسيير أمور الحكم بمفرده، فأسندها إلى
«نظام الدين» الذى اعتمد على خواصه والمقربين إليه فى إدارة
شئون البلاد، فاستبدوا بها، وحاول «بغراخان» أن يتخلص من
«نظام الدين» ولكن الترك لم يمكنوه من ذلك، وعزلوا ابنه
«كيخسرو» وولوا «كيقباد» أحد أطفاله الصغار، فتصدى لهم
«الخلجيون» بقيادة زعيمهم «فيروز شاه»، وقضوا عليهم، فزال
حكم المماليك بالهند على أيديهم.
стр. 1315
* جلال الدين المنكبرتى
أحد سلاطين الدولة الخوارزمية فى المشرق الإسلامى، تولى
الحكم بعد وفاة أبيه السلطان «محمد خوارزمشاه» سنة ٦١٧هـ
استطاع جلال الدين تكوين جيش كبير بلغ ثلاثين ألف مقاتل،
وانضمت إليه الفلول التى كانت هاربة من المغول، نجح فى
إلحاق هزيمة كبيرة بمقدمة أرسلها المغول للبحث عنه فى هذه
المنطقة فى سنة (٦١٨هـ. (خشى «جنكيزخان» أن يتسع نفوذ
«جلال الدين» فأرسل جيشًا كبيرًا بقيادة أحد كبار القادة
المغول لمحاربته، فالتقى الجيشان بالسهول القريبة من
«بروان»، واستطاع «جلال الدين» أن يلحق هزيمة ساحقة
بالجيش المغولى، وسمع الناس بذلك ففرحوا فرحًا شديدًا، وثار
أهالى «هراة» فى وجه رئيس الحامية المغولى وقتلوه هو
وجنوده، فبعث «جنكيز» بابنه «تولوى» إلى هذه المدينة،
فدمرها وقتل جميع سكانها، وخرج «جنكيز» بنفسه على رأس
جيش كبير لملاقاة «جلال الدين»، فى الوقت الذى حدث فيه
خلاف بين اثنين من قادة «جلال الدين» على توزيع الغنائم،
وانسحب أحدهما بجنوده تاركًا «جلال الدين» فى هذه الظروف
الحرجة، فاضطر إلى الانسحاب بجنوده صوب بلاد «الهند» - حين
سمع بقدوم المغول- ولكن «جنكيز» أدركه، ودارت بينهما معركة
حامية؛ أبلى فيها «جلال الدين» بلاءً حسنًا، ولكن جيش
«جنكيز» كان أقوى عدة وأكثر عددًا فأدرك «جلال الدين» أنه
لا فائدة من القتال، وانطلق صوب «نهر السند» وعبره بجنوده،
فلم يصل منهم إلى الجانب الآخر من النهر إلا أربعة آلاف فارس،
وبقى «جلال الدين» فى بلاد «الهند» بضع سنوات (٦١٨ - ٦٢٢
هـ)، ثم عاد بعدها إلى إيران. انتهز «جلال الدين» فرصة انشغال
المغول عن البلاد الفارسية بعد وفاة «جنكيز» وانطلق بجيشه
نحو «إيران»، وعبر «نهر السند»، ودخل فى حروب عديدة مع
مَن رآهم سببًا فيما حلَّ بالدولة الخوارزمية، فحارب «الأتابكة»
فى «فارس» و «كرمان» و «يزد»، ثم حارب الخليفة العباسى،
стр. 1316
وانتصر عليهم جميعًا، ولكن مجموعة من الولاة الذين يحكمون
بلاد «ما وراء النهر» بقيادة «الملك الأشرف الأيوبى» فى
«الموصل»، تمكنوا من إلحاق الهزيمة بجلال الدين، فاستغل
«الإسماعيلية» الفرصة وأرسلوا إلى «أوكتاى» إمبراطور
المغول يخبرونه بأن الحلف العربى هزم «جلال الدين»، وقد أقدم
«الإسماعيلية» على ذلك لأن «جلال الدين» حاربهم من قبل
وانتصر عليهم، فجرد «أوكتاى» جيشًا كبيرًا قوامه (٥٠) ألف
جندى بقيادة أشهر قواده «جرماغون»، الذى تمكن من مطاردة
«جلال الدين» وتفريق جيشه، ففر «جلال الدين» فى سنة
(٦٢٨هـ) إلى «الجبال الكردية» الواقعة فى منطقة «جبال بكر»،
فقتله هناك أحد الأكراد حين عرف أنه السلطان، ثأرًا لمقتل أخيه
على يد جيش «جلال الدين» فى إحدى الحروب.
стр. 1317
* جنكيزخان
وُلد «جنكيزخان» فى سنة (٥٤٩هـ = ١١٥٤م)، بإحدى المناطق
المغولية، وكان أبوه «يسوكاى بهادر» رئيسًا لقبيلة «قيات»
المغولية، وكان يحارب - أحيانًا- القبائل المجاورة له، كما كان
يصطدم ببعض قبائل التتار، وقد خرج مرة لمحاربة رئيس إحدى
القبائل التترية، وانتصر عليه، وتمكن من أسره وقتله، فلما عاد
إلى موطنه وجد امرأته قد ولدت مولودًا، فأسماه «تموجين»
بنفس اسم رئيس قبيلة التتار الذى تمكن من أسره وقتله، تيمنًا
بانتصاره عليه. عاش «تموجين» حياة عز ودلال فى مطلع حياته،
إلا أنه لم ينعم بها طويلا، حيث مات أبوه وهو فى الثالثة عشرة
من عمره، فتغير الحال، وانفض عنه أكثر الناس، واضطر إلى
الاعتماد على نفسه فى رعاية أسرته، فكونت هذه الفترة
شخصيته، وطبعته بطابع الجدة والصرامة، لدرجة أنه كان
يستطيع أن يبقى ثلاثة أيام دون طعام أو شراب، فلما بلغ
السابعة عشرة من عمره التف حوله جماعة من الناس، وتمكن من
خلالهم أن يكون قوة يُخشى بأسها فى المنطقة، فبدأ يفرض
نفوذه على القبائل المجاورة، واحدة تلو الأخرى. كانت شخصية
«تموجين» القوية من بين الأسباب التى دفعت الناس إلى الالتفاف
حوله، فبدأ بفرض نفوذه، ثم السيطرة على القبائل الكبيرة،
وتمكن فى سنة (٥٩٩هـ) من إحراز نصر كبير على قبيلة
«كرايت»، وأسرعت القبائل الأخرى إلى الدخول فى طاعته،
وقضى على ملك «النايمان»، ودخلت قبائله تحت إمرته فى سنة
(٦٠٠هـ)؛ التى اجتمعت فيها القبائل وأجمعت على اختيار
«تموجين» إمبراطورًا لها تحت اسم جنكيزخان. وتُعدُّ هذه السنة
بداية للدولة المغولية، التى وضع لها «جنكيزخان» مجموعة من
القوانين الصارمة عرفت باسم «دستور الياسّا» فى عام
(٦٠٣هـ)، وكان على كل من يخضع لهذه القوانين أن يدين لها
بالولاء، أما من يخرج عليها فليس له من جزاء إلا القتل فورًا،
وهكذا استطاع «جنكيزخان» أن يوحد شتات هذه القبائل فى
стр. 1318
دولة واحدة تخضع لدستور واحد، واستغل قُوى هذه الأقوام
والقبائل فى تكوين جيش قوى استطاع به - بعد ذلك- أن يطيح
بالدول المجاورة له، الواحدة تلو الأخرى. وتوفى جنكيز خان
سنة ٦٢٤هـ بعد حياه حافلة بالحروب والدمار.
стр. 1319
* سعد الدولة اليهودى
هو طبيب يهودى عاش فى عهد أرغون خان أحد سلاطين الدولة
الإيلخانية، وكان اجتماعيا؛ يكثر الاختلاط بالناس ويوسع دائرة
معارفه بينهم، كما كان ملما بأحوال الموظفين والصيارفة فى
«بغداد»، ويجيد عدة لغات، ويعمل بالطب الذى كان وقفًا فى
بلاد الإيلخان على اليهود وحدهم، ولذا عملوا على التدخل فى
شئون الدولة من خلال عملهم، وحملوا الإيلخان «أرغون» على
تعيين «سعد الدولة» طبيبًا لبلاطه، وتصادف أن اعتلَّت صحة
الإيلخان، ومرض مرضًا شديدًا، وتمكن «سعد الدولة» من معرفة
الدواء المناسب لمرضه، فشفى «الإيلخان»، وكافأ «سعد
الدولة» وقرَّبه منه، وزاد قدره عنده، فاستغل الطبيب ذلك،
وأخذ يشى بالأمير «بوقا» ويزيِّن للسلطان التخلص منه، حتى
أوغر صدره ضده، فأمر السلطان بالقبض على «بوقا» وقتله
بتهمة التآمر على السلطان، وتعيين الطبيب «سعد الدولة» وزيرًا
له على البلاد. استطاع الوزير سعد الدولة أن يستميل إليه قلوب
الناس برفع المظالم عنهم، وإجراء الصدقات على فقرائهم
ومحتاجيهم، فمدحه الشعراء، وقصد بابه الأدباء والعلماء، ولكنه
لم يكد يطمئن إلى ثبات مركزه فى الدولة، وارتفاع منزلته عند
السلطان حتى أخذ يكيد للمسلمين ويعمل على التضييق عليهم،
فضاقوا به وتحينوا الفرصة للخلاص منه، كما ضاق به الأمراء
المغول لاستبداده بالحكم، وقضائه على ما كانوا يتمتعون به من
نفوذ، وانتظروا كذلك الفرصة للقضاء عليه، فمرض «أرغون»
فجأة، واشتد عليه المرض، وحاول الأطباء برئاسة «سعد الدولة»
معالجته وإنقاذه بكل السبل، ولكنهم عجزوا عن ذلك، فقبض
الأمراء المغول على «سعد الدولة» وقتلوه فى شهر صفر سنة
(٦٩٠هـ)، ولم يلبث الإيلخان بعده إلا فترة قصيرة ثم مات، فعمت
مشاعر البهجة والسرور أنحاء البلاد الإسلامية؛ لمقتل «سعد
الدولة»، وثار الناس على اليهود فى كل مكان، وقتلوا منهم
عددًا كبيرًا.
стр. 1320
* حسن الجلائرى
هو تاج الدين شيخ حسن بزرك بن حسين أول حكام «آل جلائر»
ومؤسس دولتهم «الجلائرية»، وثالث مَن تولى الحكم فى «الدولة
الإيلخانية»، وقد امتد سلطانه إلى «العراق»، واتخذ «بغداد»
عاصمة له، وأعلن نفسه ملكًا عليها، فظهرت بذلك الدولة
«الجلائرية» إلى حيز الوجود. شهدت اللبنات الأولى لقيام «الدولة
الجلائرية» عدة حروب بين الأمراء المغول بهدف الوصول إلى
الحكم، إلا أن «حسن الجلائرى» تمكن من الاستقلال بالعراق
واستطاع أن يوحد الصفوف لتأسيس دولته الوليدة، ومع ذلك لم
تتوقف الصراعات والحروب مع بقايا الإيلخانيين، إلى أن تمكن
«الشيخ حسن الجلائرى» من طردهم إلى خارج حدود دولته
- «العراق» - فى عام (٧٤٨هـ= ١٣٤٧م). كان «الشيخ حسن
الجلائرى» سياسيا حكيمًا، وأراد أن يضمن لدولته قوتها
ووحدتها، فلم يعلن نفسه خانًا أو سلطانًا؛ بل أعلن ولاءه
للسلطان المملوكى فى «مصر» ليكون سنده الذى يحتمى به إذا
ما فكر المغول فى غزوه، خاصة وأن دولته قريبة ومتاخمة
للإمارات والممالك المغولية فساعده هذا التصرف على استقرار
بلاده، وشجعه على الاستيلاء على «لورستان»، و «الموصل»،
و «تستر»، وبسط نفوذه على غيرها، فاتسعت رقعة بلاده،
وامتد نفوذ حكمه، ثم مات فى عام (٧٥٧هـ = ١٣٥٦م)
стр. 1321
* أويس الجلائرى
هو «الشيخ أويس بن حسن الجلائرى»، تولى حكم الدولة
الجلائرية بعد وفاة أبيه سنة ٧٥٧هـ = ١٣٥٦م، وقد بلغت الدولة
فى عهده أقصى اتساع لها، إذ ضم إليها «أذربيجان»،
و «آران»، و «موقان»، واتخذ من «تبريز» عاصمة لبلاده، وانتقل
نشاط الدولة السياسى ومركزها من «العراق» إلى «أذربيجان»،
فأدى ذلك إلى قيام حركات التمرد فى «بغداد» على
الجلائريين، وكانت حركة «مرجان» نائب «الشيخ أويس» على
«بغداد» من أشهر هذه الحركات، وكان «مرجان» طواشيا
للشيخ أويس. لقد أخطأ «الشيخ أويس» فى حساباته عندما
ابتعد عن «العراق» واتخذ له عاصمة فى «إيران»، فضلا عن
تقريبه الفرس دون العرب، فكانت النتيجة انضمام العرب بمختلف
طوائفهم إلى «مرجان» وحركته، وحُذف اسم «الشيخ أويس» من
الخطبة؛ رمز السيادة فى الدولة، وخُطب للسلطان المملوكى فى
«مصر». خرج «الشيخ أويس» من «تبريز» إلى «بغداد» فى سنة
(٧٦٥هـ = ١٣٦٣م)، واستطاع وزيره أن يستميل أعوان «الخواجة
مرجان» إلى صفه، فانفضوا من حول «مرجان» وفشلت حركته،
ودخل «الشيخ أويس» «بغداد» ثم جعل «شاه خازن» نائبًا له
عليها، ولكن «مرجان» لم ييأس من المحاولة، وعاد مرة ثانية
إلى حكم «بغداد» عقب وفاة «شاه خازن»، مما يؤكد حب أهل
«العراق» لمرجان ومكانته عندهم، فاضطر «الشيخ أويس» إلى
الصفح عنه، ثم أرسل ابنه «الشيخ علىّ» ليحكم «العراق». وقد
تُوفى «الشيخ أويس» عام (٧٧٦هـ = ١٣٧٣م)
стр. 1322
* تيمور لنك
هو «تيمور بن ترغاى بن أبغاى» مؤسس الدولة التيمورية، أحاط
المؤرخون نسبه بهالة من الرفعة وعلو الشأن، ليبرروا استيلاءه
على «بلاد ما وراء النهر»، فقد كان أبوه «أمير مائة» عند
السلطان المغولى، وكان المغول يستخدمون الأتراك فى
دواوينهم، وأكثروا منهم، حتى صارت اللغة التركية هى لغة
البلاط والمجتمع فى «بلاد ما وراء النهر»، فلما دخلت «الدولة
المغولية» مرحلة الاضمحلال والضعف؛ قامت «الدولة الجغتائية»
بمساعدة قبيلة «برلاس»، فحفظ الجغتائيون هذا الجميل، وولوا
«تيمور لنك»، ولاية «كش»، حين التجأ إليهم أثناء الاضطرابات
التى عصفت ببلاد «ما وراء النهر» ثم لم يلبث أن أخرج
الجغتائيين من بلاد «ما وراء النهر»، وطارد قبائل «الجتة»
البدوية؛ التى اتسمت بالعنف والوحشية، وتمكن من طردهم من
«بلاد ما وراء النهر»، ثم أعلن نفسه سلطانًا فى بلخ» على هذه
المنطقة، واتخذ «سمرقند» عاصمة لملكه، وأعلن ذلك رسميا فى
عام (٨٠٠هـ = ١٣٩٧م)، ثم مضى فى تنظيم حكومته الجديدة،
واتبع قانون «جنكيزخان» (الياسا المغولية)، بما لا يتعارض مع
القرآن الكريم والسنة النبوية. كان «تيمور لنك» ميالا إلى الفتح
والتوسع، وغزا «خوارزم» فى عام (٧٧٣هـ)، ثم دخلها وسيطر
عليها فى عام (٧٨١هـ)، فأضحت «آسيا الوسطى» كلها تحت
سلطانه. بدأ حكم «تيمور كورخان» (تيمورلنك) منذ دخل
«سمرقند» فى عام (٧٧١هـ = ١٣٢٩م)، فكوَّن مجلس شورى من
كبار الأمراء والعلماء، وعلى الرغم من أنه كان الحاكم الفعلى
للبلاد، فإنه عمد إلى اختيار الأمير الجغتائى «سيورغتمش بن
دانشمندجة»، وجعله رمزًا للحكم ولقبه بلقب السلطان فى الفترة
من سنة (٧٧١هـ = ١٣٢٩م) إلى سنة (٧٩٠ هـ = ١٣٨٧م)، ثم اتخذ
من بعده «محمود بن سيورغتمش» من عام (٧٩٠هـ = ١٣٨٧م) إلى
عام (٨٠٠هـ = ١٣٩٧م). وقد اتسمت سياسة «تيمور لنك»
بالتوسع، فزحف إلى «إيران» فى سنة (٧٨٢هـ = ١٣٨٠م)،
стр. 1323
وتمكن من الاستيلاء على «خراسان» و «جرجان»، و «مازندران»،
و «سيستان»، و «أفغانستان»، و «فارس»، و «أذربيجان»،
و «كردستان»، ثم دخل «جورجيا» وغرب «إيران» فى عام
(٧٨٦هـ = ١٣٨٤م)، وتمكن من فتح «العراق» و «سورية» (حلب
ودمشق)، وهزم المماليك فى الشام، وحقق انتصارات عظيمة فى
«الهند» عقب وفاة «فيروزشاه» سلطان «دلهى» فى عام
(٧٩٩هـ = ١٣٩٧م)؛ حيث استولت جيوشه على حصن «أوكا»،
وأسقطت «الملتان»، وفتحت «آباد»، ودخلت «هراة» بالأمان،
ولاقى «تيمورلنك» مقاومة شديدة وصعوبة فى دخول «دهلى»
على يد سلطانها «محمود تغلق»، ولكن هذه المقاومة لم تستمر
طويلا، ودخل «تيمور» هذه المدينة، فقدم إليه أعيانها وعلماؤها
فروض الولاء والطاعة، وخُطب له فيها، وعلى الجانب الآخر حقق
«تيمورلنك» انتصارات كثيرة على الأتراك العثمانيين، وأسر
حاكمهم «بايزيد خان». وتُوفى «تيمورلنك» فى «أترار» عن
عمر يناهز السبعين عامًا فى سنة (٨٠٧هـ = ١٤٠٥م) بعد أن
دانت له البلاد من «دهلى» إلى «دمشق»، ومن «بحيرة آرال»
إلى «الخليج العربى»
стр. 1324
* شاه رخ بن تيمور لنك
أحد سلاطين الدولة التيمورية، تولى العرش بعد وفاة أبيه تيمور
لنك سنة (٨٠٧هـ = ١٤٠٥م) واستمر فى الحكم إلى سنة (٨٥٠هـ
= ١٤٤٧م) فعاشت البلاد فى عهده أفضل فترات الحكم؛ إذ كان
محبا للعلم والعلماء، حفيا بالثقافة، كما كان عادلا تقيا ورعًا،
فاشتهر بسلوكه الحسن وسيرته الطيبة بين الرعية. ولى
«شاهرخ» أملاك «الدولة التيمورية» فيما عدا «سوريا»
و «العراق العربى»، فقام بإصلاحات كثيرة فى البلاد، وشيد
المبانى، وبنى المدارس الكثيرة فى «بخارى» و «سمرقند»،
وأنشأ مرصده الشهير، وتوفى شاه رخ سنة ٨٥٠هـ = ١٤٤٧م.
стр. 1325
* أبو سعيد السيرافى
أحد علماء اللغة والأدب فى العصر العباسى، ولى القضاء ببغداد
،وكان من أعلم الناس بنحو البصريين، ومن بين مؤلفاته كتاب
«أخبار النحويين البصريين» وكتاب «الوقف والابتداء». يقول
عنه ابن خلكان: «كان الناس يشتغلون عليه بعدة فنون: القرآن
الكريم والقراءات وعلوم القرآن والنحو واللغة والفقه والفرائض
والحساب والكلام والشعر والعروض والقوافى»، وتوفى ببغداد
سنة (٣٦٨هـ = ٩٧٩م).
стр. 1326
* ابن جنى
هو «أبو الفتح عثمان بن جنى»، يُعَدُّ من أعظم علماء اللغة، لا
فى العصر العباسى الثانى فحسب؛ بل على امتداد العصور
الإسلامية كلها، ولد بالموصل وتوفى ببغداد سنة (٣٩٢هـ =
١٠٠٢م). ومن بين كتبه الذائعة الشهرة الزاخرة بالقيمة فى مجال
اللغة كتاب «الخصائص» وله أيضًا «سر صناعة الإعراب»،
و «المذكر والمؤنث»، و «المقصور والممدود»، «واللمع» وغير
ذلك. وقد شرح ابن جنى ديوان المتنبى وكان من المعجبين
بشعره. وكان ابن جنى صاحب حس أدبى مرهف، وقد انعكس
ذلك على كتاباته العلمية التى اتسم أسلوبها بالجمال الأخَّاذ
فضلاً عن الدقة البالغة.
стр. 1327
* الشريف الرضى
من أبرز شعراء العصر العباسى الثانى، ينتهى نسبه إلى
الحسين بن على بن أبى طالب، كان وثيق الصلة بالخليفة القادر
بالله (٣٨١ - ٤٢٢ هـ = ٩٩١ - ١٠٣١م)، وتوفى ببغداد سنة (٤٠٦هـ
= ١٠١٥م)، وعَدَّه بعض النقاد أشعر قريش. يقول عنه الثعالبى
فى يتيمة الدهر: «هو أشعر الطالبيين من مضى منهم ومن غبر،
على كثرة شعرائهم المفلقين، ولو قلت إنه أشعر قريش لم أبعد
عن الصدق، وسيشهد بما أخبر به شاهد عدل، من شعره العالى
القِدْح الممتنع عن القَدْح، الذى يجمع إلى السلاسة متانة وإلى
السهولة رصانة، ويشتمل على معانٍ يقرب جناها ويبعد مداها».
стр. 1328
* الجاحظ
هوأبو عثمان عمرو بن بحر إمام المنشئين فى تاريخ الأدب
العربى بلا جدال. كان على مذهب المعتزلة وكان موسوعى
الثقافة متجدد الفكر، وقد ترك أسلوبه بصمات واضحة على
أساليب كثير ممن جاءوا بعده، ومؤلفات الجاحظ عديدة وذائعة،
تنمّ عن ذهن ناضج وفكر متدفق، ومن أشهر كتبه: كتاب
«الحيوان» و «البيان والتبيين» و «البخلاء». وله رسائل مختلفة
طبعت تحت اسم «رسائل الجاحظ»، وهى تتناول موضوعات
شتى. وتوفى بالبصرة سنة (٢٥٥هـ = ٨٦٩م).
стр. 1329
* ابن العميد
هو أبو الفضل محمد بن العميد، من أبرز الذين تأثروا بالجاحظ
وحاولوا أن ينهجوا نهجه، ولتمكنه فى فن الإنشاء عرف باسم
«الجاحظ الثانى»، وهو الذى قيلت فيه العبارة المشهور: «بدئت
الكتابة بعبدالحميد وختمت بابن العميد»، وعبدالحميد هنا هو:
عبدالحميد بن يحيى كاتب مروان بن محمد آخر الخلفاء الأمويين،
عاش ابن العميد فى ظل البويهيين وعمل وزيرًا لركن الدولة -
الحسن بن بويه - وكان - كما يصفه ابن خلكان - «متوسعًا فى
علوم الفلسفة والنجوم، وأما الأدب والترسُّل فلم يقاربه فيه أحد
فى زمانه». ويصفه ابن الأثير بأنه كان من محاسن الدنيا، قد
اجتمع فيه ما لم يجتمع فى غيره من حسن التدبير وسياسة
الملك، والكتابة التى أتى فيها بكل بديع». وتوفى ابن العميد
سنة (٣٦٠هـ = ٩٧١م)
стр. 1330
* محمد ابن العميد
هو أبو الفضل محمد بن العميد، من أبرز الذين تأثروا بالجاحظ
وحاولوا أن ينهجوا نهجه، ولتمكنه فى فن الإنشاء عرف باسم
«الجاحظ الثانى»، وهو الذى قيلت فيه العبارة المشهور: «بدئت
الكتابة بعبدالحميد وختمت بابن العميد»، وعبدالحميد هنا هو:
عبدالحميد بن يحيى كاتب مروان بن محمد آخر الخلفاء الأمويين،
عاش ابن العميد فى ظل البويهيين وعمل وزيرًا لركن الدولة -
الحسن بن بويه - وكان - كما يصفه ابن خلكان - «متوسعًا فى
علوم الفلسفة والنجوم، وأما الأدب والترسُّل فلم يقاربه فيه أحد
فى زمانه». ويصفه ابن الأثير بأنه كان من محاسن الدنيا، قد
اجتمع فيه ما لم يجتمع فى غيره من حسن التدبير وسياسة
الملك، والكتابة التى أتى فيها بكل بديع». وتوفى ابن العميد
سنة (٣٦٠هـ = ٩٧١م)
стр. 1331
* الصاحب بن عباد
هو «أبو القاسم إسماعيل بن عباد» المعروف بالصاحب بن عباد،
لصحبته لابن العميد وتأثره به فى طرائقه. وكان يقال له أحيانًا
صاحب ابن العميد. وقد تولى الصاحب بن عباد الوزارة لمؤيد
الدولة بين ركن الدولة ثم لأخيه فخر الدولة، وفضلاً عن براعة
الصاحب فى فن الإنشاء - كأستاذه ابن العميد - فقد كان محبًا
للعلم ذواقة للأدب، كما كان شاعرًا جيد النظم. والجدير بالذكر
هنا أن كلا من ابن العميد والصاحب بن عباد كان له مجلس يحفل
بوجوه الشعراء والعلماء والمفكرين، وكان من بين المترددين
على مجلس ابن العميد أبو الطيب المتنبى شاعر العربية الأكبر،
وقد مدحه بقصيدة من عيون شعره، وتوفى الصاحب بن عباد
بمدينة الرى فى سنة (٣٨٥هـ = ٩٩٥م).
стр. 1332
* الحريرى
هو «أبو محمد القاسم بن على الحريرى البصرى»، من الذين
تميزوا فى مجال النثر الفنى فى العصر العباسى الثانى، اشتهر
بكتابة المقامات ووصل بهذا الفن إلى مداه، وقد حذا فى ذلك
حذو استاذه بديع الزمان الهمذانى. واعترف فى صدر مقاماته
بأنه جعل مقامات البديع مثالاً له. وقد توفى الحريرى فى حدود
سنة (٥١٦هـ = ١١٢٢م) بالبصرة إبان فترة نفوذ السلاجقة، وذلك
فى خلافة المسترشد بالله. والملاحظ أن شهرة مقامات الحريرى
بلغت من الانتشار حدا تتضاءل بجانبه شهرة مقامات الرائد الأول
بديع الزمان. وتكشف مقامات الحريرى عن البراعة الكبيرة
لصاحبها فى التصرف فى اللغة وتطويعها لما يريده من معان
وأفكار، وهى إحدى الوسائل المهمة لمن يبحثون عن إثراء
ملكاتهم اللغوية.
стр. 1333
* ابن قتيبة الدينورى
هو أبو محمد عبدالله بن مسلم أحد أعلام اللغة والأدب فى
العصر العباسى، ولد بالكوفة وتثقف بها وسكن بغداد زمنًا
ولكنه نسب إلى الدينور لأنه تولى قضاءها، وقد توفى ابن
قتيبة فى سنة (٢٧٦هـ = ٨٨٩م) فى خلافة المعتمد على الله،
وقد خلّف لنا ابن قتيبة عددًا من الموسوعات الأدبية المهمة يأتى
على رأسها كتاب «عيون الأخبار»، وكتاب «الشعر والشعراء»،
ومن كتبه الأدبية المهمة أيضًا كتاب «أدب الكاتب» الذى يتحدث
فيه عما يحتاج إليه الأديب من فنون المعرفة ليمارس صنعة
الكتابة على الوجه الأمثل.
стр. 1334
* الثعالبى أبو منصور
هو عبدالملك بن محمد بن إسماعيل، من أبرز أصحاب الموسوعات
الأدبية فىالعصرالعباسى، ولد بنيسابور فى سنة (٣٥٠هـ =
٩٦١م)، وتوفى فى سنة (٤٢٩هـ = ١٠٣٨م)، أى أنه عاش حياته
كلها فى فترة نفوذ البويهيين، وشهدت فترة تفتحه الأدبى
خلافة الطائع لله والقادر بالله، وتوفى فى خلافة القائم بأمر
الله، وكان الثعالبى غزير الإنتاج متنوع الاهتمامات العلمية،
ولكن يقف على رأس مؤلفاته جميعًا كتابه الموسوعى الضخم
«يتيمة الدهر فى محاسن أهل العصر»، وهو أكبر كتبه
وأحسنها وأجمعها كما يقول ابن خلكان، وهو من أربعة مجلدات
صرف فيها جل اهتمامه لشعراء القرن (٤هـ = ١٠م) ورتبهم على
أوطانهم، فقد تناول فى أبواب خاصة شعراء الشام ومصر
والمغرب والموصل والبصرة وبغداد وأصفهان والجبل وفارس
والأهواز وجرجان، وتحدث عن الدولة السامانية وشعرائها وعن
خوارزم، وتحدث أيضًا عن بنى بويه وشعرائهم وكتابهم،
وأسهب فى الحديث عن ابن العميد والصاحب بن عباد، كما
تحدث عن بلاط سيف الدولة وشعرائه وكتّابه، ولاشك أن يتيمة
الدهر تعد إحدى الموسوعات الأدبية الأساسية فى تاريخ الأدب
العربى، ولا تزال حتى يومنا هذا مصدرًا لا غنى عنه للباحثين
فى الحياة الأدبية فى القرن (٤ هـ = ١٠م).
стр. 1335
* محمد بن جرير الطبرى
هو أبو جعفر محمد بن جرير الطبرى، من أهم أعلام المؤرخين
فى صدر العصر العباسى الثانى، توفى سنة (٣١٠هـ = ٩٢٢م)
فى خلافة المقتدر بالله، وقد عاش الطبرى فى فترة التحول
المهمة التى انتقلت فيها الخلافة العباسية من عصرها الأول-عصر
القوة السياسية المركزية - إلى عصرها الثانى الذى بدأت فيه
السلطة المركزية تضعف ضعفًا ملحوظًا، وهكذا شهد الطبرى
معظم عصر نفوذ الأتراك، وقد ولد فى آمل بطبرستان فى سنة
(٢٢٤هـ = ٨٣٩م) وأخذته الرحلة فى طلب العلم إلى كثير من بقاع
العالم الإسلامى كالعراق والشام ومصر، ثم استقر به المقام
أخيرًا فى بغداد وبها مات ودفن، وقد ترك لنا الطبرى موسوعته
التاريخية الذائعة الصيت وهى: «تاريخ الأمم والملوك» المشهورة
باسم «تاريخ الطبرى»، فى عشرة مجلدات، وتناول الطبرى
فى هذه الموسوعة الضخمة تاريخ ما قبل الإسلام منذ بدء
الخليقة بقدر من الاختصار فى المجلد الأول وبعض الثانى، ثم جاء
علاجه المفصل للأحداث منذ بدأ يتناول سيرة الرسول - صلى الله
عليه وسلم - وسيرة الخلفاء الراشدين، وما تلا ذلك من تاريخ
الدولة الأموية والعباسية حتى عصره، وقد توقف الطبرى
بتاريخه عند أحداث سنة (٣٠٢هـ= ٩١٤م) فى خلافة المقتدر،
وتاريخ الطبرى منجم غنى بالمعلومات حافل بالروايات المختلفة
التى تقدم المادة الأساسية للباحث، وهناك إجماع فى الشرق
والغرب على أن هذا التاريخ يعدُّ عمدة الباحثين فى التاريخ
الإسلامى فى القرون الثلاثة الأولى للهجرة.
следующие страницы →