← История

История · id 36578

موسوعة سفير للتاريخ الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (3 483 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

فنقلوها من طور البداوة إلى طور الحضارة، ومن عهد الطفولة إلى عهد الشباب الغض، فأمنت بعد خوف، واستقرت بعد اضطراب، وأخذت الأرض زخرفها، وبلغت المدنية أوجها، وتحولت الصحارى الموحشة والأراضى القاحلة إلى مدن زاخرة وأرض خصبة، وتحولت الغابات إلى حدائق ذات بهجة، والأشجار البرية إلى أشجار مثمرة مدنية، ونشأت علوم لا علم للأولين بها، وفنون وأساليب فى الحضارة لا عهد لهم بها فى الماضى، وانتشرت التجارة، فكأنما ولدت هذه البلاد فى العهد الإسلامى ميلادًا جديدًا، ولبست ثوبًا قشيبًا). الجانب الحضارى: الحضارة الإسلامية فى العصر الأموى: تعنى الحضارة عند بعض الباحثين كل نشاط إنسانى فى الحياة، سواء أكان فكريا يتمثل فى العلوم والفنون والآداب، وما ينتج عن ذلك من نظم سياسية واقتصادية واجتماعية وإدارية، ومن عادات وتقاليد وأخلاق، أم كان ماديا ملموسًا، يتمثل فى البناء والتشييد والعمران، كبناء المدن والقرى وتخطيطهما، والتأنق فى بناء المساكن والمساجد، ودور التعليم والقلاع والحصون، كما تتمثل فى العناية بالأوضاع الاقتصادية للبلاد، كبناء السدود والخزانات لتخزين المياه واستخدامها فى الزراعة والصناعة، أو فى تعبيد الطرق وإقامة المصانع. وقد عرفت الحضارة الإسلامية فى العصر الأموى كل هذه الأنشطة، وهى وإن اشتركت مع غيرها من الحضارة الإنسانية فى بعض السمات، فإنها تتميز عنها بسمات خاصة بها؛ لأن الإسلام هو الذى أنشأها ورعاها وتمثلت فيها قيمه ومبادئه وسماحته ورحمته وآدابه. وهى كغيرها من الحضارات البشرية أخذت وأعطت وتعلَّمت من غيرها، وعلَّمت غيرها، وانفتحت على الحضارات كلها بما فيها من ثقافات وأفكار، شعارها: الحكمة ضالة المؤمن أنَّى وجدها فهو أحق الناس بها. ولقد قامت الحضارة الإسلامية على دعامتين أساسيتين: الدعامة الأولى: القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، وكان تأثيرهما فى نشوء

стр. 177

الحضارة الإسلامية وارتقائها وتألقها من وجهين: - الأول: حثهما على العلم والتعلم والتفكر فى الكون وأسراره، وتسخيره لمنفعة الإنسان، وعدهما طلب العلم فريضة على كل مسلم، ودعوتهما إلى رفع شأن العلم والعلماء، والشواهد على ذلك من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ كثيرة، من ذلك: قول الله تعالى: ﴿قل هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب﴾ [الزمر: من ٩]. وقوله تعالى: ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾. [المجادلة من١١]. وقوله تعالى فى أول ما نزل من القرآن: ﴿اقرأ باسم ربك الذى خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذى علَّمَ بالقلم﴾. [العلق: ١ - ٤]. وقوله ﷺ : (طلب العلم فريضة على كل مسلم). [ابن ماجة]. وقوله ﷺ أيضًا: (من سلك طريقًا يطلب به علمًا سهَّل الله له طريقًا إلى الجنة). [رواه الحاكم]. - الوجه الآخر: يتمثل فى العلوم الكثيرة التى انبثقت من القرآن والسنة كالتفسير وعلوم القرآن، والفقه والأصول، والحديث وعلومه، والمغازى والسير والتاريخ، واللغة العربية وآدابها وغير ذلك. الدعامة الأخرى: وهى دعامة لا يُنكَر دورها فى ازدهار الحضارة الإسلامية، وتتمثل فى التراث الحضارى الهائل، الذى ورثه المسلمون عن الأمم السابقة فى البلاد التى فتحوها، كتراث الحضارة الإغريقية والفارسية والهندية والمصرية القديمة. وكان من حسن الطالع أن ذلك التراث الحضارى كان موجودًا فى المناطق التى شملتها الدولة الأموية، فحافظت عليه وصانته من الضياع، وهو ما يحسب للأمويين، فلولا يقظتهم وسعة أفقهم لضاع من الإنسانية كثير من هذه الكنوز الحضارية، التى أنتجها العقل البشرى فى القرون السابقة لظهور الإسلام، غير أن الاستفادة الكاملة جاءت فى العصر العباسى، حيث بدأت ترجمة العلوم والفنون إلى اللغة العربية، وصُحِّحت أخطاؤها، ثم أضاف إليها المسلمون من

стр. 178

عبقريتهم الخلاقة ما شهد به علماء الغرب فى العصر الحديث. الإدارة والنظم فى العصر الأموى: أولا: الإدارة: اتسعت الدولة الإسلامية فى العصر الأموى وامتدت حدودها شرقًا من (الصين)، إلى (الأندلس) غربًا، ومن بحر (قزوين) شمالا إلى (المحيط الهندى) جنوبًا، وأصبحت تتكون من الأقسام الإدارية الآتية: ١ - الحجاز: ويشمل (مكة المكرمة) و (المدينة المنورة) و (الطائف)، وكان الوالى يقيم فى (المدينة). ٢ - اليمن: وكانت فى معظم الأحيان ولاية مستقلة، يحكمها والٍ يعين من قبل الخليفة، وأحيانًا أخرى كانت تضاف إلى والى (الحجاز)، فيعين عليها واليًا من قبله. ٣ - العراق: وتشمل حدودها الإدارية كل ولايات الدولة الفارسية القديمة، وأقاليم (ما وراء النهر) و (السند)، وكان الأمويون فى أغلب الأحيان يجعلون (العراق) والشرق الإسلامى كله تحت إدارة والٍ واحد، يُعيَّن من قبله ولاة على بقية الأقاليم، وقد حدث ذلك فى عهد (معاوية بن أبى سفيان)؛ حيث عهد إلى (زياد بن أبى سفيان) بولاية (العراق) والمشرق، وفى عهد (عبد الملك بن مروان) حيث ولَّى (الحجاج بن يوسف الثقفى) أمر المشرق كله. ٤ - الجزيرة: وتشمل ولايات (الموصل) و (أرمينيا)،و (أذربيجان). ٥ - الشام: ولم يكن يعين لها والٍ؛ حيث كانت هى مقر الخلافة الأموية، وكان الخليفة يقوم بهذا الدور. ٦ - مصر: وكان يتبعها (شمالىُّ إفريقيا)، ثم أصبحت ولاية مستقلة تقريبًا، منذ تولاها (موسى بن نصير) (٨٥هـ)، وعاصمتها (القيروان). ٧ - الأندلس: وكانت فى بداية الفتح الإسلامى لها تتبع ولاية (شمالى إفريقيا)، ثم أصبحت ولاية مستقلة منذ خلافة (عمر بن عبدالعزيز). وكان الخلفاء الأمويون يعينون لكل ولاية من هذه الولايات واليًا من قبلهم، وهو بدوره يختار مساعديه وأعوانه، وكانوا يحرصون فيمن يقع عليه اختيارهم للإمارة أن يكون من المعروفين بالحزم وحسن السياسة والقدرة الإدارية، وأن يكون من الأسرة الأموية نفسها، أو

стр. 179

من أكثر الرجال ولاءً وإخلاصًا لها. وتمتَّع هؤلاء الولاة بسلطات واسعة، مكنَّتهم من التصرف بما يرونه محققًا لمصالح الدولة والمجتمع، وكانت هذه السياسة التى اتبعها الأمويون مع ولاتهم مختلفة عن سياسة الخلفاء الراشدين؛ حيث كانت سلطات ولاتهم مقيَّدة، وحرصوا على الفصل بين السلطات السياسية والإدارية والعسكرية، وبين السلطات المالية والقضائية، بمعنى أنهم كانوا يعينون إلى جانب الوالى - الذى يُسمَّى والى الحرب والصلاة- واليًا لبيت المال يُسمَّى صاحب الخراج، وكان مسئولا أمام الخليفة مباشرة، حتى لا تمتد أيدى الولاة إلى أموال الدولة، كما كانوا يعينون القضاة للأقاليم بأنفسهم. أما فى العصر الأموى، فكان الولاة يشرفون غالبًا على الشئون المالية، ولاشك أن أسلوب الخلفاء الراشدين كان أسلم وأقوى حرصًا على المال العام. وإذا شئنا أن نستخدم التعبيرات العصرية فى مجال الإدارة قلنا إن إدارة الخلفاء الراشدين كانت مركزية، وكان ذلك مطلوبًا فى ذلك الوقت؛ حيث كانت الدولة فى مرحلة البناء، وكان الخلفاء الراشدون راغبين فى الاطلاع على كل شىء بأنفسهم، على حين كان طابع الإدارة الأموية لامركزيا، نظرًا لاتساع الدولة، وبُعد ما بين الولايات وعاصمة الخلافة فى (دمشق)، ولايعنى هذا أن الولاة كانوا فى العصر الأموى يفعلون ما يشاءون دون رقابة أو محاسبة من الخلفاء الذين لم يكونوا يترددون فى عزل أى والٍ مهما تكن درجة قرابته منهم إذا ثبت أنه أخل بواجبات وظيفته، أو لم يقم بما هو مكلف به على النحو الأكمل. وكانت دقة الأمويين فى اختيار ولاتهم هى التى مكنتهم من حكم هذه الدولة العملاقة وإدارتها وبسط الأمن والنظام فى ربوعها الممتدة الأطراف، التى ضمت شعوبًا مختلفة الأجناس واللغات والثقافات والعادات والتقاليد، ومن ثم فإن صهر هذه الشعوب فى بوتقة واحدة، وإخضاعها لنظام واحد، لم يكن أمرًا سهلا، فى وقت كانت فيه الخيل هى أسرع وسيلة للمواصلات.

стр. 180

وكان نجاح الأمويين فى إدارة الدولة الإسلامية بوساطة رجالهم - ومعظمهم كانوا من أفذاذ الرجال- دليلا على عبقرية إدارية، وقدرة فائقة فى فن الحكم وإدارة البلاد، ومهارة فى سياسة الناس، ولا يقلل من ذلك أخطاؤهم واتهامات ناقديهم. أبرز الولاة فى العصر الأموى: حفل العصر الأموى بالكثير من الأسماء اللامعة التى تألقت فى فن الحكم والإدارة، ومن أشهر تلك الأسماء: (عمرو بن العاص)، و (المغيرة بن شعبة)، و (عتبة بن أبى سفيان)، و (مروان بن الحكم)، (ومسلمة بن مخلد الأنصارى)، و (عقبة بن نافع)، و (عبدالعزيز بن مروان)، و (المهلب بن أبى صفرة) وأولاده، و (زهير بن قيس البلوى)، و (حسان بن النعمان الغسانى)، و (مسلمة بن عبدالملك)، و (قتيبة بن مسلم الباهلى)، و (محمد بن القاسم الثقفى)، و (موسى بن نصير)، وابنه (عبدالعزيز)، و (طارق بن زياد)، و (قرة بن شريك)، و (عبدالحميد بن عبدالرحمن)، و (الجراح بن عبدالله الحكمى)، و (عدى بن أرطأة)، و (السمح بن مالك الخولانى). كما برز (عمر بن هبيرة)، و (بشر بن صفوان)، و (العباس بن الوليد)، و (خالد بن عبدالله القسرى)، وأخوه (أسد بن عبدالله)، و (يوسف بن عمر الثقفى)، و (الجنيد بن عبدالرحمن)، و (أشرس بن عبدالله السلمى)، و (مروان بن محمد بن مروان)، و (يزيد بن عمر بن هبيرة)، و (نصر بن سيار). ثانيًا: النظم فى العصر الأموى: كان من الطبيعى عندما قامت الدولة الأموية أن يتوسَّع الأمويون فى إنشاء الأجهزة الإدارية والدواوين؛ لملاءمة تطور الحياة، واتساع مساحة الدولة الإسلامية المتزايد، وهذه الدواوين تقوم بالأعمال والاختصاصات التى تقوم بها الوزارات فى الدول المعاصرة، فديوان الجند الذى أنشأه (عمر بن الخطاب) كان يقوم بالعمل الذى تقوم به وزارة الدفاع حاليًا، ففيه تُدوَّن أسماء الجند وأعطياتهم - رواتبهم - ورتبهم العسكرية، وكانت الأسماء تُدوَّن حسب القبائل، حتى تتميز

стр. 181

كل قبيلة من غيرها، كما يقول (الماوردى)، (فكأن كل قبيلة كانت تمثل فرقة من فرق الجيش). وإلى جانب (ديوان الجند) نشأ (ديوان العطاء)، وهو المختص بالمخصصات المالية التى كانت تدفعها الدولة للناس، و (ديوان الخراج) وهو يشبه وزارة المالية فى الوقت الحاضر، فكل موارد الدولة المالية كانت تدخل إلى هذا الديوان، مثل غنائم الفتوحات، وخراج الأرض، والزكاة، والعشور، وهى ضرائب كانت تُوخَذ من التجار الذين يدخلون بتجارتهم إلى البلاد الإسلامية، وهى شبيهة برسوم الجمارك فى الوقت الحاضر، وكانت هذه الضريبة على ثلاثة أنواع تبعًا لنوعية التجار، فالتجار المسلمون يؤخذ منهم ربع عشر تجارتهم، والتجار من أهل الذمة من مواطنى الدولة الإسلامية يؤخذ منهم نصف العشر، أما التجار من الكفار الذين يدخلون البلاد الإسلامية بتجارتهم، فيؤخذ منهم العشر. وكانت حصيلة تلك الأموال تدخل (ديوان الخراج)، ويُنقَق منها على الجند، والموظفين، والمرافق العامة للدولة، وهذا الديوان كان موجودًا من عصر الراشدين، لكنه تطوَّر واتسع نطاق عمله باتساع الدولة فى العصر الأموى. وهناك دواوين أخرى أنشأها الأمويون أنفسهم، منها: ديوان البريد: وأصل هذا الديوان فى الواقع كان موجودًا منذ عهد النبى - صلى الله عليه وسلم -، فقد بعث كثيرًا من الرسائل إلى الملوك والأمراء المعاصرين له، يدعوهم إلى الإسلام، وحمل هذه الرسائل سفراء ومبعوثون من قِبله، لكن (معاوية بن أبى سفيان) أنشأ لهذا النوع من العمل ديوانًا خاصا، وهو الجديد فى ذلك الأمر، وجعل له موظفين معينين، يقومون على العمل به، وقام (ديوان البريد) بمهمتين: - الأولى: نقل الرسائل من دار الخلافة وإليها، وكان بعضها رسائل داخلية، وهى المتبادلة بين الخليفة وولاة الأقاليم وكبار الموظفين، وبعضها الآخر رسائل خارجية وهى التى يتبادلها الخليفة مع ملوك الدول الأجنبية وزعمائها.

стр. 182

- والأخرى: مراقبة أعمال الولاة وكبار الموظفين، ومتابعة سلوكهم وأسلوبهم فى إدارة ولاياتهم، وموافاة الخلافة بتقارير منتظمة؛ حتى يكون الخليفة على علم تام بكل ما يجرى فى كل الولايات. وكانت تلك المهمة جليلة الشأن، تُطْلع الخليفة على أى خلل أو قصور فى الإدارة، فيسارع إلى تدارك ذلك، ولذا اهتم الأمويون بديوان البريد اهتمامًا عظيمًا لأثره البالغ فى حسن سير الإدارة ومراقبة الموظفين. ديوان الخاتم: وهو يختص بحفظ نسخة من المراسلات التى كانت تدور بين الخليفة وولاته وكبار موظفيه فى الداخل، أو بينه وبين غيره من الحكام الأجانب، بعد ختمها بخاتم خاص، وهو بذلك أشبه ما يكون بإدارة الأرشيف فى النظم الإدارية الحديثة، وكانت النسخة المرسَلة تُطوَى وتغلق بالشمع، حتى لا يمكن فتحها والاطلاع على محتوياتها إلا عند الضرورة، وقد أنشأ هذا الديوان (معاوية بن أبى سفيان)؛ لمنع التزوير والتلاعب فى مراسلات الدولة. وكان ختم الرسائل بخاتم خاص معروفًا فى الدولة الإسلامية منذ عهد النبى ﷺ ، فعندما عزم النبى - صلى الله عليه وسلم - على إرسال رسائله إلى الملوك والأمراء المعاصرين له، لدعوتهم إلى الإسلام، قال له بعض أصحابه: إن الأعاجم - يقصدون (كسرى) و (قيصر) - لا يقبلون رسالة إلا إذا كانت مختومة؛ فاتخذ خاتمًا من فضة لختم رسائله، نقش عليه: محمد رسول الله، واتخذ له حاملا خاصًا، سُمى (حامل خاتم النبى)، وكان اسمه (معيقب بن أبى فاطمة الدوسى)، وظل الخلفاء الراشدون يستخدمونه فى ختم رسائلهم حتى سقط من يد (عثمان بن عفان) - رضى الله عنه - فى بئر (أريس)، فاتخذ خاتمًا آخر صنع على مثاله، لكن (معاوية بن أبى سفيان) طوَّر تلك البدايات طبقًا لمقتضيات العصر، واتساع رقعة الدولة، وكثرة المراسلات المتبادلة. ديوان الرسائل: ووظيفته صياغة الكتب والرسائل والعهود التى كانت تصدر عن دار

стр. 183

الخلافة، سواء إلى الولاة والعمال فى الداخل، أو إلى الدول الأجنبية، كما يتلقى الرسائل الآتية من تلك الجهات أيضًا، وعرضها على الخليفة. وكان كُتاب ذلك الديوان يختارون بعناية، من بين المشهورين بالبلاغة والفصاحة، والمعروفين بالتبحر فى اللغة العربية وآدابها وعلوم الشريعة الإسلامية، والمتصفين بالمروءة والأخلاق الحميدة، كما يراعى أن يكونوا من أرفع الناس حسبًا ونسبًا. وقد حفل العصر الأموى بأفذاذ الكتَّاب، كان أشهرهم على الإطلاق (عبدالحميد بن يحيى)، كاتب الخليفة (مروان بن محمد)، آخر خلفاء (بنى أمية)، وصاحب الرسالة المشهورة التى وجهها إلى الكُتَّاب ناصحًا ومعلمًا، وهى آية من آيات الفصاحة والبلاغة، وضمّنَها الشروط التى يجب أن توجد فى من يقوم بتلك المهمة الجليلة بين يدى الخلفاء والأمراء. واختص (ديوان الرسائل) - إلى ما سبق - بقيامه بالعلاقات الخارجية مع الدول الأجنبية، وإشرافه على الوفود التى كانت تأتى من الخارج، لعقد معاهدة أو تبادل منافع، وتعهدهم فى بيوت الضيافة المعدة لذلك، وتعيين المرافقين لهم - حسب أهميتهم - طوال مدة إقامتهم، وإطلاعهم على المعالم والأماكن التى تستحق الزيارة، كما كان يشرف على الوفود التى كانت ترسلها الدولة الأموية إلى الخارج، وإعدادها الإعداد الكافى، وهذا يعنى أن (ديوان الرسائل) كان يقوم بما يشبه وظيفة وزارة الخارجية فى الحكومات المعاصرة. ديوان العمال: ويختص بتسجيل أسماء الموظفين المدنيين فى الدولة، وترتيب أعمالهم ووظائفهم، وتحديد رواتبهم، وقد سبقت الإشارة إلى أن سجلات ذلك الديوان فى (البصرة) وحدها فى ولاية (عبيدالله بن زياد) (٥٥ - ٦٤هـ)، كانت تحوى مائة وأربعين ألف موظف مدنى. تعريب دواوين الخراج: كانت كل الدواوين التى سبق الحديث عنها يجرى العمل فيها منذ نشأتها باللغة العربية، ما عدا (ديوان الخراج) الذى كان يستخدم

стр. 184

لغات أجنبية، كالفارسية فى بلاد فارس و (العراق)، واليونانية فى (مصر) و (الشام). وظل هذا الوضع مستمرا حتى خلافة (عبدالملك بن مروان) (٦٥ - ٨٦هـ)، الذى أخذ على عاتقه تعريب دواوين الخراج؛ لأن الضرورة التى دعت إلى استخدام اللغات غير العربية فيها قد زالت، بوجود عدد كافٍ من الموظفين العرب الذين يجيدون العمل فى تلك الدواوين، واستعد (عبدالملك) لهذا العمل استعدادًا جيِّدًا، بإعداد فريق كبير من العاملين العرب، المدربين للعمل فى دواوين الخراج، المجيدين للفارسية واليونانية؛ ليتسنَّى لهم ترجمة أعمال تلك الدواوين إلى العربية، ولم يكن ذلك العمل سهلا يسيرًا، وإنما تطلَّب جهدًا وعملا دائبًا. وأول ديوان عُرِّب هو (ديوان الخراج) المركزى فى (دمشق) عاصمة الخلافة الأموية وحاضرتها، وأشرف على ذلك العمل (سليمان بن سعد الخشنى) الذى كان يعد من أبرز الكتاب فى عهد (عبدالملك)، وشاركه عدد كبير من الموظفين، وقد نجح (سليمان) فى إنجاز ذلك العمل فى سنة كاملة، وكافأه الخليفة على ذلك بخراج إقليم الأردن كله لمدة عام، ممَّا يدل على أهمية ذلك العمل واهتمام الخلافة بإنجازه فى أقصر وقت. ثم تكفَّل (الحجاج بن يوسف الثقفى) والى (العراق) بنقل (ديوان الخراج) فيها، وفى بقية الأجزاء الشرقية من الدول الإسلامية إلى اللغة العربية، وعهد بتلك المهمة إلى كاتبه (صالح بن عبدالرحمن)، وأشرف (عبدالله بن عبدالملك بن مروان) والى (مصر) (٨٥ - ٩٠هـ) على نقل ديوان خراجها من اليونانية إلى العربية. واستمرت عملية تعريب دواوين الخراج نحو نصف قرن من الزمان، وكان آخر ديوان خراج تم تعريبه هو ديوان (خراسان)، على يد (نصر بن سيار) سنة (١٢٤هـ)، فى خلافة (هشام بن عبدالملك)، وبذلك أصبحت اللغة العربية هى اللغة الوحيدة السائدة فى كل المعاملات المالية فى الدولة الإسلامية. ولم يقتصر أثر تعريب الدواوين على النواحى المالية والإدارية، وإنما

стр. 185

كان له أثر عظيم فى انتشار الإسلام واللغة العربية فى البلاد المفتوحة، لأن أبناء تلك البلاد أقبلوا على تعلُّم العربية؛ ليبقُوا فى وظائفهم فى الديوان، ثم قادتهم العربية إلى معرفة الإسلام فأقبلوا على اعتناقه. وكما قام (عبد الملك بن مروان) بتعريب دواوين الخراج، أقدم على خطوة أخرى لا تقل أهمية عن تعريب الدواوين، وهى تعريب النقد المتداول فى الدولة، وكانت الدولة الإسلامية إلى عهده تستخدم الدنانير البيزنطية، فقضى على هذا وأمر بإنشاء دور لسك النقود فى (دمشق) وغيرها من المدن الإسلامية، لسك العملات التى تحمل شعارات إسلامية، وألغى تداول العملات غير الإسلامية، وبهذا صبغ الدولة كلها، بأجهزتها ودواوينها بالصبغة العربية الإسلامية. الحاجب: - (وظيفة الحاجب) من الوظائف المهمة فى الدولة الإسلامية، وهى وثيقة الصلة بدار الخلافة، واختص صاحبها بترتيب مواعيد الخليفة، وعرض الأعمال عليه، وتنظيم دخول القادمين لمقابلته من كبار رجال الدولة والأمراء والوزراء والقادة، فهى أشبه بوظيفة (رئيس ديوان رئاسة الجمهورية) فى النظم الجمهورية المعاصرة، أو وظيفة (رئيس الديوان الملكى) فى النظم الملكية. وقد حرص خلفاء (بنى أمية) أن يكون حُجَّابهم من أهل بيتهم، أو من أقرب الناس إليهم من أهل الشرف والحسب والنسب، ومن ذوى الفقه والرأى، والثقافة العالية، والعلم الغزير؛ لأنهم عدُّو (الحاجب) وجههم الذى يطالعون به الناس، ولسانهم الذى يتحدثون به إليهم، كما حرصوا أن يكون حجَّاب ولاتهم فى الأقاليم على المستوى نفسه. القضاء فى العصر الأموى: كان رسول الله ﷺ يتولَّى القضاء بنفسه فى (المدينة)، ثم أذن لبعض أصحابه بالقضاء بين الناس، لما انتشر أمر الدعوة الإسلامية فى شبه الجزيرة العربية، وكثرت القضايا والخصومات، وكانوا يقضون على أساس القرآن الكريم والسنة النبوية، والاجتهاد فيما لم يرد فيه نص من كتاب الله أو سنة رسوله،

стр. 186

ومن الصحابة الذين كانوا يتولون القضاء فى حياة النبى - صلى الله عليه وسلم - (عمر بن الخطاب) و (على بن أبى طالب)،و (معاذ بن جبل)، و (عبد الله بن مسعود)، وغيرهم. ولما بويع (أبو بكر الصديق) بالخلافة، وانشغل بمحاربة المرتدين وتسيير الجيوش لفتح (العراق) و (الشام)، وكثرت عليه أعباء الدولة؛ خصَّ (عمر بن الخطاب) بالقضاء فى (المدينة). وفى عهد (عمر بن الخطاب) اتسعت الدولة اتساعًا كبيرًا، فعيَّن قضاة من قبله على الولايات، فعيَّن (كعب بن سور) على قضاء (البصرة)، و (شريحا) على قضاء (الكوفة)، ومن أشهر من تولوا القضاء فى عهد (عمر) (أبو موسى الأشعرى)، الذى كتب له (عمر) رسالة مشهورة، بين له فيها أهم الأسس والمبادئ التى ينبغى للقاضى أن يسير عليها، واستمر (عثمان) و (على بن أبى طالب) فى تعيين القضاة من قبلهم على الولايات. وسار الأمويون على سنة الراشدين فى تعيين القضاة على الأقاليم، وحرصوا على أن يكون قضاتهم من أهل الاجتهاد والورع والتقى، ولم يتدخلوا فى عملهم، وخضعوا لأحكامهم مثل غيرهم من عامة الناس. وقد اتسعت دائرة عمل القضاة فى العصر الأموى، نظرًا إلى اتساع مساحة الدولة، وكثرة المشاكل والمنازعات بين الناس، مما أدَّى إلى اتساع دائرة الفقه الإسلامى، لأن كثيرًا من أحكام القضاة فى تلك الفترة أصبحت قواعد فقهية عند تدوين الفقه بعد ذلك، وكان بعض القضاة يسجل أحكامه فى القضايا التى يفصل فيها، وأول من فعل ذلك قاضى (مصر) (سليم التجيبى) فى عهد (معاوية بن أبى سفيان). ومن أشهر القضاة فى العصر الأموى (أبو إدريس الخولانى)، و (عبد الرحمن بن حجيرة)، و (أبو بردة بن أبى موسى الأشعرى)، و (عبد الرحمن بن أذينة)، و (هشام بن هبيرة)، و (عامر بن شراحبيل الشعبى)، و (عبد الله بن عامر بن يزيد اليحصبى)، وكثيرون غيرهم. قضاء المظالم: استُحدث هذا النظام القضائى فى العصر الأموى، وهو نوع من أنواع

стр. 187

القضاء المستعجل، الذى يتطلب البتّ السريع فى القضايا التى لا تحتمل الانتظار، ويبدو أن الذى أدَّى إلى استحداث هذا النوع من القضاء هو حدوث خصومات بين أطراف غير متكافئة، كأن يكون أحد طرفى الخصومة أميرًا أو واليًا أو من عِلْية القوم، الأمر الذى يتطلب حزمًا وشدة، لردع الخصم المتعالى. ولم يُعمَل بهذا النوع من القضاء فى عهد النبى ﷺ ولا فى عصر الخلفاء الراشدين، لأن الناس كانوا فى الغالب لا يتعالى أحدهم على خصمه، على حين تغيَّر الحال بعض التغيُّر فى العصر الأموى، ولم يعد الوازع الدينى كما كان فى العهد النبوى وعصر الراشدين، ولم يعد القضاء العادى كافيًا للفصل فى جميع المنازعات، لمجاهرة بعض الناس بالظلم والتعالى على الخصوم، فدعت الضرورة إلى إنشاء هذا النوع المسمى بقضاء المظالم، وكان له ديوان يعرف بديوان المظالم، وكانت سلطته أعلى من سلطة القاضى. ونظرًا إلى أهمية هذا القضاء وما يتطلبه من الحزم والهيبة، فقد كان بعض خلفاء (بنى أمية) يتولونه بأنفسهم، وأول من جلس منهم لقضاء المظالم هو (عبدالملك بن مروان). وكما كان قاضى المظالم يقضى بين الأفراد عامة، فإنه كان يقضى بين الأفراد وكبار المسئولين، الذين يحيدون عن طريق العدل والإنصاف من الولاة وعمال الخراج. الحسبة: (الحسبة) نظام إسلامى يقوم بالإشراف على المرافق العامة، ومنع أى انحراف، وعقاب المذنبين، وهى وظيفة دينية شبه قضائية، عرفها التاريخ الإسلامى من بدايته. تقوم على فكرة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، امتثالا لقوله تعالى: ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر﴾ [آل عمران: من ١٠٤]. والأصل فى هذا النظام الإسلامى هو قيام الناس جميعًا بهذا الواجب الذى هو من فروض الكفاية، لكن الدولة الإسلامية لم تدع ذلك الأمر للأفراد؛ خوفًا من حدوث فتن ومشاحنات، وإنما نظَّمته، وجعلته

стр. 188

وظيفة خاصة لها مسئول، يعاونه عدد كبير من الناس. ولا يعنى تنظيم الدولة لوظيفة (الحسبة) منع الأفراد من الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، بل من واجبهم القيام بهذا، بشرط أن يكون القائم به عالمًا فقيهًا، وألا يؤدى أمره بالمعروف إلى منكر، ونهيه عن المنكر إلى منكر أشد، وأن يكون عمله عن طريق النصيحة. ولما لم يكن من طبيعة الناس كلهم الاستجابة إلى النصح بالتى هى أحسن، فقد نشأت وظيفة (المحتسب)، واشترط فى شاغلها أن يكون من أهل الهيبة، ليضرب بقوة على أيدى العابثين بأمن المجتمع فى غذائه وصناعته وتجارته، وعلى من لا يراعى أصول الشريعة ومبادئها فى سلوكه، ويضايق الناس بأقواله وأفعاله. ولم يقتصر عمل (المحتسب) على ضبط سلوك العامة، ومراقبة أعمالهم، وإنما شمل كبار موظفى الدولة، لحملهم على أداء عملهم على أفضل ما يكون، ومنعهم من الفساد والتعدى على الناس وقبول الرشوة، وغير ذلك. وبدأ نظام (الحسبة) مع بداية الدولة الإسلامية، مثل غيره من النظم التى سبق الحديث عن بعضها، فقد ثبت فى الصحيح أن الرسول ﷺ كان أول من باشر عمل (المحتسب) بنفسه، مما يدل على أهميته، فروى (أبو هريرة) - رضى الله عنه - أن رسول الله ﷺ مرَّ على رجل يبيع القمح فى سوق (المدينة) وأمامه صبرة - كومة كبيرة - فأدخل فيها يده الشريفة، فأصابت بللا، فقال: (ما هذا يا صاحب الطعام؟). فقال: أصابته السماء يا رسول الله. فقال ﷺ : (أفلا جعلته فوق الطعام كى يراه الناس؟ من غشَّ فليس منَّا). [صحيح مسلم]. وكان النبى ﷺ يعين من الصحابة من يقوم بهذا العمل ويراقب الأسواق لمنع الغش فى كل شىء، فكلَّف (عمر بن الخطاب) بمراقبة سوق (المدينة المنورة)، وعين (سعيد بن العاص) لمراقبة سوق (مكة) بعد فتحها. واستمر الخلفاء الراشدون يباشرون عمل (المحتسب) بأنفسهم أحيانًا،

стр. 189

وينيبون غيرهم للقيام به فى أحيان أخرى. ولما اتسعت الدولة الإسلامية فى عصر (بنى أمية)، عجز الخلفاء عن القيام بعمل (المحتسب) بأنفسهم؛ لانشغالهم بمهام كثيرة سياسية وإدارية وعسكرية، وخصصوا لهذا العمل من يقوم به، وأصبح نظام (الحسبة) ووظيفة (المحتسب) من أهم النظم الإسلامية التى تعمل على سلامة المجتمع، وتنقيته من كل المفاسد. وقد امتد عمل (المحتسب) إلى كل مجالات الحياة تقريبًا، وقد لخَّص (ابن خلدون) فى مقدمته اختصاصات (المحتسب) فقال: (ويبحث - المحتسب - عن المنكرات، ويعزِّر ويؤدب على قدرها، ويحمل الناس على المصالح العامة فى المدينة، مثل المنع من المضايقة فى الطرقات، ومنع الحمالين وأهل السفن من الإكثار فى الحمل - لئلا تغرق السفينة بمن فيها - والحكم على أهل المبانى المتداعية للسقوط بهدمها، وإزالة ما يتوقَّع من ضررها على السابلة - أى: المارة فى الطريق - والضرب على أيدى المعلمين فى المكاتب وغيرها فى الإبلاغ - أى المبالغة - فى ضربهم للصبيان المتعلمين، ولا يتوقف حكمه على تنازع أو استعداء، بل له النظر والحكم فيما يصل إلى علمه من ذلك، ويرفع إليه، وليس له الحكم فى الدعاوى مطلقًا، بل فيما يتعلق بالغش والتدليس فى المعايش وغيرها، وفى المكاييل والموازين، وله أيضًا حمل المماطلين على الإنصاف، وأمثال ذلك مما ليس فيه سماع بيِّنة، ولا إنفاذ حكم، وكأنها أحكام ينزَّه القاضى عنها لعمومها، وسهولة أغراضها، فتدفع إلى صاحب هذه الوظيفة ليقوم بها، فوضعها على ذلك أن تكون خادمة لمنصب القضاء). وإذا نظرنا إلى عمل (المحتسب) الذى هدفه هو راحة الناس فى ضوء النظم الحكومية المعاصرة نجده موزعًا بين العديد من الوزارات والهيئات، مثل وزارة التموين، والصحة، والصناعة، والتعليم، والزراعة، والداخلية، والنيابة العامة، ومصلحة الدمغة، والموازين، والمرافق بمختلف أنواعها. الشرطة:

стр. 190

يُعدُّ جهاز (الشرطة) من أقدم الأجهزة فى الدولة الإسلامية، فقد عُرف منذ عهد النبى ﷺ ، وكان له (صاحب شرطة) - أى رئيس لها - فعن (أنس بن مالك) أنه قال: (كان قيس بن سعد بن عبادة من النبى ﷺ بمنزلة صاحب الشرطة من الأمير). [صحيح البخارى]. ومن الذين عُرفوا بالقيام بوظيفة الشرطى فى (المدينة) فى عهد الرسول ﷺ : (سعد بن أبى وقاص) و (بديل بن ورقاء)، و (أوس بن ثابت بن عرابة)، و (رافع بن خديج). واستمر الخلفاء الراشدون فى الاستعانة ببعض الصحابة للقيام بعمل الشرطى؛ استتبابًا للأمن، وحفظًا للنظام، وتعقبًا للجناة والمفسدين فى الأرض، وتنفيذًا للأحكام والحدود التى يحكم بها القضاة. وقد ازدادت أهمية جهاز (الشرطة) فى الدولة الأموية، نظرًا إلى الظروف التى كانت تحيط بها، وكثرة الخارجين عليها والثائرين ضدها، فتوسعت فى استخدام (الشرطة)، حتى أصبح جهازًا من أكبر أجهزة الدولة، قادرًا على حفظ الأمن وتطهير البلاد من عناصر الفساد والعبث بالنظام العام للمجتمع. وحرص الأمويون على اختيار رجال شرطتهم من أهل الشرف والبأس الشديد، والعفة والمروءة والحزم، وأعطوا (صاحب الشرطة) الحرية التامة فى اختيار معاونيه، ليؤدوا مهمتهم على الوجه الأكمل، فيروى عن (الحجَّاج بن يوسف الثقفى) والى (العراق) والمشرق الإسلامى أنه قال: (دلونى على رجل للشرطة)، فقيل له: (أى الرجال تريد؟) قال: (أريده دائم العبوس - أى جاداً فى ملامحه- طويل الجلوس، سميق الأمانة، أعجف الخيانة -أى لا يخون-) فقيل له: (عليك بعبد الرحمن بن عبيد التميمى)، فأرسل إليه يستعمله على (الشرطة)، فقال: (لست أقبلها إلا أن تكفينى عيالك وولدك وحاشيتك)، فقال (الحجاج): (يا غلام نادِ فى الناس: من طلب إليه منهم حاجة فقد برئت منه الذمة). ويعلّق (الشعبى) راوى هذا الخبر بقوله: (فو الله ما رأيت صاحب

стр. 191

شرطة قط مثله، كان لا يحبس إلا فى دين - أى: من أجل مخالفة لتعاليم الدين - وكان إذا أُتى برجل قد نقَّب على قوم وضع منقبته فى بطنه حتى تخرج من ظهره، وإذا أُتى بنبَّاش حفر له قبرًا فدفنه فيه، وإذا أُتى برجل قاتل بحديدة أو شهر سلاحًا قطع يده، وإذا أتى برجل قد أحرق على قوم منزلهم أحرقه .. فكان ربما أقام أربعين ليلة لا يؤتى بأحد - لخوف الناس منه لشدته وهيبته - فضم إليه الحجاج شرطة البصرة مع شرطة الكوفة). وبعد هذا الحديث الموجز عن النظم والإدارة فى العصر الأموى يمكن القول: إن إدارة الأمويين للدولة الإسلامية كانت إدارة حسنة بصفة عامة، تقوم على أسس ثابتة، تبغى الصالح العام، وإشاعة الأمن والاستقرار فى الدولة المترامية الأطراف، وإن شاب ذلك بعض القصور والأخطاء، وحسب الأمويين أنهم لم يكفُّوا عن تطوير أجهزة الدولة ودواوينها التى كانت موجودة قبلهم، واستحدثوا غيرها حين دعت الضرورة إلى ذلك، وأنهم بذلوا جهدًا فى التدقيق فى اختيار الولاة والعمال والموظفين، وأحسنوا مراقبتهم ومتابعتهم، ونجحوا فى ذلك إلى حد كبير. طبقات المجتمع: من يتأمل حياة المجتمع الإسلامى فى العصر الأموى يرى أنه يمكن تقسيمه إلى خمس طبقات: - الطبقة الأولى: الخلفاء وأبناؤهم وأفراد أسرتهم، وهؤلاء بحكم وضعهم أصبحوا فى منزلة لا يدانيهم فيها أحد. - الطبقة الثانية: كبار الولاة والقادة وغيرهم من كتاب الدواوين. - الطبقة الثالثة: العلماء وإن اختلفت أجناسهم، وهذه الطبقة وإن كان ترتيبها المرتبة الثالثة من الناحية الاجتماعية، فإن كثيرين منها كانوا يحظون بحب الناس وتقديرهم ربما بأكثر مما يحظى به الخلفاء والأمراء. - الطبقة الرابعة: كبار الأثرياء والتجار ورؤساء العشائر. - الطبقة الخامسة: عامة الناس من الزراع والحرفيين. تطور معيشة الخلفاء الأمويين ومظهرهم: لم يستطع خلفاء (بنى أمية) المحافظة على نمط حياة الخلفاء

стр. 192

الراشدين، من بساطة وزهد فى المأكل والملبس والمسكن، ولم تطقه نفوسهم، حتى إن (معاوية بن أبى سفيان) صرَّح بعدم قدرته على مجاراة سلوكهم، وهو مؤسس الدولة، وكاتب الوحى لرسول الله ﷺ ، وقال: (لقد رمت نفسى على عمل ابن أبى قحافة - أبى بكر الصديق - فلم أجدها تقوم بذلك ولا تقدر عليه، وأردتها على عمل ابن الخطاب، فكانت أشد نفورًا وأعظم هربًا من ذلك، وحاولتها على مثل عثمان فأبت علىَّ، وأين مثل هؤلاء؟ ومن يقدر على أعمالهم؟ هيهات أن يدرك فضلهم أحد ممن بعدهم؟ رحمة الله ورضوانه عليهم، غير أنى سلكت بها طريقًا لى فيه منفعة ولكم فيه مثل ذلك، ولكل فيه مؤاكلة حسنة، ومشاربة جميلة ما استقامت السيرة وحسنت الطاعة، فإن لم تجدونى خيركم، فأنا خير لكم). وعلى هذا عاش (معاوية) فى (دمشق) التى اتخذها عاصمة لدولته عيشة فيها توسع فى المأكل والمشرب والملبس والمسكن، والحق أن (معاوية) كان يعيش وهو أمير على الشام حياة نعمة وسعة إذا ما قورنت بحياة الخلفاء الراشدين، بل إن (عمر بن الخطاب) لم ينكر عليه مثل هذه الحياة، ولم ينهه عنها، ففى إحدى زيارات (عمر) إلى الشام لقيه أميرها (معاوية) وهو فى أبهة الملك وزيِّه، فاستنكر (عمر) ذلك فى البداية، وقال: (أكسرويه يا معاوية؟)، يعنى أتتشبَّه بكسرى؟، فقال (معاوية): (يا أمير المؤمنين إنا فى ثغر تجاه العدو -يقصد الدولة البيزنطية - وبنا إلى مباهاتهم بزينة الحرب والجهاد حاجة)، فسكت (عمر) ولم يخطِّئه لما وجد حجته قوية. وإذا كان (معاوية) توسَّع فى معيشته وهو أمير، فليس بغريب بعد أن أصبح خليفة أن تحف به مظاهر الملك، من اتخاذ الحراس والشرطة، والحجاب، وإرخاء الستور، وسكنى القصور ذات الحدائق الغنَّاء فى عاصمته (دمشق) التى تعد من أقدم مدن العالم، وكانت عامرة بالمبانى الفاخرة والحدائق والبساتين، بل إنه اتخذ مقصورة ليصلى

стр. 193

فيها منعزلا عن الناس بعد تعرضه لمحاولة اغتيال سنة (٤٠هـ). ونظرًا لهذه الحياة المترفة الباذخة قيل عن (معاوية): إنه كان ملكًا لا خليفة، بل رُوى عنه نفسه أنه قال: (أنا أول الملوك)، ووصفه (ابن عباس) بأنه كان ملكًا، وقال عنه (ابن تيمية): (فلم يكن من ملوك المسلمين ملك خيرًا من معاوية، ولا كان الناس فى زمان ملك من الملوك خيرًا منهم فى زمان معاوية، إذا نسبت أيامه إلى أيام من بعده، أمَّا إذا نسبت إلى أيام أبى بكر وعمر ظهر التفاضل)، كما يروى عن رسول الله ﷺ ما يؤيد أن حكم (معاوية) كان بداية الملك فى الإسلام، فقال: (إن هذا الأمر بدأ رحمة ونبوة، ثم يكون رحمة وخلافة، ثم كائن ملكًا عضوضًا). [ابن كثير]. وقال: (الخلافة بعدى ثلاثون سنة، ثم تكون ملكًا). [ابن كثير]. ولا يظنن أحد أن وصف (معاوية بن أبى سفيان) - رضى الله عنه - بالملك فيه انتقاص من قدره؛ لأن الملك لا يُذَم لذاته، وإنما لما يحفّ به من المظالم والطغيان، أمَّا إذا قام على الحق وبالحق فلا يُذَم، ولو كان الملك مذمومًا فى ذاته ما تمنَّاه (سليمان بن داود) ﵉ - حيث قال: ﴿رب اغفر لى وهب لى ملكًا لا ينبغى لأحد من بعدى﴾. [ص: من ٣٥]. والإسلام لا يهمه ما يُلقَّب به الحاكم المسلم، خليفة كان أو ملكًا، وإنما يعنيه أن يحكم بشريعة الله وسنة رسوله. إن حياة الترف التى عاش فيها خلفاء الدولة الأموية، كانت من مقتضيات التطور الاجتماعى الطبيعى فى حياة الأمة، بعد أن كثرت الأموال فى أيديهم كثرة هائلة من الغنائم، وكان من الطبيعى أن يؤدى ذلك إلى الميل إلى حياة الترف، ولم يكن فى وسع أحد أن يوقف ذلك الميل، بل إن (ابن خلدون) رأى أن الترف فى أول نشوء الدولة كان مطلوبًا؛ لأنه يزيدها قوة على قوتها، وعقد لذلك فصلا فى مقدمته -المعروفة- بعنوان: (فصل فى أن الترف يزيد الدولة فى أولها قوة إلى قوتها).

стр. 194

والمتأمل لتاريخ الدولة الأموية يتفق مع (ابن خلدون) فى هذا التعليل، لأن (معاوية بن أبى سفيان) ومن تلاه من أوائل خلفاء الدولة استخدموا الأموال فى تأليف الناس حولهم واستكثروا من الذرية والموالى والصنائع - الأنصار والأتباع - لترسيخ قواعد الدولة حتى بلغت أوج قوتها، وفى ذلك يقول (ابن طباطبا) بعد أن وصف (معاوية) بالحلم وحسن السياسة والتدبير للملك: (وكان كريمًا باذلا للمال، محبا للرياسة، شغوفًا بها، كان يفضل على أشراف رعيته كثيرًا، فلا يزال أشراف قريش، مثل: عبدالله بن العباس، وعبدالله بن الزبير، وعبدالله بن جعفر الطيار، وعبدالله بن عمر، وعبدالرحمن بن أبى بكر، وأبان ابن عثمان وناس من آل أبى طالب - رضى الله عنهم - يفدون عليه بدمشق، فيكرم مثواهم، ويحسن قراهم، ويقضى حوائجهم، بمثل هذه السياسة صار خليفة العالم الإسلامى وخضع له أبناء المهاجرين والأنصار، وكل من يعتقد أنه أولى منه بالخلافة). وسار (يزيد بن معاوية) على خطى أبيه فى الإحسان إلى الناس واستمالتهم بالأموال، وكذلك فعل (مروان بن الحكم) وابنه (عبدالملك) وأولاده. تحرى بنى أمية للحق والعدل: حرص خلفاء الدولة الأموية الأوائل وأمراؤها على الالتزام بمقررات الإسلام فى جمع الأموال، والإذعان لكلمة الحق مهما يكن قائلها، فحين أراد (معاوية بن أبى سفيان) أن يزيد على أهل (مصر) فى مقدار الجزية التى فرضت عليهم عند أول الفتح الإسلامى لبلادهم، إذا بعامله على بيت المال - (وردان) - يقول له: (كيف تزيد عليهم يا أمير المؤمنين وفى عهدهم ألا يزاد عليهم) فيذعن الخليفة لقول عامله ويكف عن الزيادة، وعندما أراد (عبدالعزيز بن مروان) والى (مصر) (٦٥ - ٨٥هـ) أن يأخذ الجزية من المسلمين الجدد عارضه القاضى (ابن حجيرة) قائلا له: (أعيذك بالله أيها الأمير أن تكون أول من سنَّ ذلك بمصر) فتركهم. وظلت معارضة العلماء قوية لكل من تسول له نفسه الخروج على

стр. 195

مبادئ الإسلام حتى جاء (عمر بن عبدالعزيز) (٩٩ - ١٠١هـ) فقضى تمامًا على كل سلوك شاذ، وصاح صيحته الخالدة فى وجوه العمال الذين كان همهم جمع المال بأى طريقة، قائلا لهم: (قبح الله رأيكم، فإن الله - تعالى - بعث محمدًا ﷺ هاديًا ولم يبعثه جابيًا). وإذا كان دخول الأموال إلى بيت المال خضع للعدل والتحرى، فإن خروجه منه لم يخضع لمثل ذلك، والمصادر التاريخية التى أعطت نماذج وأمثلة كثيرة على تحرى خلفاء (بنى أمية) العدل فى جمع الأموال وجبايتها، هى نفسها التى تقدم أمثلة من التجاوزات التى كانت تحدث فى إنفاق الأموال، سواء من الخلفاء وأبنائهم، أو من عمالهم وولاتهم، وهذا دليل على نزاهة المصادر التاريخية وأمانتها بصفة عامة، وأن مؤلفيها لم يجاملوا الحكام، وكانت لديهم الجرأة والشجاعة لتسجيل كل مخالفة شرعية. والحق أن بعض الخلفاء الأمويين قد تجاوزوا سنة الخلفاء الراشدين فى نظرتهم إلى المال العام، وكان الراشدون ينزهون أنفسهم وأولادهم تمامًا عن أموال المسلمين، ويحوطون بيت المال بالضمانات التى تحفظ الأموال وتصونها؛ حتى لا تمتد إليها يد من لا يستحق، لكن هذا الوضع تغيَّر كثيرًا فى العصر الأموى، ولم يعد هناك حد فاصل بين بيت المال المركزى فى (دمشق) وبين مال الخلفاء، فأغدقوا بالمنح والعطايا والهبات على أبنائهم وأقربائهم وأنصارهم وشعرائهم الذين يمدحونهم ويروجون لأفكارهم وسياساتهم، وكذلك لم يعد هناك حد فاصل بين بيوت المال فى الأقاليم والولايات وبين مال الولاة، الذين كانت بيوت المال تحت إشرافهم المباشر يأخذون منها ما يريدون، ويعطون من يشاءون. وقد أدَّى ذلك إلى تضخُّم ثروات الخلفاء وأبنائهم وبعض ولاتهم، حتى تولَّى الخلافة (عمر بن عبدالعزيز)، الذى بدأ عهده بالعكوف على سجلات الدولة، وتحرَّى الإقطاعات والهبات التى مُنحت لأمراء (بنى أمية) وأتباعهم، وأخذ فى رد الأموال التى ثبت أنها أُعطيت

стр. 196

بغير حق إلى بيت مال المسلمين، وبدأ بنفسه، وعزل الولاة الذين أفسدوا الحياة الإدارية والمالية، وعيَّن فى مكانهم ولاة من أهل الخبرة والتقوى والصلاح. وقد أدَّت سياسته الإصلاحية إلى نتائج باهرة فى غضون فترات زمنية قصيرة (٩٩ - ١٠١هـ)، واستقامت الأمور وتحقق العدل، وتوافر الحد الأدنى من المعيشة الكريمة لكل إنسان فى الدولة الإسلامية، التى امتدت حدودها شرقًا وغربًا، ولم يعد فيها من يستحق الصدقة، حتى ليروى الإمام (الذهبى) عن (عبدالرحمن بن يزيد بن عمر بن أسيد) أنه قال: (والله ما مات عمر بن عبدالعزيز حتى جعل الرجل يأتينا بالمال العظيم - الكثير - فيقول: اجعلوا هذا حيث ترون، فما يبرح حتى يرجع بماله كله، قد أغنى عمر الناس). انحراف أواخر خلفاء بنى أمية عن الجادة: لم يكن خلفاء الدولة الأموية المتأخرون على درجة عالية من الكفاءة السياسية والإدارية، والسهر على رعاية مصالح المسلمين، وتحرى العدل بصفة عامة كما كان خلفاء (بنى أمية) الأوائل، وإنما كانت تنقصهم الكفاية والمقدرة السياسية، إلى جانب إفراطهم فى حياة الترف، وعكوفهم على الملذات والشهوات، وتبديد الأموال وإنفاقها فى وجوه غير مشروعة، وتركهم رعاية مصالح الأمة، وإهمالهم مقاصد الشريعة، فزالت دولتهم نتيجة لهذا السلوك المعوج، وقد فطن إلى ذلك خصمهم الخليفة العباسى (أبو جعفر المنصور) (١٣٦ - ١٥٨هـ) فقال عنهم: (ولم يزل بنو أمية ضابطين لما مهد لهم من السلطان، يحوطونه ويصونون ما وهب الله لهم منه، مع تسنمهم معالى الأمور، ورفضهم دنياتها، حتى أفضى الأمر إلى أبنائهم المترفين، فكانت همتهم قصد الشهوات، وركوب الملذات من معاصى الله، جهلا باستدراجه وأمنًا لمكره، مع إطراحهم صيانة الخلافة، واستخفافهم بحق الرئاسة، وضعفهم عن السياسة، فسلبهم الله العز، وألبسهم الذل، ونفى عنهم النعمة). مظاهر الحياة الاجتماعية:

стр. 197

كان المجتمع الإسلامى فى العصر الأموى مجتمعًا شابا متوقِّدًا حياة وفتوة فى كل شىء؛ ثراء عريض، وقوة عسكرية واقتصادية هائلة، ونهضة علمية فى بواكيرها تنبئ بازدهار حضارة عظيمة، وتخلل تلك الحياة الجادة بعض مظاهر اللهو والتسلية البريئة للترويح عن النفوس. مجالس الخلفاء وآدابها: كان للخلفاء مجالس يعقدونها للمسامرة مع أقربائهم وأصدقائهم، وكان لتلك المجالس آداب وطقوس خاصة، فى كيفية تعامل الناس مع الخليفة فى حضرته، فيجب أن يكون كلامهم على قدر الحاجة، وأن تكون ألفاظهم منتقاة، وكان الخلفاء يصونون مجالسهم عن الكذب والنفاق، وقلما كان يستمع الخلفاء الأمويون الأوائل إلى الغناء، وإنما كانوا يحبون سماع الشعر فى مجالسهم، على حين ترخص المتأخرون منهم فى سماع الأغانى كثيرًا، وكانوا يظهرون للندماء والمغنين، ومن أشهر من فعل ذلك، وتبذَّل حتى أزرى بمنصب الخلافة فى نظر الناس (يزيد بن عبدالملك) وابنه (الوليد). الطعام والشراب: كانت حياة العرب بسيطة، وبخاصة فيما يتعلق بالطعام، ولم يتجاوز أغلب طعامهم صنفًا أو صنفين، وكان أفضل طعامهم اللحم مع الثريد، ولكن تغير الحال بعد الفتوحات الإسلامية، واتساع الدولة وكثرة الأموال، ومخالطتهم الشعوب فى البلاد المفتوحة، وكانت أكثر منهم مدنية، فعرفوا ألوانًا من الطعام والشراب، واستخدموا أدوات للمائدة لم يكونوا يعرفونها من قبل، فاستخدموا (الفوط) و (الملاعق) الخشبية والفخارية، التى كانت تأتيهم من (الصين)، وعرفوا (الموائد) الخشبية، وجلسوا على كراسى خشبية حولها، وكانوا من قبل يجلسون على الأرض ويأكلون بأيديهم. وكان من عادة الخلفاء والأمراء والأغنياء إقامة الولائم لإطعام الناس، وكان للأكل مع الخلفاء آداب خاصة، فوق الآداب العامة المعروفة للطعام، فكما يقول (الجاحظ): (إن الأكل لم يكن للشبع وإنما للشرف، فعلى من يؤاكلهم أن يراعى ذلك وألا يكون شرهًا فى تناول الطعام). الملابس:

стр. 198

توسع المجتمع فى العصر الأموى وتأنق فى الملابس والأزياء، فلبس الناس الحرير والديباج والإستبرق، وبخاصة الشباب الذين كانوا يلبسون ملابس موشاة، وكانت الملابس تختلف من فئة إلى أخرى على قدر ثرائها ومراكزها الاجتماعية، فكانت ملابس الفقهاء تختلف عن ملابس الكتاب، وهؤلاء تختلف ملابسهم عن ملابس الجند، وكان شيوخ القبائل ومن فى منزلتهم من علية القوم يرتدون الأقبية التى تصل إلى الركبتين، يعلوها جلباب فضفاض يتدلَّى إلى العقبين. وكانت عناية النساء بالملابس والأزياء أكثر من عناية الرجال، وتكونت ثيابهن من سروال فضفاض وقميص مشقوق عند الرقبة، وعند خروج المرأة إلى الشارع فإنها ترتدى عباءة تغطى جسمها وتلف رأسها بمنديل يربط حول الرقبة، مثل (الإيشارب) الذى تستعمله النساء فى الوقت الحاضر. وتوسَّع النساء فى استخدام الحلى والجواهر من اللآلئ واليواقيت والذهب وسائر أدوات التجميل. وإلى جانب التأنق فى الملابس أحب الناس أنواع الطيب وأكثروا منها، واستخدموا الحناء، وخضَّبوا بها لحاهم وأيديهم، وفعل الخلفاء ذلك. مكانة المرأة فى المجتمع: كانت للمرأة مكانة كبيرة وأثر واضح فى الحياة العامة، ومن أشهر النساء: (سكينة بنت الحسين بن على بن أبى طالب)، وكانت من أعلم النساء وأظرفهن، وأحسنهن أخلاقًا، وتذكر المصادر التاريخية أن الشعراء كانوا يجتمعون عندها وكان لها ذوق رفيع فى نقد الشعر، ومما يذكر لها فى هذا المجال أنه اجتمع عندها يومًا (جرير)،و (الفرزدق)، و (كثير عزة)، و (جميل بثينة)، وأنشدوا بين يديها أشعارهم، فنقدت شعر كل منهم، ثم أجازت كل واحد بألف دينار. وتقرن بسكينة فى هذا المجال (عائشة بنت طلحة)، وكانت نابغة فى الأدب والسخاء كأبيها (طلحة) الجواد، وقد تزوج (مصعب بن الزبير) حاكم (العراق) فى خلافة أخيه (عبدالله بن الزبير) (٦٧ - ٧٢هـ) كلا من (سكينة) و (عائشة بنت طلحة)، بعد أن أمهر كل واحدة منهما مليون درهم.

стр. 199

ومن ألمع النساء فى ذلك العصر: (أم البنين) زوج الخليفة (الوليد بن عبد الملك)، وقد اشتهرت بالفصاحة والبلاغة وقوة الحجة وبعد النظر، وكانت لها مكانة كبيرة عند زوجها (الوليد) وكان يستشيرها فى كثير من أمور الدولة. وقد كثرت الجوارى من سبايا الحروب فى البيوت، مما كان له أثره البالغ فى الحياة الاجتماعية، فقد نقلوا إلى البيت العربى عادات شعوبهم وتقاليدها فى الطعام والشراب والملبس. الاحتفال بالأعياد والمناسبات: عيد الفطر وعيد الأضحى من أعظم المناسبات الدينية فى الإسلام، يُظهِر فيهما المسلمون السرور، ويدخلون البهجة على أنفسهم وأسرهم وجيرانهم. كان الخلفاء يخرجون فى يوم العيد للصلاة فى موكب مهيب، يتقدمهم الجند، ويحيط بهم الأمراء وكبار رجال الدولة، وتتجاوب أصوات المسلمين بالتهليل والتكبير، وتقام الزينات، وتسطع المشاعل والقناديل فى ليالى العيد، وكان لولاة الأقاليم مواكب تشبه مواكب الخلفاء. حفلات الزواج: تطورت حفلات الزواج فى العصر الأموى لتجارى ما أصبح عليه المجتمع من ترف وثراء، بعد أن كانت فى عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - والخلفاء الراشدين غاية فى البساطة والبعد عن التكلف، وبالغ الناس فى المهور، وقد سبق أن ذُكر أن (مصعب بن الزبير) أمهر كلا من زوجتيه (سكينة بنت الحسين) و (عائشة بنت طلحة) مليون درهم. وكما بالغوا فى المهور بالغوا فى إقامة الولائم الحافلة بأطيب أنواع الطعام، وفى يوم الزفاف يلعب الفتيان بالرماح، ويتسابقون بالخيل، وتجلس النساء على النمارق ويتزين بالحلى والجواهر الثمينة، وتكون العروس فى أبهى صورة وأجمل زينة، يحيط بها أترابها، يغنين لها حتى تذهب إلى بيت زوجها. وكانت تقام - أيضًا - حفلات لختان الأطفال، يحييها المغنون وأصحاب الفكاهة، وهذا كان يحدث فى بيوت الصحابة والتابعين، فيذكر (ابن قتيبة) فى (عيون الأخبار) أن (عبد الله بن عباس) - رضى الله عنهما -

стр. 200

دعا بعض اللعَّابين فى حفل ختان بعض أولاده، فلعبوا بألعابهم، فأعطاهم أربعمائة درهم، كما أن تلميذه (عطاء بن أبى رباح) استدعى اثنين من كبار المغنين وهما (الغريض) و (ابن سريج) فى حفل ختان ولده، وكان الناس يقيمون الموائد الفاخرة المليئة بألوان الطعام فى هذه المناسبات. وسائل الترفيه والتسلية: عرفت المجتمعات الإسلامية فى ذلك العصر ضروبًا مختلفة من اللهو واللعب والتسلية، وعلى رأسها الغناء الذى شغف به الناس كثيرًا، فازدهر وأصبحت له دور خاصة يقصدها الناس للسماع والمتعة. وشاع فى المجتمع أن اتخذ بعض الأثرياء المترفين أناسًا يضحكونهم ويدخلون السرور على أنفسهم، ويزيلون منها الملل، وهذا النوع من اللهو لا يوجد عادة إلا بعد أن تتحضَّر الأمة، وتسير أشواطًا كثيرة فى حياة الترف، ومن ثم ظهرت طائفة من المضحكين، كان على رأسهم (أشعب بن جبير) مضحك (المدينة)، وكان أشرافها يعجبون به ويجالسونه، ويقيم عندهم أيامًا فى دورهم، وقد تناقل أهل (المدينة) فكاهات (أشعب) ونوادره كما يتناقل الناس اليوم النكات، وأصبح لكل مدينة أشعبها الذى يضحكها، وربما أكثر من أشعب. وعرف المجتمع الإسلامى من وسائل اللهو والتسلية ألعاب النرد والشطرنج، وقد تسامح بعض العلماء فى ذلك، حتى يُروَى أن (سعيد بن المسيب) وهو من أئمة التابعين سُئل عن اللعب بالنرد، فقال: (إذا لم يكن قمارًا فلا بأس بهـ)، والنرد هى لعبة (الطاولة) المعروفة الآن، أخذها العرب هى والشطرنج من الفرس. وإلى جانب ذلك شغل بعض الناس أنفسهم بأنواع من الرياضة، كالصيد وسباق الخيل، وكان بعض خلفاء (بنى أمية) يحبون الصيد لفوائده الكثيرة. ورأى كثير من الناس فى سباق الخيل تسلية وترويضًا لأنفسهم على ركوب الخيل، التى كانت وسيلة القتال الرئيسية، وأقام الأمويون حلبات لسباق الخيل، ويُروَى أن أول من أقام تلك المسابقات من خلفاء بنى أمية هو الخليفة (هشام بن

стр. 201

عبدالملك) (١٠٥ - ١٢٥هـ)، وكانت تشترك فيها أعداد كبيرة من الخيول، بلغت فى إحدى المسابقات أربعة آلاف فرس. ويجدر بالذكر أن كل ما سبق من عادات وتقاليد وضروب الحياة الاجتماعية كان سائدًا فى كل العالم الإسلامى، على الرغم من تنوع الأجناس التى ضمتها الدولة الأموية. الأحوال الاقتصادية: كثرت المصادر التى تحدثت عن الشئون الاقتصادية والمالية، مثل كتاب (الخراج) لأبى يوسف المتوفى سنة (١٨٢هـ)، وكتاب (الأموال) لأبى عبيد القاسم بن سلام المتوفى سنة (٢٢٤هـ)، غير أن هذه المصادر لا تقدم لنا إحصاءات عن دخل الدولة الإسلامية فى العصر الأموى، ولا شيئًا من ميزانياتها، وإنما هى أبحاث فقهية على وجه العموم، تبحث فى مسائل الغنائم والجزية والخراج وغير ذلك. ويمكن أن نكوِّن فكرة عن الأحوال الاقتصادية فى ذلك العصر، من خلال دراسة مستوى المعيشة التى كان يحياها الناس على اختلاف مستوياتهم، واحتفالاتهم فى مناسباتهم الاجتماعية، كالأعياد وحفلات الزواج والختان، ومن خلال الحركة العمرانية الكبيرة التى شهدها ذلك العصر، من بناء المدن والمساجد وتعبيد الطرق وغيرها من المنشآت، بالإضافة إلى الخدمات المجانية التى تقدمها الدولة للناس، كالعلاج وإعالة المحتاجين. وكل هذه المشروعات لم تكن لتقام إلا إذا كانت موارد الدولة المالية تسمح بذلك، كما أن السياسة المالية التى اتبعها (عمر بن عبدالعزيز) قضت على الفقر فى ربوع الدولة، إلى الحد الذى كان لا يجد فيه عمال الصدقات فقراء يعطونهم منها، لأن الناس فى كفاية من الرزق، فأمر الخليفة أن يساعد من تلك الأموال من يريد الزواج من الشباب، ويعين من يبغى أداء فريضة الحج، وأن يشترى الأرقاء لتحريرهم. موارد الدولة: وتتمثل فى: - خراج الأرض المفتوحة: ويأتى على رأس موارد الدولة فى العصر الأموى، وكانت تلك الأراضى مملوكة للدولة الإسلامية منذ الفتوحات الأولى فى عهد (عمر

стр. 202

بن الخطاب) - رضى الله عنه - الذى اجتهد وقرر بعد استشارة كبار الصحابة عدم تقسيم الأرض المفتوحة على المجاهدين، وجعلها ملكًا للدولة، وأبقاها فى أيدى أهلها يزرعونها، مقابل إيجار يدفعونه للدولة، وهذا الإيجار أو الخراج تنفق منه الدولة على الجيش والموظفين، وتقيم المرافق التى يحتاج إليها. وكان هذا اجتهادًا عظيمًا من (عمر)، لأنه أبقى الأرض فى أيدى أصحابها، وهم من أهل الخبرة فى فلاحتها، وضمن فى الوقت نفسه موردًا ماليا ضخمًا وثابتًا، ثم أقدم (عمر) على خطوة عظيمة الأهمية وذات دلالة كبيرة على فطنته الاقتصادية، فقد أمر بإعادة مساحة الأرض المفتوحة، وقسمها على حسب إنتاجيتها إلى ثلاثة أنواع، وفرض على كل نوع الخراج الذى يناسبه؛ لئلا يُظلَم الفلاحون، وليبذلوا طاقتهم فى تحسين الإنتاج. غنائم الحرب: وهى الأموال المنقولة من نقود وغيرها، وكانت بكميات كبيرة فى ذلك الوقت، وكان خمسها يدخل بيت مال الدولة، على حين تُوزَّع الأربعة الأخماس على المجاهدين. - الجزية المفروضة على أهل الكتاب: وهم اليهود والنصارى، ومن فى حكمهم كالمجوس؛ حيث عاملهم المسلمون فيما يتعلق بالجزية معاملة أهل الكتاب، وقد قنن الفقهاء قيمة الجزية، بعد استقراء تطبيقات الخلفاء، فقدروها بثمانية وأربعين درهمًا للأغنياء، وأربعة وعشرين للمتوسطين، واثنى عشر للفقراء القادرين على الكسب، وأعفوا منها النساء والأطفال وكبار السن، ورجال الدين، والعاجزين عن الكسب، بل إن الفقراء العاجزين عن الكسب من أهل الكتاب فُرض لهم عطاء من بيت مال المسلمين. - الزكاة: وتؤخذ من المسلمين، ومقاديرها معروفة فى كتب الفقه، وتؤدى للدولة التى عدتها موردًا من مواردها المالية، تنفق منه فى الأوجه التى حددتها الآية الكريمة: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفى الرقاب والغارمين وفى سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم﴾. [التوبة: ٦٠].

стр. 203

- ضرائب التجارة الداخلة إلى البلاد الإسلامية أو الخارجة منها أو العابرة: وكانت تمثل موردًا كبيرًا من موارد الدولة؛ إذ كانت أهم الطرق التجارية وأعظمها تمر فى ذلك الوقت ببلاد إسلامية، من حدود (الصين) فى الشرق إلى (الأندلس) فى الغرب. وقد نظم المسلمون منذ وقت مبكر تحصيل هذه الضرائب، وهى المعروفة الآن برسوم الجمارك، ففرضوا على التجار المسلمين ربع عشر قيمة تجارتهم، وعلى التجار من أهل الذمة الذين هم من رعايا الدولة الإسلامية نصف العشر، وعلى التجار الكفار الذين هم من أهل الحرب العشر. ولا يظنن أحد أن فى هذا تفريقًا بين التجار المسلمين ونظرائهم من أهل الذمة من رعايا الدولة؛ لأن التجار المسلمين يدفعون زكاة أموال تجارتهم كلها بعد دفع ضريبة ربع العشر، فى حين لا يدفع التجار من أهل الذمة شيئًا سوى نصف العشر المفروض على التجارة، فهم لا يدفعون زكاة لأنها لا تُفرَض إلا على المسلمين. الركاز: وهو ما يستخرج من باطن الأرض كالذهب والفضة والنحاس، فإذا كان المستخرَج من أرض مملوكة ملكية خاصة، فإن أصحابها يدفعون للدولة الخمس، لأن الفقهاء جعلوا ذلك النوع من الأموال مثل الغنائم، التى يخصص خمسها للدولة، أمَّا إذا استخرجت هذه المعادن من أراضى الدولة، فإن ريعها يدخل بطبيعة الحال إلى بيت المال. النشاط الاقتصادى: الزراعة: عنى العرب الفاتحون بالزراعة عناية عظيمة، واستفادوا فى ذلك من خبرات أبناء البلاد المفتوحة، فعندما تم فتح (مصر) أمر (عمر بن الخطاب) واليه (عمرو بن العاص) أن يسأل أهلها عن أفضل الطرق للنهوض بها وباقتصادها، فأخبر أن أفضل طريقة للنهوض بها هى الزراعة؛ لأنها المورد الرئيسى لاقتصاد البلاد، وهذا يتطلب العناية بالنيل والترع المتفرعة عنه، وكذلك فعل (عمر بن الخطاب) فى (العراق) و (الشام). وقد سار الأمويون على هذه السياسة، فاهتموا بنظام الرى وإقامة الجسور وشق الترع وتطهيرها موسميا، وبخاصة أن الدولة كان

стр. 204

يجرى على أراضيها أعظم الأنهار وأكثرها طولا، من (نهر النيل) فى (مصر) إلى (دجلة) و (الفرات) وفروعهما فى (العراق)، إلى أنهار الشام الرئيسية: (بردى) و (العاصى) و (اليرموك)، إلى نهرى (جيحون) و (سيحون) فى بلاد (ما وراء النهر)، إلى الأنهار العديدة فى (الأندلس)، بالإضافة إلى رقعة واسعة من أخصب الأراضى. وقد عمل (الحجاج بن يوسف الثقفى) على إصلاح شئون الزراعة أثناء ولايته على (العراق) والمشرق، فأصلح كثيرًا من الأراضى التى لم تكن مزروعة، وأمر بعودة الفلاحين إلى قراهم، بعد أن رأى ما أصاب الزراعة من ضرر ونقص فى المحاصيل؛ نتيجة هجرتهم إلى المدن للعمل فى الأعمال الحرفية المتعلقة بالصناعة والتجارة. وهذه الخطوة التى أقدم عليها (الحجاج) لإصلاح الزراعة أساء الناس فهمها، وعدُّوها من أخطائه؛ لأنه تدخل فى حرية الناس، لكنها عند النظر الصحيح خطوة إيجابية من حاكم يفهم واجبات وظيفته، فأقدم على حل مشكلة خطيرة لا تزال كثير من الحكومات المعاصرة عاجزة عن حلها. وقد اقتدى (خالد بن عبد الله القسرى) والى (العراق) فى عهد (هشام بن عبد الملك) (١٠٥ - ١٢٥هـ) بما فعله (الحجَّاج) فى النهوض بالزراعة؛ فأصلح مساحات شاسعة فى منطقة المستنقعات، وزرعها وأضافها إلى الرقعة الزراعية. ويجدر بالذكر أن الإسلام حث على تعمير الأرض واستصلاح البور منها للزراعة؛ لقول الرسول ﷺ : (من أحيا أرضًا ميتة فهى لهـ). [صحيح البخارى]. والمقصود بالأرض الميتة: الأرض البور أو الصحراوية التى لم تكن مزروعة، فمن يصلحها تكن له، وقد حذا الصحابة حذو الرسول - صلى الله عليه وسلم -، والأمويون من بعدهم فى تشجيع الناس على الزراعة وعاونوهم على ذلك. الصناعة: ازدهرت فى العصر الأموى الصناعات الحربية التى تحتاج إليها الجيوش من سيوف ودروع ورماح وحراب، وأُنشئَت الترسانات البحرية اللازمة لصناعة السفن فى مدن الساحل، كالإسكندرية و (دمياط)

стр. 205

و (رشيد) فى (مصر)، و (عكا) و (صور) و (صيدا) و (بيروت) فى (الشام)، وازدهرت كذلك الصناعات الخشبية اللازمة لأعمال بناء البيوت والمساجد والمستشفيات، وأثاث المنازل، وصناعات الخزف والأدوات المنزلية. وعرف العصر الأموى صناعات النسيج، وكانت أكثر الصناعات ازدهارًا فى (مصر) و (الشام) و (العراق) و (فارس) وبلاد (ما وراء النهر)، وكانت تصنع من الصوف والقطن والكتان والحرير، بالإضافة إلى صناعات المواد الغذائية القائمة على الإنتاج الزراعى والحيوانى، وصناعات الجلود. وأقام الأمويون دورًا لسك النقود؛ الدنانير الذهبية والدراهم الفضية فى عهد (عبدالملك بن مروان) وما تلاه، وهذه الصناعة صعبة لأنها تحتاج إلى استخراج الذهب والفضة من باطن الأرض، بعد استخلاصهما مما هو ممزوج بهما من رمال ومعادن أخرى، ثم صهره وتشكيله حسب الحاجة. وإذا كانت الصناعات فى عصر الأمويين بسيطة، ولا تقارن بما وصلت إليه فى الوقت الحاضر، فإنها كانت كافية ووافية بمتطلبات الحياة والأحياء فى زمانها. التجارة: كان العرب قبل ظهور الإسلام وسيطًا تجاريا مهما بين الشرق والغرب؛ حيث كانت التجارة القادمة من الشرق وبخاصة من (الهند) و (الصين) تمر ببلاد العرب عبر طريقين رئيسين: الطريق الأول: يمر بعدن فى جنوب غرب (اليمن) على مدخل (البحر الأحمر) الجنوبى؛ حيث تأتى السفن، بعضها يواصل سيره فى البحر الأحمر إلى (ميناء القلزم) - السويس - فى (مصر)، ثم تفرغ حمولتها، وتنقل البضائع بالقوافل إلى الموانئ المصرية على (البحر المتوسط)، وبخاصة (ميناء الإسكندرية)، ثم تشحن فى السفن بحرًا مرة أخرى إلى (أوربا)، وبعضها الآخر يفرغ حمولته فى (عدن)، ثم تحملها القوافل برا عبر الساحل الغربى لشبه الجزيرة العربية، المطل على (البحر الأحمر)، وتمر بمكة المكرمة، التى كانت مركزًا تجاريا مهما، وبعضها يواصل سيره إلى (ميناء غزة) فى (فلسطين).

стр. 206

- والطريق الآخر: يمر عبر (الخليج العربى)، حيث تواصل السفن سيرها وتفرغ حمولتها فى أقصى شماله، حيث (ميناء الأيلة) غربى (البصرة) الحالية فى (العراق)، ثم تنقل البضائع على القوافل برا عابرة (العراق) إلى (الشام)؛ حيث تفرغ حمولتها فى موانيه مثل (عكا) و (صور) و (صيدا) و (بيروت) و (اللاذقية) و (أنطاكية)، ثم تشحن بحرًا إلى (أوربا). وقامت التجارة فى أغلبها على جلب الحرير من (الصين)، والتوابل والبخور من (الهند)، وكانت هذه المواد مطلوبة على نطاق واسع فى (أوربا)، وكان العرب يقومون بدور فعال ونشط فى عملية التجارة هذه، واستفادوا منها فائدة كبيرة، بل إن بعضهم مثل عرب (الحجاز) وبصفة خاصة (قريش) كانت حياتهم الاقتصادية تقوم على التجارة، وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك فى سورة قريش، فقال: ﴿لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف فليعبدوا رب هذا البيت الذى أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف﴾. وفى العصر الأموى لم يعد العرب وسيطًا تجاريا لنقل البضائع بين الشرق والغرب، وإنما أصبحوا سادة الموقف كله، بعد امتلاكهم الطرق التجارية البحرية والبرية، من (الصين) إلى (الأندلس)، فبالإضافة إلى ما سبق الحديث عنه بسط المسلمون سيادتهم على الطريق الذى يبدأ من شمالى الصين، ثم يجتاز هضاب وسط آسيا وسهولها - بلاد (ما وراء النهر) - ثم يتفرع إلى عدة طرق، تنتهى كلها إلى موانئ (البحر الأسود) و (البحر المتوسط)، ويمر معظمها فى الأراضى الإسلامية، ثم تنقل التجارة إلى (أوربا الشرقية) والجنوبية، أمَّا (أوربا الغربية) و (شمالى إفريقيا) و (الأندلس)، فكانت معظم تجارتها تأتى من الطريق الأول عبر الموانئ المصرية. وقد سيطر المسلمون على النشاط التجارى كله فى تلك الرقعة الواسعة من الأرض وأصبحت بلادهم تصدِّر البضائع والمنتجات إلى بلاد الشرق والغرب. فتصدر إلى (الصين) المنسوجات الصوفية والقطنية والكتانية، والبُسُط، والمصنوعات المعدنية، وخام الحديد،

стр. 207

وسبائك الذهب والفضة، كما كانت تستورد منها الحرير. ولم تقتصر الأرباح المالية التى كانت تجنيها الدولة الأموية على مجرد التبادل التجارى، بل كانت تحصل على أموال طائلة من التجارة العابرة على هيئة رسوم جمركية، كما خلقت هذه العملية التجارية الواسعة فرص عمل لعشرات الآلاف من الناس، وبخاصة فى مدن الموانئ على سواحل جزيرة العرب الجنوبية والشرقية، مثل (عدن) و (حضرموت)، و (صحار) و (هرمز)، و (البحرين)، و (القطيف)، و (سيراف)، و (البصرة)؛ فازدهرت هذه المدن ازدهارًا كبيرًا، كما ازدهرت الموانئ الأخرى المطلة على (البحر الأحمر)، كميناء (جدة) و (السويس)، أو المطلة على (البحر المتوسط) من (أنطاكية) شمالا حتى (غزة) جنوبًا، وكذلك موانيه الجنوبية فى (مصر) و (شمالى إفريقيا)، مثل (دمياط) و (الإسكندرية) و (طرابلس الغرب) و (تونس). وقد ساعد على ازدهار تلك الحركة التجارية العالمية اهتمام الدولة الأموية بإنشاء الطرق، وتعبيدها وتأمينها، فكانت القوافل تسير فى طرق آمنة، تنتشر على جوانبها الفنادق والاستراحات والأسواق. الحركة العمرانية فى العصر الأموى: شهد العصر الأموى نهضة عمرانية كبرى، استفاد فيها المسلمون من التراث، ومن الطرز المعمارية التى وجدوها فى البلاد المفتوحة سواء أكانت فارسية أم بيزنطية أم مصرية، وطبعوها بطابع عربى إسلامى، ووضعوا بذور فن معمارى متميز عن غيره من الفنون المعمارية الأخرى، وساعدهم على ذلك الثراء الواسع الذى كانت تتمتع به الدولة. إنشاء المدن الجديدة: أنشأ الأمويون عددًا من المدن فى المشرق والمغرب، ولا يزال معظمها قائمًا معروفًا حتى الآن، فأنشأ (عقبة بن نافع) فى عهد (معاوية بن أبى سفيان) (٤١ - ٦٠هـ) مدينة (القيروان) فى (تونس)، وقد أصبحت عاصمة الشمال الإفريقى كله فى العصر الأموى، ومركزًا من أعظم المراكز الحضارية الإسلامية. وفى عهد (عبدالملك بن مروان) (٦٥ - ٨٦هـ) أنشأ أخوه (عبدالعزيز بن

стр. 208

مروان) والى (مصر) مدينة (حلوان) جنوبى (الفسطاط)، وأنشأ (حسان بن النعمان الغسانى) مدينة (تونس)، وأنشأ (الحجاج بن يوسف الثقفى) مدينة (واسط) فى (العراق) بين (البصرة) و (الكوفة)، ومدينة (قم) فى منطقة الجبال فى بلاد فارس، بين (ساوة) و (أصفهان). وأنشأ (سليمان بن عبدالملك) فى عهد أخيه (الوليد) (٨٦ - ٩٦هـ) مدينة (الرملة)، كما أنشأ الخليفة (هشام بن عبدالملك) (١٠٥ - ١٢٥هـ) مدينة (الرصافة) بالقرب من (الرقة) فى (العراق)، وأنشأ (الحكم بن عوانة الكلبى) مدينة (المحفوظة) فى (السند)، و (عمر بن محمد بن القاسم الثقفى) مدينة (المنصورة) فى (السند) أيضًا. القصور الأموية: كشفت الحفريات الأثرية منذ نهاية القرن الماضى ومطلع القرن الحالى عن العديد من القصور التى بناها الخلفاء الأمويون؛ وبخاصة فى صحراء الشام؛ لأنهم كانوا يحبون البادية ويحنون إليها، استمتاعًا بالهواء الطلق، وطلبًا للراحة والهدوء من عناء العمل السياسى والإدارى. ومن القصور التى اكتُشفت أخيرًا (قصر عمرة) الذى اكتشفه (موزيل) سنة (١٨٩٨م) ويقع على نحو خمسين ميلا شرقى (عمَّان) عاصمة (الأردن) حاليا، ويرجح الباحثون أن هذا القصر بنى للخليفة (الوليد بن عبدالملك)، وهو يتكون من قسمين رئيسيين، هما: قاعة الاستقبال، والحمام الساخن. أما قاعة الاستقبال فهى بناء مستطيل تغطيه ثلاثة أقبية نصف أسطوانية، يفصلها عن بعضها عقدان عرضيان، وهذا الطراز المعمارى طراز فارسى أخذه المسلمون من (إيران)، وتوجد فى نهاية القبو الأوسط لقاعة الاستقبال حنية العرش، وهى مغطاة بقبو نصف أسطوانى، أقل ارتفاعًا من سقف أقبية قاعة الاستقبال، وتحلَّى حنية العرش بصورة الخليفة وهو جالس على عرشه، ويكتنف الحنية من جهتيها غرفتان لتغيير الملابس. ويقع القسم الثانى وهو الحمام الساخن إلى يسار قاعة الاستقبال، ويتكون من ثلاث غرف رئيسية؛ الغرفة الباردة ويدخل إليها من قاعة

стр. 209

الاستقبال، ويغطيها قبو نصف أسطوانى محوره عمودى على محور قاعة الاستقبال، ويليها الغرفة الدافئة، وهى مغطاة بقبو متقاطع، يليها الغرفة الساخنة، وهى مغطاة بقبة نصف كروية محمولة على أربعة مثلثات كروية. وهذا القصر مبنى من الحجر الجيرى الأحمر، وتغطى الأقبية طبقة سميكة من الملاط، كما تغطى الأرضية ببلاطات من الرخام، تجرى بأسفلها مواسير البخار الساخن، وهى تشبه حمامات (روما). ومن اللافت للنظر الصور التى وُجدَت على جدران ذلك القصر، ومن أهمها: صورة الخليفة وهو جالس على عرشه، ويحف به شخصان، وفوقه مظلة محمولة على عمودين حلزونيين، وتوجد على عقد المظلة كتابة كوفية تطرق إليها التلف، وصورة أخرى لستة أشخاص، اشتهرت بأنها تمثل صور أعداء الإسلام. والصور الست فى صفين، كل ثلاث فى صف، ويلبسون ملابس فاخرة، وفوق رءوس أربعة منهم وجدت كتابة بالعربية واليونانية، لا تزال باقية، وهم من اليسار إلى اليمين (قيصر الروم) فى الصف الأول، ويليه (روذريق) ملك (القوط) الأندلسى فى الصف الخلفى، والثالث فى الصف الأول هو (كسرى فارس)، والرابع فى الصف الخلفى فوقه كلمة (النجاشى). وقد استنتج الباحثون من هذه الصورة، ومن ترتيب وضع الملوك فيها أن الذين فى الصف الأول هما (كسرى) و (قيصر) من ملوك الإمبراطوريات الكبيرة، أمَّا اللذان فى الصف الخلفى فهما من ملوك الدول الصغيرة، كما استنتجوا أن الصورة الخامسة لملك (الصين)، والسادسة لأحد ملوك الترك، وهؤلاء هم الذين فتح المسلمون بلادهم فى العصر الأموى، أو فرضوا عليها سيادتهم. ومن القصور التى اكتُشفَت أيضًا القصر المسمَّى بقصر خربة، الذى يُنسَب إلى الخليفة (هشام بن عبدالملك)، ويقع على بعد ثلاثة أميال شمالى مدينة (أريحا) فى (فلسطين) وكان قصرًا شتويا، زُيِّنت جدرانه بصور ورسوم آدمية وحيوانية، كما وُجد اسم الخليفة (هشام بن عبدالملك) مسجلا على أحد الجدران، وصورة فتاة تحمل باقة من

стр. 210

الورد، ولوحة تمثل فتيات يرقصن وقد صبغن شفاههن وأظافر أيديهن وأرجلهن بصبغة ذات لون قرمزى، بالإضافة إلى رسوم نباتية تحمل شجرة يحيط بها من اليمين صورة أسد ينقض على غزال، ومن اليسار غزالان بين أزهار، وكلها ملونة بألوان زاهية. ومن القصور التى اكتُشفَت سنة (١٨٤٠م) (قصر المشتى)، ويُنسَب إلى الخليفة (الوليد بن يزيد بن عبدالملك) (١٢٥ - ١٢٦هـ)، وهو قصر صحراوى غير تام البناء، وقد تهدِّم معظمه، ونقلت أهم زخارفه التى كانت محفورة فى الحجر الجيرى فى الواجهة الجنوبية، إلى (برلين)، مهداة من السلطان العثمانى (عبدالحميد) إلى الإمبراطور الألمانى (غليوم الثانى)، وقد وُضعَت فى (متحف برلين) منذ سنة (١٩٠٣م). والقصر عبارة عن بناء مستطيل مساحته نحو (١٤٤) مترًا مربعًا، وحائطه الخارجى تكتنفه أبراج نصف دائرية، ويقع المدخل فى وسط واجهته الجنوبية، والقصر مقسم من الداخل إلى ثلاثة أقسام رئيسية، تتجه من الشمال إلى الجنوب، والمبانى الداخلية مبنية من الطوب، والمدخل يكتنفه برجان على شكل نصف منحنيين، ويتكون شكل الواجهة الجنوبية من عدة مثلثات معتدلة ومقلوبة؛ بحيث تظهر فى مجموعها على شكل خط منكسِر، وفى وسط كل مثلث وردة، وبأسفلها فى المثلثات المعتدلة موضوعات زخرفية متنوعة، بعضها يمثل حيوانين متقابلين يفصلهما إناء، وبالأرضية زخارف نباتية جميلة محفورة على الحجر، ويلى المدخل ردهة توصل إلى فناء مربع التخطيط، مساحته (١٤) مترًا مربعًا، ويكتنف ردهة المدخل من جهتيها حجرات مكونة من طابقين، كما توجد غرفة مستطيلة إلى يمين المدخل، فى حائطها الجنوبى محراب، استنتج الباحثون أنها كانت مسجد القصر أو مصلاه. ويلى الفناء الأول فناء كبير مساحته (٥٧) مترًا مربعًا، يليه الجناح الملكى، ويتكون من قاعة تؤدى بدورها إلى قاعة العرش، وهى مكونة من ثلاث حنيات نصف دائرية، ويكتنفها من جهتيها بيوت

стр. 211

مكونة من زوجين من الغرف، وتوجد حول قاعة العرش أربع مجموعات من هذه البيوت. وهذه القصور المكتشفة تدل على تقدم فن العمارة فى عهد الدولة الأموية، وتأثره بالطرز المعمارية الفارسية والبيزنطية، وعلى الثراء الذى كانت عليه الدولة، مما مكَّن خلفاءها من بناء تلك القصور الباذخة، ومعظمها لم يكن للسكنى الدائمة، وإنما كانت مشاتى ومصايف للإقامة الموسمية المؤقتة. المساجد: ازدهرت حركة بناء المساجد فى عهد الأمويين ازدهارًا كبيرًا، فوسعوا المساجد التى كانت موجودة من قبل، كالمسجد الحرام فى (مكة المكرمة)، و (المسجد النبوى) فى (المدينة المنورة)، و (جامع عمرو بن العاص) فى (الفسطاط)، و (المسجد الكبير) فى (صنعاء) باليمن، كما أقاموا العديد من المساجد الجديدة، ومن أشهرها: (مسجد قبة الصخرة) الذى أنشأه (عبد الملك بن مروان) فى (القدس)، و (المسجد الأقصى) الذى أنشأه ابنه (الوليد)، و (المسجد الأموى) الكبير فى (دمشق) الذى أنشأه (الوليد) أيضًا. - المسجد الحرام: كانت (الكعبة المشرفة) فى عهد النبى ﷺ وخلفائه الراشدين على البناء نفسه الذى أقامته (قريش) بعد السيل؛ الذى دمر (الكعبة) قبل بعثة النبى ﷺ ، واستمرت على ذلك إلى أن هُدمت أثناء خلافة (عبد الله بن الزبير) (٦٤ - ٧٣هـ)، فقام ببنائها من جديد على قواعد (إبراهيم)، ﵇، وأدخل فيها حجر (إسماعيل)، واستشهد على ذلك بحديث النبى - صلى الله عليه وسلم - الذى خاطب فيه (عائشة) بقوله: (لولا أن قومك حديثو عهد بشرك أو بجاهلية لهدمت الكعبة فألزقتها بالأرض، وجعلت لها بابين بابًا شرقيا وبابًا غربيا وزدت فيها من الحجر ستة أذرع .. ). [مسند الإمام أحمد]. وبعد مقتل (ابن الزبير) وانتهاء دولته سنة (٧٣هـ) هدم الأمويون (الكعبة) وأعادوا بناءها إلى ما كانت عليه قبل زيادة (ابن الزبير). وكانت مساحة (المسجد الحرام) نفسه فضاء ولم يكن له جدران فى

стр. 212

عهد النبى ﷺ و (أبى بكر الصديق)، فلما كثر الناس فى عهد (عمر بن الخطاب) اشترى الدور المجاورة للبيت الحرام، وهدمها وأضافها إلى مساحته، وأقام له جدرانًا دون قامة الرجل، وكذلك فعل (عثمان بن عفان) و (عبد الله بن الزبير). واستمر هذا الوضع حتى كان عهد (الوليد بن عبد الملك) (٨٦ - ٩٦هـ)، فزاد فى مساحته، وبنى سوره على عمد من الرخام، ووضع صفائح من الذهب على باب (الكعبة). - المسجد النبوى فى المدينة المنورة: ظل مسجد رسول الله ﷺ على حالته التى بُنى عليها حتى عهد (عمر بن الخطاب)، الذى زاد فى مساحته، وأطال جدرانه، ثم أضاف (عثمان بن عفان) إليه مساحات جديدة لكثرة المصلين، وضيقه بهم، وبناه من الحجارة، وجعل له عمدًا من الحجارة، وسقفًا من الساج. وظل المسجد كذلك إلى عهد (الوليد بن عبد الملك)، فأمر ابن عمه (عمر بن عبد العزيز) واليه على (المدينة) (٨٧ - ٩٣هـ) بهدمه وإعادة بنائه وتوسعته، فأدخل فيه حجرات النبى ﷺ . وعنى (الوليد) بإعادة بناء المسجد عناية عظيمة، فأرسل إلى (عمر بن عبد العزيز) أموالا كثيرة لهذا الغرض، وثمانين عاملا من عمال البناء من الشام وقبط (مصر)، وكميات كبيرة من الرخام والفسيفساء، وقد عهد (عمر) بالإشراف على البناء إلى واحد من كبار التابعين هو (صالح بن كيسان). وقد بنى أساس المسجد من الحجارة، وجعلت عمده من الحجارة المحشوة بالحديد والرصاص، وأقيمت له المآذن، وفتحت له عدة أبواب، منها (باب جبريل)، ﵇، و (باب النساء). واستمر العمل فى البناء نحو ثلاث سنوات، وفى سنة (٩٠هـ) زار الخليفة (الوليد) (المدينة) ليطمئن على سير العمل فى المسجد بنفسه، وقد أعجب بالبناء، وبما عليه من روعة تليق بمسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقسَّم أموالا كثيرة على أهل المدينة احتفاءً بهذه المناسبة، وخطب فيهم الجمعة من فوق منبر النبى - صلى الله عليه وسلم -.

стр. 213

- مسجد قبة الصخرة: أمر (عبدالملك بن مروان) سنة (٧٢هـ) ببناء مسجد فوق الصخرة التى عرج الرسول ﷺ من فوقها ليلة الإسراء والمعراج. - المسجد الأقصى: وقد بناه (الوليد بن عبدالملك) بالقرب من ساحة (مسجد قبة الصخرة)، وزينه بالفسيفساء والرخام، واحتفل ببنائه كاحتفاله بالمسجد الحرام بمكة المكرمة ومسجد الرسول ﷺ فى (المدينة المنورة). - المسجد الأموى فى دمشق: يعد (المسجد الأموى) من أعظم المساجد التى أنشئت فى العصر الأموى، بناه (الوليد بن عبدالملك)، وبذل فيه جهدًا كبيرًا، ولم يبخل عليه بالأموال، فجاء شامخًا عظيمًا. وأصل مكان المسجد كان معبدًا وثنيا فى عهد الرومان، ثم تحول إلى كنيسة فى العهد المسيحى، ثم فُتحت (دمشق) فى عهد (عمر بن الخطاب) صلحًا، واقتسم المسلمون بناءً على ذلك الصلح كل شىء فى المدينة مع أهلها، فقسمت الكنيسة، وجعل المسلمون نصفها مسجدًا، وبقى النصف الآخر كنيسة تقام فيها شعائر أهلها، وكان هذا آية من آيات السماحة؛ حيث لم يجد المسلمون غضاضة أن يتجاور المسجد والكنيسة، فضلا عن كونهما فى بناء واحد. وظل الأمر كذلك حتى عهد (الوليد)، الذى تفاوض مع المسيحيين، وعوَّضهم عن نصيبهم مساحة كبيرة من الأرض يقيمون عليها كنيسة كبيرة مستقلة، وهدم البناء القديم كله وأقام عليه المسجد، الذى جاء مستطيل الشكل، له ثلاثة مداخل، وأربع مآذن، وجعل فى وسطه صحنًا مكشوفًا، تحيط به أربعة أروقة، أكبرها رواق القبلة، وغطيت أرضيته بالرخام، وكذلك جدرانه إلى ارتفاع قامة الإنسان، وفوق الرخام زخارف من الفسيفساء المذهبة، وجعل سقفه من الرصاص، وبه ستمائة سلسلة من الذهب تتدلى منها قناديل للإنارة. وقد عنى الخليفة ببناء المسجد عناية واضحة، فأشرف على بنائه بنفسه، وأنفق عليه أموالا طائلة، بلغت خمسة ملايين دينار، تعرَّض بسببها للانتقاد، فأجاب بأنه يريد أن يكون المسجد الذى هو أعظم

стр. 214

رمز للإسلام لائقًا بدولته الكبيرة، واستمر العمل فى المسجد تسع سنوات (٨٧ - ٩٦هـ)، عمل فيه نحو عشرة آلاف عامل، حتى جاء المسجد آية من آيات فن العمارة الإسلامى، حتى ليذكر (ياقوت الحموى) أن الناس كانوا يعدونه من عجائب الدنيا. وعندما آلت الخلافة إلى (عمر بن عبدالعزيز) رأى أن الخليفة (الوليد) بالغ فى الإنفاق على بناء المسجد، وهمَّ بنزع سلاسل الذهب وبيعها، ووضع ثمنها فى بيت المال، ولما علم أهل (دمشق) بعزمه اشتد عليهم الأمر وكرهوه، وهم الذين كانوا قد انتقدوا (الوليد) من قبل، ولكن قبل أن ينفذ (عمر) ما عزم عليه جاء إلى (دمشق) وفد رسمى من قبل إمبراطور الروم، لبحث العلاقة بين الدولتين، فزار ذلك الوفد (المسجد الأموى)، وكان معهم قسيس، فلما دخلوا المسجد أغمى عليه، فحملوه إلى دار الضيافة، فسأله رفاقه بعد أن أفاق عما حدث له، فقال: كنا نتحدث أن بقاء العرب ودولتهم لن يطول، فلما رأيت ذلك البناء الشامخ حصل لى هم وغم، وأدركت أن بقاءهم سيطول، فحدث لى ما رأيتم، وكان يسمع ذلك الحوار أحد المسلمين العارفين باليونانية التى كانوا يتحاورون بها، فنقل ذلك إلى (عمر بن عبدالعزيز)، فقال: إذا كان المسجد قد أغاظهم إلى هذا الحد، فلن أنزع منه شيئًا، بل زاده جمالا وروعة وبهاءً، فأمر بترصيع محرابه بالجواهر الثمينة، وعلق له قناديل من ذهب وفضة. - العناية بالطرق: اهتمت الدولة الأموية اهتمامًا كبيرًا بإنشاء الطرق، لربط أجزائها التى امتدت من (الصين) إلى (الأندلس)، وهى مسافة تبلغ (١٢) ألف كيلو متر من الشرق إلى الغرب، ولتيسير الاتصال ببعضها، ولتحقيق كثير من الأغراض، منها ما هو عسكرى لتيسير حركة الجيوش، ومنها ما هو اقتصادى لتيسير حركة التجارة، ومنها ما هو إدارى لتسهيل وصول الأخبار عن طريق رجال البريد، ومنها ما هو دينى لتسهيل وصول حجَّاج بيت الله الحرام من كل أنحاء الدولة إلى (مكة المكرمة)،

стр. 215

لأداء فريضة الحج، وإلى (المدينة المنورة)؛ لزيارة مسجد النبى - صلى الله عليه وسلم -. وقد قسم الأمويون الطرق التى تربط العاصمة (دمشق) بعواصم الولايات - كالفسطاط و (القيروان) و (قرطبة) و (الكوفة) و (البصرة) و (خراسان)، و (ما وراء النهر) - إلى مسافات صغيرة محددة، وجعلوا لها علامات تحمل أرقامًا؛ ليعرف المسافرون المسافات بين المدن والأقاليم، وهى مثل العلامات الإرشادية المستخدمة الآن فى الطرق الإقليمية والدولية. وعمرت الطرق بالخانات والاستراحات، ليستريح الناس من وعثاء السفر، فوق ما كانت تتمتع به من أمن وأمان. وكان الناس يسافرون عبر هذه الطرق، ويتنقلون بين مدن الشرق والغرب دون تصريح مرور أو جواز سفر، فالدولة كلها على امتداد حدودها وطنهم، فى أى مكان منه يستطيع الإنسان أن يسكن ويتزوج ويتاجر، دون مضايقة أو طلب إقامة. الحركة العلمية: كانت الحركة العلمية بمختلف اتجاهاتها فى العصر الأموى امتدادًا للحركة العلمية التى بدأت منذ عهد النبى ﷺ ، ونمت فى عهد الخلفاء الراشدين، وأخذت العلوم تتمايز عن بعضها، ويصبح لكل منها مدارسه ورجاله، بعد أن كانت العلوم ممتزجة بعضها فى بعض، فالرسول ﷺ كان يعلم المسلمين أمور دينهم ودنياهم، ويفسّر لهم ما أبهم عليهم من القرآن الكريم، وبعد وفاته أصبح أصحابه المعلمين للتابعين. ولم يكن الصحابة - رضوان الله عليهم - على درجة واحدة من العلم والفقه، بل كانوا متفاوتين فى ذلك، ولعل أفضل ما صوَّر تباين الصحابة فى درجات العلم قول (مسروق) - وهو أحد التابعين -: (جالست أصحاب محمد ﷺ ، فوجدتهم كالإخاذ - غدير الماء - فالإخاذ يروى الرجل، والإخاذ يروى الرجلين، والإخاذ يروى العشرة، والإخاذ يروى المائة، والإخاذ لو نزل به أهل الأرض صدرهم) أى: رواهم جميعًا. وقد اشتهر عدد من كبار الصحابة بالعلم دون غيرهم كالخلفاء
следующие страницы →