Полный текст (3 483 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
مكونة من زوجين من الغرف، وتوجد حول قاعة العرش أربع
مجموعات من هذه البيوت.
وهذه القصور المكتشفة تدل على تقدم فن العمارة فى عهد الدولة
الأموية، وتأثره بالطرز المعمارية الفارسية والبيزنطية، وعلى الثراء
الذى كانت عليه الدولة، مما مكَّن خلفاءها من بناء تلك القصور
الباذخة، ومعظمها لم يكن للسكنى الدائمة، وإنما كانت مشاتى
ومصايف للإقامة الموسمية المؤقتة.
المساجد:
ازدهرت حركة بناء المساجد فى عهد الأمويين ازدهارًا كبيرًا،
فوسعوا المساجد التى كانت موجودة من قبل، كالمسجد الحرام فى
(مكة المكرمة)، و (المسجد النبوى) فى (المدينة المنورة)، و (جامع
عمرو بن العاص) فى (الفسطاط)، و (المسجد الكبير) فى (صنعاء)
باليمن، كما أقاموا العديد من المساجد الجديدة، ومن أشهرها:
(مسجد قبة الصخرة) الذى أنشأه (عبد الملك بن مروان) فى (القدس)،
و (المسجد الأقصى) الذى أنشأه ابنه (الوليد)، و (المسجد الأموى)
الكبير فى (دمشق) الذى أنشأه (الوليد) أيضًا.
- المسجد الحرام:
كانت (الكعبة المشرفة) فى عهد النبى ﷺ وخلفائه
الراشدين على البناء نفسه الذى أقامته (قريش) بعد السيل؛ الذى دمر
(الكعبة) قبل بعثة النبى ﷺ ، واستمرت على ذلك
إلى أن هُدمت أثناء خلافة (عبد الله بن الزبير) (٦٤ - ٧٣هـ)، فقام
ببنائها من جديد على قواعد (إبراهيم)، ﵇، وأدخل فيها
حجر (إسماعيل)، واستشهد على ذلك بحديث النبى - صلى الله عليه
وسلم - الذى خاطب فيه (عائشة) بقوله: (لولا أن قومك حديثو عهد
بشرك أو بجاهلية لهدمت الكعبة فألزقتها بالأرض، وجعلت لها بابين
بابًا شرقيا وبابًا غربيا وزدت فيها من الحجر ستة أذرع .. ). [مسند
الإمام أحمد].
وبعد مقتل (ابن الزبير) وانتهاء دولته سنة (٧٣هـ) هدم الأمويون
(الكعبة) وأعادوا بناءها إلى ما كانت عليه قبل زيادة (ابن الزبير).
وكانت مساحة (المسجد الحرام) نفسه فضاء ولم يكن له جدران فى
стр. 212
عهد النبى ﷺ و (أبى بكر الصديق)، فلما كثر
الناس فى عهد (عمر بن الخطاب) اشترى الدور المجاورة للبيت الحرام،
وهدمها وأضافها إلى مساحته، وأقام له جدرانًا دون قامة الرجل،
وكذلك فعل (عثمان بن عفان) و (عبد الله بن الزبير).
واستمر هذا الوضع حتى كان عهد (الوليد بن عبد الملك) (٨٦ - ٩٦هـ)،
فزاد فى مساحته، وبنى سوره على عمد من الرخام، ووضع صفائح
من الذهب على باب (الكعبة).
- المسجد النبوى فى المدينة المنورة:
ظل مسجد رسول الله ﷺ على حالته التى بُنى
عليها حتى عهد (عمر بن الخطاب)، الذى زاد فى مساحته، وأطال
جدرانه، ثم أضاف (عثمان بن عفان) إليه مساحات جديدة لكثرة
المصلين، وضيقه بهم، وبناه من الحجارة، وجعل له عمدًا من
الحجارة، وسقفًا من الساج.
وظل المسجد كذلك إلى عهد (الوليد بن عبد الملك)، فأمر ابن عمه (عمر
بن عبد العزيز) واليه على (المدينة) (٨٧ - ٩٣هـ) بهدمه وإعادة بنائه
وتوسعته، فأدخل فيه حجرات النبى ﷺ .
وعنى (الوليد) بإعادة بناء المسجد عناية عظيمة، فأرسل إلى (عمر
بن عبد العزيز) أموالا كثيرة لهذا الغرض، وثمانين عاملا من عمال
البناء من الشام وقبط (مصر)، وكميات كبيرة من الرخام والفسيفساء،
وقد عهد (عمر) بالإشراف على البناء إلى واحد من كبار التابعين هو
(صالح بن كيسان).
وقد بنى أساس المسجد من الحجارة، وجعلت عمده من الحجارة
المحشوة بالحديد والرصاص، وأقيمت له المآذن، وفتحت له عدة
أبواب، منها (باب جبريل)، ﵇، و (باب النساء).
واستمر العمل فى البناء نحو ثلاث سنوات، وفى سنة (٩٠هـ) زار
الخليفة (الوليد) (المدينة) ليطمئن على سير العمل فى المسجد بنفسه،
وقد أعجب بالبناء، وبما عليه من روعة تليق بمسجد رسول الله - صلى
الله عليه وسلم -، وقسَّم أموالا كثيرة على أهل المدينة احتفاءً بهذه
المناسبة، وخطب فيهم الجمعة من فوق منبر النبى - صلى الله عليه
وسلم -.
стр. 213
- مسجد قبة الصخرة:
أمر (عبدالملك بن مروان) سنة (٧٢هـ) ببناء مسجد فوق الصخرة التى
عرج الرسول ﷺ من فوقها ليلة الإسراء والمعراج.
- المسجد الأقصى:
وقد بناه (الوليد بن عبدالملك) بالقرب من ساحة (مسجد قبة الصخرة)،
وزينه بالفسيفساء والرخام، واحتفل ببنائه كاحتفاله بالمسجد الحرام
بمكة المكرمة ومسجد الرسول ﷺ فى (المدينة
المنورة).
- المسجد الأموى فى دمشق:
يعد (المسجد الأموى) من أعظم المساجد التى أنشئت فى العصر
الأموى، بناه (الوليد بن عبدالملك)، وبذل فيه جهدًا كبيرًا، ولم يبخل
عليه بالأموال، فجاء شامخًا عظيمًا.
وأصل مكان المسجد كان معبدًا وثنيا فى عهد الرومان، ثم تحول
إلى كنيسة فى العهد المسيحى، ثم فُتحت (دمشق) فى عهد (عمر بن
الخطاب) صلحًا، واقتسم المسلمون بناءً على ذلك الصلح كل شىء
فى المدينة مع أهلها، فقسمت الكنيسة، وجعل المسلمون نصفها
مسجدًا، وبقى النصف الآخر كنيسة تقام فيها شعائر أهلها، وكان
هذا آية من آيات السماحة؛ حيث لم يجد المسلمون غضاضة أن يتجاور
المسجد والكنيسة، فضلا عن كونهما فى بناء واحد.
وظل الأمر كذلك حتى عهد (الوليد)، الذى تفاوض مع المسيحيين،
وعوَّضهم عن نصيبهم مساحة كبيرة من الأرض يقيمون عليها كنيسة
كبيرة مستقلة، وهدم البناء القديم كله وأقام عليه المسجد، الذى جاء
مستطيل الشكل، له ثلاثة مداخل، وأربع مآذن، وجعل فى وسطه
صحنًا مكشوفًا، تحيط به أربعة أروقة، أكبرها رواق القبلة، وغطيت
أرضيته بالرخام، وكذلك جدرانه إلى ارتفاع قامة الإنسان، وفوق
الرخام زخارف من الفسيفساء المذهبة، وجعل سقفه من الرصاص، وبه
ستمائة سلسلة من الذهب تتدلى منها قناديل للإنارة.
وقد عنى الخليفة ببناء المسجد عناية واضحة، فأشرف على بنائه
بنفسه، وأنفق عليه أموالا طائلة، بلغت خمسة ملايين دينار، تعرَّض
بسببها للانتقاد، فأجاب بأنه يريد أن يكون المسجد الذى هو أعظم
стр. 214
رمز للإسلام لائقًا بدولته الكبيرة، واستمر العمل فى المسجد تسع
سنوات (٨٧ - ٩٦هـ)، عمل فيه نحو عشرة آلاف عامل، حتى جاء
المسجد آية من آيات فن العمارة الإسلامى، حتى ليذكر (ياقوت
الحموى) أن الناس كانوا يعدونه من عجائب الدنيا.
وعندما آلت الخلافة إلى (عمر بن عبدالعزيز) رأى أن الخليفة (الوليد)
بالغ فى الإنفاق على بناء المسجد، وهمَّ بنزع سلاسل الذهب وبيعها،
ووضع ثمنها فى بيت المال، ولما علم أهل (دمشق) بعزمه اشتد عليهم
الأمر وكرهوه، وهم الذين كانوا قد انتقدوا (الوليد) من قبل، ولكن
قبل أن ينفذ (عمر) ما عزم عليه جاء إلى (دمشق) وفد رسمى من قبل
إمبراطور الروم، لبحث العلاقة بين الدولتين، فزار ذلك الوفد (المسجد
الأموى)، وكان معهم قسيس، فلما دخلوا المسجد أغمى عليه،
فحملوه إلى دار الضيافة، فسأله رفاقه بعد أن أفاق عما حدث له،
فقال: كنا نتحدث أن بقاء العرب ودولتهم لن يطول، فلما رأيت ذلك
البناء الشامخ حصل لى هم وغم، وأدركت أن بقاءهم سيطول،
فحدث لى ما رأيتم، وكان يسمع ذلك الحوار أحد المسلمين العارفين
باليونانية التى كانوا يتحاورون بها، فنقل ذلك إلى (عمر بن
عبدالعزيز)، فقال: إذا كان المسجد قد أغاظهم إلى هذا الحد، فلن
أنزع منه شيئًا، بل زاده جمالا وروعة وبهاءً، فأمر بترصيع محرابه
بالجواهر الثمينة، وعلق له قناديل من ذهب وفضة.
- العناية بالطرق:
اهتمت الدولة الأموية اهتمامًا كبيرًا بإنشاء الطرق، لربط أجزائها
التى امتدت من (الصين) إلى (الأندلس)، وهى مسافة تبلغ (١٢) ألف
كيلو متر من الشرق إلى الغرب، ولتيسير الاتصال ببعضها، ولتحقيق
كثير من الأغراض، منها ما هو عسكرى لتيسير حركة الجيوش، ومنها
ما هو اقتصادى لتيسير حركة التجارة، ومنها ما هو إدارى لتسهيل
وصول الأخبار عن طريق رجال البريد، ومنها ما هو دينى لتسهيل
وصول حجَّاج بيت الله الحرام من كل أنحاء الدولة إلى (مكة المكرمة)،
стр. 215
لأداء فريضة الحج، وإلى (المدينة المنورة)؛ لزيارة مسجد النبى - صلى
الله عليه وسلم -.
وقد قسم الأمويون الطرق التى تربط العاصمة (دمشق) بعواصم
الولايات - كالفسطاط و (القيروان) و (قرطبة) و (الكوفة) و (البصرة)
و (خراسان)، و (ما وراء النهر) - إلى مسافات صغيرة محددة، وجعلوا
لها علامات تحمل أرقامًا؛ ليعرف المسافرون المسافات بين المدن
والأقاليم، وهى مثل العلامات الإرشادية المستخدمة الآن فى الطرق
الإقليمية والدولية.
وعمرت الطرق بالخانات والاستراحات، ليستريح الناس من وعثاء
السفر، فوق ما كانت تتمتع به من أمن وأمان.
وكان الناس يسافرون عبر هذه الطرق، ويتنقلون بين مدن الشرق
والغرب دون تصريح مرور أو جواز سفر، فالدولة كلها على امتداد
حدودها وطنهم، فى أى مكان منه يستطيع الإنسان أن يسكن
ويتزوج ويتاجر، دون مضايقة أو طلب إقامة.
الحركة العلمية:
كانت الحركة العلمية بمختلف اتجاهاتها فى العصر الأموى امتدادًا
للحركة العلمية التى بدأت منذ عهد النبى ﷺ ،
ونمت فى عهد الخلفاء الراشدين، وأخذت العلوم تتمايز عن بعضها،
ويصبح لكل منها مدارسه ورجاله، بعد أن كانت العلوم ممتزجة
بعضها فى بعض، فالرسول ﷺ كان يعلم
المسلمين أمور دينهم ودنياهم، ويفسّر لهم ما أبهم عليهم من القرآن
الكريم، وبعد وفاته أصبح أصحابه المعلمين للتابعين.
ولم يكن الصحابة - رضوان الله عليهم - على درجة واحدة من العلم
والفقه، بل كانوا متفاوتين فى ذلك، ولعل أفضل ما صوَّر تباين
الصحابة فى درجات العلم قول (مسروق) - وهو أحد التابعين -:
(جالست أصحاب محمد ﷺ ، فوجدتهم كالإخاذ -
غدير الماء - فالإخاذ يروى الرجل، والإخاذ يروى الرجلين، والإخاذ
يروى العشرة، والإخاذ يروى المائة، والإخاذ لو نزل به أهل الأرض
صدرهم) أى: رواهم جميعًا.
وقد اشتهر عدد من كبار الصحابة بالعلم دون غيرهم كالخلفاء
стр. 216
الراشدين، وأم المؤمنين (عائشة)، و (ابن عباس)، و (ابن مسعود)،
و (زيد بن ثابت الأنصارى)، و (أبى الدرداء)، و (أبى هريرة)، و (معاذ بن
جبل) رضوان الله عليهم جميعًا، غير أن هؤلاء الصحابة بقى بعضهم
فى (المدينة المنورة) و (مكة المكرمة)، وتفرق بعضهم الآخر فى
الأمصار المفتوحة، ولم يكن الواحد منهم يعلِّم علمًا واحدًا، وإنما يتكلَّم
فى علوم كثيرة، وربما تحدث فى جلسة واحدة فى الفقه والحديث
والتفسير والمغازى، والأدب شعره ونثره.
وكانت المراكز الرئيسية للحركة العلمية عندئذٍ هى المساجد، ثم
نشأت المكاتب لتحفيظ الصبيان القرآن الكريم، وتعليمهم مبادئ
العلوم الإسلامية، ثم بدأت العلوم يمتاز بعضها عن بعض، وعرف رجال
بالتفسير وآخرون بالحديث، واختص غيرهم بالفقه، ولا يعنى هذا أن
المفسر أو الفقيه لا يعرف غير ما تخصص فيه من العلم واشتهر به،
وإنما يوضع الرجل بين رجال العلم الذى برَّز فيه وأصبح حجة وإمامًا،
فالإمام (مالك بن أنس) اشتهر بالفقه وصار صاحب مذهب فقهى
معروف، لكنه من رجال الحديث الكبار، ويعرف التفسير؛ فلو لم يكن
كذلك ما استطاع أن يضع القواعد الفقهية ويستنبط الأحكام من
أدلتها التفصيلية، لأن الفقه يقوم على الاستنباط من القرآن والسنة.
ثم خطت الحركة العلمية خطوة كبيرة فى ذلك الوقت، ببدء حركة
تدوين العلوم، ولم يكن المسلمون يفعلون ذلك من قبل، وإنما اعتمد
الصحابة على الذاكرة فى الحفظ. والذين أُثِر عنهم أنهم دونوا بعض
أحاديث الرسول ﷺ من الصحابة، عدد قليل،
كأبى هريرة و (عبدالله بن عمرو بن العاص)، الذى سمح له النبى
ﷺ بتدوين أحاديثه؛ فدوَّنها فى صحيفة كان
يقول عنها: الصادقة، ويفخر أن ليس بين الرسول وبينه فيها أحد.
ومنذ منتصف القرن الأول للهجرة تقريبًا بدأت حركة التدوين بداية
متواضعة، فيُروَى أن (معاوية بن أبى سفيان) أمر بتدوين ما يرويه
стр. 217
له فى مجلسه (عبيد بن شرية) من تواريخ ملوك (اليمن) القدامى
وغيرهم، وكان (معاوية) مولعًا بمعرفة تواريخ الأمم السابقة، وأن
(عبد العزيز بن مروان) والى (مصر) (٦٥ - ٨٥هـ) أرسل إلى (كثير بن
مرة الحضرمى) أن يكتب له ما سمع من أصحاب رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - إلا أحاديث (أبى هريرة) فإنها موجودة عنده.
ثم جاءت الخطوة الحاسمة فى التدوين، حين أمر (عمر بن عبد العزيز)
أثناء خلافته (٩٩ - ١٠١هـ) (أبا بكر بن حزم) والى (المدينة) أن يدوِّن
أحاديث رسول الله ﷺ خوفًا من ضياع العلم
وذهاب العلماء، ثم تتابعت حركة التدوين، فدوَّن (ابن شهاب الزهرى)
و (يزيد بن أبى حبيب المصرى) وغيرهما، وانتقل التدوين إلى العلوم
الأخرى، فدون الفقه والتفسير وغيرهما.
وشجع الخلفاء الأمويون الحركة العلمية بصفة عامة، وحركة التدوين
بصفة خاصة، وبدأ فى عصرهم ظهور طبقة المعلمين، لأن الخلفاء
أنفسهم كانوا مهتمين بتعليم أولادهم، وبخاصة العلوم الإسلامية،
فاختاروا لهذه المهمة أصلح المعلمين الذين كانوا يسمون أيضًا
بالمؤدبين، ولم تكن مهمتهم تعليمية فحسب، بل كانت تربوية أيضًا.
ومن أشهر هؤلاء المعلمين: (دغفل بن حنظلة الشيبانى)، واختاره
(معاوية بن أبى سفيان) لتعليم ابنه (يزيد) وتهذيبه، و (الضحاك بن
مزاحم) و (عامر بن شراحبيل الشعبى) و (ابن أبى المهاجر)، وهؤلاء
الثلاثة من كبار التابعين، واختارهم (عبد الملك بن مروان) لتعليم
أولاده وتأديبهم.
وقد حذا أشراف الناس والأغنياء حذو الخلفاء فى تعليم أولادهم على
أيدى مربين ومؤدبين، مما أعطى دفعة للحركة العلمية فى ذلك
العصر.
وعلى الرغم من ضياع المدونات والمؤلفات التى كتبت فى العصر
الأموى، فإن معظم محتوياتها وصلت إلينا فى المؤلفات الكثيرة التى
ألفت فى العصر العباسى، فمرويات (الطبرى) عن غزوات الرسول
ﷺ ، وسيرته أخذها ممن رواها عن كتَّاب المغازى
стр. 218
والسيرة الأوائل الذين ضاعت مؤلفاتهم، كأبان بن عثمان بن عفان،
و (عروة بن الزبير) وغيرهما.
علم التفسير:
هو العلم الذى يبحث فى بيان معانى آيات القرآن وأسلوبه وبيانه،
إلى غير ذلك مما حفلت به كتب التفسير من مصطلحات هذا العلم؛
كالمجمل والمفصّل، والمحكم والمتشابه، والناسخ والمنسوخ،
وأسباب النزول.
ومع كون الصحابة - رضوان الله عليهم - أقدر الناس على فهم القرآن
الكريم، فإنهم اختلفوا فى فهمه على حسب اختلاف قدراتهم العقلية،
واشتهر منهم بالتفسير وفهم القرآن الكريم: الخلفاء الراشدون، و (ابن
مسعود)، و (ابن عباس)، و (أبىُّ بن كعب)، و (زيد بن ثابت).
وعن هؤلاء وغيرهم تلقى التابعون، وعلى رأسهم: (مجاهد بن جبر)،
و (عطاء بن أبى رباح)، و (عكرمة مولى ابن عباس)، و (سعيد بن
جبير)، و (سعيد بن المسيب)، و (الحسن البصرى)، و (محمد بن سيرين)،
وبعض هؤلاء ألفوا كتبًا فى التفسير، لكنها ضاعت ولم تصل إلينا،
كما ضاعت كتب التفسير التى ألِّفت بعد عصر التابعين، ومنها ما
نُسب إلى (سفيان بن عيينة) و (وكيع بن الجراح)، و (عبد الرزاق) وكثير
غيرهم.
والخلاصة أنه لم يصل إلينا كتاب فى التفسير يرجع إلى العصر
الأموى، وأول كتاب فى التفسير وصل إلى أيدى الناس هو كتاب
(معانى القرآن) للفرَّاء المتوفى سنة (٢٠٧هـ)، ثم توالت بعده مطولات
كتب التفسير، ولعل من أشهرها تفسير الإمام (الطبرى) المتوفى سنة
(٣١٠هـ)، المعروف باسم (جامع البيان عن تأويل آى القرآن).
علم الحديث:
الحديث فى اللغة: مطلق الكلام، وفى الاصطلاح: هو كلام النبى - صلى
الله عليه وسلم -، الذى هو المصدر الثانى للتشريع بعد القرآن الكريم.
وقد حرص الصحابة على حفظ كل ما يسمعونه من النبى - صلى الله
عليه وسلم -، وكانوا يسألونه ليبين لهم ما غمض عليهم فهمه من
القرآن، وهذا من وظائفه لقوله تعالى ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس
ما نُزِّل إليهم ولعلهم يتفكرون﴾. [النحل: من ٤٤].
стр. 219
وقد أمرهم الله تعالى باتِّباع النبى فى كل ما يقول أو يفعل، لقوله
تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾. [الحشر:
من ٧].
وحذَّرهم من مخالفته ﷺ ، فقال تعالى: ﴿فليحذر
الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾.
[النور: من ٦٣].
وسار المسلمون على نهج الرسول ﷺ ، وتلقفوا
كل ما يتلفظ به، يحفظونه عن ظهر قلب ويعملون به، وكان الحديث
هو أول العلوم التى اشتغلوا بها، لكنهم لم يدونوه فى حياة النبى
ﷺ ، ويروى أنه هو نفسه نهاهم عن ذلك، لئلا
يختلط بالقرآن، فقال: (لا تكتبوا عنّى، فمن كتب عنى غير القرآن
فليمحهـ) [صحيح مسلم]، بالإضافة إلى أن الصحابة أنفسهم كانوا
يتحرجون من الإكثار من رواية الحديث، تهيبًا وخوفًا من الخطأ
والنسيان.
- تدوين الحديث:
ظلت أحاديث رسول الله ﷺ يتناقلها العلماء
مشافهة جيلا بعد جيل، حتى نهاية القرن الأول الهجرى، وإن دوَّن
بعض الناس أحاديث رسول الله كعبدالله بن عمرو الذى أذن له النبى
بكتابة الحديث فى حياته، وما رواه البخارى من أن (أبا شاه
اليمنى)، التمس من رسول الله ﷺ أن يكتب شيئًا
من خطبته عام الفتح، فقال: (اكتبوا لأبى شاهـ)، ثم أمر الخليفة (عمر
بن عبدالعزيز) بتدوين الحديث خوفًا من ضياعه بموت العلماء الذين
يحفظونه، فكتب إلى (أبى بكر بن حزم) والى (المدينة) وغيره من
ولاة الأقاليم، وطلب منهم جمع أحاديث النبى ﷺ
وتدوينها، ومن ثم بدأ المسلمون يقبلون على ذلك، وبمضى الزمن
تضاعفت جهود العلماء فى هذا الميدان، ومن أشهر الرجال الذين
اشتغلوا بجمع الحديث وروايته وتدوينه فى العصر الأموى: (محمد بن
مسلم بن شهاب الزهرى) المتوفى سنة (١٢٤هـ)، و (ابن جريج المكى)
المتوفى سنة (١٥٠هـ)، و (ابن إسحاق) المتوفى سنة (١٥١هـ)،
стр. 220
و (معمر بن راشد اليمنى) المتوفى سنة (١٥٣هـ)، و (سفيان الثورى)
المتوفى سنة (١٦١هـ)، و (مالك بن أنس) المتوفى سنة (١٧٩هـ)، غير
أن هؤلاء كلهم عدا (ابن شهاب الزهرى) عاشوا صدر حياتهم فى
العصر الأموى وآخرها فى العصر العباسى.
لكن الخطوات الحاسمة فى تدوين الحديث، ووضع المنهج العلمى
الدقيق لتوثيقه، وقبول روايته، وتصنيفه إلى صحيح وحسن
وضعيف، ووضع علومه، وقواعد الجرح والتعديل - أى نقد رجال
السند - كل ذلك جاء فى القرن (٣ هـ = ٩ م)، بظهور أئمة الحديث
كالبخارى و (مسلم)، و (الترمذى)، و (النسائى)، و (أبى داود) وغيرهم،
وذلك فى العصر العباسى.
علم الفقه:
وهو من أجل العلوم الإسلامية، فهو يعرِّف المسلم كيف يعبد ربه، بما
افترضه عليه من صيام وصلاة وزكاة وحج، وينظم معاملات المسلمين
ويقننها فى البيع والشراء والتجارة والزراعة وسائر شئون حياتهم.
ويعد الفقهاء من أكثر علماء الإسلام أثرًا فى حياة المسلمين، لقوله
ﷺ : (من يرد الله به خيرًا يفقهه فى الدين). [مسند
الإمام أحمد].
وكان النبى ﷺ يعلم الصحابة ويفقههم فى أمور
دينهم، ثم تولَّى بعده الصحابة تلك المهمة، وبخاصة بعد أن اتسعت
الدولة الإسلامية فى عهد الخلفاء الراشدين والدولة الأموية، ثم اتسع
نطاق علم الفقه نتيجة لزيادة المشكلات والقضايا التى تحتاج إلى
فتاوى وحلول، وأصبح له علماء متخصصون، لهم قدرة على استنباط
الأحكام الفقهية من الكتاب والسنة، وعلى الاجتهاد لإيجاد أحكام
للقضايا التى لم يرد لها نص فى كتاب الله أو سنة رسوله - صلى الله
عليه وسلم -، لأن النصوص متناهية، فى حين أن المشكلات والقضايا
غير متناهية ومتجددة، ولابد لها من حلول، فالشريعة الإسلامية
صالحة لكل زمان ومكان، ومعنى الصلاحية أن يكون لها حل
للمشكلات وإجابة عن كل الأسئلة، ومن ثم اجتهد الفقهاء فى هذا
الميدان، واختلفت اجتهاداتهم طبقًا لفهمهم الكتاب والسنة؛ ونتيجة
стр. 221
لذلك ظهرت المذاهب الفقهية المعروفة، وتراكم تراث فقهى هائل،
أخذ يتزايد بمرور الزمان.
وفى العصر الأموى ظهر إمامان جليلان من أئمة الفقه الكبار، هما
(أبو حنيفة النعمان) و (مالك بن أنس).
أمَّا أولهما فقد وُلد فى (الكوفة) سنة (٨٠هـ) فى خلافة (عبدالملك بن
مروان)، وتوفى سنة (١٥٠هـ) فى خلافة (أبى جعفر المنصور
العباسى)، أى أنه عاش أغلب حياته فى العصر الأموى.
وهو من أصل فارسى، تلقى الفقه على كثير من كبار العلماء، منهم
(أبو جعفر الصادق)، و (إبراهيم النخعى)، و (عامر بن شراحبيل
الشعبى)، و (الأعمش)، و (قتادة)، وغيرهم، واشتهر باجتهاده، وقوة
حجته، وحسن منطقه، ودقته فى استنباط الأحكام، وهو صاحب
المذهب الحنفى المعروف، الذى ألَّف فيه ونشره بين الناس تلاميذه
العظام، ومن أبرزهم (أبو يوسف) المتوفى سنة (١٨٢هـ) قاضى
القضاة فى عهد الخليفة (هارون الرشيد)، و (محمد بن الحسن
الشيبانى) المتوفى سنة (١٨٩هـ). و (زفر بن هذيل) المتوفى سنة
(١٥٨هـ)، وقد انتشر المذهب الحنفى فى (مصر) و (العراق) وأواسط
آسيا وغيرها.
وأماَّ الآخر فقد وُلد فى (المدينة المنورة) سنة (٩٣هـ) فى عهد (الوليد
بن عبدالملك)، وتوفى سنة (١٧٩هـ) فى عهد (هارون الرشيد)، أى
أنه عاش نحو نصف عمره فى العصر الأموى، وأكثر من نصفه الآخر
فى العصر العباسى.
نشأ (مالك بن أنس) وتفقَّه وروى الحديث فى (المدينة) وترك كتابًا
عظيمًا هو (الموطأ)، الذى يجمع بين الفقه والحديث، والإمام (مالك)
صاحب المذهب المالكى المعروف الذى انتشر فى (مصر) و (المغرب
العربى).
وقد عاصر هذين الإمامين الجليلين عدد آخر لا يقل عنهما علمًا وفقهًا،
مثل: (الأوزاعى) إمام أهل الشام المتوفى سنة (١٥٧هـ)، و (الليث بن
سعد) إمام أهل (مصر)، المتوفى سنة (١٧٥هـ)، غير أن مذهب هذين
الإمامين الجليلين اندثر بعدهما؛ لأنهما لم يجدا تلاميذ يواصلون نشر
مذهبيهما.
علوم اللغة العربية:
стр. 222
ظهرت بعض علوم اللغة كالنحو والصرف والعروض فى العصر الأموى،
وكان الناس قبل ظهور الإسلام وبعده بفترة حتى عهد (على بن أبى
طالب) يتحدثون بلغة عربية، سليمة الأداء، فصيحة النطق، بالفطرة
والسليقة اللغوية، دون أن يعرفوا نحوًا أو صرفًا، غير أن الأمر اختلف
بعد دخول كثير من أبناء البلاد المفتوحة فى الإسلام؛ حيث بدأ ظهور
الخطأ واللحن فى اللغة، ومن ثم ظهرت الحاجة إلى علم لضبط النطق
السليم للكلمات العربية.
نشأة علم النحو:
يُعد أمير المؤمنين (على بن أبى طالب) أول من أشار بوضع قواعد
علم النحو، حيث كلَّف أحد ولاته وكتَّابه وهو (أبو الأسود الدؤلى)
المتوفى سنة (٦٩هـ) بوضع قواعد علم النحو، ويروى (أبو الأسود)
نفسه أنه دخل على أمير المؤمنين (على بن أبى طالب) فوجد فى
يده رقعة، فسأله عنها، فقال: إنى تأملت كلام العرب فوجدته قد
فسد، فأردت أن أضع شيئًا يرجعون إليه، وألقى الرقعة إلى (أبى
الأسود)، فوجد مكتوبًا فيها: الكلام كله اسم، وفعل، وحرف، فالاسم
ما أنبأ عن المسمى، والفعل ما أنبئ به -حيث يدل على الحدث
وزمانه - والحرف ما أفاد معنى، ثم قال (على) لأبى الأسود: انحُ هذا
النحو وأضف إليه ما وقع لك، فقال (أبو الأسود): فوضعت باب العطف
والنعت، ثم بابى التعجب والاستفهام، إلى أن وصلت إلى باب: إن
وأخواتها ماخلا لكنَّ، فلما عرضتها على (علىِّ) أمرنى بضم لكنَّ
إليها، وكنت كلما وضعت بابًا من أبواب النحو عرضته عليه، إلى أن
حصلت ما فيه الكفاية، فقال (على): ما أحسن هذا النحو الذى نحوت،
ومن هنا ظهر علم النحو.
ولما كان (أبو الأسود) من أهل البصرة، فقد ورثوا عنه حبه للنحو،
والاهتمام به، وكانوا أول من اشتغل به، فطوروه، وجددوه وأضافوا
إليه ما زاده بيانًا ووضوحًا، ودوَّنوا فيه المؤلفات المبكرة، ومن
هؤلاء: (يحيى بن يعمر)، و (عنبسة بن معدان)، و (عيسى بن عمر
الثقفى) المتوفى سنة (١٤٩هـ)، أحد علماء مدرسة (البصرة) فى
النحو.
стр. 223
وعلى يد (عيسى بن عمر) تتلمذ أشهر علماء النحو واللغة فى ذلك
العصر وهو (الخليل بن أحمد) المولود سنة (٩٦هـ)، والمتوفى سنة
(١٧٠هـ)، وهو صاحب معجم (العين) الذى هو أول معجم فى العربية،
وواضع علم العروض، الخاص بأوزان الشعر العربى ومعرفة بحوره.
ثم تتلمذ على يد (الخليل بن أحمد الفراهيدى) عدد من النحاة، يأتى
فى مقدمتهم (سيبويه) (عمرو بن عثمان) إمام النحاة، وصاحب
(الكتاب) أشهر مؤلِّف فى النحو العربى. وتُوفِّى (سيبويه) وهو فى
الثانية والثلاثين من عمره سنة (١٨٠هـ).
علم السير والمغازى والتاريخ:
وهو يعد من أوائل العلوم التى اهتم بها المسلمون الأوائل، وبخاصة
أبناء الصحابة؛ حيث حرص آباؤهم على تعليمهم مغازى الرسول
ﷺ كما كانوا يعلمونهم القرآن الكريم، بالإضافة
إلى شغفهم بمعرفة ما قام به الرسول ﷺ والذين
معه من أجل الدعوة، ومن ثم اتجهوا إلى دراسة السير والمغازى،
وأخذها من مصادرها الوثيقة، من آبائهم وأهليهم الذين شهدوا
الأحداث، وشاركوا فى الغزوات، وكانوا يسألونهم مثلا: كيف كانت
غزوة (بدر)؟ ومن هم الذين شهدوها؟ ومتى كانت الهجرة إلى
(الحبشة)؟ وكان الصحابة يجيبون عن أسئلتهم إجابة شاهد العيان،
الذى رأى وسمع.
وكان من الطبيعى أن ينشأ هذا العلم فى مدينة رسول الله - صلى الله
عليه وسلم -، فهى البيئة التى شهدت معظم تلك الأحداث، ومنها بدأت
أولى خطوات التدوين والتأليف فى السيرة والمغازى، ومن أوائل
علماء السيرة والمغازى:
أبان بن عثمان:
أبوه الخليفة (عثمان بن عفان)، وُلد سنة (٢٠ هـ) بالمدينة، وكان من
فقهاء (المدينة) المعدودين، ومن كبار رواة الحديث، تتلمذ لأبيه وغيره
من كبار الصحابة، وتعلم على يديه كثير من علماء الحديث والسيرة،
فى مقدمتهم: (محمد بن مسلم بن شهاب الزهرى).
وعلى الرغم من اشتغاله بالحديث والفقه، فإن شهرته فى العلم
стр. 224
بالمغازى والسير جعلته من علمائها البارزين، وتوفى فى نهاية
القرن الأول الهجرى.
عروة بن الزبير بن العوام:
وُلد فى (المدينة) سنة (٢٦هـ)، وتتلمذ على يد خالته أم المؤمنين
السيدة (عائشة)، وروى عنها حديث النبى ﷺ
ومغازيه، واشتهر (عروة) بأنه من فقهاء (المدينة)، مثل (أبان بن
عثمان)، غير أن شهرته بالمغازى والسير كانت أكبر، وكانت له
مؤلفات كثيرة، ذكر (ابن سعد) فى كتابه (الطبقات) أنه أحرقها فى
يوم (الحرة)، وهى الواقعة الحربية المشهورة سنة (٦٣هـ) فى
(المدينة)، وقد حزن كثيرًا على فقدها، وتوفى (عروة) سنة (٩٤هـ).
شرحبيل بن سعد:
وهو ثالث ثلاثة من كتاب الطبقة الأولى من أهل (المدينة) فى علم
السيرة، نشأ فى (المدينة)، وأخذ العلم عن الصحابة، حتى صار علمًا
من أعلام السير والمغازى، ويروى أنه كان أعلم الناس بالمغازى
وبخاصة أهل (بدر)، وقد تُوفُّى سنة (١٢٣هـ).
وهب بن منبه:
وُلد فى قرية (زمار) بجوار (صنعاء) باليمن، وهو واحد من رجال
الطبقة الأولى من علماء السيرة والمغازى، ومن العلماء الموسوعيين
الذين كتبوا فى علوم شتىَّ، فكان مصدرًا من مصادر علوم أهل
الكتاب، ومن الثقاة فى تاريخ الأنبياء.
وقد ألَّف (وهب) مؤلفات كثيرة، لم يصل إلينا منها شىء، وإن وجدت
مؤخرًا فى مدينة (هيدلبرج) بألمانيا أوراق بردى، يقال إنها قطعة
من كتاب المغازى لوهب بن منبه، تحوى معلومات عن (بيعة العقبة)،
وحديث (قريش) فى دار الندوة، وتدبيرها لقتل الرسول - صلى الله
عليه وسلم -، والاستعداد للهجرة إلى (المدينة).
ثم تلا هذه الطبقة طبقة أخرى، واصلت عملها فى مجال التأليف
والكتابة فى السيرة والمغازى، من أبرزهم (محمد بن مسلم بن شهاب
الزهرى)، الذى امتاز على معاصريه بكثرة الكتابة والتدوين، غير أن
مؤلفاته ضاعت ولم يصل إلينا منها شىء، وعلى الرغم من ذلك فإن
علمه حفظه لنا تلاميذه الكثيرون، وكان من أعظمهم فى مجال
السيرة والمغازى:
стр. 225
محمد بن إسحاق:
وُلد فى (المدينة) سنة (٨٥هـ) فى خلافة (عبدالملك بن مروان)، وتتلمذ
لأبيه الذى كان محدثًا فقيهًا، ولغيره من كبار التابعين فى (المدينة)،
مثل: (القاسم بن محمد بن أبى بكر الصديق)، و (سالم بن عبدالله بن
عمر)، و (أبان بن عثمان بن عفان)، و (نافع مولى عبدالله بن عمر)،
و (أبى سلمة بن عبدالرحمن بن عوف)، و (محمد بن مسلم بن شهاب
الزهرى)، ثم رحل (ابن إسحاق) إلى (مصر) سنة (١١٥هـ)، والتقى
بعلمائها الكبار، وفى مقدمتهم: (يزيد بن أبى حبيب)، وزار
الإسكندرية، ثم عاد إلى (المدينة) ليواصل دراسته، ثم رحل إلى
(العراق) بعد قيام الدولة العباسية، وقضى فيها بقية حياته، حتى
تُوفِّى سنة (١٥١هـ).
وهناك إجماع بين العلماء على إمامة (ابن إسحاق) لعلم السيرة
والمغازى، فقد حفظ فى كتابه معظم روايات السابقين وآثارهم
العلمية، وكل من أتى بعده عالة عليه فى هذا العلم كما قال الإمام
(الشافعى).
ولابن إسحاق كتابان:
أحدهما عنوانه (كتاب الخلفاء)، وهو مفقود حتى الآن.
والآخر: كتاب (السيرة والمبتدأ والمغازى) وهو أقدم كتاب وصل إلينا
عن سيرة الرسول ومغازيه، وأوفاها علمًا، وإذا كان لم يظهر إلى
الوجود كاملا حتى الآن، فإنه جاء إلينا فى صورة تكاد تكون كاملة
عن طريق (عبدالملك بن هشام)، المتوفَّى سنة (٢١٨هـ)، الذى أخذ
سيرة (ابن إسحاق) ورواها عن شيخه (زياد بن عبدالله البكائى)،
الذى رواها مباشرة عن شيخه (ابن إسحاق).
وقد قام (ابن هشام) بتهذيب سيرة (ابن إسحاق)، وحذف كثيرًا من
الشعر والروايات التى لم يرَ ضرورة لذكرها، وقد عرف عمله هذا
بسيرة (ابن هشام)، ولاشك أنه أسدى إلى العلم بصفة عامة وإلى
علم السيرة والمغازى بصفة خاصة خدمة جليلة، بحفظه هذا السفر
الضخم الذى كان مصدرًا لكل كتاب السيرة والمغازى بعد ذلك، مثل
(الواقدى) المتوفَّى سنة (٢٠٧هـ)، وتلميذه (محمد بن سعد) المتوفى
стр. 226
سنة (٢٣٠هـ)، و (البلاذرى) المتوفى سنة (٢٧٩هـ)، و (ابن قتيبة)
المتوفى سنة (٢٧٦هـ)، و (الطبرى) عمدة المؤرخين المسلمين على
الإطلاق، المتوفى سنة (٣١٠ هـ = ٩٢٢ م).
حركة الترجمة من اللغات الأجنبية:
حافظ الأمويون على التراث الثقافى للبلاد التى كانت تحت حكمهم،
فى (الإسكندرية) بمصر، و (بيروت)، و (دمشق) و (أنطاكية) فى
(الشام)، و (نصيبين) و (حران) فى (العراق)، و (جنديسابور) فى فارس،
وكانت تلك المدن هى أعظم مراكز العلم القديمة.
وقد تأخر المسلمون فى البداية فى نظرهم إلى العلوم الأجنبية، نظرًا
لانشغالهم بالجهاد وتوطيد الدولة الإسلامية، وتأسيس العلوم العربية
والإسلامية التى سبق الحديث عنها، ولعدم معرفتهم على نطاق واسع
باللغات الأجنبية.
ولا يعنى ما سبق أن الأمويين أهملوا العناية بتلك العلوم الأجنبية،
وترجمة بعضها إلى اللغة العربية، فقد شغف (خالد بن يزيد بن
معاوية)، وهو من أمراء (بنى أمية) بالكيمياء، التى كانت تسمَّى فى
ذلك الوقت (علم الصنعة)، وأحضر بعض العلماء من (مصر) إلى
(دمشق)، ليترجموا له بعض الكتب من اليونانية إلى العربية، ويذكر
(ابن النديم) فى كتابه (الفهرست) أنه رأى بنفسه مؤلفات لخالد بن
يزيد، منها: كتاب فى الحراريات، وكتاب وصيته إلى ابنه فى
الصنعة.
ويذكر (القفطى) من مترجمى العصر الأموى الطبيب (ماسرجويهـ) الذى
ترجم كتابًا فى الطب للخليفة (عمر بن عبدالعزيز)، كما يذكر (ابن
النديم) - أيضًا - أن (سالمًا) كاتب الخليفة (هشام بن عبدالملك) ترجم
رسائل (أرسطو) إلى تلميذه (الإسكندر الأكبر)، وهى رسائل فى
السياسة.
وعلى أية حال فإن ذلك كان بداية متواضعة لحركة الترجمة، فرضتها
ظروف الدولة وصراعاتها فى الداخل والخارج، وحسْب الأمويين أنهم
حافظوا على تلك الثروة الهائلة، وصانوها من الضياع، ولولا ذلك ما
وجد العلماء فى العصر العباسى شيئًا يترجمونه.
стр. 227
الفصل الثاني
خلفاء بني أمية
١ - معاوية بن أبى سفيان:
هو «معاوية بن أبى سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن
عبدمناف»، وأمه «هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد
مناف»، ويلتقى نسبه من جهة أبيه وأمه مع نسب رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - فى «عبد مناف»، ولُقِّب بخال المؤمنين؛ لأن أخته «أم
حبيبة» أم المؤمنين كانت زوجًا للنبى ﷺ .
وُلد قبل الهجرة بنحو خمسة عشر عامًا، وأسلم عام الفتح، سنة
(٨هـ)، مع أبيه وأخيه «يزيد بن أبى سفيان» وسائر «قريش»،
وأصبح منذ أن أسلم كاتبًا من كتَّاب الوحى لرسول الله - صلى الله
عليه وسلم -، وشارك فى عهد «أبى بكر الصديق» فى حروب الردة،
وفى فتوح الشام تحت قيادة أخيه الأكبر «يزيد»، وأبلى فى ذلك
بلاءً حسنًا.
وعيَّنه «عمر بن الخطاب» واليًا على الشام كله، بعد وفاة أخيه
«يزيد» سنة (١٨هـ)؛ لكفاءته الحربية ومهارته فى السياسة والإدارة،
وظل فى ولايته مدة خلافة «عمر»، ثم أقره «عثمان بن عفان» (٢٤ -
٣٦هـ) على ولايته، فاستمر فى سياسته الحكيمة، ضابطًا لعمله،
حارسًا لحدود إمارته، متصديا بكل حزم لأعداء الإسلام، محبوبًا من
رعيته.
خلافته:
استقبل المسلمون خلافة «معاوية» استقبالا حسنًا، واجتمعت عليه
كلمتهم، وكان هو عند حسن الظن، جديرًا بالمنصب الجليل، خبيرًا
بشئون الحكم وأمور السياسة، تدعمه فى ذلك خبرة واسعة، وتجربة
طويلة فى الإدارة وسياسة الناس، امتدت إلى أكثر من عشرين عامًا،
هى فترة ولايته على الشام، بالإضافة إلى تمتعه بكثير من الصفات
الرفيعة، التى تؤهله ليكون رجل دولة من الطراز الأول.
وقد أجمع المؤرخون على أنه كان لمعاوية نصيب كبير من الذكاء
والدهاء والسماحة والحلم والكرم، وسعة الأفق، وقدرة فائقة على
التعامل مع الناس على قدر أحوالهم، أعداءً كانوا أم أصدقاء.
وقد أفرغ «معاوية» جهده كله، ومواهبه وطاقاته فى رعاية مصالح
المسلمين وتوطيد دعائم الدولة، ونشر الأمن والاستقرار فى ربوعها،
стр. 228
واتبع فى تحقيق ذلك سياسة حكيمة تقوم على دعائم ثابتة، تتلخص
فيما يلى:
- العمل على تضميد جراح الأمة، وتسكين نفوسها، وتأليف قلوبها
بعد فترة مضطربة من حياتها، والإحسان والتودد إلى كبار
الشخصيات من شيوخ الصحابة وأبنائهم، وبخاصة آل بيت النبى
ﷺ ، وقد أدت هذه السياسة إلى تجميع القلوب
حوله، وتحويل الخصوم إلى أعوان وأصدقاء.
- وحسن اختياره للولاة والحكام، لأنه أدرك أنه مهما أوتى من ذكاء
وفطنة، ومقدرة وحكمة، فلن يستطيع أن يحكم الدولة وحده، ومن ثم
لابد له من أعوان، يساعدونه فى إدارة البلاد على خير وجه،
فاختارهم بعناية فائقة من بين أقوى الناس عقلا، وأحسنهم سياسة،
وأحزمهم إدارة، أمثال «عمرو بن العاص»، و «المغيرة بن شعبة»،
و «زياد» و «عتبة» أخويه، وغيرهم.
- ومباشرته أعماله بنفسه، وتكريسه وقته وجهده للدولة وسياستها،
وعدم ركونه إلى حياة الراحة والدعة، على الرغم من استعانته فى
إدارة الدولة بأعظم الرجال فى عصره.
بهذه السياسة استقرت الدولة وسادها النظام، وعمَّها الأمن
والسكينة، ولم يشذ عن ذلك سوى الخوارج، فأخذهم «معاوية»
بالشدة؛ حفاظًا على سلامة الأمة، واتسمت سياسته الخارجية
وبخاصة تجاه الدولة البيزنطية بمواصلة الضغط عليها، ومحاصرة
«القسطنطينية» - عاصمتها - أكثر من مرة، وجعلها تقف موقف
الدفاع عن نفسها.
الفتوحات فى عهد معاوية:
فتح شمالى إفريقيا:
وصل المسلمون فى أواخر خلافة «عثمان» إلى «تونس» الحالية،
لكنهم لم يواصلوا فتوحاتهم بسبب الفتن التى استمرت حتى نهاية
خلافة «على بن أبى طالب» (٣٦ - ٤٠هـ)، فلما استتب الأمر لمعاوية
سنة (٤١هـ)، كانت جبهة «شمالى إفريقيا» أولى الجبهات التى اهتم
بها، لأنها كانت تخضع لنفوذ الدولة البيزنطية التى عزم على تضييق
الخناق عليها، فأرسل سنة (٤١هـ) حملة إلى «شمالى إفريقيا»
بقيادة «معاوية بن حديج»، ثم أرسله على رأس حملة أخرى سنة
стр. 229
(٤٥هـ)، فاستطاع أن يفتح العديد من البلاد، مثل «جلولاء»
و «سوسة».
- فتوحات عقبة بن نافع:
أسند «معاوية بن أبى سفيان» قيادة الجيش الفاتح إلى «عُقبة بن
نافع»، وهو واحد من كبار القادة الذين لمعت أسماؤهم فى
الفتوحات الإسلامية فى العصر الأموى، ولم يكن «عُقبة» جديدًا على
الميدان، فقد شارك فى فتح تلك البلاد منذ أيام «عمرو»، واكتسب
خبرة كبيرة، فواصل فتوحاته فى هذه الجبهة.
ولما رأى «عقبة» اتساع الميدان، وبعد خطوط مواصلاته عن قواعده
فى «مصر»، شرع فى بناء مدينة تكون قاعدة للجيش، ومركزًا
لانطلاقاته وإمداداته، فبنى مدينة «القيروان» (٥٠ - ٥٥هـ) بإذن من
«معاوية»، وكان لهذه المدينة شأن عظيم فى الفتوحات وفى الحركة
العلمية، وأثناء تأسيسها كان «عقبة» يرسل السرايا للفتح، ويدعو
الناس إلى الإسلام، فدخل كثير من «البربر» -سكان البلاد- فى
الإسلام.
- فتوحات أبى المهاجر:
ظل «عقبة بن نافع» يواصل فتوحاته ونشر الإسلام حتى عزله
«معاوية» وولَّى مكانه قائدًا آخر، لا يقل عنه شجاعة وإقدامًا، وحبا
للجهاد فى سبيل الله، هو «أبو المهاجر دينار»، وكان يتمتع إلى
جانب مهارته العسكرية بقدر من الكياسة وحسن التصرف والفطنة،
فقد أدرك أن «البربر» سكان الشمال الإفريقى قوم أشداء، يعتدُّون
بكرامتهم ويحرصون على حريتهم كالعرب تمامًا، وأن سياسة اللين
والتسامح قد تجدى معهم أكثر من سياسة الشدة.
وقد نجحت سياسة «أبى المهاجر» فى اجتذاب البربر إلى الإسلام،
وبخاصة عندما أظهر تسامحًا كبيرًا مع زعيمهم «كسيلة بن لمزم»،
وعامله فى إجلال وإكرام، فأسلم الرجل متأثرًا بتلك المعاملة، وأسلم
بإسلامه طائفة كبيرة من قومه.
وفى مقابل تلك السياسة المتسامحة مع «البربر» كان «عقبة» حازمًا
فى تعامله مع الدولة البيزنطية التى حاولت أن تحتفظ بالشمال
الإفريقى بعد أن فقدت «مصر» والشام، لكنها لم تنجح، فقد حقق
стр. 230
«أبو المهاجر» نصرًا عسكريا عليها، مكَّنه من السير إلى الغرب،
فاتحًا معظم «المغرب الأوسط» - الجزائر الحالية - ووصل إلى
«تلمسان».
معاوية ونشأة الأسطول الإسلامى:
وجد المسلمون أنفسهم بعد عشر سنوات من بداية الفتوحات الإسلامية
قد سيطروا على الشواطئ الشرقية والجنوبية للبحر المتوسط؛
بالإضافة إلى سيطرتهم شبه الكاملة على «البحر الأحمر»، دون أن
تكون لديهم قوة بحرية، فهم ليسوا أهل بحر، بل هم أهل صحراء،
وإذا كانت لدى بعضهم خبرة بحرية كأهل «اليمن» و «الخليج»، فهى
خبرة تجارية وليست قتالية، ولذا كان من الضرورى أن يمتلكوا قوة
بحرية تمكنهم من الدفاع عن الشواطئ التى امتلكوها.
وكان «معاوية بن أبى سفيان» والى الشام أول من فطن إلى ذلك،
ورفع الأمر إلى الخليفة «عمر بن الخطاب»، شارحًا له أهمية ذلك، لأنه
عانى فى فتح مدن الشام الساحلية عناءً شديدًا بسبب وجود
الأسطول البيزنطى، غير أن «عمر بن الخطاب» رفض الفكرة تمامًا،
خوفًا على المسلمين من أهوال البحار؛ إذ لم تكن للمسلمين خبرة
بالحروب البحرية، كما كان يرى أن الوقت لايزال مبكرًا للدخول فى
ذلك الميدان الخطر، ولكن أمر «معاوية» أن يحصن الشواطئ
بالحصون، ويملأها بالمقاتلين، فامتثل «معاوية».
وفى خلافة «عثمان بن عفان» (٢٤ - ٣٥هـ) رفع إليه «معاوية» طلبه
القديم بإنشاء أسطول بحرى، فرفض «عثمان» فى بادئ الأمر، لكنه
عاد فوافق بعد ما اقتنع بأهمية المشروع، لكنه اشترط أن يكون
الجهاد البحرى تطوعًا، ولا يكره عليه أحد.
بدأ «معاوية» على الفور فى تحقيق مشروعه، فشرع فى بناء
الأسطول مستغلا كل الإمكانات الموجودة فى «مصر» والشام لصناعة
السفن، ولم تمضِ أربع سنوات حتى ظهر إلى الوجود أسطول
إسلامى كبير، نجح فى فتح «جزيرة قبرص» سنة (٢٨هـ)، وهزم
الأسطول البيزنطى فى موقعة «ذات الصوارى».
معاوية وحصار القسطنطينية:
وضع «معاوية بن أبى سفيان» منذ أن ولى الخلافة أهدافًا سياسية،
стр. 231
كان فى مقدمتها فتح مدينة «القسطنطينية»، عاصمة الدولة
البيزنطية، العدو اللدود للدولة الإسلامية، ولعله كان يستهدف
بسقوطها سقوط الدولة نفسها، كما هو الحال بالنسبة إلى دولة
الفرس التى لم تستطع الصمود بعد سقوط «المدائن» عاصمتها.
وكانت «القسطنطينية» تُعدُّ من أمنع المدن فى العالم، لموقعها
الفريد على القرن الذهبى الممتد فى مياه «خليج البسفور»؛ حيث
تحيط بها المياه من الشرق والشمال والجنوب، أما فى الناحية
الغربية المتصلة بالبّر، فقد أقام الأباطرة البيزنطيون سلسلة من
الأسوار والأبراج لحمايتها من أية هجمات.
ولم يثنِ ذلك كلُّه عزيمة «معاوية» عن فتح عاصمة البيزنطيين،
فاستولى على الجزر البيزنطية الواقعة شرقى «البحر المتوسط».
مثل: «رودس»، و «كريت»، و «أرواد»؛ ليتخذها محطات للأسطول
الإسلامى، تمهيدًا لغزو «القسطنطينية».
ولما أكمل استعداداته جهز أول حملة بحرية إليها، بقيادة «سفيان
بن عوف» وجعل ابنه «يزيد» أميرًا شرفيا عليها، سنة (٤٩هـ)،
وشارك فى هذه الحملة عدد من الصحابة، مثل «عبدالله بن عمر»،
و «عبدالله بن عباس»، و «أبى أيوب الأنصارى».
ولم تنجح هذه الحملة فى تحقيق أهدافها؛ بسبب مناعة المدينة،
وبرودة الجو الشديدة على العرب، فعادوا بعد أن استشهد عدد من
الأبطال، منهم «أبو أيوب الأنصارى» الصحابى الجليل.
وقد تنبأ الرسول ﷺ بهذه الغزوة، ووعد أهلها
المغفرة، فقال: «أول جيش يغزون مدينة قيصر مغفور لهم» [صحيح
البخارى].
الحصار الثانى:
على الرغم من عدم التوفيق الذى لحق الحملة الأولى، فإن «معاوية»
لم ييأس، وأعد حملة أخرى، وفرض الحصار على المدينة سبع سنوات
(٥٤ - ٦٠هـ)، واقتصرت العمليات الحربية على فصلى الربيع والصيف؛
لصعوبة القتال فى الشتاء.
وقد أبلى المسلمون فى ذلك الحصار بلاءً حسنًا، وتحمَّلوا الصعاب
والمشقات، لكنهم لم يستطيعوا الاستيلاء عليها، فقد فاجأ
стр. 232
البيزنطيون المسلمين بسلاح لم يكن لهم به عهد، عُرف باسم «النار
الإغريقية» وهو مركب كيميائى يتكوَّن من النفط والكبريت والقار،
كانوا يشعلونه بالنار، ويقذفون به السفن الإسلامية، فتشتعل بها
النيران، ولم يجد «معاوية» بدّاً من رفع الحصار وعودة الجيش إلى
«دمشق».
- ثورات الخوارج في عهد معاوية:
لجأ الخوارج إلى القوة واستخدام السيف فى فرض أفكارهم وآرائهم
على الناس، وأبدوا فى صراعهم الدموى مع الدولة الأموية كثيرًا من
ضروب الشجاعة والتضحية والإقدام وكانت الأعداد القليلة منهم تهزم
جيوشًا جرارة للدولة، ولو أن شجاعتهم وبطولاتهم اتجهت اتجاهًا
صحيحًا، ووحدوا جهودهم مع الدولة الأموية فى مجال الفتوحات
الإسلامية ومحاربة أعداء الإسلام، لكان ذلك أجدى وأنفع، والعجيب
أن أغلبهم لم يكونوا من طلاب الدنيا، والتطلع إلى المال والمناصب،
وإنما كانوا طلاب آخرة، ولكنهم أخطئوا الطريق إليها، كما قال لهم
«عمر بن عبدالعزيز».
أعلن الخوارج وبخاصة «الأزارقة» حربًا شعواء على الدولة الأموية
منذ قيامها، ولم تفلح معهم سياسة «معاوية بن أبى سفيان» - رضى
الله عنه - القائمة على التسامح وسعة الأفق، فثاروا فى وجهه سنة
(٤١هـ) - أى عام الجماعة - قبل أن يغادر «الكوفة»، وكان أول من
ثار عليه «عبدالله بن أبى الحوساء» فى مكان قريب من «الكوفة»،
ثم ثار عليه «المستورد بن عُلَّنة الطائى».
وكان عجيبًا أن تشب هذه الثورات فى «الكوفة» أيام واليها
«المغيرة بن شعبة» الذى انتهج سياسة متسامحة مع الناس كلهم،
ولم يشأ أن يزيد فى آلام الناس فى «العراق»، أو ينكأ جروحهم بعد
الحروب الكثيرة التى عانوها فى «الجمل» و «صفين».
وكان حريا بالخوارج أن يركنوا إلى الهدوء ويبتعدوا عن سياسة
العنف إزاء سياسة التسامح التى انتهجها «المغيرة»، لكنهم تمرَّدوا
وثاروا، فاضطر «المغيرة» إلى التصدى لهم والقضاء على ثوراتهم.
стр. 233
ثم ازداد ضغط الدولة عليهم منذ أن ولى «زياد بن أبى سفيان» ولاية
«البصرة» سنة (٤٥هـ) فأخذ يتعقبهم فى «البصرة»، فى الوقت الذى
يتعقبهم فيه «المغيرة بن شعبة» فى «الكوفة»، حتى ضيَّقا عليهم
الخناق، وضربا عليهم بيد من حديد، حتى ضعفت شوكتهم.
وتُوفِّى «معاوية» فى شهر رجب سنة (٦٠هـ).
стр. 234
٢ - يزيد بن معاوية (٦٠ - ٦٤ هـ):
هو «يزيد بن معاوية بن أبى سفيان» وأمه «ميسون بنت مخول
الكلبية». ولد فى «دمشق» سنة (٢٦هـ) فى خلافة «عثمان بن
عفان»، حين كان أبوه واليًا على الشام، فنشأ فى بيت إمارة
وجاه، وقد عُنى أبوه بتربيته تربية عربية إسلامية، فأرسله وهو
طفل إلى البادية عند أخواله من «بنى كلب»، فشب شجاعًا كريمًا،
أبى النفس، عالى الهمة، شاعرًا فصيحًا، وأديبًا لبيبًا، حاضر
البديهة، حسن التصرف فى المواقف.
ويعده العلماء من الطبقة الأولى من التابعين، ولبعضهم رأى حسن
فيه مع أخذهم عليه ميله إلى حياة اللهو فى صدر شبابه، فلقبه
«الليث بن سعد» فقيه «مصر» الكبير بلقب «أمير المؤمنين»، وقال
عنه «ابن كثير»: «وقد كان فى يزيد خصال محمودة من الكرم
والفصاحة والشعر والشجاعة، وحسن الرأى فى الملك، وكان ذا
جمال، حسن المعاشرة».
ومنذ أن عزم أبوه على توليته الخلافة بعده أخذ يحمله على الجد
والحزم، وترك حياة اللهو والترف، استعدادًا لتولى هذا المنصب
الجليل، وعهد إليه بالقيام بالمهام الصعبة، فأرسله على رأس الحملة
العسكرية التى وجهها فى سنتى (٤٩ - ٥٠ هـ) لحصار القسطنطينية
عاصمة الدولة البيزنطية، وكان تحت قيادته بعض كبار الصحابة.
توليته الخلافة:
كان «يزيد» غائبًا عن «دمشق» عند وفاة أبيه فى رجب سنة
(٦٠هـ)، فأخذ البيعة له «الضحاك بن قيس»، ولما حضر جاءته الوفود
وأمراء الأجناد، لتعزيته فى أبيه وتهنئته بالخلافة وتجديد البيعة له.
وقد ترسَّم «يزيد» خطى أبيه، واستوعب وصيته له التى توضِّح له
معالم طريقه السياسى، وتبيِّن له كيفية التعامل مع المشكلات
وأحوال الرعية، وهذه الوصية تُعدُّ من أهم الوثائق السياسية فى فن
الحكم وإدارة الدول.
حافظ «يزيد» على سلامة الدولة وهيبتها، وحمى حدودها، واستمرت
حركة الفتوحات فى عهده، فوصل «عقبة بن نافع» إلى شواطئ
«المحيط الأطلسى»، مخترقًا الشمال الإفريقى كله، وعبرت طلائع
стр. 235
الفتح نهر «جيحون» لفتح بلاد «ما وراء النهر» (آسيا الوسطى).
الفتوحات الإسلامية في عهد يزيد:
- ولاية عقبة بن نافع الثانية:
أعاد الخليفة «يزيدُ بن معاوية» «عقبةَ بن نافع» مرة أخرى إلى
«شمالى إفريقيا»، فواصل جهود «أبى المهاجر»، وقام بحملته التى
اخترق بها الساحل كله فى شجاعة وجرأة حتى بلغ شاطئ «المحيط
الأطلسى»، وأوطأ أقدام فرسه فى مياهه، وقال قولته المشهورة:
«اللهم اشهد أنى قد بلغت المجهود، ولولا هذا البحر لمضيت فى
البلاد، أقاتل من كفر بك حتى لا يعبد أحدًا دونك».
وفى أثناء عودة «عقبة» من غزوته المظفرة تعرض لكمين نصبه له
البيزنطيون بمساعدة «كسيلة» زعيم «البربر»، الذى كان «عقبة» قد
أهانه، فبينما هو يسير فى عدد قليل من جنوده يبلغ زهاء ثلاثمائة
جندى انقضت القوات البيزنطية عليه وعلى من معه عند بلدة تهودة
فاستشهدوا جميعًا سنة (٦٣هـ).
ومما أسهم فى وقوع الكارثة أن «عقبة» قد وقع فى خطأ عسكرى
كبير، إذ سرَّح معظم جيشه، وأمرهم بالسير أمامه، فابتعدوا عنه
لمسافة طويلة، مما جعل الجيش البيزنطى ينفرد به ويهزمه هزيمة
ثقيلة أضاعت كل الجهود التى بذلها المسلمون فى فتح تلك البلاد،
واضطر المسلمون إلى الارتداد إلى الخلف، ولم يستطيعوا الاحتفاظ
بالقيروان، وعادوا إلى «برقة».
ثم تسلَّم «زهير بن قيس البلوى» قيادة الجيش خلفًا لعقبة بن نافع
سنة (٦٣هـ)، وعزم على الثأر من البيزنطيين و «البربر»، لكنه لم
يستطع أن يحقق هدفه إلا فى سنة (٦٩هـ)، نظرًا لانشغال الدولة
الأموية بالأحداث والفتن الخطيرة التى حدثت فى الداخل بعد وفاة
«يزيد بن معاوية» سنة (٦٤هـ).
الثورات في عهد يزيد بن معاوية:
- ثورة الحسين بن على:
لم يقم الشيعة بأى ثورة ضد «معاوية بن أبى سفيان»، طوال مدة
خلافته (٤١ - ٦٠هـ)، وإنما اندلعت أولى ثوراتهم بقيادة «الحسين بن
على» فى خلافة «يزيد بن معاوية»، بعد أن رفض «الحسين» بيعة
стр. 236
«يزيد»، وكان قد رفض من قبل تعيينه وليا للعهد فى زمن أبيه.
اعتصم «الحسين» بمكة المكرمة، وهناك توالت عليه رسائل أهل
«الكوفة» يطلبون منه الحضور إليهم؛ ليبايعوه بالخلافة، فاستجاب
لهم على الرغم من تحذير «ابن عباس» - وهو من أقرب الناس إليه - من
الذهاب إلى «العراق»، لأنها دعوة من لا أمان أو عهد لهم، وقد خذل
أهل العراق أباه من قبل، لكنه أصر على الذهاب، وأرسل - قبل أن
يتحرك- ابن عمه «مسلم بن عقيل بن أبى طالب» إلى «الكوفة»،
ليستطلع الأمر، ويكتب له بحقيقة الموقف هناك.
وصل «مسلم بن عقيل» إلى «الكوفة»، فاستقبله الناس بحماس شديد
وبحفاوة بالغة، وبايعه منهم نحو ثمانية عشر ألفًا، فانخدع بهم بعد
أن تغافل «النعمان بن بشير» والى «الكوفة» عنه، فكتب إلى
«الحسين» يطمئنه، ويطلب منه الحضور إلى «الكوفة».
ولما علم «يزيد» بما فعله «مسلم» فى «الكوفة»، اضطر إلى عزل
«النعمان بن بشير» عن ولايتها لتغاضيه عما يقوم به «مسلم»، وولَّى
مكانه «عبيدالله بن زياد»، فحضر على الفور، وقبض على «مسلم»
وقتله بعد أن انفضت عنه الآلاف التى تجمعت حوله من أهل
«الكوفة»، وتركوه يلقى مصرعه وحده.
وفى أثناء هذه الأحداث المتلاحقة كان «الحسين» فى طريقه إلى
«الكوفة»، فلما وصلته أخبار «مسلم»، وتخاذُل الكوفيين عنه، قرر
العودة إلى «مكة»، لكن إخوة «مسلم» أصروا على مواصلة السير،
طلبًا لثأر أخيهم، فلم يجد «الحسين» بُدا من مطاوعتهم، وكان هذا من
الأخطاء الكبيرة، فالذى قتل «مسلم» دولة لا فرد، وليس فى
استطاعتهم - وهم قلة فى عددهم - التصدِّى للدولة، فقد كانوا نحو
سبعين رجلا.
واصل «الحسين» سيره حتى بلغ «كربلاء» بالقرب من «الكوفة»،
فوجد جيشًا كبيرًا فى انتظاره بقيادة «عمر بن سعد بن أبى وقَّاص»
يزيد عددُه عمَّا معه من أفراد بنحو خمسين مرة، وعسكرت القوتان
دون تكافؤ بينهما فى القوة، فعرضَ «الحسين» على «عمر بن سعد»
стр. 237
ثلاثة حلول للخروج من هذا المأزق، إمَّا أن يتركه يعود إلى «مكة»،
وإما أن يتركه يذهب إلى ثغر من ثغور الإسلام فيجاهد فى سبيل
الله، وإما أن يدعه يذهب إلى «دمشق» لمقابلة الخليفة «يزيد بن
معاوية» ويضع يده فى يده.
وكانت هذه الخطوة من «الحسين» - رضى الله عنه - طيبة؛ لأن ذلك
معناه أنه أنهى ثورته وجنح إلى السلام، كما سُرَّ بهذه الخطوة
«عمر بن سعد»، لأنه لم يكن راغبًا فى مواجهة «الحسين»، ولكن
عليه أن يستشير «عبيد الله بن زياد»، فهو الوالى وصاحب القرار،
فرحب بالفكرة لأول وهلة، لأن فيها حقن الدماء، وبخاصة دم
«الحسين» حفيد رسول الله ﷺ ، غير أن شيطانًا
من شياطين الإنس يُدعى «شمر بن ذى الجوش» أشار على «ابن
زياد» ألا يقبل من «الحسين» إلا أن يسلِّم نفسه باعتباره أسير حرب،
وأن يرسله بهذه الصفة إلى الخليفة «يزيد بن معاوية» فى «دمشق».
وكان من الطبيعى أن يرفض «الحسين بن على» هذا الطلب، فالموت
عنده أهون عليه من هذا كما قال هو نفسه، ولو أن مشركًا أو ذميا
كان فى مكان «الحسين»، وعرض عليهم هذه الحلول السلمية لكان
عليهم قبولها، لكن «ابن زياد» خضع لهذه الفكرة الشيطانية، ورفض
«الحسين» تسليم نفسه أسير حرب، فدارت معركة غير متكافئة بين
الفريقين فى «كربلاء» فى العاشر من المحرم سنة (٦١هـ)، استُشْهِد
فيها «الحسين»، رضى الله عنه، وقتل من كان معه من أهل بيته،
ولم ينجُ من القتل إلا ابنه «على» الملقب بزين العابدين.
وكانت نتيجة المعركة مأساة مروعة، أدمت قلوب المسلمين جميعًا
حزنًا على «الحسين»، ريحانة الرسول ﷺ ، كما
كانت سببًا من أسباب زوال الدولة الأموية، وامتد أثرها فى تفريق
كلمة المسلمين إلى يومنا هذا.
ولاشك أن مسئولية دم «الحسين» تقع فى المقام الأول على أهل
«الكوفة» الذين أخرجوه ثم خذلوه، ولذلك يروى أن آخر جملة قالها
стр. 238
قبل وفاته: «اللهم احكم بيننا وبين قوم دعونا لينصرونا فقتلونا»، ثم
على «عبيدالله بن زياد» الآمر المباشر بقتاله، أما «يزيد بن أبى
سفيان» فإنه - وإن لم يأمر بقتل «الحسين»، ولم يسعد بذلك - كان
يجب أن تكون أوامره صريحة بعدم قتال «الحسين»، لاسيما أن أباه
«معاوية» قد أوصاه بذلك.
ثورة الخوارج:
استأنف الخوارج نشاطهم على نحو أعنف بعد وفاة «معاوية» سنة
(٦٠هـ)، فأرسل إليهم «يزيد بن معاوية» حملة بقيادة «عبيدالله بن
زياد»، فتصدى لهم بقوة، ثم ازدادت ثوراتهم بعد وفاة «يزيد» سنة
(٦٤هـ)، مستغلِّين فى ذلك حالة الفوضى التى سادت «العراق».
وكان يمكن لعهد «يزيد» أن يكون امتدادًا لعهد أبيه، استقرارًا
واستتبابًا، لولا عدة حوادث خطيرة، عكَّرت صفو الأمة الإسلامية،
وألقت بظلال سوداء على عهد «يزيد»، وطمست إنجازاته، منها:
حادثة استشهاد «الحسين بن على» - رضى الله عنهما - فى
«كربلاء» سنة (٦١هـ) وغزو «المدينة المنورة» سنة (٦٣هـ) لقمع
الثورة التى قام بها أهلها ضده دون سبب قوى، ثم غزو «مكة
المكرمة» للقضاء على دولة «عبدالله بن الزبير» سنة (٦٤هـ).
ولم تطل أيام «يزيد»، فقد توفى فى شهر ربيع الأول سنة (٦٤هـ)،
وهو فى الثامنة والثلاثين من عمره وتولى بعده الخلافة ابنه معاوية
بن يزيد وهو «معاوية بن يزيد بن معاوية بن أبى سفيان»، وأمه «أم
هاشم بنت أبى هاشم بن عتبة بن ربيعة»، ومع أنه لم ينهض بعمله
باعتباره خليفة، فإنه أخذ مكانه فى سلسلة خلفاء الدولة الأموية،
ويسميه بعض المؤرخين «معاوية الثانى»؛ لأن أباه قد عهد إليه
بالخلافة بعده، طبقًا لنظام الوراثة الذى أسسه جده «معاوية»، وقد
بايعه الناس بعد وفاة أبيه، لكنه أعلن فى صراحة أنه عاجز عن
النهوض بمسئولية الخلافة، وعليهم أن يبحثوا عن شخص كفء من
أهل الصلاح والتقوى لتحمل عبء مسئولية منصب الخلافة.
ولم تطل حياة ذلك الشاب الورع، حيث تُوفِّى بعد أبيه «يزيد» بنحو
стр. 239
أربعة أشهر، أو بعد أربعين يومًا فى قول آخر.
стр. 240
٣ - مروان بن الحكم (٦٤ - ٦٥هـ):
هو «مروان بن الحكم بن أبى العاص بن أمية بن عبد شمس»، ولد فى
السنة الأولى من الهجرة، ولذلك يعده بعض العلماء من الصحابة، وهو
ابن عم الخليفة «عثمان بن عفان» رضى الله عنه، وكان كاتبه وأمين
سره، وولاه «معاوية بن أبى سفيان» فى خلافته «المدينة المنورة»
أكثر من مرة؛ ثقة منه بقدرته وخبرته السياسية التى اكتسبها طوال
عمله مع «عثمان».
وكان «مروان» أثناء ولايته على «المدينة» يتحرَّى العدل، ولا يصدر
أمرًا إلا بعد استشارة صلحاء الناس، ومن مآثره التى جلبت ثناء الناس
عليه أنه جمع صيعان «المدينة» التى يكيلون بها، وأخذ بأعدلها
وأضبطها كيلا، فنسبه الناس إليه، وقالوا: «صاع مروان»، وقال عنه
الإمام «أحمد بن حنبل»: «كان عند مروان قضاء - يقصد كان عادلا
فى قضائه - وكان يتبع قضايا عمر بن الخطاب»، ويصفه المؤرخون
بالشجاعة والشهامة، والدهاء وحسن السياسة.
توليته الخلافة:
اضطرب أمر «بنى أمية» بعد رفض «معاوية بن يزيد» أن يتولى
الخلافة، أو يعهد بالأمر إلى أحد من أهل بيته، وفى هذه الأثناء
أعلن «عبدالله بن الزبير» نفسه خليفة للمسلمين سنة (٦٤هـ) فى
«مكة»، فبايعه «العراق» و «مصر»، حتى الشام نفسها معقل
الأمويين بايعه معظم أقاليمها، وبدا الأمر كما لو أن دولة الزبيريين
قامت، ودولة الأمويين بادت.
كان «مروان بن الحكم» وبنوه يعيشون فى «المدينة المنورة»،
فأخرجهم منها «عبدالله بن الزبير» فرحلوا إلى الشام، حيت تجمع
هناك كل أنصار «بنى أمية» وولاتهم، من أمثال: «عبيد الله بن
زياد»، و «الحصين بن نمير»، فأخذوا يشجعون «مروان» على تحمل
قيادة البيت الأموى، ومنع دولتهم من السقوط.
وبعد مداولات طويلة بين زعماء القبائل استغرقت عدة شهور عقد
مؤتمر فى «الجابية» بالقرب من «دمشق»، فى شهر ذى القعدة سنة
(٦٤هـ)، بويع فيه «مروان بن الحكم» بالخلافة، باعتباره أكبر أبناء
البيت الأموى سنا، وأكثرهم تجربة.
стр. 241
كان على «مروان» بعد بيعته أن يثبت جدارته بهذا المنصب وأهليته
له، بأن يسترد نفوذ «بنى أمية» وسلطانهم فى الشام، معقلهم
الرئيسى، الذى خضع معظمه لعبدالله بن الزبير، ومن ثم خاض
«مروان» مع أنصار «ابن الزبير» معركة كبيرة فى «مرج راهط»،
شرقى «دمشق» فى نهاية سنة (٦٤هـ)، وكان النصر فيها حليف
«مروان»، وبداية الطريق لاستعادة الأمويين لدولتهم التى كانت قاب
قوسين أو أدنى من الزوال.
ولم يضع «مروان» وقتًا بعد هذا الانتصار، فعاد إلى «دمشق»، حيث
تلقى وفود المهنئين والمبايعين. وبعد فترة قصيرة اطمأن فيها على
استقرار الأوضاع فى الشام، ترك ابنه «عبدالملك» فى «دمشق» نائبًا
عنه فى حكمها، وتوجه إلى «مصر» التى كانت تحت حكم «عبدالله
بن الزبير»، فاستردها بسهولة، وأقام بها نحو شهرين، رتَّب فيها
أوضاعها، وعيَّن ابنه «عبدالعزيز» واليًا عليها، وعاد هو إلى
«دمشق»، ليستأنف صراعه مع «ابن الزبير»، لكن الموت عاجله سنة
(٦٥هـ) بعد حكم دام عشرة شهور.
ثورة التوابين في عهد مروان بن الحكم:
«التوابون» مجموعة من الشيعة الذين أحسوا بخطئهم الفادح حين
دعوا «الحسين» إلى «الكوفة» ليبايعوه خليفة وإمامًا، ثم خذلوه لما
حضر إليهم، لذلك قرروا الثأر له، وسمُّوا أنفسهم التوابين، أى الذين
تابوا عن تقصيرهم فى نصرته، وتزعمهم «سليمان بن صرد
الخزاعى».
وقد اجتمع لهم عدة آلاف من الناس، قيل إنهم بلغوا ستة عشر ألفًا،
وبايعوا «ابن صرد» على الموت طلبًا لثأر «الحسين»، لكنهم انفضُّوا
عنه حين جدَّ الجد، كما انفضوا عن «الحسين» من قبل، ولم يبقَ معه
سوى نحو ثلاثة آلاف، توجه بهم لقتال الأمويين، فتصدَّى لهم
«عبيدالله بن زياد» فى جيش ضخم، بلغ عدده نحو ستين ألفًا،
فهزمهم وقتل معظم التوابين وعلى رأسهم زعيمهم «سليمان بن
صرد»، فى مكان يُسمَّى «عين الوردة» فى شمالى «العراق» سنة
(٦٥هـ).
وهكذا أضيفت إلى مآسى المسلمين مأساة أخرى، أدَّى إليها
стр. 242
الاندفاع الأهوج، والحماس الطائش من جانب التَّوابين، وهم يعلمون
أنهم يواجهون بأعدادهم القليلة جيوش الدولة التى لن تتهاون مع من
يخرج عليها ويهدد أمنها.
стр. 243
٤ - عبدالملك بن مروان (٦٥ - ٨٦هـ):
هو «عبدالملك بن مروان بن الحكم»، ولد فى «المدينة» سنة (٢٦هـ)
فى خلافة «عثمان بن عفان»، ونشأ بها نشأة علمية، وتتلمذ لكبار
الصحابة، من أمثال «عبدالله بن عمر»، و «أبى سعيد الخدرى»،
و «أبى هريرة» رضى الله عنهم، وبرع فى الفقه حتى عُدَّ من فقهاء
«المدينة»، وقد تواترت الأخبار عن فقهه وغزارة علمه ورجاحة عقله،
قال عنه «الذهبى»: «ذكرته لغزارة علمه»، وقال «الشعبى»: «ما
جالستُ أحدًا إلا رأيت لى الفضل عليه إلا عبدالملك بن مروان»، واحتج
الإمام «مالك بن أنس» بقضائه.
ومكث «عبدالملك» معظم حياته قبل أن يلى الخلافة فى «المدينة
المنورة»، لم يغادرها إلا لحج أو لجهاد، فقد اشترك فى فتح «شمال
إفريقيا» فى عهد «معاوية بن أبى سفيان».
عبدالملك ووحدة الدولة الإسلامية:
تولى «عبدالملك» الخلافة بعد وفاة أبيه فى رمضان سنة (٦٥هـ)،
ووجد الدولة الإسلامية قد تنازعتها خمس دول: دولته هو، وتتكون من
«مصر» والشام وعاصمتها «دمشق»، ودولة «عبدالله بن الزبير»
وتتكون من «الحجاز» وبعض «العراق» و «بلاد فارس»، وعاصمتها
«مكة المكرمة»، ودولة للشيعة أقامها «المختار بن أبى عبيد
الثقفى» فى جزء من «العراق»، وعاصمتها «الكوفة»، ودولة
للخوارج الأزارقة فى إقليم «الأهواز»، جنوبى شرقى «العراق»،
ودولة للخوارج النجدات فى إقليم «اليمامة» فى شرقى الجزيرة
العربية وجنوبى شرقيها.
رأى «عبدالملك» أن هذه الدول التى برزت خلال الفوضى التى عمَّت
بعد وفاة «يزيد بن معاوية» لا رابط يجمع بينها سوى العداء لبنى
أمية، فتركهم فى البداية يأكل بعضهم بعضًا، فاشتبك «ابن الزبير»
مع «المختار الثقفى»، وقضى عليه تمامًا حين أرسل له جيشًا بقيادة
أخيه «مصعب بن الزبير»، فتمكن من هزيمته سنة (٦٧هـ)، وبذلك
تخلص «عبدالملك» من واحد من أقوى خصومه دون أن يبذل أى جهد.
وكان المختار بن عبيدالله» من الشخصيات التى كانت تسعى إلى
стр. 244
السلطة بأى ثمن، تقلَّب من العداء لآل البيت، إلى الاتصال بعبدالله بن
الزبير حين أعلن نفسه خليفة سنة (٦٤هـ)، فلما لم يجد تجاوبًا به،
انطلق إلى «الكوفة» التى كانت تموج بالفوضى بعد هزيمة التوابين
فادَّعى أنه جاء مندوبًا من عند «محمد بن على بن أبى طالب»،
المشهور بابن الحنفية للمطالبة بدم الحسين والأخذ بثأره.
ولم يكن «المختار» صادقًا فى دعواه، وإنما هداه تفكيره الانتهازى
إلى استخدام مأساة «الحسين» ذريعة للوصول إلى مطالبه، وكان
الشيعة فى تلك الفترة يفتقرون إلى الزعامة بعد مقتل «سليمان بن
صرد الخزاعى»، فلما وجدوا «المختار» - وكان بارعًا فى الحيل
وخداع الناس - التفوا حوله وأسلموا له القيادة.
ازداد نفوذ «المختار» بعد أن حالفه التوفيق فانتصر على جيش
أموى، وقتل قائده «عبيدالله بن زياد» فى معركة عند نهر «الخازر»
بالقرب من «الموصل» سنة (٦٧هـ)، ولما كان «ابن زياد» يعد المسئول
الأول عن قتل «الحسين» فى «كربلاء»، فقد دعم مقتله «المختار»،
وزاد من ثقة الشيعة به ووقوفهم خلفه، فاستفحل أمره، وعظم
شأنه، واتسع نفوذه، وقامت له دولة فى «الكوفة»، اتسعت رقعتها
لتشمل معظم «العراق».
لم ينعم «المختار» بدولته طويلا، فقد أزعج صعود أمره «آل الزبير»
فى «مكة»، و «عبدالملك بن مروان» فى «دمشق»، فأرسل «عبدالله
بن الزبير» أخاه «مصعباً» بجيش ضخم، قضى به على «المختار» فى
سنة (٦٧هـ).
وانتهت بذلك حركة واحد من كبار المغامرين المتطلعين إلى السلطة
فى العصر الأموى، ولم تنفعه مزاعمه وادعاءاته حب آل البيت والثأر
لقتلاهم، فقد انكشفت حيله، وتخلَّى عنه الشيعة وأسلموه إلى
مصيره المحتوم.
عبد الله بن الزبير والدولة الأموية:
هو «عبدالله بن الزبير بن العوام»، وأمه «أسماء بنت أبى بكر
الصديق»، ولد فى العام الأول من الهجرة، وهو أول مولود للمسلمين
فى «المدينة»، وكانت سعادتهم به عظيمة، لأن اليهود أشاعوا أنهم
стр. 245
سحروا المسلمين، فلن يُولَد لهم ولد.
نشأ «عبد الله» نشأة إسلامية خالصة فى بيئة طيبة طاهرة، معطرة
بعبق النبوة، فأبوه «الزبير» ابن عمة رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - «صفية بنت عبد المطلب»، و «أبو بكر الصديق» جد «عبد الله»
لأمه، و «عائشة» أم المؤمنين خالته، وكانت تكنى به، ويقال لها: «يا
أم عبد الله»، لأنها لم تنجب ولدًا من رسول الله ﷺ ،
ويُعد من الصحابة، لأنه عاش نحو عشر سنوات فى حياة النبى - صلى
الله عليه وسلم -.
كان «عبد الله» شجاعًا، ذكى الفؤاد، معتدا بنفسه، ذا طموح كبير،
شارك فى الفتوحات وهو حدث صغير، فحضر معركة «اليرموك» سنة
(١٣هـ)، واشترك فى «فتح شمالى إفريقيا» فى خلافة «عثمان بن
عفان»، رضى الله عنه، ولما حضر «عثمان» فى داره كان «عبد الله»
من المدافعين عنه، وحضر معركة «الجمل» مع أبيه.
ولما ولى «معاوية بن أبى سفيان» الخلافة سنة (٤١هـ) استمال إليه
«عبد الله بن الزبير» وأحسن إليه كما أحسن إلى غيره من الصحابة
وأبنائهم، فقابل ذلك بحسن الطاعة، بل شارك فى الغزو تحت قيادة
ابنه «يزيد» فى فتح «القسطنطينية»، وظلت علاقته بمعاوية على ما
يرام إلى أن أخذ البيعة لابنه «يزيد»، فأظهر «عبد الله» معارضته
الشديدة لذلك.
وبعد وفاة «معاوية بن أبى سفيان» رفض أن يبايع «يزيد»، وركن
إلى «مكة المكرمة»، وسمَّى نفسه «العائذ بالبيت»، لكنه لم يعلن
رغبته فى الخلافة لوجود «الحسين بن على»، فلما استُشهد فى
«كربلاء» وتوفِّى «يزيد بن معاوية» بعد ذلك سنة (٦٤هـ) أعلن نفسه
خليفة فى «مكة».
ولما سادت الفوضى الدولة الأموية بعد موت «يزيد» ورفض ابنه
«معاوية» قبول الخلافة، تلفت الناس حولهم، فلم يجدوا أفضل من
«عبد الله بن الزبير»، فبايعوه، واتسعت دولته حتى شملت معظم
أنحاء الدولة الإسلامية، عدا «الأردن» فى الشام، غير أن «بنى
أمية» استطاعوا أن يوحدوا كلمتهم، ويبايعوا «مروان بن الحكم»
стр. 246
بالخلافة سنة (٦٤هـ)، فبدأ عهده بالقضاء على أنصار «ابن الزبير»
فى الشام فى موقعة «مرج راهط» الشهيرة فى العام نفسه، ثم
زحف إلى «مصر»، فاستردها بسهولة من والى «ابن الزبير» عليها،
وعاد إلى «دمشق». وتُوفِّى سنة (٦٥هـ)، فخلفه ابنه «عبدالملك بن
مروان»، الذى أخذ على عاتقه القضاء على «ابن الزبير» وغيره من
خصوم الدولة الأموية، فهزم جيوش «ابن الزبير» بقيادة أخيه
«مصعب» فى «العراق» سنة (٧٢هـ)، ثم أرسل «الحجاج ابن يوسف
الثقفى» على رأس جيش للقضاء على «ابن الزبير» فى «مكة»،
فنجح فى ذلك، وقتل «ابن الزبير» فى جمادى الأولى سنة (٧٣هـ).
وبمقتله انهارت دولته التى استمرت نحو تسع سنوات (٦٤ - ٧٣هـ)،
وكانت فى مبدأ أمرها تسيطر على معظم الدولة الإسلامية.
كما نجح عبدالملك فى القضاء على دولتى الخوارج، وبذلك تخلَّص
من خصومه، وقضى على الانقسامات التى أضعفت الدولة الإسلامية،
وأعاد إليها وحدتها، ولذا عدَّه المؤرخون المؤسس الثانى للدولة
الأموية، وعدُّوا سنة (٧٣هـ) عام الجماعة الثانى.
أسباب سقوط دولة عبدالله بن الزبير:
عندما بايع الناس «عبدالله بن الزبير» بالخلافة سنة (٦٤هـ) كانت كل
عوامل النجاح متوافرة له، فقد بويع له بالخلافة فى وقت لم يكن فيه
للمسلمين خلافة، وهو بذلك خليفة شرعى وليس خارجًا على خليفة،
وكانت تلك دعامة قوية له، ثم إن معظم أقطار العالم الإسلامى قد
بايعته راضية ومقتنعة به، لماضيه وماضى أسرته، وعلاقته الوثيقة
ببيت النبوة.
وعلى الرغم من ذلك كله فإن «عبدالله بن الزبير» أخفق فى الحفاظ
على دولته لأسباب كثيرة، منها:
- أنه قبع فى «مكة»، وهى على قداستها لم تكن تصلح عاصمة
سياسية لدولة امتدت حدودها، فكان عليه أن ينتقل إلى قطر غنى،
يتوسط الدولة كالعراق أو الشام، ولو فعل ذلك لكان أفضل له ولشد
من عزيمة أنصاره؛ لأن كفته كانت ترجح كفة «مروان بن الحكم»
стр. 247
وابنه «عبدالملك» عند كثير من الناس، حتى فى الشام نفسها، فقد
بايعه معظم أهلها.
- امتناع «بنى هاشم» عن بيعته، فقد رفض أن يبايعه زعماؤهم،
مثل: «عبدالله بن عباس» و «محمد بن على بن أبى طالب»، وكان
قاسيًا معهم، فلم يعاملهم بما يليق بهم من التقدير والاحترام، مثلما
كان يفعل معهم «بنو أمية»، بل تهددهم وسجنهم فلم يرضخوا له،
وبايعوا «عبدالملك بن مروان»، كما امتنع عن بيعته «ابن عمر»،
فأضعف ذلك كله موقفه.
- معارضة الخوارج له، بعد أن رفض اعتناق أفكارهم وآرائهم،
فانقلبوا ضده.
- خيانة أهل «العراق»، وعدم إخلاصهم له، فقد تخلى معظمهم عن
أخيه «مصعب» عندما التقت جيوشه بجيوش «عبدالملك بن مروان»،
وانضموا إليها.
- إسراف أخيه «مصعب» فى سفك الدماء، حتى ليروى أنه قتل ستة
آلاف من أهل «الكوفة» دفعة واحدة، بعد مقتل «المختار بن عبيد الله
الثقفى» سنة (٦٧هـ)؛ مما أوغر صدور قبائلهم على «آل الزبير»،
فليس ببعيد أن يكون موقفهم فى معركته الفاصلة مع «عبدالملك»
انتقامًا منه لما صنع بأهلهم.
- شحه بالمال وعدم سخائه مع أنصاره، فى الوقت الذى كان فيه
يسخو خصمه «عبدالملك بن مروان» على أنصاره، بل استطاع بالمال
استمالة أنصار «ابن الزبير» نفسه إلى صفّه.
ثورة عبدالرحمن بن الأشعث (٨١ - ٨٣هـ):
هى واحدة من أعنف الثورات التى هبت فى وجه الدولة الأموية، ولم
يكن الدافع إليها خلاف مذهبى مع الدولة، كما هو الحال مع الخوارج
والشيعة، وإنما كان دافعها الأساسى الطموح الشخصى الذى لعب
برءوس بعض أبناء القبائل الكبرى، وكان «عبدالرحمن بن الأشعث»
زعيم هذه الثورة نموذجًا لها؛ إذ استغل العداء التقليدى والحقد
الدفين الذى يكنه العراقيون لبنى أمية أسوأ استغلال، وأعلن
الثورة عليهم.
وخلاصة القصة أن «الحجاج بن يوسف» والى «العراق» (٧٥ - ٩٥هـ)
أمَّر «عبدالرحمن بن الأشعث» على جيش كبير سنة (٨٠هـ) أطلق عليه
стр. 248
المؤرخون «جيش الطواويس»؛ لضخامته وحسن إعداده، وأمره
بالتوجه إلى «سجستان» شرقىّ بلاد فارس؛ لمعاقبة ملكها «رتبيل»
الذى نقض المعاهدة التى بينه وبين المسلمين، وفتح حدود بلاده
للخارجين على الدولة الأموية، موفِّرًا لهم الأمن والحماية، فصبر عليه
«الحجاج» على مضض، إلى أن فرغ من أمر الخوارج وقضى على
«ابن الزبير»، فأرسل إليه هذا الجيش الهادر لتأديبه والقصاص منه.
وبدلا من أن يمضى «عبدالرحمن بن الأشعث» لأداء المهمة المكلَّف
بها، وقتال ملك كافر متمرد على الدولة، ارتد ثائرًا عليها، وشجعه
على ذلك استجابة أهل «العراق» للثورة ورغبتهم فى التمرد على
الدولة، وكانوا أغلبية فى الجيش الذى بلغ عدده مائة ألف مقاتل.
وزاد الأمر سوءًا انخداع بعض العلماء من كبار التابعين بدعوة «ابن
الأشعث»، فصدَّقوا دعواه بأنه إذا بويع بالخلافة فسيحكم بالعدل،
ويعيد حكم الراشدين ويمحو مظالم «بنى أمية»، فاستجابوا له،
وكان على رأسهم: «عامر الشعبى»، و «سعيد بن جبير» الذى جعله
«الحجّاج» أمينًا على الأموال التى ينفق منها على الجيش، وكان
لموقفهم هذا أثر كبير فى تمادى «ابن الأشعث» فى الثورة
واستجابة الجنود له، وترتَّب على ذلك أعنف ثورة واجهت «عبدالملك
بن مروان»، دامت نحو سنتين (٨١ - ٨٣هـ)، ودارت بينهما نحو ثمانين
موقعة، قتل فيها عشرات الألوف من الرجال، وكان أشهرها معركة
«دير الجماجم» التى استمرت مائة يوم، وانتهت بهزيمة «ابن الأشعث»
فى شهر جمادى الآخرة سنة (٨٣هـ).
لجأ «ابن الأشعث» بعد هزائمه إلى «رتبيل» ملك «سجستان»، وكان
قد عقد معه اتفاقًا على أن يوفر له الحماية إذا هُزِم، لكن «الحجاج»
طلب من «رتبيل» أن يسلمه «ابن الأشعث»، فعزم على تسليمه؛ لأنه
كان حريصًا على عدم إثارة «الحجاج» أكثر من ذلك، فلما أحس «ابن
الأشعث» بنية «رتبيل» على تسليمه، ألقى بنفسه من فوق القصر
الذى كان يقيم به، فمات منتحرًا سنة (٨٥هـ).
стр. 249
الفتوحات في عهد عبد الملك بن مروان:
فتوحات زهير بن قيس البلوي:
تحرّك «زهير» بجيش كبير وزحف على «القيروان» سنة (٦٩هـ)،
والتقى على مقربة منها بجيش «كسيلة»، فهزم «البربر» هزيمة
ساحقة بعد معركة شديدة وفى أثناء عودته إلى «برقة» للدفاع
عنها - بعد ما نمى إلى علمه أن البيزنطيين زحفوا عليها فى جموع
عظيمة - تعرض لهجوم بيزنطى مفاجئ، فلقى حتفه هو ومن معه.
- حسّان بن النعمان ودوره فى فتح شمالى إفريقيا:
وصلت أخبار استشهاد «زهير» ومن معه إلى الخليفة «عبدالملك بن
مروان» وهو مشغول بصراعه مع الخوارج والشيعة وآل الزبير، فلم
يتمكن من القيام بعمل حاسم إلا بعد أن استقرت له الأوضاع، فأسند
قيادة جبهة الشمال الإفريقى إلى «حسان بن النعمان» وأمده بجيش
كبير من «مصر» والشام، بلغ عدده نحو أربعين ألف جندى.
واستطاع «حسان» بعد جهد جهيد القضاء على الوجود البيزنطى فى
الشمال الإفريقى، وأن يحطم مدينة «قرطاجنة» أكبر مركز بيزنطى،
وأن يبنى محلها مدينة «تونس» الحالية، كما قضى على كل مقاومة
للبربر، بعد أن حقق نصرًا هائلا على زعيمتهم الكاهنة التى آلت إليها
الزعامة بعد مقتل «كسيلة»، ونعم المسلمون بأولى فترات الاستقرار
فى «المغرب».
ولم يكن «حسان بن النعمان» قائدًا عسكريا عظيمًا فحسب، بل كان
رجل دولة وتنظيم وإدارة أيضًا، فأنشأ الدواوين، ورتَّب أمور الخراج
والجزية، ووطَّد سلطان الحكم الجديد فى الثغور والنواحى، وجدد
مدينة «القيروان»، وأنشأ بها المسجد الجامع، ووضع سياسات
مستقبلية انتهت بأهل الشمال الإفريقى كله إلى اعتناق الإسلام.
عبدالملك وإدارة الدولة:
أظهر «عبدالملك» براعة فائقة فى إدارة الدولة وتنظيم أجهزتها،
مثلما أظهر براعة فى إعادة الوحدة إلى الدولة الإسلامية، فاعتمد
على أكثر الرجال -فى عصره- مهارة ومقدرة، وأعظمهم كفاءة
وخبرة، وسياسة وإدارة، ومن أبرزهم «الحجاج بن يوسف الثقفى»
стр. 250
الذى عهد إليه «عبدالملك» بإدارة القسم الشرقى للدولة، الذى
يتكون من «العراق»، وكل أقاليم الدولة الفارسية القديمة، وكان
«الحجاج» عند حسن الظن به، فبذل أقصى طاقته فى تثبيت أركان
الدولة، والقضاء على كل مناوئيها، وكذلك إخوة «عبدالملك» الذين
كانوا من أبرز ركائز دولته، ومنهم: «بشر بن مروان»، «ومحمد بن
مروان» و «عبدالعزيز بن مروان» الذى ولى «مصر» نحو عشرين سنة
(٦٥ - ٨٥هـ).
وتفقد «عبدالملك» أحوال دولته بنفسه وتابع أحوال عُمَّاله وولاته،
وراقب سلوكهم، ولم يسمح لأحد منهم بأن يداهنه أو ينافقه.
وأنجز أعمالا إدارية ضخمة، دفعت بالدولة الإسلامية أشواطًا على
طريق التقدم والحضارة، تمثلت فى تعريب دواوين الخراج فى الدولة
الإسلامية كلها، وتعريب النقود، وتنظيم ديوان البريد، وجعله جهازًا
رقابيا، يراقب العمال والولاة ويرفع إليه تقارير عن سير العمل فى
الولايات.
وتُوفِّى «عبدالملك بن مروان» فى شوال سنة (٨٦هـ) بعد أن كرَّس
كل وقته وجهده لتوطيد أركان الدولة، والسهر على رعاية مصالح
المسلمين.
следующие страницы →