Полный текст (3 483 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.
стр. 1926
* أوم بن عبد الجليل
هو الماى الثامن فى سلسلة المايات الذين حكموا سلطنة الكانم
الإسلامية التى كانت تقع شمال شرق بحيرة تشاد، ويعتبر من
أعظم هؤلاء المايات أو السلاطين. وقد دام حكمه (١٢) عامًا من (
٤٧٨ - ٤٩٠ هـ = ١٠٨٥ - ١٠٩٧ م). ولم يكن هذا الملك أو السلطان
مجرد (فوجو) أى شيخ قبيلة وإنما كان منظمًا وإداريًّا كبيرًا
دانت له بلاد كانم بأسرها وأسس فيها دولة مستقرة منظمة،
ويعتبر هو المؤسس الحقيقى لسلطنة كانم الإسلامية؛ حيث قام
بنشر الإسلام فى معظم أنحاء البلاد وجعله الدين الرسمى
للدولة، ساعده على ذلك الداعية العظيم محمد بن مانى الذى قرأ
الماى أوم بن عبد الجليل القرآن الكريم كله على يديه، وكذلك
سيرة النبى ﷺ ، وكافأه الملك على ذلك
بمنحه (١٠٠) بعير، و (١٠٠) قطعة من الذهب، و (١٠٠) قطعة من
الفضة، و (١٠٠) من الرقيق. وقد تزعم الماى أوم مرحلة الانتقال
من الوثنية إلى الإسلام بنجاح كبير حتى إن عمله هذا يعتبر ثورة
إصلاحية كبرى أقرب إلى المعجزة؛ نظرًا لصعوبة تخلى الناس
عن معتقداتهم التى ألفوها منذ أزمان بعيدة. وفى عهد هذا
الماى ظهر خطر قبائل البلالة لأول مرة، فأرسل إليهم جيشًا
انتصر عليهم وقتل منهم نحو (٣٠٠٠)، مما وفر قدرًا كبيرًا من
الهدوء والاستقرار فى البلاد التى اتسعت فى عهده حتى وصل
نفوذها إلى نهر النيجر غربًا، وحتى حدود مصر الجنوبية وأرض
النوبة شرقًا. واستمر الماى أوم بنى عبدالجليل يحكم هذه
المنطقة الواسعة حتى وافته المنية فى مصر وهو فى طريقه إلى
بلاد الحجاز؛ لتأدية فريضة الحج، أو فى طريق عودته منه.
ويتميز عهد هذا الماى بنشاط الدعاة والعلماء الذين شجعهم
وأقطعهم اقطاعات واسعة، جعلها وقفًا عليهم وعلى أسرهم من
بعدهم، وأصدر لهم صكوكًا تصون حقوقهم تُسمَّى بالمحارم
(مفردها مَحْرم) تُحرم على أى فرد من الأسرة الحاكمة أو حاكم
стр. 1927
يأتى بعده أو أى فرد من الرعية أن يتعرضوا لهؤلاء العلماء أو
لذرياتهم أو لممتلكاتهم وامتيازاتهم بأى سوء، مما كان سببًا
فى ازدهار الثقافة العربية الإسلامية فى هذه السلطنة إلى حدٍّ
كبير.
стр. 1928
* أسكيا إسحاق الأول
هو أحد الأساكى الذين حكموا إمبراطورية صنغى الإسلامية التى
حكمت غرب إفريقيا بعد ضعف إمبراطورية مالى الإسلامية منذ
القرن (١٥ م). وهو ابن أسكيا محمد الأول المؤسس الحقيقى
لإمبراطورية صنغى الإسلامية. وقد حكم أسكيا إسحاق هذه
الإمبراطورية فى الفترة من (٩٤٦ - ٩٥٦ هـ = ١٥٣٩ - ١٥٤٩ م) بعد
أن استطاع أن يلى العرش بانتخاب الجيش له، وبعد أن استقرت
له الأمور سعى إلى الحد من تدخل الجيش فى شئون الحكم
فأبعد كبار الضباط والمسئولين الكبار واستبدلهم بآخرين ممن
يخضعون لأوامره وتوجيهاته، كما قام بتعيين العديد من القضاة
والأئمة فى مدن الدولة، وعمل على إقرار الأمن وإقامة العدالة
وتوفير الرخاء لرعاياه جميعًا، وأخذ يضرب على أيدى الظلمة
والمفسدين، ولذلك امتدحه المؤرخون وقالوا عنه: إنه كان صالحًا
مباركًا كثير الصدقات ملازمًا لصلاة الجماعة، عاقلاً فطنًا، ذا
دهاءٍ، وأنه أجلُّ من دخل فى تلك السلطنة وأعظمهم خوفًا
وهيبة. استطاع أن يفرض نفوذ بلاده على سلطنة مالى
الإسلامية واقتحم جيشه عاصمتها مدينة نيانى (مالى)؛ بسبب
رفض سلطانها دفع الإتاوة المقررة عليه لسلطان صنغى، كما
دفعت تطلعات سلطان مراكش إلى السيطرة على مناجم الملح
فى تفازة التى كانت تقع فى شمالى الصحراء، وتخضع لنفوذ
صنغى والتى كان امتلاكها يعد إمساكًا بمفتاح التجارة فى
غربى إفريقيا، فرفض أسكيا إسحاق التنازل عنها لسلطان
مراكش وأرسل رده إليه على شكل حملة عسكرية صغيرة عبرت
الصحراء الكبرى، وأغارت على وادى درعة فى جنوبى مراكش؛
إظهارًا لقوة صنغى وردعًا لسلطان هذه البلاد. ورغم صلاح
أسكيا إسحاق الأول وتقواه إلا أن رجاله اشتطوا فى جمع
الضرائب من رعاياه؛ ولذلك لم يقبلوا أن يكون ابنه عبد الملك
سلطانًا عليهم بعد وفاة والده، واختاروا داود بن أسكيا محمد
الأول لهذا المنصب فى عام (٩٥٦ هـ = ١٥٤٩ م) بعد وفاة أخيه
стр. 1929
أسكيا إسحاق الأول الذى حكم صنغى تسع سنين وتسعة
أشهر.
стр. 1930
* بادى الثانى أبو دقن
هو بادى الثانى أبو دقن، أحد سلاطين سلطنة الفونج الإسلامية
، التى ظهرت فى السودان منذ عام (١٥٠٥ م) على أنقاض مملكة
علوة المسيحية على يد زعيم سودانى يُسمى عمارة دونقس
تولى أبناؤه وأحفاده السلطة بعده، وكان منهم بادى الثانى
أبو دقن الذى حكم السلطنة من عاصمته سنار فى الفترة من
(١٦٤٣ - ١٦٧٨ م) واشتهر هذا السلطان بالشجاعة والتقوى
وتشجيع العلم والعلماء، وكان على صلة وطيدة بمصر وعلمائها.
واختط بادى الثانى جامعًا فى سنار ومقرًّا للحكومة يعتبر
ديوانًا للحكم، وغزا النيل الأبيض وفتك بسكانه المعروفين
بالشلك، كما غزا جبال تقلى الواقعة غرب النيل الأبيض بنحو
مرحلتين؛ حيث توجد سلطنة تقلى وتصالح مع سلطانها نظرًا
لحسن معاملته للسلطان الغازى وجنوده، وتم التصالح على
أساس أن يدفع سلطان تقلى إتاوة سنوية لسلطان سنار؛ مما
جعله تابعًا لهذا السلطان. ويعود السبب الرئيسى فى قيام الحرب
بين هاتين السلطنتين هو اشتداد التنافس التجارى بين سنار
ودارفور حيث اتخذت تقلى موقفًا أكثر ميلاً إلى دارفور منه إلى
سنار. وفى الشمال حدث فى عهد بادى الثانى حرب بين
الشايقية والعبدلاب حوالى عام (١٦٧٢ م) بسبب نفوذ دارفور
إلى الشايقية الذين حاولوا الانفصال عن الحلف السنارى، فأدى
ذلك إلى نشوب قتال بين الفريقين انتهى باستقلال الشايقية عن
هذا الحلف الذى كان يتكون بصفة رئيسية من الفونج والعبدلاب.
كذلك اشتد فى عهد السلطان بارى الثانى نشاط البعثات
التبشيرية من الفرنسسكان، يساندهم بابا روما، والجزويت
يساندهم لويس الرابع عشر ملك فرنسا، وتتابعت رحلات هذه
البعثات إلى السودان ومنها إلى إثيوبيا، كما شهد عصره الرحلة
التى قام بها الرحالة العثمانى أوليا شلبى حيث شهد الحرب
التى قامت بين الشايقية والعبدلاب التى أشرنا إليها. ولم يلبث
بادى الثانى أن مات فى عام (١٦٧٨ م) بعد حياة حافلة، ويُعد
стр. 1931
عصره عهد ازدهار فى تاريخ سلطنة الفونج.
стр. 1932
* بادى الرابع
هو بادى الرابع (أبو شلوخ)، الذى يُعد من أعظم سلاطين سلطنة
الفونج الإسلامية التى ظهرت فى السودان منذ عام (١٥٠٥ م)
على أنقاض مملكة علوة المسيحية على يد زعيم سودانى يُسمى
عمارة دونقس، تولى أبناؤه وأحفاده السلطنة بعده وكان منهم
بادى الرابع، الذى يُعد من أعظم سلاطين الفونج، وكانت
عاصمته مدينة سنار التى تقع على نهر النيل الأزرق؛ ولذلك
كانت تُسمى سلطنة سنار. وحكم بادى الرابع مدة طويلة فى
الفترة من (١٧٢٤ - ١٧٦٢ م). وفى عهده تمتعت سلطنة الفونج
بمظاهر القوة والازدهار والعظمة، حتى إنها هزمت مملكة
الحبشة المسيحية فى معركة فاصلة فى (٨ من مارس ١٧٤٤م)
عقب قيام الملك الحبشى ياسو الثانى بزحفه على سنار فى ذلك
التاريخ، وحقق بعض الانتصارات فى بداية الحرب، ولكن جيش
الفونج والعبدلاب سرعان ماقاما فى (إبريل ١٧٤٤ م) وأنزلا
بالمعتدين هزيمة قاسمة، سقط فيها من جيش الأحباش عدد كبير.
وفر ملك الحبشة تاركًا خلفه كثيرًا من الأسلحة والذخائر
والأموال، وكان لهذا النصر دوى هائل فى العالم الإسلامى
المعاصر، وحدثًا يدعو للزهو والإعجاب؛ مما جعل الفونج
يطمعون فى ضم سلطنة كردفان الإسلامية. وبالفعل زحفت عليها
جيوش سنار فى عام (١٧٤٧ م)، وكان الجيش بقيادة أمراء من
الفونج ومعهم قائد آخر اسمه محمد أبو اللكيلك واستطاع هذا
الجيش أن ينزل الهزيمة بجيش كردفان وأن يطرد قبيلة المسبعات
التى كانت تحكم هذه السلطنة التى أصبحت جزءًا من سلطنة
سنار وأصبح الحكم فيها للشيخ محمد أبو اللكيلك نيابة عن
السلطان بادى الرابع. الذى ساءت سيرته فى الرعية نتيجة ظلمه
وقسوته فى جمع الضرائب، ولم ينجُ من عسفه أهل بيته
وأعوانه؛ فتآمروا عليه وشجعوا تابعه القائد محمد أبو اللكيلك
حاكم كردفان على الزحف على سنار وعزل السلطان، وتم تنفيذ
المؤامرة وعزل بادى الرابع وخلفه ابنه ناصر، الذى لم يكن له من
стр. 1933
السلطة إلا الاسم. لذلك يُعد بادى الرابع هو آخر سلاطين الفونج
الذين أمسكوا بزمام السلطة وخلفهم سلاطين ضعاف، ومهد هذا
الوضع إلى انهيار الدولة، كما مهد للحكم المصرى الذى استقر
فى هذه البلاد منذ عام (١٨٢٠ م) بعد أن أصبحت مصر والسودان
دولة واحدة منذ ذلك التاريخ.
стр. 1934
* بولو
يُعد الماى بولو بن بيونا هو الماى (الملك أو السلطان) الثامن
فى سلسلة مايات دولة الكانم التى ظهرت شمال شرق بحيرة
تشاد، قبل مطلع القرن (٩ م). وبدأ الإسلام ينتشر فى هذه الدولة
حوالى عام (٣٩٠ هـ = ١٠٠٠ م) على يد الدعاة والمهاجرين من
مصر وليبيا والصحراء، والتجار العرب الذين وصلوا إلى هذه
البلاد. وقد اعتنق الماى بولو الإسلام على يد الداعية العظيم
محمد بن مانى وقرأ على يديه الجزئين الأخيرين من القرآن
الكريم، من أول سورة المُلك إلى نهاية سورة الناس، ومنحه
نظير ذلك مكافأة سخية مقدارها (٥٠) بعيرًا. وقد حكم هذا الماى
كانم حوالى سنة (٤١١ هـ = ١٠٢٠ م) ويمكن أن يُعد أول ملوك
كانم المسلمين، وجاء بعده أربعة مايات قرأوا شيئًا من القرآن
الكريم على يد هذا الداعية نفسه، كان آخرهم الماى أوم بن عبد
الجليل الذى يعتبر المؤسس الحقيقى لسلطنة كانم الإسلامية. ولم
يلبث الماى بولو أن مات فى عام (٤٢٧ هـ = ١٠٣٦ م) فى مكان
يُسمَّى ماكى جيبيدام ومعناه معسكر الملك الحربى، بعد أن
حكم البلاد (١٦) عامًا. ولم يذكر المؤرخون أى أحداث وقعت
فيها.
стр. 1935
* جلال الدين (سلطان أوفات)
هو جلال الدين بن عمر ولشمع، خامس من تولى حكم سلطنة
أوفات الإسلامية. من أسرة عمر ولشمع التى تنتمى إلى بنى
عقيل بن أبى طالب أو إلى بنى عبد الدار من قريش. وكان أفراد
وجماعات من هذه الأسرة قد هاجروا إلى بلاد الزيلع فى منطقة
القرن الإفريقى فى عصور الإسلام الأولى ونشروا الإسلام بين
الأهالى الزيالعة والأحباش، وأقاموا هذه السلطنة على يد عمر
ولشمع، وحكم أولاده من بعده وكان منهم جلال الدين، والذى
كان معاصرًا لملك الحبشة عمداصيون (١٣١٤ - ١٣٤٤ م). وكانت
مملكة الحبشة النصرانية لاتطيق أن يكون بجوارها سلطنة
إسلامية قوية، ومن ثم فقد شنت عليها حروبًا شبه مستمرة،
وكان سلاطين أوفات فى فترات ضعفهم يعلنون الطاعة لها
ولايلبثون أن يثوروا ويحققوا استقلالهم، ومن هؤلاء السلاطين
جلال الدين الذى كان ملك الحبشة عمداصيون قد عزل أخاه صبر
الدين الأول وعينه سلطانًا على أوفات وتوابعها بعد أن رضى
بالتبعية ودفع الجزية. ولكن أهل أوفات لم يرضوا بهذه التبعية
لملك الحبشة واستصرخوا سلطان مصر الناصر محمد بن قلاوون
وانقضوا على حامية حبشية كان عمداصيون قد تركها فى
أوفات وأبادوها عن آخرها، وتشجعت إمارتا عدل ومورة بهذا
العمل وثارتا ضد تسلط الأحباش، وأعلن السلطان جلال الدين
الثورة ضد هيمنتهم، فعاد عمداصيون إلى بلاد الزيلع يحارب
ممالكها وأعمل فيها النهب والتدمير، وفى سكانها الذبح
والاسترقاق، وفى مساجدها ومدنها الهدم والإحراق، وكان
يعذب من ترك المسيحية ودخل فى الإسلام، واستمر فى هجومه
على أوفات وتوابعها لدرجة أن جنوده ملوا هذا الهجوم
المتواصل وهذا الزحف المستمر، وذلك القتال الذى لايهدأ ضد
الزيالعة المسلمين وطلبوا منه العودة إلى بلادهم؛ محتجين بأن
موسم المطر قد حلَّ ولكن عمداصيون رفض طلبهم بحجة أن
الزيالعة المسلمين فى أوفات وغيرها مازالوا يهددون ملكه طالما
стр. 1936
أن سلطانهم جلال الدين على قيد الحياة، وأمر جنوده ألا
يفاتحوه فى هذا الأمر مرة أخرى. وانتهى حكم السلطان جلال
الدين بقيام فتنة داخلية - بإيعازٍ من ملك الحبشة غالبًا - كان من
نتيجتها أن تولى على بن صبر الدين حكم السلطنة وانتهى حكم
عمه جلال الدين فى زمن لايمكن تحديده بدقة.
стр. 1937
* جمال الدين (سلطان عَدَل)
هو جمال الدين محمد بن سعد الدين، من أسرة عمر ولشمع
القرشية، التى أقامت سلطنة أوفات الإسلامية شرق الحبشة، ثم
سلطنة عدل الإسلامية فى جزءٍ كبير من أراضى السلطنة
السابقة. وجمال الدين هو ثالث سلطان يحكم السلطنة الأخيرة
وذلك لمدة سبع سنوات فى الفترة من (٨٢٨ - ٨٣٥ هـ = ١٤٢٤ -
١٤٣١ م). وكان ملك الحبشة إسحاق بن داود قد أسر سلطان
عدل السابق وأخاه، وهما منصور ومحمد ابنا سعد الدين وظلا
فى سجنه حتى تُوفِّيا. وتمكن إسحاق أن ينزل بالمسلمين فى
بلاد زيلع وقائع شنيعة، كما كاتب ملوك الفرنجة يستحثهم على
التعاون معه لإزالة دولة المسلمين من كل مكان. ومن ثم قام جمال
الدين سلطان عدل وأخذ يستعد لملاقاة هذا الملك الحبشى، الذى
عزم على ألا يبقى بالمنطقة مسلم قط، واستطاع جيش جمال
الدين أن ينزل هزيمة ساحقة بجيش ملك الحبشة، كما هاجم جيش
جمال الدين الأحباش مرة ثانية فى إمارة بالى، فهزمهم وأسر
معظمهم. وبموت إسحاق تعرضت الحبشة لكثير من الفتن
والمنازعات على العرش، فانتهز جمال الدين الفرصة وأمعن فى
غزو بلاد الحبشة فغزا إمارة دوارد وأسر ثلاثة من أمراء ملك
الحبشة وهاجم أمهرة عقر دار هذا الملك، ودخل كثير من عماله
وأمرائه فى طاعة جمال الدين الذى كثرت غنائمه وأسلم على
يديه عددٌ كبير من الأحباش. ولكن الحقد والحسد والجهالة أعمت
قلوب بنى عمه؛ فاغتالوه فى عام (٨٣٥ هـ = ١٤٣١ م) وهو فى
ذروة مجده وانتصاره، دون أن يلقوا بالاً إلى مصير الإسلام الذى
أصبح فى كفة الميزان. ويبدو أن هؤلاء المتآمرين كانوا على
اتصال بملك الحبشة زرء يعقوب الذى أطمعهم فى كرسى الحكم
وحرضهم على ارتكاب هذه الجريمة؛ حتى يتخلص من هذا
السلطان الشجاع المجاهد الذى تمكن من التوغل داخل هضبة
الحبشة نفسها، والذى كان محبوبًا من الرعية نظرًا لاهتمامه
بأمرهم ونشره العدل بينهم، وكان كما يقول المقريزى: خير
стр. 1938
ملوك زمانه دينًا ومعرفة وقوة وشجاعة ومهابة وجهادًا فى
أعداء الله - تعالى - عز الله به الإسلام والمسلمين، وأسلم على
يديه عالمٌ من أمحرة (أمهرة) لايحصى عددهم. ولذلك كان لابد أن
يدبر الأحباش قتله غيلة وبيد أفرادٍ من أسرته، بعد أن فشلوا فى
قتله فى ميدان المعارك التى خاضها ضدهم وانتصر عليهم فيها.
стр. 1939
* حسين (سلطان شوا)
هو أحد سلاطين سلطنة شوا الإسلامية التى كانت تقع فى جزءٍ
من الهضبة الوسطى للحبشة شرقى النيل الأزرق، والتى تقع
بالقرب منها مدينة أديس أبابا العاصمة الحالية للحبشة (إثيوبيا).
وهذه السلطنة الإسلامية التى قامت فى قلب هضبة الحبشة لم
نعرف شيئًا عن تاريخها إلا من خلال وثيقة عربية اكتشفها
الإيطالى تشيروللى فى عام (١٩٢٦ م)، ومن أسفٍ أن هذه
الوثيقة تتحدث عن الفترة الأخيرة من عمر هذه السلطنة الإسلامية
التى كانت تجاورها من الشرق حتى البحر الأحمر سلطنات
وإمارات إسلامية أخرى أهمها سلطنة أوفات الإسلامية. ولذلك
فإننا لم نعرف شيئًا عن تاريخها ولا عن سلاطينها رغم أن هذه
السلطنة استمرت فى الوجود طوال أربعة قرون من الزمان (٢٨٣ -
٦٨٤ هـ = ٨٩٦ - ١٢٨٥ م). لكن ورد فى الوثيقة المشار إليها
أسماء بعض السلاطين، منهم: السلطان حسين والذى تولى
الحكم فى عام (٥٧٥ هـ = ١١٨٠ م)، ولاتذكر الوثيقة شيئًا عن
الأحداث التى وقعت فى عصره إلا تولى السلطان عبد الله حكم
السلطنة فى عام (٥٩٠ هـ = ١١٩٤ م)، مما يدل على أن حكم
السلطان حسين انتهى فى ذلك العام، ثم عاد الحكم إلى ابنه
السلطان محمد ابن السلطان حسين فى شوال من عام (٦٣٢ هـ =
١٢٣٢ م) استمر فى أعقابه من بعده حتى انتهت هذه السلطنة
على يد سلطنة أوفات الإسلامية؛ إنقاذًا لها من الحروب الأهلية
التى سادتها وإنقاذًا لها من تطلع الأحباش إلى الاستيلاء عليها.
ومعنى استمرار الحكم فى أسرة السلطان حسين أن هذه
الأسرة كانت تحكم هذه السلطنة عن طريق الوراثة، ولذلك فمن
المرجح أنها تنتمى إلى الأسرة التى أسست هذه السلطنة،
وهى الأسرة المخزومية العربية الأصل حسبما جاء بالوثيقة الآنفة
الذكر.
стр. 1940
* حق الدين الثانى (سلطان أوفات)
هو حق الدين الثانى بن أحمد حرب أرعد من أسرة عمر ولشمع
القرشية، التى أقامت سلطنة أوفات الإسلامية شرق الحبشة
حوالى منتصف القرن (١٣ م). وكان حق الدين الثانى ثامن من
تولى حكمها من سلاطين هذه الأسرة الذين كافحوا طويلاَ ضد
هيمنة الأحباش، الذين قتلوا بعض سلاطينهم وأسروا بعضهم
الآخر، منهم والد السلطان حق الدين الذى أخذه ملك الحبشة
سيف أرعد إلى عاصمته وجعله فى خدمته، وترك أحمد ابنه حق
الدين هذا فى أوفات، فاشتغل هذا الابن بطلب العلم والمعرفة
وابتعد عن العمل السياسى؛ بعد أن رأى ماحلَّ بأبيه ونظرًا
لإعراض جده على بن صبر الدين محمد بن عمر ولشمع وهجره
إياه، ومعاداة عمه ملا أصفح القائم بأمر الدولة وعداوته
الشديدة له، لدرجة أنه أخرجه من مدينة أوفات إلى بعض
نواحيها، وهناك جمع حق الدين الثانى الناس حوله وجنَّد جيشًا
اتجه به إلى مدينة أوفات وقاتل عمه ملا أصفح الذى كان يخضع
لملك الحبشة وهزمه ومن جاء لمساعدته من الأحباش الذين كان
عددهم يقدر بثلاثين ألفًا؛ فذهب ملا أصفح إلى ملك الحبشة
يستنجد به مرة ثانية فأرسل معه جيشًا جرارًا، ولكن حق الدين
الثانى تمكن من هزيمة هذا الجيش وقتل عمه وأباد مَن كان معه
من جند، وسار إلى مدينة أوفات فاستسلم له جده على بن صبر
الدين، الذى عامله حق الدين الثانى معاملة طيبة وأقرَّه على
ولاية أوفات وصار حق الدين الثانى سلطانًا على سلطنة أوفات
وتوابعها وحكمها عشر سنوات (٧٦٦ - ٧٧٦ هـ = ١٣٦٤ - ١٣٧٤
م)، ولكنه رحل عن مدينة أوفات العاصمة وبنى فى إقليم شوا
عاصمة جديدة سماها (وحل) واتخذها قاعدة له فى قتال ملك
الحبشة سيف أرعد الذى مات وتولى بعده ابنه ودم بن سيف
أرعد، فاستأنف حق الدين الثانى قتاله متحصنًا بموقع شوا
المنيع، والتقى بالملك الحبشى فى بضع وعشرين موقعة على
مدى تسع سنوات استشهد فى آخر موقعة منها فى عام (٦٧٦
стр. 1941
هـ = ١٣٧٤ م) على أرض شوا بعد أن أرهق الأحباش وحطم
جيوشهم؛ نظرًا لما كان يمتاز به من شجاعة وإقدام وإصراره
على الجهاد وعدم القبول بالتبعية للأحباش.
стр. 1942
* أسكيا داود
هو أحد الأساكى الذين حكموا إمبراطورية صنغى الإسلامية التى
حكمت غرب إفريقيا بعد ضعف إمبراطورية مالى الإسلامية منذ
القرن (١٥ م). وهو ابن أسكيا محمد الأول المؤسس الحقيقى
لامبراطورية صنغى الإسلامية. حكم أسكيا داود هذه
الإمبراطورية فى الفترة من (٩٥٦ - ٩٩٠ هـ = ١٥٤٩ - ١٥٨٢ م)،
وبدأ حكمه بتعيين أنصاره فى الوظائف المهمة، ونظم الجهاز
الإدارى وبنى الكثير من المنشآت العامة مثل المساجد والمدارس،
واهتم بنشر الثقافة الإسلامية، وهو أول من اتخذ خزائن الأموال
وخزائن الكتب، وكان له نساخ ينسخون له الكتب التى كان
يُهادى ببعضها العلماء وطلاب العلم، وكان حافظًا للقرآن
الكريم، وكان له شيخ يعلمه ويُقرئه القرآن. رعى العلم والعلماء
وعمل جاهدًا على توفير الأمن والرخاء لرعاياه جميعًا ولذلك
فإنه يعتبر من أبرز السلاطين الذين حكموا صنغى من آل أسكيا
محمد الأول، نظرًا لإصلاحاته الداخلية وكياسته وحنكته
السياسية. إذ أنه حاول جاهدًا أن يعيد إلى نفوذ صنغى البلاد
التى كانت قد استقلت عنها وقت المحن والأزمات، فجهز جيشًا
غزا به قبائل الموس (الموش) الوثنية وفر سلطانها أمامه مهزومًا
فى عام (٩٦٩ هـ = ١٥٦٢ م)، وغزا دولة مالى ودخل العاصمة
نيانى فى عام (٩٦٦ هـ = ١٥٥٩ م)، وانتصر على سلطانها
وتزوج ابنته، ثم غزا إمارة كاتسينا فى شرق النيجر، وأعاد
الطوارق إلى الطاعة. ولما أرسل سلطان مراكش عبد الملك فى
عام (٩٨٦ هـ = ١٥٧٨ م) جيشًا للاستيلاء على تفازة وما فيها من
مناجم الملح، رد أسكيا داود بجيش كبير أرسله لتأمين تفازة من
أى هجوم جديد، ولما أرسل له سلطان مراكش الجديد أحمد الأول
يستأذنه فى أن يسمح له باستخراج الملح من تفازة عامًا واحدًا،
رد عليه أسكيا داود بهدية مقدارها (١٠٠٠٠) من الذهب، فحل
التفاهم والود بين الدولتين طيلة عهد أسكيا داود مما أبعد خطر
سلاطين مراكش عن بلاده، وظل يسير على هذه السياسة حتى
стр. 1943
مات فى شهر رجب سنة (٩٩٠ هـ = ١٥٨٢ م) بعد حكم دام (٣٤)
عامًا وخمسة أشهر.
стр. 1944
* دونمة بن أوم
هو الماى (١٣) فى سلسلة المايات الذين حكموا سلطنة كانم
الإسلامية التى كانت تقع شمال شرق بحيرة تشاد. وقد حكمها
مدة طويلة بلغت (٥٥) عامًا (٤٩١ - ٥٤٦هـ = ١٠٩٧ - ١١٥١م) قام
أثناءها بغارات متعاقبة على جيرانة الوثنيين، واستطاع توسيع
رقعة دولته حتى وصلت من فزان شمالاً إلى تلال دكوا جنوبًا،
ومن واداى شرقًا حتى نهر النيجر غربًا. ويتميز عهد الماى
دونمة بن أوم بازدياد الداخلين فى الإسلام، واشتهر بتقواه
وتمسكه بالدين وإنشاء المساجد، وقام بعدة حروب للقضاء على
ما بقى من مظاهر الوثنية فى بلاده، وأعد جيشًا جرارًا بلغ عدد
فرسانه نحو (١٠٠) ألف، ومشاته نحو (١٢٠) ألفًا، مما مكنه من
أحراز انتصارات كبيرة. كما يتميز هذا الماى أيضًا بكثرت رحلاته
لأداء فريضة الحج والتى بلغت ثلاث رحلات، ترك فى مصر خلال
رحلتى حجه الأولى والثانية (٦٠٠) عبد. ويبدو أنه أثناء رحلته
الثالثة تدخل فى شئون مصر الداخلية، بأن ناصر فريقًا على
فريق أخر كان الصراع محتدمًا بينهما على منصب الوزارة زمن
الخليفة الفاطمى الظافر (٥٤٤ - ٥٤٩هـ = ١١٤٩ - ١١٩٤م)، فكان
ذلك سببًا فى إغراقه عند ميناء عيذاب الذى كان يستقبل
الحجاج الذاهبين والعائدين عبر البحر الأحمر فى ذلك الحين.
والراجح أن الماى دونمة بن أوم ناصر الفريق الذى كان يدعمه
الجند السودانيون الذين كانوا يشكلون أحد عناصر الجيش
الفاطمى، منذ عهد الخليفة الفاطمى المستنصر بالله (٤٢٧ -
٤٨٧هـ = ١٠٣٦ - ١٠٩٤م) والذى كان أمه سودانية؛ فأكثر من
جلب هذا العنصر. وكان على العناصر الأخرى من الأتراك
والمغاربة العمل بسرعة حتى لاتعطى الفرصة للماى دونمة بن
أوم كى يدعم الفريق الذى يعتمد على بنى جلدته من العنصر
السودانى، فأحدثوا ثقبًا فى سفينته التى كانت راسية أمام
ميناء عيذاب مما تسبب فى غرقه أمام هذا الميناء فى عام
(٥٤٦هـ = ١١٥١م). وربما كان غرقه على هذا النحو بسبب آخر،
стр. 1945
هو أنه كان بإيعاز من أفراد أسرته الطامعين فى العرش، أو
نتيجة لخيانة أو مؤامرة من أعدائه وخصومه.
стр. 1946
* دونمة بن سالم
هو الماى السابع عشر فى سلسة المايات أو السلاطين الذين
حكموا سلطنة كانم الإسلامية التى كانت تقع شمال شرق بحيرة
تشاد. حكم هذه البلاد مدة بلغت (٤٠) عامًا (٦١٨ - ٦٥٧ هـ =
١٢٢١ - ١٢٥٩ م). وهو مشهور باسم دونمة دباليمى، نسبة إلى
أمه دابال، حيث كانت النسبة إلى الأم أمرًا طبيعيًّا فى هذه
البلاد. ويعتبر الماى دونمة بن سالما أعظم ملوك كانم قاطبة،
ويعتبر عهده قمة الازدهار والعظمة فى تاريخ هذه السلطنة. فقد
عرف بالعزم والحزم وكان محاربًا قويًّا حتى وصف بأنه أشد
إحراقًا من النار، كوَّن جيشًا قويًّا كان عدد فرسانه لايقلون عن
(٤١) ألفًا حارب بهم قبائل التيبو من البربر فى الشمال،
وأخضعهم لسلطانه بعد حروب دامت أكثر من سبع سنوات، كما
حارب قبائل البلالة وتغلب عليهم، مما أتاح فرصة للهدوء
والاستقرار داخل البلاد، مما أدى إلى اتساع رقعة الدولة فى
عهده، حتى امتد نفوذها من مشارق وادى النيل الأوسط شرقًا
حتى قرب نهر النيجر غربًا، وجعلها تتحكم فى الطرق التجارية
التى تمر عبر هذه المنطقة الشاسعة، وأفاض ذلك كثيرًا من
الأموال على خزائن الدولة. ومما يُذكر لهذا الماى العظيم بالفضل
أنه اهتم كثيرًا بالقضاء على مابقى من مظاهر الوثنية فى
بلاده، فهو الذى جرؤ وحطم الوثن الكبير المعروف باسم مون
Mune، وكانت عبادته لاتزال قائمة فى بعض أجزاء كانم
ومرتفعات تيبستى التى تقع فى شمالى البلاد. ومنذ تحطيم هذا
الوثن لم يستطعْ أحد أن يقف فى وجه انتشار الإسلام، لأن هذا
التحطيم بيَّن للناس أن هذا الوثن كان أسطورة أو خرافة، كما
منح الإسلام فرصة كبيرة لتأكيد سلطانه على شعب الكانم،
وجعل هذا الماى يتخذ لقب أمير المؤمنين، وهو أول من اتخذه
من مايات كانم وربما كان هذا الأمر تأسيًا بالسلطان الحفصى
المنتصر، سلطان تونس الذى كان يعاصره. ذلك أن علاقات هذا
الماى بذلك السلطان الحفصى كانت قوية، بدليل أنه أرسل إليه
стр. 1947
سفارة وهدية اشتملت على زرافة أثارت إعجاب أهل تونس،
وذلك فى عام (١٢٥٧ م). وقد حدث فى عهد هذا الماى أيضًا أن
الكانميين الذين كانوا يرحلون إلى مصر فى طريقهم لتأدية
فريضة الحج، بنوا مدرسة للمالكية فى الفسطاط تُسمى باسم
مدرسة ابن رشيق فى عام (٦٤٠ هـ = ١٢٤٢ م) لتكون موئلاً
للحجاج القادمين من كانم، ومركزًا لتدريس الفقه المالكى على يد
هذا الفقيه الذى سميت باسمه هذه المدرسة. وقد مات الماى
دونمة بن سالما بعد أن حدثت حروب أهلية فى سلطنته؛ بسبب
جشع أولاده وتنافسهم على الحكم والسلطان، وازدياد نفوذ
الأمراء فى أقاليم الدولة. ولولا قوة جيشه وشدة بأسه لتحطمت
دولته منذ وقت مبكر.
стр. 1948
* سامورى التورى
يُعد سامورى التورى من الزعماء الأفارقة المسلمين، الذين
قاوموا الاستعمار الأوربى لغرب إفريقيا فى النصف الثانى من
القرن (١٩م). وُلِد سامورى عام (١٨٣٠م) فى مدينة ساناكورو
التى تقع جنوب نهر بانى أحد روافد نهر النيجر، وهو ينتمى
إلى شعب الديولا الذى يعتنق الإسلام. وكان سامورى محاربًا
فذًّا من محاربى هذا الشعب الذى التف حوله لتجميع شتات
المسلمين بعد القضاء على دولة الحاج عمر على يد الفرنسيين
فى عام (١٨٦٤م). وقد ركز سامورى التورى نشاطه فى منطقة
فوتاجالون التى تُعرف الآن بدولة غينيا، والتى تقع جنوب دولة
الحاج عمر والتى حاول الفرنسيون الاستيلاء عليها أيضًا. نظم
سامورى جيشًا وحصل على الأسلحة الحديثة وأنشأ مصنعًا
للسلاح والذخيرة فى تيرى، وبدأ يشن هجماته على خصومه
المحليين ويستولى على القرى والمدن والإقاليم لينشئ دولة
كبرى، منتهزًا فرصة الصراع بين هذه القوى المحلية، واتخذ من
مدينة بيزاندوغو عاصمة له واستولى على تومودغو دكانكان
دسانكاران وباماكو، وبدأت قوته تخيف الفرنسيين والإنجليز؛
فعقدت بريطانيا وفرنسا فى عام (١٨٨٩م) اتفاقًا اعترفت فيه
الأولى للثانية بحقها فى فوتاجالون وبحمايتها على سامورى
ودولته، واعترفت الثانية للأولى بترك الحرية التجارية لها فيما
تحت خط العرض العاشر. ولم تلبث فرنسا أن جرت سامورى فى
حرب مع إمارة سيكاسو التى تقع إلى الشرق من دولته والتى
رأى أنها مفتاح الطريق إلى بلاد فولتا العليا التى يمكن أن
تكون منفذًا له إلى البحر؛ لآن دولته دولة داخلية. وقد فشل
سامورى فى حصار سيكاسو وانسحب منها، وتحت ضغط
الفرنسيين انتقل بدولته ناحية الشرق فى المناطق التى تقع فى
أعالى ساحل العاج بعد أن استطاع الفرنسيون أن يستولوا
على العاصمة بيزاندوغو وساناكورو موطنه الأصلى فى عام
(١٨٩١م)، ثم قطعوا عليه الطريق إلى الشرق واحتلوا ساحل
стр. 1949
العاج نفسها؛ حتى لاتقع فى يده أو فى يد الإنجليز، ثم فاجأه
الفرنسيون فى (سبتمبر عام ١٨٩٨م) وأحاطوا به واعتقلوه
ونفوه إلى الجابون فبقى فيها حتى وافته المنية بعد ذلك
بعامين، بعد أن أنشأ إمبراطورية كبيرة فى غرب إفريقيا،
وكافح فى سبيل الاستقلال بها عن النفوذ الأوربى، ورأى أن
خير وسيلة لربط أجزاء هذه الإمبراطورية هو الإسلام، فعمل على
نشره بين الوثنيين، واتخذ لنفسه لقب إلمامى أى إمام، ونظم
تعليم القرآن للأطفال فى القرى على يد الفقهاء والمشايخ،
وكانت له إرادة لا تلين، ولم يقهره إلا الاستعمار الفرنسى قرب
نهاية القرن الماضى.
стр. 1950
* سعد الدين (سلطان أوفات)
هو سعد الدين أبو البركات محمد بن أحمد حرب أرعد بن على بن
صبر الدين الأول، من أسرة عمر ولشمع القرشية التى أقامت
سلطنة أوفات الإسلامية شرق الحبشة حوالى منتصف القرن (١٣
م)، وكان سعد الدين محمد آخر سلاطين هذه الأسرة الذين حكموا
هذه السلطنة. فقد حكمها (٢٩) عامًا فى الفترة (٧٧٦ - ٨٠٥ هـ =
١٣٧٤ - ١٤٠٢ م) وذلك عقب استشهاد أخيه حق الدين الثانى
أثناء جهاده ضد ملك الحبشة، فقام سعد الدين باتباع السياسة
نفسها، وجاهد الأحباش وكانت الحرب سجالاً بينهما فى معظم
الأحيان. واستطاع سعد الدين أن يجند كثيرًا من المجاهدين
فتعددت غاراته واتسعت مملكته، ولكنه هزم فى بعض المواقع،
ثم حقق نصرًا مبينًا على داود ملك الحبشة وأسر من كان معه من
جند كثير، كما أحرز نصرًا آخر فى مكان يسمى زمدوة وغنم
غنائم وفيرة. وقد شجعته هذه الانتصارات على الزحف على
مملكة بالى الإسلامية، التى كانت تدين بالطاعة للأحباش،
فانتصر على من كان فيها من جند ملك الحبشة رغم كثرتهم وقلة
جنده، وكان القتلى منهم كثيرون لدرجة أن رءوسهم كانت
تغطى ميدان المعركة، بخلاف الأسرى الذين كانوا لايحصون
عددًا. فقام ملك الحبشة داود وزحف على أوفات وهزم أحد قواد
سعد الدين، وتتابعت الهزائم حتى هلك أكثر جند سعد الدين
وتقهقر إلى جزيرة زيلع فحاصره ملك الحبشة وقطع عنه الماء
حتى يستسلم، ولكنه ظل يقاوم الأحباش حتى أرشدهم على
مخبئه أحد الخونة، فهاجمه الأحباش بغتة وقتلوه وسيفه فى يده
فمات شهيدًا فى عام (٨٠٥ هـ = ١٤٠٢ م)، وبعد حياة حافلة
بالجهاد ضد هيمنة الأحباش، وتمسكًا بالاستقلال والحرية،
ودفاعًا عن الإسلام والمسلمين. ولم تكن هزيمة سعد الدين إلا
بسبب قلة عدد الفرسان فى جيشه، ولعدم اتحاد ممالك الزيلع
الإسلامية وتفرقها وطاعة بعضها لملك الحبشة، مما مكنه من
الانتصار فى النهاية على سعد الدين وقتله والقضاء على سلطنة
стр. 1951
أوفات الإسلامية. ولكن سلطنة عدل الإسلامية - التى أقامت
أولاد سعد الدين بعد فترة وجيزة من مقتل أبيهم فى هذا الإقليم
الذى يُعرف بعدل والذى كان جزءًا من سلطنة أوفات - رفعت
راية الجهاد من جديد.
стр. 1952
* سندياتا (سلطان مالى (
هو أول من اشتهر أمره وذاع صيته وتحقيق تاريخه فى القرن
(١٣ م) من أسرة كيتا صاحبة الفضل فى تكوين دولة واسعة
مترامية الأطراف تُعرف باسم سلطنة مالى الإسلامية. وكانت هذه
الدولة تقع فى المنطقة المحصورة بين نهر النيجر والمحيط
الأطلسى. وتمتد شمالاً وجنوب حتى بلغت مساحتها مساحة غرب
أوربا مجتمعة، واشتهرت باسم بلاد التكرور. وكانت فى الأصل
إقليمًا صغيرًا يعرف باسم كنجابا Kangala اعتنق ملوكه الإسلام،
وكانوا تابعين لمملكة غانة الإسلامية فى القرن (١١ م)، ثم
انفصلوا عنها وتوسع ملوكها فى أوائل القرن (١٣ م) فى
الجنوب الشرقى مما أثار حفيظة ملك الصوصو المجاور له؛ إذ
انقض عليهم فى عام (١٢٣٠م)، وقتل ملكهم وإخوته العشرة، ولم
يبقَ إلا الأخ الحادى عشر الذى يُسمى سندياتا ويُعرف باسم
مارى جاطة أى الأمير الأسد، والذى كان قد تمكن من الهرب نحو
الجنوب؛ حيث جمع حوله كثيرًا من القبائل الموالية لأسرة كيتا،
وأخضع بفضلها القبائل المجاورة وانتصر فى جميع الحروب
التى شنها، مما ساعده فى تثبيت ملكه. ثم أعد جيشًا كبيرًا
مكونًا من (١٢) فرقة مدربة أحسن تدريب؛ لقتال ملك الصوصو
والانتقام منهم، والتقى به فى موقعة فاصلة عند كيرينا فى عام
(١٢٣٥م)؛ حيث انتصر سندياتا وقتل ملك الصوصو واستولى على
بلاده، ثم نجح فى عام (١٢٤٠م) فى الاستيلاء على مملكة غانة
الإسلامية، واتخذ من مدينة أنشأها على نهر النيجر تُسمى
نيانى عاصمة لملكه، واشتهرت هذه المدينة باسم مالى وصار
اسمها علمًا على الدولة كلها التى اتسعت فى عهده، وصارت
إمبراطورية واسعة تمتد من بلاد الولوف والمحيط الأطلسى غربًا
إلى أواسط نهر النيجر شرقًا، ومن فوتاجالون جنوبًا إلى
كومبىَ صالح عاصمة غانة السابقة شمالاً. وقد مات سندياتا فى
عام (١٢٥٥م) بعد أن وضع لأبنائه وأحفاده أساس هذه الدولة
الواسعة؛ ولذلك فإنه يُعد المؤسس الحقيقى لسلطنة مالى
стр. 1953
الإسلامية فى العصور الوسطى.
стр. 1954
* ماري جاطا (سلطان مالى (
هو أول من اشتهر أمره وذاع صيته وتحقيق تاريخه فى القرن
(١٣ م) من أسرة كيتا صاحبة الفضل فى تكوين دولة واسعة
مترامية الأطراف تُعرف باسم سلطنة مالى الإسلامية. وكانت هذه
الدولة تقع فى المنطقة المحصورة بين نهر النيجر والمحيط
الأطلسى. وتمتد شمالاً وجنوب حتى بلغت مساحتها مساحة غرب
أوربا مجتمعة، واشتهرت باسم بلاد التكرور. وكانت فى الأصل
إقليمًا صغيرًا يعرف باسم كنجابا Kangala اعتنق ملوكه الإسلام،
وكانوا تابعين لمملكة غانة الإسلامية فى القرن (١١ م)، ثم
انفصلوا عنها وتوسع ملوكها فى أوائل القرن (١٣ م) فى
الجنوب الشرقى مما أثار حفيظة ملك الصوصو المجاور له؛ إذ
انقض عليهم فى عام (١٢٣٠م)، وقتل ملكهم وإخوته العشرة، ولم
يبقَ إلا الأخ الحادى عشر الذى يُسمى سندياتا ويُعرف باسم
مارى جاطة أى الأمير الأسد، والذى كان قد تمكن من الهرب نحو
الجنوب؛ حيث جمع حوله كثيرًا من القبائل الموالية لأسرة كيتا،
وأخضع بفضلها القبائل المجاورة وانتصر فى جميع الحروب
التى شنها، مما ساعده فى تثبيت ملكه. ثم أعد جيشًا كبيرًا
مكونًا من (١٢) فرقة مدربة أحسن تدريب؛ لقتال ملك الصوصو
والانتقام منهم، والتقى به فى موقعة فاصلة عند كيرينا فى عام
(١٢٣٥م)؛ حيث انتصر سندياتا وقتل ملك الصوصو واستولى على
بلاده، ثم نجح فى عام (١٢٤٠م) فى الاستيلاء على مملكة غانة
الإسلامية، واتخذ من مدينة أنشأها على نهر النيجر تُسمى
نيانى عاصمة لملكه، واشتهرت هذه المدينة باسم مالى وصار
اسمها علمًا على الدولة كلها التى اتسعت فى عهده، وصارت
إمبراطورية واسعة تمتد من بلاد الولوف والمحيط الأطلسى غربًا
إلى أواسط نهر النيجر شرقًا، ومن فوتاجالون جنوبًا إلى
كومبىَ صالح عاصمة غانة السابقة شمالاً. وقد مات سندياتا فى
عام (١٢٥٥م) بعد أن وضع لأبنائه وأحفاده أساس هذه الدولة
الواسعة؛ ولذلك فإنه يُعد المؤسس الحقيقى لسلطنة مالى
стр. 1955
الإسلامية فى العصور الوسطى.
стр. 1956
* سومانجورو (ملك الصوصو)
سومانجورو آخر ملك من ملوك دولة الصوصو الوثنية. والصوصو
فرع من الفولانيين كان قد هاجر من تكرور التى تقع فى حوض
نهر السنغال واتجه شرقًا إلى إقليم كانياجا فى حوض نهر
النيجر، حيث أسس طبقة حاكمة ودولة اتسعت فيما حولها فى
نهاية القرن (١٢ م)، بعد أن تخلصوا من تبعيتهم لدولة غانة
الإسلامية التى كانت مجاورة لهم من ناحية الشمال والغرب،
وكانوا يدفعون لها الجزية، واستطاع ملك الصوصو الذى يُعرف
باسم سومانجارو أن يحطم هذه الدولة ويستولى عليها فى عام
(١٢٠٣ م). ثم اصطدم بعد ذلك بدولة مالى النامية فى كانجابا
وشن عليها الحرب وأباد الكثير من سكانها وقتل ملكها المدعو
كوننيوغو سمباكيتا، كما قتل إخوته العشر الذين تولوا الحكم
تباعًا بعد أخيهم المقتول، ولم يفلح فى القضاء على الأخ
الحادى عشرة الذى يعرف باسم سندياتا واشتهر باسم مارى
جاطة، والذى كان قد هرب ناحية الجنوب وبدأ يكون جيشًا
جرارًا للانتقام من ملك الصوصو الذى قتل إخوته الأحد عشر
واستولى على الجزء الشمالى من بلادهم، وكان يستعد للقضاء
على سندياتا قبل أن يستفحل أمره، وتذرع بأن سندياتا اقتحم
بلاد الصوصو خلال توسعه وغزواته للأقاليم التى تقع بين
بلديهما. ويقال: إن سومانجارو كان قد تزوج بأخت سندياتا
عندما تغلب على إخوتها وقتلهم، وشجعت هذه الأخت هذا
الزواج حتى تضع يدها على أسرار هذا الملك الوثنى وتتعرف
على مواطن ضعفه. ولما وصلت إلى غرضها عادت إلى أخيها
سندياتا وزودته بما جمعت من معلومات عن سومانجارو مما كان
سببًا من أسباب هزيمته على يد سندياتا الذى قضى عليه وعلى
دولة الصوصو بأجمعها وضمها إلى دولة مالى الإسلامية، وذلك
بعد موقعة حربية فاصلة وقعت بين سومانجارو وسندياتا تعرف
باسم المكان الذى وقعت فيه وهو كيرينا وذلك فى عام (١٢٣٥ م
)، وهو العام الذى شهد نهاية هذه الدولة الوثنية ونهاية زعيمها
سومانجارو نفسه.
стр. 1957
* سيف بن ذى يزن
هوأحد أبطال اليمن، من حمير، استعان بالفرس لإخراج الأحباش
من بلاده بعد أن كانوا قد احتلوها عام (٥٢٥م) على يد أرياط
القائد الحبشى الذى حكمها منذ ذلك الحين، ثم تنافس معه فى
حكمها قائد حبشى أخر هو أبرهة الأشرم الذى تغلب على أرياط
وقتله، فدانت له اليمن وتعاقب على حكمها بعده ابناه يكسوم
ثم مسروق. وفى عهد الأخير ظهر سيف بن ذى يزن الحميرى،
وثار على حكم الأحباش لبلاده واستعان فى قتاله لهم بالفرس
حوالى عام (٥٧٥ م). فقد أرسل له كسرى فارس حملة فارسية
بقيادة دهرز تمكنت بالتحالف مع سيف والوطنيين اليمنيين من
قتل مسروق والقضاء على حكم الأحباش لليمن، وصار سيف بن
ذى يزن ملكًا على هذه البلاد وقفل دهرز عائدًا إلى فارس،
ولكن بعض الأحباش الباقين فى اليمن وثبوا على سيف وقتلوه
غيلة، فأعاد كسرى فارس قائده دهرز على رأس قوة جديدة
قضت على التمرد الحبشى وبقيت اليمن فى قبضة الفرس يحكمها
ولاة منهم حتى ظهر الإسلام، وكان حاكمها وقتذاك فارسى
يُدعى باذان، ولم يلبث أن أسلم وأقرَّه الرسول - صلى الله عليه
وسلم - عاملاً على اليمن تحت راية الإسلام. والجدير بالذكر أن
الأسرة الحاكمة لدولة الكانم والبرنو الإسلامية فى حوض بحيرة
تشاد انتسبت إلى سيف بن ذى يزن، وتسمَّت باسم الأسرة
السيفية الماغومية، على أساس أن امرأة من كانم كانت قد
تزوجت من سيف، ثم عاد أبناؤها منه إلى بلادهم فى كانم
وأسسوا هذه الدولة الإفريقية التى حكمت هذه البلاد لمدة ألف
عام، من القرن التاسع إلى القرن التاسع عشر للميلاد، بعد أن
اعتنقوا الإسلام ونشروه بين قومهم، كما نشروا الثقافة العربية
الإسلامية فى هذه المنطقة من القارة التى كانت تُعرف باسم
السودان الأوسط، والتى تعرف اليوم باسم جمهورية تشاد.
стр. 1958
* صبر الدين الأول (سلطان أوفات)
هو صبر الدين الأول محمد بن عمر ولشمع الذى ينتمى إلى بنى
عقيل بن أبى طالب أو بنى عبد الدار من قريش، حيث هاجر نفر
منهم إلى منطقة القرن الإفريقى فى عصور الإسلام الأولى،
وأقاموا سلطنة أُوفات الإسلامية على يد عمر ولشمع حوالى
منتصف القرن (١٣ م) فيما بين هضبة الحبشة وبين ساحل البحر
الأحمر. حكم أولاد عمر ولشمع ومنهم صبر الدين الأول وهو ثالث
من حكمها من أفراد هذه الأسرة العربية، وكان معاصرًا لملك
الحبشة عمدا صيون (١٣١٤ - ١٣٤٤م). وكان هذا الملك الحبشى قد
خرج بجيوشه الجرارة عام (٧٢٩هـ =١٣٢٨م)، وهجم على سلطنة
أوفات من جميع نواحيها وأسر سلطانها حق الدين الأول بن عمر
ولشمع، وعين عليها أخاه صبر الدين الأول، على أن يعترف هذا
السلطان الجديد بسيادة ملك الحبشة ويعلن طاعته له. وكان
الأحباش منذ نهاية القرن (١٣م) لا يريدون أن تقوم بجوارهم
سلطنة إسلامية قوية تستقل بحكم هذه المنطقة الواسعة التى
فاقت مساحة مملكة الحبشة نفسها، ومن ثم فقد حاربوا سلطنة
أوفات وفرضوا طاعتهم على بعض سلاطينها، ومنهم السلطان
صبر الدين الأول الذى لم يطقْ صبرًا على تبعيته لهم، وأراد أن
يتخلص من نير الأحباش وسيطرتهم، وكون حلفًا إسلاميًّا من
أوفات ومملكة هدية الإسلامية ومملكة دوارو الإسلامية، وكانتا
تقعان جنوب أوفات، وغزا كثيرًا من أقاليم مملكة الحبشة وهدد
عمدا صيون ملك الحبشة فى عقر داره، فقام هذا الملك وعبأ
جيوشه وغزا هذه الممالك الإسلامية وأسر ملوكها وكثيرًا من
أهلها وحملهم معه إلى عاصمته؛ مما أجبر صبر الدين الأول على
المثول بنفسه أمام عمدا صيون، فقتله وضم أوفات وهدية
وفطحار وجعلها مملكة واحدة وعين عليها جلال الدين أخا
السلطان القتيل بعد أن رضى جلال الدين أن يدفع له الجزية وأن
يكون تابعًا له.
стр. 1959
* صبر الدين الثانى (سلطان عدل)
هو صبر الدين الثانى على بن سعد الدين، من أسرة عمر ولشمع
القرشية التى أقامت سلطنة أوفات الإسلامية، ولما قضى عليها
الأحباش أقامت سلطنة عدل الإسلامية فيما بقى من أراضى
سلطنة أوفات، فيما يُعرف الآن بالصومال الشمالى والغربى
(أوجادين) ومنطقة هرر وجيبوتى، وهى البلاد التى تقع جنوب
نهر عواش، وكان صبر الدين الثانى هذا هو أول سلطان يتولى
حكم هذه السلطنة الجديدة، وذلك فى الفترة من (٨١٧ - ٨٢٥ هـ =
١٤١٤ - ١٤٢٢ م). وكان صبر الدين قد فرَّ هو وإخوته التسعة إلى
اليمن عقب استشهاد والدهم سعد الدين آخر سلاطين أوفات فى
عام (٨٠٥هـ =١٤٠٢م)، فساعدهم ملك اليمن وعادوا إلى إقليم
عدل، وأقاموا هذه السلطنة بعد أن انضم إليهم جنود أبيهم
وأولياء دولتهم السابقة. واتخذ صبر الدين الثانى مدينة دكَّر
عاصمة له، وجمع شمل المسلمين حوله واستأنف الجهاد ضد
الأحباش انتقامًا لمقتل أبيه سعد الدين، واسترجاعًا لنفوذ أسرته
، وإنقاذًا للإسلام من الضياع، وهاجم الأحباش فى عدة مواقع
انتصر فيها، ثم هزمه إسحاق ملك االحبشة الذى كان قد كوَّن
دولة منظمة وجيشًا مدربًا أحسن تدريب بمساعدة بعض قبط مصر
وبعض فرسان المماليك الفارين من مصر إلى الحبشة خوفًا من
خصومهم فى مصر. ومن ثم اضطر صبر الدين الثانى إلى اتباع
أسلوب حرب العصابات نظرًا لكثرة جند الأحباش وقلة جنده،
وتمكن أخوه محمد وقائده حرب جوش - الحبشى الأصل والذى
كان قد أسلم وانضم إلى صبر الدين الثانى - أن يهزم جيشًا
حبشيًّا فى موقعة يُقال لها رطوى؛ مما شجع صبر الدين على
القتال بنفسه، فهاجم أحد قصور ملك الحبشة وأحرقه وهزم
جنده، وأرسل عددًا من قواده فتوغلوا فى بلاد أمهرة، أى فى
قلب هضبة الحبشة، وكان هذا خطأ من الناحية العسكرية؛ ذلك
أن الأحباش أحاطوا بجيش صبر الدين الثانى وقتلوا جميع الجند
ومثلوا بجثثهم، فلم يطقْ صبر الدين الثانى صبرًا على هذه
стр. 1960
الهزيمة القاسية فاندفع يقاتل الأحباش فى تهور، وتوغل فى
إحدى معاركه بين صفوفهم فكادوا يأسرونه، ولكنه أسرع
بالفرار ونجا من الأسر، واستمر يقاوم هيمنة الأحباش وسيطرتهم
على ما استعمروه من بلاد الزيلع حتى مات حتف أنفه فى عام
(٨٢٥ هـ = ١٤٢٢ م).
стр. 1961
* عبد الله الزيلعى
هو أحد فقهاء بلاد الزيلع التى تُعرف اليوم باسم إريتريا
وجيبوتى والصومال (الشمال)، وهرر وجزء كبير من إثيوبيا ضُم
إليها قهرًا قرب نهاية القرن الماضى بمساعدة الدول الأوربية.
ويُعتبر هذا الفقيه من المصادر الرئيسية التى اعتمد عليها ابن
فضل الله العمرى فى كتابه تاريخ بلاد الزيلع، وعنه أخذ
المقريزى والقلقشندى. وقد وصل عبد الله الزيلعى إلى مصر
فى عام (٧٣٧هـ =١٣٣٧م) ربما لتلقى العلم فى الجامع الأزهر،
أو لتقديم شكواه إلى سلطان مصر الناصر محمد بن قلاوون
ليتوسط هذا السلطان عند ملك الحبشة (إثيوبيا) حتى يمتنع هذا
الملك عن اضطهاده وحروبه لبلاد المسلمين الزيالعة المجاورين
له، وربما كان مجىء هذا الفقيه لتحقيق الهدفين معًا. المهم أن
هذا الشيخ الزيلعى انتهز فرصة وصول رسول ملك الحبشة لطلب
المطران القبطى - الذى كان يُرسل من مصر ليرأس كنيسة الحبشة
حسب التقليد المتبع فى ذلك منذ ما قبل الإسلام - وسعى لدى
سلطان مصر كى يعمل ما فى وسعه وينتهز هذه الفرصة ويكتب
إلى ملك الحبشة حتى يكفَّ أذاه عمَّن فى بلاده من المسلمين
وعن أخذ حريمهم. وكانت مصر تضغط بهذه الورقة - وهى
إرسال أو عدم إرسال المطران االقبطى للحبشة - حتى يمتنع
ملوكها عن اضطهادهم للمسلمين الزيالعة الذين يقعون تحت
سلطانهم أو المسلمين فى بلاد الحبشة ذاتها، ذلك أن منع
إرسال هذا المطران كان يصيب الحياة السياسية والاجتماعية
والدينية فى الحبشة بأضرار بالغة. وكان الزيالعة فى ذلك الحين
قد أصيبوا بضربة شديدة عندما قام ملك الحبشة عمدا صيون
بغزو بلادهم وخاصة سلطنة أوفات الإسلامية التى كانت
سلاطينها يتزعمون حركة الجهاد ضد الأحباش فى ذلك الحين،
فدمر عمدا صيون وخرَّب الكثير من هذه البلاد فى عام (٧٢٨هـ =
١٣٢٨ م)، وأخضع سلطنة أوفات وما جاورها لحكمه، وعزل
سلطانها صبر الدين وعين أخاه جلال الدين الذى رضى بأن يدفع
стр. 1962
له الجزية وأن يكون تابعًا له. ومن ثم سعى الشيخ عبد الله
الزيلعى إلى مقابلة سلطان مصر لدفع هذا الضر عن قومه
وبلاده، فاستجاب له الناصر محمد بن قلاوون وأمر بطريرك مصر
بكتابة رسالة لملك الحبشة فى هذا المعنى، فكتب البطريرك
كتابًا بليغًا شافيًا فيه معنى الإنكار لهذه الأفعال، وأنه جرَّم هذا
على من يفعله بعبارات أجاد فيها على حد تعبير ابن فضل الله
العمرى، وذلك نتيجة لمسعى الشيخ عبد الله الزيلعى الذى يمكن
أن يُعتبر رسولاً من ملوك الزيلع إلى سلطان مصر لتحقيق هذا
الغرض.
стр. 1963
* عبد الله بن كادى
هو الماى الواحد والعشرون فى سلسلة المايات (السلاطين) الذين
حكموا سلطنة الكانم الإسلامية التى تقع شمال شرقى بحيرة
تشاد، فقد حكم هذا الماى (٢١) عامًا فى الفترة من
(١٣٢١ - ١٣٤٢م). وكانت البلاد تعيش منذ بداية القرن (١٤م) عصر
تدهور وضعف؛ نتيجة للصراع الداخلى الذى شبَّ بين أبناء البيت
الحاكم على كرسى العرش، ونتيجة للمنافسات الدموية التى
اشتدت بين السادة الإقطاعيين من أمراء البيت الحاكم ومن يلوذ
بهم، ونتيجة لاشتداد خطر قبائل البلالة وقبائل الصو؛ وترتب
على ذلك أن ضعفت البلاد واشتدت الفتن حتى قام أحد المايات
وهو الماى إبراهيم بن بيرى (١٣٠٠ - ١٣٢١م) بقتل ابنه، وتعرض
هذا الماى نفسه للقتل على أيدى اليريمة -أى حاكم الشمال -
وهو أحد أعضاء مجلس الأكابر الأعلام المكون من (١٢) عضوًا
كانوا يساعدون الماى فى حكم البلاد - وقد خلفه فى الحكم
الماى عبد الله بن كادى ولم يؤثر عنه إلا أنه كافأ الأشخاص
الذين انتشلوا جثة السلطان القتيل عند مدينة دسكام بالقتل لأنهم
رأوا عورة السلطان القتيل. كما حدث فى عهده حرب أهلية بين
البفاريمة - أحد أعضاء المجلس المشار إليه - وجايو ابن حاكم
مدينة سينا التى تقع فى الجنوب من العاصمة نجيمى، ربما
بسبب محاولة الأخير الانفصال عن الدولة. ويقال: إن الماى عبد
الله بن كادى كان قد تلقى أخبارًا عن أربعةً لصوص كانوا أبناء
أمٍّ واحدة، فأرسل فى استدعائهم وعندما حضروا بين يديه أمر
بقتلهم فقتلوا، فابتهلت أمهم إلى الله أن ينتقم
من هذا الماى وأن يقطع دابره، فاستجاب الله لدعائها، فمات
الماى توًّا فى أحد الحروب التى اشتعلت ضده فى بعض أقاليم
الدولة التى كانت تحاول الانفصال والتمرد على حكم الأسرة
الحاكمة فى نجيمى.
стр. 1964
* عبد الجليل بن سيكوما (سلطان البلالة)
هو أول زعيم بارز من زعماء قبائل البلالة التى كانت تعيش
شرق بلاد كانم وشمال بحيرة فترى. وكان هؤلاء الزعماء
يخضعون لبنى عمومتهم من مايات (ملوك) الأسرة السيفية
الماغومية التى كانت تحكم بلاد كانم التى تقع شمال شرق
بحيرة تشاد منذ ما قبل القرن (٩ م). ويعود الفضل إلى هذا
الزعيم فى تخليص البلالة من هذه التبعية منتهزًا فرصة ضعف
كانم، فقد أقام دولة كانت عاصمتها مدينة ماسيو التى تقع
شمال بحيرة فترى منذ عام (٧٦٧هـ=١٣٦٥م)، ثم تحالف مع قبائل
النجيزام وغيرها من قبائل مملكة كوكا (جاوجا) التى كانت
عاصمتها جاو والتى كانت تقع فى حوض بحيرة فترى، نظرًا
لكراهية هذه القبائل لحاكمهم على زينا بسبب قسوته عليهم
وظلمه لهم، فحاربه عبد الجليل وضم بلاده إليه واتخذ من مدينة
جاو عاصمة له، ثم بدأ يتوسع فى البلاد المحيطة به حتى امتدَّ
نفوذه ليشمل المنطقة الممتدة من بورقو إلى مويو وأهير. ثم
اتجهت جهود هذا الزعيم إلى القضاء على حكم الأسرة الماغومية
فى كانم، وضم هذه البلاد الواسعة إلى دولته، وخاض فى
سبيل ذلك صراعًا مريرًا ضد سلاطينها وتمكن بمساعدة العرب له
من قتل أربعة منهم؛ مما أجبر هذه الأسرة الحاكمة فى كانم
إلى الهرب إلى إقليم برنو الذى يقع شمال وغرب بحيرة تشاد،
وذلك فى غهد الماى عمر بن إدريس (٧٨٨ - ٧٩٣ هـ = ١٣٨٦ -
١٣٩١ م)، وبدأ حكم البلالة لكانم منذ ذلك الحين. وهكذا يعود
الفضل فى اتساع سلطنة البلالة على هذا النحو إلى زعيمها عبد
الجليل بن سيكوما، وما كان يتمتع به من صفات الزعامة والقوة،
حيث كان مشهورًا بالفروسية والقوة والشجاعة فضلاً عن
المغامرة، إذ لم يكتفِ باتساع دولته على هذا النحو، بل طارد
الماغوميين فى برنو وقتل بعض سلاطينهم، ثم هدأت الأمور بينه
وبينهم حتى مات فى عام (٨١٤هـ= ١٤١١م)، بعد أن حكم سلطنة
البلالة الواسعة (٤٦) سنة.
стр. 1965
* عثمان بن فودى
وُلد الشيخ عثمان بن فودى فى عام (١١٦٨هـ= ١٧٥٤م) فى
مملكة غوبير - وهى إحدى ممالك الهوسا فى شمالى نيجيريا -
لأبوين صالحين ينتميان إلى إحدى قبائل شعب الفولانى الذى
كان يسكن وقتذاك هذه البلاد. وقد نشأ الشيخ عثمان نشأة
دينية إسلامية، وأولع منذ صغره بالعبادة والعلم، وارتحل فى
طلب العلم حتى شهد بفضله وعلمه علماء زمانه، وارتحل إليه
الطلاب للاستفادة من علمه الغزير، وكان الشيخ عثمان يتعهدهم
لا بتحصيل العلم وحده ولكن بتنشئتهم على منهج الإسلام فى
سلوكهم وعاداتهم وتقاليدهم؛ فأوجد جيلاً من الطلاب والعلماء
يدينون له بالطاعة والولاء، وبفضلهم اتسعت دعوته التى كانت
موجهة للمسلمين بهدف تصحيح إسلامهم، وإلى غير المسلمين
بهدف إدخالهم فى الإسلام، وإلى المجتمع بهدف إقامة شريعة
الإسلام. ثم انتقل الشيخ عثمان بعد ذلك إلى مرحلة تالية، وهى
الهجرة إلى واحة تقع على حافة الصحراء فى شمال غوبير
بهدف إقامة رباط يتجمع فيه أتباعه والمخلصون لدعوته بعد أن
اضطهده ملك جوبير؛ فهاجر إليه ما يربو على (٥٠٠٠) حيث
بايعوه فى عام (١٨٠٤م) بالإمارة، وعلى اتباع الكتاب والسنة،
وعلى نصرة دين الله تعالى. ولم يلبثْ عثمان أن اختار وزراءه،
وعين قائدًا لجيشه، وإمامًا لصلاته. ولما علم بذلك ملوك بلاد
الهوسا تضافروا جميعًا وعلى رأسهم ملك جوبير على القضاء
على الشيخ عثمان ودعوته، وجردوا عليه عدة حملات عسكرية؛
فأعلن الشيخ الجهاد ضدهم، وظل يجاهدهم حتى قضى على
حكمهم الذى كان يخالف الإسلام فى كثير من مظاهره، وقامت
على يديه دولة إسلامية كبرى هى دولة الفولانيين، اتخذت من
مدينة سوكوتو عاصمة لها، واستطاعت أن تصبغ السودان
الأوسط الذى يمتد من نهر النيجر إلى بحيرة تشاد بصبغة الإسلام
التى لازال يتميز بها حتى الآن. كما زحفت قواته شرقًا إلى دولة
البرنو الإسلامية التى كان قد أصابها الضعف والانحلال منذ
следующие страницы →