← История

История · id 36578

موسوعة سفير للتاريخ الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (3 483 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

* داود باشا آخر الولاة المماليك الذين حكموا العراق منذ سنة (١٨١٧م) إلى سنة (١٨٣١م) وكان حكمه مطلقًا على غرار حكم محمد على باشا لمصر. وفى عهده - وعهد المماليك عمومًا - لم تحظَ سلطة الباب العالى بأى احترام، وما إن تسلم داود باشا الولاية حتى أراد أن يحقق بعض الإصلاحات؛ فحاول إلغاء نظام الامتيازات الممنوح لشركة الهند الشرقية، ووضعها على قدم المساواة مع التجار المحليين، لكن الشركة ردَّت بحرب شرسة أفشلت هذه المحاولة. وسعيًا وراء وضع العراق تحت سيطرته الكاملة واجه داود باشا الحركات الانفصالية بكل عنف؛ فأخمد انتفاضة القبائل العربية، وأقصى شيوخها غير الموالين له، ولكن استعصت عليه القبائل الكردية بسبب دعم القوات الفارسية لها، وظل إقليم كردستان تحت سلطة الأتراك. وبحثًا وراء زيادة موارده لإعادة تنظيم الجيش؛ احتكر داود باشا شراء المنتجات العراقية الرئيسية وتصديرها، وحاول زراعة القطن وقصب السكر، وأراد أن يستغل تركيا أمام روسيا سنة (١٨٢٨ - ١٨٢٩م)، فأعلن تمرده على الباب العالى فأرسل الأخير إليه جيشًا بقيادة على باشا والى حلب فانهزم داود باشا سنة (١٨٣١م) وانتهى حكمه وحكم المماليك.

стр. 1997

* أحمد القرين وهو الإمام «أحمد بن إبراهيم الغازى» الملقب بالقرين أى الأشول. زعيم الجهاد الإسلامى فى سلطنة عدل. اتبع الإمام «أحمد القرين» بعد أن سيطر على مقاليد الأمور فى سلطنة «عَدَل» وبعد أن اتخذ «هرر» مقرا له سياسة موفقة جمعت الناس حوله، فقد طبق الشريعة الإسلامية فى حكمه وخاصة فى توزيع أموال الزكاة والغنائم على مستحقيها وفى مصارفها الشرعية، وبذلك كسب حب الجند وحب الفقهاء والعلماء، كما كسب أيضًا محبة الشعب، فقد كان يلطف بالمساكين ويرحم الصغير، ويوقر الكبير، ويعطف على الأرملة واليتيم، وينصف المظلوم من الظالم، ولا تأخذه فى الله لومة لائم، كما قضى على قُطَّاع الطرق فأمنت البلاد وانصلح حال الناس وانقادوا له وأحبوه. بهذه السياسة الداخلية السليمة استطاع الإمام «أحمد القرين» أن يوحد كلمة المسلمين ويتولى زعامتهم وعزم على رد عادية الأحباش، وذلك بفتح بلاد الحبشة ذاتها، وتمكن من التوغل فيها حتى وصل إلى أقاليمها الشمالية، ودارت بينه وبين الأحباش عدة معارك، كان أولها فى عام (٩٣٣هـ = ١٥٢٧م) حيث هزم الأحباش لأول مرة منذ بداية الجهاد. وفى عام (٩٣٤هـ = ١٥٢٨م) أحرز الإمام «أحمد» نصرًا حاسمًا على الأحباش فى موقعة «شنبر كورى»، ثم بدأ فى غزو بلاد الحبشة نهائيا. ففى سنة (٩٣٨هـ = ١٥٣١م) دخل «دوارو» و «شوا» و «أمهرة» و «لاستا». وفى سنة (٩٤٠هـ = ١٥٣٥م) سيطر المسلمون على جنوب الحبشة ووسطها، وغزوا «تجراى» للمرة الأولى وأصبح مصير الأحباش فى كفة الميزان. وفى هذا الوقت كان الزحف البرتغالى قد وصل إلى البحر الأحمر فاستنجد بهم الأحباش عام (٩٤٢هـ = ١٥٣٥م) فأرسل إليهم ملك البرتغال نجدة عسكرية وصلت البلاد عام (٩٤٨هـ = ١٥٤١م)، وتقابل المجاهدون بقيادة «أحمد القرين» مع الأحباش والبرتغاليين فى عدة مواقع عام (٩٤٩هـ = ١٥٤٢م)، لكنه هُزم وتكررت هزيمته فى العام التالى حيث استشهد وتفرقت جموعه

стр. 1998

* أحمد بن إبراهيم الغازى وهو الإمام «أحمد بن إبراهيم الغازى» الملقب بالقرين أى الأشول. زعيم الجهاد الإسلامى فى سلطنة عدل. اتبع الإمام «أحمد القرين» بعد أن سيطر على مقاليد الأمور فى سلطنة «عَدَل» وبعد أن اتخذ «هرر» مقرا له سياسة موفقة جمعت الناس حوله، فقد طبق الشريعة الإسلامية فى حكمه وخاصة فى توزيع أموال الزكاة والغنائم على مستحقيها وفى مصارفها الشرعية، وبذلك كسب حب الجند وحب الفقهاء والعلماء، كما كسب أيضًا محبة الشعب، فقد كان يلطف بالمساكين ويرحم الصغير، ويوقر الكبير، ويعطف على الأرملة واليتيم، وينصف المظلوم من الظالم، ولا تأخذه فى الله لومة لائم، كما قضى على قُطَّاع الطرق فأمنت البلاد وانصلح حال الناس وانقادوا له وأحبوه. بهذه السياسة الداخلية السليمة استطاع الإمام «أحمد القرين» أن يوحد كلمة المسلمين ويتولى زعامتهم وعزم على رد عادية الأحباش، وذلك بفتح بلاد الحبشة ذاتها، وتمكن من التوغل فيها حتى وصل إلى أقاليمها الشمالية، ودارت بينه وبين الأحباش عدة معارك، كان أولها فى عام (٩٣٣هـ = ١٥٢٧م) حيث هزم الأحباش لأول مرة منذ بداية الجهاد. وفى عام (٩٣٤هـ = ١٥٢٨م) أحرز الإمام «أحمد» نصرًا حاسمًا على الأحباش فى موقعة «شنبر كورى»، ثم بدأ فى غزو بلاد الحبشة نهائيا. ففى سنة (٩٣٨هـ = ١٥٣١م) دخل «دوارو» و «شوا» و «أمهرة» و «لاستا». وفى سنة (٩٤٠هـ = ١٥٣٥م) سيطر المسلمون على جنوب الحبشة ووسطها، وغزوا «تجراى» للمرة الأولى وأصبح مصير الأحباش فى كفة الميزان. وفى هذا الوقت كان الزحف البرتغالى قد وصل إلى البحر الأحمر فاستنجد بهم الأحباش عام (٩٤٢هـ = ١٥٣٥م) فأرسل إليهم ملك البرتغال نجدة عسكرية وصلت البلاد عام (٩٤٨هـ = ١٥٤١م)، وتقابل المجاهدون بقيادة «أحمد القرين» مع الأحباش والبرتغاليين فى عدة مواقع عام (٩٤٩هـ = ١٥٤٢م)، لكنه هُزم وتكررت هزيمته فى العام التالى حيث استشهد وتفرقت جموعه

стр. 1999

* أحمد بن فارس هو أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكرياء القزوينى الرازى، من كبار علماء اللغة والأدب. وُلِد بقزوين سنة (٣٢٩هـ) فنسب إليها، ونشأ بها، وتَعلَّم على كثير من علمائها، منهم أبوه وعلى بن إبراهيم بن سلمة القطان وعلى بن محمد بن مهرويه وغيرهم، ورحل إلى كثير من البلدان لطلب العلم، فرحل إلى همذان وأقام بها مدة. ونبغ أحمد بن فارس فى علوم كثيرة، منها: اللغة والنحو والشعر والفقه. وفى نهاية حياته انتقل إلى الرى؛ حيث مات بها سنة (٣٩٥هـ = ١٠٠٤م). وقد كان أحمد بن فارس من أعيان أهل العلم يجمع بين إتقان العلماء وظرف الكتَّاب والشعراء، وله كتب بديعة ورسائل مفيدة وأشعار جيدة وتلامذة كثيرون. وكان أيضًا كريم النفس، جواد اليد، لايكاد يرد سائلاً حتى يكاد يهب ثيابه وفرش بيته. وترك أحمد بن فارس عديدًا من المصنفات فى شتى العلوم، منها: كتاب المجمل فى اللغة، وهو من أشهر كتبه، وكتاب الصاحبى فى فقه اللغة، وكتاب غريب إعراب القرآن وكتاب حلية الفقهاء، وكتاب دارات العرب، وغيرها.

стр. 2000

* أبو إبراهيم أحمد بن محمد أحد سلاطين دولة الأغالبة، تولى خلفًا لأبيه عقب وفاته فى سنة (٢٤٢هـ)، وتميزت فترة حكمه بالهدوء والاستقرار، وقد غلب الطابع الدينى على سلوكه، فكان يخرج فى شهرى شعبان ورمضان من مقر إقامته ليوزع الأموال على الفقراء والمساكين بالقيروان، واهتم «أبو إبراهيم» بالبناء والتعمير، وزاد فى «مسجد القيروان»، وجدد «المسجد الجامع» بتونس، وحصَّن مدينة «سوسة» وبنى سورها، كما اهتم بإمداد سكان المدن بمياه الشرب، وقد تُوفى فى سنة (٢٤٩هـ=٨٦٣م).

стр. 2001

* الأغلب بن إبراهيم بن الأغلب هو أبو عقال الأغلب بن إبراهيم بن الأغلب أحد سلاطين دولة الأغالبة، تولى الإمارة خلفًا لأخيه «زيادة» فى سنة (٢٢٣هـ= ٨٣٨م)، ومكث بها ما يقرب من ثلاث سنوات؛ نعمت البلاد خلالها بالهدوء والاستقرار، وحرَّم «أبو عقال» صنع الخمور بالقيروان، وعاقب على بيعها وشربها، فكان لذلك صداه الطيب فى نفوس الناس عامة، فضلا عن الفقهاء والعلماء، ومات «أبو عقال» بالقيروان فى سنة (٢٢٦هـ=٨٤١م).

стр. 2002

* ألبَتكين ويكتب أحيانًا: ألب تكين أو ألفتكين، وهو غلام تركى التحق بخدمة السامانيين، وتدرج فى المناصب حتى وصل إلى منصب «حاجب الحجاب»، وهو منصب كان يتيح سلطة خطيرة لصاحبه، ثم تقلد «ألبتكين» ولاية «خراسان» نيابة عن الأمير السامانى «عبدالملك بن نوح» سنة (٣٤٩هـ= ٩٦٠م) حتى عزله عنها الأمير «منصور بن نوح» الذى خلف أخاه «عبدالملك» فلجأ «ألبتكين» إلى «بلخ»، واستطاع هزيمة جيش «منصور» الذى أرسله إليه سنة (٣٥١هـ = ٩٦٢م)، ثم توجه إلى «غزنة» فى السنة نفسها، واستولى عليها واتخذها مقرا له فى خلافة «المطيع لله».

стр. 2003

* أبو بكر الصديق هو «عبد الله بن عثمان بن عامر»، من قبيلة «تيم بن مرة بن كعب»، وفى «مرة بن كعب» يلتقى نسبه مع نسب النبى - صلى الله عليه وسلم -، وأمه «أم الخير سلمى بنت صخر بن عامر»، تميمية كأبيه وكنيته: «أبو بكر»، ولقبه: «عتيق». ولُد «أبو بكر» سنة (٥٧٣م) بعد مولد الرسول ﷺ بثلاثة أعوام، ونشأ فى «مكة»، وكان رجال قومه يأتونه ويألفونه لغير واحد من الأمر؛ لعلمه وتجارته وحسن مجالسته. وعُرف «أبو بكر» بترفعه عن عادات الجاهلية، وما كانوا يقترفونه من مجون وشرب خمر، وارتبط قبل البعثة بصداقة قوية مع رسول الله ﷺ ، وكان الاتفاق فى الطباع وصفاء النفس من أقوى الروابط بين النبى و «أبى بكر». تُجمع مصادر السيرة والتاريخ على أن «أبا بكر» كان أول من أسلم وآمن بالنبى ﷺ من الرجال الأحرار، وكان لسلامة فطرته التى كانت تعاف ما عليه قومه من عبادة الأوثان أثر فى تبكيره بالدخول فى الإسلام، وما إن دعاه النبى ﷺ إلى الإسلام حتى أسلم على الفور؛ لثقته بصدق النبى - صلى الله عليه وسلم - وأمانته، يقول النبى ﷺ : «ما دعوت أحدًا إلى الإسلام إلا كانت فيه عنده كبوة - تأخر فى الإجابة- إلا ما كان من أبى بكر بن أبى قحافة، ما عكم عنه - تأخر عنه - حين ذكرته له، وما تردد فيه». ومنذ أن أسلم وهو يهب نفسه وماله لله ورسوله، فكان يشترى من أسلم من العبيد الذين كانت «قريش» تعذبهم، ويعتقهم كبلال بن رباح، وكان يذود عن النبى ﷺ بكل ما أوتى من قوة، فيروى «البخارى» عن «عبد الله بن عمرو ابن العاص» قوله: «رأيت عقبة بن أبى معيط جاء إلى النبى ﷺ وهو يصلى، فوضع رداءه فى عنقه، وخنقه به خنقًا شديدًا، فجاء أبو بكر - رضى الله عنه - حتى دفعه عنه، فقال: أتقتلون رجلا أن يقول ربى الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم». [صحيح

стр. 2004

البخارى]. ومن أجَلِّ مواقف «أبى بكر» تصديقه للنبى - صلى الله عليه وسلم - فى حادث الإسراء، فحين أخبر النبى - صلى الله عليه وسلم - بذلك أسرعوا إلى «أبى بكر» يخبرونه، ظنا منهم أنه لن يصدق، فقال لهم: «والله لئن كان قاله لقد صدق، فإنى أصدقه فى أبعد من هذا، أصدقه فى خبر السماء يأتيه فى ساعة من ليل أو نهار»، فلُقب بالصديق من يومئذٍ. واختاره النبى - صلى الله عليه وسلم - -لثقته- به ليرافقه فى رحلة الهجرة دون غيره من الصحابة، ثم لازم النبى بعد الهجرة فى ليله ونهاره، فلم يتخلف عن غزوة من غزواته أو مشهد من مشاهده، وكان مجاهدًا بنفسه وماله حتى وصفه النبى بقوله: «ما لأحد عندنا يدٌ إلا وقد كافأناه بها، إلا أبا بكر، فإن له عندنا يدًا يكافئه الله بها يوم القيامة، وما نفعنى مال أحد قط ما نفعنى مال أبى بكر». ومما لاشك فيه أن «أبا بكر الصديق» عند علماء الأمة أفضل المسلمين مطلقًا بعد رسول الله ﷺ ، ودليل ذلك أنه جعله أميرًا على الحج فى العام التاسع من الهجرة، وأنابه فى الصلاة عند مرضه - دون غيره -، وكان هذا أقوى مرشح له لتولى الخلافة بعد وفاة النبى بعد أن بويع «أبو بكر الصديق» البيعة العامة قام فخطب الناس خطبة قصيرة، وضح لهم فيها منهجه فى الحكم، فقال بعد أن حمد الله وصلى على نبيه: «أما بعد أيها الناس فإنى وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينونى، وإن أسأت فقومونى، الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوى عندى حتى أزيح عليه حقه إن شاء الله، والقوى فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه إن شاء الله، لا يدع قوم الجهاد فى سبيل الله إلا ضربهم الله بالذلّ، ولا تشيع الفاحشة فى قوم قط إلا عمهم الله بالبلاء، أطيعونى ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لى عليكم، قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله». كان أول القرارات التى اتخذها «أبو بكر» وأصعبها قراره بإنفاذ جيش «أسامة» إلى «جنوبى

стр. 2005

الشام»، كما أمر به رسول الله ﷺ ، وذلك لأن «الصديق» أقدم عليه فى ظروف دقيقة وحرجة، فالعربُ قد ارتدت عن الإسلام، حتى «مكة» نفسها همت بالردة، لولا أن «سهيل بن عمرو» روَّعهم، قائلا: «لماذا ترتدون والنبوة كانت فيكم، والخلافة أصبحت فيكم؟»، وحاولت «الطائف» أن ترتد، فمنع من حدوث ذلك عقلاؤها؛ إذ قالوا لقومهم: لقد كنتم آخر من أسلم، فلا تكونوا أول من يرتد. كما استفحل أمر مدعى النبوة «مسيلمة الكذاب» فى «اليمامة» شرقى شبه الجزيرة العربية، و «طليحة بن خويلد الأسدى» فى «بنى أسد»، فى منطقة «بذاخة» -ماء لبنى أسد يقع إلى الشرق من «المدينة المنورة» - و «لقيط بن مالك» فى «عمان» جنوبى شرقى بلاد العرب، و «الأسود العنسى» فى «اليمن». وكل أولئك ظهروا فى أواخر حياة النبى ﷺ ، لكنه لم يحفل بهم كثيرًا؛ لثقته بالقدرة على القضاء على تلك الحركات، وفى الوقت نفسه أمر بإنفاذ جيش «أسامة بن زيد» إلى جنوب «الشام»؛ لتأديب القبائل القاطنة هناك، التى تعادى المسلمين، ولتثبيت هيبة الإسلام فى أعين الروم، التى فرضها عليهم فى غزوة «تبوك»، وللفت أنظار أصحابه إلى خطورة دولة الروم على الإسلام، لكن هذا الجيش لم يذهب لأداء مهمته؛ لمرض النبى - صلى الله عليه وسلم - ووفاته، فكان أول قرار للصديق، هو تنفيذ ما عزم عليه الرسول ﷺ . لكن الصحابة جميعًا عارضوا «أبا بكر» فى قراره بإرسال جيش «أسامة»، وتعللوا بأن الردة قد عمت شبه جزيرة العرب، وأن الخطر داهم ومحدق بهم، حتى لم تسلم منه «المدينة» نفسها، واشرأبت أعناق أعداء الإسلام من يهود ونصارى وغيرهما، وتحفزوا للقضاء على الإسلام، ولذا فإن بقاء الجيش فى «المدينة» ضرورة ملحة؛ لحمايتها من الأخطار المحدقة بها. لكن ذلك كله لم يثن عزيمة الصديق عن إرسال جيش «أسامة»، ووقف كالأسد الهصور يذود عن الإسلام

стр. 2006

باتخاذ ذلك القرار الصعب قائلا: «والذى نفس أبى بكر بيده، لو ظننت أن السباع تخطفتنى لأنفذت بعث أسامة، كما أمر به رسول الله ﷺ ، ولو لم يبق فى القرى غيرى لأنفذته». وقد ظهرت نتائج سياسة «الصديق» الموفقة، عندما ذهب جيش «أسامة» وحقق ما قصده الرسول - صلى الله عليه وسلم - من أهداف، وعاد محمَّلا بالغنائم، وألقى الرعب والفزع فى قلوب القبائل العربية التى مرَّ عليها فى شمالى شبه الجزيرة العربية وهو فى طريقه إلى الشام؛ لأنهم قالوا: «لو لم يكن بالمسلمين قوة لما أرسلوا هذا الجيش الكبير إلى هذا المكان البعيد فى مثل هذا الوقت»؛ ولذا كانت حركة الردة فى المناطق التى مرّ بها «أسامة» بجيشه أضعف منها فى أى مكان آخر من شبه الجزيرة العربية. يعد موقف «الصديق» من حركة الردة ومواجهته لها من أروع المواقف فى التاريخ، لأنه آمن إيمانًا عميقًا بانتصار الحق مهما تكن قوة أعدائه، وأظهر تصميمًا على الدفاع عن الإسلام مهما يبذل من جهد. وقد بدأت حركة الردة بالقبائل التى منعت الزكاة كعبس و «ذبيان» و «غطفان» وغيرها، حيث أرسلت وفدًا إلى «المدينة»، يعرض على «الصديق» مطالبهم، وأنهم لم يرفضوا الإسلام، ولكنهم يرفضون دفع الزكاة لحكومة «المدينة»؛ لأنها فى ظنهم معرَّة، ويعدُّونها إتاوة تدفع لأبى بكر، ولم تدرك تلك القبائل أثر الزكاة فى التكافل الاجتماعى بين المسلمين. كان رأى فريق من الصحابة وعلى رأسهم «عمر بن الخطاب» أن يستجيب «أبو بكر» لتلك القبائل، ولا يجبرها على دفع الزكاة، وخاصة أن «المدينة» مكشوفة، وليس بها قوة تحميها وتدافع عنها؛ لأن جيش «أسامة» لما يعد بعد من شمالى بلاد العرب، لكن «الصديق» لم يقتنع بهذا الرأى، ورد على «عمر بن الخطاب» ردا جازمًا قائلا له: «والله لو منعونى عقالا -الحبل الذى يجرُّ به الحمل - لجاهدتهم عليه». وكان هذا الموقف الثابت من «الصديق»

стр. 2007

رائعًا كل الروعة، فماذا لو وافق «أبو بكر» «عمر» ومن معه على رأيهم؟ ربما شجع هذا التنازل قبائل أخرى، فتمتنع عن دفع الزكاة أسوة بهؤلاء، ولربما تطور الموقف إلى أبعد من هذا، فتمتنع قبائل عن إقامة الصلاة أو غيرها من أركان الإسلام، ويكون هذا هدمًا للدين من أساسه. وكأن «الصديق» حين فعل هذا تمثل واقتدى بموقف لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - عندما جاءه وفد «ثقيف» يعلنون إسلامهم، ويطلبون منه إعفاءهم من أداء الصلاة، فرفض النبى ﷺ ذلك، وقال لهم: «لا خير فى دين لاصلاة فيه»، ولعل «الصديق» قصد ذلك حين قال: «والله لأقاتلن من فرَّق بين الصلاة والزكاة». ولم يكن «الصديق» صاحب قرارات صائبة فحسب، بل كان يقرنها بالعمل على تنفيذها، فلما رأى الغدر فى عيون مانعى الزكاة أدرك أنهم سيهاجمون «المدينة» على الفور؛ لأنهم عرفوا غياب معظم الرجال مع جيش «أسامة»، وأعلن حالة الاستعداد للدفاع عن «المدينة» عقب عودة المانعين إلى ديارهم، واتخذ مسجد رسول الله، مقرا لغرفة عمليات عسكرية، وبات ليلته يُعد للمعركة ويستعد لها، وأمر عددًا من كبار الصحابة بحراسة مداخل «المدينة»، على رأسهم «على بن أبى طالب»، و «طلحة بن عبيد الله»، و «الزبير بن العوام»، و «عبد الله بن مسعود» رضى الله عنهم. وحدث ما توقعه «الصديق» فبعد ثلاثة أيام فقط هاجم مانعو الزكاة «المدينة»، فوجدوا المسلمين فى انتظارهم، فهزمهم المسلمون وردوهم على أعقابهم إلى «ذى القصة» - شرقى «المدينة». ثم تعقبهم «الصديق» وألحق بهم هزيمة منكرة، وفرت فلولهم، وغنم المسلمون منهم غنائم كثيرة، واتخذ «الصديق» من «ذى القصة» مكانًا لإدارة المعركة ضد حركة الردة كلها، وفى هذه الأثناء جاءت الأخبار بوصول جيش «أسامة» سالمًا غانمًا، فأسرع «الصديق» بنفسه لاستقبال قائد الجيش الشاب، الذى قام بهذه المهمة الخطيرة خير قيام، وبعد أن

стр. 2008

احتفى به وهنأه على عمله، أنابه عنه فى حكم «المدينة»، وعاد هو إلى «ذى القصة» ليدير المعركة مع المرتدين بعزيمة لا تلين. أراد «أبو بكر الصديق» أن يبصِّر المرتدين بخطورة ما أقدموا عليه، فواجههم مواجهة سلمية بأن دعاهم إلى العودة بدون قتال إلى الإسلام، الذى أكرمهم الله به، وأرسل إليهم كتابًا يقرأ على القبائل كلها؛ لعلهم يعقلون، جاء فى أخره: « وإنى بعثت إليكم فلانًا فى جيش من المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان، وأمرته ألا يقاتل أحدًا ولا يقتله حتى يدعوه إلى داعية الله، فمن استجاب له وأقرَّ وكف وعمل صالحًا، قبل منه وأعانه عليه، ومن أبى أمرت أن يقاتله على ذلك، ثم لا يبقى على أحدٍ منهم قدر عليه، .. ولا يقبل من أحدٍ إلا الإسلام فمن اتبعه فهو خير له، ومن تركه فلن يعجز الله، وقد أمرت رسولى أن يقرأ كتابى فى كل مجمع لكم، والداعية الأذان، فإذا أذن المسلمون فأذَّنوا كفوا عنهم، وإن لم يؤذنوا عاجلوهم ... ». وفى الوقت الذى كان يأمل فيه أن يستجيب المرتدون، ويعودوا إلى دين الله دون قتال؛ كان يعد أحد عشر جيشًا فى وقت واحد، تغطى المناطق التى ارتد أهلها فى شبه جزيرة العرب، جاهزة للانطلاق إلى كل منطقة؛ ليشغل كل قبيلة بالدفاع عن نفسها فى ديارها، ولا تأخذ فرصة للتجمع والتكتل ضده، وكان هذا تصرفًا بارعًا وحكيمًا من «الصديق». لم يستجب المرتدون لدعوة «أبى بكر» السلمية، فبدأ قادته ينفذون ما عهد إليهم من مهام، وخاض «خالدبن الوليد» أول معارك الردة فى «بذاخة» ضد المرتدين من «غطفان» و «بنى أسد» وحلفائهم ممن التفوا حول «طليحة بن خويلد الأسدى» مدعى النبوة، وكان النصر حليف «خالد»، بعد أن ألحق بهم هزيمة منكرة وغنم كثيرًا، وأرسل عددًا من زعمائهم أسرى إلى الخليفة، وفر «طليحة»، وظهر كذبه، ويجدر بالذكرى أن «طليحة» قد أسلم بعد ذلك، وحسن إسلامه فى عهد «أبى بكر الصديق»، واشترك

стр. 2009

فى الفتوحات الإسلامية فى «فارس»، فى عهد «عمر بن الخطاب»، وكان له دور بارز فيها. وبعد ذلك توجه «خالد بن الوليد» إلى «البطاح» فى «نجد» لقتال المرتدين من «بنى تميم» بزعامة «مالك بن نويرة»، ونجح فى إلحاق الهزيمة بهم، والقضاء على الردة فى بلادهم. ولما فرغ من القضاء على فتنة المرتدين من «بنى أسد» و «غطفان» و «تميم»، فجاءته أوامر من «أبى بكر» بالتوجه إلى «اليمامة» للقضاء على فتنة «مسيلمة الكذاب». وفى أثناء حروب الردة طارد «المثنى بن حارثة» - أحد قادة المسلمين - المرتدين إلى الشمال، على الساحل الغربى للخليج العربى، فلما وصل إلى حدود «العراق» تكاثرت عليه قوات الفرس، بعد أن رأوا فشل عملائهم من المرتدين فى القضاء على الإسلام فألقوا بثقلهم فى المعارك ضد المسلمين. ولما رأى «المثنى» أنه غير قادر بمن معه على مواجهة القوات الفارسية، أرسل إلى الخليفة يشرح له الموقف، ويطلب منه المدد، فأدرك الخليفة خطورة الموقف، ورأى أن يردع الفرس ويرد عدوانهم، فرماهم بخالد بن الوليد أعظم قواده، وأردفه بعياض بن غنم. وفى المحرم من العام الثانى عشر من الهجرة تحرك «خالد بن الوليد» من «اليمامة»، وكان لايزال بها، بعد أن قضى على فتنة «مسيلمة الكذاب»، وتوجه إلى «العراق». حيث خاض سلسلة من المعارك ضد الفرس فى خلال عدة شهور، فى «ذات السلاسل» و «المذار»، و «الولجة»، و «أليس»، وهذه أسماء الأماكن التى دارت فيها الحروب، وكان النصر حليفه فيها، ثم توَّج انتصاراته بفتح «الحيرة» عاصمة «العراق» فى ذلك الوقت، واستقر بها فى شهر ربيع الأول من العام نفسه، ثم فتح «الأنبار» و «عين التمر» إلى الشمال من «الحيرة»، ثم جاءته أوامر من «أبى بكر» أن يعود إلى «الحيرة» ويستقر بها إلى أن تأتيه أوامر أخرى. وخلاصة القول أنه فى خلال بضعة أشهر نجح «خالد» فى فتح أكثر من نصف «العراق»،وصالح أهله على دفع الجزية، ولم

стр. 2010

يجبر أحدًا على الدخول فى الإسلام».كما تم فتح أجزاء من الشام الجمع الأول للقرآن فى عهد أبى بكر الصديق: فزع «عمر بن الخطاب» لاستشهاد عدد كبير من حفظة القرآن فى حروب الردة، وبخاصة معركة «اليمامة»، فأشار على «أبى بكر» بضرورة جمع القرآن فى مصحف واحد؛ خشية أن يُستشهد عدد آخر من الحفاظ، فيضيع القرآن، أو يدخله تحريف إذا تباعد الزمن بين نزوله وجمعه، كما حدث للكتب السابقة. تردد «أبو بكر» فى بادئ الأمر من اقتراح «عمر»، وقال: «كيف أفعل شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ »، فقال له «عمر»: «أرى والله أنه خير»، فلم يزل «عمر» بأبى بكر حتى قبل، ثم استدعى «أبو بكر» «زيد بن ثابت الأنصارى»، وكلفه بمهمة جمع القرآن، قائلا له: «إنك رجل شاب عاقل، لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحى لرسول الله ﷺ ، فتتبع القرآن فاجمعه»، فقبل «زيد» هذه المهمة الثقيلة، وبدأ فى تتبع القرآن، وجمعه من الرقاع والعظام، والعسب (سعف النخل) التى كان مكتوبًا عليها ومن صدور الرجال، وجعل ذلك فى مصحف واحد. وقد ظل هذا المصحف عند «أبى بكر»، ثم انتقل بعد وفاته إلى «عمر بن الخطاب»، ثم انتقل بعد وفاته إلى ابنته أم المؤمنين «حفصة»، وفى عهد «عثمان» دعت الضرورة إلى جمع الناس على قراءة واحدة، فأخذه «عثمان» منها، ونسخ منه عدة نسخ ووزعها على الأمصار. وهكذا توَّج «أبو بكر الصديق» أعماله الجليلة بجمع القرآن. وفاة أبى بكر الصديق: قضى «أبو بكر» فى الخلافة سنتين وثلاثة أشهر وعشرة أيام قام فيها بجلائل الأعمال، ونهض بمسئولية قيادة الدولة على خير وجه، وعاش حياته للإسلام وللمسلمين، ووهب حياته لخدمة رعيته، والدفاع عن عقيدتها، دون أن يأخذ أجرًا على تحمله تبعات هذا المنصب الجليل، منصب الخليفة، وعاش مثل بقية رعيته دون أن يمتاز عنهم فى مسكن أو ملبس، بل إنه رد ما خصصه له كبار الصحابة من راتب ضئيل، كى يترك التجارة ويتفرغ لمنصبه.

стр. 2011

وفى أواخر شهر جمادى الآخرة من العام الثالث عشر للهجرة، فاضت روح «أبى بكر» إلى بارئها بعد مرض استمر أسبوعين، كان سببه الحمى، وتولى بعده الفاروق «عمر بن الخطاب».

стр. 2012

* عمر بن الخطاب هو «عمر بن الخطاب بن نُفيل بن عبد العُزى بن رباح» وأمه «حنتمة بنت هشام بن المغيرة». أسلم فى العام الخامس من البعثة، وعمره سبع وعشرون سنة، بعد أربعين رجلا، وإحدى عشرة امرأة، أسلموا قبله، وكان قبل إسلامه معاديًا للإسلام شديدًا فى عداوته، لكن الله شرح صدره للإسلام استجابة لدعاء النبى ﷺ له: «اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب». وعُرف «عمر بن الخطاب» بشخصية قوية، وإرادة لا تلين، وحزم وعزم فى الأمور، وهيبة فى القلوب، وكان سفير «قريش» فى الجاهلية، وهى مهمة تحتاج إلى علم وعقل، وكياسة وحسن تصرف. عمل «عمر» فى بداية نشأته بالرعى، ثم عمل فى التجارة إلى الشام وإلى «اليمن»، وكان يحرص على مقابلة ذوى الشأن فى تلك البلاد؛ ليزداد علمًا وخبرة بالحياة، وكان واحدًا من سبعة عشر رجلا من «قريش» يعرفون القراءة والكتابة فى «مكة». واشتهر «عمر بن الخطاب» أنه كان قوى البنية، طويل القامة، إذا مشى بين الناس أشرف عليهم، كأنه راكب على دابته، أبيض اللون تعلوه حمرة، جهورى الصوت، قليل الضحك، لا يمازح أحدًا، مقبلا على شأنه. أما صفاته الأخلاقية فهى «الإحساس الكامل بالمسئولية، والشدة والفراسة، والعدل والهيبة، وواضح أن هذه الصفات هى نتاج عوامل كثيرة متنوعة، مثل نشأة «عمر» الأولى وثقافته، والقيم التى غرسها الإسلام فى نفسه. أما إحساس «عمر» الكامل بمسئوليته قِبَل الرَّعية، فذلك ما لاحاجة بنا إلى التدليل عليه، ويمكن إرجاعه إلى النزعة الدينية التى ملكت عليه شغاف نفسه، والتى شهد له بها الجميع، وعلى رأسهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فالعقيدة وحدها هى التى تبلغ بالمرء هذا المستوى القدسى، وهى التى تجعل الإنسان رقيبًا على نفسه فى جميع حركاته وسكناته، ولن تغنى عنها أية رقابة أخرى». احتل «عمر بن الخطاب» منذ أن أسلم المكانة التالية لمكانة

стр. 2013

«أبى بكر الصديق» عند النبى ﷺ ، لصفاته العالية التى سبق أن ذكرنا بعضها، ولدعوة النبى - صلى الله عليه وسلم - أن يُعز الله الإسلام بعمر بن الخطاب، وكانت دعوة ناشئة عن معرفة دقيقة بخصائص الرجل الذى سيكون ثالث ثلاثة فى الإسلام قدرًا ومنزلة. وعلى أية حال فإن أخلاق «عمر» وصفاته مهما تكن لم تكن لتبلغ به ما بلغ من المكانة العالية والقدر الرفيع إلا بإسلامه وبصلته برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، الذى تعهده بالتربية والرعاية، وأفسح لمواهبه أن تنطلق إلى أفاق عالية، لتؤدى دورها الخلاق لا فى تاريخ الإسلام فحسب، بل فى تاريخ البشرية، وليكون صاحبها واحدًا من عظماء الدنيا، وقد وضعه الكاتب الأمريكى «مايكل هارت» بين الخالدين المائة فى التاريخ الإنسانى كله. ومنذ أن أسلم «عمر بن الخطاب»، وهو من أكثر الصحابة ملازمة للنبى - صلى الله عليه وسلم -، حتى إن الصحابة أطلقوا عليه وعلى أبى بكر الصديق: وزيرَى محمد. واشتهر «عمر» دون غيره من الصحابة بمواقف كثيرة، كان يناقش النبى ﷺ فيها ويعترض عليه فى صراحة، مثل: موقفه من أسرى «بدر»، و «صلح الحديبية» والصلاة على «عبد الله بن أبى بن سلول» رأس النفاق، ولم يكن النبى ﷺ يضيق بذلك، بل يسمع برحابة صدر وسعة أفق، ويشجع «عمر» وغيره على إبداء آرائهم دون خوف أو وجل، يعلمهم بذلك حرية الرأى، والمشاركة فى صنع القرار. وكثير من تلك الآراء التى عارض فيها النبى ﷺ نزل القرآن مؤيدًا لها لفرط إخلاصه لدينه، وشفافية روحه، وقد عدَّ العلماء نحو عشرين موقفًا من هذا القبيل منها: تحريم الخمر، وضرب الحجاب على زوجات النبى ﷺ . وقد وردت أحاديث كثيرة فى فضل «عمر»، منها قوله ﷺ : «إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه». أراد «الصديق أبو بكر» أن

стр. 2014

يختار المسلمون خليفتهم بأنفسهم دون قيد، وبإرادتهم الحرة بلا تدخل، فقال لهم وهو على فراش المرض: «إنى قد نزل بى ما ترون، ولا أظننى إلا ميتًا لما بى من المرض، وقد أطلق الله أيمانكم من بيعتى، وحلَّ عنكم عقدتى، ورد عليكم أمركم، فأمروا عليكم من أحببتم، فإنكم إن أمّرتم فى حياة منى كان أجدر ألا تختلفوا بعدى». لكنهم طلبوا منه أن يرشح لهم من يراه أهلا لتولى الخلافة بعده، وأقدر على تحمل تبعاتها الجسام، فقبل ذلك، وطلب منهم مهلة حتى ينظر لله ولدينه ولعباده، وبعد تفكير عميق، واستشارة لكبار الصحابة مثل: «عثمان بن عفان» و «على بن أبى طالب» و «عبدالرحمن بن عوف» استقر رأيه على «عمر بن الخطاب». ولم يكن ترشيح كبار الصحابة «عمر بن الخطاب» للخلافة وتزكيتهم له، بعد «أبى بكر» غريبًا أو مفاجأة، فهم يعرفون قدره ومنزلته، وقد سبق أن ذكرنا تقديم النبى ﷺ «أبا بكر» ليؤم الناس فى الصلاة، ورفضه أن يقوم بهذا «عمر بن الخطاب»، فلما تأخر «أبو بكر» يومًا عن الصلاة، قدَّم «بلال» «عمر بن الخطاب» اجتهادًا منه ليؤم الناس، فلما سمع الرسول «عمر» يقيم الصلاة رفض ذلك، وقال «أين أبو بكر؛ يأبى الله ذلك والمسلمون». وعلى الرغم من ذلك فإن هذا التصرف التلقائى من «بلال» يدل على أن الصحابة كانوا يعلمون أن أفضل الناس بعد «أبى بكر الصديق» هو «عمر بن الخطاب». ولم يعترض على ترشيح «عمر» للخلافة إلا عدد قليل من كبار الصحابة، وعللوا ذلك بغلظته وشدته، لكن «أبا بكر» طمأنهم وبين لهم أن ما يجدونه من شدته، إنما هو لله وفى الله، وإنه يشتد لأنه يرانى أحيانًا لينًا، حتى يحدث نوعًا من التعادل، وأنه لو أفضى الأمر - أى الخلافة - إليه لترك كثيرًا مما هو فيه. ولا يقلل هذا الاعتراض من سداد رأى «أبى بكر» فى «عمر»، ولا من شأن «عمر» نفسه، بل يدل ذلك على حرية الرأى تجاه الشخصية التى ستلى أمر الخلافة، فلن يضير «عمر»

стр. 2015

أن نفرًا من ذوى الرأى لم يؤيدوا ترشيحه، بل يكفيه أن أغلب الصحابة أجمعوا على تزكيته، ورضوا به لهذا المنصب الجليل، وهذا ما تسير عليه الآن الأمم الحرة فى اختيار حكامها، فالإجماع ليس شرطًا ضروريًا فى اختيار الحاكم. اطمأنت نفس «أبى بكر الصديق» بعد أن استشار كبار الصحابة إلى اختيار «عمر بن الخطاب» خليفة من بعده، فأشرف على الناس وهو مريض، وقال: «أترضون بمن أستخلف عليكم؟، فإنى والله ما آلوت من جهد الرأى، ولا وليت ذا قربة، وإنى قد وليت عليكم عمر بن الخطاب، فاسمعوا له وأطيعوا» فقالوا: سمعنا وأطعنا. بايع المسلمون «عمر بن الخطاب»، وبذا أصبحت خلافته شرعية. وبعد الفراغ من دفن «أبى بكر الصديق» صعد «عمر بن الخطاب» منبر رسول الله ﷺ ، ووقف على درجة أدنى من الدرجة التى كان يقف عليها «أبو بكر الصديق»، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبى ﷺ ، وذكر «أبا بكر» - رضى الله عنه - بكل خير، وقال: «أيها الناس ما أنا إلا رجل منكم، ولولا أنى كرهت أن أرد أمر خليفة رسول الله ما تقلدت أمركم»، فأثنى المسلمون عليه خيرًا، وزاد ثناؤهم حين رأوه يرفع بصره إلى السماء ويقول: «اللهم إنى غليظ فليِّنِّى، اللهم إنى ضعيف فقونى، اللهم إنى بخيل فسخِّنى». وفى اليوم التالى لتوليه الخلافة خطب خطبة أخرى، أراد أن يوضح فيها طريقته فى الحكم، ويزيل ما قد علق فى نفوسهم من خوفٍ من شدته التى صرحوا بها لأبى بكر حين رشحه للخلافة، فقال: «بلغنى أن الناس هابوا شدتى وخافوا غلظتى، وقالوا: كان عمر يشتد علينا ورسول الله بين أظهرنا، ثم اشتد علينا وأبو بكر والينا دونه، فكيف وقد صارت الأمور إليه؟ ومن قال ذلك فقد صدق .. إننى كنت مع رسول الله فكنت عبده وخادمه، وكان من لا يبلغ أحد صفته من اللين والرحمة، وكان كما قال الله تعالى بالمؤمنين رءوفًا رحيمًا، فكنت بين يديه سيفًا مسلولا،

стр. 2016

حتى يغمدنى أو يدعنى فأمضى، فلم أزل مع رسول الله حتى توفاه الله، وهو عنى راضٍ، والحمد لله كثيرًا، وأنا به أسعد، ثم ولى أمر المسلمين أبو بكر، فكان من لا تنكرون دعته وكرمه ولينه، فكنت خادمه وعونه، أخلط شدتى بلينه، فأكون سيفًا مسلولا، حتى يغمدنى أو يدعنى فأمضى، فلم أزل معه كذلك حتى قبضه الله ، وهو عنى راضٍ، فالحمد لله على ذلك كثيرًا، وأنا به أسعد، ثم إنى وليت أموركم أيها الناس، فاعلموا أن تلك الشدة قد أضعفت - أى زادت - فارتعد بعضهم من الخوف لكنه طمأنهم فقال: ولكنها إنما تكون على أهل الظلم والتعدى على المسلمين، فأما أهل السلامة والقصد - أى الاعتدال - فأنا ألين لهم من بعضهم على بعض، ولست أدع أحدًا يظلم أحدًا أو يتعدى عليه حتى أضع خده على الأرض، وأضع قدمى على الخد الآخر، حتى يذعن بالحق، وإنى بعد شدتى تلك أضع خدى على الأرض لأهل العفاف وأهل الكفاف، ولكم على أيها الناس خصال أذكرها لكم، فخذونى بها، لكم على ألا أجبى شيئًا من خراجكم، ولا ما أفاء الله عليكم إلا من وجهه، ولكم على إذا وقع فى يدى ألا يخرج منى إلا فى حقه، ولكم على أن أزيد عطاياكم وأرزاقكم إن شاء الله - تعالى - وأسد ثغوركم، ولكم على ألا ألقيكم فى المهالك، وإذا غبتم فى البعوث فأنا أبو العيال - أى يرعاهم - فاتقوا الله عباد الله وأعينونى على أنفسكم بكفها عنى، وأعينونى على نفسى بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وإحضارى النصيحة فيما ولانى الله من أمركم، أقول قولى هذا وأستغفر الله لى ولكم». فى خلال السنوات العشر التى تولى «عمر» فيها الخلافة (١٣ - ٢٣هـ) امتدت حدود الدولة الإسلامية من ولاية «برقة» - فى «ليبيا» حاليًا - غربًا إلى نهر «جيحون» شرقًا، ومن بحر «قزوين» فى الشمال إلى «المحيط الهندى» فى الجنوب. وقد حار المؤرخون فى تفسير نجاح هذه الفتوحات، وتعليل أسبابها، فقد أذهلهم أن

стр. 2017

العرب الذين كانوا قبل دخولهم الإسلام قليلى الشأن، لا حول لهم ولا قوة، ولا يأبه بهم أحد ولا يحسب لهم حساب، هم فى سنوات قليلة ينجحون فى إزالة الإمبراطورية الفارسية كلها، وهى التى وقفت ندًا للإغريق والرومان نحو ألف سنة، وفى فتح الشام، و «مصر» وهما أعظم ولايات الدولة البيزنطية وأكثرها غنى فى الشرق بعد إنزال هزائم قاسية بجيوشها فى «اليرموك» وغيرها. وسبب حيرة هؤلاء المؤرخين أنهم يربطون عادة بين الانتصارات والهزائم فى الحروب، وبين أعداد الجيوش المتحاربة وما معها من عدة وأسلحة، ولما كان المسلمون أقل عددًا وعتادًا على نحو لا يقارن بما كان عند الفرس والروم، راحوا يبحثون عن أسباب أخرى غير قضية العدد والأسلحة، وذهبوا فى ذلك مذاهب شتى. ذهب بعضهم إلى القول بأن المسلمين واجهوا دولتى الفرس والروم، وهما فى حالة ضعف وانهيار بعد الحروب الطويلة التى دامت بينهما، وانتصروا عليهما بسهولة وفى وقت قصير. غير أن هذا التفسير بعيد عن الواقع ومخالف للحقيقة، فالمعارك التى دارت فى «القادسية» و «نهاوند» و «اليرموك» لا تؤيد هذا التعليل؛ لأنها كانت معارك كبيرة، ولم تكن جيوش الفرس والروم فيها ضعيفة، وهى لم تهزم أمام المسلمين لضعف قوتها المادية من الرجال والأسلحة، ولكن لأن معنويات أفرادها كانت منحطة إلى أبعد الحدود، فى حين كانت معنويات المسلمين عالية، ويعرفون الهدف الذى يحاربون من أجله، وكان الموت أحب إليهم من الحياة. وهذا هو السبب الرئيسى فى انتصاراتهم الذى نسيه الكتاب الغربيون أو تناسوه، فمنبع هذه القوة وسبب هذا الانقلاب العظيم الذى لا يوجد له مثيل فى التاريخ أن العرب أصبحوا بفضل رسالة الإسلام أصحاب دين ورسالة، فبعثوا بعثًا جديدًا، وخُلقوا من جديد، وعلموا أن الله قد ابتعثهم ليخرجوا الناس من الظلمات إلى النور، ومن عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها،

стр. 2018

ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، .. وعرفوا أن الله قد ضمن لهم النصر ووعدهم الفتح، فوثقوا بنصر الله ووعد رسوله، واستهانوا بالقلة والكثرة، واستخفوا بالمخاوف والأخطار. وفى ذلك قال المؤرخون: «لما أقبل خالد بن الوليد من العراق، ليتولى قيادة الجيوش فى الشام لحرب الروم، قال رجل من نصارى العرب أمامه: ما أكثر الروم وأقل المسلمين، فنهره خالد، وقال له: ويحك بل قل: ما أكثر المسلمين وأقل الروم إن الجيوش تكثر بالنصر وتقل بالهزيمة لا بعدد الرجال». وهذه الحقيقة عرفها أعداؤهم حتى إن هرقل لما انتهى إليه خبر زحف المسلمين وانتصاراتهم، قال وكان عندئذٍ موجودًا فى حمص: «ويحكم إن هؤلاء أهل دين جديد، وإنهم لا قبل لأحد بهم، فأطيعونى وصالحوهم على نصف خراج الشام، ويبقى لكم جبال الروم، وإن أنتم أبيتم ذلك أخذوا منكم الشام، وضيقوا عليكم جبال الروم». لقد ترتب على الفتوحات الإسلامية نتائج وآثار بعيدة المدى فى تاريخ العالم، وإذا ما قورنت بغيرها - مثل فتوحات «الإسكندر» قبلها، وفتوحات المغول بعدها - فإن تلك المقارنة تظهر عظمة المسلمين، وأن فتوحاتهم كانت أكثر الفتوحات فى العالم خيرًا وبركة، ففتوحات «الإسكندر» وامبراطوريته التى شادها فى الشرق انهارت وتمزقت أوصالها بعد وفاته مباشرة، وأصبحت ذكرى من ذكريات التاريخ، أما غزوات المغول التى لم يعرف لها تاريخ العالم مثيلا من قبل فى همجيتها ووحشيتها، فقد دمرت معظم العالم الإسلامى فى الشرق بما كان فيه من حضارة مزدهرة، ولم يوقف زحفها المدمر سوى الجيش المصرى فى معركة «عين جالوت» سنة (٦٥٨هـ). وهذه الغزوات المغولية البربرية كان يمكن أن ينساها التاريخ أو يذكرها باعتبارها عملا بربريا ألم بالإنسانية فى مسيرتها الطويلة، لولا أن الله - تعالى - أدرك برحمته الواسعة هذه الجموع الوحشية وهداها إلى دينه، فأسلم أغلب المغول، وأظلهم الإسلام بحضارته،

стр. 2019

وحولهم من قوة مدمرة إلى طاقة خيرة، ومن أعداء مهاجمين إلى أتباع مدافعين، بل مشاركين فى صنع الحضارة الإسلامية. تجلت عبقرية «عمر بن الخطاب» أعظم ما تجلت فى ميادين الإدارة، فقد ضبط نظم الدولة الإسلامية، وكانت مترامية الأطراف، وأحكم إدارتها بمقدرة فائقة تثير الدهشة والإعجاب، فى وقت كانت فيه وسائل الاتصال بطيئة تمامًا. ويصعب على أى باحث أن يحيط بالجوانب الإدارية عند «عمر بن الخطاب»، ولذا سنتعرض لبعض منها: أولا: عمر واختيار الولاة: استعان «عمر بن الخطاب» برجال يديرون شئون الولايات البعيدة عنه، أما القريبة منه فكان يديرها بنفسه، وكان يقول: «ما يحضرنى من أموركم لا ينظر فيه أحد غيرى، أما ما بعد عنى فسوف أجتهد فى توليته أهل الدين والصلاح والتقوى، ثم لا أكتفى بذلك، بل لابد من متابعتهم؛ لأعرف هل يقومون بالعدل بين الناس أم لا؟». وكان لعمر بن الخطاب طريقة فى اختيار ولاته، فلم يكن يستعمل أحدًا من أهل بيته، وقلما استعمل كبار الصحابة على الأمصار، بل استبقاهم معه فى «المدينة» ليعينوه فى شئون الدولة، ويقدموا له المشورة، ومن أهم شروط «عمر» فى الوالى: - القوة والأمانة: والمقصود بالقوة قوة الدين، وقوة الإرادة والحزم فى الأمور، ومن أقواله المأثورة: «إنى لأتحرج أن أستعمل الرجل وأنا أجد أقوى منه»، ولذا فقد عزل «شرحبيل بن حسنة» عن «الأردن»، و «عمير بن سعد» عن «حمص»، وضم ولايتهما إلى «معاوية بن أبى سفيان»، وكان المعزولان أسبق إسلامًا من «معاوية» وأفضل، فلما كلمه الناس فى ذلك قال إنه لم يعزلهما عن سخط أو خيانة، ولكنه كان يريد رجلا أقوى من الرجل. - الهيبة مع التواضع: أدرك «عمر بن الخطاب» حاجة ولى الأمر إلى الهيبة واحترام الناس، حتى يستطيع أن يقودهم، ولكن لا ينبغى لها أن تتجاوز الحد لتصبح تسلطًا وتعاليًا، وكان يقول: «أريد رجلا - أى واليًا - إذا كان فى القوم وليس أميرهم، كان كأنه

стр. 2020

أميرهم، وإذا كان أميرهم كان كأنه واحد منهم». - الرحمة بالناس: كان «عمر» يختار للولاية من اشتهر بالرحمة ولين الجانب وحب الخير للناس، وحين كان يولى أحدًا يكتب له كتاب تولية، ويشهد عليه بعض الصحابة، ويشترط عليه ألا يظلم أحدًا فى جسده ولا فى ماله، ومن وصاياه لعماله: «ألا وإنى لم أبعثكم أمراء ولا جبارين، ولكن بعثتكم أئمة الهدى، يهتدى بكم فادرءوا على المسلمين حقوقهم، ولا تضربوهم فتذلوهم، ولاتغلقوا الأبواب دونهم، فيأكل قويهم ضعيفهم، ولا تستأثروا عليهم فتظلموهم، ولا تجهلوا عليهم». ثانيًا: قواعد العمل بالنسبة إلى العمال والولاة: لم يكن «عمر» يقنع بحسن اختيار الولاة وفق شروطه، وإنما كان يحدد لهم أسلوب العمل، والقواعد التى يسيرون عليها، إما فى صورة خاصة محددة كما كان يحدث فى عهد الولاية، وإما فى توجيهات عامة كما فى المؤتمرات التى كان يعقدها للعمال والولاة، وبخاصة فى موسم الحج. ثالثًا: المتابعة: فطن «عمر بن الخطاب» إلى فاعلية المتابعة، وأثرها فى حسن سير الإدارة، ولذا لم يكتفِ بالتدقيق فى اختيار الولاة، وإنما وضع عليهم العيون والأرصاد، يحصون عليهم حركاتهم وسكناتهم، ويسجلون أعمالهم وينقلونها إلى الخليفة فور وقوعها، لأنه أدرك أن الخطأ قد يقع بدون قصد، وأن الانحراف لا يبدأ كبيرًا، وأن كل شىء يمكن وقفه فى أوله قبل استفحاله، عملا بالحكمة الخالدة: «الوقاية خير من العلاج». رابعًا: سياسة الباب المفتوح: أدرك «عمر بن الخطاب» أن آفة الإدارة فى كل عصر هى احتجاب كبار المسئولين عن أصحاب الحاجات فتضيع مصالح الناس أو تتعطل، ولذا لم يكن يتهاون مع أى أمير أو والٍ يسمع أنه يحتجب عن الناس مهما يكن شأنه، وحين بلغه أن «سعد بن أبى وقاص» قد بنى بيتًا فى «الكوفة» من طابقين، وسماه الناس قصر «سعد»، لأن بقية البيوت كانت من طابق واحد، وأنه اتخذ لمكانه الذى يباشر منه أعمال الولاية

стр. 2021

بابًا، أرسل إليه «محمد بن مسلمة الأنصارى»، وكان مبعوث «عمر» فى المهمات الكبيرة، وأمره أن يحرق ذلك الباب الذى يحول بين الأمير وبين الناس، وأن يقدم بسعد معه، فلما قدم عليه وبخه ولم يقبل اعتذاره بأن داره قريبة من السوق وأنه كان يتضايق من ارتفاع أصوات الناس وجلبتهم، ثم رده إلى عمله بعد أن أكد عليه ألا يعود إلى مثل هذا أبدًا. خامسًا: المؤتمرات العامة: ابتكر «عمر» عقد المؤتمرات العامة لمناقشة أمور الدولة، حتى يتيح لأكبر عدد من المسلمين المشاركة فى صنع السياسة والقرار بالحوار والمشاورة، فاهتدى إلى استثمار مناسبة الحج، وتجمع الناس فى البلد الحرام، وقرر أن يحج كل عام، عدا السنة الأولى من خلافته، وأن يحج معه كل ولاة الأمصار، وهناك يدور النقاش والحساب مع الولاة عما صنعوا فى عامهم الذى مضى، وما ينوون عمله فى العام القادم، وفوق ذلك تكون تقارير عيونه بين يديه قبل مجىء الولاة، بحيث تكون أمورهم كلها واضحة، ولا يستطيع أحد منهم أن ينكر شيئًا، ولما كانوا يعرفون ذلك فإنهم حرصوا على أن تكون سجلات أعمالهم نظيفة، فالخليفة لا يتهاون فى حساب المقصر أو من تثبت عليه مخالفة لشرع الله. سادسًا: محاسبة الولاة والأمراء: دأب «عمر بن الخطاب» على محاسبة كل والٍ مقصر، أو من يشتبه أنه قصر فى عمله، لا يمنعه من ذلك كون الوالى كبير القدر أوصاحب سابقة فى الإسلام، وقلما نجا والٍ من ولاته من المحاسبة، وإذا كان الجرم صغيرًا يمكن إصلاحه؛ اكتفى بالتوبيخ، ورد الوالى إلى عمله كما فعل مع «سعد بن أبى وقاص»، أما إذا كان الجرم كبيرًا من وجهة نظره؛ فإنه يأمر بعزل الأمير على الفور، ومن أشهر إجراءاته فى هذا المجال: عزله «خالد بن الوليد» حين علم بأنه أعطى «الأشعث بن قيس» عشرة آلاف درهم، فساورته شكوك فى أن من يعطى عشرة آلاف مرة واحدة لرجل واحد، كم يكون لديه؟ فأمر «أبا عبيدة بن الجراح» أمير الأمراء فى الشام

стр. 2022

بمحاكمة «خالد» ومقاسمته ماله، فامتثل «خالد» لهذا العزل كما امتثل من قبل للعزل الأول عن القيادة العامة. ولم يكن «عمر» يقصد بهذا التصرف الإساءة إلى «خالد» قط، وإنما كان يريد أن يعلم الجميع أن الإسلام فوقهم، وليس هناك استثناء لمخالف، ولو كان قائدًا عظيمًا فى مكانة «خالد». سابعًا: القدوة الحسنة: أدرك «عمر» أثر القدوة فى سياسة الناس، وأن عليه أن يعلم الناس بأعماله قبل أن يعلمهم بأقواله. وكثيرًا ما كان يردد للناس قوله: «سأسوكم بالأعمال وليس بالأقوال»، وأن الرعية مؤدية إلى الإمام ما أدى الإمام إلى الله، فإن رتع الإمام رتعوا. وكان «عمر» قدوة فى حياته الخاصة، يعيش كما يعيش عامة الناس دون تميز، وحين فرضوا له عطاءً (راتبًا) من بيت مال المسلمين، ليعول منه أسرته قدروا له راتبًا يمكنه من معيشة رجل من أوسط الناس، لا أغناهم ولا أفقرهم. وفوق ذلك هو يشارك المسلمين ويواسيهم إذا أصابهم ضر، كما حدث فى عام «الرمادة» المشهور سنة (١٨هـ) الذى أصاب الناس فيه مجاعة شديدة فى شبه الجزيرة العربية لقلة الأمطار، فكان يجلب إليهم الأقوات من الأمصار، ويأكل مما يأكله الناس، حتى ساءت صحته، فنصحه بعض أصحابه بأن يحسِّن من طعامه، ليقوى على العمل وإنجاز مصالح المسلمين، لكنه أجاب بقوله: «كيف يعنينى شأن الرعية إذا لم يصبنى ما أصابهم؟». ولا شك أن ما عبر عنه الخليفة «عمر» هو مفتاح الحكم الصالح فى كل عصر وزمان فيوم يحس الحاكم بإحساس شعبه فسوف يستقيم الحكم، وينصلح حال الرعية، ويوم ينفصل الحاكم عن شعبه، وتكون له حياته الخاصة، فحينئذٍ ينفتح باب الفساد. وقد حرص «عمر» على أن يجعل من أبنائه وأهله قدوة كذلك، فأخذهم بما أخذ به نفسه، لأنه الناس ينظرون إليهم، وكان يقول لهم إذا عزم على أمر يهم المسلمين: «لقد عزمت على كذا وكذا، أو نهيت الناس عن كذا وكذا، وأقسم بالله لو خالفنى أحد منكم لأضاعفن له العقوبة». بهذه

стр. 2023

الإجراءات حصن «عمر» نفسه وأولاده وكل من يلوذون به ضد أية انحرافات أو إغراءات، فأطاعه المسلمون وأحبوه سواء أكانوا أمراء أم من عامة الناس، ولم يعرف التاريخ رجلا بعد رسول الله ﷺ و «أبى بكر الصديق» أطاعه كبار الأمراء وصغارهم كما أطاعوا «عمر بن الخطاب»، لا لهيبته فى عيونهم فحسب، بل للقدوة الحسنة فى حياته وانضباطه الشديد، ولهذا كله احتل مكانة عالية فى التاريخ الإنسانى. لم ترتبط صفة من صفات «عمر» الكثيرة باسمه كما ارتبطت به صفة العدل، فإذا ذُكر «عمر» ذكر الناس عدله، الذى كان لا يفرِّق بين قريب وبعيد، أو كبير وصغير، أو صديق وعدو، والأخبار المتواترة فى ذلك أكثر من أن تحصى، ولعل قصته مع «أبى مريم السلولى» قاتل أخيه «زيد» فى معركة «اليمامة» أصدق مثال على تجرده فى عدله، وعدم خلطه بين عواطفه ومسئولياته باعتباره حاكمًا يُجرى العدل بين الناس. فحين قابل «عمر» - وهو خليفة - قاتل أخيه بعد أن أسلم، قال له: أأنت قاتل «زيد بن الخطاب»؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: والله لا أحبك أبدًا، فقال «أبو مريم»: أو تمنعنى بذلك حقا لى، قال: لا. قال: إذًا يا أمير المؤمنين إنما يأسى على الحب النساء. يريد أنه مادام لا يظلمه الخليفة فلا يعنيه أحبه أم كرهه، لأن النساء هن اللائى يأسفن على الحب. ولا لوم على «عمر» فى التعبير عن عواطفه التى لا يملكها تجاه قاتل أخيه، فقد ورد أن النبى ﷺ قال لوحشى قاتل عمه «حمزة بن عبدالمطلب» حين رآه بعدما أسلم: «غيِّب وجهك عنى يا وحشى لا أراك». ولكن للقصة دلالة على ضبط النفس والتجرد المطلق لعمر ابن الخطاب، فلم يحمله غضبه من قاتل أخيه على ظلمه. وامتد عدل «عمر» ليشمل كل من يعيش على أرض الإسلام، سواء أكانوا مسلمين أم غير مسلمين، فحين رأى يهوديا يتسول أحزنه ذلك. وأخذ الرجل من يده، وأعطاه معونة عاجلة من بيت

стр. 2024

الدقيق (٨)، وأمر له براتب دائم من بيت مال المسلمين. إحساسه بالمسئولية: بلغ من شدة إحساس «عمر» بالمسئولية أنه لم يكتفِ بأن يكون مسئولا عن حياة البشر الذين يعيشون فى دولته، بل مسئولا عن البهائم والدواب أيضًا. وذلك فى مقولته الشهيرة: «والله لو أن بغلة عثرت بشط الفرات لكنت مسئولا عنها أمام الله، لماذا لم أعبد - أسوى - لها الطريق». وأعمال «عمر» العظيمة من الفتوحات واستكمال بناء الدولة ومؤسساتها لم تشغله عن متابعة أحوال الناس وتفقدها؛ ليقف على أوجه النقص ليتلافاها أولا بأول، فكان كثير الطواف ليلا بالمدينة، وسمع ذات ليلة طفلا يبكى بكاء مستمرا، فسأل عن أمره، فعرف أن أمه منعت عنه الرضاع، لأنه لا يُفرض عطاء من بيت المال إلا للأطفال المفطومين، فانزعج «عمر»، وأصدر أوامره أن يفرض عطاء لكل مولود فى الإسلام، ونادى مناديه: لا تعجلوا فطام أولادكم. وحوادث «عمر» التى من هذا القبيل كثيرة، وقد يظنها بعض الناس أنها من المبالغات، ولكنها متواترة فى المصادر التى أرَّخت لعمر وعصره، فمن يصدق أن خليفة المسلمين يأخذ امرأته «أم كلثوم بنت على بن أبى طالب» ومعها كل ما تحتاج إليه عملية ولادة، لمساعدة امرأة غريبة جاءها المخاض، فيشترك هو معها فى الإشراف على ولادتها؛ وصنع الطعام لها، ولما أنجز مهمته، قال لزوج المرأة: «إذا كان الغد فأتنا نأمر لك بما يصلحك»، ففعل الرجل فأجازه وأعطاه. عمر والقضاء: عندما بويع «أبو بكر» بالخلافة شكى لعمر من كثرة أعبائها وخوفه من عدم النهوض بكل مسئولياتها، فقال له «عمر»: «أنا أكفيك القضاء وأبو عبيدة يكفيك الأموال»، ومعنى ذلك أن «عمر» كان قاضيًا لأبى بكر. وفى عهد «عمر» اتسعت الدولة، واحتاج كل إقليم إلى قاضٍ، فعين «عمر» القضاة وكان يدقق فى اختيارهم، فعين: «شريح بن الحارث الكندى» على قضاء «الكوفة»، و «أبا الدرداء» على قضاء الشام، و «عثمان بن

стр. 2025

قيس» على قضاء «مصر». ولم يكن «عمر» فى حاجة إلى سن قوانين للقضاة، لأنهم يحكمون طبقًا لكتاب الله وسنة رسوله، ولكنه كان فى حاجة إلى تعليمهم كيف يتصرفون حين يلتبس الأمر عليهم، وقد كتب لأحدهم يقول له: «فإن جاءك أمر ليس فى كتاب الله ولم تكن فيه سنة من رسول الله، ولم يتكلم فيه أحد قبلك، فاختر أى الأمرين شئتَ، إن شئتَ أن تجتهد رأيك وتقدِّم فتقدم، وإن شئتَ أن تأخَّر فتأخر». ومن أعظم وصاياه للقضاة وصيته لأبى موسى الأشعرى، ومما جاء فيها: «آس - أى سوِّ بين الناس فى مجلسك ووجهك - حتى لا يطمع شريف فى حيفك - ظلمك - ولا ييأس ضعيف من عدلك، والبينة على من ادعى واليمين على من أنكر، والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا حرَّم حلالا أو حلل حرامًا .. ». إصلاحات عمر بن الخطاب وإنشاءاته: لعمر بن الخطاب كثير من الإصلاحات والإنشاءات التى لم يُسبق إليها، وسماها مؤرخو سيرته «أوليات عمر»، فهو أول من سُمى أمير المؤمنين، وأول من اتخذ حادث الهجرة مبدأ التاريخ للدولة الإسلامية، بعد أن استشار فى ذلك كبار الصحابة، وهو أول من اتخذ بيت المال، وهو يشبه خزانة الدولة، وأول من مصَّر الأمصار ، أى بنى مدنًا جديدة كالبصرة و «الكوفة» فى «العراق»، و «الفسطاط» - حى مصر القديمة حاليا - فى «مصر»، وأول من وسَّع مسجد رسول الله ﷺ ، وأدخل فيه دار «العباس بن عبدالمطلب»، وفرشه بالحصباء، أى الحجارة الصغيرة، وكانوا قبل ذلك يصلون على التراب. وهو أول من دوَّن الدواوين، وهى تشبه الوزارات فى الوقت الحاضر، وقد اقتبس هذا النظام من الفرس والروم، فأنشأ «ديوان العطاء»، وكان مختصًا بالعطاء الذى فرضه «عمر» للمسلمين، وأنشأ «ديوان الجند» - وزارة الدفاع حاليًا - و «ديوان الخراج» - وزارة المالية - و «نظام البريد» الذى كان يُستخدم فى أمور الدولة. ومن أعظم اجتهاداته إبقاؤه الأرض المفتوحة فى أيدى أهلها يزرعونها،

стр. 2026

ويدفعون خراجًا -إيجارًا - للدولة، تنفق منه على الجيش والمرافق العامة، كما أمر بإعادة مسح الأرض - أى قياسها واختبارها - ووضع الخراج المناسب عليها. حسب جودة الأرض. وهو أول من قنن الجزية على أهل الذمة، فوضع على الأغنياء ثمانية وأربعين درهما للفرد الواحد فى السنة، وعلى متوسطى الحال أربعة وعشرين درهمًا، وعلى الفقراء القادرين على الكسب اثنى عشر درهمًا، وأعفى منها الشيوخ والنساء والأطفال ورجال الدين والعاجزين عن الكسب، وقد سبق القول إنه فرض للعاجزين عن الكسب من أهل الذمة عطاءً من بيت المال. وكما ترك «عمر بن الخطاب» الأرض لأهلها يزرعونها؛ ترك معظم الدواوين - وبخاصة «ديوان الخراج» - فى أيدى أبناء البلاد المفتوحة يزاولونها بلغاتها؛ لأنها كما يقول العقاد: «ليست من أسرار الدولة، وليس من الميسور أن ينصرف إليها فتيان العرب عما هو أولى بهم، وهو فرائض الدفاع والجهاد». ولاشك أن ترك تلك الأعمال فى أيدى أبناء البلاد المفتوحة كان مبعث ارتياح لهم، فاطمأنوا للحكم الإسلامى، بل أخذوا يعتنقون الإسلام، ويتعلمون اللغة العربية. استشهاده: فى يوم الأربعاء الموافق ٢٦ من شهر ذى الحجة سنة ٢٣هـ وبينما «عمر بن الخطاب» يسوِّى صفوف المسلمين فى صلاة الفجر كعادته كل يوم، وبدأ ينوى مكبرًا للصلاة، إذا بأبى لؤلؤة المجوسى يسدد للخليفة عدة طعنات بخنجر مسموم، فقطع أمعاءه، وسقط مغشيًا عليه، واضطرب المسلمون فى الصلاة اضطرابًا شديدًا من هول المفاجأة، وأقبلوا على القاتل محاولين القبض عليه، لكنه أخذ يضرب شمالا ويمينًا بدون هدى، فأصاب اثنى عشر من الصحابة، مات ستة منهم، ثم أتاه رجل من خلفه وألقى عليه رداءه وطرحه أرضًا فلما أيقن «أبو لؤلؤة» أنه مقبوض عليه لا محالة، طعن نفسه بالخنجر الذى طعن به أمير المؤمنين، ومات على الفور قبل موت الخليفة نفسه ومات معه السر الخفى الذى

стр. 2027

دفعه إلى هذه الجريمة البشعة. حمل المسلمون الخليفة إلى بيته، وظل فاقد الوعى فترة طويلة، فلما أفاق كان أول سؤال سأله للمسلمين: هل صليتم الصبح؟ قالوا: نعم، قال: الحمد لله، لا إسلام لمن ترك الصلاة، ثم سأل: من الذى قتلنى؟ قالوا: «أبو لؤلؤة» غلام «المغيرة بن شعبة». قال: الحمد لله الذى جعل منيتى على يد رجل كافر، لم يسجد لله سجدة واحدة يحاجنى بها عند الله يوم القيامة. أيقن «عمر بن الخطاب» بعد طعنه أنه لم يبق من عمره سوى ساعات، وكذلك أيقن المسلمون، ولذا ألحوا عليه أن يختار لهم من يخلفه فيهم، فرشَّح لهم ستة من الصحابة، هم بقية العشرة المبشرين بالجنة، يختارون من بينهم واحدًا للخلافة، ومع أن ابن عمه «سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفيل» واحد من العشرة المبشرين بالجنة، فقد استبعده من الترشيح، خوفًا أن يقع عليه الاختيار لقرابته منه، كما استبعد ابنه «عبد الله» من الترشيح تمامًا، بل رد على من اقترح عليه ترشيحه ردا قاسيًا، إبعادًا لشبهة الوراثة عن نظام الحكم الإسلامى، وجعل الأمر فى يد الأمة تختار الأصلح ليتولى أمرها. قال «عمر» لهم: «عليكم هؤلاء الرهط الذين قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إنهم من أهل الجنة، سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل منهم، ولست مدخله فيهم، ولكن الستة، هم: على بن أبى طالب، وعثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وسعد بن أبى وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة بن عبيد الله». واهتم «عمر» وهو فى تلك الحال بأمر دفنه، وطلب أن يُدفن إلى جوار الرسول ﷺ و «أبى بكر الصديق» - رضى الله عنه - فى بيت «عائشة»، لينعم بصحبته فى الآخرة كما نعم بها فى الدنيا، فأرسل ابنه «عبد الله» إلى «عائشة» - رضى الله عنهما - وقال له: قل لها: «عمر» يقرأ عليك السلام ويستأذنك فى أن يُدفن مع صاحبيه، فأتاها «عبد الله» فوجدها تبكى، فسلم عليها، ثم قال لها ما أمره به أبوه، فقالت: «كنت والله أريده

стр. 2028

لنفسى - أى المكان - ولأوثرنه به اليوم على نفسى»، فلما رجع «عبدالله»، وأخبر أباه أن «عائشة» أذنت له، تهلل وجهه، وقال: الحمد لله ماكان شىء أهم إلى من ذلك المضجع. وفى اليوم التالى لطعنه أى يوم الخميس الموافق ٢٧ من ذى الحجة سنة ٢٣هـ فاضت روح «عمر» بعد أن قضى فى الخلافة عشر سنوات وبضعة شهور، وكُفن فى ثلاثة أثواب أسوة بكفن رسول الله، وصلى عليه «صهيب الرومى» -رضى الله عنه - وكان «عمر» قد أمره أن يصلى بالناس بعد طعنه، ودُفن مع رسول الله ﷺ و «أبى بكر الصديق».

стр. 2029

* عثمان بن عفان هو «عثمان بن عفان بن أبى العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف»، ولِد بعد «عام الفيل» بست سنوات (٥٧٦م)، وأمه «أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس»،فعثمان يلتقى فى نسبه من جهة أمه وأبيه مع النبى - صلى الله عليه وسلم - فى «عبدمناف». كان ربعة من الرجال، ليس بالقصير ولا بالطويل، حسن الوجه أبيض مشربًا بحمرة، غزير الشعر يكسو ذراعيه شعر طويل، طويل اللحية، ومن أحسن الناس ثغرًا. أجمعت المصادر التى أرخت له على وصفه بسماحة النفس، ورقة المشاعر، وكان رضى الخلق، كريمًا، شديد الحياء، صوَّامًا قوَّامًا، محبوبًا من الناس فى جاهليته وإسلامه. وتحدث هو عن نفسه فقال: لقد اختبأت لى عند ربى عشرًا، إنى لرابع أربعة فى الإسلام، ولقد ائتمننى رسول الله ﷺ على ابنته - رقية - ثم توفيت، فزوجنى الأخرى - أم كلثوم - ووالله ما سرقت ولا زنيت فى جاهلية ولا إسلام قط ولا تغنيت، ولا تمنيت ولا مسحت فرجى بيمينى منذ بايعت رسول الله، ولقد جمعت القرآن على عهد رسول الله، ولا مرت بى جمعة منذ أسلمت إلا وأنا أعتق فيها رقبة، فإن لم أجد فيها رقبة أعتقت فى التى تليها رقبتين. أسلم «عثمان» مبكرًا، وكان الذى دعاه إلى الإسلام هو «أبو بكر الصديق»، وجاء به إلى رسول الله ﷺ فأسلم على يديه بعد إسلام «أبى بكر» مباشرة، ولذا كان يقول: «إنى لرابع أربعة فى الإسلام بعد «أبى بكر» و «خديجة» و «زيد بن حارثة»، وحرص عثمان على إسلامه أشد الحرص، على الرغم من الضغوط التى تعرض لها، فعندما علم عمه «الحكم بن أبى العاص» بإسلامه أوثقه بالحبال، وقال له: «ترغب عن دين آبائك إلى دين محدث؟ والله لا أدعك حتى تدع ما أنت فيه» فأجابه «عثمان»: «والله لا أدعه أبدًا ولا أفارقه». تزوج «عثمان بن عفان» من ابنتى رسول الله ﷺ ، فتزوج «رقية»، وظلت معه حتى تُوفيت

стр. 2030

يوم انتصار المسلمين فى غزوة «بدر»، ولهذا لم يحضر «عثمان» «بدرًا»، لأن الرسول ﷺ أمره بالبقاء معها لتمريضها، وقد عده النبى ﷺ من البدريين رغم غيابه عن المعركة، وفرض له فى غنائمها، ثم زوجه النبى ﷺ ابنته «أم كلثوم»، ولهذا لُقب بذى النورين، فلما توفيت فى العام التاسع من الهجرة؛ حزن «عُثمان» حزنًا شديدًا؛ لانقطاع مصاهرته للنبى - صلى الله عليه وسلم -، فواساه مواساة رقيقة قائلا: «لو كانت لنا أخرى لزوجناكها يا عثمان». جاهد «عثمان بن عفان» منذ أن أسلم مع النبى ﷺ بماله ونفسه، فهاجر الهجرتين: إلى «الحبشة» وإلى «المدينة»، وصاحبته زوجه رقية بنت النبى ﷺ ، وتحمل كثيرًا من الأذى. بذل «عثمان» ماله فى سبيل الله ونصرة دعوته، وكان من أكثر «قريش» مالا، فاشترى «بئر رومة» باثنى عشر ألف درهم، وجعلها للمسلمين فى «المدينة»، وكانوا يعانون من قلة المياه، وغلاء أسعارها. كما أنفق ماله فى تجهيز الجيوش وبخاصة جيش العسرة فى غزوة «تبوك» فى العام التاسع من الهجرة، فقد جهز وحده ثلث الجيش، وكان عدده نحو ثلاثين ألفًا، فدعا له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بخير، وقال: «ماضر عثمان مافعل بعد اليوم»، قالها مرتين. وشهد «عثمان» المشاهد كلها مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، عدا غزوة «بدر»، فقد تخلف عنها بأمر من النبى ﷺ ، وأرسله النبى إلى «مكة» عام «الحديبية» لمفاوضة «قريش»، بعد اعتذار «عمر بن الخطاب» لرسول الله بقوله: «إنى أخشى على نفسى من «قريش» لشدتى عليها وعداوتى إياها، ولكنى أدلك على رجل أمنع وأقوى بها منى، عثمان بن عفان». ولما أشيع أن «قريشًا» قد قتلت «عثمان»، قال النبى ﷺ : «لو كانوا فعلوها فلن نبرح حتى نناجزهم»، وبايعه أصحابه «بيعة الرضوان» تحت

стр. 2031

الشجرة، وبايع النبى نفسه نيابة عن «عثمان»، وقال: «إن عثمان بن عفان فى حاجة الله وحاجة رسوله» وضرب بإحدى يديه على الأخرى مشيرًا إلى أن هذه بيعة «عثمان»، فكانت يد النبى ﷺ لعثمان خيرًا من أيديهم لأنفسهم. وكان من كُتاب الوحى كما هو معلوم. والأحاديث الواردة فى فضل «عثمان بن عفان» وثناء النبى عليه كثيرة، من ذلك قوله ﷺ : «ألا أستحى من رجل تستحى منه الملائكة؟». وكان عثمان بن عفان قريبًا من الخليفتين، «أبى بكر الصديق» و «عمر بن الخطاب»، وموضع ثقتهما وأحد أركان حكومتهما، ومن كبار مستشاريهما، وكان يكتب لهما، وهو الذى كتب كتاب ولاية العهد من «أبى بكر» إلى «عمر بن الخطاب» - رضى الله عنهما - وترتيب «عثمان» فى الفضل بين الصحابة كترتيبه فى تولِّى الخلافة عند جمهور علماء الأمة. لم يشأ «عمر بن الخطاب» أن يعهد بالخلافة إلى شخص بعينه، وقال: «إن أعهد - يعنى لشخص محدد - فقد عهد من هو خير منى - يقصد أبا بكر عندما عهد إليه هو نفسه - وإن لم أعهد فلم يعهد من هو خير منى - يقصد رسول الله ﷺ حين تركها شورى بين المسلمين». ولعل اجتهاده أدَّاه إلى أن تصرف الرسول و «أبى بكر» يعطى له الفرصة أيضًا أن يختار طريقة أخرى لاختيار من يخلفه، ليثرى بذلك طرق الاختيار، وليرسخ فى أذهان الناس أن أمر اختيار الحاكم منوط دائمًا بالأمة وإرادتها ورضاها، وهى التى تملك محاسبته وعزله إن ارتكب ما يوجب العزل. رشح «عمر بن الخطاب» ستة من الصحابة، ليتولى واحد منهم منصب الخلافة، ولم يأمر أحدًا منهم أن يصلى بالناس إمامًا، حتى لا يظن الناس أنه يميل إليه، بل أمر صهيبًا أن يصلى بالناس، لتكون فرصتهم فى الاختيار متساوية، وشدد على ألا تمضى ثلاثة أيام بعد وفاته إلا ويكون عليهم أمير من هؤلاء الستة يتولى مسئولية الخلافة ويتحمل تبعاتها. وبعد

стр. 2032

أن فرغ المسلمون من دفن «عمر»، شرع المرشحون الستة فى التفاوض، وبعد نقاش طويل اقترح عليهم «عبد الرحمن بن عوف» أن يتنازل عن حقه فى الخلافة. ويتركوا له اختيار الخليفة، فوافقوا على ذلك، فشرع فى معرفة آرائهم واحدًا بعد واحد على انفراد، فرأى أن الأغلبية تميل إلى «عثمان»، ثم أخذ يسأل غيرهم من الصحابة، «فلا يخلو به رجل ذو رأى فيعدل بعثمان». اطمأن «عبد الرحمن» إلى أن الأغلبية تزكى «عثمان بن عفان» فأعلن ذلك على ملأ من الصحابة فى مسجد النبى - صلى الله عليه وسلم -، ولما كان يعلم أن الذى يلى «عثمان» فى المنزلة عند الصحابة، هو «على بن أبى طالب»، الذى مال إليه عدد منهم، فإنه رأى أن يوضح له أن الأغلبية مع «عثمان»، فقال له: «أما بعد ياعلى، فإنى نظرت فى الناس، فلم أرهم يعدلون بعثمان، فلا تجعلن على نفسك سبيلا» - كأنه يحذره من المخالفة- ثم أخذ بيد «عثمان»، فقال: «نبايعك على سنة الله ورسوله، وسنة الخليفتين بعده»، فبايعه «عبد الرحمن»، وبايعه المهاجرون والأنصار؛ ولم يتخلف أحد عن بيعته من الصحابة، وكان ذلك بعد وفاة «عمر» بثلاثة أيام. استقبل «عثمان» بخلافته أول المحرم سنة ٢٤هـ، وصعد المنبر بعد تمام البيعة، وخطبهم قائلا -بعد حمد الله والصلاة على رسوله-: «إنكم فى دار قلعة -أى دار الدنيا - وفى بقية أعمار، فبادروا آجالكم بخير ما تقدرون عليه .. ألا وإن الدنيا طويت على الغرور، فلا تغرنكم الحياة الدنيا، ولا يغرنكم بالله الغرور، اعتبروا بما مضى، ثم جدوا ولا تغفلوا، فإنه لا يغفُل عنكم، أين أبناء الدنيا وإخوانها: الذين أثاروها وعمروها، ومتعوا بها طويلا، ألم تلفظهم؟ ارموا الدنيا حيث رمى الله بها، واطلبوا الآخرة .. ». وأول ما يُلاحظ على الخطبة الأولى، التى افتتح بها «عثمان» خلافته، خلوها من الإشارة إلى المنهج الذى سيسير عليه، ولعله اكتفى بما قاله لعبد الرحمن بن عوف لحظة البيعة، من أنه سيعمل بكتاب الله،

стр. 2033

وسنة نبيه، وسيرة الخليفتين بعده. كتب «عثمان» - رضى الله عنه - فى الأيام الأولى من خلافته عددًا من الكتب إلى الولاة وأمراء الجند، بل وإلى عامة الناس، تتضمن نصائحه وإرشاداته، يقول «الطبرى»: أول كتاب كتبه «عثمان» إلى عماله: «أما بعد فإن الله أمر الأئمة أن يكونوا رعاة - يرعون مصالح الأمة - ولم يتقدم إليهم - أى لم يطلب منهم - أن يكون جباة، وإن صدر هذه الأمة خلقوا دعاة، ولم يخلقوا جباة، وليوشكن أئمتكم أن يصيروا جباة ولا يكونوا دعاة، فإن عادوا كذلك انقطع الحياء والأمانة والوفاء، ألا وإن أعدل السيرة أن تنظروا فى أمور المسلمين فيما عليهم، فتعطوهم مالهم، وتأخذوهم بما عليهم، ثم تثنوا بالذمة، فتعطوهم الذى لهم، وتأخذوهم بالذى عليهم، ثم العدو الذى تنتابون، فاستفتحوا عليهم بالوفاء». وكتب إلى أمراء الأجناد وقادة الجيوش: «أما بعد، فإنكم حماة المسلمين وذادتهم، وقد وضع لكم عمر ما لم يغب عنا، بل كان عن ملإ منا، فلا يبلغنى عن أحد منكم تغيير ولا تبديل، فيغير الله ما بكم، ويستبدل بكم غيركم، فانظروا كيف تكونون، فإنى أنظر فيما ألزمنى الله النظر فيه، والقيام عليه». وكتب إلى عمال الخراج المسئولين عن الشئون المالية: «أما بعد فإن الله خلق الخلق بالحق، ولا يقبل إلا الحق، خذوا الحق، وأعطوا الحق، والأمانة الأمانة، قوموا عليها، ولا تكونوا أول من يسلبها .. والوفاء الوفاء، ولا تظلموا اليتيم ولا المعاهد، فإن الله خصم لمن ظلمهم». وكتب إلى عامة الرعية: «أما بعد فإنكم إنما بلغتم ما بلغتم بالاقتداء والاتباع، فلا تفتنكم الدنيا عن أمركم، فإن أمرهذه الأمة صائر إلى الابتداع بعد اجتماع». وهذه الكتب توضح سياسة «عثمان بن عفان» العامة، التى كان يتوخى أن يتبعها عماله وولاته فى إدارة شئون الأمة، وهى سياسة طابعها الرفق بالرعية، والسهر على مصالحها، والإنصاف فى جمع الخراج، وإيصال الحقوق إلى أصحابها، والإحسان إلى

стр. 2034

أهل الذمة، ورعاية جميع طوائف الأمة. وفى عهده استمر المسلمون فى فتح شمال أفريقيا كما تم نشأة الأسطول الإسلامى للدفاع عن الثغور الإسلامية وكان مما قام به هذا الأسطول هو فتح جزيرة قبرص سنة ٢٨ هـ وإلحاق الهزيمة بالأسطول البيزنطى فى معركة ذات الصوارى سنة ٣٤ هـ. مصحف عثمان: إذا كان لعهد «عثمان بن عفان» - رضى الله عنه - أن يفخر بما أنجز فيه من الأعمال العظيمة؛ فإن له أن يفخر بما هو أعظم منها جميعًا، وهو جمع القرآن الكريم على لغة واحدة. للقرآن صورتان: صورة صوتية مقروءة، وأخرى مكتوبة مدونة، وقد حرص الرسول ﷺ على تدوين الآيات فور نزولها، وقبل انتقاله إلى الرفيق الأعلى راجع مع «جبريل» - ﵇ ترتيب الآيات والسور مرتين. وقد حفظ الصحابة القرآن باللهجات التى درجوا عليها، وأجاز لهم النبى - صلى الله عليه وسلم - ذلك، ولذا ظهرالاختلاف فى وجوه القراءة بين الصحابة من بدء نزول القرآن، نتيجة للهجة التى اعتادها اللسان. ولما جُمِعَ القرآن الكريم الجمع الأول فى الصحف فى عهد «أبى بكر» بهيئته المكتوبة، بقيت الصورة الصوتية كما هى، ولما فُتحت البلاد وتفرق الصحابة فيها، أخذ أهل كل إقليم يقرءون القرآن بقراءة الصحابى أو الصحابة الذين عاشوا بينهم، فتمسك أهل «الكوفة» بقراءة «عبد الله بن مسعود»، وأهل الشام بقراءة «أبى بن كعب»، وأهل «البصرة» بقراءة «أبى موسى الأشعرى»، ومع اتساع الفتوحات، زاد الخلاف بين المسلمين حول قراءة القرآن، وتحول الأمر إلى تعصب، بل كاد أن يؤدى إلى فتنة بينهم، مما أفزع «حذيفة بن اليمان» الصحابى الجليل، وكان يقرأ فى «أذربيجان»، فرجع إلى «المدينة»، وأخبر «عثمان بن عفان»» بما رأى. جمع «عثمان» الصحابة، وأخبرهم الخبر، فأعظموه، ورأوا جميعًا مارأى «حذيفة» من ضرورة جمع الناس على مصحف واحد، وأرسل «عثمان» إلى أم المؤمنين «حفصة بنت عمر» أن تبعث إليه بالمصحف الذى جُمع فى عهد

стр. 2035

«أبى بكر» - وكان «عمر بن الخطاب» قد أخذه بعد وفاة «أبى بكر»، ثم حُفظ بعد موته عند ابنته «حفصة» - ثم أمر «زيد بن ثابت» - الذى جمع القرآن الجمع الأول فى عهد «أبى بكر الصديق» - و «عبدالله بن الزبير»، و «سعيد بن العاص»، و «عبدالرحمن بن الحارث بن هشام»، أن ينسخوه، وقال لهم: إذا اختلفتم - يعنى فى كلمة أو كلمات- فاكتبوها بلسان «قريش»، فإنما نزل بلسانهم، فلما نسخوه، أرسل إلى كل إقليم مصحفًا وأمر بإحراق ما سوى ذلك، وقد سمى هذا المصحف بالمصحف الإمام أو «مصحف عثمان». الفتنة وأسبابها: سارت الأمور فى الدولة الإسلامية على خير ما يرام فى الشطر الأول من خلافة «عثمان» - رضى الله عنه - (٢٤ - ٣٠هـ)،ولكن مع بداية سنة (٣١هـ) هبت على الأمة الإسلامية رياح فتنة عاتية، زلزلت أركانها، وكلفتها تضحيات جسيمة، واستمرت هذه الفتنة نحو عشر سنين، شملت ما تبقى من خلافة «عثمان بن عفان»، وكل زمن خلافة «على بن أبى طالب» -رضى الله عنهما- (٣١ - ٤٠هـ). ومما لاشك فيه أن تلك الفتنة كانت نتيجة لمؤامرة واسعة النطاق كانت أحكم فى تدبيرها، وأوسع فى أهدافها، وأخطر فى نتائجها من مؤامرة اغتيال «عمر بن الخطاب» - رضى الله عنه -، لأن اغتيال «عمر» لم يخلف آثارًا خطيرة بين المسلمين، ولم يقسمهم شيعًا وأحزابًا كما حدث فى آخر عهد «عثمان»، ولأن الذين خططوا لقتل «عمر» والذين قاموا بتنفيذ ذلك كانوا غير مسلمين وغير عرب، فى حين أن الذين قتلوا «عثمان» و «عليا» من بعده كانوًا عربًا مسلمين، وهذا هو وجه الخطورة، حتى وإن كان التخطيط من غيرهم. والذى لاشك فيه أن الذى تولى التخطيط للفتنة، وقتل «عثمان»، وإغراق الأمة فى بحر من الدماء، هو «عبد الله بن سبأ» اليهودى، الذى ادعى الإسلام؛ ليتمكن من الكيد له من داخله، والذى لُقِّب بابن السوداء. وقبل الحديث عنه يحسن تناول الظروف والأجواء التى كانت سائدة فى عهد «عثمان» - رضى الله عنه - واستغلها «ابن سبأ»
следующие страницы →