Полный текст (3 483 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.
стр. 2031
الشجرة، وبايع النبى نفسه نيابة عن «عثمان»، وقال: «إن
عثمان بن عفان فى حاجة الله وحاجة رسوله» وضرب بإحدى
يديه على الأخرى مشيرًا إلى أن هذه بيعة «عثمان»، فكانت يد
النبى ﷺ لعثمان خيرًا من أيديهم لأنفسهم.
وكان من كُتاب الوحى كما هو معلوم. والأحاديث الواردة فى
فضل «عثمان بن عفان» وثناء النبى عليه كثيرة، من ذلك قوله
ﷺ : «ألا أستحى من رجل تستحى منه
الملائكة؟». وكان عثمان بن عفان قريبًا من الخليفتين، «أبى
بكر الصديق» و «عمر بن الخطاب»، وموضع ثقتهما وأحد أركان
حكومتهما، ومن كبار مستشاريهما، وكان يكتب لهما، وهو
الذى كتب كتاب ولاية العهد من «أبى بكر» إلى «عمر بن
الخطاب» - رضى الله عنهما - وترتيب «عثمان» فى الفضل بين
الصحابة كترتيبه فى تولِّى الخلافة عند جمهور علماء الأمة. لم
يشأ «عمر بن الخطاب» أن يعهد بالخلافة إلى شخص بعينه،
وقال: «إن أعهد - يعنى لشخص محدد - فقد عهد من هو خير
منى - يقصد أبا بكر عندما عهد إليه هو نفسه - وإن لم أعهد فلم
يعهد من هو خير منى - يقصد رسول الله ﷺ
حين تركها شورى بين المسلمين». ولعل اجتهاده أدَّاه إلى أن
تصرف الرسول و «أبى بكر» يعطى له الفرصة أيضًا أن يختار
طريقة أخرى لاختيار من يخلفه، ليثرى بذلك طرق الاختيار،
وليرسخ فى أذهان الناس أن أمر اختيار الحاكم منوط دائمًا
بالأمة وإرادتها ورضاها، وهى التى تملك محاسبته وعزله إن
ارتكب ما يوجب العزل. رشح «عمر بن الخطاب» ستة من
الصحابة، ليتولى واحد منهم منصب الخلافة، ولم يأمر أحدًا منهم
أن يصلى بالناس إمامًا، حتى لا يظن الناس أنه يميل إليه، بل أمر
صهيبًا أن يصلى بالناس، لتكون فرصتهم فى الاختيار متساوية،
وشدد على ألا تمضى ثلاثة أيام بعد وفاته إلا ويكون عليهم أمير
من هؤلاء الستة يتولى مسئولية الخلافة ويتحمل تبعاتها. وبعد
стр. 2032
أن فرغ المسلمون من دفن «عمر»، شرع المرشحون الستة فى
التفاوض، وبعد نقاش طويل اقترح عليهم «عبد الرحمن بن عوف»
أن يتنازل عن حقه فى الخلافة. ويتركوا له اختيار الخليفة،
فوافقوا على ذلك، فشرع فى معرفة آرائهم واحدًا بعد واحد
على انفراد، فرأى أن الأغلبية تميل إلى «عثمان»، ثم أخذ
يسأل غيرهم من الصحابة، «فلا يخلو به رجل ذو رأى فيعدل
بعثمان». اطمأن «عبد الرحمن» إلى أن الأغلبية تزكى «عثمان بن
عفان» فأعلن ذلك على ملأ من الصحابة فى مسجد النبى - صلى
الله عليه وسلم -، ولما كان يعلم أن الذى يلى «عثمان» فى
المنزلة عند الصحابة، هو «على بن أبى طالب»، الذى مال إليه
عدد منهم، فإنه رأى أن يوضح له أن الأغلبية مع «عثمان»،
فقال له: «أما بعد ياعلى، فإنى نظرت فى الناس، فلم أرهم
يعدلون بعثمان، فلا تجعلن على نفسك سبيلا» - كأنه يحذره من
المخالفة- ثم أخذ بيد «عثمان»، فقال: «نبايعك على سنة الله
ورسوله، وسنة الخليفتين بعده»، فبايعه «عبد الرحمن»، وبايعه
المهاجرون والأنصار؛ ولم يتخلف أحد عن بيعته من الصحابة،
وكان ذلك بعد وفاة «عمر» بثلاثة أيام. استقبل «عثمان»
بخلافته أول المحرم سنة ٢٤هـ، وصعد المنبر بعد تمام البيعة،
وخطبهم قائلا -بعد حمد الله والصلاة على رسوله-: «إنكم فى دار
قلعة -أى دار الدنيا - وفى بقية أعمار، فبادروا آجالكم بخير ما
تقدرون عليه .. ألا وإن الدنيا طويت على الغرور، فلا تغرنكم
الحياة الدنيا، ولا يغرنكم بالله الغرور، اعتبروا بما مضى، ثم
جدوا ولا تغفلوا، فإنه لا يغفُل عنكم، أين أبناء الدنيا وإخوانها:
الذين أثاروها وعمروها، ومتعوا بها طويلا، ألم تلفظهم؟ ارموا
الدنيا حيث رمى الله بها، واطلبوا الآخرة .. ». وأول ما يُلاحظ على
الخطبة الأولى، التى افتتح بها «عثمان» خلافته، خلوها من
الإشارة إلى المنهج الذى سيسير عليه، ولعله اكتفى بما قاله
لعبد الرحمن بن عوف لحظة البيعة، من أنه سيعمل بكتاب الله،
стр. 2033
وسنة نبيه، وسيرة الخليفتين بعده. كتب «عثمان» - رضى الله
عنه - فى الأيام الأولى من خلافته عددًا من الكتب إلى الولاة
وأمراء الجند، بل وإلى عامة الناس، تتضمن نصائحه وإرشاداته،
يقول «الطبرى»: أول كتاب كتبه «عثمان» إلى عماله: «أما بعد
فإن الله أمر الأئمة أن يكونوا رعاة - يرعون مصالح الأمة - ولم
يتقدم إليهم - أى لم يطلب منهم - أن يكون جباة، وإن صدر هذه
الأمة خلقوا دعاة، ولم يخلقوا جباة، وليوشكن أئمتكم أن
يصيروا جباة ولا يكونوا دعاة، فإن عادوا كذلك انقطع الحياء
والأمانة والوفاء، ألا وإن أعدل السيرة أن تنظروا فى أمور
المسلمين فيما عليهم، فتعطوهم مالهم، وتأخذوهم بما عليهم، ثم
تثنوا بالذمة، فتعطوهم الذى لهم، وتأخذوهم بالذى عليهم، ثم
العدو الذى تنتابون، فاستفتحوا عليهم بالوفاء». وكتب إلى
أمراء الأجناد وقادة الجيوش: «أما بعد، فإنكم حماة المسلمين
وذادتهم، وقد وضع لكم عمر ما لم يغب عنا، بل كان عن ملإ منا،
فلا يبلغنى عن أحد منكم تغيير ولا تبديل، فيغير الله ما بكم،
ويستبدل بكم غيركم، فانظروا كيف تكونون، فإنى أنظر فيما
ألزمنى الله النظر فيه، والقيام عليه». وكتب إلى عمال الخراج
المسئولين عن الشئون المالية: «أما بعد فإن الله خلق الخلق
بالحق، ولا يقبل إلا الحق، خذوا الحق، وأعطوا الحق، والأمانة
الأمانة، قوموا عليها، ولا تكونوا أول من يسلبها .. والوفاء
الوفاء، ولا تظلموا اليتيم ولا المعاهد، فإن الله خصم لمن
ظلمهم». وكتب إلى عامة الرعية: «أما بعد فإنكم إنما بلغتم ما
بلغتم بالاقتداء والاتباع، فلا تفتنكم الدنيا عن أمركم، فإن
أمرهذه الأمة صائر إلى الابتداع بعد اجتماع». وهذه الكتب
توضح سياسة «عثمان بن عفان» العامة، التى كان يتوخى أن
يتبعها عماله وولاته فى إدارة شئون الأمة، وهى سياسة
طابعها الرفق بالرعية، والسهر على مصالحها، والإنصاف فى
جمع الخراج، وإيصال الحقوق إلى أصحابها، والإحسان إلى
стр. 2034
أهل الذمة، ورعاية جميع طوائف الأمة. وفى عهده استمر
المسلمون فى فتح شمال أفريقيا كما تم نشأة الأسطول
الإسلامى للدفاع عن الثغور الإسلامية وكان مما قام به هذا
الأسطول هو فتح جزيرة قبرص سنة ٢٨ هـ وإلحاق الهزيمة
بالأسطول البيزنطى فى معركة ذات الصوارى سنة ٣٤ هـ. مصحف
عثمان: إذا كان لعهد «عثمان بن عفان» - رضى الله عنه - أن
يفخر بما أنجز فيه من الأعمال العظيمة؛ فإن له أن يفخر بما هو
أعظم منها جميعًا، وهو جمع القرآن الكريم على لغة واحدة.
للقرآن صورتان: صورة صوتية مقروءة، وأخرى مكتوبة مدونة،
وقد حرص الرسول ﷺ على تدوين الآيات فور
نزولها، وقبل انتقاله إلى الرفيق الأعلى راجع مع «جبريل» -
﵇ ترتيب الآيات والسور مرتين. وقد حفظ الصحابة
القرآن باللهجات التى درجوا عليها، وأجاز لهم النبى - صلى الله
عليه وسلم - ذلك، ولذا ظهرالاختلاف فى وجوه القراءة بين
الصحابة من بدء نزول القرآن، نتيجة للهجة التى اعتادها اللسان.
ولما جُمِعَ القرآن الكريم الجمع الأول فى الصحف فى عهد «أبى
بكر» بهيئته المكتوبة، بقيت الصورة الصوتية كما هى، ولما
فُتحت البلاد وتفرق الصحابة فيها، أخذ أهل كل إقليم يقرءون
القرآن بقراءة الصحابى أو الصحابة الذين عاشوا بينهم، فتمسك
أهل «الكوفة» بقراءة «عبد الله بن مسعود»، وأهل الشام
بقراءة «أبى بن كعب»، وأهل «البصرة» بقراءة «أبى موسى
الأشعرى»، ومع اتساع الفتوحات، زاد الخلاف بين المسلمين
حول قراءة القرآن، وتحول الأمر إلى تعصب، بل كاد أن يؤدى
إلى فتنة بينهم، مما أفزع «حذيفة بن اليمان» الصحابى الجليل،
وكان يقرأ فى «أذربيجان»، فرجع إلى «المدينة»، وأخبر
«عثمان بن عفان»» بما رأى. جمع «عثمان» الصحابة، وأخبرهم
الخبر، فأعظموه، ورأوا جميعًا مارأى «حذيفة» من ضرورة جمع
الناس على مصحف واحد، وأرسل «عثمان» إلى أم المؤمنين
«حفصة بنت عمر» أن تبعث إليه بالمصحف الذى جُمع فى عهد
стр. 2035
«أبى بكر» - وكان «عمر بن الخطاب» قد أخذه بعد وفاة «أبى
بكر»، ثم حُفظ بعد موته عند ابنته «حفصة» - ثم أمر «زيد بن
ثابت» - الذى جمع القرآن الجمع الأول فى عهد «أبى بكر
الصديق» - و «عبدالله بن الزبير»، و «سعيد بن العاص»،
و «عبدالرحمن بن الحارث بن هشام»، أن ينسخوه، وقال لهم: إذا
اختلفتم - يعنى فى كلمة أو كلمات- فاكتبوها بلسان «قريش»،
فإنما نزل بلسانهم، فلما نسخوه، أرسل إلى كل إقليم مصحفًا
وأمر بإحراق ما سوى ذلك، وقد سمى هذا المصحف بالمصحف
الإمام أو «مصحف عثمان». الفتنة وأسبابها: سارت الأمور فى
الدولة الإسلامية على خير ما يرام فى الشطر الأول من خلافة
«عثمان» - رضى الله عنه - (٢٤ - ٣٠هـ)،ولكن مع بداية سنة
(٣١هـ) هبت على الأمة الإسلامية رياح فتنة عاتية، زلزلت
أركانها، وكلفتها تضحيات جسيمة، واستمرت هذه الفتنة نحو
عشر سنين، شملت ما تبقى من خلافة «عثمان بن عفان»، وكل
زمن خلافة «على بن أبى طالب» -رضى الله عنهما- (٣١ - ٤٠هـ).
ومما لاشك فيه أن تلك الفتنة كانت نتيجة لمؤامرة واسعة النطاق
كانت أحكم فى تدبيرها، وأوسع فى أهدافها، وأخطر فى
نتائجها من مؤامرة اغتيال «عمر بن الخطاب» - رضى الله عنه -،
لأن اغتيال «عمر» لم يخلف آثارًا خطيرة بين المسلمين، ولم
يقسمهم شيعًا وأحزابًا كما حدث فى آخر عهد «عثمان»، ولأن
الذين خططوا لقتل «عمر» والذين قاموا بتنفيذ ذلك كانوا غير
مسلمين وغير عرب، فى حين أن الذين قتلوا «عثمان» و «عليا»
من بعده كانوًا عربًا مسلمين، وهذا هو وجه الخطورة، حتى وإن
كان التخطيط من غيرهم. والذى لاشك فيه أن الذى تولى
التخطيط للفتنة، وقتل «عثمان»، وإغراق الأمة فى بحر من
الدماء، هو «عبد الله بن سبأ» اليهودى، الذى ادعى الإسلام؛
ليتمكن من الكيد له من داخله، والذى لُقِّب بابن السوداء. وقبل
الحديث عنه يحسن تناول الظروف والأجواء التى كانت سائدة
فى عهد «عثمان» - رضى الله عنه - واستغلها «ابن سبأ»
стр. 2036
لتحقيق أهدافه المدمرة: أولا: تغيرت الظروف فى آخر حياة
«عثمان» بل وفى بداية خلافته عما كانت عليه فى خلافة «عمر
بن الخطاب»، وربما كان هذا تطورًا طبيعيا فى حياة الأمة، فقد
كثرت الغنائم فى أيدى الناس، وبدءوا يتوسعون فى المأكل
والملبس والمشرب، وبخاصة الجيل الجديد من العرب الذى دخل
فى الإسلام بعد وفاة النبى ﷺ ، ولم يتأدب
بآدابه، ولم يتعود حياة القناعة والقصد فى المعيشة التى كان
يحياها الصحابة فى حياته ﷺ . ولم يُرضِ ذلك
التوسع فى المعيشة صحابيا جليلا اشتهر بالزهد، هو «أبو ذر
الغفارى»، فسخط على «عثمان» وولاته وعماله، وحملهم
مسئولية ذلك التطور الاجتماعى الطبيعى الذى لم يكن من
صنعهم، وراح ينادى بتحريم امتلاك المسلم لشىء من المال فوق
حاجة يومه وليلته، واستشهد على ذلك بقوله تعالى: ﴿والذين
يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها فى سبيل الله فبشرهم
بعذاب أليم﴾. التوبة: ٣٤]. ولم يوافق أحد من الصحابة «أبا ذر»
فيما نادى به، وكانوا يرون أن المال إذا جُمع من حلال، وأدى
عنه صاحبه حق الله وهو الزكاة: لا يعتبر كنزًا، ولا تنطبق عليه
الآية موضع الاستشهاد، والنبى ﷺ كان يخزن
مؤنة بيوته لمدة سنة إذا كانت الظروف تسمح بذلك، وتشريع الله
للمواريث فى نظام دقيق يقتضى ترك الميت ثروة تقسم بين
ورثته، وكثير من الصحابة كانوا أغنياء على عهد النبى - صلى
الله عليه وسلم -، ولم يعب النبى ﷺ ثراءهم،
بل يُروى أنه قال: «نعم المال الصالح للمرء الصالح». [مسند
أحمد]. وقد نصح النبى ﷺ «سعد بن أبى
وقاص» حين أراد أن يتصدق بماله كله بقوله: «إنك إن تذر
ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس». [صحيح
البخارى، كتاب الجنائز]. ولو أن «أبا ذر الغفارى» - رضى الله
عنه - احتفظ برأيه لنفسه، لكان الأمر هينًا، ولكنه أذاعه فى
стр. 2037
الناس؛ ووجد صداه عند الكسالى والذين يريدون أن يعيشوا عالة
على غيرهم، فألبوا الناس على «عثمان» وولاته، وكانت تلك
الدعوة سببًا من أسباب الفتنة. وعلى الرغم من اعتزال «أبى
ذر» الناس فى الربذة «شرقى المدينة» امتثالا للخليفة؛ فإن
دعوته كانت قد استشرت، وتلقفها «ابن سبأ» اليهودى
وأشعلها بين الناس. ثانيًا: شارك عدد كبير من أهل «اليمن»
ومنطقة «الخليج» فى الفتوحات الإسلامية، وكان دورهم فى
تحقيق النصر لا ينكر، ولكنهم وجدوا بعد الفتح أن الإمارات
والوظائف الرئيسية قد أُسندت إلى غيرهم وبخاصة أبناء
«قريش»، وكبار المهاجرين والأنصار وأبنائهم، فلم يعجبهم
ذلك، ورأوا أنفسهم أحق بالإمارات التى فتحوها بسيوفهم، مع
أنه كان من الضرورى أن يتولى المهاجرون والأنصار هذه
الولايات؛ لأنهم يعرفون الإسلام وشرائعه أكثر، فقدمهم علمهم
وفقههم فى الدين وسابقتهم فى الإسلام، وجهادهم مع رسول
الله ﷺ لا أنسابهم وأحسابهم. ونتيجة لذلك
تكونت جبهة عريضة من أبناء تلك المنطقة معارضة لسيطرة
أبناء المهاجرين والأنصار على الدولة الإسلامية، ولم تكن
شكواهم من الولاة واتهامهم بالظلم حقيقية، بل كانت ذريعة
للنيل منهم، ومن الخليفة «عثمان»، وهدفًا لقلب الدولة وتغيير
نظام الحكم المتهم بالظلم، وهؤلاء كانوا صيدًا سمينًا لابن سبأ
فاستغل السخط الذى ملأ قلوبهم لتحقيق هدفه الشرير. ثالثًا:
عندما بدأت هذه الفتنة كان معظم ولاة الأقاليم من «قريش»، بل
من «بنى أمية» أهل «عثمان»، وأقربائه، مما سهل على «ابن
سبأ» مهمته فى إشعال نار الفتنة، والحق أن هؤلاء الولاة، وهم
«معاوية بن أبى سفيان» والى الشام، و «عبدالله بن سعد بن
أبى السرح» والى «مصر»، و «عبدالله بن عامر» والى
«البصرة»، و «الوليد بن عقبة» والى «الكوفة»، كانوا من خيرة
الولاة، وممن أسهموا فى تثبيت الفتوحات الإسلامية بعد
استشهاد «عمر»، وممن مارسوا الحكم قبل خلافة «عثمان»، بل
стр. 2038
إن «معاوية بن أبى سفيان» كان واليًا على الشام من عهد
«أبى بكر الصديق». ومن ثم لم يولِّهم «عثمان» لهوى فى نفسه،
أو لأنهم من أقربائه، بل ولاهم لكفايتهم ومقدرتهم الإدارية. ومما
يؤسف له أن بعض الكتاب الكبار صوَّروا الأمر على غير ما
تقتضيه الحقيقة التاريخية، وكأن «عثمان بن عفان» أتى بهؤلاء
الولاة من قارعة الطريق، وعينهم على الولايات الكبيرة، وحملهم
على رقاب الناس؛ لأنهم أقرباؤه فحسب. ويذهب بعضهم إلى
تصوير أمر استعفاء «عمرو بن العاص» من إمارة «مصر» بناء
على طلبه على أنه عزل من «عثمان» ليعين مكانه أخاه من
الرضاعة «عبدالله بن سعد»، ولا يذكر شيئًا مما يعرضه مؤرخو
«مصر» الإسلامية كابن عبدالحكم و «الكندى»، من أن «عبدالله
بن سعد» كان واليًا على صعيد «مصر» من قبل «عمر بن
الخطاب»، فلما تولى «عثمان بن عفان» الخلافة طلب منه «عمرو
بن العاص» أن يخصه وحده بإمارة «مصر» كلها، فرفض
«عثمان»، فاعتزل «عمرو» الولاية بناء على طلبه، ولم يعزله
«عثمان بن عفان». رابعًا: أن من أبناء البلاد المفتوحة وبخاصة
بلاد فارس، من لم يسترح إلى سيادة العرب عليهم، وسيطرتهم
على بلادهم، وهم الذين كانوا بالأمس يحتقرونهم وينظرون إليهم
فى استعلاء، فعزَّ على أنفسهم ذلك، فلم يتركوا فرصة لزعزعة
الدولة الإسلامية إلا وانتهزوها، خاصة من لم يتمكن الإسلام فى
قلوبهم منهم، وهؤلاء كان لهم دور فى إثارة الفتنة على
«عثمان»، واستمر حتى آخر العصر الأموى. خامسًا: أن كل ما
تقدم كان يمكن تداركه وعلاجه، بل إن «عثمان» - رضى الله عنه
- حاول إجابة كل مطالب الثائرين عليه والمؤلبين للناس ضده،
لكنهم لم يقتنعوا؛ لأن الخليفة لان معهم وحلُم عليهم أكثر مما
كان ينبغى، ولو أخذهم بالشدة والحزم كما كان يفعل «عمر بن
الخطاب» مع أمثالهم لارتدعوا، ولحُسمت الفتنة. عبدالله بن سبأ:
هو رجل يهودى من «صنعاء» ادعى الإسلام فى عهد «عثمان»،
стр. 2039
وأخذ يبث فى المسلمين أفكارًا غريبة وبعيدة عن الإسلام، مثل
قوله بالوصية أى أن «على بن أبى طالب»، هو وصى النبى
ﷺ وخليفته من بعده، ومعنى ذلك أن الخلفاء
الثلاثة، «أبا بكر» و «عمر» و «عثمان» اغتصبوا حق «على» فى
الخلافة. وبدأ «ابن سبأ» من هذه النقطة، مستغلا كل الأطراف
التى سبق الحديث عنها، ووضع للثائرين والناقمين على اختلاف
مشاربهم وأهدافهم خطة للتحرك ضد الخليفة وولاته، وأشار
عليهم بالنيل من الولاة أولا؛ لما كان يعرف أن «عثمان» نفسه
فوق الشبهات، حتى إذا نجحوا فى تشويه سمعة الولاة، انتقلوا
إلى «عثمان» باعتباره المسئول الأول عنهم، ومما قاله
لأتباعه: «إن عثمان أخذها بغير حق، وهذا وصى رسول الله -
يقصد عليًّا - فانهضوا فى هذا الأمر فحركوه، وابدءوا بالطعن
فى أمرائكم، وأظهروا الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر،
تستميلوا الناس». أخذ «ابن سبأ» يتنقل بهذا التدبير الشيطانى
بين الأقاليم من «البصرة» إلى «الكوفة» إلى الشام إلى
«مصر»، يبث أفكاره وسمومه، وكانت خطته بالغة الإحكام،
جعلت أتباعه ينجحون فى زرع الشكوك فى نفوس الصحابة فى
«المدينة»، مثل «على بن أبى طالب»، و «الزبير بن العوام»،
و «طلحة بن عبيد الله»، والسيدة «عائشة» - رضى الله عنها -
وهؤلاء كلهم كانت تصلهم معلومات كاذبة عن ظلم ولاة الأقاليم،
لكنهم صدقوها للأسف، ولم يتبينوا كذبها إلا بعد فوات
الأوان، وبعد أن وقعت الواقعة، وقتل الخليفة الثالث مظلومًا.
موقف عثمان من الفتنة: لما سمع «عثمان بن عفان» ما يقال عن
ولاة أقاليمه جمع أهل «المدينة»، وقال لهم: أشيروا على،
فأشاروا عليه أن يرسل رجالا إلى الأقاليم للتحقيق فيما وصله
من كلام عنهم، كما كان يفعل «عمر بن الخطاب»، فاستجاب
على الفور، وحدد أربعة من الصحابة من غير «بنى أمية» - حتى
لا يتهمهم أحد بالتحيز للولاة - للقيام بما كلفهم به، فأرسل
стр. 2040
«محمد بن مسلمة» إلى «الكوفة»، و «أسامة بن زيد» إلى
«البصرة»، و «عبدالله بن عمر» إلى الشام، و «عمار بن ياسر»
إلى «مصر»، وعاد الثلاثة الأول إلى «المدينة»، وقدموا تقارير
للخليفة بأن الأمور تجرى على خير وجه، وأن الشكاوى التى
تصل إلى «المدينة» كلها باطلة، ولا أساس لها من الصحة؛ وأن
الولاة يقومون بعملهم خير قيام، أما «عمار بن ياسر» فلم يعد
من «مصر»، لأنه لما وصل إليها، تصادف وجود «ابن سبأ» فيها،
فاستقطبه للأسف وضمه إلى صفه، مما جعل الأمر يستفحل
ويزداد خطرًا. وبعد أن تبين بطلان مزاعم أتباع «ابن سبأ»،
الذين ألبوا الناس على «عثمان» - وكلهم عرب مسلمون- لان لهم
الخليفة، وعطف عليهم وحاول استرضاءهم بدلا من عقابهم
وأخذهم بالشدة. ولما تهيأ الجو، ورأى زعماء الفتنة أن الفرصة
سانحة للتخلص من الخليفة، خرجوا إلى «المدينة» على رأس
وفود أهل «مصر» و «البصرة» و «الكوفة»، وكانوا نحو عشرة
آلاف متظاهرين بالحج، مخفين نياتهم الخبيثة عن عامة الناس،
الذين شكوا إلى الخليفة من تصرفات لولاتهم لا يرضونها،
فوعدهم خيرًا، وأمرهم بالعودة إلى أمصارهم، فرضوا لما رأوه
من سماحته وعطفه، وعادوا. أما زعماء الفتنة من أمثال:
«الأشتر النخعى»، و «عمرو بن الأصم»، و «حرقوص بن زهير
السعدى»، و «الغافقى بن حرب»، فقد ساءهم عودة عامة الناس
الذين لا علم لهم بالمؤامرة، وسُقِطَ فى أيديهم، وعزموا على قتل
الخليفة أو عزله، فتخلفوا فى «المدينة»، وزوَّروا كتابًا، ادعوا
كذبًا أنهم وجدوه مع غلام من غلمان «عثمان»، موجه إلى
«عبدالله بن سعد» والى «مصر» يأمره فيه بقتل بعض الثائرين
وتعذيب بعضهم الآخر. عاد الثائرون من الطريق بهذا الكتاب،
فعرضوه على «على بن أبى طالب»، فأدرك أنه مزور، لأن
الذين ادعوا أنهم وجدوه هم أهل «مصر»، ولكنهم عندما عادوا
عادوا جميعًا، أهل «مصر» و «الكوفة» و «البصرة»، مع أن
طرقهم مختلفة، فعودتهم فى وقت واحد، تدل على أن الأمر
стр. 2041
مدبر، فقال لهم على: «كيف علمتم يا أهل الكوفة ويا أهل
البصرة بما لقى أهل مصر وطريقكم مختلف وقد سرتم على
مراحل؟! هذا والله أمر أبرم بالمدينة». ولما علموا أن أمرهم قد
ظهر، وخطتهم انكشفت، قالوا لعلى: «ضعوه حيث شئتم - أى
الكتاب مصممين على كذبهم - لاحاجة بنا إلى هذا الرجل،
ليعتزلنا»، ولا شك أن هذا تسليم منهم بأن قصة الكتاب مختلقة،
وأن غرضهم الأول والأخير هو خلع أمير المؤمنين أو سفك دمه،
الذى عصمه الله بشريعة الإسلام. محاصرة بيت الخليفة وقتله:
تشبث الأشرار بهذا الكتاب المزور، ولم يستجيبوا لنصح الصحابة
بالرجوع إلى بلادهم؛ لأن الخليفة لم يرتكب خطأ يستحق عليه
العقاب، فحاصروه فى بيته، ولم تكن هناك قوة تدافع عنه،
فقد رفض عرضًا من «معاوية بن أبى سفيان» بالذهاب معه إلى
الشام، وكره أن يغادر جوار رسول الله كما رفض أن يرسل
«معاوية» إليه جندًا من الشام لحمايته، لأنه كره أن يضيق على
أهل مدينة رسول الله ﷺ بجيش يضايقهم فى
معاشهم. ولما رأى «على بن أبى طالب» و «الزبير بن العوام»
و «طلحة بن عبيد الله» وغيرهم الحصار المضروب على بيت
الخليفة؛ أرسلوا أبناءهم لحراسته، لكنه رفض ذلك أيضًا،
وأقسم عليهم بما له من حق الطاعة عليهم أن يذهبوا إلى بيوتهم
ويغمدوا سيوفهم، لأنه أدرك أن أبناء الصحابة وهم عدد قليل،
إن تصدوا لهؤلاء الأشرار - وكانوا زهاء عشرة آلاف - فقد
يقتلونهم جميعًا، فآثر سلامتهم وحقن دماءهم، ولعله كان يفكر
أن الثوار إذا قتلوه هو فستنتهى المشكلة، فرأى أن يضحى
بنفسه، حقنًا للدماء، ولم يدر أن دمه الطاهر الذى سيُسفك، كان
مقدمة لبحور من دماء المسلمين، سالت بعد ذلك نتيجة مقتله.
امتثل أبناء الصحابة لأمره، وعادوا إلى بيوتهم، لكنه طلب منهم
ماء للشرب، بعد أن منعه الثوار عنه، وهو الذى اشترى
للمسلمين «بئر رومة» ووهبها لهم، بناء على طلب من الرسول
стр. 2042
- ﷺ الذى بشره بنهر عظيم فى الجنة. وكانت
أم المؤمنين «أم حبيبة بنت أبى سفيان» أول المغيثين لعثمان،
لكنها لم تستطع أن توصل الماء إليه لأن الثوار منعوها،
وأساءوا معها الأدب وسبوها، ولم يراعوا لها حرمة. فلما فعلوا
بأم حبيبة ذلك، ذهب إليهم «على بن أبى طالب» - رضى الله
عنهم - وقال لهم: «إن الذى تصنعون لا يشبه أمر المؤمنين ولا
أمر الكافرين، لاتقطعوا عن الرجل المادة (الطعام والشراب) فإن
الروم وفارس لتأسر فتطعم وتسقى، وما تعرض لكم هذا الرجل،
فبم تستحلون حصره وقتله؟! قالوا: لا والله ولا نعمة عين -
يعنى ولا قطرة ماء تصله - لا نتركه يأكل ويشرب». وبعد ذلك
اقتحموا على الخليفة داره اقتحامًا، متسلقين من دور مجاورة،
وقتلوه وهو صائم يقرأ القرآن، وروعوا الأمة الإسلامية فى
إمامها، الذى كانت تستحى منه الملائكة، والذى بشره النبى
ﷺ بالجنة، وتنبأ له بالشهادة، وكان
استشهاده فى أواخر شهر ذى الحجة سنة (٣٥هـ). قُتِل «عثمان
بن عفان» مظلومًا لم يرتكب ذنبًا أو يقترف جرمًا يستحق به أن
يرفع هؤلاء الأشرار أصواتهم عليه ولو كان كل ما رموه به من
تُهم صحيحًا - مع أنه باطل وملفق - ما أباح لهم قتله، ولكنه
الحقد الأسود والأفكار الهدامة، التى زرعها «ابن سبأ» فى
نفوسهم وعقولهم، جعلهم يرون فضائله وإنجازاته تهمًا وجرائم،
فاتهموه -مثلا - بأنه تخلف عن «بيعة الرضوان» فى «الحديبية»،
مع أنهم يعلمون أنه عندئذٍ كان فى «مكة» سفيرًا للرسول - صلى
الله عليه وسلم - يقوم بمهمة اعتذر عنها «عمر بن الخطاب»
لخطورتها، وناب النبى ﷺ نفسه عن
«عثمان» فى البيعة، فكانت بيعة عن «عثمان» أفضل من بيعة
الصحابة لأنفسهم، كما اعتبروا جمعه للقرآن فى مصحف واحد
جريمة، مع أنه أعظم أعماله باعتراف الصحابة أنفسهم. وقد
وصف «أبو بكر بن العربى» قتلة «عثمان» وصفًا صادقًا، فقال:
стр. 2043
«وأمثل ما روى فى قصته - أى عثمان - أنه بالقضاء السابق،
تألب عليه قوم لأحقاد اعتقدوها، ممن طلب أمرًا فلم يصل إليه، أو
حسد حسادة أظهر داءها، وحمله على ذلك قلة دين، وضعف
يقين، وإيثار العاجلة على الآجلة، وإذا نظرت إليهم دلك صريح
ذكرهم على دناءة قلوبهم، وبطلان أمرهم». وقد لا يصدق بعض
الناس أن رجلا واحدًا هو «عبدالله بن سبأ» يستطيع أن يفسد
أمر أمة بكاملها، مهما تبلغ قدراته، بل وصل الأمر ببعضهم إلى
إنكار وجوده أصلا، ولكن الواقع أن «ابن سبأ» كان موجودًا
ووجوده حقيقة، وهو كأى متآمر خبيث يتمتع بقدر كبير من
الدهاء والمكر، مكنه من أن يستميل إلى صفه صحابيين جليلين
هما «أبو ذر الغفارى» و «عمار بن ياسر»، وأن يستغل كل
الساخطين من أبناء العرب الطامعين فى الوظائف، بالإضافة إلى
الحاقدين من أبناء البلاد المفتوحة، الذين سقطت دولهم، وبادت
عروشهم، وخلق من ذلك كله تيارًا عامًّا، أدى إلى فتنة عارمة،
ذهب ضحيتها «عثمان بن عفان»، ولم تنته بعد موته.
стр. 2044
* على بن أبى طالب
هو «على بن أبى طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف»،
وأمه «فاطمة بنت أسد بن هاشم»، وهى أول هاشمية ولدت
هاشميًّا، وقد أسلمت وهاجرت إلى «المدينة»، وهو ابن عم
النبى ﷺ ، وتربى فى بيته، لأن أباه كان
كثير العيال قليل المال، فأراد النبى أن يخفف عن عمه أعباء
المعيشة، فأخذ «عليًّا» ليعيش معه فى بيته، وكان عمره يومئذٍ
ست سنوات، فشاءت إرادة الله أن ينشأ «على» فى بيت
النبوة، فوقاه الله أرجاس الجاهلية، فلم يسجد لصنم قط، وكان
أول من أسلم من الصبيان. كان «على بن أبى طالب» ربعة من
الرجال، يميل إلى القصر، أسمر اللون، حسن الوجه واسع
العينين، أصلع الرأس، عريض المنكبين، غزير اللحية، قوى
الجسم. عُرف «على بن أبى طالب» بالشجاعة والعلم الغزير،
والزهد فى الدنيا مع القدرة عليها، وكان واحدًا ممن حفظوا
القرآن كله من الصحابة، وعرضوه على النبى - صلى الله عليه
وسلم -، ومن أكثرهم معرفة بالقرآن وبتفسيره وأسباب نزوله،
وأحكامه، وكان من كتاب الوحى، ولذا اختص فى سيرته بلقب
«الإمام» لأفضليته العلمية والفقهية، وكان أقضى الصحابة رضى
الله عنهم جميعًا، واشتهر بالفصاحة والخطابة وقوة الحجة، وهو
أحد العشرة المبشرين بالجنة، وقد تآخى الرسول - صلى الله
عليه وسلم - مع على بعد الهجرة، ثم زوجه ابنته «فاطمة»،
وأنجب منها «الحسن» و «الحسين»، وهما اللذان حفظا نسل
الرسول ﷺ . شهد «على» المشاهد كلها -عدا
تبوك - مع رسول الله ﷺ ، فكان فى طليعة
من صرعوا المشركين فى «بدر»، وواحداً من الذين ثبتوا مع
رسول الله ﷺ فى غزوة «أحد»، وحمل اللواء
عندما سقط من يد «مصعب بن عمير» بعد استشهاده، حمله بيده
اليسرى، وظل يقاتل بيده اليمنى، وصرع فى غزوة الخندق
«عمرو بن عبد ود» فارس «قريش» والعرب كلها عندما لم يقدم
стр. 2045
أحد على مبارزته وأعطاه الرسول ﷺ الراية
يوم «خيبر»، وقال: «لأعطين اللواء غدًا رجلا يحب الله ورسوله
ويحبه الله ورسوله»، وأخبر أن الفتح سيكون على يديه،
وتحقق ذلك، وثبت مع من ثبتوا مع النبى ﷺ
فى «حنين». وفى غزوة «تبوك» خلفه النبى - صلى الله عليه
وسلم - فى أهله يرعى مصالحهم وشئونهم، ولما تأذى من ذلك،
وقال: يارسول الله، تخلفنى فى النساء والصبيان؟!، فقال له
النبى ﷺ : «أما ترضى أن تكون منى بمنزلة
هارون من موسى غير أنه لا نبى بعدى؟»، إشارة من النبى
إلى أن «موسى» عندما ذهب لمناجاة ربه، ترك أخاه
«هارون»، خلفًا له فى قومه، كما جاء فى قوله تعالى: ﴿وقال
موسى لأخيه هارون اخلفنى فى قومى وأصلح ولا تتبع سبيل
المفسدين﴾. [الأعراف:١٤٢]. وكان رضى الله عنه موضع ثقة
واحترام من الصحابة جميعًا، فكان من أكبر أعوان «أبى بكر
الصديق» فى قمع حروب الردة، ولازم «عمر بن الخطاب»، فكان
لا يقطع أمرًا دون مشاورته، والاستنارة برأيه، وكان «عمر»
يقول: «قضية ولا أبا حسن لها». وعاون «عثمان» بالرأى
والمشورة مثلما كان يفعل مع «أبى بكر» و «عمر»، فلم يحجب
عنه نصحه ومؤازرته فى الفتنة التى أطبقت على الأمة، وأرسل
أولاده مع بقية أولاد الصحابة لحراسته والدفاع عنه، ثم ذهب
بنفسه لمواجهة الأشرار. رُوِّعت «مدينة» رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - بمقتل أمير المؤمنين «عثمان بن عفان» - رضى الله
عنه - وعم الناس الهلع والرعب، لهذه الجريمة التى أقدم عليها
هؤلاء الأشرار. سيطر الثائرون على «المدينة»، وظل «الغافقى
بن حرب» زعيم ثوار «مصر»، وأحد كبار زعماء الفتنة يصلى
بالناس إمامًا فى مسجد رسول الله ﷺ خمسة
أيام، والدولة كلها بدون خليفة، ولم يكن فى وسع أحد من
الثوار أن يرشح نفسه لها، لأنهم يعلمون أن هذا الأمر يخص
المهاجرين وحدهم. وبدأ الثائرون يعرضون منصب الخلافة على
стр. 2046
كبار الصحابة: «على بن أبى طالب»، و «طلحة بن عبيد الله»،
و «سعد بن أبى وقاص»، و «الزبير بن العوام»، و «عبدالله بن
عمر بن الخطاب»، فرفضوا جميعًا، وسماهم «على بن أبى
طالب» الثائرين ولعنهم على فعلتهم الشنعاء، فهددهم الثائرون
بقتلهم جميعًا كما قتلوا «عثمان» إن لم يقبل أحدهم منصب
الخلافة. وفى مثل هذه الظروف العصيبة كان لابد من رجل شجاع
غير هياب، يتقدم الصفوف لحمل الأمانة وسط الأخطار المحدقة
بها، واتجهت الأنظار إلى «على بن أبى طالب»، وتعلقت به
الآمال، ترجوه تحمل المسئولية، وقيادة الركب إلى بر الأمان،
وألح عليه كبار الصحابة إلحاحًا شديدًا لتولى المنصب الشاغر،
منصب الخلافة الجليل، فقبل تجشم تبعاتها فى هذه الظروف
الدقيقة، وكان قبوله لها ضربًا من ضروب الفروسية والشجاعة،
والاحتساب عند الله، والنزول على رغبة كبار الصحابة. كان
«على بن أبى طالب» هو أول خليفة يخطب قبل البيعة، وكانت
خطبة قصيرة، أشهد الله عليهم، وأشهدهم على أنفسهم أنهم
هم الذين ألحوا عليه تقبل أمرٍ كان له كارهًا، لتبعاته
ومسئولياته، فلما وافقوا بايعوه، ولهذا كان عليه أن يخطب مرة
أخرى خطبة يوضح فيها أسلوبه فى الحكم، فقال: «إن الله
أنزل كتابًا هاديًا، بين فيه الخير والشر، فخذوا بالخير ودعوا
الشر، الفرائض الفرائض أدوها إلى الله تعالى يؤدكم إلى الجنة،
إن الله حرم حرمات غير مجهولة، وفضل حرمة المسلم على الحرم
كلها، وشد بالإخلاص والتوحيد حقوق المسلمين، فالمسلم من
سلم المسلمون من لسانه ويده إلا بالحق، لا يحل دم امرئ مسلم
إلا بما يجب، بادروا أمر العامة، وخاصة أحدكم الموت، فإن
الناس أمامكم، وإن من خلفكم الساعة تحدوكم تخففوا تلحقوا،
فإنما ينتظر الناس أخراهم، اتقوا الله عباد الله فى بلاده
وعباده، إنكم مسئولون حتى عن البقاع والبهائم، أطيعوا الله
فلا تعصوه ﴿واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون فى الأرض﴾
стр. 2047
[الأنفال: ٢٦]. على والقرارات الصعبة: تمت بيعة «على بن أبى
طالب» فى اليوم الخامس والعشرين من شهر ذى الحجة سنة (٣٥
هـ)، فاستقبل بخلافته عام (٣٦هـ)، وكان عليه أن يواجه الموقف
العصيب، الذى نتج عن استشهاد أمير المؤمنين «عثمان بن
عفان»، باتخاذ قرارات صعبة تجاه عدد من المعضلات، التى كان
أولها: - القصاص من قتلة «عثمان» - رضى الله عنه - وكان ذلك
مطلب الصحابة، ففى أول يوم من خلافته ذهب إليه «طلحة»
و «الزبير»، وطالباه بإقامة الحد على القتلة، وكان هو مقتنعًا
بذلك، ولذلك قال لهما: «يا إخوتاه إنى لست أجهل ما تعلمون
ولكن كيف أصنع بقوم يملكوننا ولا نملكهم؟ هاهم هؤلاء قد
ثارت معهم عبدانكم، وثابت إليهم أعرابكم، وهم خلالكم -أى
يعيشون بينكم - يسومونكم ماشاءوا - أى يسيطرون عليكم -
فهل ترون موضعًا لقدرة على شىء مما تريدون؟ قالوا: لا،
قال: فلا والله لا أرى إلا رأيًا ترونه أبدًا». ويتضح من هذا أن
«على بن أبى طالب» لم يكن أقل من غيره حرصًا على إقامة
الحد على قتلة «عثمان»،ولكن الظرف الذى هم فيه لا يمكنه من
ذلك، فإذا كان الذين نفذوا القتل فى «عثمان» عددًا محدودًا،
وهم «الغافقى بن حرب»، ومعه «سودان بن حمران» و «كنانة بن
بشر التجيبى»، فإن وراءهم نحو عشرة آلاف من الثوار الذين
ضللوهم، وهم مستعدون للدفاع عنهم، ولذلك عندما كانوا
يسمعون قائلا يقول: من قتل «عثمان»؟ كان هؤلاء جميعًا
يصيحون: نحن جميعًا قتلناه، ولذا كان رأى الإمام التريث حتى
تهدأ الأمور، ويعود الناس إلى بلادهم، حتى يتمكن من التحقيق
فى الأمر وإقامة الحد، وقد اقتنع الصحابة بهذا الحل، لكن الأمور
تطورت تطورًا آخر على غير ما يهوى الجميع. - وتغيير كل ولاة
«عثمان» على الولايات الكبرى: «مصر» و «الشام»، و «الكوفة»،
و «البصرة» حتى تهدأ الفتنة. وقد اتخذ «على» بالفعل قرارًا
بذلك، فعزل «معاوية بن أبى سفيان» عن الشام، وعين بدلا منه
стр. 2048
«سهل بن حنيف»، وعزل «عبدالله بن سعد بن أبى السرح» عن
«مصر» وعين بدلا منه «قيس بن سعد بن عبادة»، وعزل «عبدالله
بن عامر» عن «البصرة» وعين بدلا منه «عثمان بن حنيف»،
وعزل «أبا موسى الأشعرى» عن «الكوفة»، وعين بدلا منه
«عمارة بن شهاب». وهذا القرار الخطير راجعه فيه أقرب الناس
وأخلصهم له، ابن عمه «عبدالله بن عباس»، ونصحه بالانتظار
فترة ولو لمدة سنة، لتكون الأمور قد هدأت واستقرت، ويتم
التغيير فى ظرف مناسب، لكن الإمام أصر على تنفيذ قراره
محتجًا بأن هؤلاء الثوار ثاروا غضبًا من ولاة «عثمان»، سواء
أكانوا مخطئين أم مصيبين، ولن تهدأ ثورتهم إلا إذا عُزِلوا.
وإزاء إصرار على - رضى الله عنه - على تنفيذ قراره، اقترح
«ابن عباس» أمرًا آخر، بأن يعزل من يشاء من الولاة، ويُبقى
«معاوية» على ولاية الشام، وكان اقتراحًا ذكيًا وجيهًا،
فمعاوية لم يكن موضع شكوى أحد من رعيته، ولم يشترك أهل
الشام فى الثورة على «عثمان» وقتله، وعلى هذا فلو أقره
علىّ فى ولاية الشام، فلن يلومه أحد، وكان «ابن عباس» يعرف
من ناحية أخرى أن «معاوية» لن يذعن لقرار العزل، وسيبقى
فى لايته، مسببًا متاعب كثيرة، ومع هذا صمم الإمام «على بن
أبى طالب» على عزل ولاة «عثمان» جميعًا بما فيهم «معاوية».
بدأ الولاة الجدد يتجهون إلى ولاياتهم لمباشرة أعمالهم، فذهب
«قيس بن سعد» إلى «مصر»، ودخلها بدون متاعب؛ لأن واليها
القديم «عبدالله بن سعد» تركها منذ علمه بمقتل «عثمان»،
وذهب إلى «فلسطين»، واعتزل الفتنة، وبقى هناك حتى مات
فى مدينة «عسقلان» سنة (٣٧هـ). وكذلك دخل «عثمان بن
حنيف» «البصرة»، وتولى شئونها بدون مشاكل؛ لأن واليها
«عبدالله بن عامر» كان قد تركها وذهب إلى «مكة». أما
«عمارة بن شهاب» فلم يمكنه أهل «الكوفة» من دخولها،
وتمسكوا بواليهم «أبى موسى الأشعرى»، فوافق الإمام
«على» على ذلك، وأقر عليهم «أبا موسى الأشعرى». وكذلك
стр. 2049
لم يستطع «سهل بن حنيف» دخول الشام، فقد منعه «معاوية بن
أبى سفيان»، رافضًا قرار العزل. وهنا لم يعامل الإمام «على»
الشام معاملة «الكوفة»، فإنه رفض إقرار «معاوية» فى ولاية
الشام، مع أن تمسك أهلها به كان أشد من تمسك أهل
«الكوفة» بأبى موسى الأشعرى. بين على ومعاوية: دارت
مراسلات عديدة بين «على» و «معاوية» - رضى الله عنهما -
يطلب الأول من الآخر مبايعته بالخلافة، والإذعان لأوامره،
باعتباره الخليفة الشرعى الذى بايعه معظم الصحابة فى
«المدينة»، على حين يطلب الثانى من الأول القصاص من قتلة
«عثمان»، باعتباره ولى دمه، لأنه ابن عمه، وبعدها ينظر فى
بيعته. ولم تكن وجهة نظر الإمام فى قضية القصاص رافضة، لكنه
كان يرغب فى تأجيلها حتى تتهيأ الظروف المناسبة، ولكن
«معاوية» تمسك بالقصاص أولا، وجعله شرطًا لازمًا يسبق البيعة.
ولما لم تؤد الاتصالات بينهما إلى نتيجة، وصلت رسالة من
«معاوية» إلى «على» تتضمن جملة واحدة، هى: «من معاوية
إلى على»، بعثها «معاوية» بيضاء مع رجل يدعى «قبيصة» من
«بنى عبس»، وأمره أن يدخل بها «المدينة»، رافعًا يده حتى
يراها الناس، ويعلموا أن «معاوية» لم يبايع «عليًّا»، إذ يخاطبه
باسمه فقط دون أن يصفه بأمير المؤمنين. وأدرك علىٌّ رضى
الله عنه- أن حمل معاوية على البيعة سلمًا غير ممكن، فأخذ يعد
العدة لحمله على البيعة بالقوة، باعتباره خارجًا على طاعة
الخليفة، على الرغم من أن كثيرين نصحوه بعدم اللجوء إلى
الحرب لعواقبها الوخيمة، ومن بينهم ابنه «الحسن» لكن الإمام
«على» أصر على موقفه، وبينما هو يستعد لذلك، جاءته أخبار
أخرى مفزعة من «مكة»، تخبره بمسير «عائشة» وجماعتها إلى
«البصرة». خرجت السيدة «عائشة» - رضى الله عنها - ومعها
فى البداية نحو ألف رجل لكن هذا العدد تضاعف عدة مرات،
بانضمام كثيرين إلى الجيش، نظرًا إلى مكانة «عائشة»، فلما
اقتربوا من «البصرة»، أرسل واليها «عثمان بن حنيف» إلى أم
стр. 2050
المؤمنين «عائشة» رسولين من عنده، هما «عمران بن حصين»
و «أبو الأسود الدؤلى» يسألانها عن سبب مجيئها. فقالت لهما:
«إن الغوغاء من أهل الأمصار ونزاع القبائل غزوا حرم رسول الله
ﷺ ، وأحدثوا فيه الأحداث وآووا فيه
المحدثين، واستوجبوا لعنة الله ورسوله، مع مانالوا من قتل إمام
المسلمين، بلا ترة ولا عذر، فخرجت فى المسلمين، أعلمهم ما
أتى هؤلاء». وكذلك سأل الرسولان «طلحة» و «الزبير» - رضى
الله عنهما - عن سبب مجيئهما، فقالا: «الطلب بدم عثمان»، فرجع
الرجلان وأخبرا «عثمان بن حنيف»، فقال: «إنا لله وإنا إليه
راجعون! دارت رحى الإسلام ورب الكعبة»، وأصرَّ على منعهم
من دخول «البصرة»، فدارت بينه وبينهم معركة عند مكان يُسمى
«الزابوقة» قُتل فيها نحو ستمائة من الفريقين، فلما رأوا كثرة
القتلى تنادوا إلى الصلح والكف عن القتال، وانتظار قدوم الإمام
«على» إلى «البصرة»، وتم الصلح على أن يتركوا للوالى دار
الإمارة والمسجد وبيت المال، وينزلوا هم فى أى مكان بالبصرة.
وصل «على» إلى «البصرة» وعلم بما حدث من سفك الدماء
وهاله ذلك، فأرسل على الفور «القعقاع بن عمرو التميمى» إلى
معسكر «عائشة» و «طلحة» و «الزبير»، ليعرف ماذا يريدون،
فقالت «عائشة» - رضى الله عنها -: «خرجنا لنصلح بين الناس»،
وكذلك قال «طلحة» و «الزبير»، فسألهم «ما وجه الإصلاح الذى
تريدون»، قالوا: «قتلة عثمان»، قال: «لقد قتلتم ستمائة من قتلة
عثمان، فغضب لهم ستة آلاف من قبائلهم، وكنتم قبل ذلك أقرب
إلى السلامة منكم الآن»، قالوا: «فماذا ترى أنت؟»، قال:
«أرى أن هذا الأمر دواؤه التسكين»، واقترح عليهم تجديد
البيعة لعلى، ومقابلته، والتفكير بعد ذلك فيما يصلح المسلمين،
فقبلوا. ومعنى ذلك أن الجميع كانوا راغبين، فى الإصلاح، كل
على حسب اجتهاده، لكن عناصر الشر التى كانت لاتزال فى
معسكر «على» هى التى أفسدت السعى الذى قام به
стр. 2051
«القعقاع». كانت نقطة الضعف التى فى معسكر الإمام «على»
هى وجود كثيرين ممن اشتركوا فى قتل «عثمان» والتخطيط له،
وعلى رأسهم «عبدالله بن سبأ»، و «الأشتر النخعى»، ولم يكن
لعلى حيلة فى وجودهم معه، ولا قدرة على إبعادهم، لكونهم
قوة كبيرة تساندهم عصبات قبلية، وقد أدرك زعماؤهم الذين
تولوا كبر الثورة على «عثمان» أن الصلح بين الفريقين سيجعل
«عليًّا» يتقوى بانضمام الفريق الآخر إليه، ويقيم الحد عليهم
باعتبارهم قتلة «عثمان»، فعزموا على إفساد الأمر كله. وترتب
على هذا العزم أن عقد «ابن سبأ» لهم مؤتمرًا تدارسوا فيه الأمر،
فاقترح «الأشتر» أن يقتلوا «عليًا» كما قتلوا «عثمان» من قبل،
فتهيج الدنيا من جديد، ولا يقدر عليهم أحد، لكن هذا الاقتراح لم
يعجب «ابن سبأ»، فهو يريد أن يدخل الأمة كلها فى حرب
طاحنة، لا أن يقتل فرد واحد وإن كان خليفة المسلمين، فأمرهم
بشن هجوم فى ظلام الليل على جيش «عائشة» و «طلحة»
و «الزبير»، بدون علم الإمام «على»، فاستجابوا لرأيه، وبينما
الناس نائمون مطمئنون بعد أن رأوا بوادر الصلح تلوح فى
الأفق، إذا بهم يفاجئون بقعقعة السلاح، وكانت هذه هى بداية
حرب «الجمل» المشئومة التى راح ضحيتها خيرة الصحابة
«طلحة» و «الزبير» المبشران بالجنة، ونحو عشرين ألفًا من
المسلمين. لم تكن أم المؤمنين «عائشة»، ولا «طلحة» ولا
«الزبير» ولا أمير المؤمنين «على» يريدون سفك الدماء، ولا
يتصورون حدوث ذلك، وكل ما دفع السيدة «عائشة» ومن معها
إلى الخروج إنما هو اقتناعهم بأن «عثمان» قُتل مظلومًا،
وعليهم تقع مسئولية إقامة الحد على قتلته، ولم يكونوا أبدًا
معادين لعلى، أو معترضين على خلافته، وقد رأينا ميلهم جميعًا
إلى الصلح، لولا أن أتباع «ابن سبأ» (السبئية) أفسدوا كل
شىء وأشعلوا الحرب، ولقد ندمت السيدة «عائشة» ندمًا شديدًا
على ماحدث، وقالت: «والله لوددت أنى مت قبل هذا اليوم
стр. 2052
بعشرين سنة». بعد معركة «الجمل» توجه «على ابن أبى طالب»
بجيش يبلغ عدده نحو مائة ألف إلى «صفين»، واستعد «معاوية»
لمقابلته بجيش يقاربه فى العدد، ودارت بينهما معركة شرسة
فى شهر صفر سنة (٣٧هـ) قُتِل فيها من الجانبين نحو سبعين
ألفًا، خمسة وعشرين ألفًا من جيش «على»، وخمسة وأربعين
ألفًا من جيش «معاوية»، ولما رأى الناس كثرة القتلى من
الجانبين تنادوا يطلبون وقف القتال، فجعل أهل «العراق» (جيش
«على») يصيحون فى أهل الشام (جيش «معاوية») قائلين: من
لثغور «العراق» إن فنى أهل «العراق». ويرد الآخرون: من لثغور
الشام إن فنى أهل الشام. ومن هنا جاءت فكرة التحكيم. رفع
جيش «معاوية» المصاحف للاحتكام إليها، ووقف القتال فورًا،
بدلا من سفك الدماء، وكانت فكرة التحكيم من عند «عمرو بن
العاص»، وقد قبلها الطرفان، وأوقفت الحرب، بعد أن فزع
الناس لكثرة عدد القتلى. أوقفت الحرب، وطلب من «على»
و «معاوية» أن ينيب كل منهما شخصًا يتفاوض باسمه، للفصل
فى القضايا محل الخلاف، فأناب «معاوية» «عمرو بن العاص»،
وأناب «على» «أبا موسى الأشعرى» على كره منه وذلك فى
شهر صفر (٣٧هـ) وكان «على» قد حاول أن ينيب عنه «عبدالله
بن عباس»، لكن أنصاره، وبخاصة من أبناء «اليمن» بزعامة
«الأشعث بن قيس»، رفضوا ذلك بحجة عصبية، وأعلنوها
صراحة، كيف يكون الخلاف بين رجلين من «قريش»، ثم يكون
الحكمان رجلين من «قريش» أيضًا، لقد حسدوا قريشًا على
زعامتها للدولة الإسلامية التى استحقتها بسابقتها فى الإسلام،
لا بنسبها فقط. واتفق على أن يأخذ الطرفان مهلة مدتها ستة
أشهر، تهدأ فيها النفوس، ويجتمع الحكمان للتباحث والوصول
إلى حل، وبعد مفاوضات طويلة وصل الحكمان إلى نتيجة رأياها
أفضل الحلول، وهى عزل «على» -رضى الله عنه- عن الخلافة،
ورد الأمر إلى الأمة تختار من تشاء، أما التصرف العملى فى
إدارة البلاد التى كانت تحت يد كل من الرجلين المتحاربين،
стр. 2053
فيبقى كما كان: «على» يتصرف فى البلاد التى تحت حكمه
(وهى كل الدولة الإسلامية عدا الشام) و «معاوية» يتصرف فى
البلاد التى تحت حكمه (الشام). اجتهد الحكمان فيما توصلا إليه،
وأعلناه على الناس، غير أن «عليًّا» - رضى الله عنه - لم يقبل
تلك النتيجة، واعتبر الحكمين قد تجاوزا حدودهما؛ لأن الخلاف لم
يكن على منصب الخلافة، وإنما على إقامة الحد على قتلة
«عثمان»، وبيعة «معاوية» له، أيهما يسبق الآخر، ولذلك عدَّ
نفسه فى حل من هذه النتيجة، فعادت الأمور إلى ما كانت عليه
قبل التحكيم، أى إلى حالة الحرب. حاول «على» أن يدعو
أنصاره إلى حرب «معاوية» من جديد لكنهم كانوا قد ملوا
القتال، وتقاعسوا عنه، بل إنهم انقسموا إلى «شيعة» وافقوه
على ماصنع «وخوارج» اعتبروا التحكيم كان خاطئًا من أساسه،
مع أنهم هم الذين فرضوه عليه، ثم تجاوزوا ذلك إلى ما هو أكثر
تطرفًا، فاتهموا «عليًّا» بالكفر، لأنه حكَّم الرجال فى القرآن،
وصاغوا شعارًا أخذوا يرددونه «الحكم لله لا لك يا على»، وكان
هو يقول لهم: «كلمة حق أريد بها باطل»، وطالبوه بأن يعلن
كفره، ويتوب ويسلم من جديد، حتى يعودوا إليه ويقاتلوا معه،
فإذا لم يفعل فسوف يقاتلونه. ولا يمكن لمسلم أن يتصور كيف
يُكفَّر رجل من صحابة رسول الله المبشرين بالجنة، وممن رضى
الله عنهم تحت الشجرة فى «بيعة الرضوان»، وإزاء هذا التطرف
من «الخوارج» اضطر الإمام أن يحاربهم فى معركة شهيرة
تُسمى معركة «النهروان» بالقرب من «الكوفة»، وبعدها لم
يستطع أن يجمع شمل أنصاره لقتال «معاوية» من جديد كما
كان يريد، بل أجبرته الظروف على التفاهم والاتفاق معه. بعد
انقسام جبهة «على» إلى «شيعة» و «خوارج» ازداد موقفه
ضعفًا؛ لأن صراعه مع «الخوارج» كبده متاعب جسيمة، وفى
الوقت نفسه كان موقف «معاوية» يزداد قوة، وبخاصة بعد أن
استطاع الاستيلاء على «مصر» سنة (٣٨هـ)، بجيش قاده فاتحها
стр. 2054
الأول «عمرو بن العاص»، ونشر قوات له فى أطراف «العراق»،
وضم «اليمن» إليه، وأصبحت دولته تتسع بمرور الزمن، فى
الوقت الذى تضيق فيه دولة «على». وانتهى الأمر بأن جرت
بينهما مفاوضات طويلة، اتفقا على وضع الحرب بينهما وتكون
لعلى «العراق» وبلاد فارس ولمعاوية الشام فلا يدخل أحدهما
على صاحبه فى عمله بجيش ولا غارة .. وتراضيا على ذلك» ..
وهكذا أجبرت الظروف التى تكون أحيانًا أقوى من الرجال
«على بن أبى طالب» أن يصالح «معاوية»، ويسلم له بنصف
الدولة الإسلامية تقريبًا، يحكمها حكمًا مستقلا، وهو الذى رفض
فى بادئ الأمر إبقاءه واليًا على الشام وحدها يأتمر بأمره،
وينتهى بنهيه. إدارة الدولة وتثبيت الفتوحات فى عهده: على
الرغم من الظروف الصعبة التى واجهت الإمام «عليًّا» -رضى الله
عنه- فإنه أدار الدولة باقتدار وعدالة ونزاهة وتجرد، ولم يقصر
فى شأن من شئونها، واتخذ من «الكوفة» عاصمة لدولته منذ أن
خرج من «المدينة» إلى «البصرة» وبعد معركة «الجمل»، وظل
يحكم منها إلى أن لقى الله، وعهد بإدارة بقية أجزاء دولته إلى
أقرب الناس إليه، وأخلصهم له، فجعل «عبدالله بن عباس» واليًا
على «البصرة» وأخاه «عبيد الله بن عباس» واليًا على «اليمن»،
وأخاهما الثالث «قثم بن عباس» على «مكة» و «الطائف»، وعزل
«قيس بن سعد» عن «مصر»، وولى مكانه «محمد بن أبى بكر
الصديق». ولا لوم على «عثمان» و «على» إذا وليا أهل
قرابتهما؛ لأن كل واحد منهما اجتهد لمصلحة الأمة، وكان أمينًا
عليها، فعهد بإدارة الدولة إلى من رأى أنهم ينفذون سياسته،
ولم يولِّ أى منهما أحدًا محاباة أو لقرابة. ولم تشغل الإمام
«عليًّا» مشكلات الدولة الداخلية عن التصدى لمحاولات الانتقاض
التى حدثت فى بلاد فارس، فقد حاول الفرس تكرار ما فعلوه بعد
استشهاد «عمر بن الخطاب»، فأرسل إليهم «زياد بن أبيه» فى
جمع كثير، «فوطئ بهم أهل فارس، وكانت قد اضطرمت، فلم
стр. 2055
يزل يبعث إلى رءوسهم، يعد من ينصره ويعينه، ويخوّف من
امتنع عليه، وضرب بعضهم ببعض، فدل بعضهم على عورة
بعض، وهربت طائفة، وأقامت طائفة، فقتل بعضهم بعضًا،
وصفت له فارس، فلم يلقَ منهم جمعًا ولا حربًا». أما الروم فلم
يتحركوا؛ لأن الإمبراطور «قنسطانز» لما عرض عليه بعض قواده
أن ينتهزوا فرصة الحروب التى جرت بين «على» وأصحاب
«الجمل»، وبينه وبين «معاوية»، ويغيروا من جديد على «مصر»
و «الشام»، رفض الإمبراطور معللا ذلك بأن غزوه لمصر والشام
سيجعل المسلمين يتصالحون ويتحدون ويقاتلوننا جميعًا، ولن
نقوى عليهم، فخير لنا أن نتركهم يقتل بعضهم بعضًا حتى
يضعف شأنهم. استشهاد على رضى الله عنه: جاءت نهاية الإمام
«على بن أبى طالب» على يد «الخوارج»، أنصاره السابقين،
الذين بلغ بهم الغلو والتطرف حدًا اعتبروا فيه «عليًّا» و «معاوية»
و «عمرو بن العاص» أئمة ضلالة، وحمَّلوهم مسئولية ما حدث،
وقرروا قتل الثلاثة جميعًا، واتفقوا أن يتم التنفيذ فى وقت
واحد، هو فجر اليوم السابع عشر من شهر رمضان سنة (٤٠هـ)؛
تيمنًا بذكرى معركة «بدر» حسب تصور نفوسهم المريضة
وعقولهم الفاسدة، وانتدبوا ثلاثة للقيام بهذه المهمة، هم
«عبدالرحمن بن ملجم»، و «البرك بن عبدالله»، و «عمرو بن بكر»،
على أن يذهب الأول إلى «الكوفة» لقتل «على»، والثانى إلى
«دمشق» لقتل «معاوية»، والثالث إلى «مصر» لقتل «عمرو بن
العاص». وشاءت إرادة الله - تعالى - أن ينجو «معاوية»
و «عمرو» من القتل، وأن تكون الشهادة من نصيب «على»،
حيث ضربه «عبدالرحمن بن ملجم» بسيف مسموم فى جبهته،
فشقها فمات من أثر الضربة بعد وقت يسير، بعد أن قضى أربع
سنوات وبضعة شهور، لم يذق فيها طعم الراحة، وحاصرته
المشكلات والمتاعب، وأنهكته الحروب من كل جانب.
стр. 2056
* زهير بن قيس البلوى
تسلَّم «زهير بن قيس البلوى» قيادة الجيش خلفًا لعقبة بن نافع
سنة (٦٣هـ)، وعزم على الثأر من البيزنطيين و «البربر»، لكنه لم
يستطع أن يحقق هدفه إلا فى سنة (٦٩هـ)، نظرًا لانشغال الدولة
الأموية بالأحداث والفتن الخطيرة التى حدثت فى الداخل بعد
وفاة «يزيد بن معاوية» سنة (٦٤هـ). تحرّك «زهير» بجيش كبير
وزحف على «القيروان» سنة (٦٩هـ)، والتقى على مقربة منها
بجيش «كسيلة»، فهزم «البربر» هزيمة ساحقة بعد معركة شديدة
وفى أثناء عودته إلى «برقة» للدفاع عنها - بعد ما نمى إلى
علمه أن البيزنطيين زحفوا عليها فى جموع عظيمة - تعرض
لهجوم بيزنطى مفاجئ، فلقى حتفه هو ومن معه.
стр. 2057
* الفارابى
هو أبو نصر محمد بن محمد بن طرخان الفارابى، أكبر فلاسفة
الإسلام، والمعلم الثانى بعد أرسطو. وُلِد فى بلدة قرب فاراب
(مدينة أترار الحالية بجمهورية قازاقستان) سنة (٢٦٠هـ =
٨٧٤م)، وكان والده جنديًّا تركيًّا فقيرًا، وانتقل الفارابى إلى
بغداد فنشأ بها وتعلم النحو والعربية على ابن السراج المُتوفَّى
سنة (٣١٦هـ)، والحكمة والفلسفة على عالم مسيحى يُدعى
يوحنا بن جيلان، وأجاد العديد من اللغات وبرع فى الرياضيات
والشعر والموسيقى، ويُنسب إليه اختراع آلة القانون، وانتقل
بعد ذلك إلى دمشق وعاش فى كنف الأمير سيف الدولة
الحمدانى، ويُعد الفارابى أول من نقل المنطق اليونانى تامًّا
إلى اللغة العربية، وقد أعجب بأرسطو، فشرح كتبه المنطقية،
وعلق عليها، وعنه نقلت إلى عدة لغات أوربية. وأهم كتبه:
رسالة فى العقل وإحصاء العلوم وآراء أهل المدينة الفاضلة.
وكان الفارابى زاهدًا قليل المخالطة للناس، وقد تُوفِّى سنة
(٣٣٩هـ = ٩٥٠م) فى دمشق ودُفن بها وقد تجاوز الثمانين من
عمره.
стр. 2058
* أبو داود
هو أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير الأزدى
السجستانى، أحد كبار حفاظ الحديث، وأحد رجل الصحاح، وُلِد
سنة (٢٠٢هـ) وأصله من خراسان. سمع من المحدثين بمصر
والشام والحجاز والعراق وخراسان، وكان كثير الترحال فى
طلب الحديث حتى أصبح إمام أهل الحديث فى عصره، وصنَّف
كتابه السنن الذى انتخب فيه (٤٨٠٠) حديث من (٥٠٠.٠٠٠) حديث
، وقد عُرض هذا الكتاب على الإمام أحمد بن حنبل فاستحسنه،
ومن كتبه أيضًا: المراسيل والدعاء. وقد حدث عنه الإمام
النسائى، والإمام أحمد بن حنبل. وكان أبو داود زاهدًا كثير
العبادة، وتُوفِّى بالبصرة سنة (٢٧٥هـ).
стр. 2059
* الغزالى
هو أبو حامد محمد بن محمد بن أحمد الغزالى، حُجة الإسلام
وأكبر فلاسفة الإسلام ومتصوفيه. وُلِد سنة (٤٥٠هـ = ١٠٥٩م)
فى مدينة طوس (مشهد الإيرانية)، وكان والده رجلاً صالحًا فقيرًا،
مات وعهد بأبنائه ومنهم الغزالى إلى صديق له، تولى تربيتهم،
وألحق الغزالى بمدرسة تلقى من خلالها العلم، ثم ذهب إلى
جرجان ونيسابور فتتلمذ لإمام الحرمين الجوينى المُتوفَّى سنة
(٤٧٨هـ) وأخذ عنه أصول الفقه والمذهب الأشعرى، وأتقن
الغزالى الفارسية، وعاش فى كنف آل سلجوق حتى علا شأنه
عند الوزير نظام الملك الذى عهد إليه بإدارة المدرسة النظامية،
وكان واسع العلم والاطلاع فاحتل مكانة عالية بين العلماء، رغم
أنه لم يكن قد تجاوز (٣٣) سنة من عمره، وقد رحل الغزالى إلى
دمشق والإسكندرية وبيت المقدس واعتكف فترة لتأليف الكتب
فأخرج أشهر كتبه التى تجاوزت (٢٠٠) مصنف، أهمها: إحياء
علوم الدين وتهافت الفلاسفة وبعض الرسائل فى نقد المذهب
الباطنى، والاقتصاد فى الاعتقاد، والمنقذ من الضلال، ثم
تحول الغزالى إلى التصوف وتعمق فى علومه ومعارفه، حيث
أسس فى مسقط رأسه ملجأ للصوفية، وقضى بقية أيامه فى
تعبد وتأمل حتى وفاته سنة (٥٠٥هـ = ١١١١م).
стр. 2060
* أبو حامد الغزالى
هو أبو حامد محمد بن محمد بن أحمد الغزالى، حُجة الإسلام
وأكبر فلاسفة الإسلام ومتصوفيه. وُلِد سنة (٤٥٠هـ = ١٠٥٩م)
فى مدينة طوس (مشهد الإيرانية)، وكان والده رجلاً صالحًا فقيرًا،
مات وعهد بأبنائه ومنهم الغزالى إلى صديق له، تولى تربيتهم،
وألحق الغزالى بمدرسة تلقى من خلالها العلم، ثم ذهب إلى
جرجان ونيسابور فتتلمذ لإمام الحرمين الجوينى المُتوفَّى سنة
(٤٧٨هـ) وأخذ عنه أصول الفقه والمذهب الأشعرى، وأتقن
الغزالى الفارسية، وعاش فى كنف آل سلجوق حتى علا شأنه
عند الوزير نظام الملك الذى عهد إليه بإدارة المدرسة النظامية،
وكان واسع العلم والاطلاع فاحتل مكانة عالية بين العلماء، رغم
أنه لم يكن قد تجاوز (٣٣) سنة من عمره، وقد رحل الغزالى إلى
دمشق والإسكندرية وبيت المقدس واعتكف فترة لتأليف الكتب
فأخرج أشهر كتبه التى تجاوزت (٢٠٠) مصنف، أهمها: إحياء
علوم الدين وتهافت الفلاسفة وبعض الرسائل فى نقد المذهب
الباطنى، والاقتصاد فى الاعتقاد، والمنقذ من الضلال، ثم
تحول الغزالى إلى التصوف وتعمق فى علومه ومعارفه، حيث
أسس فى مسقط رأسه ملجأ للصوفية، وقضى بقية أيامه فى
تعبد وتأمل حتى وفاته سنة (٥٠٥هـ = ١١١١م).
стр. 2061
* ابن مالك
هو أبو عبد الله محمد بن مالك الطائى الأندلسى، من أشهر
علماء النحو. وُلِد فى جيان الأندلسية سنة (٦٠٠هـ)، وتلقى النحو
والقراءات على يد ثابت بن خيار الأندلسى المُتوفَّى سنة (
٦٢٨هـ) وأبى الحسن السخاوى المُتوفَّى سنة (٦٤٣هـ) وموفق
الدين بن يعيش المُتوفَّى سنة (٦٤٣هـ). وقد استخدم ابن مالك
بعض المصطلحات الجديدة فىالنحو، مثل: نائب الفاعل والبدل
المطلق، وألف فى النحو واللغة والقراءات والحديث، وأهم كتبه:
الكافية الشافية وهى أرجوزة فى قواعد النحو والصرف،
والألفية (أشهر ماكتب)، قواعد جمعت العربية فى ألف بيت،
وتعددت شروحها، وتسهيل الفوائد وتكميل المقاصد وهو كتاب
مختصر فىالنحو. وقد تُوفِّى ابن مالك فى دمشق سنة (٦٧٢هـ
= ١٢٧٤م).
стр. 2062
* زياد بن أبيه
وُلِد زياد فى العام الأول للهجرة بالطائف، واختلف فى اسم أبيه
، فقيل: عبيد الثقفى، وقيل: أبو سفيان. أدرك زياد النبى،
ولكنه لم يره، وأسلم فى عهد أبى بكر الصديق، رضى الله عنه،
ولمعرفته بالكتابة جعله أبو موسى الأشعرى كاتبًا له أيام
ولايته على البصرة واستعمله عمر بن الخطاب، رضى الله عنه،
على صدقات البصرة ثم عزله، وفى خلافة على بن أبى طالب،
رضى الله عنه، ولاه على فارس، ولما استشهد على وتولى
معاوية الخلافة اعتصم زياد بفارس، وامتنع على معاوية، ثم
صالحه معاوية واستقدمه، فلما قدم زياد عليه استلحقه معاوية
بنسبه وولاه البصرة ثم الكوفة، وعُرف زياد فى ولايته بالشدة
والحزم، وقد أدت شدته هذه إلى الحد من خطر الخوارج. وتُوفِّى
زياد عام (٥٣هـ = ٦٧٣م) بالكوفة.
стр. 2063
* رقية بنت محمد ﷺ -
هى رقية بنت محمد ﷺ ، أمها خديجة بنت
خويلد أم المؤمنين، رضى الله عنهما. وُلِدت رقية فى الجاهلية،
وهى الثانية من بنات النبى الأربع، وهن: زينب ورقية وأم
كلثوم وفاطمة، رضى الله عنهن. تزوجت رقية عتبة بن أبى
لهب، ولم يدخل بها، فلما بُعِث النبى أمره أبو لهب أن يُطلقها،
فطلقها، وتزوجها عثمان بن عفان، رضى الله عنه، بعد إسلامه،
وهاجر بها إلى الحبشة الهجرتين، ثم هاجرت معه إلى المدينة
ومرضت قبيل غزوة بدر الكبرى، وحين خرج الرسول إلى بدر
تخلف عثمان لتمريضها مع أسامة بن زيد، ثم تُوفيت، والمسلمون
فى المعركة، وجاءت البشرى بالنصر وهم يوارونها التراب.
стр. 2064
* زبيدة بنت جعفر
هى زبيدة بنت جعفر بن أبى جعفر المنصور الخليفة العباسى.
وُلِدت عام (١٤٥هـ = ٧٦٢م) وكان اسمها أمة العزيز وكنيتها أم
جعفر وأم الواحد. تزوجت ابن عمها الخليفة هارون الرشيد عام
(١٦٥هـ)، وأنجبت له محمدًا الأمين. اشتهرت زبيدة بأعمال البر
والخير، وإقامة العمائر، ومن منشئاتها: عين زبيدة بمكة التى
أجرت إليها الماء من وادى النعمان على مسيرة (١٠) كم من
مكة، ومهدت طريق الحج من العراق إلى الحجاز، وشيدت عليه
المرافق والمنازل، وحفرت الآبار والبرك، ومازال يُعرف باسم
درب زبيدة. تولى ابنها الأمين الخلافة، ثم قُتل فى صراعه مع
أخيه المأمون عام (١٩٨هـ)، وكان المأمون بعد توليه الخلافة
يبرها ويتعهدها، فكان يرسل إليها أموالاً كثيرة كل عام،
فتتصدق بأكثرها. وتُوفيت زبيدة عام (٢١٦هـ = ٨٣١م) فى عهد
الخليفة المأمون.
стр. 2065
* الحسن بن سهل
هو أبو محمد الحسن بن سهل بن عبد الله السرخسى، من وزراء
الدولة العباسية. وُلِد عام (١٦٦هـ)، وهو أخو الوزير الفضل بن
سهل، وكلاهما كان من الصابئة ثم أسلم. تولى الحسن عددًا من
المناصب، مثل: ديوان الخراج، وإمارة العراق والجزيرة،
واستطاع القضاء على بعض الثورات والفتن، مثل: ثورة أبى
السرايا والفتنة التى أثارها حميد الطوسى ببغداد. قرَّبه الخليفة
المأمون إليه واستوزره، وتزوج من ابنته بوران. واشتهر الحسن
بالأدب وجودة التوقيعات، وقرب إليه الشعراء وامتدحه كثير
منهم. وتُوفِّى الحسن بن سهل بسرخس عام (٢٣٦هـ).
стр. 2066
* بحيرى الراهب
راهب نصرانى، وقيل: إنه حبر من أحبار يهود تيماء، يدعى
سرجس من بنى عبد القيس. كان يتعبَّد فى صومعة له بالقرب من
مدينة بصرى بأرض الشام. وقد وردت قصة هذا الراهب مع رسول
الله فى كتب السيرة؛ فعندما خرج النبى وهو فى التاسعة من
عمره مع عمه أبى طالب وعير قريش فى رحلة إلى أرض الشام،
ونزلوا بصرى بالقرب من بحيرى الراهب، دعاهم إلى صومعته،
ولم يكن يدعوهم قبل ذلك حينما كانوا يمرون عليه، وذلك لمَّا
رأى الغمامة التى تُظلل النبى، فاجتمعوا إليه، فلما رأى بحيرى
النبى جعل يتأمله، وينظر إلى أشياء من جسده، قد كان يجدها
فى كتب عنده من صفاته، فلما فرغ القوم من طعامهم وتفرقوا،
قام بحيرى إلى النبى فسأله عن أمور فأجابه النبى بما وافق
ماعنده، فجعل ينظر بين عينيه، ثم كشف عن ظهره، فرأى خاتم
النبوة بين كتفيه، على موضع الصفة التى قرأها؛ فقبَّل موضع
الخاتم. ثم أوصى بالنبى عمه أبا طالب وعرَّفه أنه سيكون له
شأن عظيم.
стр. 2067
* ابن البَيْطار
هو ضياء الدين أبو محمد عبد الله بن أحمد بن البيطار المالقى
الأندلسى. من كبار علماء النبات والأعشاب والطب فىالنصف
الأول من القرن (٧هـ = ١٣م). وُلِد ابن البيطار فى مدينة مالقة
الأندلسية سنة (٥٧٥هـ = ١١٧٩م)، وكان والده بيطريًّا، ودرس
فى إشبيلية أنواع النباتات والأعشاب على كثير من العلماء.
وقام برحلة علمية بهدف حصر أنواع الأعشاب والنباتات الطبية
المختلفة، والتقاء الأطباء وعلماء النبات، فرحل إلى المشرق
مارًّا بالمغرب وتونس والجزائر وطرابلس وبرقة والحجاز
وغزة والقدس، ثم ذهب إلى اليونان وإيطاليا. والتقى خلال هذه
الرحلة كثيرًا من الأطباء وعلماء النبات والأعشاب، واستغرقت
هذه الرحلة من حياة ابن البيطار أكثر من ثلاثين عامًا، مكنته من
هذا العلم وأكسبته شهرة ومكانة مرموقة، وقد اتصف ابن
البيطار بالذكاء والخبرة واتساع المعرفة بعلم النبات والأعشاب،
واستخدمت كتبه فى تكوين أول معشبة نباتية، وأول صيدلية
إنجليزية أعدتها كلية الطب فى عهد جيمس الأول، ويُعد كتابه
الأدوية المفردة أحد أسس تكوين علم العقاقير الحديث. ترك ابن
البيطار عددًا من المصنفات العلمية فى الأعشاب والأدوية، منها:
الجامع لمفردات الأدوية والأغذية، والمغنى فى الأدوية المفردة،
وميزان الطبيب. وتُوفِّى ابن البيطار فى دمشق سنة (٦٤٦هـ =
١٢٤٨م).
стр. 2068
* ست الملك
هى ست الملك بنت الخليفة العزيز بالله نزار، وُلِدت بالمهدية فى
تونس عام (٣٥٩هـ = ٩٦٩م)، ورحلت مع أبيها إلى مصر، وهى
طفلة، وكانت أمها رومية مسيحية، تزوجها العزيز بالله حينما
كان وليًّا للعهد فأنجب منها ست الملك والحاكم بأمر الله.
اشتهرت ست الملك بعدة خصائص، أبرزها: الحزم والعزم والكرم
والسخاء والتسامح الدينى. وقد اتهمت ست الملك بتدبير مقتل
أخيها الحاكم، واختلفت روايات المؤرخين فى هذا الشأن بين
مؤيد ومعارض، وقد تم قتل الحاكم عام (٤١١هـ = ١٠٢٠م)،
وتولت ست الملك الوصاية على ابن أخيها الظاهر خلال السنوات
الأربع لحكمه، فأظهرت كفاءة ممتازة فى إدارة شئون البلاد،
وبذلت العطاء للجند، وظلَّت تشرف على أعمال الدولة حتى
وفاتها عام (٤١٥هـ = ١٠٢٤م).
стр. 2069
* أحمد بن ماجد
هو شهاب الدين أحمد بن ماجد بن عمر بن فضل. أحد كبار
الملاحين العرب. وُلِد بجلفار على الساحل الجنوبى من الخليج
العربى؛ حيث إمارة رأس الخيمة الحالية، ولا يعرف بالتحديد سنة
مولده، ويقال: إنه وُلِد سنة (٨٣٨هـ)، وينحدر ابن ماجد من أسرة
اشتهرت بالملاحة وارتياد البحار، فورث ذلك الفن عن أبيه وجده،
وحصَّل بجواره كثيرًا من العلوم والفنون خاصة فى علم الفلك.
ولاترجع شهرة ابن ماجد إلى كونه ملاحًا قديرًا فحسب ولا إلى
مؤلفاته الغزيرة فى علوم البحار والملاحة، وإنما اكتسب شهرته
من قيادته لسفينة الملاح البرتغالى فاسكو ديجاما سنة (١٤٩٨م)
من مالندى على ساحل إفريقيا الشرقية (فى كينيا حاليًّا) إلى
كلكتا فى الهند، وكان لهذا الحادث أثر خطير فى تاريخ
الملاحة، وأثر فى توالى الحملات الاستعمارية الأوربية لاحتلال
السواحل والمراكز المهمة فى المحيط الهندى. ولابن ماجد
مؤلفات كثيرة، منها: كتاب الفوائد فى أصول علم البحار
والقواعد، وحاوية الاختصار فى أصول علم البحار والأرجوزة
المعربة، وغيرها.
стр. 2070
* أحمد بن المدبر
هو ابو الحسن أحمد بن محمد بن عبيد الله المدبر. أحد كبار كتَّاب
الدولة العباسية فى القرن الثالث الهجرى، كان بليغًا، مترسِّلاً،
برع فى كثير من الفنون؛ فأعجب به الخليفة العباسى المتوكل
فولاه ديوان الخراج وغيره من الأعمال الجليلة، فحقد عليه بعض
الكتاب ووشوا به؛ فخرج إلى بلاد الشام، وتولى خراج دمشق،
ثم تولى خراج مصر واستقر بها وكثر ماله ونفوذه وأتباعه. ولما
وصل أحمد بن طولون إلى مصر واليًا عليها من قِبَل العباسيين
خرج أحمد بن المدبر لاستقباله فى موكب كبير، فلما رأى أحمد
بن طولون مافيه أحمد بن المدبر من أبهة ونفوذ؛ خشى من
ازدياد نفوذه، وأرسل ابن المدبر هدية لابن طولون فردَّها،
وساءت العلاقة بينهما. ومات أحمد بن المدبر سنة (٢٥٦هـ)،
وقيل: سنة (٢٧٠هـ).
следующие страницы →