← История

История · id 36578

موسوعة سفير للتاريخ الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (3 483 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

بالخلافة سنة (٦٤هـ)، فبدأ عهده بالقضاء على أنصار «ابن الزبير» فى الشام فى موقعة «مرج راهط» الشهيرة فى العام نفسه، ثم زحف إلى «مصر»، فاستردها بسهولة من والى «ابن الزبير» عليها، وعاد إلى «دمشق». وتُوفِّى سنة (٦٥هـ)، فخلفه ابنه «عبدالملك بن مروان»، الذى أخذ على عاتقه القضاء على «ابن الزبير» وغيره من خصوم الدولة الأموية، فهزم جيوش «ابن الزبير» بقيادة أخيه «مصعب» فى «العراق» سنة (٧٢هـ)، ثم أرسل «الحجاج ابن يوسف الثقفى» على رأس جيش للقضاء على «ابن الزبير» فى «مكة»، فنجح فى ذلك، وقتل «ابن الزبير» فى جمادى الأولى سنة (٧٣هـ). وبمقتله انهارت دولته التى استمرت نحو تسع سنوات (٦٤ - ٧٣هـ)، وكانت فى مبدأ أمرها تسيطر على معظم الدولة الإسلامية. كما نجح عبدالملك فى القضاء على دولتى الخوارج، وبذلك تخلَّص من خصومه، وقضى على الانقسامات التى أضعفت الدولة الإسلامية، وأعاد إليها وحدتها، ولذا عدَّه المؤرخون المؤسس الثانى للدولة الأموية، وعدُّوا سنة (٧٣هـ) عام الجماعة الثانى. أسباب سقوط دولة عبدالله بن الزبير: عندما بايع الناس «عبدالله بن الزبير» بالخلافة سنة (٦٤هـ) كانت كل عوامل النجاح متوافرة له، فقد بويع له بالخلافة فى وقت لم يكن فيه للمسلمين خلافة، وهو بذلك خليفة شرعى وليس خارجًا على خليفة، وكانت تلك دعامة قوية له، ثم إن معظم أقطار العالم الإسلامى قد بايعته راضية ومقتنعة به، لماضيه وماضى أسرته، وعلاقته الوثيقة ببيت النبوة. وعلى الرغم من ذلك كله فإن «عبدالله بن الزبير» أخفق فى الحفاظ على دولته لأسباب كثيرة، منها: - أنه قبع فى «مكة»، وهى على قداستها لم تكن تصلح عاصمة سياسية لدولة امتدت حدودها، فكان عليه أن ينتقل إلى قطر غنى، يتوسط الدولة كالعراق أو الشام، ولو فعل ذلك لكان أفضل له ولشد من عزيمة أنصاره؛ لأن كفته كانت ترجح كفة «مروان بن الحكم»

стр. 247

وابنه «عبدالملك» عند كثير من الناس، حتى فى الشام نفسها، فقد بايعه معظم أهلها. - امتناع «بنى هاشم» عن بيعته، فقد رفض أن يبايعه زعماؤهم، مثل: «عبدالله بن عباس» و «محمد بن على بن أبى طالب»، وكان قاسيًا معهم، فلم يعاملهم بما يليق بهم من التقدير والاحترام، مثلما كان يفعل معهم «بنو أمية»، بل تهددهم وسجنهم فلم يرضخوا له، وبايعوا «عبدالملك بن مروان»، كما امتنع عن بيعته «ابن عمر»، فأضعف ذلك كله موقفه. - معارضة الخوارج له، بعد أن رفض اعتناق أفكارهم وآرائهم، فانقلبوا ضده. - خيانة أهل «العراق»، وعدم إخلاصهم له، فقد تخلى معظمهم عن أخيه «مصعب» عندما التقت جيوشه بجيوش «عبدالملك بن مروان»، وانضموا إليها. - إسراف أخيه «مصعب» فى سفك الدماء، حتى ليروى أنه قتل ستة آلاف من أهل «الكوفة» دفعة واحدة، بعد مقتل «المختار بن عبيد الله الثقفى» سنة (٦٧هـ)؛ مما أوغر صدور قبائلهم على «آل الزبير»، فليس ببعيد أن يكون موقفهم فى معركته الفاصلة مع «عبدالملك» انتقامًا منه لما صنع بأهلهم. - شحه بالمال وعدم سخائه مع أنصاره، فى الوقت الذى كان فيه يسخو خصمه «عبدالملك بن مروان» على أنصاره، بل استطاع بالمال استمالة أنصار «ابن الزبير» نفسه إلى صفّه. ثورة عبدالرحمن بن الأشعث (٨١ - ٨٣هـ): هى واحدة من أعنف الثورات التى هبت فى وجه الدولة الأموية، ولم يكن الدافع إليها خلاف مذهبى مع الدولة، كما هو الحال مع الخوارج والشيعة، وإنما كان دافعها الأساسى الطموح الشخصى الذى لعب برءوس بعض أبناء القبائل الكبرى، وكان «عبدالرحمن بن الأشعث» زعيم هذه الثورة نموذجًا لها؛ إذ استغل العداء التقليدى والحقد الدفين الذى يكنه العراقيون لبنى أمية أسوأ استغلال، وأعلن الثورة عليهم. وخلاصة القصة أن «الحجاج بن يوسف» والى «العراق» (٧٥ - ٩٥هـ) أمَّر «عبدالرحمن بن الأشعث» على جيش كبير سنة (٨٠هـ) أطلق عليه

стр. 248

المؤرخون «جيش الطواويس»؛ لضخامته وحسن إعداده، وأمره بالتوجه إلى «سجستان» شرقىّ بلاد فارس؛ لمعاقبة ملكها «رتبيل» الذى نقض المعاهدة التى بينه وبين المسلمين، وفتح حدود بلاده للخارجين على الدولة الأموية، موفِّرًا لهم الأمن والحماية، فصبر عليه «الحجاج» على مضض، إلى أن فرغ من أمر الخوارج وقضى على «ابن الزبير»، فأرسل إليه هذا الجيش الهادر لتأديبه والقصاص منه. وبدلا من أن يمضى «عبدالرحمن بن الأشعث» لأداء المهمة المكلَّف بها، وقتال ملك كافر متمرد على الدولة، ارتد ثائرًا عليها، وشجعه على ذلك استجابة أهل «العراق» للثورة ورغبتهم فى التمرد على الدولة، وكانوا أغلبية فى الجيش الذى بلغ عدده مائة ألف مقاتل. وزاد الأمر سوءًا انخداع بعض العلماء من كبار التابعين بدعوة «ابن الأشعث»، فصدَّقوا دعواه بأنه إذا بويع بالخلافة فسيحكم بالعدل، ويعيد حكم الراشدين ويمحو مظالم «بنى أمية»، فاستجابوا له، وكان على رأسهم: «عامر الشعبى»، و «سعيد بن جبير» الذى جعله «الحجّاج» أمينًا على الأموال التى ينفق منها على الجيش، وكان لموقفهم هذا أثر كبير فى تمادى «ابن الأشعث» فى الثورة واستجابة الجنود له، وترتَّب على ذلك أعنف ثورة واجهت «عبدالملك بن مروان»، دامت نحو سنتين (٨١ - ٨٣هـ)، ودارت بينهما نحو ثمانين موقعة، قتل فيها عشرات الألوف من الرجال، وكان أشهرها معركة «دير الجماجم» التى استمرت مائة يوم، وانتهت بهزيمة «ابن الأشعث» فى شهر جمادى الآخرة سنة (٨٣هـ). لجأ «ابن الأشعث» بعد هزائمه إلى «رتبيل» ملك «سجستان»، وكان قد عقد معه اتفاقًا على أن يوفر له الحماية إذا هُزِم، لكن «الحجاج» طلب من «رتبيل» أن يسلمه «ابن الأشعث»، فعزم على تسليمه؛ لأنه كان حريصًا على عدم إثارة «الحجاج» أكثر من ذلك، فلما أحس «ابن الأشعث» بنية «رتبيل» على تسليمه، ألقى بنفسه من فوق القصر الذى كان يقيم به، فمات منتحرًا سنة (٨٥هـ).

стр. 249

الفتوحات في عهد عبد الملك بن مروان: فتوحات زهير بن قيس البلوي: تحرّك «زهير» بجيش كبير وزحف على «القيروان» سنة (٦٩هـ)، والتقى على مقربة منها بجيش «كسيلة»، فهزم «البربر» هزيمة ساحقة بعد معركة شديدة وفى أثناء عودته إلى «برقة» للدفاع عنها - بعد ما نمى إلى علمه أن البيزنطيين زحفوا عليها فى جموع عظيمة - تعرض لهجوم بيزنطى مفاجئ، فلقى حتفه هو ومن معه. - حسّان بن النعمان ودوره فى فتح شمالى إفريقيا: وصلت أخبار استشهاد «زهير» ومن معه إلى الخليفة «عبدالملك بن مروان» وهو مشغول بصراعه مع الخوارج والشيعة وآل الزبير، فلم يتمكن من القيام بعمل حاسم إلا بعد أن استقرت له الأوضاع، فأسند قيادة جبهة الشمال الإفريقى إلى «حسان بن النعمان» وأمده بجيش كبير من «مصر» والشام، بلغ عدده نحو أربعين ألف جندى. واستطاع «حسان» بعد جهد جهيد القضاء على الوجود البيزنطى فى الشمال الإفريقى، وأن يحطم مدينة «قرطاجنة» أكبر مركز بيزنطى، وأن يبنى محلها مدينة «تونس» الحالية، كما قضى على كل مقاومة للبربر، بعد أن حقق نصرًا هائلا على زعيمتهم الكاهنة التى آلت إليها الزعامة بعد مقتل «كسيلة»، ونعم المسلمون بأولى فترات الاستقرار فى «المغرب». ولم يكن «حسان بن النعمان» قائدًا عسكريا عظيمًا فحسب، بل كان رجل دولة وتنظيم وإدارة أيضًا، فأنشأ الدواوين، ورتَّب أمور الخراج والجزية، ووطَّد سلطان الحكم الجديد فى الثغور والنواحى، وجدد مدينة «القيروان»، وأنشأ بها المسجد الجامع، ووضع سياسات مستقبلية انتهت بأهل الشمال الإفريقى كله إلى اعتناق الإسلام. عبدالملك وإدارة الدولة: أظهر «عبدالملك» براعة فائقة فى إدارة الدولة وتنظيم أجهزتها، مثلما أظهر براعة فى إعادة الوحدة إلى الدولة الإسلامية، فاعتمد على أكثر الرجال -فى عصره- مهارة ومقدرة، وأعظمهم كفاءة وخبرة، وسياسة وإدارة، ومن أبرزهم «الحجاج بن يوسف الثقفى»

стр. 250

الذى عهد إليه «عبدالملك» بإدارة القسم الشرقى للدولة، الذى يتكون من «العراق»، وكل أقاليم الدولة الفارسية القديمة، وكان «الحجاج» عند حسن الظن به، فبذل أقصى طاقته فى تثبيت أركان الدولة، والقضاء على كل مناوئيها، وكذلك إخوة «عبدالملك» الذين كانوا من أبرز ركائز دولته، ومنهم: «بشر بن مروان»، «ومحمد بن مروان» و «عبدالعزيز بن مروان» الذى ولى «مصر» نحو عشرين سنة (٦٥ - ٨٥هـ). وتفقد «عبدالملك» أحوال دولته بنفسه وتابع أحوال عُمَّاله وولاته، وراقب سلوكهم، ولم يسمح لأحد منهم بأن يداهنه أو ينافقه. وأنجز أعمالا إدارية ضخمة، دفعت بالدولة الإسلامية أشواطًا على طريق التقدم والحضارة، تمثلت فى تعريب دواوين الخراج فى الدولة الإسلامية كلها، وتعريب النقود، وتنظيم ديوان البريد، وجعله جهازًا رقابيا، يراقب العمال والولاة ويرفع إليه تقارير عن سير العمل فى الولايات. وتُوفِّى «عبدالملك بن مروان» فى شوال سنة (٨٦هـ) بعد أن كرَّس كل وقته وجهده لتوطيد أركان الدولة، والسهر على رعاية مصالح المسلمين.

стр. 251

٥ - الوليد بن عبدالملك (٨٦ - ٩٦هـ): هو «الوليد بن عبدالملك بن مروان»، وُلد سنة (٥٠هـ)، وهو أكبر أبناء «عبدالملك»، الذى حرص على تربيتهم تربية إسلامية، فعهد بهم إلى كبار العلماء والصلحاء لتعليمهم وتربيتهم، وخص ابنه «الوليد» بعناية خاصة، لأنه ولى عهده، وخليفته فى حكم الدولة الإسلامية، فشب «الوليد» على الصلاح والتقوى، حافظًا للقرآن، دائم التلاوة له. تولَّى «الوليد» الخلافة بعد وفاة أبيه، الذى ترك له دولة واسعة الثراء، غنية بالموارد، قوية الساعد، مرهوبة الجانب، موحَّدة الأجزاء، متماسكة البناء، موطَّدة الأركان، فاستثمر ذلك على أحسن وجه فى الفتوحات الإسلامية، فاستكمل المسلمون فى عهده فتح الشمال الإفريقى كله، وفتحوا بلاد «الأندلس»، وأتمُّوا فى المشرق فتح بلاد «ما وراء النهر» - آسيا الوسطى - وفتح إقليم «السند» فى «شبه القارة الهندية». وبرز فى عهده عدد من القادة الكبار، منهم من أشرف على فتح تلك البلاد، مثل: «الحجاج بن يوسف الثقفى»، ومنهم من قاد تلك الفتوحات بنفسه، مثل: «قتيبة بن مسلم الباهلى» فاتح بلاد «ما وراء النهر»، و «محمد بن القاسم الثقفى» فاتح «السند»، و «موسى بن نصير» و «طارق بن زياد» فاتحى «الأندلس». كما نهض «مسلمة بن عبدالملك» أخو «الوليد» بمنازلة الدولة البيزنطية، ومواصلة الضغط عليها، والاستعداد لمحاصرة عاصمتها «القسطنطينية». الفتوحات في عهد الوليد بن عبد الملك: - موسى بن نصير واستكمال فتح الشمال الإفريقي: حلّ «موسى بن نصير» سنة (٨٥هـ) محل «حسان بن النعمان» فى ولاية شمالى إفريقيا وقيادة جيوش الفتح بها، فأكمل ما بدأه سابقوه من القادة العظام، وقدِّر له أن يجنى ثمار غرسهم، ففى ولايته تم فتح «المغرب» كله، وأقبل أبناؤه على اعتناق الإسلام فى حرية تامة، بعدما أدركوا وفهموا ما يحمله من عزة وكرامة وحرية وعدل ومساواة. فتح الأندلس:

стр. 252

«الأندلس» أو «شبه جزيرة أيبريا» هى الجزء الجنوبى الغربى من قارة «أوربا»، وتشمل فى الوقت الحاضر دولتى «إسبانيا» و «البرتغال». عندما استقر الأمر للمسلمين فى «المغرب» فى ولاية «موسى بن نصير»، وأقاموا فيها نظامًا عادلا ورحيمًا، كانت «الأندلس» تمرُّ بأسوأ أحوالها السياسية والاجتماعية والاقتصادية تحت حكم «القوط» الذين استبدوا بالبلاد ونعموا بخيراتها، تاركين سواد الشعب يعانى الفاقة والحرمان، فتطلع أهلها إلى المسلمين ليخلصوهم مما هم فيه من ظلم واستعباد. وكان الذى دعا المسلمين إلى فتح تلك البلاد هو «يوليان» حاكم ولاية «سبتة» المغربية الواقعة على ساحل البحر، والخاضعة لحكم «القوط» آنذاك، ولم يكن المسلمون قد فتحوها، فاتصل حاكمها بطارق بن زياد حاكم «طنجة»، وعرض عليه الفكرة، فنقلها إلى «موسى بن نصير» الذى اتصل بالخليفة «الوليد بن عبدالملك»، فأذن له الخليفة، على أن يتأكد من صدق نيات «يوليان»، وأن يرتاد البلاد بحملة استطلاعية، ليعرف أخبارها قبل أن يدخلها فاتحًا. - حملة طريف بن مالك الاستطلاعية: كلَّف «موسى بن نصير» أحد رجاله وهو «طريف بن مالك» على رأس خمسمائة جندى، بدخول «الأندلس» وجمع ما يمكن جمعه من أخبار، كما طلب من «يوليان» أن يوافيه بتقرير عن أوضاع البلاد، فاتفقت معلومات «طريف» التى جمعها مع تقرير «يوليان»، وكلها تفيد أن البلاد فى حالة فوضى، وتعانى من الضعف العسكرى، وأن الناس ينتظرون المسلمين ليرفعوا عنهم الظلم، وعاد جيش «طريف» سنة (٩١هـ) محملا بالغنائم. - طارق بن زياد فاتح الأندلس: اختار «موسى بن نصير» للقيام بمهمة فتح «الأندلس» طارق بن زياد» وهو من أصل بربرى لما يتمتع به من شجاعة ومهارة فى القيادة، فخرج فى سبعة آلاف جندى، معظمهم من «البربر»، وعبر المضيق الذى يفصل بين الساحل المغربى والساحل الأندلسى، والذى لايزال يحمل اسمه، ونزل على الجبل - الذى حمل اسمه أيضًا - فى شهر

стр. 253

رجب سنة (٩٢هـ)، واستولى عليه بعد عدة معارك مع القوات القوطية التى كانت تقوم بحراسته، وتوغَّل فى جنوبى البلاد. وما إن علم الملك «روذريق» بنزول المسلمين فى بلاده - وكان فى شمالى غربى البلاد مشغولا بقمع ثورة اندلعت ضده - حتى عاد مسرعًا للقاء المسلمين على رأس جيش قوامه نحو مائة ألف جندى، ولما علم «طارق» بعودة الملك طلب مددًا من «موسى بن نصير»، فأمدََّه بخمسة آلاف، وأصبح عدد جيشه اثنى عشر ألفًا، والتقى الفريقان فى أواخر شهر رمضان سنة (٩٢هـ)، وحقق المسلمون نصرًا حاسمًا، ويؤكد المؤرخون أن هذه المعركة المعروفة باسم معركة «شذونة» قد قررت مصير «الأندلس» لصالح المسلمين، لأن الجيش القوطى دُحر تمامًا، وهبطت روحه المعنوية إلى الحضيض، ولم يعد قادرًا على المقاومة، فانفتح الطريق أمام البطل الفاتح «طارق بن زياد»، ليستولى على مدن مهمة، مثل: «قرطبة»، و «غرناطة»، ووصل إلى «طليطلة» فى وسط البلاد، وكانت عاصمة البلاد فى ذلك الوقت. أرسل «طارق» إلى «موسى بن نصير» يبشره بهذه الانتصارات، ويطلب منه مددًا جديدًا، فعبر إليه بنفسه على رأس قوة كبيرة قوامها ثمانية عشر ألفًا، ونجح فى فتح عدد من المدن فى غربى البلاد مثل «إشبيلية» وهو فى طريقه إلى لقاء «طارق» فى «طليطلة». اتفق القائدان العظيمان على استكمال فتح «الأندلس»، فاتجه كل منهما إلى ناحية فأخذ «طارق بن زياد» طريقه إلى الشمال الشرقى، فى حين اتجه «موسى» إلى الشمال الغربى، ونجح الاثنان فى غضون عامين (٩٣ - ٩٥هـ) فى فتح معظم «شبه الجزيرة الأيبرية»، عدا منطقة جبلية فى أقصى الشمال الغربى، استعصت عليهم، أو لم يحفلوا بها، ولم يدروا أنها ستكون فيما بعد البؤرة التى ستنمو فيها المقاومة النصرانية. وقد استمر الإسلام فى «الأندلس» زهاء ثمانية قرون، شاد المسلمون خلالها حضارة عظيمة، جعلت منها البقعة الوحيدة المضيئة فى القارة

стр. 254

الأوربية كلها، التى كانت تعيش عصورًا مظلمة وتحيا حياة متخلِّفة. فتح بلاد ما وراء النهر: أطلق المسلمون اسم بلاد «ما وراء النهر» على البلاد المعروفة الآن باسم «آسيا الوسطى» الإسلامية، وتضم خمس جمهوريات إسلامية، كانت خاضعة للاتحاد السوفييتى، ثم منَّ الله عليهم، فاستقلُّوا بعد انهياره. وتقع بلاد «ما وراء النهر» بين نهر «جيحون» (أموداريا) فى الجنوب، ونهر «سيحون» (سرداريا) فى الشمال، وأهلها من أصول تركية، حلُّوا بها منذ القرن السادس الميلادى. وكانت هذه البلاد تتكون - عند الفتح الإسلامى - من عدة ممالك مستقلة، وهى: ١ - مملكة «طخارستان»، وتقع على ضفتى نهر «جيحون»، وعاصمتها «بلخ». ٢ - مملكة «الخُتّل»، وهى أول مملكة شمالى نهر «جيحون»، وعاصمتها مدينة «هلبك». ٣ - مملكة «صغانيان»، وعاصمتها تسمى «صغانيان» أيضًا. ٤ - مملكة «الصغد»، وعاصمتها مدينة «سمرقند»، ومن أهم مدنها «بخارى». ٥ - مملكة «خوارزم» وعاصمتها مدينة «الجرجانية». وكانت تُسمَّى هذه بالممالك الجيحونية، بالإضافة إلى عدة ممالك أخرى تقع على ضفتى نهر «سيحون»، سُميت بالممالك السيحونية، وهى «الشاش»، و «أشروسنة»، و «فرغانة». وهذه الممالك كلها تم فتحها خلال عشر سنوات (٨٦ - ٩٦هـ) فى خلافة «الوليد بن عبدالملك»، على يد «قتيبة بن مسلم الباهلى»، وبقوة دفع هائلة من «الحجاج بن يوسف الثقفى» والى «العراق» والمشرق. قتيبة بن مسلم فاتح بلاد ما وراء النهر: طرق المسلمون هذه البلاد عدة مرات منذ خلافة «عثمان بن عفان» رضى الله عنه، وغزاها عدد كبير من القادة المسلمين كان آخرهم «المهلب بن أبى صفرة»، ولم تكن حملاتهم عليها للاستقرار الدائم والفتح المنظم، وإنما كانت لتعرفها ومعرفة أحوالها. وبدأت المرحلة الحاسمة فى الفتح والاستقرار مع تسلم «قتيبة بن مسلم» قيادة جيوش الفتح وولاية إقليم «خراسان» سنة (٨٥هـ)،

стр. 255

وكانت الظروف مواتية له تمامًا، فالدولة الأموية كانت عندئذٍ فى أحسن حالاتها استقرارًا وهدوءًا وثراءً، فاجتمع لقتيبة مهارة القائد، وعزم الوالى - «الحجاج» - وتشجيعه، وقوة الدولة وهيبتها، فكانت فتوحاته العظيمة فى بلاد «ماوراء النهر». ولم يكن «قتيبة» قائدًا عسكريا فذا فحسب، بل كان إلى جانب ذلك رجل دولة، وصانع سياسة، وواضع نظم وإدارة، فعمل بعد تسلمه أمور الولاية على القضاء على الخلافات العصبية التى كانت تعصف بالقبائل العربية فى «خراسان»، من جراء التنافس فى الولايات، وجمع زعمائهم. ولم يكتفِ «قتيبة» بتوحيد صفوف القبائل العربية تحت راية الجهاد، بل عمل على كسب ثقة أهل «خراسان» الأصليين، فأحسن إليهم، وقرَّبهم وتودَّد معهم، وعهد إليهم بالوظائف، فاطمأن الجميع إليه، ووثقوا به وبقيادته. مراحل الفتح: مرت خطوات «قتيبة» فى فتح تلك البلاد التى استمرت نحو عشر سنوات (٨٦ - ٩٦هـ) عبر مراحل أربع هى: - المرحلة الأولى (٨٦ - ٨٧هـ): وفيها أخضع «قتيبة بن مسلم» إقليم «طخارستان»، الواقع على ضفتى نهر «جيحون»، ويبدو أن أوضاعه لم تكن قد استقرت للمسلمين تمامًا، منذ أن فتحه «الأحنف بن قيس» فى خلافة «عثمان بن عفان»، وكانت تلك بداية ناجحة، فبدون توطيد أقدامه فى «طخارستان» لم يكن ممكنًا أن يمضى لفتح «ما وراء النهر»، وأصبح يتمتع بهيبة كبيرة فى تلك البلاد؛ فما إن يسمع الملوك بمسيره إليهم، حتى يسرعوا إلى لقائه وطلب الصلح. - المرحلة الثانية (٨٧ - ٩٠هـ): وفيها فتح «قتيبة» إقليم «بخارى»، بعد حروب طاحنة، وانتظام حملاته عليها، وكان الغزو يحدث فى الصيف، لأن شتاء تلك البلاد كان قاسيًا شديد البرودة على العرب، لكنهم صبروا وجاهدوا حتى تمَّ لهم الفتح. والحقيقة أن جهل أهل البلاد بالإسلام، وتصورهم أن المسلمين جاءوا للاستيلاء على خيرات بلادهم، هو الذى جعلهم يقاومونهم، لكنهم لما

стр. 256

عرفوا أن المسلمين ليسوا غزاة، وإنما هداة يحملون إليهم الإسلام، أقبلوا على اعتناقه والإيمان بمبادئه. يقول المستشرق المجرى «أرمينوس فامبرى»: «إن بخارى التى قاومت العرب فى البداية مقاومة عنيفة، قد فتحت لهم أبوابها، لتستقبلهم ومعهم تعاليم نبيهم ﷺ ، تلك التعاليم التى قوبلت أول الأمر بمعارضة شديدة، ثم أقبل القوم عليها بعد ذلك فى غيرة شديدة، حتى لنرى الإسلام الذى أخذ شأنه يضعف اليوم فى جهات آسيا الأخرى، وقد غدا فى بخارى اليوم - (١٨٧٣م) - على الصورة التى كان عليها أيام الخلفاء الراشدين». - المرحلة الثالثة (٩٠ - ٩٣هـ): وفيها أكمل فتح حوض نهر «جيحون» كله، وتوَّج عمله بالاستيلاء على «سمرقند»، أعظم مدائن «ما وراء النهر» كلها. - المرحلة الرابعة (٩٣ - ٩٦هـ): وفيها عبر «قتيبة» نهر «سيحون»، وفتح الممالك السيحونية الثلاث: «الشاش»، و «أشروسنة»، و «فرغانة»، ووصل إلى إقليم «كاشغر» الذى يلامس حدود «الصين»، التى تهيأ لفتحها، لولا أن وفاة «الحجاج» سنة (٩٥هـ)، وبعده الخليفة «الوليد بن عبد الملك» سنة (٩٦هـ)، جعلته يتوقف عند هذا الحد، لكنه أجبر ملك «الصين» على دفع الجزية له مع رسوله إليه «هُبيرة بن المشمرج الكلابى». وقد أصبحت تلك البلاد جزءًا مهما وعزيزًا من العالم الإسلامى، نشأت فيه مراكز علمية وحضارية، مثل «سمرقند»، و «بخارى»، و «جرجان»، وغيرها، وخرجت عددًا هائلا من علماء المسلمين الذين ملأت أسماؤهم سمع الدنيا وبصرها. فتح السند: بدأ «الحجاج بن يوسف الثقفى» يعد العدة لفتح إقليم «السند» فى «شبه القارة الهندية»، بعد أن استقام الأمر له فى جنوبى بلاد فارس وتوطدت أقدام المسلمين هناك، وقضى على تمرد «رتبيل» ملك «سجستان»، وأخضع بلاده. ويُعد فتح بلاد «السند» شبيهًا بفتح بلاد «ما وراء النهر» من عدة وجوه، منها: - وحدة الزمان، فقد فتح المسلمون «السند» سنة (٨٩هـ).

стр. 257

-ووحدة القيادة العامة التى توجه الفتوحات، والتى تمثلت فى شخص «الحجاج الثقفى» الذى وقف وراء ابن عمه «محمد بن القاسم الثقفى» كما وقف وراء «قتيبة بن مسلم»، يعضِّد الفتح ويؤازره، ويمده بالرجال والعتاد. وقد سبق الفتحَ المنظم لبلاد «السند» سلسلةٌ من الحملات والغزوات التى قام بها المسلمون لمعرفة طبيعة البلاد وجمع المعلومات عنها، كما حدث لبلاد «ما وراء النهر»، فقد بدأ المسلمون يطرقون أبواب هذا الإقليم منذ عهد «عمر بن الخطاب»، ويمدنا «البلاذرى» بمعلومات ضافية عن حملات المسلمين الأولى قبل حملة «محمد بن القاسم الثقفى» فاتح «السند» (٨٩ - ٩٦هـ). عزم «الحجاج» على فتح إقليم «السند»، بعد أن استقرت أحوال الدولة الأموية، فأسند هذه المهمة إلى «محمد بن القاسم» وكان دون العشرين من عمره، وجهَّزه بما يكفل له النجاح من عدة وعتاد، وأمدَّه بستة آلاف جندى من أهل الشام، بالإضافة إلى ما كان معه من الجنود، فأصبح تحت قيادته نحو عشرين ألفًا فى تقدير بعض المؤرخين. اتخذ «محمد بن القاسم» من مقاطعة «مهران» فى جنوبى «فارس» قاعدة للفتح ونقطة انطلاق، فقسَّم جيشه نصفين، أحدهما برِّى والآخر بحرى، ثم تحرك قاصدًا مدينة «الديبُل» - وهى تقع قريبًا من «كراتشى» الحالية فى «باكستان» - وفتح فى طريقه إليها «فنزبول»، و «أرمائيل»، ثم وافته السفن التى كانت تحمل الرجال والعتاد، فحاصر «الديبل» واستولى عليها بعد قتال دام ثلاثة أيام، وترك فيها حامية من أربعة آلاف رجل، وبنى لهم مسجدًا. وكان لفتح المسلمين مدينة «الديبل» أثر كبير فى أهل «السند»، فسارعوا يطلبون الصلح فصالحهم «محمد بن القاسم» ورفق بهم، ثم سار إلى «البيرون» - «حيدر آباد السند» حاليا - فتلقاه أهلها وصالحوه كذلك، وكان لا يمر بمدينة إلا فتحها صلحًا أو عَنوة، وتوَّج ذلك كله بالانتصار على «داهر» ملك «السند»، ومضى يستكمل

стр. 258

فتحه، فاستولى على حصن «راوَدْ»، ثم «برهماناباذ»، و «الرور» و «بهرور»، ثم اجتاز نهر «بياس» وعبر إلى إقليم «الملتان»، فاستولى عليه بعد قتال شديد، وغنم كميات كبيرة من الذهب. وبينما يواصل «محمد بن القاسم» فتوحاته؛ إذ جاءته الأخبار بوفاة «الحجاج» سنده وعونه فى الفتح، فاغتم لذلك غما شديدًا؛ لكنه واصل فتوحاته حتى أتم فتح بلاد «السند»، وجاءته قبائل «الميد» و «الجات» و «الزط» تقرع الأجراس فرحة هاتفة، مرحبة به، لأنهم عدُّوه محررهم من ظلم الهندوس واستعبادهم. وفى هذه الأثناء مات الخليفة «الوليد بن عبدالملك» سنة (٩٦هـ)، وتولَّى أخوه «سليمان بن عبدالملك» منصب الخلافة، فعيَّن على «العراق» «صالح بن عبدالرحمن»، وكان واحدًا من ألد خصوم «الحجاج»، فقرر الانتقام منه على الرغم من وفاته سنة (٩٥هـ)، فى شخص ابن عمه «محمد بن القاسم»، فعزله عن قيادة الجيش، ولم يكتفِ بذلك، بل أمر بالقبض عليه ووضعه فى السجن، وظل يعذبه حتى مات. ومن العجيب أن هذا البطل الذى قتله أهله وعشيرته حزن عليه أهل «السند» الذين فتح بلادهم، لما رأوا فى عهده من عدل وسماحة وحرية، وصنعوا له التماثيل كما يروى «البلاذرى». النهضة العمرانية في عهد الوليد: شهد عصر الوليد بن عبد الملك نهضة عمرانية كبرى، فأعاد بناء «المسجد النبوى» وأدخل عليه توسعات كبيرة، وعهد إلى ابن عمه والى «المدينة» «عمر بن عبدالعزيز» بمتابعة ذلك، كما بنى «المسجد الأقصى» فى مدينة «القدس»، وبنى «مسجد دمشق»، وأنفق عليه كثيرًا ليكون آية من آيات العمارة، وعُنى عناية فائقة بتعبيد الطرق التى تربط بين أجزاء الدولة، التى امتدت أطرافها من «الصين» شرقًا إلى «الأندلس» غربًا، ومن «بحر قزوين» شمالا إلى «المحيط الهندى» جنوبًا، وبخاصة الطرق التى تؤدى إلى «مكة المكرمة»، لتسهِّل سفر حجاج بيت الله الحرام. وفى عهده سبقت الدولة الإسلامية كل دول العالم فى تقديم الخدمات

стр. 259

للناس مجانًا، وبخاصة الخدمات الطبية لأصحاب الأمراض المزمنة، يقول «الطبرى»: «كان الوليد عند أهل الشام أفضل خلائفهم، بنى المساجد، مسجد دمشق، ومسجد المدينة، ووضع المنابر، وأعطى الناس، وأعطى المجذومين، وقال لا تسألوا الناس، وأعطى كل مُقعَد خادمًا، وكل ضرير قائدًا، وفُتح فى عهده فتوح عظام». وتُوفِّى الوليد بن عبدالملك فى جمادى الآخرة سنة (٩٦هـ).

стр. 260

٦ - سليمان بن عبدالملك (٩٦ - ٩٨هـ): هو «سليمان بن عبدالملك بن مروان»، وُلد فى «المدينة»، ونشأ فى الشام، وبُويع له بالخلافة فى اليوم الذى تُوفِّى فيه أخوه «الوليد بن عبدالملك». كان «سليمان» من أفضل أولاد «عبدالملك»، ومن أكبر أعوان أخيه «الوليد» أثناء خلافته، وولى له «فلسطين»، وصفه «الذَّهبى» بقوله: «من أمثل الخلفاء - يعنى من أفضلهم - نشر علم الجهاد، وكان ديِّنا فصيحًا مفوَّهًا، عادلا محبا للغزو، استعان فى إدارة دولته وتصريف شئونها بعظماء الرجال وصالحيهم، من أمثال: ابن عمه «عمر بن عبدالعزيز»، و «رجاء بن حيوة». حافظ «سليمان» على هيبة الدولة ومكانتها، فواصل الجهاد والفتوحات، وأرسل جيشًا بقيادة أخيه «مسلمة بن عبدالملك» لحصار «القسطنطينية»، وأشرف بنفسه على هذه الحملة، حيث اتخذ من مدينة «مرج دابق» شمالى الشام مركز قيادة له؛ ليكون على مقربة من ميدان المعارك الحربية. اهتم الخليفة «سليمان بن عبدالملك» بفتح «القسطنطينية» اهتمامًا كبيرًا، وجهَّز لذلك جيشًا ضخمًا، بلغ زهاء مائة ألف جندى، ومزودًا بنحو ألف وثمانمائة سفينة حربية، وأسند قيادته إلى أخيه «مسلمة بن عبدالملك»، واتخذ هو من مدينة «مرج دابق» شمالى الشام مركز قيادة، يتابع منه أخبار الجيش وسير عملياته. وقد حاصر الجيش المدينة مدة عام كامل (٩٨ - ٩٩هـ) دون جدوى، فقد استعصت المدينة على السقوط، على الرغم من الاستعدادات الكبيرة للجيش الإسلامى وتضحياته الجسيمة. ولم تكن هذه الحملة والحملتان اللتان تمتا في عهد معاوية برغم عجزهم عن فتح «القسطنطينية» بغير فائدة، فقد شغلت الدولة البيزنطية بالدفاع عن نفسها وعن عاصمتها، وجعلت الاستيلاء عليها أملا إسلاميا لم يخبُ نوره أو تنطفئ جذوته عبر القرون، حتى حقَّقه السلطان العثمانى «محمد الفاتح» سنة (٨٥٧هـ = ١٤٥٣م)، وشيد مسجدًا بالقرب من قبر «أبى أيوب الأنصارى» أول شهيد إسلامى هناك.

стр. 261

وتُوفِّى سليمان بن عبد الملك في مرج دابق فى شهر صفر سنة (٩٩هـ)، ولذا قال بعض العلماء: إنه مات شهيدًا، بعد أن توَّج أعماله بعمل يدل على صلاحه وحرصه على مصالح المسلمين، وهو تولية ابن عمه «عمر بن عبدالعزيز» الخلافة من بعده.

стр. 262

٧ - عمر بن عبدالعزيز (٩٩ - ١٠١هـ): هو «عمر بن عبدالعزيز بن مروان بن الحكم»، وأمه «أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب». وُلد فى «المدينة المنورة» سنة (٢٦هـ) على الأرجح، ونشأ بها بناءً على رغبة أبيه، الذى تولَّى إمارة «مصر» بعد ولادة «عمر» بثلاث سنوات سنة (٦٥هـ)، فنشأ بين أخواله من أسرة «عمر بن الخطاب»، ونهل من علم علمائها من بقية الصحابة، وكبار التابعين، حتى صار من كبار الفقهاء علمًا وعملا. ظل «عمر» فى «المدينة» حتى سنة (٨٥هـ)، وهى السنة التى تُوفى فيها أبوه، فاستدعاه عمه «عبدالملك بن مروان» إلى «دمشق»، وخلطه بأبنائه، وزوَّجه ابنته «فاطمة»، ثم عيَّنه واليًا على منطقة «خناصرة» شمالى شرقى الشام، ثم عيَّنه ابن عمه «الوليد بن عبدالملك» واليًا على «المدينة المنورة»، فكان ذلك مصدر سعادة لعمر ولأهل «المدينة» جميعًا، ونعم الناس فى فترة ولايته عليها (٨٧ - ٩٣ هـ) بالعدل والأمن، وأشرك معه أهل العلم والفضل منهم فى إدارة أمور الولاية. عمر فى خلافته: أخذ «عمر بن عبدالعزيز» منذ أن ولى الخلافة فى بذل كل ما يملك من طاقة، وما يتمتع به من خبرة فى إصلاح أمور الدولة، واستقرار الأمن، ونشر الرخاء والعدل، وتحقيق الكفاية والوفرة فى كل أنحائها، والحرص على مال المسلمين، وإنفاقه فى وجوهه المشروعة، وحسن التصرف فى الأمور، والدقة فى اختيار الولاة والقضاة وسائر كبار رجال الدولة، وتحقيق التوازن بين طبقات المجتمع، ومجادلة الخارجين على الدولة بالحسنى؛ لإقناعهم بالعودة إلى حظيرة الجماعة كما فعل مع الخوارج حين عاودوا نشاطهم فى عهده فاستعمل معهم أسلوب الحوار، فاستجابوا له لمَّا أقنعهم بخطأ أفكارهم المتطرفة، ووعدوه بالهدوء، لكنهم هبُّوا من جديد بعد وفاته سنة (١٠١هـ)، ولم تهدأ ثوراتهم التى استمرت حتى آخر أيام الدولة الأموية. وقد سرت تلك الروح فى كل ناحية من نواحى الحياة فى الأمة

стр. 263

الإسلامية، فعمها الرخاء، وسادت فيها الكفاية والعدالة الاجتماعية، حتى إن عمال الصدقات كانوا يبحثون عن فقراء لإعطائهم فلا يجدون. سياسته الخارجية: رأى «عمر بن عبدالعزيز» أن الدولة اتسعت كثيرًا، وأن كثيرًا من المشاكل والأخطاء نشأت من ذلك الاتساع، فرأى وقف الفتوحات والاهتمام بنشر الإسلام فى البلاد التى تم فتحها، وإرسال الدعاة والعلماء لدعوة الناس بدلا من إرسال الجيوش والحملات، وقد أثمرت تلك الجهود نتائج محمودة، فأقبل أبناء الشعوب المفتوحة على اعتناق الإسلام، يجذبهم إليه سمعة الخليفة الحسنة، وسمو أخلاقه، ونبله وعدله، الذى تجاوز حدود دولته إلى غيرها من الدول، فكان موضع إعجاب وتقدير، وحمد وثناء من أهلها، وبخاصة الدولة البيزنطية. وقد استمرت خلافة «عمر» سنتين وبضعة أشهر، شهدت فيها الدولة إصلاحات عظيمة فى الداخل والخارج، وامتلأت الأرض نورًا وعدلا وسماحة ورحمة، وتجدَّد الأمل فى النفوس بإمكان عودة حكم الراشدين، واقعًا ملموسًا وحقيقة لا خيالا، وأن يقام المعوج، وينصلح الفاسد، ويُرد المنحرف إلى جادة الصواب، إذا استشعر الحاكم مسئوليته عن الأمة أمام الله، واستعان بأهل الصلاح من ذوى الكفاءة والقدرة، ومن ثم فليس بغريب أن يطلق على «عمر» «خامس الخلفاء الراشدين»، وأن يكون موضع تقدير أشد الفرق عداءً لبنى أمية كالشيعة والخوارج. وتُوفِّى «عمر بن عبدالعزيز» فى أواخر شهر رجب سنة (١٠١هـ).

стр. 264

٨ - يزيد بن عبدالملك (١٠١ - ١٠٥هـ): هو «يزيد بن عبدالملك بن مروان»، وأمه «عاتكة بنت يزيد بن معاوية ابن أبى سفيان»، وُلد فى «دمشق» سنة (٧١هـ) على وجه التقريب، وبويع له بالخلافة فى اليوم الذى تُوفى فيه ابن عمه «عمر بن عبدالعزيز» فى نهاية شهر رجب (١٠١هـ). وتدل أخباره قبل تولِّيه الخلافة على أنه كان يحب العلم ومجالسة العلماء، ولديه ميل إلى الاستقامة، وقد حاول بعد توليه الخلافة أن يقتدى بسلفه العظيم «عمر بن عبدالعزيز»، لكن قرناء السوء حالوا بينه وبين ذلك، وزيَّنوا له حياة اللهو واللعب، ويعبِّر عن ذلك «ابن كثير» بقوله: «فلما ولى - «يزيد بن عبدالملك» الخلافة - عزم على أن يتأسَّى بسيرة عمر بن عبدالعزيز، فما تركه قرناء السوء، وحسَّنوا له الظلم». ولم تكن مناعة «يزيد» ضد الانغماس فى حياة اللهو قوية، فاستجاب لقرناء السوء ورفاق اللهو، ولولا أن الدولة الأموية كانت زاخرة بالرجال الأفذاذ، وعامرة بالأبطال من أبناء الأسرة الحاكمة، لانهارت فى عصره، فقد عوَّض هؤلاء عدم كفاءة الخليفة لقيادة الدولة، ويأتى فى مقدمتهم أخوه: «مسلمة بن عبدالملك» فارس «بنى مروان»، وابن أخيه «العباس بن الوليد بن عبدالملك»، وابن عمه «مروان بن محمد بن مروان»، وقد نجح الأولان فى القضاء على الثورة العارمة، التى أشعلها «يزيد بن المهلب» سنة (١٠٢هـ)، أحد أبناء البيوتات العربية الطامحة إلى الخلافة بعد ما نجح فى السيطرة على معظم «العراق»، وعرّض الدولة للسقوط، كما تصدّوا لحركات الخوارج وكل مناوئى الدولة، وحافظوا على سلامتها. ولم تطل خلافة «يزيد»، فقد تُوفى فى أواخر شهر شعبان سنة (١٠٥هـ).

стр. 265

٩ - هشام بن عبدالملك (١٠٥ - ١٢٥هـ): هو «هشام بن عبدالملك بن مروان»، رابع أبناء «عبدالملك» الذين ولوا الخلافة، أمه «أم هاشم بنت إسماعيل المخزومى»، وُلد فى «دمشق» سنة (٧٢هـ)، وبويع له بالخلافة سنة (١٠٥هـ). ومع أن المصادر التاريخية لم تحدثنا كثيرًا عن حياته قبل الخلافة، وعمَّا إذا كانت له مشاركة فى تسيير أمور الدولة أم لا، فإنها تجمع على أنه كان ذا رأى وبصيرة، وحكمة وفطنة، حازمًا ذكيا، له بصر بالأمور، جليلها وحقيرها، محشوا عقلا على حسب تعبير «الطبرى». وكان من حسن الطالع للدولة الأموية وللمسلمين أن يخلف «هشام بن عبدالملك» أخاه «يزيد»، فقد ظل فى الخلافة نحو عشرين عامًا، أدار فيها الدولة بكفاءة عالية، وأظهر حكمة سياسية فى تعامله مع الكتلتين العربيتين الرئيسيتين فى الدولة، وهما عرب الجنوب (اليمن)، وعرب الشمال (قيس)، فلم يتحيز إلى كتلة ضد الأخرى، واحتفظ بعلاقة طيبة معهما ومع الجميع بصفة عامة، ولعل هذه السياسة هى التى كفلت للدولة الاستقرار النسبى طوال حكمه. وقد تمتع «هشام» بعديد من الصفات اللازمة لرجل الدولة، من حلم وتسامح وسعة صدر، وعدل وحزم، أما أبرز صفاته الإدارية على الإطلاق فهى قدرته الفائقة على تدبير الأموال وحسن التصرف فيها، مع تحرى العدل فى جمعها وإنفاقها على حد سواء، فنعمت الدولة فى عهده باستقرار مالى كبير. وأظهر «هشام» كفاءة عالية ومقدرة فائقة فى إدارة الشئون الخارجية للدولة، فحافظ على هيبتها فى عيون أعدائها، وبخاصة الدولة البيزنطية. ثورة زيد بن علي بن الحسين: لم يعكر صفو الدولة فى عهد «هشام» سوى ثورة «زيد بن على بن الحسين بن على» سنة (١٢١هـ)، حين حرّضه العراقيون على الثورة ضد «هشام»، والخروج عليه، ثم تخلَّوا عنه كما فعل أسلافهم مع جده «الحسين بن على» وكانت قد مضت فترة امتدت إلى أكثر من نصف قرن، منذ مصرع «المختار الثقفى» سنة (٦٧هـ)، دون أن يقوم

стр. 266

الشيعة بأية ثورة ضد الدولة الأموية، بسبب الضربات المتلاحقة التى حاقت بهم، وافتقارهم إلى الزعامة القوية التى تقودهم، لأن «على بن الحسين» - وهو الوحيد الذى نجا من مذبحة «كربلاء» - كان عازفًا عن الاشتغال بالسياسة، محبا للعلم متفرغًا للعبادة، غير أن ابنه «زيد بن على» - وكان عالمًا فاضلا - حدَّثته نفسه بالخلافة، ورأى أنه أهل لها، وعرف أهل «الكوفة» منه ذلك، فزيَّنوا له الثورة على «بنى أمية»، وقالوا له: «إنا لنرجو أن تكون المنصور، وأن يكون هذا الزمان الذى يهلك فيه بنو أمية». تشكك «زيد بن على» فى صدق نيتهم، وقوة عزيمتهم، وقال لهم: «إنى أخاف أن تخذلونى وتسلمونى كفعلتكم بأبى وجدى»، لكنه استجاب لهم على الرغم من تحذير أهله وأولاد عمومته من غدر أهل «الكوفة». انخدع «زيد بن على» بأهل «الكوفة» وأعلن الثورة على «هشام ابن عبدالملك» سنة (١٢١هـ)، فتكررت أحداث قصة جده «الحسين»، وأعاد التاريخ نفسه، فلم يتساهل الخليفة «هشام» مع ثورة تريد نقض ملكه والإطاحة بدولته، على الرغم من كراهيته لسفك الدماء، فأمر واليه على «الكوفة» «يوسف بن عمر الثقفى» فتصدَّى لزيد بن على الذى انفض عنه شيعته، وأسلموه إلى عدوه، كما أسلم أسلافهم جدَّه «الحسين»، ولم يبقَ معه فى اللحظات الحرجة من بين خمسة عشر ألفًا بايعوه وعاهدوه على النصرة، إلا نحو مائتى رجل، فاستطاع «يوسف بن عمر» أن يقضى فى سهولة ويسر على تلك الثورة، وقتل «زيد بن على» فى صفر سنة (١٢٢هـ). فحزن «هشام» على قتله، لأنه كان يكره سفك الدماء. وتُوفى «هشام بن عبدالملك» فى مطلع شهر ربيع الآخر سنة (١٢٥هـ).

стр. 267

١٠ - الوليد بن يزيد بن عبدالملك (١٢٥ - ١٢٦هـ): هو أول حفيد من أحفاد «عبدالملك بن مروان» يتولى الخلافة، طبقًا لنظام الوراثة الذى سار عليه الأمويون، إذ عَهِدَ «يزيد بن عبدالملك» إلى ابنه بالخلافة بعد أخيه «هشام بن عبدالملك». وتُعد خلافة «الوليد بن يزيد» بداية النهاية للدولة الأموية، وطليعة سقوطها؛ لأنه كان على شاكلة أبيه لهوًا ولعبًا، وإذا كان أبوه قد رزق من يعوض نقص كفاءته فى الحفاظ على سلامة الدولة، من إخوته وأبناء عمومته، فإن «الوليد» لم يجد مثل هذا النوع من أفذاذ الرجال، بل ثار عليه أبناء عمومته من أبناء «الوليد بن عبدالملك» وأخيه «هشام»، وشهد عصره أول انقسام داخلى بين الأسرة الأموية وأشده خطرًا. وقد حاول «الوليد» استرضاء الجند بزيادة رواتبهم، واستمالة الناس بزيادة أعطياتهم من الأموال الكثيرة التى تركها له عمه «هشام بن عبدالملك» فى خزانة الدولة، لكن ذلك لم يمنع الثائرين عليه من أبناء عمومته بزعامة «يزيد بن الوليد» من تلطيخ سمعته واتهامه بالفسق والفجور، والمبالغة فى تلك التهم والتشهير به؛ لأن «ابن الأثير» يقول: «إن الوليد لم يكن على هذه الدرجة من السوء، غير أن خصومه نجحوا فى خطتهم، وقتلوه فى جمادى الآخرة سنة (١٢٦هـ)، فاتحين بذلك أبواب الشر على الدولة من كل جانب، مفجِّرين الثورات والفتن فى كل مكان».

стр. 268

١١ - يزيد بن الوليد بن عبدالملك (١٢٦ - ١٢٧هـ): هو أول أموى من أم غير عربية يتولَّى الخلافة، فأمه فارسية تُدعى «شاه أفريد بنت فيروز بن يزدجرد الثالث» آخر ملوك الفرس. تولَّى الخلافة بعد مقتل ابن عمه «الوليد بن يزيد» سنة (١٢٦هـ)، وحاول أن يظهر الصلاح والتقوى، ويتشبه بعمر بن عبدالعزيز فى عدله وزهده، ليمحو من أذهان الناس فعلته الشنعاء بابن عمه، لكنه لم ينجح فى ذلك، إذ اضطربت عليه الأمور، ونقم عليه الجند بعد أن أنقص أعطياتهم التى كان قد زادها الخليفة السابق، ولقَّبُوه «يزيد الناقص». وقد اضطربت الدولة فى عهده اضطرابًا شديدًا، وجرَّ عليها بفعلته كوارث لا قِبَل لها بها، وشغل أبناء الأسرة الأموية فى صراعات داخلية دمويّة، فى الوقت الذى كانوا فيه أحوج الناس إلى الوحدة والتضامن إزاء الدعوة العباسية التى نشطت استعدادًا للانقضاض على الدولة. وزاد الأمر سوءًا أن «يزيد» عجز عن المحافظة على سياسة التوازن بين القبائل العربية التى انتهجها عمه «هشام بن عبدالملك»؛ فانحاز إلى أهل «اليمن» الذين ساعدوه فى الثورة على «الوليد»؛ مما أغضب عرب «قيس»، فثاروا عليه فى الشام معقل «بنى أمية»، ثم أخذ الخلل والاضطراب يسريان فى جميع أقاليم الدولة. وفى ظل هذه الأحداث الهائجة، والأجواء العاصفة توفى «يزيد» فجأة فى نهاية سنة (١٢٦هـ)، بعد حكم لم يتجاوز ستة أشهر، تاركًا الدولة غارقة فى حالة من الفوضى والغليان.

стр. 269

١٢ - إبراهيم بن الوليد بن عبدالملك (١٢٧هـ): على الرغم من مبايعة بعض الناس لإبراهيم بالخلافة بعد وفاة أخيه «يزيد» الذى كان قد عهد إليه بالخلافة، فإن الأمرلم يتم له، ولم يستطع أن يمسك بزمام الأمور فى الدولة التى انفرط عقدها، لذا يقول «الطبرى»: «كان الناس فى جمعة يسلمون على إبراهيم بن الوليد بالخلافة، وفى الأخرى بالإمارة، وفى الثالثة لا يسلمون عليه لا بالخلافة ولا بالإمارة»، كما رفضت معظم أقاليم الشام بيعته، وحمَّلته هو وأخاه «يزيد» مسئولية قتل «الوليد بن يزيد» وما ترتب على ذلك من فتن وشرور. وفى هذه الأثناء تحرك «مروان بن محمد بن مروان»، والى «أرمينيا» و «أذربيجان»، لإنقاذ الدولة من السقوط والضياع، بعد أن هاله وأفزعه ما أقدم عليه أبناء عمومته، وقدم إلى «دمشق» على رأس ثمانين ألف جندى، للقضاء على «إبراهيم بن الوليد» الذى هرب، فدخلها فى ربيع الآخر سنة (١٢٧هـ)، وبايعه الناس بالخلافة، مؤملين إنقاذ الدولة من الضياع، ولكن كان للأقدار رأى آخر، فقد شاءت أن تكتب فى عهده شهادة وفاة تلك الدولة.

стр. 270

١٣ - مروان بن محمد بن مروان بن الحكم (١٢٧ - ١٣٢هـ): هو آخر خلفاء «بنى أمية»، ولى حكم «أرمينيا» و «أذربيجان» منذ خلافة ابن عمه «هشام بن عبدالملك»، وكان من أكفأ الولاة، وأكثرهم خبرة وبصرًا بالأمور؛ فارسًا شجاعًا، بطلا مقدامًا، غيورًا على ملك «بنى أمية». أدرك «مروان» عواقب مقتل «الوليد بن يزيد» على البيت الأموى، فخرج من «أرمينيا» قاصدًا «دمشق»؛ ليثأر لمقتل «الوليد»، لكن الخليفة الجديد «يزيد بن الوليد» ترضَّاه، ورجاه أن يرجع، ووعده بإصلاح الأحوال، فرجع مؤمِّلا أن يفى الخليفة بوعده، غير أن الخليفة تُوفِّى فجاءة، تاركًا الدولة وأحوالها مضطربة، لأخيه «إبراهيم»، الذى عجز عن النهوض بأعباء الخلافة؛ مما دفع «مروان» إلى التحرك من جديد، قاصدًا «دمشق»، ليجد «إبراهيم» قد غادرها هربًا، فيدخلها، ويبايع له بالخلافة، ليقوم بآخر محاولة لإنقاذ الدولة الأموية، التى شاءت الأقدار أن تكون نهايتها على يديه. ولا يستطيع أحد أن يلوم «مروان» أو يحمله مسئولية زوال الدولة، فعوامل سقوطها كانت تتفاعل وتعمل من زمن بعيد، وكُتب له أن يجنى وحده الثمار المرة لأخطاء من سبقه، على الرغم مما بذله من جهد ومثابرة، وعزم لا يلين، فحارب فى أكثر من ميدان، وصارع أحداثًا عدّة، كانت كلها ضدَّه، وأول خطر واجهه هو انقسام البيت الأموى شيعًا وأحزابًا، وإشعال أبناء عمومته الثورات العارمة ضده فى الشام و «العراق»، ثم انقسام القبائل العربية؛ حيث وقفت القبائل اليمنية فى وجهه، وهم الأنصار التقليديون لبنى أمية، وانفجار المشكلات فى أنحاء الدولة كلها من «الأندلس» حتى بلاد «خراسان» و «ما وراء النهر». وقد بلغت حركة الخوارج أقصى درجات العنف فى عهد «مروان بن محمد» (١٢٧ - ١٣٢هـ)، وقد شهد آخر ثورات الخوارج وأشدها خطرًا، بقيادة «الضحاك بن قيس الشيبانى» فى «العراق»، و «أبى حمزة الخارجى» فى جنوبى الجزيرة العربية.

стр. 271

وفى الوقت الذى يواجه فيه «مروان» كل هذه الظروف الصعبة، منتقلا من ميدان إلى ميدان، ومن جبهة إلى أخرى دون كلل أو ملل، محاولا إنقاذ الدولة، وبث روح الحياة فيها، وتجديد الدماء فى أوصالها - تفاجئه رايات العباسيين منحدرة من «خراسان» كالسيل المنهمر، مكتسحة كل قواته فى طريقها، ولم تتوقف إلا بهزيمته وهو على رأس جيوشه فى معركة على «نهر الزاب» بالعراق، فى شهر جمادى الآخرة سنة (١٣٢هـ). ولم يجد «مروان» طريقًا سوى الهرب إلى «مصر»، غير أن العباسيين لاحقوه إلى هناك، واستطاع «صالح بن على بن عبدالله بن عباس»، عم أول خليفة عباسى أن يقتله فى قرية تُسمَّى «زاوية المصلوب» التابعة لبوصير الواقعة جنوبى «الجيزة»، فى ذى الحجة سنة (١٣٢هـ). سقوط الدولة الأموية: إن من يقرأ تاريخ الدولة الأموية منذ قيامها، ويدرس فتوحاتها ونظمها الإدارية، ومساهماتها الحضارية، وكفاءة خلفائها وولاتها، ربما لا يتوقع النهاية السريعة والسقوط المدوى لها، وبالفعل يعد سقوطها وانهيار بنيانها الشامخ من الأمور العجيبة فى التاريخ البشرى، غير أن ذلك العجب والدهشة يزولان، بعد دراسة العوامل والأسباب التى تفاعلت وعملت على تحقيق ذلك السقوط، وهى تتلخص فى الآتى: - أولا: ثورات الشيعة المتتالية ضد الدولة، بدءًا من ثورة «الحسين بن على بن أبى طالب» ضد «يزيد بن معاوية» واستشهاده فى «كربلاء» فى المحرم سنة (٦١هـ)، ونهاية بثورة «زيد بن على بن الحسين» سنة (١٢١هـ) ضد «هشام بن عبدالملك». وربما لا تكون ثورات الشيعة ذات أثر عسكرى فى الدولة الأموية، باستثناء حركة «المختار الثقفى»، لكن أثرها كان بعيد المدى فى نفوس الناس، وشحنها بالعداء لبنى أمية، وهذا ما استفاده دعاة العباسيين فى مرحلة التحضير لثورتهم. - ثانيًا: ثورات الخوارج وهذه كانت من العنف والقوة بحيث أسهمت إسهامًا واضحًا فى إضعاف الدولة الأموية، فلم تتركها تستريح،

стр. 272

وظلت تنفجر فى أماكن كثيرة، وبخاصة فى «العراق» والجزيرة العربية حتى آخر لحظة فى حياة الدولة، فقد سبق القول: إن الخوارج شغلوا آخر خليفة أموى، وهو «مروان بن محمد» بثوراتهم العنيفة عن التنبّه للخطر الداهم الذى زحف عليه من «خراسان»، بقيادة «أبى مسلم الخراسانى». - ثالثًا: العصبيات العربية التى احتدمت بين القبائل، وبخاصة بين عرب الجنوب (اليمن) وعرب الشمال (قيس)، وكانت تلك العصبيات قد خبت وكمنت بفضل تعاليم الإسلام التى أعلت من رابطة العقيدة، وجعلت التقوى والعمل الصالح ميزان التفاضل بين الناس لا أنسابهم أو أجناسهم. ثم بدأت تطل برأسها فى عهد «عثمان بن عفان»، وكانت من أسباب الفتنة التى راح ضحيتها الخليفة نفسه، واستمرت فى خلافة «على بن أبى طالب»، وكان لها أسوأ الأثر فى إفساد الأمر عليه، فزعماء القبائل اليمنية الذين معه مثل «الأشتر النخعى» و «الأشعث بن قيس» كانوا يتصرفون من منطلق قبلى، وأعلوا عصبيتهم فوق مصلحة الإمام «على»، بل فوق مصلحة الإسلام نفسه. فلما قامت الدولة الأموية استطاع «معاوية» بمهارته السياسية الفائقة أن يتعامل مع هذه العصبية القبلية بتوازن شديد؛ فاحتفظ بصداقة الجميع وطاعتهم، وكذلك فعل «عبدالملك بن مروان» وأولاده حتى «هشام بن عبدالملك» (١٠٥ - ١٢٥هـ)، ثم انفجرت العصبيات القبلية، وفتحت فاها كألسنة النيران، دون أن يستطيع أحد أن يوقفها أو يسد فاها، لأن خلفاء الأمويين الأواخر لم يكونوا أهلا للقيادة فعجزوا عن التصدِّى لها، وزاد الأمر خطرًا أن تلك العصبيات انفجرت فى الشام، الحصن الحصين للدولة الأموية، فانقلبت عليهم القبائل اليمنية، الحليف التقليدى لهم، بسبب تقلب سياسة الخلفاء وتذبذبها من الاعتماد على اليمنيين تارة وعلى القيسيين تارة أخرى. والأخطر من ذلك أن العرب حملوا خلافاتهم وعصبياتهم فى كل أرض يحلون بها، وبخاصة «خراسان» التى أصبحت التربة الخصبة للدعوة

стр. 273

العباسية، بل إن بعض الولاة أسهموا فى تفاقم نار العصبية والعمل على إشعالها؛ بسوء سياستهم وضيق أفقهم، فكان إذا جاء والٍ من «اليمن»، تعصَّب لقومه وخصَّهم بالمزايا والوظائف واضطهد القيسيين، وإذا جاء والٍ من «قيس» فعل عكس ذلك. وهكذا كانت الأحوال فى «خراسان» تنتقل من سيئ إلى أسوأ؛ مما ساعد الدعاة العباسيين على إلحاق كل ذلك بخلفاء الأمويين، وقد استغل ذلك «أبو مسلم الخراسانى» واستثمره لمصلحة العباسيين. - رابعًا: الموالى وبخاصة الفرس، فقد بغض هؤلاء الدولة الأموية، ومضوا فى طريق العداء لها، فلم يتركوا ثورة أو فتنة ضدها إلا انضموا إليها واشتركوا فيها، مهما تكن هوية القائمين عليها، من شيعة إلى خوارج، إلى ثورة «ابن الأشعث» إلى ثورة «ابن المهلب»، حتى جاءتهم الدعوة العباسية، فانخرطوا فيها، وكانت على أيديهم نهاية الدولة الأموية. - خامسًا: الخلفاء الأمويون المتأخرون: أسهم هؤلاء بدءًا من خلافة «الوليد بن يزيد» (١٢٥ - ١٢٦هـ) فى سقوط الدولة وسهَّلوا لكل خصومهم مهمتهم للانقضاض على الدولة، وذلك لعدم كفاءتهم لقيادة دولة عملاقة كالدولة الأموية من ناحية، ولتناحرهم فيما بينهم على الحكم والسلطان من ناحية أخرى. وكل هذه العوامل السابقة لو وجدت رجالا من طراز «معاوية بن أبى سفيان» أو «عبدالملك بن مروان» لكان من الممكن التغلب والسيطرة عليها، لكن هؤلاء تركوا الدولة تتعرض لأشد المخاطر، وتفرغوا لمحاربة بعضهم بعضًا، حتى جاء من قضى عليهم جميعًا. - سادسًا: الدعوة العباسية: بدأت الدعوة العباسية عملها منذ نهاية القرن الأول الهجرى، فى خلافة «سليمان بن عبدالملك» عندما انتقلت الدعوة الشيعية من «عبدالله بن محمد بن على بن أبى طالب» المكنى بأبى هاشم إلى «على بن عبدالله بن العباس بن عبدالمطلب»، الذى كان يعيش فى قرية «الحميمة» جنوبى الشام، حين أسرَّ إليه «أبو هاشم» بأسرار الدعوة وأسماء رجالها.

стр. 274

وقد أظهر العباسيون منذ أن تولى «على بن عبدالله بن العباس» أمر الدعوة، ومن جاء بعده من أبنائه حصافة سياسية ودهاء منقطع النظير، فقد أدركوا أن أهم أسباب فشل العلويين فى الوصول إلى الخلافة هو التسرع والاعتماد على حب الناس لهم، وعواطفهم نحوهم، دون عمل منظم، فحاولوا تفادى تلك الأخطاء، وصاغوا شعارًا خادعًا لدعوتهم، هو الدعوة للرضا من «آل محمد»، فاقتنع كثير من الشيعة أن المقصود هو الدعوة لواحد من أولاد «علىِّ» أحفاد النبى ﷺ ، مع أن الشعار يتسع ليشمل العباسيين أيضًا، فهم من «آل محمد». ثم ظهرت عبقرية أئمة الدعوة من العباسيين وهم «على بن عبدالله»، وابنه «محمد» وأولاده فى اختيار الدعاة بدقة بليغة، من ذوى الفصاحة والبلاغة والقدرة الفائقة على مخاطبة الناس بما يناسبهم، ومن المخلصين للدعوة ورجالها، المتفانين فى سبيلها، حتى إن الواحد منهم إذا ألقى القبض عليه، وحقق معه الولاة الأمويون يفضل الموت، ولا يبوح بكلمة واحدة عن الدعوة ورجالها. وكما تجلت عبقرية الأئمة فى اختيار دعاتهم تجلت أيضًا فى اختيار المكان الذى ستنطلق منه الثورة المسلحة؛ لتكتسح الدولة الأموية، وهو «خراسان»؛ حيث العداء الدفين للأمويين، والعصبية العربية المحتدمة، وانطلقوا يزرعون العداء، ويبثون الدعايات المغرضة ضد «بنى أمية»، فيضخمون الأخطاء اليسيرة، وأحيانًا يختلقون الأخطاء وينسبونها إلى الخلفاء الأمويين، كاختلاقهم أن «الوليد بن يزيد» حاول شرب الخمر فوق «الكعبة»، وكانوا يقومون بذلك وهم على هيئة تجار عاديين، وفى أسلوب هادئ، حتى تحولت مشاعر الناس ضد الدولة الأموية ورجالها. واستمر هذا العمل الدءوب نحو ثلث قرن (٩٩ - ١٢٩هـ)، وكان يجرى عبر محور «الحميمة» الرئيسى حيث مقر أئمة الدعوة، وتخرج منها التعليمات إلى «الكوفة»، ومنها إلى «خراسان». ولما حانت ساعة العمل العسكرى، عهد الأئمة بهذه المهمة إلى «أبى

стр. 275

مسلم الخراسانى»، وكان مسموع الكلمة عند الخراسانيين، فأعلن الثورة المسلحة على الأمويين فى «خراسان» سنة (١٢٩هـ)، وزحف بقواته إلى الغرب مكتسحًا قوات الأمويين حتى إذا وصل إلى «العراق»، أوقفه العباسيون، وأسندوا القيادة إلى «قحطبة الطائى»، وهو قائد عربى، ولم يشاءوا أن يقتحم «أبو مسلم» بقواته «العراق»، حتى لا يثيروا مشاعر العرب ضدهم، وهذا من براعة الأئمة العباسيين فى القيادة وفهمهم لنفوس الشعوب. واصل «قحطبة» عمله ضد قوات الأمويين فى «العراق» حتى قُتل، فخلفه ابنه «الحسن بن قحطبة»، واستطاع أن يستولى على معظم «العراق». حدث ذلك كله والخليفة الأموى «مروان بن محمد» مشغول من رأسه إلى قدميه فى مشكلات «العراق» و «الشام»، وفى إخماد الثورات التى أشعلها ضده أبناء عمومته، فضلا عن ثورات الخوارج وقبل أن ينتهى من ذلك كله داهمته قوات العباسيين، وألحقت به هزيمة ساحقة على يد «عبدالله بن على بن عباس» فى موقعة «الزاب» شمالى «العراق» فى شهر جمادى الأولى سنة (١٣٢هـ)؛ ففر من المعركة، وأخذ يتنقل من مكان إلى آخر حتى وصل إلى «مصر»، وهناك لاحقته الجيوش العباسية حتى قُتِل على يد «صالح بن على بن عبدالله بن عباس» فى ذى الحجة سنة (١٣٢هـ). وبمقتله انتهت الدولة الأموية فى المشرق، وقامت الدولة العباسية، حيث بويع «عبدالله بن محمد» الملقَّب بأبى العباس السفاح بالخلافة فى «الكوفة» فى ربيع الأول سنة (١٣٢هـ)، قبل مقتل «مروان بن محمد» بشهور. وسبحان الله القائل: ﴿قل اللهم مالك الملك تؤتى الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شىء قدير﴾. [آل عمران: ٢٦].

стр. 276

- المراجع: * د٠ إبراهيم نجيب: القضاء في الإسلام * بن الأثير (عز الدين): الكامل في التاريخ * أحمد أمين: ضحي الإسلام - دار الكتاب العربي - بيروت - الطبعة العاشرة- بدون تاريخ * ألأشعري (أبو الحسن علي بن إسماعيل): مقالات الإسلاميين - المكتبة العصرية - بيروت - ١٩٩٠م * البلاذري (أحمد بن يحي): فتوح البلدان - دار الكتب العلمية - بيروت - ١٩٨٣م * توماس أرلوند: الدعوة إلى الإسلام * بن تيميه (أحمد بن عبد الحليم): مناهج السنة النبوية - مكتبة ابن تيميه - القاهرة - الطبعة الثانية - ١٩٨٩م * ثابت إسماعيل الراوي: العراق في العصر الأموي * جاك ديسلر: الحضارة العربية * ابن الجوزي (عبد الرحمن بن علي): سيرة عمر بن الخطاب * ابن حجر العسقلاني (أحمد بن علي): فتح الباري بشرح صحيح البخاري * د٠ حسن إبراهيم حسن: النظم الإسلامية * ابن خلدون (عبد الرحمن بن محمد): العبر - مؤسسة جمال للطباعة - بيروت - ١٩٧٩م * ابن خلدون (عبد الرحمن بن محمد): مقدمة ابن خلدون - تحقيق د٠ علي عبد الواحد * الذهبي (شمس الدين محمد بن أحمد): سير أعلام النبلاء - مؤسسة الرسالة بيروت - الطبعة السابعة - ١٩٩١م * ابن سعد (محمد بن سعد): الطبقات * د٠ سيدة الكاشف: مصر في فجر الإسلام - دار الرائد العربي - بيروت - الطبعة الثالثة - ١٩٨٦م * د٠ شاكر مصطفي: موسوعة دول العالم الإسلامي ورجالها * د٠ شكري فيصل: حركة الفتح الإسلامي، المجتمعات الإسلامية * د٠ شوقي ضيف: تاريخ الأدب العربي - دار المعارف القاهرة - الطبعة الحادية عشرة - بدون تاريخ * ضياء الدين الريس: عبد الملك بن مروان - وزارة الثقافة والإرشاد القومي - القاهرة - الطبعة الأولي - ١٩٦٤م * الطبري (محمد بن جرير): تاريخ الطبري * ابن عبد الحكم (عبد الله بن عبد الحكم): فتوح مصر * عبد الله الطراز: موسوعة التاريخ الإسلامي

стр. 277

* ابن عذارى (محمد أو أحمد بن محمد المراكثي): البيان المغرب - دار الثقافة - بيروت - الطبعة الثانية - ١٩٨٠م * الفخري: الآداب السلطانية والولايات الدينية * ابن قتيبة (عبد الله بن مسلم): عيون الأخبار * ابن قتيبة (عبد الله بن مسلم): المعارف * ابن كثير (إسماعيل بن عمر): البداية والنهاية * الإمام مالك (مالك أبن أنس): الموطأ * المالكي (الحسن بن محمد): رياض النفوس * الماوردي (على بن محمد): الأحكام السلطانية * المسعودى (علي بن الحسين): مروج الذهب * اليعقوبي (أحمد بن إسحاق): تاريخ اليعقوبي - دار صادر - بيروت - بدون تاريخ

стр. 278

الجزء الثالث العصر العباسي في العراق والمشرق تأليف: أ. د. حسن علي حسن أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية بجامعة القاهرة د. عبد الرحمن سالم مدرس التاريخ والحضارة الإسلامية بجامعة القاهرة الفصل الأول *الخلافة العباسية ينتسب خلفاء «بنى العباس» إلى جدهم «العباس بن عبد المطلب» عم النبى ﷺ ، الذى عاش فى «مكة» وأسلم بها، وكانت له مكانته عند رسول الله ﷺ . وقد أنجب «العباس» عددًا من الأبناء، أشهرهم: «عبد الله بن عباس» الذى أُطلق عليه «ترجمان القرآن» و «حَبْر الأمة» لسعة علمه وحدة ذكائه. ترك «عبد الله» كثيرًا من الأبناء منهم «على بن عبد الله»، الذى يُقال له «السجَّاد»؛ لكثرة عبادته، وأنجب «السجاد» أولادًا كثيرين، أشهرهم «محمد بن على»، الذى نظم الدعوة العباسية وخرج بها إلى حيز الوجود، وأحاط تحركاته بجو من السرية والكتمان، حتى أطلق على المرحلة التى مرت بها الدعوة العباسية فى عهده «المرحلة السرية»، وتمتد من سنة (١٠٠هـ= ٧١٨م) إلى سنة (١٢٩هـ= ٧٤٦م)، وتحركت الدعوة فيها من ثلاثة أماكن هى: ١ - الحميمة: وهى قرية صغيرة منعزلة فى جنوب «الشام»، اتخذتها الأسرة العباسية مقرا لها. ٢ - الكوفة: وتعد المركز الرئيسى لنشاط الدعاة العباسيين، وتتوسط بلاد «الشام» و «العراق» و «خراسان». ٣ - خراسان: حيث نجح الدعاة العباسيون فى اجتذاب الآلاف إليهم. وبدأت الدعوة بجماعة تُسمَّى «النقباء»، قاموا بتكوين «مجلس شورى» برئاسة «سليمان بن كثير الخزاعى»، وكان مركز الدعوة فى «الكوفة» يتلقى التعليمات من مقر البيت العباسى فى «الحميمة» ويرسلها إلى أنصار الدعوة فى كل مكان، وخاصة «خراسان». وعقب وفاة الإمام «محمد بن على» سنة (١٢٥هـ= ٧٤٢م) تولى ابنه «إبراهيم» - المعروف بالإمام - شئون الدعوة، وقد نشطت فى عهده، واتخذت اللون الأسود شعارًا لها. وقد تهيأ للدعوة العباسية أسباب النجاح منذ أن أسندت مهمة الإشراف على الدعوة فى «خراسان» إلى «أبى مسلم الخراسانى»، الذى جمع حوله الأنصار والأعوان، وخاض بهم ساحات القتال محققًا العديد من الانتصارات، وقام بدور مهم فى قيام «الدولة العباسية».

стр. 279

وقد واجه العباسيون بزعامة «أبى مسلم» قوى مختلفة فى «خراسان»، فور إعلان ثورتهم ليلة الخميس (٢٥من رمضان سنة ١٢٩هـ= ٩من يونيو سنة٧٤٧م)، وتمثلت هذه القوى فى «نصر بن سياد» الوالى الأموى، وقبائل «اليمن» و «ربيعة»، و «الخوارج»، لكن «أبا مسلم» استطاع بذكائه ودهائه أن يوقع بينها مستغلا العنصر القبلى وإثارة العصبية بين أفرادها. وبعد معارك كثيرة استطاعت قوات «أبى مسلم الخراسانى» أن تدخل مدينة «مرو» عاصمة إقليم «خراسان»، ثم استولت على «همدان» و «نهاوند» و «حلوان» و «خانقين» وغيرها، حتى دخلت «العراق»، وكان وراء ذلك النجاح الكبير الذى أحرزه العباسيون فى نشاطهم الدعائى والعسكرى أسباب كثيرة، منها: ١ - الدعوة الدائبة والمنظمة التى استمرت ما يقرب من ثلاثين سنة على أيدى دعاة مدربين. ٢ - كثرة الجيوش العباسية واندفاعها لاكتساح القوات الأموية. ٣ - القيادة الحكيمة التى استطاعت تنظيم أنصار الدعوة العباسية وتسليحهم وتوجيههم إلى ميادين القتال المختلفة. ٤ - تمزق صفوف الجيوش الأموية بسبب العصبية القبلية. ٥ - نجاح العباسيين فى جذب مجموعة من القادة الأكفاء الذين أداروا المعركة باقتدار ضد الأمويين، ومنهم «أبو مسلم الخراسانى»، و «أبو سلمة الخلال» كبير الدعاة العباسيين بالكوفة، و «ابن شبيب الطائى» الذى قاد الجيوش العباسية المتجهة إلى «العراق». انتقلت الأسرة العباسية من «الحميمة» سرا إلى «الكوفة»، بعد إلقاء القبض على «إبراهيم الإمام» وقتله فى أحد سجون «دمشق»، وكان قد أوصى بتولية أخيه «عبدالله» شئون الدعوة. وفى «الكوفة» أقامت الأسرة العباسية عند «أبى سلمة الخلال» كبير الدعاة أربعين يومًا حتى تهيأت الظروف لمبايعة أول خليفة عباسى وهو «عبد الله بن محمد».

стр. 280

الفصل الثاني *العصر العباسى الأول (١٣٢ - ٢٣٢هـ = ٧٤٩ - ٨٤٧م): يمتد العصر العباسى الأول قرنًا من الزمان، من سنة (١٣٢هـ= ٧٤٩م) إلى سنة (٢٣٢هـ= ٨٤٧م)، ويعد العصر الذهبى للخلافة العباسية؛ حيث تمتع الخلفاء بسلطتهم الدينية والدنيوية. وخلفاء هذا العصر تسعة، هم: ١ - أبو العباس عبدالله (١٣٢ - ١٣٦هـ= ٧٤٩ - ٧٥٣م). ٢ - المنصور (١٣٦ - ١٥٨هـ= ٧٥٣ - ٧٧٥م). ٣ - المهدى (١٥٨ - ١٦٩هـ= ٧٧٥ - ٧٨٥م). ٤ - الهادى (١٦٩ - ١٧٠هـ= ٧٨٥ - ٧٨٦م). ٥ - الرشيد (١٧٠ - ١٩٣هـ= ٧٨٦ - ٨٠٩م). ٦ - الأمين (١٩٣ - ١٩٨هـ= ٨٠٩ - ٨١٣م). ٧ - المأمون (١٩٨ - ٢١٨هـ= ٨١٣ - ٨٣٣م). ٨ - المعتصم (٢١٨ - ٢٢٧هـ= ٨٣٣ - ٨٤٢م). ٩ - الواثق: (٢٢٧ - ٢٣٢هـ= ٨٤٢ - ٨٤٧م). الخليفة الأول: أبو العباس (١٣٢ - ١٣٦هـ= ٧٤٩ - ٧٥٣م): هو «عبدالله بن محمد بن على بن عبدالله بن العباس بن عبدالمطلب بن هاشم»،ولد سنة (١٠٠هـ= ٧١٨م) تقريبًا. بويع «أبو العباس» فى «الكوفة» فى شهر ربيع الأول سنة (١٣٢هـ= ٧٤٩م). واستمر فى الحكم أربع سنوات، استطاع خلالها توطيد أركان الخلافة العباسية، والقضاء على كل مقاومة ظهرت فى عهده. موقف العباسيين من الأمويين: مما لاشك فيه أن هناك بعض التجاوزات التى حدثت فى إقليم «الشام» على يد الوالى العباسى «عبدالله بن على»، عم الخليفة «أبى العباس»؛ حيث تعقَّب الأمويين فى كل مكان وقتل كثيرًا منهم، مما دفع بعضهم إلى الفرار إلى مناطق بعيدة، كما فعل «عبدالرحمن بن معاوية» - صقر قريش - الذى فر إلى «المغرب» ومنها إلى «الأندلس»؛ حيث أسس دولة أموية هناك سنة (١٣٨هـ= ٧٥٥م)، كما حاول بعضهم الآخر التخفِّى وطلب العفو. ومن ناحية أخرى لم يقف أنصار الأمويين وأعوانهم مكتوفى الأيدى أمام انتصارات العباسيين، وما ارتكبه بعض ولاتهم من مذابح تجاه البيت الأموى، فقاموا بعدة ثورات فى أماكن متفرقة، إحداها بالبلقاء و «حوران» سنة (١٣٢هـ= ٧٤٩م)، وأخرى فى «قِنَّسرين»،

стр. 281

وثالثة فى «دمشق»،لكن قوات العباسيين استطاعت الانتصار عليها والسيطرة على الموقف. موقف الخلافة من بعض زعماء الدعوة العباسية: واجهت «الدولة العباسية» قبيل إعلانها وفى بداية قيامها انحراف بعض المسئولين فيها، ولم تكن الظروف السياسية التى صاحبت قيام «الدولة العباسية» تسمح بالتخلّص من هؤلاء، فلما بويع «أبو العباس» بالخلافة وبدأت الدولة تأخذ طريقها إلى الاستقرار، قامت بمعاقبة هؤلاء، وكان أول من عوقب «أبا سلمة الخلال» بسبب عدم تحمسه كثيرًا لانتقال أفراد البيت العباسى من «الحميمة» إلى «الكوفة»، ولم يأذن لهم بدخول «الكوفة» إلا بعد فترة، وحاول نقل الخلافة من البيت العباسى إلى البيت العلوى إلا أنه فشل فى ذلك، كما حاول قتل «أبى العباس» وفشل فى ذلك أيضًا، فلما استقرت أمور الدولة استقر رأى أفراد البيت العباسى على أخذ رأى «أبى مسلم الخراسانى»، الذى وافق على التخلص منه، فتم اغتياله وأعلنت القيادة العباسية أن جماعة من أعداء الدولة هم الذين نفذوا هذه المؤامرة. كما قام «أبو مسلم الخراسانى» والى إقليم «خراسان» بالتخلص من أحد كبار الدعاة وهو «سليمان بن كثير»، الذى كان يُعرف بنقيب النقباء، عقب اتهامه بالاتصال بأحد أبناء البيت العلوى وتحريضه على الثورة ضد البيت العباسى. وتُوفى الخليفة العباسى الأول «أبو العباس» بالأنبار فى (١٣ من ذى الحجة سنة ١٣٦هـ= ٩ من يونيو سنة ٧٥٤م)، وعمره نحو ست وثلاثين سنة. الخليفة الثانى: أبو جعفر المنصور (١٣٦ - ١٥٨هـ= ٧٥٣ - ٧٧٥م): هو «عبدالله بن محمد بن على بن عبدالله بن العباس بن عبدالمطلب الهاشمى»، وكنيته «أبو جعفر». ولد سنة (٩٥هـ= ٧١٤م) فى قرية «الحميمة» بالشام، وتربى وسط كبار الرجال من «بنى هاشم»، فنشأ فصيحًا عالمًا بسير الملوك والأمراء، ودرس النحو والتاريخ والأدب شعرًا ونثرًا وغير ذلك، كما كان كثير الأسفار والتنقل.

стр. 282

ولما تولى أخوه «أبو العباس» الخلافة استعان به فى محاربة أعدائه وتصريف أمور الدولة، وكان ينوب عنه فى الحج، كما أوصى «أبو العباس» قبيل وفاته مباشرة بولاية عهده لأخيه «أبى جعفر»، الذى كان غائبًا فى موسم الحج، فلما تُوفِّى «أبو العباس» قام ابن أخيه «عيسى بن موسى» بأخذ البيعة لأبى جعفر من «بنى هاشم» وغيرهم، وأرسل إلى عمه «أبى جعفر» بوفاة أخيه ومبايعته بالخلافة. ولما وصل «أبو جعفر» إلى «الأنبار» استكمل أخذ البيعة من القادة والرؤساء، ثم خطب فيهم مبيِّنًا سياسته فى إدارة الدولة فى النقاط الآتية: ١ - زهده فى منصب الخلافة، وأنه لم يكن يتطلع إلى ذلك أو يرغب فيه. ٢ - تعهده بتنفيذ ما ورد فى كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -. ٣ - تعهده بإقرار العدل ورفع الظلم عن الناس، وإرجاع الحقوق إلى أصحابها. يُعدُّ «أبو جعفر المنصور» المؤسس الحقيقى للدولة العباسية، وقد واجه بحزم واقتدار العديد من المشاكل والثورات حتى نجح فى السيطرة عليها والقضاء على القائمين بها، ومنها: ثورة عمه «عبد الله بن على»، وتمرد «أبى مسلم الخراسانى»، وثورة «محمد النفس الزكية»، وثورات الفرس، وحركات الخوارج. أولاً: ثورة عبد الله بن على: يُعدُّ «عبد الله بن على» - عم الخليفة «أبى جعفر المنصور» - من الشخصيات العسكرية البارزة فى «الدولة العباسية»، وقد شارك مثل غيره من أفراد البيت العباسى، فى النشاط العسكرى والسياسى حتى قامت «الدولة العباسية»، وتولى إمارة «الشام»، فلما تُوفِّى الخليفة الأول «أبو العباس»، رفض «عبد الله بن على» مبايعة الخليفة الجديد «أبى جعفر المنصور»، وأعلن أنه أحق منه بمنصب الخلافة، وأن الخليفة «أبا العباس» كان قد وعده بذلك، ولم يكن هذا صحيحًا؛ لأن الخليفة «أبا العباس» كتب وصيته قبل وفاته بتولية أخيه «أبى جعفر» الخلافة، كما أنه لم يرد عن أحد من أفراد البيت العباسى ما يؤيد دعوى «عبد الله بن على».

стр. 283

وقد أحدث هذا خللاً شديدًا فى كيان البيت العباسى، فحاول «أبو جعفر» رأب هذا الصدع، وأرسل إلى عمه عدة رسائل يدعوه إلى الدخول فى طاعته، ولزوم الجماعة، إلا أن عمه رفض ذلك، فأرسل إليه «أبو جعفر» قائده «أبا مسلم الخراسانى» على رأس جيش كبير، ودارت معركة فاصلة بين الجيشين فى (جمادى الآخرة سنة ١٣٧هـ= نوفمبر سنة ٧٥٤م)، انتهت بانتصار جيش «أبى مسلم» وفرار «عبدالله بن على» إلى «البصرة»، ثم استطاع الخليفة «أبو جعفر» إحضاره منها إلى «الكوفة» وسجنه حتى مات سنة (١٤٧هـ= ٧٦٤م). ثانيًا: تمرد أبى مسلم الخراسانى: اختلفت المصادر التاريخية فى بيان أصل «أبى مسلم الخراسانى»، والراجح أنه من أصلٍ فارسى، وقد التحق فى بداية أمره بخدمة «إبراهيم الإمام» الذى أُعجب به ووثق فيه، واستعان به فى أموره المهمة، وكان له دور بارز فى نجاح الدعوة العباسية، وقيام دولتها. ورغم الجهود والأعمال التى قام بها «أبو مسلم» فإنه ارتكب بعض الأخطاء الجسيمة فى حق الخلافة العباسية منها: انفراده بالحكم فى «خراسان»، وتجاهله شيوخ الدعوة العباسية ونقباءها هناك، وعدم تنفيذ أوامر الخليفة «أبى العباس» ثم تجاهله لأبى جعفر فى مناسبات كثيرة، وتحريضه ابن أخيه «عيسى بن موسى» على الثورة والاستئثار بمنصب الخلافة، وغير ذلك. وقد حاول الخليفة «أبو جعفر» - فى البداية - معالجة الأمور بهدوء، فاستدعى «أبا مسلم» من «خراسان» إلا أنه رفض الحضور فواصل الخليفة مراسلاته، واستعان ببعض الزعماء للضغط على «أبى مسلم» للحضور إلى مقر الخلافة فى «العراق»، إلا أن «أبا مسلم» رفض ذلك، فأرسل الخليفة إليه يهدده ويتوعده إن لم يرضخ ويستجب لأمره، وبعد مشاورات بين «أبى مسلم» وأنصاره استجاب وحضر إلى قصر الخلافة، فعدد عليه الخليفة «أبو جعفر» ما ارتكبه من أخطاء فى حق الدولة، ثم أمر بقتله. ثالثًا: ثورة محمد النفس الزكية: هو «محمد بن عبدالله بن الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب»،

стр. 284

المعروف بالنفس الزكية، زعيم البيت العلوى والشيعة، ومنذ مقتل الإمام «على» - كرم الله وجهه - والشيعة يحاولون الوصول إلى مقعد الحكم عن طريق الثورات والخروج على السلطة، باعتبارهم أصحاب الحق الشرعى. وبقيام «الدولة العباسية» وتولِّى العباسيين الخلافة انتقل صراع العلويين على الخلافة من محاربة الأمويين إلى محاربة أبناء عمومتهم العباسيين. وعلى الرغم من أن أسرة «محمد النفس الزكية» لم تتخذ موقفًا عدائياً واضحًا فى بدء الخلافة العباسية فإن الأمر تغير حين تولَّى «أبو جعفر المنصور» الخلافة وبدأ يتعقب «محمدًا النفس الزكية» وأخاه «إبراهيم» اللذين اختفيا وأخذا يعملان سرا فى الدعوة لنفسيهما والخروج على «الدولة العباسية». ولما فشل «أبو جعفر المنصور» فى القبض على «محمد النفس الزكية» أمر بالقبض على عدد كبير من أفراد أسرته، وحملهم إلى سجون «العراق» وعذَّبهم لإرغام «محمد النفس الزكية» على الظهور، وقد نجح «أبو جعفر» فى ذلك؛ فظهر «محمد النفس الزكية» فى «المدينة المنورة» فى (رجب سنة ١٤٥هـ= سبتمبر سنة ٧٦٢م) وقتله العباسيون هناك، كما قتلوا أخاه «إبراهيم» بالعراق، وكثيرًا من أهلهما. رابعًا: ثورات الفرس: واجهت الخلافة العباسية فى عهد «أبى جعفر» عدة ثورات فارسية، كانت تعبيرًا عن معارضة بعض العناصر الفارسية للخلافة الإسلامية، ومن هذه الثورات: حركة سنباذ سنة (١٣٧هـ= ٧٥٤م): حيث قاد «سنباذ» - وهو أحد أتباع «أبى مسلم» - حركة ثورية للثأر لمقتل «أبى مسلم الخراسانى»، ومحاربة الإسلام، وأحس الخليفة «المنصور» بخطر هذه الحركة فأرسل جيشًا كبيرًا استطاع القضاء على قوات «سنباذ» وقتله وهو فى طريقه لاجئًا إلى حاكم «طبرستان». حركة الرواندية (١٤١هـ= ٧٥٨م): وهم قوم من أهل «خراسان»، سُموا بذلك نسبة إلى قرية «رواند» القريبة من «أصفهان»، وكانوا من أتباع «أبى مسلم الخراسانى»، إلا أنهم زعموا أن ربهم الذى يرزقهم ويطعمهم ويسقيهم هو

стр. 285

«المنصور»، وأعلنوا إيمانهم بفكرة «تناسخ الأرواح» واستطاعوا دخول مدينة «الهاشمية»، عاصمة الخلافة العباسية آنذاك، وهاجموا قصر الخلافة فتصدَّى لهم بعض الجنود البواسل، وعلى رأسهم «معن بن زائدة الشيبانى»، واستطاعوا القضاء على هذه الحركة. حركة أستاذ سيس سنة (١٥٠هـ= ٧٦٧م): «أستاذ سيس» رجل فارسى ادَّعى النبوة، وقاد حركة تهدف إلى تخليص بلاد فارس من قبضة العباسيين، واستطاع بجيوشه الضخمة بسط نفوذه على مناطق «سجستان» و «هراة» و «كور خراسان» وغيرها، فحشدت له الخلافة العباسية قوات ضخمة بقيادة «خازم بن خزيمة التميمى»، استطاعت القضاء على هذه الحركة، وانتهى الأمر بالقبض على «أستاذ سيس» وإعدامه. خامسًا: حركات الخوارج: نظر الخوارج إلى العباسيين على أنهم مغتصبون للخلافة التى ينبغى أن يتقلدها أجدر المسلمين بها بالانتخاب، بغض النظر عن نسبه، ومن ثم شهد العصر العباسى الأول عددًا من حركات الخوارج، بغرض القضاء على الخلافة العباسية، ومنها: ١ - ثورة ملبد بن حرملة الشيبانى سنة (١٣٧هـ= ٧٥٤م) بأرض الجزيرة (ديار بكر): وشكلت خطرًا كبيرًا على العباسيين، إلا أن قائدهم «خازم بن خزيمة» استطاع القضاء عليها. ٢ - ثورة حسان بن مجالد الهمدانى بالموصل سنة (١٤٨هـ= ٧٦٥م): انتهت بالفشل لتفرق أنصاره عنه. وفاة المنصور: تُوفى «المنصور» فى (٦ من ذى الحجة سنة ١٥٨هـ= ٧ من أكتوبر سنة ٧٧٥م)، وهو فى طريقه إلى الحج. وقد أشار «ابن الأثير» فى كتابه «الكامل فى التاريخ» إلى أن «المنصور» كان يجعل نهاره لتصريف أمور الدولة، فإذا صلَّى العصر جلس مع أهل بيته، فإذا صلَّى العشاء الآخرة جلس ينظر فيما ورد إليه من رسائل البلاد، حتى يمضى ثلث الليل الأول فينام، ثم يقوم فى الثلث الأخير فيتوضأ ويصلى حتى يطلع الفجر، فيصلى بالناس، ثم يجلس فى ديوانه لتصريف أمور البلاد، وهكذا يقضى وقته. الخليفة الثالث: محمد المهدى (١٥٨ - ١٦٩هـ= ٧٧٥ - ٧٨٥م):
следующие страницы →