← История

История · id 36578

موسوعة سفير للتاريخ الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (3 483 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وثالثة فى «دمشق»،لكن قوات العباسيين استطاعت الانتصار عليها والسيطرة على الموقف. موقف الخلافة من بعض زعماء الدعوة العباسية: واجهت «الدولة العباسية» قبيل إعلانها وفى بداية قيامها انحراف بعض المسئولين فيها، ولم تكن الظروف السياسية التى صاحبت قيام «الدولة العباسية» تسمح بالتخلّص من هؤلاء، فلما بويع «أبو العباس» بالخلافة وبدأت الدولة تأخذ طريقها إلى الاستقرار، قامت بمعاقبة هؤلاء، وكان أول من عوقب «أبا سلمة الخلال» بسبب عدم تحمسه كثيرًا لانتقال أفراد البيت العباسى من «الحميمة» إلى «الكوفة»، ولم يأذن لهم بدخول «الكوفة» إلا بعد فترة، وحاول نقل الخلافة من البيت العباسى إلى البيت العلوى إلا أنه فشل فى ذلك، كما حاول قتل «أبى العباس» وفشل فى ذلك أيضًا، فلما استقرت أمور الدولة استقر رأى أفراد البيت العباسى على أخذ رأى «أبى مسلم الخراسانى»، الذى وافق على التخلص منه، فتم اغتياله وأعلنت القيادة العباسية أن جماعة من أعداء الدولة هم الذين نفذوا هذه المؤامرة. كما قام «أبو مسلم الخراسانى» والى إقليم «خراسان» بالتخلص من أحد كبار الدعاة وهو «سليمان بن كثير»، الذى كان يُعرف بنقيب النقباء، عقب اتهامه بالاتصال بأحد أبناء البيت العلوى وتحريضه على الثورة ضد البيت العباسى. وتُوفى الخليفة العباسى الأول «أبو العباس» بالأنبار فى (١٣ من ذى الحجة سنة ١٣٦هـ= ٩ من يونيو سنة ٧٥٤م)، وعمره نحو ست وثلاثين سنة. الخليفة الثانى: أبو جعفر المنصور (١٣٦ - ١٥٨هـ= ٧٥٣ - ٧٧٥م): هو «عبدالله بن محمد بن على بن عبدالله بن العباس بن عبدالمطلب الهاشمى»، وكنيته «أبو جعفر». ولد سنة (٩٥هـ= ٧١٤م) فى قرية «الحميمة» بالشام، وتربى وسط كبار الرجال من «بنى هاشم»، فنشأ فصيحًا عالمًا بسير الملوك والأمراء، ودرس النحو والتاريخ والأدب شعرًا ونثرًا وغير ذلك، كما كان كثير الأسفار والتنقل.

стр. 282

ولما تولى أخوه «أبو العباس» الخلافة استعان به فى محاربة أعدائه وتصريف أمور الدولة، وكان ينوب عنه فى الحج، كما أوصى «أبو العباس» قبيل وفاته مباشرة بولاية عهده لأخيه «أبى جعفر»، الذى كان غائبًا فى موسم الحج، فلما تُوفِّى «أبو العباس» قام ابن أخيه «عيسى بن موسى» بأخذ البيعة لأبى جعفر من «بنى هاشم» وغيرهم، وأرسل إلى عمه «أبى جعفر» بوفاة أخيه ومبايعته بالخلافة. ولما وصل «أبو جعفر» إلى «الأنبار» استكمل أخذ البيعة من القادة والرؤساء، ثم خطب فيهم مبيِّنًا سياسته فى إدارة الدولة فى النقاط الآتية: ١ - زهده فى منصب الخلافة، وأنه لم يكن يتطلع إلى ذلك أو يرغب فيه. ٢ - تعهده بتنفيذ ما ورد فى كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -. ٣ - تعهده بإقرار العدل ورفع الظلم عن الناس، وإرجاع الحقوق إلى أصحابها. يُعدُّ «أبو جعفر المنصور» المؤسس الحقيقى للدولة العباسية، وقد واجه بحزم واقتدار العديد من المشاكل والثورات حتى نجح فى السيطرة عليها والقضاء على القائمين بها، ومنها: ثورة عمه «عبد الله بن على»، وتمرد «أبى مسلم الخراسانى»، وثورة «محمد النفس الزكية»، وثورات الفرس، وحركات الخوارج. أولاً: ثورة عبد الله بن على: يُعدُّ «عبد الله بن على» - عم الخليفة «أبى جعفر المنصور» - من الشخصيات العسكرية البارزة فى «الدولة العباسية»، وقد شارك مثل غيره من أفراد البيت العباسى، فى النشاط العسكرى والسياسى حتى قامت «الدولة العباسية»، وتولى إمارة «الشام»، فلما تُوفِّى الخليفة الأول «أبو العباس»، رفض «عبد الله بن على» مبايعة الخليفة الجديد «أبى جعفر المنصور»، وأعلن أنه أحق منه بمنصب الخلافة، وأن الخليفة «أبا العباس» كان قد وعده بذلك، ولم يكن هذا صحيحًا؛ لأن الخليفة «أبا العباس» كتب وصيته قبل وفاته بتولية أخيه «أبى جعفر» الخلافة، كما أنه لم يرد عن أحد من أفراد البيت العباسى ما يؤيد دعوى «عبد الله بن على».

стр. 283

وقد أحدث هذا خللاً شديدًا فى كيان البيت العباسى، فحاول «أبو جعفر» رأب هذا الصدع، وأرسل إلى عمه عدة رسائل يدعوه إلى الدخول فى طاعته، ولزوم الجماعة، إلا أن عمه رفض ذلك، فأرسل إليه «أبو جعفر» قائده «أبا مسلم الخراسانى» على رأس جيش كبير، ودارت معركة فاصلة بين الجيشين فى (جمادى الآخرة سنة ١٣٧هـ= نوفمبر سنة ٧٥٤م)، انتهت بانتصار جيش «أبى مسلم» وفرار «عبدالله بن على» إلى «البصرة»، ثم استطاع الخليفة «أبو جعفر» إحضاره منها إلى «الكوفة» وسجنه حتى مات سنة (١٤٧هـ= ٧٦٤م). ثانيًا: تمرد أبى مسلم الخراسانى: اختلفت المصادر التاريخية فى بيان أصل «أبى مسلم الخراسانى»، والراجح أنه من أصلٍ فارسى، وقد التحق فى بداية أمره بخدمة «إبراهيم الإمام» الذى أُعجب به ووثق فيه، واستعان به فى أموره المهمة، وكان له دور بارز فى نجاح الدعوة العباسية، وقيام دولتها. ورغم الجهود والأعمال التى قام بها «أبو مسلم» فإنه ارتكب بعض الأخطاء الجسيمة فى حق الخلافة العباسية منها: انفراده بالحكم فى «خراسان»، وتجاهله شيوخ الدعوة العباسية ونقباءها هناك، وعدم تنفيذ أوامر الخليفة «أبى العباس» ثم تجاهله لأبى جعفر فى مناسبات كثيرة، وتحريضه ابن أخيه «عيسى بن موسى» على الثورة والاستئثار بمنصب الخلافة، وغير ذلك. وقد حاول الخليفة «أبو جعفر» - فى البداية - معالجة الأمور بهدوء، فاستدعى «أبا مسلم» من «خراسان» إلا أنه رفض الحضور فواصل الخليفة مراسلاته، واستعان ببعض الزعماء للضغط على «أبى مسلم» للحضور إلى مقر الخلافة فى «العراق»، إلا أن «أبا مسلم» رفض ذلك، فأرسل الخليفة إليه يهدده ويتوعده إن لم يرضخ ويستجب لأمره، وبعد مشاورات بين «أبى مسلم» وأنصاره استجاب وحضر إلى قصر الخلافة، فعدد عليه الخليفة «أبو جعفر» ما ارتكبه من أخطاء فى حق الدولة، ثم أمر بقتله. ثالثًا: ثورة محمد النفس الزكية: هو «محمد بن عبدالله بن الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب»،

стр. 284

المعروف بالنفس الزكية، زعيم البيت العلوى والشيعة، ومنذ مقتل الإمام «على» - كرم الله وجهه - والشيعة يحاولون الوصول إلى مقعد الحكم عن طريق الثورات والخروج على السلطة، باعتبارهم أصحاب الحق الشرعى. وبقيام «الدولة العباسية» وتولِّى العباسيين الخلافة انتقل صراع العلويين على الخلافة من محاربة الأمويين إلى محاربة أبناء عمومتهم العباسيين. وعلى الرغم من أن أسرة «محمد النفس الزكية» لم تتخذ موقفًا عدائياً واضحًا فى بدء الخلافة العباسية فإن الأمر تغير حين تولَّى «أبو جعفر المنصور» الخلافة وبدأ يتعقب «محمدًا النفس الزكية» وأخاه «إبراهيم» اللذين اختفيا وأخذا يعملان سرا فى الدعوة لنفسيهما والخروج على «الدولة العباسية». ولما فشل «أبو جعفر المنصور» فى القبض على «محمد النفس الزكية» أمر بالقبض على عدد كبير من أفراد أسرته، وحملهم إلى سجون «العراق» وعذَّبهم لإرغام «محمد النفس الزكية» على الظهور، وقد نجح «أبو جعفر» فى ذلك؛ فظهر «محمد النفس الزكية» فى «المدينة المنورة» فى (رجب سنة ١٤٥هـ= سبتمبر سنة ٧٦٢م) وقتله العباسيون هناك، كما قتلوا أخاه «إبراهيم» بالعراق، وكثيرًا من أهلهما. رابعًا: ثورات الفرس: واجهت الخلافة العباسية فى عهد «أبى جعفر» عدة ثورات فارسية، كانت تعبيرًا عن معارضة بعض العناصر الفارسية للخلافة الإسلامية، ومن هذه الثورات: حركة سنباذ سنة (١٣٧هـ= ٧٥٤م): حيث قاد «سنباذ» - وهو أحد أتباع «أبى مسلم» - حركة ثورية للثأر لمقتل «أبى مسلم الخراسانى»، ومحاربة الإسلام، وأحس الخليفة «المنصور» بخطر هذه الحركة فأرسل جيشًا كبيرًا استطاع القضاء على قوات «سنباذ» وقتله وهو فى طريقه لاجئًا إلى حاكم «طبرستان». حركة الرواندية (١٤١هـ= ٧٥٨م): وهم قوم من أهل «خراسان»، سُموا بذلك نسبة إلى قرية «رواند» القريبة من «أصفهان»، وكانوا من أتباع «أبى مسلم الخراسانى»، إلا أنهم زعموا أن ربهم الذى يرزقهم ويطعمهم ويسقيهم هو

стр. 285

«المنصور»، وأعلنوا إيمانهم بفكرة «تناسخ الأرواح» واستطاعوا دخول مدينة «الهاشمية»، عاصمة الخلافة العباسية آنذاك، وهاجموا قصر الخلافة فتصدَّى لهم بعض الجنود البواسل، وعلى رأسهم «معن بن زائدة الشيبانى»، واستطاعوا القضاء على هذه الحركة. حركة أستاذ سيس سنة (١٥٠هـ= ٧٦٧م): «أستاذ سيس» رجل فارسى ادَّعى النبوة، وقاد حركة تهدف إلى تخليص بلاد فارس من قبضة العباسيين، واستطاع بجيوشه الضخمة بسط نفوذه على مناطق «سجستان» و «هراة» و «كور خراسان» وغيرها، فحشدت له الخلافة العباسية قوات ضخمة بقيادة «خازم بن خزيمة التميمى»، استطاعت القضاء على هذه الحركة، وانتهى الأمر بالقبض على «أستاذ سيس» وإعدامه. خامسًا: حركات الخوارج: نظر الخوارج إلى العباسيين على أنهم مغتصبون للخلافة التى ينبغى أن يتقلدها أجدر المسلمين بها بالانتخاب، بغض النظر عن نسبه، ومن ثم شهد العصر العباسى الأول عددًا من حركات الخوارج، بغرض القضاء على الخلافة العباسية، ومنها: ١ - ثورة ملبد بن حرملة الشيبانى سنة (١٣٧هـ= ٧٥٤م) بأرض الجزيرة (ديار بكر): وشكلت خطرًا كبيرًا على العباسيين، إلا أن قائدهم «خازم بن خزيمة» استطاع القضاء عليها. ٢ - ثورة حسان بن مجالد الهمدانى بالموصل سنة (١٤٨هـ= ٧٦٥م): انتهت بالفشل لتفرق أنصاره عنه. وفاة المنصور: تُوفى «المنصور» فى (٦ من ذى الحجة سنة ١٥٨هـ= ٧ من أكتوبر سنة ٧٧٥م)، وهو فى طريقه إلى الحج. وقد أشار «ابن الأثير» فى كتابه «الكامل فى التاريخ» إلى أن «المنصور» كان يجعل نهاره لتصريف أمور الدولة، فإذا صلَّى العصر جلس مع أهل بيته، فإذا صلَّى العشاء الآخرة جلس ينظر فيما ورد إليه من رسائل البلاد، حتى يمضى ثلث الليل الأول فينام، ثم يقوم فى الثلث الأخير فيتوضأ ويصلى حتى يطلع الفجر، فيصلى بالناس، ثم يجلس فى ديوانه لتصريف أمور البلاد، وهكذا يقضى وقته. الخليفة الثالث: محمد المهدى (١٥٨ - ١٦٩هـ= ٧٧٥ - ٧٨٥م):

стр. 286

هو «محمد بن عبدالله بن محمد» وُلد بالحميمة سنة (١٢٦هـ=٧٤٣م)، وقد هيأه والده «المنصور» وأعده ليكون جديرًا بمنصب الخلافة من بعده، فنشأ على ثقافة عربية واسعة، ودراية بفنون الحرب وأساليب الإدارة. وقد أوصى «المنصور» ابنه وولى عهده «محمدًا» وصية جامعة، قبيل وفاته تضمنت: ١ - التمسك بأن تظل «بغداد» عاصمة للخلافة. ٢ - الاهتمام بأهل بيته وحاشيته وأهل «خراسان» لدورهم فى قيام الدولة. ٣ - تقوى الله وإبعاد النساء عن السياسة. ٤ - تجنب إهدار دماء المسلمين، ومعاقبة المفسدين والملحدين وتتبعهم. ٥ - الاستعداد المستمر بالقوة والسلاح، وأن يباشر الأمور بنفسه. وعقب وفاة «المنصور» بويع «المهدى» بيعة خاصة من قبل الزعماء بمكة، ثم بايعه جمهور المسلمين فى «بغداد» فى (ذى الحجة سنة ١٥٨هـ= أكتوبر سنة ٧٧٥م). سياسة المهدى العامة: اختلفت سياسة «المهدى» عمن سبقه، فاتسم عهده بالاستقرار والهدوء والتسامح والصفح، فأطلق سراح المسجونين السياسيين، واهتم بإقرار العدل بين الناس، وجلس للنظر فى مظالم الناس مستعينًا بالقضاة، وأمر بالإنفاق على مرضى الجذام؛ حتى لا يختلطوا بالناس فتصيبهم العدوى، كما اهتم اهتمامًا خاصا بالحرمين الشريفين وبكسوة «الكعبة». وقد عفا «المهدى» عن بعض آل البيت ومنحهم الأموال والإقطاعات، وحينما أدى فريضة الحج سنة (١٦٠هـ= ٧٧٧م) وزع أموالاً كثيرة على أهل «مكة» و «المدينة»، وأصدر عفوًا عاما عمن عاقبهم «المنصور» من أهل «الحجاز»؛ لمشاركتهم فى الثورة العلوية، واختار خمسمائة من رجال الأنصار وكوَّن منهم حرسه الخاص، كما قام ببث العيون والجواسيس بالبلاد لرصد أى تحرك معادٍ للدولة، ورغم ذلك فقد حاول بعض العلويين مثل «عيسى بن زيد بن على» و «على بن العباس بن الحسن» القيام بثورة ضد الخلافة العباسية، لكنها لم تنجح؛ حيث عاجلهما الموت. سياسة المهدى تجاه الخوارج: واجه «المهدى» عدة ثورات من الخوارج وقضى عليها بحزمه وسرعة

стр. 287

مواجهته، منها: ١ - ثورة «يوسف بن إبراهيم البرم» فى «خراسان» سنة (١٦٠هـ= ٧٧٧م). ٢ - حركة «عبدالسلام بن هاشم اليشكرى» فى «قنسرين» سنة (١٦٠هـ= ٧٧٧م). ٣ - حركة الخوارج بالموصل بزعامة «ياسين الموصلى التميمى» سنة (١٦٨هـ= ٧٨٤م). الحياة الاجتماعية فى عهد المهدى: ترك «المنصور» بعد وفاته فى بيت المال أربعة عشر مليون دينار وستمائة مليون درهم، قام «المهدى» بتوزيعها على الناس؛ فشاع بينهم الترف والنعيم واللهو واللعب، كما اتبعه الناس فى حبه للآداب والفنون؛ فارتقت الآداب والفنون، وسادت بين طبقات الشعب، وكان «المهدى» أول خليفة يُحمل إليه الثلج إلى «مكة» فى الحج، كما كان مترفًا فى ملبسه ومأكله. وفاة المهدى: تُوفِّى «المهدى» سنة (١٦٩هـ= ٧٨٥م) وعمره ثلاث وأربعون سنة، وقد قضى فى الحكم إحدى عشرة سنة. الخليفة الرابع: موسى الهادى (١٦٩ - ١٧٠هـ= ٧٨٥ - ٧٨٦م): هو «موسى» ابن الخليفة «المهدى»، تولى الخلافة فى (٢٢ من المحرم سنة ١٦٩هـ= ٥ من أغسطس سنة ٧٨٥م). سياسته: اتصف الخليفة «الهادى» بالغيرة والشهامة والجرأة، ورفض تدخل أمه «الخيزران» فى سياسة الدولة كما كانت تفعل فى عهد والده «المهدى». وقد واجه «الهادى» مشاكل خطيرة على رأسها ثورة البيت العلوى بقيادة «الحسين بن على بن الحسن» فى «المدينة» سنة (١٦٩هـ= ٧٨٥م)، إلا أن «الهادى» أرسل جيشًا على وجه السرعة نجح فى القضاء عليها فى (٨ من ذى الحجة سنة ١٦٩هـ=١١من يونيو سنة ٧٨٦م) وحاول «الهادى» نقل ولاية العهد من أخيه «الرشيد» إلى ابنه «جعفر»، الذى لم يكن قد بلغ الثامنة من عمره مخالفًا وصية والده فى ترتيب ولاية العهد، إلا أن الموت عاجله فلم يتحقق له ما أراد. وفاته: تُوفِّى «الهادى» ليلة الجمعة، (نصف ربيع الأول سنة ١٧٠هـ= نصف أغسطس ٧٨٦م) وبذلك تكون مدة خلافته سنة وشهرًا واثنين وعشرين يومًا. الخليفة الخامس: هارون الرشيد (١٧٠ - ١٩٣هـ= ٧٨٦ - ٨٠٩م):

стр. 288

هو «هارون بن محمد المهدى»، وُلد بالرى فى آخر (ذى الحجة سنة ١٤٥هـ= فبراير سنة ٧٦٣م)، وتولى الخلافة فى الليلة التى مات فيها أخوه «الهادى» وعمره اثنان وعشرون عامًا. ويُعدُّ «الرشيد» أشهر خلفاء العباسيين وأبعدهم صيتًا، فقد ملأت أخباره كتب التاريخ شرقًا وغربًا. سياسته العامة: لما استقر «الرشيد» فى «بغداد» عاصمة الخلافة العباسية قلَّد «يحيى البرمكى» منصب الوزارة وفوضه فى إدارة شئون البلاد، ومنحه لقب «أمير»؛ فكان أول من لُقِّب بذلك من الوزراء الفرس فى «الدولة العباسية». اهتم «الرشيد» بإقامة العدل فى الناس، فأمر بإعادة الأراضى التى اغتصبها أهل بيته فى عهد الخلفاء السابقين إلى أصحابها، ورفع الظلم عن المسجونين ظلمًا، وقسم أموال ذوى القربى بين «بنى هاشم» كلهم بالعدل، وأصدر عفوًا عن المعتقلين السياسيين، فأخرج من كان فى السجن من العلويين، وسمح لهم بالعودة إلى «المدينة»، ومنحهم الرواتب، كما أجرى «الرشيد» تعديلات واسعة فى مناصب الدولة فى كل من «مكة» و «المدينة» و «الطائف» و «الكوفة» و «خراسان» و «أرمينية» و «الموصل». موقفه من الشيعة: حاول «الرشيد» فى الأعوام الأولى من خلافته مسالمة العلويين والعفو عنهم، إلا أنه كان يخشى خطورة اثنين منهم فرَّا عقب موقعة «الفخ»، أما أولهما فهو «إدريس بن عبدالله» الذى نجح فى الوصول إلى «المغرب الأقصى» وكون «دولة الأدارسة»، وأما الآخر فهو «يحيى بن عبدالله» الذى فرَّ إلى «بلاد الدَّيلم» وتجمع حوله المتشيعون لآل البيت، فأرسل إليه «الرشيد» جيشًا بقيادة «الفضل بن يحىى»؛ لإرجاعه إلى حظيرة الخلافة، فعاد به إلى «بغداد» حيث لقيه «الرشيد» بكل ما أحب، إلا أن الحاسدين سرعان ما وشوا به عند الخليفة بسبب قيام الكثير من العلويين بزيارته والتودد إليه، فأمر «الرشيد» بسجنه حتى مات. وقد استطاع بعض رجال الحاشية الذين يكنون العداء للبيت العلوى تعميق خوف «الرشيد» من زعماء

стр. 289

البيت العلوى واستغلال ذلك للقضاء عليهم، كما حدث مع «موسى الكاظم»؛ حيث أمر «الرشيد» بحبسِه حتى أدركه الموت. موقفه من الخوارج: واصل الخوارج نشاطهم العسكرى ضد الخلافة العباسية فى عهد «الرشيد»، فقام «الوليد بن طريف الخارجى» بحركة تمرد وعصيان فى «العراق» واستولى على أماكن عديدة، إلا أن «الرشيد» أرسل إليه جيشًا بقيادة «يزيد الشيبانى» استطاع القضاء على هذه الحركة وقتل قائدها فى (رمضان سنة ١٧٩هـ= نوفمبر سنة ٧٩٥م). موقفه من البرامكة: تمتع البرامكة فى بداية عهد «الرشيد» بالسلطة والجاه والنفوذ، وتقلدوا مناصب الدولة المهمة، حتى إذا جاء شهر (صفر سنة ١٨٧هـ= يناير سنة ٨٠٣م) أمر «الرشيد» بسجنهم، ومصادرة أموالهم وممتلكاتهم، فيما عرف فى التاريخ بنكبة البرامكة. وقد تضافرت عدة عوامل كانت سببًا فيما فعله «الرشيد» بالبرامكة، منها: ١ - اتهامهم بالزندقة والخروج عن الإسلام باعتبارهم من أصل مجوسى. ٢ - محاولتهم إبعاد العرب عن المناصب المهمة وتقديمهم الفرس لشغلها. ٣ - استبدادهم بالأمور وإظهارهم ما لا تحتمله نفوس الملوك. ٤ - قيام الحاسدين والحاقدين بتضخيم أخطاء «البرامكة». ٥ - أن «الرشيد» كلف «جعفر بن يحيى البرمكى» بقتل رجل من آل «أبى طالب» فلم يفعل. المجتمع فى عهد الرشيد: ازدهر المجتمع فى عهد «الرشيد» اقتصاديا وثقافيا وعلميا وعمرانيا. فقد تدفقت الأموال من كل مكان، واتسعت رقعة الدولة واستقر الأمن بها وازدهرت التجارة، وأصبحت «بغداد» قبلة للطامحين فى الثراء والترف، كما قصدها النوابغ والعباقرة والصناع المهرة من سائر الشعوب، وشيدت فيها القصور الرائعة والمساجد الكبيرة، وانتشرت الحدائق العامة، والأسواق المتخصصة كسوق الذهب والنحاس، والنسيج وغير ذلك. وكان «الرشيد» على قدر عالٍ من الثقافة والمعرفة، واجتمع عنده أقطاب العلم والعمل والسياسة والحرب مثل: «أبى يوسف» تلميذ

стр. 290

الإمام «أبى حنيفة»، و «الأصمعى» الراوية المشهور، و «أبى العتاهية» و «أبى نواس» من الشعراء، وداهية السياسة «يحيى البرمكى» وابنيه «الفضل» و «جعفر»، ومن المغنين «إبراهيم الموصلى» وابنه «إسحاق»، ومن الموسيقيين «زلزل» و «برصوم»، وغيرهم من أمراء العباسيين القادة والخطباء والشعراء والساسة. وفاة الرشيد: أثناء سفر «الرشيد» من «بغداد» إلى «خراسان» اشتد المرض عليه، وتُوفِّى صباح يوم الجمعة (٢ من جمادى الآخرة سنة ١٩٣هـ= ٢٣ من مارس سنة ٨٠٩م)، وعمره خمس وأربعون سنة. وقد حكم «الرشيد» البلاد ثلاثة وعشرين عامًا، بلغت فيها «الدولة العباسية» ذروة مجدها، وقد تحدث عنه كثير من المؤرخين، فقال عنه «الطبرى»: «غزا سبع مرات، وجهز عشرين حملة للجهاد فى البر والبحر». وقال عنه «ابن خلكان»: «حج فى خلافته تسع حجج، وكان يصلى فى اليوم مائة ركعة». الخليفة السادس: محمد الأمين (١٩٣ - ١٩٨هـ= ٨٠٩ - ٨١٣م): هو «محمد بن هارون الرشيد»، وُلد بالرصافة وأمه «زبيدة» ابنة «جعفر الأكبر بن المنصور»، تولى الخلافة عقب وفاة أبيه «هارون الرشيد» باعتباره ولى عهده، وكان عمره حينئذٍ ثمانية وعشرين عامًا. الصراع بين الأمين والمأمون: تشير مصادر التاريخ إلى أن بداية الخلاف كانت من جانب «الأمين»، حين خالف أمر والده «الرشيد» فى مرضه، بأن يكون ما فى معسكره من أموال ومتاع وجند لأخيه «المأمون»، فى «مرو»؛ مما أحدث أثرًا سيئًا فى نفس «المأمون». وكانت الخطوة التالية قيام «الأمين» بتعيين ابنه «موسى» وليا للعهد بدلاً من أخويه «المأمون» و «المؤتمن»، فقام «المأمون» بإسقاط اسم «الأمين» من الطرز والسّكَة، ومنع البريد من الوصول إليه بأخبار «خراسان»، ثم طلب من أخيه «الأمين» أن يرد إليه مائة ألف دينار كان والده «الرشيد» قد أوصى بها إليه فرفض «الأمين»، ثم تطور الصراع بينهما إلى المواجهة العسكرية، فجهز «الأمين» جيشًا بقيادة

стр. 291

«على بن عيسى بن ماهان»، وجهَّز «المأمون» جيشًا ضخمًا بقيادة «طاهر بن الحسين»، ودارت عدة معارك بين الجيشين انتهت بمحاصرة «بغداد» ومقتل «الأمين» سنة (١٩٨هـ= ٨١٣م)، وقد دامت خلافة «الأمين» أربع سنوات وثمانية أشهر وخمسة أيام. الخليفة السابع: عبد الله المأمون (١٩٨ - ٢١٨هـ= ٨١٣ - ٨٣٣م): هو «عبد الله بن هارون الرشيد»، وُلد فى منتصف (ربيع الأول سنة ١٧٠هـ= أغسطس سنة ٧٨٦م) وأمه «أم ولد» فارسية تُسمَّى «مراجل»، وكان يكنى «أبا العباس»، ويُلقب بالمأمون. نشأ «المأمون» نشأة إسلامية، وتلقى العلوم العربية، وتدرَّب على فنون القتال والنزال وقيادة الجند، كما أسند والده «الرشيد» إلى وزيره «جعفر البرمكى» مهمة الإشراف على تنشئته، وقد أظهر المأمون نبوغًا خلال دراسته. ولما تولى «المأمون» الخلافةعزم أن يقدم القدوة الصالحة والسيرة الحسنة فى الناس حتى يقتدى به رجال دولته، وكان يقول: «أول العدل أن يعدل الملك فى بطانته، ثم الذين يلونهم، حتى يبلغ إلى الطبقة السفلى». كما اتصف «المأمون» بالعفو والحلم حتى اشتهر بذلك وهو القائل: «لو عرف الناس حبى للعفو لتقربوا إلىّ بالجرائم، وأخاف ألا أؤجر عليه»، يعنى لكونه طبعًا له يستلذ به. سياسة المأمون: انتهج «المأمون» سياسة واعية تقوم على أسس واضحة منها: ١ - تأليف القلوب بالعفو والعطاء، وقد عد «اليعقوبى» سبع عشرة حادثة يستحق صاحب كل واحدة منها القتل عند أمثال «المنصور»، لكنها قوبلت عند «المأمون» بالعفو. ٢ - العناية بالعلم والعلماء: كان للمأمون ولعٌ بالأمور العلمية والفلسفية، فكان يعقد مجالس المناظرة ويبعث فى طلب العلماء والأعلام من «بيزنطة» لحضورها، وكان يتصيَّد الكتب النادرة ويدفع فيها المبالغ الطائلة، ويجعل حصوله عليها شرطًا من شروط الهدنة ووقف القتال مع الروم، كما أقام «بيت الحكمة» وجعل فيها مكتبة ضخمة، وجهازًا كبيرًا للترجمة من مختلف اللغات إلى اللغة العربية،

стр. 292

حشد له نحو سبعين مترجمًا. المأمون والشيعة: جمعت سياسة «المأمون» تجاه الشيعة بين أمرين هما السخط والرضا. أما العنف فقد تمثل فى سياسة «المأمون» تجاه الثورات الشيعية المسلحة التى اندلعت فى عدة أماكن، مثل حركة «ابن طباطبا العلوى» سنة (١٩٩هـ= ٨١٤م)، وحركة «الحسين بن الحسن» فى «الحجاز»، وحركة «عبدالرحمن بن أحمد» فى «اليمن» سنة (٢٠٧هـ= ٨٢٢م)، وقد انتهت هذه الحركات بالفشل فى تحقيق أغراضها. وأما الرضا فقد تمثل فى قيام «المأمون» باختيار أحد أبناء البيت العلوى وهو «على بن موسى الرضا» ليكون ولى العهد من بعده، وهو ما لم يفعله أحد من خلفاء «بنى العباس» قبله، وقد اختلف المؤرخون فى تعليل قيام «المأمون» بهذا الأمر، فمنهم من فسر ذلك بميول «المأمون» الشيعية وحرصه على تولية أفضل العناصر ولاية العهد، وآخرون أرجعوا ذلك إلى تأثير «الفضل بن سهل» وميوله الشيعية. وقد أحدثت بيعة «المأمون» لعلى بن موسى الرضا بولاية العهد ردود فعل عنيفة فى أنحاء «الدولة العباسية» فرفض أفراد البيت العباسى ومؤيدوهم هذه البيعة، وبايعوا «إبراهيم بن المهدى» عم «المأمون» بالخلافة سنة (٢٠٢هـ= ٨١٧م) ولما علم «المأمون» بذلك وهو فى «مرو» بخراسان تحرك قاصدًا «بغداد» لمعالجة الموقف، وأثناء ذلك مات «على الرضا» ولى العهد، فهدأ الموقف، وهرب «إبراهيم بن المهدى» من «بغداد»، ودخلها «المأمون»، ثم عفا عنه. المأمون والفرس: يمكن تقسيم نشاط الفرس فى عهد المأمون إلى قسمين: ١ - نشاط سياسي. ٢ - نشاط عسكرى. ويتمثل النشاط السياسى فى الدور الذى لعبه «بنو سهل» مع «الخليفة المأمون»، وهو يشبه تمامًا دور البرامكة مع «هارون الرشيد»، حيث سلم «المأمون» «الفضل بن سهل» مقاليد الأمور، فصارت مهام الدولة فى يده، وبدأ فى إبعاد العناصر العربية من بلاط «المأمون»، وتعصب للعنصر الفارسى، وارتكب مجموعة أخرى من

стр. 293

الأخطاء؛ مما جعل «المأمون» يفكر فى التخلص منه، فقتل أثناء سفر «المأمون» إلى «بغداد». أما النشاط العسكرى فيتمثل فى حركة «بابك الخرمى»،التى تُعدُّ أخطر الحركات الفارسية المعادية للخلافة العباسية، فقد استمرت ما يزيد على عشرين عامًا واتسمت بدقة التنظيم وبراعة القيادة، والاتصال السياسى بالأكراد والأرمن وغيرهم، وكانت تؤمن بمبادئ هدامة منها: ١ - الإيمان بالحلول والتناسخ حتى إن زعيمها «بابك» ادَّعى الألوهية. ٢ - المشاعية المزدكية فى الأموال والأعراض. ٣ - ضرورة التخلص من السلطان العربى والدين الإسلامى. وقد ألحقت هذه الحركة العديد من الهزائم بالجيش العباسى ولم يتم القضاء عليها إلا فى عهد «المعتصم بالله». وفاة المأمون: ظل «المأمون» خليفة للمسلمين عشرين سنة وخمسة أشهر وعشرين يومًا، وقد تُوفِّى فى (١٨من رجب سنة ٢١٨هـ= ٨٣٣م). الخليفة الثامن: المعتصم بالله (٢١٨ - ٢٢٧هـ= ٨٣٣ - ٨٤٢م): هو «محمد بن هارون الرشيد»، وُلد فى (شعبان سنة ١٨٠هـ= أكتوبر سنة ٧٩٦م)، وأمه جارية تركية اسمها «مارده»، وقد تولى الخلافة عقب وفاة أخيه «المأمون». كان «المعتصم» يتميز بقوته الجسمية وشدته فى الحرب، حتى قيل عنه: إنه كان يصارع الأسود ويحمل ألف رطل ويمشى به خطوات ويشد على الدينار بأصبعه السبابة والوسطى فيمحو كتابته، وقال عنه المؤرخون: إنه لم يكن فى «بنى العباس» قبله أشجع منه ولا أتم تيقظًا ولا أشد قوة. ومع ذلك فقد كان «المعتصم» على خلاف أخويه «الأمين» و «المأمون» فى العلوم والآداب، فقد كان قليل البضاعة منهما، حتى ذكر بعض المؤرخين أنه نشأ أميا لا يكتب، أو أنه كان ضعيف الكتابة على حد قول «ابن خلكان» و «ابن كثير». سياسة المعتصم: اختلفت الأوضاع السياسية فى عهد «المعتصم» عنها فى عهد من سبقه، بسبب ظهور عوامل جديدة على مسرح الأحداث، كان فى مقدمتها ظهور العنصر التركى قوة مؤثرة فى حركة الأحداث؛ فتمتع

стр. 294

الأتراك بصفات عسكرية كالشدة والقوة والتحمل جعل «المعتصم» يستكثر منهم، يضاف إلى ذلك أن أمه تركية. إلا أن كثرة الأتراك سببت أضرارًا كبيرة لسكان «بغداد»، مما دفع «المعتصم» إلى البحث عن مكان جديد يكون عاصمة له فوقع الاختيار على المكان الذى بنيت عليه مدينة «سُرّ من رأى» (سامراء حاليا) التى بُدء البناء فيها سنة (٢٢١هـ= ٨٣٦م)، ويتميز موقعها بميزات سياسية واقتصادية وعسكرية، فمن الناحية السياسية فإنها فى موقع متوسط يسهل الاتصال بأنحاء الدولة، ومن الناحية الاقتصادية فإن موقعها يسهل عمليات التبادل التجارى بين النواحى الشمالية والجنوبية، وعسكريا فإن إحاطة المياه بها يجعلها فى مأمن من أى عدوان خارجى. ومن الأعمال العظيمة التى تنسب إلى «المعتصم بالله» نجاحه فى القضاء على ثورة «بابك الخرمى»، فحينما تولى أمر البلاد جهز جيشًا بقيادة «الأفشين» وزوَّده بكل أدوات القتال وبالمال اللازم؛ حيث دارت عدة معارك، انتهت بالقبض على «بابك الخرمى» وإعدامه. المعتصم والشيعة: لم تظهر فى عهد «المعتصم» حركات علوية مؤثرة كالحركات التى حدثت فى عهد الخلفاء السابقين، وإنما حدثت بعض الحركات الضعيفة، ومنها: حركة «محمد بن القاسم» المعروف بالصوفى، سنة (٢١٩هـ= ٨٣٤م): والذى تحرك فى عدة أماكن كالحجاز و «الكوفة» ثم استقر فى «خراسان»، وشكلت حركته خطرًا على «الدولة العباسية»، فكلف «المعتصم» واليه على «خراسان» «عبدالله بن طاهر» بالتصدى لهذه الحركة؛ حيث نجح فى القضاء عليها. وفاة المعتصم بالله سنة (٢٢٧هـ= ٨٤١م): تُوفى «المعتصم بالله» فى شهر (ربيع الأول سنة ٢٢٧هـ= ديسمبر سنة ٨٤١م)، وقد أطلق عليه بعض المؤرخين «المُثَمن»، لأن خلافته دامت ثمانى سنين وثمانية أشهر ويومين، ومولده فى الشهر الثامن من العام الهجرى، ومات عن ثمانية بنين وثمانى بنات. الخليفة التاسع: الواثق بالله: (٢٢٧ - ٢٣٢هـ = ٨٤١ - ٨٤٧م)

стр. 295

هو «هارون بن المعتصم بالله»، يكنى «أبا جعفر» وأمه أم ولد رومية تُسمى «قراطيس»، وكان فطنًا لبيبًا فصيحًا ينظم الشعر ويحب الموسيقى. وقد تولى «الواثق بالله» الحكم يوم وفاة والده «المعتصم». سياسة الواثق بالله: تظهر ملامح تلك السياسة فيما يلى: أولاً: تمسكه بمذهب المعتزلة، حتى جعله المذهب الرسمى للدولة، مما أثار أهل السنة ضده، إلا أنه تصدى لهم وقبض على زعمائهم. ثانيًا: تقريبه للأتراك جريًا على سياسة والده «المعتصم»، حتى إنه قسم البلاد بين رجلين من الأتراك، الأول «أشناس» وأعطاه الشطر الغربى من الدولة إلى آخر بلاد «المغرب»، والثانى قائده «إيتاخ» وأعطاه الشطر الشرقى: «دجلة» و «فارس» و «السند»، وكان كل منهما يعين الولاة الذين يريدهم، هذا بالإضافة إلى عدد من القادة الأتراك الذين شغلوا مناصب خطيرة، مثل: «وصيف التركى» الذى أوكل إليه «الواثق» القضاء على ثورة المتمردين الأكراد، و «بغا الكبير» الذى أخمد ثورة الأعراب بنواحى «المدينة». وكان الواثق يغدق عليهم الأموال والهدايا. ثالثًا: مصادرة أموال كبار الموظفين، مثل «أحمد بن إسرائيل»، الذى أخذ منه ثمانين ألف دينار، و «سليمان بن وهب» كاتب «إيتاخ»، الذى أخذ منه أربعمائة ألف دينار، وغيرهما، مما ترك آثارًا سيئة فى الجهاز الإدارى والاستقرار المالى للدولة، وأصابهما بالفساد والخلل. رابعًا: إحسانه إلى بعض طوائف الأمة، وفى مقدمتهم العلويون حيث أغدق عليهم الأموال. وفاة الواثق بالله: استمر «الواثق» فى مقعد الخلافة خمس سنين وتسعة أشهر، ثم أُصيب بمرض الاستسقاء، ومات فى (ذى الحجة سنة ٢٣٢هـ= يوليو سنة ٨٤٧م)، وعمره اثنان وثلاثون عامًا، وقيل: ستة وثلاثون. السمات العامة للعصر العباسى الأول (١٣٢ - ٢٣٢هـ = ٧٤٩ - ٨٤٧م): امتد العصر العباسى الأول مائة سنة، تولى الخلافة خلالها تسعة خلفاء، بدءًا من «أبى العباس» وانتهاءً بالواثق بالله، ويمكن تقسيم

стр. 296

هذا العصر إلى ثلاثة عهود رئيسية: ١ - عهد التأسيس من سنة: (١٣٢هـ=٧٤٩م) إلى سنة (١٥٨هـ= ٧٧٥م)، ويشمل خلافة «أبى العباس» و «المنصور». ٢ - عهد الاستقرار: من سنة (١٥٨هـ= ٧٧٥م) إلى سنة (٢١٨هـ= ٨٣٣م)، ويشمل خلافة «المهدى» و «الهادى» و «الرشيد» و «الأمين» و «المأمون». ٣ - عهد القلق: من سنة (٢١٨هـ=٨٣٣م) إلى سنة (٢٣٢هـ= ٨٤٧م)، ويشمل «المعتصم بالله» و «الواثق بالله». ويتميز العصر العباسى الأول بالسمات الآتية: أولاً: كثرة الصراعات: ومن ذلك: ١ - الصراع بين العرب - ومنهم أسرة الخلافة - والفرس - ومنهم الوزراء والإداريون وغيرهم- مثلما حدث بين «الرشيد» و «البرامكة»، و «المأمون» و «بنى سهل». ٢ - الصراع بين فروع البيت الهاشمى: العباسيين، والعلويين، مثلما حدث بين الخليفة «المنصور» و «محمد النفس الزكية». ٣ - الصراع بين الخلافة العباسية والحركات المعادية لها من العرب وغيرهم، وقد تمثل ذلك فى حركات الخوارج. ٤ - الصراع بين الإسلام - الدين الرسمى للدولة- وبين العقائد الأخرى التى ظهرت فى بلاد فارس كالخُرَّمية وغيرها من العقائد الفاسدة. ثانيًا: اتساع العلاقات الخارجية: فقد بسطت الخلافة العباسية سلطانها على بلادٍ كثيرة شرقًا وغربًا، وتعددت علاقاتها مع الدول الأخرى وفى مقدمتها: أ - الدولة البيزنطية: وكانت العدو التقليدى للدولة الإسلامية منذ عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وقد اشتد هذا العداء بعد استيلاء المسلمين على بعض المناطق التى كانت خاضعة للدولة البيزنطية، كالشام و «مصر» و «المغرب». وخلال العصر العباسى الأول حدث الاحتكاك المباشر بين القوات الإسلامية والبيزنطية على الحدود الشمالية فى منطقة «الشام»، فقد استغلت «الدولة البيزنطية» انشغال الخليفة العباسى الأول «أبى العباس عبد الله بن محمد»، بتثبيت أركان الدولة سنة (١٣٢هـ= ٧٤٩م)، وقامت بمهاجمة الحصون والثغور الإسلامية؛ فأمر الخليفة «أبو

стр. 297

العباس» واليه على «الشام» بالإعداد لمواجهة البيزنطيين، ولكن الموت عاجله، وجاء «المنصور» فأمر بتحصين الثغور وإعادة بناء ما هدمه البيزنطيون، وجعل لها حكمًا إدارياً مستقلاً، وحشد فيها آلاف المقاتلين والمرابطين فى سبيل الله. وكانت هذه الثغور تنقسم إلى قسمين: ١ - الثغور الجزرية: للدفاع عن الجزيرة الفراتية وشمال «العراق» وأهم حصونها «ملطية» و «المصيصة»، و «مرعش». ٢ - الثغور الشامية: وتقع غرب الثغور الجزرية، وهى للدفاع عن «الشام»، وأهم حصونها «طرسوس»، و «أدنة». وفى سنة (١٦٢هـ=٧٧٩م) أرسل «المهدى» جيشًا ضخمًا بقيادة «الحسن بن قحطبة»، فتوغل فى بلاد الروم ونشر الرعب بين صفوفهم. وفى سنة (١٦٣هـ= ٧٨٠م) خرج «المهدى» بنفسه على رأس الجيش متجهًا إلى الحدود البيزنطية، ووصل إلى «الموصل» ثم «حلب»؛ حيث ترك ابنه «هارون الرشيد» ليتابع جهاده ضد البيزنطيين، وفى عهد «الرشيد» (١٧٠ - ١٩٣هـ= ٧٨٦ - ٨٠٩م) أمر بجعل منطقة الثغور منطقة مستقلة باسم «الثغور والعواصم» وأقام خطين للدفاع عن حدود الدولة مع البيزنطيين، الخط الأول هو الثغور، والخط الثانى إلى الجنوب من الخط الأول، ويُسمَّى: العواصم. كما قام «الرشيد» ببناء حصون جديدة، مثل «عين زرية»، و «زبطرة» وغيرهما. وقد حاول «نقفور» إمبراطور «الدولة البيزنطية» الامتناع عن دفع الجزية للخلافة العباسية، فأرسل إليه «الرشيد» يقول: «بسم الله الرحمن الرحيم، من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم، قد قرأت كتابك يا بن الكافرة والجواب ما تراه دون أن تسمعه والسلام». وخرج «الرشيد» بنفسه على رأس جيش ضخم ألحق الهزيمة بالقوات البيزنطية وأرغم الإمبراطور «نقفور» على الخضوع ودفع الجزية مرة أخرى. ونظرًا لكثرة المعارك بين العباسيين والبيزنطيين، فقد وقع كثير من جنود الطرفين أسرى، وقد حرصت الخلافة العباسية على فداء أسرى المسلمين، فى عهد «الرشيد» سنة (١٨١هـ= ٧٩٧م).

стр. 298

وقد سار «المأمون» (١٩٨ - ٢١٨هـ= ٨١٣ - ٨٣٣م) على سياسة والده نفسها، فى استمرار النشاط العسكرى ضد البيزنطيين، وكان النصر حليف المسلمين. وتعدُّ معركة «عمورية» سنة (٢٢٣هـ= ٨٣٨م)، أبرز المعارك بين المسلمين والبيزنطيين فى عهد «المعتصم بالله»، وكان سببها اعتداء الإمبراطور البيزنطى «تيوفيل بن ميخائيل» على بعض الثغور والحصون على حدود «الدولة الإسلامية»، وحين بلغ «المعتصم» ما وقع للمسلمين فى هذه المدن، وصيحة امرأة مسلمة وقعت فى أسر الروم: وامعتصماه، فأجابها وهو جالس على سريره: لبيك لبيك، وجهز جيشًا ضخمًا أرسله على وجه السرعة لإنقاذ المسلمين، ثم خرج بنفسه على رأس جيش كبير وفتح مدينة «عمورية»، وهى من أعظم المدن البيزنطية، واستولى على ما بها من مغانم وأموال كثيرة جدا. ب - الدولة الأموية بالأندلس: وكانت علاقة العباسيين بها علاقة عداء وتربص، فقد استطاع «عبدالرحمن بن معاوية» - بعد فراره من العباسيين إلى «الأندلس» - أن يؤسس «الدولة الأموية» بالأندلس وعاصمتها «قرطبة» سنة (١٣٨هـ= ٧٥٥م). وقد حاولت الخلافة العباسية بسط نفوذها على بلاد «الأندلس» والقضاء على «الدولة الأموية» بها، فدبَّر «أبو جعفر المنصور» ثورة «العلاء بن مغيث الجذامى» فى مدينة «باجة» الأندلسية سنة (١٤٦هـ= ٧٦٣م)، وقام «المهدى» بمساندة الثورات الداخلية التى كانت تقوم لحساب «الدولة العباسية»، ولكن كل هذه المحاولات والثورات باءت بالفشل بسبب يقظة الأمير الأموى «عبد الرحمن الداخل» وحزمه، وقد لقبه «أبو جعفر المنصور» بصقر قريش، بل إن «عبدالرحمن الداخل» أشاع عزمه على غزو «الشام» وانتزاعه من «الدولة العباسية»، وكتب إلى أنصاره فى «الشام» بذلك وعهد إلى ابنه «سليمان» بولاية «الأندلس»، وذلك بغرض إزعاج «الدولة العباسية» وإرغامها على وقف محاولاتها المستمرة لاسترداد بلاد «الأندلس». ج - الدولة الكارولونجية:

стр. 299

وكانت إحدى القوى الناشئة فى غربى «البحر المتوسط» (جنوبى فرنسا حاليا)، وقام بينها وبين الدولة العباسية علاقات سياسية، وجرى تبادل السفراء بين الدولتين فى عهد «هارون الرشيد»، وقد سعى زعيم «الدولة الكارولونجية» «شارلمان» إلى كسب وده لتعزيز موقفه الداخلى والخارجى، وتبادل معه الهدايا الثمينة.

стр. 300

الفصل الثالث *الأوضاع الحضارية فى العصر العباسى الأول: أولاً: النظام السياسى والإدارى، ويشمل: أ - الخلافة: وقد أقام العباسيون دولتهم سنة (١٣٢هـ= ٧٤٩م) وتولى أول خلفائهم «أبو العباس عبدالله بن محمد» السلطة بناءً على وصية أخيه «إبراهيم الإمام» بعد وقوعه فى قبضة الأمويين، وقد حكم «أبو العباس» أربع سنوات، وقبيل وفاته عهد إلى أخيه «أبى جعفر المنصور» بولاية العهد من بعده، ومن بعد «أبى جعفر»، «عيسى بن موسى»، وكتب العهد بهذا وصره فى ثوب وختم عليه بخاتمه وخواتم أهل بيته وسلمه إلى «عيسى بن موسى». ومن هنا نلاحظ أن الحكم قد بدأ وراثيا فى عهد «الدولة العباسية» منذ اللحظة الأولى، واقتصر على أهل البيت العباسى، كما أن أكثر الخلفاء كان يوصى بولاية العهد إلى أكثر من شخص؛ مما أدى إلى صراعات ساعدت على تصدع «الدولة العباسية». وحين تولى «أبو جعفر المنصور» الخلافة واجه اعتراضًا من عمه «عبدالله بن على» الذى رفض مبايعته، ودعا لنفسه بالخلافة مدعيًا أنه ولى عهد «أبى العباس»، مما دعا «المنصور» إلى توجيه جيش له بقيادة «أبى مسلم الخراسانى» تمكن من القبض عليه والقضاء على دعوته. وقد نقل «المنصور» ولاية العهد من ابن أخيه «عيسى بن موسى» إلى ابنه «محمد»، الذى تولى الخلافة بعد أبيه «المنصور» سنة (١٥٨هـ= ٧٧٥م) ولقب بالمهدى، واستمر فى منصبه حتى تُوفِّى سنة (١٦٩هـ= ٧٨٥م)؛ حيث تولى ابنه «موسى» الملقب بالهادى، ولم يمكث سوى سنة واحدة فى الحكم؛ حيث تولى من بعده أخوه «هارون الرشيد»، ومنذ عهد «الرشيد» أصبح الصراع السياسى على السلطة إحدى السمات المميزة للعصر العباسى الأول، وكان الصراع بين «الأمين» و «المأمون» من الأمثلة المعبرة عن هذه السمة، وقد انتهى بقتل «الأمين» وتولية «المأمون» الخلافة. ب - الوزارة: تُعدُّ الوزارة المنصب الثانى بعد الخلافة فى «الدولة العباسية» وقد قسَّم فقهاء المسلمين الوزارة إلى نوعين: - وزارة التفويض:

стр. 301

حيث يفوض الخليفة الوزير فى تدبير أمور الدولة برأيه واجتهاده، فتكون له السلطة المطلقة فى الحكم والتصرف فى شئون الدولة. - وزارة التنفيذ: حيث يكون الوزير وسيطاً بين الخليفة والرعية والولاة، ومجرد منفذ لأوامر الخليفة. وقد أحدث العباسيون نظام الوزارة فى بداية دولتهم متأثرين فى ذلك بالنظم الفارسية، ولم تكن مسئوليات الوزير فى بداية الأمر تبعد كثيرًا عن مسئوليات الكاتب، وقد حصر «أبو جعفر المنصور» مهمة الوزير فى التنفيذ وإبداء الرأى والنصح، ولم يكن له وزير دائم، ومن وزرائه: «الربيع بن يونس» الذى اشتهر باللباقة والذكاء وحسن التدبير والسياسة. وقد ظهرت شخصية الوزراء إلى حد كبير فى عهد الخليفة «المهدى»، لما ساد الدولة من هدوء نسبى، ومن هؤلاء الوزراء الأقوياء «يعقوب بن داود»، ثم صار للوزارة شأن كبير فى عهد «الرشيد»، و «المأمون» لاعتماد الأول على البرامكة، والثانى على «بنى سهل»، فمُنِحَ «يحيى البرمكى» وزير «الرشيد»، و «الفضل بن سهل» وزير «المأمون» صلاحيات وسلطات واسعة، جعلت نفوذهما يمتد إلى جميع مرافق الدولة، ولكن سرعان ما تم التخلص منهما. ج- الكتابة: كانت طبقة الكُتَّاب ذات أهمية كبيرة فى «الدولة العباسية»، وكان الكاتب ذا علم واسع وثقافة عريضة؛ لأنه يقوم بتحرير الرسائل الرسمية والسياسية داخل الدولة وخارجها، كما يتولَّى نشر القرارات والبلاغات والمراسيم بين الناس، ويجلس على منصة القضاء بجوار الخليفة لينظر فى الدعاوى والشكاوى ثم يختمها بخاتم الخليفة. ومن أشهر الكُتَّاب فى العصر العباسى الأول «يحيى بن خالد بن برمك» فى عهد «الرشيد»، و «الفضل» و «الحسن» ابنا «سهل»، و «أحمد بن يوسف» فى عهد «المأمون»، و «محمد بن عبدالملك الزيات» و «الحسن بن وهب»، و «أحمد بن المدبر» فى عهد «المعتصم» و «الواثق». د - الحجابة: وهى وظيفة تقوم بمساعدة الحكام فى تنظيم الصلة بينهم وبين

стр. 302

الرعية، فالحاجب واسطة بين الناس والخليفة، يدرس حوائجهم، ويأذن لهم بالدخول بين يدى الخليفة أو يرفض ذلك إذا كانت الأسباب غير مقنعة؛ وذلك حفاظًا على هيبة الخلافة وتنظيمًا لعرض المسائل حسب أهميتها على الحاكم الأعلى للبلاد. وقد اقتدى العباسيون بالأمويين فى اتخاذ الحُجَّاب، وأسرفوا فى منع الناس من المقابلات الرسمية، ولعل هذا هو السبب المباشر فى نشأة ما أسماه «ابن خلدون» «الحجاب الثانى»، فكان بين الناس والخليفة حاجزان عبارة عن دارين، أحدهما يُسمَّى «دار الخاصة» والآخر «دار العامة»، وكان الخليفة يقابل كل طائفة حسب حالتها وظروفها فى إحدى هاتين الدارين تبعًا لإرادة الحُجَّاب على أبوابها. هـ - ولاية الأقاليم: المقصود بالأقاليم: المناطق التى تتكون منها الدولة. وقد كان النظام الإدارى فى «الدولة العباسية» نظامًا مركزيا؛ حيث صار الولاة على الأقاليم مجرد عمال للخليفة على عكس ما كانوا عليه فى «الدولة الأموية». وقد قسم العباسيون الولاية على الأقاليم إلى قسمين، وخصوصًا فى عهد «الرشيد»، الأول: الولاية الكبرى وهى التى تكون لأحد أبناء الخليفة أو شخص مقرب من الخليفة؛ حيث يتولى هذا الوالى عدة أقاليم فى الدولة ويقوم بتصريف أمورها من العاصمة، أو من أحد تلك الأقاليم بعد الرجوع إلى الخليفة، ويرسل إليها ما يشاء من الولاة. الثانى: الولاية الكاملة: حيث يتمتع الوالى ببعض السلطات التى توسع دائرة نفوذه، مثل النظر فى الأحكام وجباية الضرائب والخراج وحماية الأمن وإمامة الصلاة وتسيير الجيوش للغزو. و الدواوين: ظهرت الدواوين فى «الدولة الإسلامية»، كبقية المؤسسات الإدارية، نتيجة لاحتياج المسلمين إليها، وقد جعل «ابن خلدون» وجود الديوان من الأمور اللازمة للملك. وللديوان أهمية كبرى فيما يتعلق بأموال الدولة وحقوقها وحصر جنودها ومرتباتهم، ويرجع الفضل فى تنظيم الدواوين فى العصر العباسى إلى «خالد بن برمك».

стр. 303

وقد اهتم الخلفاء العباسيون بالدواوين؛ فكثرت اختصاصاتها وتنوعت بسبب التعاون الوثيق بين العباسيين والفرس، فقد أخذ العباسيون الخبرة الفارسية فى مجال الإدارة، كما احتفظوا ببعض تنظيمات «الدولة الأموية»، خصوصًا فى الدواوين والدوائر الرسمية، كما استحدثوا بعض الدواوين كديوان المصادرات، وديوان الأزمّة (المحاسبة) وديوان المظالم، وغيرها. ز - القضاء: وهو من الوظائف المهمة فى «الدولة الإسلامية»، ويقوم على المحافظة على حقوق الرعية وإقرار العدل والإنصاف بين جميع الطبقات، وحماية الأخلاق العامة، مستمِدا أحكامه من الكتاب والسنة، ونظرًا لأهمية هذا المنصب فقد وضع العلماء المواصفات التى يجب توافرها فى القاضى، ومنها: أن يكون رجلاً قوياً عاقلاً حرا مسلمًا عادلاً، ويتمتع بالسلامة فى السمع والبصر، وأن يكون عالمًا بأحكام الشريعة. وقد حظى القضاة فى العصر العباسى الأول بالتبجيل والاحترام، وكان تعيينهم وعزلهم يتم بأمر الخليفة، وأول من فعل ذلك الخليفة «المنصور»، فقد عين قضاة البلاد بأمره سنة (١٣٦هـ= ٧٥٣م). وقد استقرت المذاهب الفقهية فى عهد «الدولة العباسية»، وتحددت مهام القضاة وكيفية الإجراء القضائى، وتوحد القانون وأصبحت جلسات القاضى علنية فى المسجد وخصوصًا فى عهد «المأمون». كما اهتم خلفاء العباسيين بالتثبت من الأحكام، فعيَّنوا جماعة من المُزَكِّين، وظيفتهم تتبع أحوال الشهود، فإذا طعن الخصم فى شهادة أحد الشهود سُئل عنه المزكى، كما اهتموا بأحوال القضاة المادية حتى يعيشوا فى يسر ورخاء. وقد تطور القضاء بصورة ملحوظة فى العصر العباسى الأول، وظهر منصب «قاضى القضاة»، وكان يقيم فى عاصمة الدولة، ويقوم بتعيين القضاة فى الأقاليم والبلاد المختلفة، وأول من لقب «قاضى القضاة» «أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم»، صاحب كتاب «الخراج»، فى عهد «الرشيد». ثانيًا: الأوضاع الاقتصادية والعمرانية:

стр. 304

أدرك الخلفاء العباسيون أهمية الاقتصاد وتنمية الموارد المالية لمواجهة النفقات المتعددة للدولة، واتخذ «المنصور» عدة خطوات لزيادة موارد الدولة، فاستحدث نظام المصادرات للاستيلاء على الأموال لمواجهة أعباء الثورات والحركات التى واجهها، وأعاد النظر فى مقادير الضرائب المفروضة على الكور. وفى عهد «الرشيد» ازدهرت أحوال الدولة الاقتصادية، وارتفع مستوى المعيشة، بسبب تدفق الأموال على خزانة الدولة فى بغداد، وتعدد موارد الدولة المالية، فكان منها الزكاة، والخراج، والجزية، وأخماس المعدن، والرسوم على التجارة الخارجية، وغيرها. وقد أسهمت تلك الموارد فى سدّ النفقات فى مجال النشاط العسكرى والأمنى، ومجال البناء والتعمير وإنشاء المدن، مثل مدينة «بغداد» و «سامراء». مدينة بغداد: يرجع الفضل فى بنائها إلى الخليفة «أبى جعفر المنصور» ودفعه إلى ذلك عدة أسباب، منها: ١ - «ثورة الرواندية» سنة (١٤١هـ = ٧٥٨م) وما شكّلته من خطر كبير على «المنصور» نفسه؛ الأمر الذى جعله يفكر جديا فى الانتقال من «الهاشمية» لأنها لم تكن بالعاصمة الحصينة التى يأمن فيها على نفسه. ٢ - أن «الهاشمية» وهى العاصمة المؤقتة للدولة العباسية كانت قريبة من «الكوفة» مركز التشيع؛ مما يشكل خطرًا على العباسيين. ٣ - رغبة «المنصور» فى إنشاء عاصمة جديدة تليق بالدولة وتخلد ذكره من بعده. وقد جرت عدة محاولات لاختيار المكان المناسب لبناء عاصمة الدولة الجديدة، حتى وقع الاختيار على المكان الذى بنيت فيه مدينة «بغداد»؛ وروعى فيها أن تتمتع بمزايا عديدة أهمها: - أنها قريبة من «خراسان» مهد الدعوة العباسية، فضلاً عن قربها من المراكز العربية الأخرى، وبعدها عن مراكز الاحتكاك البيزنطى. - وأنها تقع بين نهرين كبيرين هما «دجلة» و «الفرات»، وهما يشكلان خطين للدفاع عن المدينة. - وأنها تقع وسط «العراق» وعلى مسافة متساوية بين «البصرة»

стр. 305

و «الموصل»؛ مما يجعلها سوقًا للبضائع والمنتجات، وملتقى للقوافل التجارية البرية والنهرية؛ إذ إنها تقع أيضًا على طريق «الشام» - الخليج العربى. هذا بالإضافة إلى طبيعة المكان السهلة والمفتوحة؛ مما يشبع رغبة العرب والمسلمين الذين اعتادوا السكنى فى مثل هذه الأماكن. وقد حشد «المنصور» لبنائها العمال المهرة فى الصناعة والبناء، وابتدأ فى بنائها سنة (١٤٥هـ= ٧٦٢م)، وفقًا لأرجح الأقوال. وقد تم تصميم المدينة على شكل دائرى، يحيط بها سور، ولها أربعة أبواب، وبلغت نفقات بنائها حينئذٍ ثمانية عشر مليون درهم، وأُطلق عليها اسم «دار السلام»، إلا أن الشائع هو اسمها القديم «بغداد». مدينة سامراء: أسسها الخليفة العباسى «المعتصم بالله» (٢١٨ - ٢٢٧هـ = ٨٣٣ - ٨٤٢م) وجعلها عاصمة للخلافة، وقد دفعه إلى إنشائها احتكاك الجنود الأتراك الذين جلبهم الخليفة للإقامة معه فى «بغداد»، بسكان المدينة وجنودها السابقين، مما أدى إلى حدوث إصابات كثيرة بين سكان «بغداد» ومقتل كثير من النساء والأطفال والشيوخ، فاضطر الخليفة «المعتصم بالله» إلى البحث عن مكان جديد، ينتقل إليه مع جنوده وحاشيته؛ فوقع الاختيار على أرض «سامراء»، على بعد ستين ميلاً شمالى «بغداد». وقد حشد لها «المعتصم» العمال والبنائين وأهل الصناعات المهرة، وشرع فى بنائها سنة (٢٢١هـ= ٨٣٦م). ثالثًا: الحياة الفكرية: شهد العصر العباسى الأول نهضة فكرية عظيمة، وطفرة ثقافية كبيرة فى شتى مجالات العلم والمعرفة نتيجة امتداد رقعة «الدولة العباسية» ووفرة ثروتها ورواج تجارتها واهتمام الخلفاء بالحياة الفكرية. وقد ميز علماء المسلمين بين نوعين من العلوم: ١ - علوم تتصل بالقرآن الكريم، وهى «العلوم النقلية أو الشرعية»، وتشمل علم التفسير، وعلم القراءات، وعلم الحديث، والفقه، وعلم الكلام، والنحو، واللغة والبيان والأدب. ٢ - علوم أخذها العرب عن غيرهم من الأمم، وهى «العلوم العقلية»

стр. 306

وتشمل: الفلسفة والهندسة وعلم النجوم والموسيقى والطب والكيمياء والتاريخ والجغرافيا. وقامت المساجد بدور فعَّال فى نشر الثقافة الإسلامية؛ حيث كانت تكتظ بحلقات العلم والدرس، وبخاصة العلوم الشرعية التى ازدهرت فى العصر العباسى، ونشأت فى كنف علمى التفسير والحديث، ولم يكن الحديث مقصورًا على أحاديث رسول الله ﷺ ، وإنما ضم أيضًا ما كان مأثورًا عن الصحابة، ومن أشهر رجال الحديث فى ذلك العصر: «حماد بن سلمة» المتوفى سنة (١٦٥هـ)، و «سفيان بن عيينة» بمكة المتوفى سنة (١٩٨هـ)، و «وكيع بن الجراح» بالكوفة المتوفىسنة (١٩٦هـ)، و «عبدالله ابن المبارك» المتوفى سنة (١٨١هـ)، و «سفيان الثورى» بالكوفة المتوفى سنة (١٦١هـ)، و «عبدالرحمن الأوزاعى» بالشام المتوفى سنة (١٥٧هـ)، و «عبدالملك بن جريح» المتوفى سنة (١٥٠هـ)، و «معمر بن راشد» باليمن (١٥٣هـ)، و «سعيد بن أبى عروبة» بالبصرة المتوفى سنة (١٥٦هـ)، و «مالك بن أنس» بالمدينة. ومن أبرز المؤلفات فى هذا المجال: كتاب «الموطأ» الذى ألفه الإمام «مالك بن أنس» إمام دار الهجرة (المدينة المنورة) بناءً على طلب «المنصور»، فيروى أن الخليفة «أبا جعفر المنصور» قابل الإمام «مالكًا» فى موسم الحج، وكلَّمه فى مسائل كثيرة من العلم، ثم قال له: يا «أبا عبدالله» لم يبقَ فى الناس أفقه منى ومنك، وإنى قد شغلتنى الخلافة فاجمع هذا العلم ودونه ووطئه للناس توطئة، وتجنب فيه شدائد «عبد الله بن عمر»، ورُخَص «عبدالله بن عباس»، وشواذ «عبدالله بن مسعود»، واقصد إلى أواسط الأمور وما اجتمع عليه الأئمة والصحابة رضى الله عنهم. فاعتذر الإمام «مالك»، فلم يقبل «المنصور» منه، فوضع «مالك» كتاب «الموطأ». ولم تظهر الطريقة المنظمة فى التفسير إلا فى العصر العباسى الأول؛ حيث كان قبل ذلك غير منظم ويقتصر على تفسير آيات صغيرة غير مرتبة حسب ترتيب السور والآيات باستثناء تفسير ابن عباس.

стр. 307

وأهم المفسرين فى العصر العباسى الأول «مقاتل بن سليمان الأزدى» المتوفى سنة (١٥٠هـ)، و «محمد بن إسحاق» المتوفى سنة (١٥١هـ)، ولم يصل من تفاسير هؤلاء شىء إلينا. وازدهرت دراسة الفقه ازدهارًا عظيمًا وكانت له مدرستان، الأولى مدرسة أهل الرأى والقياس فى العراق ومؤسسها «أبو حنيفة النعمان» المتوفى سنة (١٥٠هـ)، وخلفه «أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم» المتوفى سنة (١٨٢هـ)، و «محمد بن الحسن الشيبانى» المتوفى سنة (١٨٩هـ)، والثانية مدرسة أهل الحجاز ومؤسسها «مالك بن أنس» وتسمى مدرسة أهل الحديث، ثم جاء الإمام الفقيه «محمد بن إدريس الشافعى» المتوفى سنة (٢٠٤هـ)، وجمع بين هاتين المدرستين، أى جمع بين طريقة الحجازيين فى الاعتماد على الكتاب والسنة وطريقة العراقيين فى الاعتماد على الرأى، ومن العلوم التى ظهرت وتطورت فى ذلك العصر: علم الكلام، ويقصد به الجدل الدينى فى الأمور العقيدية ويسمى المشتغلون به المتكلمين، ومن أشهر فرقهم المعتزلة الذين دخلوا فى محاورات ومجادلات مع غيرهم من المرجئة والرافضة والشيعة، والنصارى، واليهود، والمانويين. وأهم رجال المعتزلة «واصل بن عطاء» المتوفى سنة (١٣١هـ)، و «عمرو بن عبيد» المتوفى سنة (١٤٥هـ)، و «بشر بن المعتمر» المتوفى سنة (٢١٠هـ)، و «ثمامة بن أشدس» المتوفى سنة (٢١٣هـ)، و «أبو الهذيل العلاف» المتوفى سنة (٢٢٧هـ). وشهد ذلك العصر نخبة كبيرة من علماء اللغة، منهم: «أبو عمرو بن العلاء» المتوفى سنة (٥٤هـ)، و «خلف الأحمر» المتوفى سنة (١٨٠هـ)، و «الأصمعى» صاحب الأصمعيات المتوفى سنة (٢١٣هـ)، و «أبو زيد الأنصارى» صاحب كتاب النوادر المتوفى سنة (٢١٤هـ)، و «أبو عبيدة» صاحب «نقائض جرير والفرزدق» المتوفى سنة (٢١٠هـ)، و «محمد بن سلام الجمحى»، و «حماد الراوية» المتوفى سنة (١٥٥هـ)، و «المفضل الضبى»، و «أبو عمرو الشيبانى» المتوفى سنة (٢٠٦هـ)، و «أبو عبيد القاسم بن سلام» المتوفى سنة (٢٢٤هـ).

стр. 308

وفى النحو: «عيسى بن عمر الثقفى» المتوفى سنة (١٤٩هـ)،و «الخليل» الواضع الحقيقى لعلم النحو المتوفى سنة (١٧٠هـ)، و «سيبويه» المتوفى سنة (١٨٠هـ)، و «معاذ بن مسلم الهراء» المتوفى سنة (١٨٧هـ)، و «الكسائى» المتوفى سنة (١٨٩هـ)، و «الفراء» المتوفى سنة (٢٠٧هـ)،وعنى كثير من اللغويين والنحاة بكتابة سيرة النبى ﷺ وأشهرهم «محمد بن إسحاق» المتوفى سنة (١٥١هـ)، و «ابن هشام» المتوفى سنة (٢١٣هـ)، و «محمد بن عمر الواقدى» المتوفى سنة (٢٠٧هـ)، و «محمد بن سعد» صاحب الطبقات المتوفى سنة (٢٣٠هـ). كما نشطت كتابة التاريخ فى العصر العباسى الأول، وأشهر من اشتغل بذلك العلم: «محمد بن الحسين بن زبالة»، و «أبو مخنف لوط بن يحيى الأزدى» المتوفى سنة (١٥٧هـ)، و «سيف بن عمر التميمى» المتوفى سنة (١٨٠هـ)، و «هشام بن محمد الكلبى» المتوفى سنة (٢٠٤هـ)، و «المدائنى» المتوفى سنة (٢٢٥هـ). كما شهد ذلك العصر نخبة كبيرة من فحول الشعراء على رأسهم «بشار بن برد» المتوفى سنة (١٦٨هـ)، و «أبو نواس الحسن ابن هانىء» المتوفى سنة (١٩٥هـ)، و «أبو العتاهية» المتوفى سنة (٢١١هـ)، و «مسلم بن الوليد» المتوفى سنة (٢٠٨هـ)، و «أبو تمام حبيب بن أوس» المتوفى سنة (٢٣١هـ)، وتطور النثر فى العصر العباسى الأول بعد دخول كثير من الثقافات اليونانية والفارسية والهندية التى امتزجت به، وأهم فنون النثر فى ذلك الوقت الخطابة والوعظ، والمناظرات، والرسائل الديوانية- العهود والوصايا والتوقيعات - والرسائل الإخوانية والأدبية، ومن أعلام الكتاب فى ذلك العصر: «ابن المقفع» المتوفى سنة (١٤٣هـ)، و «سهل بن هارون» المتوفى سنة (٢١٥هـ)، و «أحمد بن يوسف» المتوفى سنة (٢١٣هـ)، و «عمرو بن مسعدة» (٢١٧هـ). وقد شجع الرشيد العلم والعلماء، وأنشأ «بيت الحكمة»، وجمع فيه كثيرًا من المؤلفين، والمترجمين والنساخ. ومن أشهرهم: «سهل بن هارون»، و «الحسين بن سهل»، و «الفضل

стр. 309

بن نوبخت»، وكانوا يترجمون من الفارسية إلى العربية. و «حنين بن إسحاق»، و «يوحنا البطريق»، و «يوحنا بن ماسويه»، وكانوا يترجمون من اليونانية والسريانية إلى العربية، وفى عهد «المأمون» نشطت حركة الترجمة والنقل من اللغات الأجنبية إلى العربية، فأرسل البعوث إلى «القسطنطينية» لإحضار المصنفات الفريدة فى الفلسفة والهندسة والموسيقى والطب. وبجانب اهتمام الخلفاء بحركة الترجمة والنقل، اهتم ذوو اليسار (الأغنياء) بتشجيع العلم والإنفاق على الترجمة إلى اللغة العربية، ومنهم «محمد» و «أحمد» و «الحسن» أبناء «موسى بن شاكر» الذين أنفقوا أموالاً ضخمة فى ترجمة كتب الرياضيات، وكانت لهم آثار قيمة فى الهندسة والموسيقى والنجوم، وقد أرسلوا «حنين بن إسحاق» إلى بلاد الروم فجاءهم بطرائف الكتب وفرائد المصنفات. وقد اشتغل كثير من المسلمين بدراسة الكتب التى تُرجمت إلى العربية، وتفسيرها والتعليق عليها، وتصحيح أخطائها، ومن هؤلاء: «يعقوب بن إسحاق الكندى»، الذى ترجم كثيرًا من كتب الفلسفة وشرح غوامضها، ونبغ فى علوم الطب والفلسفة والحساب والمنطق والهندسة وعلم النجوم. ومن العوامل التى ساهمت فى ازدهار الحركة العلمية فى العصر العباسى الأول ظهور الورق واستخدامه فى الكتابة، وقد أنشأ «الفضل بن يحيى البرمكى» مصنعًا للورق فى عهد «الرشيد» ببغداد، فانتشرت الكتابة فيه لخفته بعد أن كانوا يكتبون على الجلود والقراطيس المصنوعة بمصر من ورق البردى.

стр. 310

الفصل الرابع *العصر العباسى الثانى [٢٣٢ - ٦٥٦هـ = ٨٤٧ - ١٢٥٨ م] يمتد العصر العباسى الثانى أكثر من أربعة قرون، وقد قسم المؤرخون هذه الفترة إلى أربعة عصور رئيسية هى: ١ - عصر نفوذ الأتراك.٢ - عصر البويهيين. ٣ - عصر السلاجقة.٤ - عصر ما بعد السلاجقة. أولاً: عصر نفوذ الأتراك [٢٣٢ - ٣٣٤ هـ = ٨٤٧ - ٩٤٥م]: كان «المأمون» أول من استخدم الأتراك وقربهم، ولكنهم كانوا محدودى العدد والنفوذ فى عهده، فلما تولى الخليفة «المعتصم» الحكم جعلهم عنصرًا أساسيا فى جيشه، وبلغ عددهم بضعة عشر ألفًا، وكانوا تحت سيطرة الخليفة. وبدأ نفوذ الأتراك يتزايد فى عهد «الواثق»، ثم ازداد حدة واتساعًا فى عهد الخليفة «المتوكل». ويمتد عصر نفوذ الأتراك إلى ما يزيد قليلاً على قرن من الزمان، تعاقب خلاله على كرسى الخلافة ثلاثة عشر خليفة هم: ١ - المتوكل على الله «جعفر بن المعتصم» (٢٣٢ - ٢٤٧هـ= ٨٤٧ - ٨٦١م). ٢ - - المنتصر بالله «محمد بن المتوكل» (٢٤٧ - ٢٤٨هـ= ٨٦١ - ٨٦٢م). ٣ - المستعين بالله «أحمد بن المعتصم» (٢٤٨ - ٢٥٢هـ= ٨٦٢ - ٨٦٦م). ٤ - المعتز بالله «محمد أبو عبدالله بن المتوكل» (٢٥٢ - ٢٥٥هـ= ٨٦٦ - ٨٦٩م). ٥ - المهتدى بالله «محمد بن الواثق بن المعتصم» (٢٥٥ - ٢٥٦هـ= ٨٦٩ - ٨٧٠م). ٦ - المعتمد على الله «أحمد بن المتوكل بن المعتصم» (٢٥٦ - ٢٧٩هـ= ٨٧٠ - ٨٩٢م). ٧ - المعتضد بالله «أحمد بن الموفق طلحة بن المتوكل» (٢٧٩ - ٢٨٩هـ= ٨٩٢ - ٩٠٢م). ٨ - المكتفى بالله «أبو محمد على بن المعتضد» (٢٨٩ - ٢٩٥هـ= ٩٠٢ - ٩٠٨م). ٩ - المقتدر بالله «أبو الفضل جعفر بن محمد» (٢٩٥ - ٣٢٠هـ= ٩٠٨ - ٩٣٢م). ١٠ - القاهر بالله «أبو منصور محمد بن المعتضد» (٣٢٠ - ٣٢٢هـ= ٩٣٢ - ٩٣٤م). ١١ - الراضى بالله «أبو العباس محمد بن المقتدر بن المعتضد» (٣٢٢ - ٣٢٩هـ= ٩٣٤ - ٩٤١م). ١٢ - المتقى لله «أبو إسحاق إبراهيم بن المقتدر» (٣٢٩ - ٣٣٣هـ= ٩٤١ - ٩٤٥م).

стр. 311

١٣ - المستكفى بالله «أبو القاسم عبد الله بن المكتفى» (٣٣٣ - ٣٣٤هـ= ٩٤٥ - ٩٤٦م). (١) المتوكل على الله: وقد تولى الخلافة فى ذى الحجة سنة (٢٣٢هـ= ٨٤٧م)، وكان عهده بداية حقبة الضعف والتدهور، وتفكك بنيان الخلافة العباسية. ورغم أن «المتوكل»: كان قوى الشخصية، وافر الهيبة فإنه لم يستطع أن يضع حدا لاستفحال النفوذ التركى فى عهده، الذى كان له دور فى توليته الخلافة بعد أن كادت البيعة تتم لمحمد بن الواثق، وكان غلامًا. وقد نجح «المتوكل» فى البداية فى التخلص من أخطر العناصر التركية فى عهده، وهو «إيتاخ» الذى استفحل خطره حتى إنه همَّ يومًا بقتل الخليفة «المتوكل» حين تبسَّط معه فى المزاح، لكن الخليفة نجح فى التخلص منه سنة (٢٣٥هـ= ٨٤٩م)، كما عزم على التخلص من قادة الأتراك ووجوههم، مثل «وصيف» و «بُغا»، إلا أنهم استغلوا ما بينه وبين ابنه وولى عهده «محمد المنتصر» من خلاف وجفوة ودبروا مؤامرة انتهت بقتل «المتوكل» ووزيره «الفتح بن خاقان» فى الخامس من شوال سنة (٢٤٧هـ= ٨٦١م)، وبايعوا ابنه «المنتصر» خليفة. وقد استطاع «المتوكل» فى عهده أن يظفر بمكانة عظيمة فى قلوب جماهير المسلمين، حين منع النقاش فى القضايا الجدلية التى أثارها المعتزلة، مثل قضية خلق القرآن، كما رد للإمام «أحمد بن حنبل» اعتباره وجعله من المقربين إليه، بعد أن اضطُهد فى عهد «المأمون» و «المعتصم» و «الواثق»؛ لعدم إقراره القول بخلق القرآن، كما أمر «المتوكل» الفقهاء والمحدِّثين أن يجلسوا للناس ويحدثوهم بالأحاديث التى فيها رد على المعتزلة فأثنى الناس عليه، حتى قالوا: الخلفاء ثلاثة: «أبو بكر الصديق» قاتل أهل الردة حتى استجابوا له، و «عمر بن عبدالعزيز» رد مظالم «بنى أمية»، و «المتوكل» محا البدع وأظهر السنة. (٢) المنتصر بالله: تولى الخلافة فى اليوم الذى قُتل فيه أبوه، وذلك فى شوال سنة (٢٤٧هـ= ديسمبر سنة٨٦١م)، وعمره ستة وعشرون عامًا. وحاول

стр. 312

التصدى للنفوذ التركى بكل حزم، وصار يسب الأتراك ويقول: هؤلاء قتلة الخلفاء. ورغم أن «المنتصر بالله» كان وافر العقل قوى الشخصية فإن الأتراك احتالوا على قتله، فأعطوا طبيبه «ابن طيفور» ثلاثين ألف دينار، ففصده بمبضع مسموم فمات، فى (ربيع الآخر سنة ٢٤٨هـ= يونيو سنة٨٦٢م) بعد حكم دام ستة أشهر فقط، ويروى أنه حينما احتضر، قال لأمه: «يا أماه! ذهبت منى الدنيا والآخرة، عاجلت أبى فعوجلت». ومن مآثر «المنتصر بالله»، خلال فترة حكمه القصيرة، إحسانه إلى العلويين، وإزالته عنهم ما كانوا فيه من خوف وضيق فى عهد أبيه «المتوكل». (٣) المستعين بالله: هو «أحمد بن المعتصم»، تولى الخلافة فى السادس من (ربيع الآخر سنة ٢٤٨هـ= يونيو سنة ٨٦٢م)، وعمره ثمانٍ وعشرون سنة، فعقب وفاة «المنتصر» اجتمع الأتراك بزعامة «بُغا الصغير» و «بُغا الكبير»، وقرروا عدم تولية أحد من أولاد «المتوكل» الخلافة، خوفًا من انتقامه منهم، وبايعوا «أحمد بن المعتصم»، الملقَّب بالمستعين بالله. وكان من الطبيعى ألا يكون للمستعين بالله مع الأتراك أمر ولا نهى، ولم يمضِ وقت طويل حتى غضب عليه الأتراك وقرروا خلعه ومبايعة «المعتز بالله محمد بن المتوكل»؛ فاشتعلت الحرب بين أنصار «المستعين» وأنصار «المعتز»، وانتهت بالقبض على «المستعين» وقتله فى سجنه فى (شوال سنة ٢٥٢هـ= ديسمبر سنة ٨٦٦م). وقد شهدت خلافة «المستعين بالله» قيام «الدولة العلوية» بطبرستان سنة (٢٥٠هـ= ٨٦٤م)، على يد «الحسن بن زيد العلوى» الملقب بالداعى الكبير، واستمرت هذه الدولة حتى سنة (٣١٦هـ= ٩٢٨م). (٤) المعتز بالله محمد بن المتوكل: بويع له بالخلافة فى شوال سنة (٢٥٢هـ= ديسمبر سنة ٨٦٦م)، وعمره تسعة عشر عامًا، وقد استضعفه الأتراك وطلبوا منه مالاً فاعتذر لهم بفراغ بيت المال، فثاروا عليه وضربوه ومزقوا ملابسه، وأقاموه فى الشمس، فكان يرفع رجلاً ويضع أخرى من شدة الحر، ثم سجنوه

стр. 313

وعذبوه حتى مات (فى شعبان سنة ٢٥٥هـ= يوليوسنة ٨٦٩م). وكان من أهم الأحداث التى شهدتها خلافة «المعتز» قيام «الدولة الصفَّارية» فى «فارس» بزعامة «يعقوب بن الليث الصفَّار» وذهاب «أحمد بن طولون» إلى «مصر» سنة (٢٥٤هـ= ٨٦٨م) نائبًا عن واليها، لكنه استطاع فى فترة لاحقة أن يستقل بها عن العباسيين، وأن يضم إليها «الشام» مكونًا بذلك «الدولة الطولونية» فى «مصر» و «الشام». (٥) المهتدى بالله محمد بن الواثق: بايع الأتراك «المهتدى بالله» خليفة للمسلمين فى (رجب سنة ٢٥٥هـ= يونيو سنة٨٦٩م)، عقب الإطاحة بالمعتز، وقد كان «المهتدى» تقيا شجاعًا حازمًا، وكان يتخذ «عمر بن عبدالعزيز» مثله الأعلى، ويقول: إنى أستحيى أن يكون فى «بنى أمية» مثله، ولا يكون مثله فى «بنى العباس»، ولذلك نبذ الملاهى وحرَّم الغناء والخمور وحارب الظلم. حاول «المهتدى بالله» أن يوقف طغيان الأتراك واستبدادهم فقتل بعضهم، فثاروا عليه وأسروه وعذبوه ليخلع نفسه فرفض، فقاموا بخلعه وسجنه وتعذيبه حتى مات فى (رجب سنة ٢٥٦هـ= يونيو ٨٧٠م). وقد كان من أهم الأحداث التى شهدها عصر «المهتدى بالله»: ثورة الزَّنج: وسُميت بذلك لأن أعدادًا كبيرة من الذين شاركوا فيها كانوا عبيدًا سودًا، واندلعت هذه الثورة فى «البصرة» بزعامة «على بن محمد»، الذى قيل إنه ينتسب إلى آل البيت، وحققت مكاسب سياسية ومادية؛ فاستولت فى مدة قصيرة على بعض المدن المهمة فى «العراق»، مثل «البصرة» و «واسط» و «الأهواز»، ووصلت إلى «البحرين» و «هجر»، وارتكبت مذابح بشعة ضد السكان الآمنين، وقد استطاع القائد العباسى «الموفق طلحة بن المتوكل» القضاء على هذه الثورة - فيما بعد - سنة (٢٧٠هـ= ٨٨٣م) فى خلافة أخيه «المعتمد على الله». (٦) المعتمد على الله، وصحوة الخلافة: تولى «المعتمد على الله أحمد بن المتوكل» الخلافة بعد خلع «المهتدى» سنة (٢٥٦هـ= ٨٧٠م)، وقد أتاحت الظروف التى تولى فيها

стр. 314

«المعتمد» مقاليد الحكم ظهور ما عُرف باسم «صحوة الخلافة» فى «العصر العباسى الثانى». فقد تصاعد النزاع الداخلى بين القادة الأتراك، وساءت معاملتهم لجنودهم، كما ازدادت شكوى الجمهور من مضايقاتهم، مما أدى إلى ظهور اتجاه قوى داخل الجيش بحتمية جعل القيادة العسكرية العليا فى يد أحد أمراء البيت العباسى؛ يقوم الخليفة باختياره، ويدين له الجميع بالطاعة، وقد اختار «المعتمد» أخاه «الموفق» قائدًا للجيش، فكانت «صحوة الخلافة»؛ حيث استردت قوتها وهيبتها واستطاع «الموفق» بحكمته وحزمه وصلابة إرادته أن يكبح جماح الأتراك، وأن يعيد تنظيم الجيش، ويقر الأمن والنظام. ورغم أن «المعتمد بالله» كان الخليفة الرسمى فإن أخاه «الموفق» كان صاحب السلطة الفعلية، فكان له الأمر والنهى، وقيادة الجيش ومحاربة الأعداء، ومرابطة الثغور، وتعيين الوزراء والأمراء، وكان قضاء «الموفق» على «ثورة الزنج» سنة (٢٧٠هـ= ٨٨٣م) أعظم إنجاز له. وقد تُوفِّى «الموفق» فى (صفر سنة ٢٧٨هـ= مايوسنة ٨٩١م)، وفى العام التالى تُوفِّى الخليفة «المعتمد» فى (رجب سنة ٢٧٩هـ= سبتمبرسنة ٨٩٢م)، بعد أن حكم البلاد ثلاثة وعشرين عامًا. وقد حفل عهده بالعلماء الأعلام فى مجالات المعرفة المختلفة. المعتضد بالله أبو العباس أحمد بن الموفق: تولى الخلافة بعد وفاة عمه «المعتمد»، وكان قوى الشخصية؛ فحفظ هيبة الخلافة، كما كانت فى عهد أبيه «الموفق» وعمه «المعتمد»، يقول «السيوطى»: كان «المعتضد» شهمًا جلدًا، موصوفًا بالرُّجلة (أى الشجاعة)، وقد خاض الحروب وعُرف فضله، فقام بالأمر أحسن قيام، وهابه الناس ورهبوه أحسن رهبة، وسكنت الفتن فى أيامه لفرط هيبته، وكانت أيامه طيبة كثيرة الأمن والرخاء. وقد تمكن «المعتضد» خلال حكمه الذى دام عشر سنوات من تهيئة المزيد من القوة والاستقرار للدولة العباسية، فقضى على مصادر الفتن والثورات، وأخمد ثورة «بنى شيبان» بأرض الجزيرة سنة

стр. 315

(٢٨٠هـ= ٨٩٣م)، وثورة «حمدان بن حمدون» - رأس الأسرة الحمدانية - بالموصل، واستولى على قلعة «ماردين» التى كان يتحصن بها سنة (٢٨١هـ= ٨٩٤م)، كما قضى على ثورة الخوارج فى «الموصل» بزعامة «هارون بن عبدالله الشارى» الذى وقع فى الأسر، وأمر «المعتضد» بضرب عنقه سنة (٢٨٣هـ=٨٩٦م)، ومن أخطر الحركات التى شهدها عصر «المعتضد»: - حركة القرامطة: وترجع بداية هذه الحركة إلى عام (٢٧٨هـ= ٨٩١م) قبل تولِّى «المعتضد» الخلافة بعام، حين قدم إلى «الكوفة» رجل اسمه «حمدان» ولقبه «قَرْمَط»، تظاهر بالعبادة والتقشف والدعوة إلى إمام من آل البيت، فلقيت دعوته صدى كبيرًا عند أنصار آل البيت، وحين خمدت سيطرته الروحية عليهم أخذ يبث فيهم أفكارًا غريبة عن الإسلام، منها: الشهادة بأن «أحمد بن محمد بن الحنفية» رسول الله، وأن القبلة إلى بيت المقدس، وأن النبيذ حرام والخمر حلال، وغير ذلك من الأفكار الشاذة. وقد اشتد خطر هذه الحركة بعد ظهور زعيمها «أبى سعيد الجنَّابى» فى «البحرين» سنة (٢٨٦هـ= ٨٩٩م)؛ حيث استطاع بسط سلطانه على «البحرين» و «هجر»، وكسب أنصارٍ كثيرين له فى المناطق التى ينتشر فيها التشيع. وقد تحولت «البحرين» إلى مركز رئيسى للقرامطة، خرجت منه حملاتهم الحربية فى اتجاه «العراق» و «الحجاز» و «الشام»؛ لنشر أفكارهم الهدامة التى تهدف إلى هدم كيان المجتمع الإسلامى، وبسط نفوذهم بواسطة خداع العامة بمبادئ وشعارات براقة، كالعدالة والمساواة والبساطة، ومساعدة الآخرين، ولم تدرك الخلافة العباسية مدى الخطورة التى تنطوى عليها هذه الحركة، ووجهت جهودها الحربية إلى حركات أخرى تبدو أكثر منها خطورة، مثل الحركة الصفارية والطولونية وغيرهما، ومن هنا لم تظفر هذه الحركة من الخليفة «المعتضد» - الذى عاصر بدايتها الأولى - بما تستحقه من اهتمام. انتقال عاصمة الخلافة إلى بغداد: ظلت مدينة «سامراء» أو «سر من رأى» عاصمة الخلافة العباسية منذ

стр. 316

حوالى سنة (٢٢١هـ= ٨٣٦م) - فى خلافة «المعتصم بالله» - إلى أوائل خلافة «المعتضد» الذى بنى «القصر الحسنى» ببغداد، وقرر انتقال عاصمة الخلافة إليها سنة (٢٨٠هـ= ٨٩٣م) .. وفاة المعتضد: تُوفِّى «المعتضد» فى ربيع الآخر سنة (٢٨٩هـ= ٩٠٢م)، وكان عصره يموج بالحركة العلمية والدينية والأدبية، فقد عاش فى عصره عدد من العلماء والأدباء البارزين. (٨) المكتفى بالله على بن المعتضد: تولى الخلافة فى (ربيع الآخر سنة ٢٨٩هـ= مارس سنة ٩٠٢م) عقب وفاة أبيه، وعمره خمس وعشرون سنة، ورغم أنه كان حسن السيرة محبوبًا لدى الرعية فإنه لم يكن يتمتع بما كان يتمتع به أبوه «المعتضد»، من قوة الشخصية والحزم، فكانت خلافته تمهيدًا لعودة الأمور إلى أوضاعها السابقة، وفترة انتقالية بين «صحوة الخلافة» وانتكاستها. وقد شهد عهد «المكتفى» أحداثًا كثيرة، منها: ازدياد خطر القرامطة وتهديدهم للشام و «الحجاز» و «اليمن»، وقد جرت على يد زعيمهم «زكرويه بن مهرويه» مذابح بشعة ضد حجاج بيت الله الحرام وعامة الناس، ونشروا الفزع فى أنحاء العالم الإسلامى، واستطاع «زكرويه» أن يهزم جيشًا للخليفة «المكتفى»، وأن يقتل منه عددًا كبيرًا، فأعد له «المكتفى» جيشًا حشد فيه أكفأ القواد، نجح فى قتل «زكرويه» وكثيرًا من أتباعه عام (٢٩٤هـ= ٩٠٧م)، وتتبعهم فى «العراق»، ولكنه لم يستطع القضاء عليهم تمامًا، فظلوا من بعده مصدر خطر مؤكد على كيان الخلافة. ومما شهده عصر «المكتفى» أيضًا من أحداث: تولية «المكتفى» «أبى الهيجاء عبدالله بن حمدان التغلبى» ولاية «الموصل» والبلاد التابعة لها سنة (٢٩٣هـ=٩٠٦م)، وكان ذلك مقدمة لاستقلال الحمدانيين بالموصل - فيما بعد - وضمهم «حلب» إليها، ونشأة «الأسرة الحمدانية». وفاة المكتفى: تُوفِّى «المكتفى» وفاة طبيعية فى (ذى القعدة سنة ٢٩٥هـ= أغسطس سنة ٩٠٨م)، وترك خزانة الدولة ممتلئة بالأموال، وقد أرجع المؤرخون

стр. 317

ذلك إلى الجهد الذى بذله أبوه «المعتضد» فى جلب أسباب الاستقرار الاقتصادى إلى الدولة، وحسن سيرة «المكتفى بالله». (٩) المقتدر بالله جعفر بن المعتضد: تولى الخلافة بعد أخيه «المكتفى» بعهد منه فى (ذى القعدة سنة ٢٩٥هـ= أغسطس سنة ٩٠٨م)، وكان صبيا فى الثالثة عشرة من عمره، ولم يلِ الخلافة قبله أصغر منه. أثار تولى «المقتدر» الخلافة اعتراض كثير من رجال الدولة بسبب صغر سنه، وعدم قدرته على الاضطلاع بشئون الخلافة مع وجود الأقدر منه على تحمل المسئولية، خاصة «عبد الله بن المعتز» الشاعر المعروف بتمام العقل وجودة الرأى، فاتفق رأى عدد منهم على خلع «المقتدر» وتولية «عبدالله بن المعتز»، وكان عمره نحو تسعة وأربعين عامًا، وعندما عرضوا الأمر على «ابن المعتز» وافق بشرط ألا يسفك دم أو تنشب حرب، فأخبروه أن الأمر يُسلَّم إليه عفوًا، وأن جميع من وراءهم من الجند والقواد والكُتَّاب قد رضوا به فبايعهم على ذلك، وتمت البيعة لابن المعتز فى (١٩من ربيع الأول سنة ٢٩٦هـ= نوفمبر سنة ٩٠٨م)، ولقب بالراضى بالله، ولكن أنصار «المقتدر» - وعلى رأسهم «مؤنس الخادم» - لم يرضوا بهذه البيعة، وتوجهوا نحو «ابن المعتز» وأنصاره وقبضوا عليهم وفتكوا بهم وأعادوا تنصيب «المقتدر» فى اليوم التالى لبيعة «ابن المعتز»، الذى لم يمكث فى الخلافة إلا يومًا أو بعض يوم، ولهذا يتجاهله المؤرخون عند ذكرهم قائمة خلفاء «بنى العباس». وقد تدهورت الأوضاع فى عهد «المقتدر»، وانتشرت الفتن وازداد تمزق الدولة، وأصبحت الخلافة نهبًا للطامعين بسبب صغر سنه، وأفلت زمام الأمور من يده، وتحكم النساء والخدم فى شئون البلاد، فكانت «أم المقتدر» وتسمى «شغب» تولِّى من تشاء وتعزل من تشاء، كما كان «مؤنس الخادم» صاحب مكانة متميزة وخطيرة فى عهد «المقتدر». وقد ازداد خطر القرامطة اتساعًا وعنفًا فى عهد «المقتدر»، ووصل مداه سنة (٣١٧هـ= ٩٢٩م)، حينما دخلوا «مكة» بقيادة «أبى طاهر

стр. 318

القرمطى» وقتلوا الحجاج فى المسجد الحرام، واستولوا على الحجر الأسود وأخذوه إلى مركزهم الرئيسى «هَجَر» حتى تم رده إلى مكانه فى عهد «المطيع» سنة (٣٣٩هـ = ٩٥٠م). بداية ظهور الفاطميين: ومن أهم الأحداث فى عهد «المقتدر» بداية ظهور العُبيديين أو الفاطميين فى «شمالى إفريقيا» .. ويرجع الفضل فى قيام «الدولة الفاطمية» إلى «أبى عبدالله الحسين بن أحمد»، المعروف بأبى عبدالله الشيعى، أحد دعاة الفاطميين البارزين فى المغرب وكان يعرف أحيانًا باسم «المحتسب»؛ لأنه كان مراقبًا لأسواق «البصرة» بالعراق قبل انتقاله إلى «المغرب». وقد تمكن «أبو عبدالله الشيعى» من القضاء على «دولة الأغالبة» فى «المغرب»، والاستيلاء على عاصمتهم «رقادة» سنة (٢٩٦هـ= ٩٠٩م)، وتم تنصيب أول إمام من أئمة الفاطميين وهو «عبيد الله المهدى» - وكنيته «أبو محمد» - الذى قيل إنه من سلالة الإمام «الحسين بن على بن أبى طالب». وقد تلقب «عبيدالله المهدى» بأمير المؤمنين، وبنى مدينة «المهدية» عاصمةً له، وانتقل إليها من «رقادة» سنة (٣٠٨هـ= ٩٢٠م)، وقد نجح الفاطميون فى الاستيلاء على «مصر» سنة (٣٥٨هـ= ٩٦٩م)، فى عهد الخليفة الفاطمى «المعز لدين الله». قيام دولة بنى حمدان: ومن الأحداث المهمة التى شهدها عهد «المقتدر» - أيضًا - قيام دولة «بنى حمدان» فى «الموصل»، فقد استمر «أبو الهيجاء عبدالله بن حمدان» يحكم «الموصل» والبلاد التابعة لها من قِبل الخليفة «المكتفى» حتى وفاته سنة (٣١٧هـ= ٩٢٩م)، فورثه ابنه «حسن» الملقب «ناصر الدولة» على ولاية «الموصل»، واستطاع أن يمد سلطانه إلى «ديار ربيعة» و «مضر» بأرض الجزيرة، وقد اتسع نفوذ الحمدانيين وملكهم بعد وفاة الخليفة «المقتدر»، ونجحوا فى بسط سلطانهم على «حلب» و «شمال الشام» سنة (٣٣٣هـ= ٩٤٥م) بقيادة زعيمهم المعروف «سيف الدولة الحمدانى»، الذى قال فيه «المتنبى» أروع قصائد المديح.

стр. 319

وقد أسهم أمراء «بنى حمدان» وفى مقدمتهم «سيف الدولة الحمدانى» فى صد غارات الروم (البيزنطيين) عن مناطق الثغور الإسلامية، وفى رعاية الحركة العلمية والأدبية التى بلغت فى عهدهم مركزًا مرموقًا. وفاة المقتدر بالله: ساءت العلاقة بين «المقتدر بالله» وخادمه «مؤنس الخادم»؛ مما أدى إلى مقتله على يد أنصار «مؤنس» فى أواخر شوال سنة (٣٢٠هـ= ٩٣٢م)، بعد أن ظل فى الحكم خمسًا وعشرين سنة، هى أطول مدة يقضيها خليفة عباسى فى الحكم حتى عصره. ورغم تدهور أحوال البلاد السياسية فى عهد «المقتدر» فإن الحياة العلمية قد شهدت ازدهارًا ملحوظًا فى هذا العصر. وبمقتل «المقتدر» دخل عصر نفوذ الأتراك مراحله الأخيرة. (١٠) القاهر بالله أبو منصور محمد بن المعتضد: تولى الخلافة فى شوال سنة (٣٢٠هـ= ٩٣٢م)، عقب مقتل «المقتدر»، وعمره ثلاث وثلاثون سنة. وقد اتصف «القاهر» بالغلظة وقلة التثبت، ورغم أنه نجح فى التخلص من «مؤنس الخادم»، صاحب النفوذ الأكبر فى عهد «المقتدر»، ومن غيره من أعيان الدولة فإن سوء سياسته كان سببًا فى تدبير الانقلاب عليه والإطاحة به. وقد لعب الوزير المشهور «أبو على بن مقلة» الدور الأساسى فى خلع «القاهر» والتنكيل به، لخوفه منه واعتقاده أنه كان يدبر للقضاء عليه، فهاجم أعوانه الخليفة «القاهر» فى دار الخلافة وقبضوا عليه وسملوا عينيه وعذبوه وأعلنوا خلعه فى الثالث من جمادى الأولى سنة (٣٢٢هـ= ٩٣٤م). ولعل من أبرز التطورات السياسية التى شهدها عهد «القاهر» - رغم قصره - ظهور النفوذ البويهى فى بلاد فارس سنة (٣٢١هـ= ٩٣٣م)، وكان ذلك مقدمة لامتداد نفوذهم إلى «العراق» وسيطرتهم على مقاليد الأمور هناك فى سنة (٣٣٤هـ= ٩٤٥م)، لتبدأ مرحلة جديدة فى تاريخ الخلافة العباسية فى عصرها الثانى، كما سنبين بعد قليل. (١١) الراضى بالله أبو العباس محمد بن المقتدر: بايع الجند «الراضى بالله» فى السادس من جمادى الأولى سنة

стр. 320

(٣٢٢هـ) وعمره خمسة وعشرون عامًا، وقد كان من خيار الخلفاء، فاضلاً سمحًا جوادًا، شاعرًا محبا للعلماء. ورغم ما كان يتحلى به «الراضى» من صفات حميدة فإن أمر الخلافة قد اختل فى عهده اختلالاً خطيرًا، وازداد تمزق الدولة واستفحل نفوذ المتطلعين للسيطرة على زمام الأمور؛ فقد ازداد نفوذ البويهيين فى فارس وتطلعوا للاستيلاء على «العراق»، وتمتع «بنو حمدان» بنفوذ مطلق فى «الموصل» و «ديار بكر» و «ربيعة» و «مضر»، واستقلت «الدولة الإخشيدية» فى «مصر» و «الشام» عن الخلافة العباسية، وكذلك «الدولة السامانية» فى «خراسان» و «ما وراء النهر» بزعامة «نصر بن أحمد السامانى»، وأصبح للأمويين خلافة مستقلة فى «الأندلس» تحت حكم «عبدالرحمن الثالث» الأموى الملقب بالناصر (٣٠٠ - ٣٥٠هـ= ٩١٣ - ٩٦١م)، وسيطر القرامطة بزعامة «أبى طاهر القرمطى» على «البحرين»» و «اليمامة». - ظهور منصب أمير الأمراء: وتدهورت الأوضاع فى أوائل عهد «الراضى» تدهورًا كبيرًا، بسبب عجز الوزراء وازدياد نفوذ كبار القواد وتدخلهم فى شئون الدولة، وكان «محمد بن رائق» والى «واسط» و «البصرة» واحدًا من أبرز هؤلاء القواد وأكثرهم نفوذًا وتأثيرًا، فاختاره الخليفة «الراضى» ليقوم بمهمة إنقاذ الخلافة من التدهور الإدارى الحاد الذى تعانى منه، وأسند إليه منصب «أمير الأمراء» فى عام (٣٢٤هـ= ٩٣٦م). وقد أصبح «محمد بن رائق» بمقتضى هذا المنصب الخطير الذى لم يظهر قبل ذلك على مسرح الأحداث السياسية فى الدولة الإسلامية، القائد الأعلى للجيش، والمسئول عن إدارة شئون الدولة والخراج، وأصدر الخليفة «الراضى» أمرًا بأن يُخطَب لابن رائق على جميع المنابر فى جميع النواحى الخاضعة للخلافة، وبذلك تحولت الخلافة إلى منصب شرفى، وأصبح شاغل منصب «أمير الأمراء» هو الحاكم الفعلى للبلاد؛ مما جعل كبار رجال الدولة أمثال «أبى عبدالله البريدى» صاحب «الأهواز»، و «بَجْكم التركى»، و «ناصر الدولة بن
следующие страницы →