Полный текст (3 483 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.
стр. 2626
* ابن الأشعث (ثورة)
هى واحدة من أعنف الثورات التى هبت فى وجه الدولة الأموية،
ولم يكن الدافع إليها خلاف مذهبى مع الدولة، كما هو الحال مع
الخوارج والشيعة، وإنما كان دافعها الأساسى الطموح
الشخصى الذى لعب برءوس بعض أبناء القبائل الكبرى، وكان
«عبدالرحمن بن الأشعث» زعيم هذه الثورة نموذجًا لها؛ إذ
استغل العداء التقليدى والحقد الدفين الذى يكنه العراقيون لبنى
أمية أسوأ استغلال، وأعلن الثورة عليهم. خلاصة القصة أن
«الحجاج بن يوسف» والى «العراق» (٧٥ - ٩٥هـ) أمَّر
«عبدالرحمن بن الأشعث» على جيش كبير سنة (٨٠هـ) أطلق عليه
المؤرخون «جيش الطواويس»؛ لضخامته وحسن إعداده، وأمره
بالتوجه إلى «سجستان» شرقىّ بلاد فارس؛ لمعاقبة ملكها
«رتبيل» الذى نقض المعاهدة التى بينه وبين المسلمين، وفتح
حدود بلاده للخارجين على الدولة الأموية، موفِّرًا لهم الأمن
والحماية، فصبر عليه «الحجاج» على مضض، إلى أن فرغ من
أمر الخوارج وقضى على «ابن الزبير»، فأرسل إليه هذا الجيش
الهادر لتأديبه والقصاص منه. وبدلا من أن يمضى «عبدالرحمن بن
الأشعث» لأداء المهمة المكلَّف بها، وقتال ملك كافر متمرد على
الدولة، ارتد ثائرًا عليها، وشجعه على ذلك استجابة أهل
«العراق» للثورة ورغبتهم فى التمرد على الدولة، وكانوا أغلبية
فى الجيش الذى بلغ عدده مائة ألف مقاتل. وزاد الأمر سوءًا
انخداع بعض العلماء من كبار التابعين بدعوة «ابن الأشعث»،
فصدَّقوا دعواه بأنه إذا بويع بالخلافة فسيحكم بالعدل، ويعيد
حكم الراشدين ويمحو مظالم «بنى أمية»، فاستجابوا له، وكان
على رأسهم: «عامر الشعبى»، و «سعيد بن جبير» الذى جعله
«الحجّاج» أمينًا على الأموال التى ينفق منها على الجيش، وكان
لموقفهم هذا أثر كبير فى تمادى «ابن الأشعث» فى الثورة
واستجابة الجنود له، وترتَّب على ذلك أعنف ثورة واجهت
«عبدالملك بن مروان»، دامت نحو سنتين (٨١ - ٨٣هـ)، ودارت
стр. 2627
بينهما نحو ثمانين موقعة، قتل فيها عشرات الألوف من الرجال،
وكان أشهرها معركة «دير الجماجم» التى استمرت مائة يوم،
وانتهت بهزيمة «ابن الأشعث» فى شهر جمادى الآخرة سنة
(٨٣هـ). لجأ «ابن الأشعث» بعد هزائمه إلى «رتبيل» ملك
«سجستان»، وكان قد عقد معه اتفاقًا على أن يوفر له الحماية
إذا هُزِم، لكن «الحجاج» طلب من «رتبيل» أن يسلمه «ابن
الأشعث»، فعزم على تسليمه؛ لأنه كان حريصًا على عدم إثارة
«الحجاج» أكثر من ذلك، فلما أحس «ابن الأشعث» بنية «رتبيل»
على تسليمه، ألقى بنفسه من فوق القصر الذى كان يقيم به،
فمات منتحرًا سنة (٨٥هـ).
стр. 2628
* الأندلس (فتح)
كان الذى دعا المسلمين إلى فتح تلك البلاد هو «يوليان» حاكم
ولاية «سبتة» المغربية الواقعة على ساحل البحر، والخاضعة
لحكم «القوط» آنذاك، ولم يكن المسلمون قد فتحوها، فاتصل
حاكمها بطارق بن زياد حاكم «طنجة»، وعرض عليه الفكرة،
فنقلها إلى «موسى بن نصير» الذى اتصل بالخليفة «الوليد بن
عبدالملك»، فأذن له الخليفة، على أن يتأكد من صدق نيات
«يوليان»، وأن يرتاد البلاد بحملة استطلاعية، ليعرف أخبارها
قبل أن يدخلها فاتحًا. كلَّف «موسى بن نصير» أحد رجاله وهو
«طريف بن مالك» على رأس خمسمائة جندى، بدخول «الأندلس»
وجمع ما يمكن جمعه من أخبار، كما طلب من «يوليان» أن
يوافيه بتقرير عن أوضاع البلاد، فاتفقت معلومات «طريف» التى
جمعها مع تقرير «يوليان»، وكلها تفيد أن البلاد فى حالة
فوضى، وتعانى من الضعف العسكرى، وأن الناس ينتظرون
المسلمين ليرفعوا عنهم الظلم، وعاد جيش «طريف» سنة (٩١هـ)
محملا بالغنائم. اختار «موسى بن نصير» للقيام بمهمة فتح
«الأندلس» طارق بن زياد» وهو من أصل بربرى لما يتمتع به من
شجاعة ومهارة فى القيادة، فخرج فى سبعة آلاف جندى،
معظمهم من «البربر»، وعبر المضيق الذى يفصل بين الساحل
المغربى والساحل الأندلسى، والذى لايزال يحمل اسمه، ونزل
على الجبل - الذى حمل اسمه أيضًا - فى شهر رجب سنة (٩٢هـ)،
واستولى عليه بعد عدة معارك مع القوات القوطية التى كانت
تقوم بحراسته، وتوغَّل فى جنوبى البلاد. وما إن علم الملك
«روذريق» بنزول المسلمين فى بلاده - وكان فى شمالى غربى
البلاد مشغولا بقمع ثورة اندلعت ضده - حتى عاد مسرعًا للقاء
المسلمين على رأس جيش قوامه نحو مائة ألف جندى، ولما علم
«طارق» بعودة الملك طلب مددًا من «موسى بن نصير»، فأمدََّه
بخمسة آلاف، وأصبح عدد جيشه اثنى عشر ألفًا، والتقى
الفريقان فى أواخر شهر رمضان سنة (٩٢هـ)، وحقق المسلمون
стр. 2629
نصرًا حاسمًا، ويؤكد المؤرخون أن هذه المعركة المعروفة باسم
معركة «شذونة» قد قررت مصير «الأندلس» لصالح المسلمين، لأن
الجيش القوطى دُحر تمامًا، وهبطت روحه المعنوية إلى الحضيض،
ولم يعد قادرًا على المقاومة، فانفتح الطريق أمام البطل الفاتح
«طارق بن زياد»، ليستولى على مدن مهمة، مثل: «قرطبة»،
و «غرناطة»، ووصل إلى «طليطلة» فى وسط البلاد، وكانت
عاصمة البلاد فى ذلك الوقت. أرسل «طارق» إلى «موسى بن
نصير» يبشره بهذه الانتصارات، ويطلب منه مددًا جديدًا، فعبر
إليه بنفسه على رأس قوة كبيرة قوامها ثمانية عشر ألفًا،
ونجح فى فتح عدد من المدن فى غربى البلاد مثل «إشبيلية»
وهو فى طريقه إلى لقاء «طارق» فى «طليطلة». اتفق القائدان
العظيمان على استكمال فتح «الأندلس»، فاتجه كل منهما إلى
ناحية فأخذ «طارق بن زياد» طريقه إلى الشمال الشرقى، فى
حين اتجه «موسى» إلى الشمال الغربى، ونجح الاثنان فى
غضون عامين (٩٣ - ٩٥هـ) فى فتح معظم «شبه الجزيرة
الأيبرية».
стр. 2630
* بدر (غزوة)
وقعت هذه الغزوة الخالدة فى السابع عشر من شهر رمضان
المبارك من السنة الثانية من الهجرة عند بئر بين «مكة»
و «المدينة»، وقد سمى الله - تعالى - يومها «يوم الفرقان»؛ لأنه
فرَّق بين الحق والباطل، وأعلى كلمة الإسلام. وسببها أن قافلة
تجارية لقريش، كانت قادمة من «الشام» إلى «مكة»، فأمر النبى
ﷺ أصحابه بالتعرض لها والاستيلاء عليها؛
تعويضًا لهم عن أموالهم التى استولت «قريش» عليها فى
«مكة»، وعندما وصل النبى ﷺ بجيشه إلى
المكان الذى دارت فيه المعركة علم أن القافلة أفلتت ونجت، بعد
أن نجح قائدها «أبو سفيان بن حرب» فى اتخاذ طريق الساحل
بعيدًا عن طريق القوافل المعتاد، حين علم بخروج المسلمين
للاستيلاء عليها، وكان قبل أن يفلت بقافلته قد أرسل سريعًا
إلى «قريش» يستنفرها للخروج لاستنقاذ أموالها التى توشك أن
تقع فى أيدى المسلمين فخرجت فى نحو ألف رجل للقتال،
وأصروا على ذلك حتى بعد أن علموا بنجاة قافلة «أبى
سفيان».وعندما علم المسلمون بإفلات القافلة، رأى بعضهم
العودة إلى «المدينة»، لأن كثيرًا ممن خرجوا لم يكن فى
حسبانهم أنهم خرجوا لقتال وأن حربًا ستقع، وإنماخرجوا
للاستيلاء على القافلة، فكرهوا القتال. لكن الرسول - صلى الله
عليه وسلم - كان يعلم أن الرجوع إلى «المدينة» ستفسره
«قريش» على أنه جبن وضعف عن لقائها ومواجهتها، وسوف
تذيع ذلك فى أوسع نطاق ممكن من شبه الجزيرة العربية، وفى
هذا ضرر بالغ بالدولة الإسلامية ودعوتها، فتصرف الرسول - صلى
الله عليه وسلم - بحكمة بالغة وبعد نظر، واستشار كبار أصحابه
فيما يصنعون، فتحدث «أبو بكر الصديق» و «عمر بن الخطاب»
وغيرهما فأحسنوا الكلام، وأبدوا استعدادًا للتضحية والجهاد
فى سبيل الله. سمع الرسول ﷺ كلامهم
فسعد به وسُرَّ، لكنه لا يزال فى حاجة إلى معرفة رأى الأنصار
стр. 2631
فى وضوح وجلاء، لأن بيعتهم معه كانت تنص على الدفاع عنه
داخل «المدينة» لا خارجها، فلما كرَّر قوله: «أشيروا علىَّ أيها
الناس»، قال له: «سعد بن معاذ» وغيره من زعماء الأنصار:
«لعلك تقصدنا يارسول الله»، قال: «نعم». قالوا: «يا رسول الله،
آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك
على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامضِ بنا يا
رسول الله لما أردت، فنحن معك، فوالذى بعثك بالحق، لو
استعرضت بنا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل
واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا، إنا لصبر فى الحرب،
صدق عند اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقر به عينك فسر على
بركة الله. اطمأن الرسول ﷺ لموقف أصحابه
وسلامة جبهتهم، وقوة ترابطهم، وبدأ يُعدُّ للمعركة الأولى فى
تاريخ الإسلام، وأعدَّ له المسلمون عريشًا (مقر قيادة) يدير منه
المعركة. وعرف الرسول ﷺ عدد أعدائه
وقوتهم من عيونه ومخابراته العسكرية فكانوا نحو ألف رجل
مدججين بالسلاح، فيهم عدد كبير من الفرسان، فى حين كان
عدد المسلمين نحو ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، فيهم فارسان
فقط. وبدأت المعركة صبيحة اليوم السابع عشر من شهر رمضان
سنة (٢هـ) بالمبارزة، حيث خرج ثلاثة من صفوف المشركين، هم
«عتبة بن ربيعة»، و «شيبة بن ربيعة»، و «الوليد بن عتبة»،
يطلبون المبارزة، فأمر النبى ﷺ عمه
«حمزة»، وابنى عمه «على بن أبى طالب»، و «عبيدة بن
الحارث» بالخروج إليهم، وهذا تصرف له مغزاه من القائد الأعلى
«محمد» رسول الله ﷺ ، حيث بدأ المعركة
بأقرب الناس إليه، فضرب المثل فى التضحية والفداء لدين الله،
واستطاع الثلاثة المسلمون القضاء على الثلاثة المشركين من
أعدائهم، وتركوهم صرعى فى ميدان المعركة، ثم احتدمت
الحرب، وتلاحم الناس، وحمى الوطيس، والرسول فى عريشه
стр. 2632
يدعو الله ويستنزل نصره الذى وعده به،
فيقول: «اللهم نصرك الذى وعدتنى، اللهم إن تهلك هذه العصابة
من المسلمين فلن تُعبَد على وجه الأرض، يامولاى»، واستجاب
الله لدعاء نبيه، وانجلت المعركة عن نصر ساحق للمسلمين،
وهزيمة ماحقة للمشركين الذين قُتِلَ منهم سبعون، وأُسِرَ مثلهم،
وفر الباقون، وامتلأت أيدى المسلمين من غنائمهم التى
تركوها، واستُشهد من المسلمين أربعة عشر شهيدًا، وتحقق
وعد الله، فنصر القلة القليلة المؤمنة، على الكثرة المشركة
المتغطرسة.
стр. 2633
* بلاد ماوراء النهر (فتح)
أطلق المسلمون اسم بلاد «ما وراء النهر» على البلاد المعروفة
الآن باسم «آسيا الوسطى» الإسلامية، وتضم خمس جمهوريات
إسلامية، كانت خاضعة للاتحاد السوفييتى، ثم منَّ الله عليهم،
فاستقلُّوا بعد انهياره. طرق المسلمون هذه البلاد عدة مرات منذ
خلافة «عثمان بن عفان» رضى الله عنه، وغزاها عدد كبير من
القادة المسلمين كان آخرهم «المهلب بن أبى صفرة»، ولم تكن
حملاتهم عليها للاستقرار الدائم والفتح المنظم، وإنما كانت
لتعرفها ومعرفة أحوالها. وبدأت المرحلة الحاسمة فى الفتح
والاستقرار مع تسلم «قتيبة بن مسلم» قيادة جيوش الفتح وولاية
إقليم «خراسان» سنة (٨٥هـ)، وقد مرت خطوات «قتيبة» فى
فتح تلك البلاد التى استمرت نحو عشر سنوات (٨٦ - ٩٦هـ) عبر
مراحل أربع هى: - المرحلة الأولى (٨٦ - ٨٧هـ (: وفيها أخضع
«قتيبة بن مسلم» إقليم «طخارستان»، الواقع على ضفتى نهر
«جيحون»، ويبدو أن أوضاعه لم تكن قد استقرت للمسلمين
تمامًا، منذ أن فتحه «الأحنف بن قيس» فى خلافة «عثمان بن
عفان»، وكانت تلك بداية ناجحة، فبدون توطيد أقدامه فى
«طخارستان» لم يكن ممكنًا أن يمضى لفتح «ما وراء النهر»،
وأصبح يتمتع بهيبة كبيرة فى تلك البلاد؛ فما إن يسمع الملوك
بمسيره إليهم، حتى يسرعوا إلى لقائه وطلب الصلح. - المرحلة
الثانية (٨٧ - ٩٠هـ): وفيها فتح «قتيبة» إقليم «بخارى»، بعد
حروب طاحنة، وانتظام حملاته عليها، وكان الغزو يحدث فى
الصيف، لأن شتاء تلك البلاد كان قاسيًا شديد البرودة على
العرب، لكنهم صبروا وجاهدوا حتى تمَّ لهم الفتح. - المرحلة
الثالثة (٩٠ - ٩٣هـ): وفيها أكمل فتح حوض نهر «جيحون» كله،
وتوَّج عمله بالاستيلاء على «سمرقند»، أعظم مدائن «ما وراء
النهر» كلها. - المرحلة الرابعة (٩٣ - ٩٦هـ): وفيها عبر «قتيبة»
نهر «سيحون»، وفتح الممالك السيحونية الثلاث: «الشاش»،
و «أشروسنة»، و «فرغانة»، ووصل إلى إقليم «كاشغر» الذى
стр. 2634
يلامس حدود «الصين»، التى تهيأ لفتحها، لولا أن وفاة
«الحجاج» سنة (٩٥هـ)، وبعده الخليفة «الوليد بن عبدالملك» سنة
(٩٦هـ)، جعلته يتوقف عند هذا الحد، لكنه أجبر ملك «الصين»
على دفع الجزية له مع رسوله إليه «هُبيرة بن المشمرج
الكلابى».
стр. 2635
* بلاط الشهداء (معركة)
فى أوائل سنة (١١٤هـ = ٧٣٢م) سار «الغافقى» بجيوشه نحو
الشمال وعبر جبال «البرت» من طريق «بنبلونة» ودخل فرنسا؛
حيث قام بمعارك ناجحة ضد أعدائه، وفتح نصف فرنسا الجنوبى
كله من الشرق إلى الغرب فى بضعة أشهر، وواصل زحفه المظفر
حتى أشرف بجيشه على نهر اللوار، وهناك احتشد له «شارل
مارتل» بجيش ضخم من الفرنج والمرتزقة نصف العراة، ويتشحون
بجلود الذئاب، وتنسدل شعورهم الجعدة فوق أكتافهم العارية.
استولى المسلمون على مدينتى «بواتيه» و «تور»، ثم فاجأهم
العدو دون أن تشعر به طلائع المسلمين أو تحسن تقدير عدده،
وأراد عبدالرحمن أن يقتحم «اللوار» ففاجأه «شارل مارتل»
بجموعه الجرارة فارتد إلى السهل الواقع بين مدينتى «بواتيه»
و «تور»، وعبر جيش الفرنج «اللوار» وعسكر غربى الجيش
الإسلامى. عزم «الغافقى» على لقاء العدو على الرغم من أن
بعض قبائل البربر فى جيشه كانت تتوق إلى الانسحاب بما
تحمله من غنائم كثيرة، وأن عدد جنوده قد قل بسبب تخلف
حاميات كثيرة فى المدن والقرى المفتوحة. ودامت المعركة تسعة
أيام دون أن يحقق الفريقان نصرًا حاسمًا، وفى اليوم العاشر
أبدى كلا الطرفين غاية الجلد والشجاعة، وظهر الإعياء على
الفرنج، وبدت علامات انتصار المسلمين، لكن حدث أن افتتح
الفرنج ثغرة فى معسكر غنائم المسلمين وارتفعت فيه صيحة
مجهول تقول إن معسكر الغنائم سيقع فى يد العدو، فارتدت
قوات كبيرة إلى ماوراء الغنائم لحمايتها، واختلت صفوف
المسلمين، وبينما يحاول «الغافقى» إعادة النظام إلى جيشه
أصابه سهم أرداه من فوق جواده قتيلا، فعم الاضطراب بين
المسلمين، وكثر القتل فيهم، واشتد الفرنج عليهم، لكنهم صبروا
حتى جن الليل وافترق الجيشان دون فصل فى (أوائل رمضان
١١٤هـ = ٢١ أكتوبر ٧٣٢م)، ثم انسحب المسلمون نحو مراكزهم
فى «سبتمانيا» تاركين غنائمهم. وفى فجر اليوم التالى تقدم
стр. 2636
«شارل» بحذر فوجد المعسكرات الإسلامية خالية إلا من الجرحى
ومن لم يتمكنوا من مرافقة الجيش المنسحب فذبحوهم، وخشى
«شارل مارتل» الخديعة فاكتفى بانسحاب المسلمين ولم
يتعقبهم، وآثر العودة بجيشه إلى الشمال.
стр. 2637
* تارابى (ثورة)
تنتسب هذه الثورة إلى زعيمها «محمود الترابى»، الذى كان
يعمل صانعًا للغرابيل، بقرية «تاراب»؛ أقدم قرى مدينة
«بخارى»، وهدفت هذه الثورة - التى أطلق عليها بعض
المؤرخين الفرس: حركة شعبية - إلى رفض الحكم المغولى،
واعتمدت على الدين كأساس لها فى ذلك، فالتف الناس حولها،
على الرغم من أن دعاتها اعتمدوا على الخرافات، وادعوا
اتصالهم بالأرواح، إلا أن انضمام «شمس الدين المحبوبى» أحد
علماء «بخارى» إليها أكسبها قوة؛ إذ كان على خلاف مع أئمة
«بخارى»، فساند «محمود تارابى» زعيم الثورة، وذكر له أن
أباه قرأ فى أحد الكتب نبوءة مفادها: أن رجلا سيظهر
ببخارى، سيكون فتح العالم على يديه، وأن مواصفات هذا
الرجل تنطبق على «محمود تارابى»، وأكد المنجمون صدق ذلك،
وأعلنوا أن نجم «محمود تارابى» قد بزغ، وأن الحظ سيحالفه،
ولأن هذه المعتقدات كانت سائدة آنذاك، فقد اهتم الناس بأقوال
المنجمين، والتفوا حول زعيم هذه الثورة، وحققوا انتصارات
كبيرة، ودخلوا «بخارى»، غير أن المغول تمكنوا من صد الثورة
ومقاومتها، وسقط «التارابى» و «محبوبى» صريعين، فأعلن
الثوار «محمدًا» و «عليا»، أخوىْ «تارابى»، زعيمين للثورة،
فعزز المغول قواتهم، وتمكنوا من القضاء على هذه الثورة،
وقبضوا على الثائرين، وأرادوا معاقبتهم، ولكن «محمود يلواج»
استطاع الحصول على العفو لهم من قادة المغول
стр. 2638
* تبوك (غزوة)
قام النبى ﷺ بقيادة هذه الغزوة فى شهر
رجب سنة ٩ هـ، وهى آخر غزوة غزاها، وكان سببها أن أخبارًا
وصلت إليه من عيونه التى بثها لمراقبة تحركات الروم فى
الشمال، أنهم يعدون العدة للهجوم عليه. فأعد جيشًا لصده،
وكان عدده ثلاثين ألفًا، وهو أكبر جيش قاده النبى - صلى الله
عليه وسلم - وسُمى «جيش العسرة»، لأن المسافة كانت بعيدة
والجو صيف شديد الحرارة، والناس يحبون المقام فى مزارعهم
وبساتينهم لجنى الثمار، والاستمتاع بالظل الوارف، ولكن
مادامت الدولة الإسلامية ودعوتها فى خطر، فلابد من التضحية
والاستهانة بكل راحة ومتعة، وقد ضحى أصحاب النبى - صلى
الله عليه وسلم - تضحيات كبيرة، وأسهموا فى تجهيز الجيش
وإعداده بأموالهم، وبخاصة «عثمان بن عفان» الذى جهز نحو
ثلث الجيش من ماله الخاص. سار النبىحتى وصل إلى «تبوك»،
فإذا به يعلم أن جيش الروم الذى كان يُعد يومئذٍ أقوى جيش فى
الدنيا قد فرَّ مذعورًا إلى داخل «الشام»، فعسكر النبى فى
«تبوك» ثلاثة أسابيع، رتب خلالها أوضاع المنطقة، وأظهر هيبة
الإسلام وضرب هيبة الروم ضربة قاصمة، جعلت سكان الإمارات
الصغيرة فى المنطقة الخاضعة لسيطرة الروم - كأيلة و «أدرح»
و «الجرساء» - يهرعون إلى رسول الله ﷺ
مذعنين، وقالوا له: ماذا تريد منا؟ فعرض عليهم الإسلام
فرفضوا، وقالوا: غير هذا، قال: «تدفعون الجزية ونؤمنكم على
عقائدكم وأرواحكم وأموالكم»؛ فقبلوا، فأعطاهم بذلك
معاهدات، وكان تصرف النبى ﷺ مثلا عاليًا
ودليلا على تسامح الإسلام، وأنه لا يُفرض على الناس بالقوة.
стр. 2639
* التوابون (ثورة)
«التوابون» مجموعة من الشيعة الذين أحسوا بخطئهم الفادح
حين دعوا «الحسين» إلى «الكوفة» ليبايعوه خليفة وإمامًا، ثم
خذلوه لما حضر إليهم، لذلك قرروا الثأر له، وسمُّوا أنفسهم
التوابين، أى الذين تابوا عن تقصيرهم فى نصرته، وتزعمهم
«سليمان بن صرد الخزاعى». وقد اجتمع لهم عدة آلاف من الناس،
قيل إنهم بلغوا ستة عشر ألفًا، وبايعوا «ابن صرد» على الموت
طلبًا لثأر «الحسين»، لكنهم انفضُّوا عنه حين جدَّ الجد، كما
انفضوا عن «الحسين» من قبل، ولم يبقَ معه سوى نحو ثلاثة
آلاف، توجه بهم لقتال الأمويين، فتصدَّى لهم «عبيدالله بن زياد»
فى جيش ضخم، بلغ عدده نحو ستين ألفًا، فهزمهم وقتل معظم
التوابين وعلى رأسهم زعيمهم «سليمان بن صرد»، فى مكان
يُسمَّى «عين الوردة» فى شمالى «العراق» سنة (٦٥هـ).
стр. 2640
* الجمل (معركة)
كانت أم المؤمنين «عائشة» - رضى الله عنها - عائدة من أداء
فريضة الحج، وسمعت بمقتل «عثمان»، فعادت من الطريق إلى
«مكة»، وأعلنت سخطها على قتله، وأخذت تردد «قُتل والله
عثمان مظلومًا لأطلبن بدمه»، ثم وافاها فى «مكة» «طلحة»
و «الزبير» - رضى الله عنهما - و «بنو أمية»، وكل من أغضبه
مقتل «عثمان»، وراحوا يتباحثون فى الأمر، وهداهم تفكيرهم
إلى تجهيز جيش للأخذ بالثأر من قتلة «عثمان» والسير به إلى
«البصرة»، باعتبارها أقرب بلد إليهم من البلاد التى اشترك
أهلها فى الثورة على «عثمان» وقتله، وصلت أخبار سير
«عائشة» ومن معها إلى «على» وهو يتأهب للخروج إلى الشام
لقتال «معاوية»، فاضطر إلى تغيير خطته، فلم يعد ممكنًا أن
يذهب إلى الشام، ويترك هؤلاء يذهبون إلى «البصرة»،
فاستعد للذهاب إلى هناك. خرجت السيدة «عائشة» - رضى الله
عنها - ومعها فى البداية نحو ألف رجل لكن هذا العدد تضاعف
عدة مرات، بانضمام كثيرين إلى الجيش، نظرًا إلى مكانة
«عائشة»، فلما اقتربوا من «البصرة»، أرسل واليها «عثمان بن
حنيف» إلى أم المؤمنين «عائشة» رسولين من عنده، هما
«عمران بن حصين» و «أبو الأسود الدؤلى» يسألانها عن سبب
مجيئها. فقالت لهما: «إن الغوغاء من أهل الأمصار ونزاع القبائل
غزوا حرم رسول الله ﷺ ، وأحدثوا فيه
الأحداث وآووا فيه المحدثين، واستوجبوا لعنة الله ورسوله، مع
مانالوا من قتل إمام المسلمين، بلا ترة ولا عذر، فخرجت فى
المسلمين، أعلمهم ما أتى هؤلاء، وكذلك سأل الرسولان «طلحة»
و «الزبير» - رضى الله عنهما - عن سبب مجيئهما، فقالا: «الطلب
بدم عثمان»، فرجع الرجلان وأخبرا «عثمان بن حنيف»،
الذىأصرَّ على منعهم من دخول «البصرة»، فدارت بينه وبينهم
معركة عند مكان يُسمى «الزابوقة» قُتل فيها نحو ستمائة من
الفريقين، فلما رأوا كثرة القتلى تنادوا إلى الصلح والكف عن
стр. 2641
القتال، وانتظار قدوم الإمام «على» إلى «البصرة». وصل
«على» إلى «البصرة» وعلم بما حدث من سفك الدماء وهاله
ذلك، فأرسل على الفور «القعقاع بن عمرو التميمى» إلى
معسكر «عائشة» و «طلحة» و «الزبير»، ليعرف ماذا يريدون،
فقالت «عائشة» - رضى الله عنها -: «خرجنا لنصلح بين الناس»،
وكذلك قال «طلحة» و «الزبير»، فسألهم «ما وجه الإصلاح الذى
تريدون»، قالوا: «قتلة عثمان»، قال: «لقد قتلتم ستمائة من قتلة
عثمان، فغضب لهم ستة آلاف من قبائلهم، وكنتم قبل ذلك أقرب
إلى السلامة منكم الآن»، قالوا: «فماذا ترى أنت؟»، قال:
«أرى أن هذا الأمر دواؤه التسكين»، واقترح عليهم تجديد
البيعة لعلى، ومقابلته، والتفكير بعد ذلك فيما يصلح المسلمين،
فقبلوا. كانت نقطة الضعف التى فى معسكر الإمام «على» هى
وجود كثيرين ممن اشتركوا فى قتل «عثمان» والتخطيط له،
وعلى رأسهم «عبدالله بن سبأ»، و «الأشتر النخعى»، ولم يكن
لعلى حيلة فى وجودهم معه، ولا قدرة على إبعادهم، لكونهم
قوة كبيرة تساندهم عصبات قبلية، وقد أدرك زعماؤهم الذين
تولوا كبر الثورة على «عثمان» أن الصلح بين الفريقين سيجعل
«عليًّا» يتقوى بانضمام الفريق الآخر إليه، ويقيم الحد عليهم
باعتبارهم قتلة «عثمان»، فعزموا على إفساد الأمر كله. وترتب
على هذا العزم أن عقد «ابن سبأ» لهم مؤتمرًا تدارسوا فيه الأمر،
فاقترح «الأشتر» أن يقتلوا «عليًا» كما قتلوا «عثمان» من قبل،
فتهيج الدنيا من جديد، ولا يقدر عليهم أحد، لكن هذا الاقتراح لم
يعجب «ابن سبأ»، فهو يريد أن يدخل الأمة كلها فى حرب
طاحنة، لا أن يقتل فرد واحد وإن كان خليفة المسلمين، فأمرهم
بشن هجوم فى ظلام الليل على جيش «عائشة» و «طلحة»
و «الزبير»، بدون علم الإمام «على»، فاستجابوا لرأيه، وبينما
الناس نائمون مطمئنون بعد أن رأوا بوادر الصلح تلوح فى
الأفق، إذا بهم يفاجئون بقعقعة السلاح، وكانت هذه هى بداية
стр. 2642
حرب «الجمل» المشئومة التى راح ضحيتها خيرة الصحابة
«طلحة» و «الزبير» المبشران بالجنة، ونحو عشرين ألفًا من
المسلمين.
стр. 2643
* الحسين بن على (ثورة)
لم يقم الشيعة بأى ثورة ضد «معاوية بن أبى سفيان»، طوال
مدة خلافته (٤١ - ٦٠هـ)، وإنما اندلعت أولى ثوراتهم بقيادة
«الحسين بن على» فى خلافة «يزيد بن معاوية»، بعد أن رفض
«الحسين» بيعة «يزيد»، وكان قد رفض من قبل تعيينه وليا
للعهد فى زمن أبيه. اعتصم «الحسين» بمكة المكرمة، وهناك
توالت عليه رسائل أهل «الكوفة» يطلبون منه الحضور إليهم؛
ليبايعوه بالخلافة، فاستجاب لهم على الرغم من تحذير «ابن
عباس» - وهو من أقرب الناس إليه - من الذهاب إلى «العراق»،
لأنها دعوة من لا أمان أو عهد لهم، وقد خذل أهل العراق أباه
من قبل، لكنه أصر على الذهاب، وأرسل - قبل أن يتحرك- ابن
عمه «مسلم بن عقيل بن أبى طالب» إلى «الكوفة»، ليستطلع
الأمر، ويكتب له بحقيقة الموقف هناك. وصل «مسلم بن عقيل»
إلى «الكوفة»، فاستقبله الناس بحماس شديد وبحفاوة بالغة،
وبايعه منهم نحو ثمانية عشر ألفًا، فانخدع بهم بعد أن تغافل
«النعمان بن بشير» والى «الكوفة» عنه، فكتب إلى «الحسين»
يطمئنه، ويطلب منه الحضور إلى «الكوفة». ولما علم «يزيد» بما
فعله «مسلم» فى «الكوفة»، اضطر إلى عزل «النعمان بن
بشير» عن ولايتها لتغاضيه عما يقوم به «مسلم»، وولَّى مكانه
«عبيدالله بن زياد»، فحضر على الفور، وقبض على «مسلم»
وقتله بعد أن انفضت عنه الآلاف التى تجمعت حوله من أهل
«الكوفة»، وتركوه يلقى مصرعه وحده. وفى أثناء هذه
الأحداث المتلاحقة كان «الحسين» فى طريقه إلى «الكوفة»،
فلما وصلته أخبار «مسلم»، وتخاذُل الكوفيين عنه، قرر العودة
إلى «مكة»، لكن إخوة «مسلم» أصروا على مواصلة السير، طلبًا
لثأر أخيهم، فلم يجد «الحسين» بُدا من مطاوعتهم، وكان هذا من
الأخطاء الكبيرة، فالذى قتل «مسلم» دولة لا فرد، وليس فى
استطاعتهم - وهم قلة فى عددهم - التصدِّى للدولة، فقد كانوا
نحو سبعين رجلا. واصل «الحسين» سيره حتى بلغ «كربلاء»
стр. 2644
بالقرب من «الكوفة»، فوجد جيشًا كبيرًا فى انتظاره بقيادة
«عمر بن سعد بن أبى وقَّاص» يزيد عددُه عمَّا معه من أفراد
بنحو خمسين مرة، وعسكرت القوتان دون تكافؤ بينهما فى
القوة، فعرضَ «الحسين» على «عمر بن سعد» ثلاثة حلول
للخروج من هذا المأزق، إمَّا أن يتركه يعود إلى «مكة»، وإما أن
يتركه يذهب إلى ثغر من ثغور الإسلام فيجاهد فى سبيل الله،
وإما أن يدعه يذهب إلى «دمشق» لمقابلة الخليفة «يزيد بن
معاوية» ويضع يده فى يده. وكانت هذه الخطوة من «الحسين»
- رضى الله عنه - طيبة؛ لأن ذلك معناه أنه أنهى ثورته وجنح
إلى السلام، كما سُرَّ بهذه الخطوة «عمر بن سعد»، لأنه لم يكن
راغبًا فى مواجهة «الحسين»، ولكن عليه أن يستشير «عبيد الله
بن زياد»، فهو الوالى وصاحب القرار، فرحب بالفكرة لأول
وهلة، لأن فيها حقن الدماء، وبخاصة دم «الحسين» حفيد رسول
الله ﷺ ، غير أن شيطانًا من شياطين الإنس
يُدعى «شمر بن ذى الجوش» أشار على «ابن زياد» ألا يقبل من
«الحسين» إلا أن يسلِّم نفسه باعتباره أسير حرب، وأن يرسله
بهذه الصفة إلى الخليفة «يزيد بن معاوية» فى «دمشق». وكان
من الطبيعى أن يرفض «الحسين بن على» هذا الطلب، فالموت
عنده أهون عليه من هذا كما قال هو نفسه، ولو أن مشركًا أو
ذميا كان فى مكان «الحسين»، وعرض عليهم هذه الحلول
السلمية لكان عليهم قبولها، لكن «ابن زياد» خضع لهذه الفكرة
الشيطانية، ورفض «الحسين» تسليم نفسه أسير حرب، فدارت
معركة غير متكافئة بين الفريقين فى «كربلاء» فى العاشر من
المحرم سنة (٦١هـ)، استُشْهِد فيها «الحسين»، رضى الله عنه،
وقتل من كان معه من أهل بيته، ولم ينجُ من القتل إلا ابنه
«على» الملقب بزين العابدين.
стр. 2645
* حطين (معركة)
تعد «حِطِّين» من أشهر الحروب التى خاضها «صلاح الدين» ضد
الصليبيين، بعد سلسلة من الحروب التى خاضها مثل: موقعة
«مرج العيون» سنة (٥٧٤هـ) التى انتصر فيها عليهم، ثم موقعة
«مخاضة الأحزان» سنة (٥٧٥هـ)، وهىمعركة فاصلة. بدأت فى
ربيع الثانى سنة (٥٨٣ هـ)، بين المسلمين بقيادة صلاح الدين
الأيوبى والصليبيين. وكان صلاح الدين قد وحَّد مصر والشام
والعراق والجزيرة وجمع كلمة العرب تحت لوائه، فقرر التصدِّى
للصليبيين فوضع خطة لاستدراجهم بعيدًا عن معاقلهم وحصونهم
فانتهز فرصة تعدى الأمير رينو دوشاتيون - المعروف بأرناط -
على قوافل المسلمين والحجاج ونقضه بذلك الهدنة التى بين
المسلمين والصليبيين؛ فحرق لهم طبرية، ونفذ خطته، فجاءوه
مجتمعين ومعهم صليب الصلبوت أو الصليب الأعظم وعلى رأسهم
الملك غى ملك بيت المقدس فى خمسين ألف مقاتل، وساروا إليه
فى أرض جرداء وعرة لا كلأ فيها ولا ماء فى يوم شديد الحرارة
، فعانى الصليبيون من التعب والحر والعطش. على حين كانت
دوريات صلاح الدين تهاجمهم فى المقدمة والقلب والمؤخرة،
وتقوم بحرب إزعاج ضدهم، ثم تنسحب بسرعة، دون أن تعطيهم
فرصة للالتحام، وكان عسكر المسلمين على سفوح هضاب حطين
ينتظرون وصول الجيش الصليبى، ولما وصل الصليبيون طوَّق
صلاح الدين بجيشه الهضبة التى تمركز عليها جيش الصليبيين،
ومنع عنهم الماء، وأحرق المسلمون الأراضى المكسوة
بالأشواك، وكانت الريح مواتية فحملت إليهم حر النار والدخان.
وبدأ جيش المسلمين بالهجوم، وقاتل الفرنجة ببسالة لا نظير لها،
ولم يترك لهم المسلمون فرصة لالتقاط أنفاسهم، فهُزِم المشاة،
وفرَّ قسم من الفرسان، وطوق المسلمون خيمة الملك غى،
ودكوها، وأسروا الملك وجميع الأمراء والفرسان الصليبيين
وعددًا كبيرًا من رجالاتهم وقادتهم، فأكرم صلاح الدين
ضيافتهم، وسقى مليكهم الماء المثلج. ثم شرع صلاح الدين فى
стр. 2646
فتح البلاد والمدن والثغور الصليبية حتى توَّج جهاده بتحرير بيت
المقدس فى شهر رجب من السنة نفسها.
стр. 2647
* حنين (غزوة)
بعد فتح «مكة» بدأ الرسول ﷺ يرتب
أمورها، فعين لها واليًا من قبله، هو «عتاب بن أسيد»، ومعلمًا
يعلم أهلها شرائع الإسلام هو «معاذ بن جبل»، ولكن بعد أقل
من أسبوعين من ذلك الفتح العظيم وصلت إلى النبى - صلى الله
عليه وسلم - أخبار بأن قبائل «هوازن» و «ثقيف» قد جمعت
جموعها فى وادى «حنين» بين «مكة» و «الطائف» لمحاربته؛
لظنهم أن ذلك الفتح وعلو شأن الرسول ﷺ
خطر عليهم، ولا شك أنهم كانوا فى ذلك مخطئين، فالإسلام ليس
خطرًا عليهم ولا على غيرهم، بل هو رحمة وعدل وعزة وكرامة
لهم وللعرب وللعالم أجمع. أمر النبى ﷺ
الجيش بالتأهب لمواجهتهم فى أوائل شهر شوال سنة ٨هـ، وكان
يضم اثنى عشر ألفًا بعد أن انضم إلى جيش الفتح ألفان من أهل
«مكة»، واتجه به إلى وادى «حنين»، ففاجأتهم جموع «هوازن»
و «ثقيف» من مكامنها فى الأودية والجبال، وكادت تهزمهم، وفر
معظم المسلمين من هول المفاجأة، ولم يثبت مع النبى - صلى الله
عليه وسلم - إلا قلة قليلة من أهله وأصحابه، تقدر بنحو عشرة
رجال، وصاح النبى ﷺ بالمسلمين «إلى أين
أيها الناس؟ إلىَّ أيها الناس، أنا النبى لا كذب أنا ابن
عبد المطلب»، وأمام ثبات النبى ﷺ وشجاعته
عاد المسلمون وراءه، وتماسكوا من جديد، وحملوا على عدوهم
حملة صادقة، فهزموهم هزيمة شديدة، وقتلوا منهم عددًا كبيرًا،
وأسروا كذلك نحوًا من ستة آلاف، وغنموا غنائم كثيرة.
стр. 2648
* الخندق (غزوة)
إحدى الغزوات التى وقعت بين المسلمين وأحزاب المشركين سنة
(٥ هـ = ٦٧٢م) بعد غزوة أحد. وسُميت بهذا الاسم؛ لأن قريشًا
وغطفان وبنى سليم وبنى مرة تحزَّبوا وتجمعوا للقضاء على
الإسلام ودعوته بالمدينة المنورة. وقد قام اليهود من بنى النضير
بتحزيب هذه القبائل وتجميعها وتأليبها على المسلمين؛ إذ ذهب
وفد منهم على رأسه حُيى بن أخطب إلى قريش، وحرَّضهم على
غزو المسلمين، فاستجابوا للدعوة، ثم توجهوا إلى غطفان
فأغروهم بأن يكون لهم نصف ثمار بنى النضير ثم طافوا بقبائل
أخرى. وتمَّ الأمر لهم كما أرادوا؛ فقد تجمع جيش كبير قوامه
(١٠) آلاف مقاتل، أعدوا عدتهم للسير تجاه المدينة. وكان ذلك
فى شهر شوال من السنة الخامسة للهجرة. علم الرسول - صلى
الله عليه وسلم - بهذه الأخبار المفزعة، فجمع كبار الصحابة
واستشارهم كيف يواجهون هذا الموقف، فأشاروا عليه بالتحصن
داخل «المدينة»؛ لأنهم استفادوا من درس «أحد»، وأخذوا يعدُّون
العدة لتحمل حصار طويل من الأعداء. وهنا جاءت فكرة رائعة من
«سلمان الفارسى» - رضى الله عنه - وهى حفر خندق فى الجهة
الشمالية الغربية من «المدينة»؛ لمنع اقتحام جيوش الأحزاب لها،
لأن بقية جهاتها الأخرى كانت محصنة بغابات من النخيل، يصعب
على الخيول اقتحامها. وتم حفر الخندق فى نحو أسبوع، وعمل
النبى ﷺ بنفسه مع المسلمين فى حفره،
وبشرهم وهم فى هذا الموقف العصيب بفتح «الشام» و «العراق»
و «اليمن». جاءت قوات الأحزاب وهى واثقة لا بالنصر على
المسلمين فحسب، بل باستئصالهم، لكن المفاجأة أذهلتهم عندما
رأوا الخندق يحول بينهم وبين اقتحام المدينة، وظلوا أمامه
عاجزين، تأكل قلوبهم الحسرة، لأنهم لم يتعودوا مثل هذا
الأسلوب فى القتال، ولما حاول واحد منهم اقتحام الخندق لقى
حتفه فى الحال. وعلى الرغم من أن الخندق قد حمى المسلمين
من هجوم المشركين، فإن الكرب قد اشتد عليهم، وضاقوا بطول
стр. 2649
الحصار، وكانوا فى موقف عصيب بالغ الصعوبة، فالمشركون
من فوقهم يحيطون بالخندق، وبنو قريظة أسفل منهم قد نقضوا
العهد، والمنافقون فى المدينة يرجفون، ويخذلون الناس، واشتدَّ
الخوف، وعظُم البلاء، وزُلزل المسلمون زلزالاً شديدًا. وصفه الله -
تعالى - أدق وصف بقوله: ﴿إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل
منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله
الظنونا هنالك ابتلى المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديداً
(الأحزاب:١٠ - ١١) اجتهد النبى ﷺ فى تفريج
الكرب عن المسلمين، فاتصل بقبائل «غطفان» وعرض عليها ثلث
ثمار «المدينة» على أن يعودوا إلى ديارهم ويتخلوا عن «قريش»
فوافقوا، وعرض الرسول ﷺ هذا الأمر على
الأنصار، فسألوه إن كان هذا أمرًا من الله فليس لهم أن
يخالفوه، أما إذا كان اجتهادًا من أجلهم فلن يوافقوا عليه،
فأعلمهم أنه اجتهاد منه لمصلحتهم ولتفريق الأحزاب عنهم، فأبوا
وعزموا على مواصلة الجهاد والدفاع عن بلدهم، فأوقف النبى
ﷺ المفاوضات مع «غطفان» نزولا على رأى
أصحابه. وفى هذه اللحظة لاحت فرصة عظيمة حيث جاء إلى
الرسول ﷺ رجل من غطفان اسمه نعيم بن مسعود الأشجعى - وكان
قد أسلم وقدم مع الأحزاب دون أن يعلموا - يعرض عليه أن يأمره
بما يشاء للتخفيف عن المسلمين، فأمره الرسول - صلى الله عليه
وسلم - أن يفرق بينهم وبين «بنى قريظة»، الذين نقضوا عهدهم
مع النبى ﷺ واتفقوا مع الأحزاب على
الانضمام إليهم حين تبدأ الحرب، وقد نجح «نُعيم» فى مسعاه
نجاحًا عظيمًا، وزرع الشكوك فى قلوب الأحزاب و «بنى قريظة»
تجاه بعضهم بعضًا وفرق كلمتهم، ثم أرسل الله ريحًا شديدة
قلعت خيام المشركين، وكفأت قدورهم، وانقلب الموقف كله
بفضل الله - تعالى - عليهم، وأدرك «أبو سفيان بن حرب» قائد
الأحزاب ألا فائدة من البقاء، فأمرهم بالرحيل فرحلوا، وقد علق
стр. 2650
الرسول ﷺ على هذا الموقف بقوله: «الآن
نغزوهم ولا يغزوننا».أى أن قريشًا لن تستطيع مهاجمة
«المدينة» مرة أخرى؛ لأن ميزان القوى أصبح يميل مع
المسلمين.
стр. 2651
* الخندق (موقعة)
هى معركة جرت بين عبد الرحمن الناصرو ملك ليون قائد التحالف
النصرانى فى الأندلس عند باب قلعة «شنت منكش» (سيمانقة)
وكانت الحرب سجالا، ثم انكشف المسلمون انكشافًا لم يسمع
بمثله وردهم العدو إلى خندق عميق نسبت الموقعة إليه، وقد
تساقط فيه المسلمون حتى امتلأ بهم عن آخره وانكشف الناصر
واستولى العدو على محلاته وما فيها من عدة ومتاع وفقد
مصحفه الشريف ودرعه. وكان للخونة وعلى رأسهم «فرتون بن
محمد الطويل» أثره فى الهزيمة، وقد أعدمه الناصر جزاءً وفاقًا
لخيانته، كما كان لتولية قائد صقلبى أثره فى امتعاض العرب
وتأثيره على روحهم المعنوية أثناء القتال، وقد قتل ذلك القائد
فى المعركة، وأسر من كبار المسلمين «محمد بن هاشم
التجيبى» وبقى فى أسر ملك ليون مدة عامين حتى افتداه
الناصر بمبلغ كبير.
стр. 2652
* الخوارج (ثورات)
الخوارج لفظ يطلق على طائفة عقائدية سياسية، ظهرت فى
أواخر عصر الخلفاء الراشدين، وهى أولى الفرق الإسلامية. وقد
خرجوا على على بن أبى طالب، رضى الله عنه، وصحبه رافضين
التحكيم بينه وبين معاوية بن أبى سفيان. وانبثقت عنهم عدة
فرق - عُرف كل منها باسم خاص - بلغت اثنتين وعشرين فرقة،
ومن أهمها: الأزارقة والصفرية والنجدات. واشتهر الخوارج
بالتشدد فى العبادة، وكانوا يرون أن الخلافة حق لكل مسلم
مادام مستحقًّا لها، ومادامت شروطها متحققة فيه، كما اتفقوا
على تكفير عثمان بن عفان وعلى بن أبى طالب، رضى الله
عنهما، وأصحاب الجمل، وتكفير الحكمين، وكذلك معاوية بن
أبى سفيان، رضى الله عنه، وأصحابه. وقد أعلن الخوارج
الثورة على على ومعاوية وقاموا بثورات كثيرة، وتصاعدت
هذه الثورات منذ حربهم ضد على بن أبى طالب سنة (٣٨ هـ =
٦٥٨ م) بالنهروان، حتى تحولت إلى تحرك جماهيرى مسلح ضد
بنى أمية، حيث لجأ الخوارج إلى القوة واستخدام السيف فى
فرض أفكارهم وآرائهم على الناس، وأبدوا فى صراعهم الدموى
مع الدولة الأموية كثيرًا من ضروب الشجاعة والتضحية والإقدام
وكانت الأعداد القليلة منهم تهزم جيوشًا جرارة للدولة، ولو أن
شجاعتهم وبطولاتهم اتجهت اتجاهًا صحيحًا، ووحدوا جهودهم
مع الدولة الأموية فى مجال الفتوحات الإسلامية ومحاربة أعداء
الإسلام، لكان ذلك أجدى وأنفع، والعجيب أن أغلبهم لم يكونوا
من طلاب الدنيا، والتطلع إلى المال والمناصب، وإنما كانوا طلاب
آخرة، ولكنهم أخطئوا الطريق إليها، كما قال لهم «عمر بن
عبدالعزيز». أعلن الخوارج وبخاصة «الأزارقة» حربًا شعواء على
الدولة الأموية منذ قيامها، ولم تفلح معهم سياسة «معاوية بن
أبى سفيان» - رضى الله عنه - القائمة على التسامح وسعة
الأفق، فثاروا فى وجهه سنة (٤١هـ) - أى عام الجماعة - قبل أن
يغادر «الكوفة»، وكان أول من ثار عليه «عبدالله بن أبى
стр. 2653
الحوساء» فى مكان قريب من «الكوفة»، ثم ثار عليه «المستورد
بن عُلَّنة الطائى». وكان عجيبًا أن تشب هذه الثورات فى
«الكوفة» أيام واليها «المغيرة بن شعبة» الذى انتهج سياسة
متسامحة مع الناس كلهم، ولم يشأ أن يزيد فى آلام الناس فى
«العراق»، أو ينكأ جروحهم بعد الحروب الكثيرة التى عانوها
فى «الجمل» و «صفين». وكان حريا بالخوارج أن يركنوا إلى
الهدوء ويبتعدوا عن سياسة العنف إزاء سياسة التسامح التى
انتهجها «المغيرة»، لكنهم تمرَّدوا وثاروا، فاضطر «المغيرة»
إلى التصدى لهم والقضاء على ثوراتهم. ثم ازداد ضغط الدولة
عليهم منذ أن ولى «زياد بن أبى سفيان» ولاية «البصرة» سنة
(٤٥هـ) فأخذ يتعقبهم فى «البصرة»، فى الوقت الذى يتعقبهم
فيه «المغيرة بن شعبة» فى «الكوفة»، حتى ضيَّقا عليهم
الخناق، وضربا عليهم بيد من حديد، حتى ضعفت شوكتهم.
وعلى الرغم من ذلك فقد استأنف الخوارج نشاطهم على نحو
أعنف بعد وفاة «معاوية» سنة (٦٠هـ)، فأرسل إليهم «يزيد بن
معاوية» حملة بقيادة «عبيدالله بن زياد»، فتصدى لهم بقوة، ثم
ازدادت ثوراتهم بعد وفاة «يزيد» سنة (٦٤هـ)، مستغلِّين فى ذلك
حالة الفوضى التى سادت «العراق»، ولما استقامت الأمور
للأمويين كلَّف «عبدُالملك بن مروان» «المهلب بن أبى صفرة»،
بمواجهة الخوارج، فاستطاع أن يكسر شوكتهم، ويخمد
أنفاسهم، فاستكانوا فترة طويلة تزيد على العشرين عامًا (٧٨ -
١٠٠هـ)، لم تقم لهم ثورة خلالها، ثم عاودوا نشاطهم فى عهد
«عمر بن عبدالعزيز»، فاستعمل معهم أسلوب الحوار،
فاستجابوا له لمَّا أقنعهم بخطأ أفكارهم المتطرفة، ووعدوه
بالهدوء، لكنهم هبُّوا من جديد بعد وفاته سنة (١٠١هـ)، ولم تهدأ
ثوراتهم التى استمرت حتى آخر أيام الدولة الأموية. وبلغت حركة
الخوارج أقصى درجات العنف فى عهد «مروان بن محمد» آخر
خليفة أموى (١٢٧ - ١٣٢هـ)، وقد شهد آخر ثورات الخوارج
وأشدها خطرًا، بقيادة «الضحاك بن قيس الشيبانى» فى
стр. 2654
«العراق»، و «أبى حمزة الخارجى» فى جنوبى الجزيرة العربية.
стр. 2655
* خيبر (غزوة)
وهى قرية كبيرة تقع شمالى شرقى «المدينة المنورة» بنحو
مائة وثمانين كيلو مترًا، يسكنها بعض اليهود الذين لم تبد منهم
أية إساءة إلى المسلمين من البداية، ولم يُسمع أن لهم ضلعًا فى
أية مؤامرة أو موقف من مواقف اليهود المخزية ضد الرسول
ﷺ فاحترم الرسول موقفهم وحيادهم، غير
أنهم تبدلوا وتغيرت مواقفهم. منذ أن نزل عندهم يهود «بنى
قينقاع» و «بنى النضير»، فأفسدوهم وجعلوا بلدهم وكرًا للتآمر
على المسلمين والكيد لهم. ولما كانت «خيبر» تقع على الطريق
المؤدى إلى «الشام»، فكان لابد من تطهير ذلك الطريق من أية
عوائق، وبخاصة أنه الطريق الرئيسى للدعوة الإسلامية وللجيوش
الإسلامية التى ستخرج بعد وقت قصير لمواجهة دولة الروم، التى
تكرر اعتداؤها على المسلمين؛ لذلك قرر الرسول - صلى الله عليه
وسلم - تصفية آخر وكر يهودى فى شبه جزيرة العرب؛ لتسلم
قاعدة الإسلام الأساسية ومنطلقه إلى العالم من عدو ماكر، فبعد
عودته من «الحديبية» بأقل من شهر - أى فى المحرم من العام
السابع للهجرة - غزا «خيبر»، ودك حصونها، فاستسلمت، وكان
النبى ﷺ كريمًا ورحيمًا مع أهلها، فلم
يجبرهم على الدخول فى الإسلام، ولم يطردهم من بلدهم، بل
أبقاهم يزرعون أرضهم، ولهم نصف محاصيلها، وللمسلمين
النصف الآخر.
стр. 2656
* ذات الصوارى (معركة بحرية)
أثار بروز الأسطول الإسلامى فى البحر المتوسط حفيظة
«قنسطانز الثانى» الإمبراطور البيزنطى، وجعله يفكر فى
القضاء على الأسطول الإسلامى وتحطيمه، قبل أن تكتمل قوته،
ويزداد خطره، وحتى تظل السيطرة على «البحر المتوسط»
للأسطول البيزنطى وحده دون غيره، فعبأ الإمبراطور قواته
البحرية كلها، واتجه بها قاصدًا سواحل الشام، وهو لا يراوده
شك فى قدرته على تدمير السفن الإسلامية؛ لحداثة نشأتها،
وقلة خبرة رجالها، لكن المسلمين استعدوا لهذا اللقاء جيدًا
وتعاون الأسطولان فى «مصر» والشام، لرد هذا العدوان،
وأسندت قيادتهما إلى «عبدالله بن سعد» والى «مصر». والتقى
الأسطولان الإسلامى والبيزنطى - الذى كان بقيادة الإمبراطور
نفسه - فى شرقى «البحر المتوسط»، جنوبى شاطئ «آسيا
الصغرى» (تركيا الحالية)، ودارت بينهما معركة بحرية كبيرة،
سُميت بمعركة «ذات الصوارى»، لكثرة السفن التى اشتركت من
الجانبين (خمسمائة سفينة من جانب الروم، مقابل مائتى سفينة
من جانب المسلمين) وانتهت المعركة بنصر عظيم للمسلمين،
وهزيمة ساحقة للأسطول البيزنطى، ونجاة الإمبراطور من القتل
بأعجوبة. ونتيجة لهذه الهزيمة لم يرجع الإمبراطور إلى عاصمة
«القسطنطينية» بعد المعركة، وإنما ذهب إلى «جزيرة صقلية»،
قبالة شاطئ «تونس»، فى محاولة منه لحماية ما تبقى من دولة
الروم فى «شمال إفريقيا»، لكنه قتل فى «صقلية» سنة (٦٨هـ
= ٦٨٨م).
стр. 2657
* الربض (ثورة)
هى ثورة عنيفة اشتعلت فى «قرطبة» فى أواخر عهد الحكم
الأول بن هشام المعروف بالربضى، وقدسميت بثورة الربض
بسبب كراهية «المولِّدين» للحاكم، وبغضهم له لصرامته وقسوته،
واتهامهم له بممارسة اللهو والشراب، والمبالغة فى فرض
الضرائب، وقد تأجج لهيب الثورة فى الربض الجنوبى المسمى
«شقندة» بصفة خاصة يوم (١٣ من رمضان ٢٠٢هـ = ٢٥ من مارس
٨١٨م) وتوجه الثوار إلى القصر، وتأهب الحكم ورجاله لردِّهم،
وقد نجحوا فى ذلك، ثم مالبث أن شقت قوات الحكم طريقها إلى
النهر، وعبرته إلى الضاحية الأخرى موطن الثائرين وأضرمت
النيران فى جوانبها، فأسرع الثوار إلى دورهم، لإطفاء النيران
وإنقاذ الأهل والعشيرة. وفى هذه اللحظة أحاط الجنود بالثوار،
وأوسعوهم قتلا ومطاردة ونهبوا دورهم، واستمرت هذه
المأساة ثلاثة أيام، فرَّ خلالها إلى طليطلة من استطاع، ثم
نودى بالأمان بعد أن هدأت الفتنة، ثم أصدر الحكم قرارًا بهدم
دور الثوار ولاسيما فى الضاحية التى شهدت ميلاد الثورة، فتم
محوها تمامًا، ثم أمر بإخراج الثائرين من قرطبة، فتفرقوا فى
الثغور، وعبر بعضهم إلى العدوة الأخرى بالمغرب، وهاجر
بعضهم إلى طليطلة وشمالى غربى الأندلس. كما ركب نحو (١٥)
ألفًا منهم سفنًا رست بهم فى ميناء الإسكندرية، حيث أقاموا
فيها، غير أن والى مصر «عبدالله بن طاهر» أجبرهم على
الرحيل، فتوجهوا إلى جزيرة «كريت» وفتحوها سنة (٢١٢هـ =
٨٢٧م)، وأسسوا بها دولة زاهرة، بقيت هناك إلى أن استولى
عليها البيزنطيون سنة (٣٥٠هـ = ٩٦١م).
стр. 2658
* الردة (حروب)
بدأت حركة الردة بالقبائل التى منعت الزكاة كعبس و «ذبيان»
و «غطفان» وغيرها، حيث أرسلت وفدًا إلى «المدينة»، يعرض
على «الصديق» مطالبهم، وأنهم لم يرفضوا الإسلام، ولكنهم
يرفضون دفع الزكاة لحكومة «المدينة»؛ لأنها فى ظنهم معرَّة،
ويعدُّونها إتاوة تدفع لأبى بكر، ولم تدرك تلك القبائل أثر
الزكاة فى التكافل الاجتماعى بين المسلمين. كان رأى فريق
من الصحابة وعلى رأسهم «عمر بن الخطاب» أن يستجيب «أبو
بكر» لتلك القبائل، ولا يجبرها على دفع الزكاة، وخاصة أن
«المدينة» مكشوفة، وليس بها قوة تحميها وتدافع عنها؛ لأن
جيش «أسامة» لما يعد بعد من شمالى بلاد العرب، لكن
«الصديق» لم يقتنع بهذا الرأى، ورد على «عمر بن الخطاب» ردا
جازمًا قائلا له: «والله لو منعونى عقالا -الحبل الذى يجرُّ به
الحمل - لجاهدتهم عليه». ولم يكن «الصديق» صاحب قرارات
صائبة فحسب، بل كان يقرنها بالعمل على تنفيذها، فلما رأى
الغدر فى عيون مانعى الزكاة أدرك أنهم سيهاجمون «المدينة»
على الفور؛ لأنهم عرفوا غياب معظم الرجال مع جيش «أسامة»،
وأعلن حالة الاستعداد للدفاع عن «المدينة» عقب عودة المانعين
إلى ديارهم، واتخذ مسجد رسول الله، مقرا لغرفة عمليات
عسكرية، وبات ليلته يُعد للمعركة ويستعد لها، وأمر عددًا من
كبار الصحابة بحراسة مداخل «المدينة»، على رأسهم «على بن
أبى طالب»، و «طلحة بن عبيدالله»، و «الزبير بن العوام»،
و «عبدالله بن مسعود» رضى الله عنهم. وحدث ما توقعه
«الصديق» فبعد ثلاثة أيام فقط هاجم مانعو الزكاة «المدينة»،
فوجدوا المسلمين فى انتظارهم، فهزمهم المسلمون وردوهم
على أعقابهم إلى «ذى القصة» - شرقى «المدينة». ثم تعقبهم
«الصديق» وألحق بهم هزيمة منكرة، وفرت فلولهم، وغنم
المسلمون منهم غنائم كثيرة، واتخذ «الصديق» من «ذى القصة»
مكانًا لإدارة المعركة ضد حركة الردة كلها، وفى هذه الأثناء
стр. 2659
جاءت الأخبار بوصول جيش «أسامة» سالمًا غانمًا، فأسرع
«الصديق» بنفسه لاستقبال قائد الجيش الشاب، الذى قام بهذه
المهمة الخطيرة خير قيام، وبعد أن احتفى به وهنأه على عمله،
أنابه عنه فى حكم «المدينة»، وعاد هو إلى «ذى القصة» ليدير
المعركة مع المرتدين بعزيمة لا تلين. أراد «أبو بكر الصديق» أن
يبصِّر المرتدين بخطورة ما أقدموا عليه، فواجههم مواجهة سلمية
بأن دعاهم إلى العودة بدون قتال إلى الإسلام، الذى أكرمهم
الله به، وأرسل إليهم كتابًا يقرأ على القبائل كلها؛ لعلهم
يعقلون، جاء فى أخره: «وإنى بعثت إليكم فلانًا فى جيش من
المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان، وأمرته ألا يقاتل أحدًا
ولا يقتله حتى يدعوه إلى داعية الله، فمن استجاب له وأقرَّ
وكف وعمل صالحًا، قبل منه وأعانه عليه، ومن أبى أمرت أن
يقاتله على ذلك، ثم لا يبقى على أحدٍ منهم قدر عليه، .. ولا يقبل
من أحدٍ إلا الإسلام فمن اتبعه فهو خير له، ومن تركه فلن يعجز
الله، وقد أمرت رسولى أن يقرأ كتابى فى كل مجمع لكم،
والداعية الأذان، فإذا أذن المسلمون فأذَّنوا كفوا عنهم، وإن لم
يؤذنوا عاجلوهم ... ». وفى الوقت الذى كان يأمل فيه أن
يستجيب المرتدون، ويعودوا إلى دين الله دون قتال؛ كان يعد
أحد عشر جيشًا فى وقت واحد، تغطى المناطق التى ارتد أهلها
فى شبه جزيرة العرب، جاهزة للانطلاق إلى كل منطقة؛ ليشغل
كل قبيلة بالدفاع عن نفسها فى ديارها، ولا تأخذ فرصة للتجمع
والتكتل ضده، وكان هذا تصرفًا بارعًا وحكيمًا من «الصديق».
واختار «الصديق» لهذه الجيوش أمهر القادة وأكثرهم خبرة
بالقتال، وهم: «خالد بن الوليد»، سيف الله وعبقرى الحرب،
وأمره بقتال المرتدين من «بنى أسد» و «غطفان» وحلفائهم
بقيادة «طليحة بن خويلد» فى «بذاخة»، فإذا انتهى من مهمته
توجه لقتال المرتدين من «بنى تميم» فى «البطاح»، إلى الشرق
من ديار «بنى أسد». - و «عكرمة بن أبى جهل» وأردفه
стр. 2660
بشرحبيل بن حسنة، وأمرهما بالتوجه إلى «مسيلمة الكذاب»
ومن معه فى «اليمامة»، وأمرهما ألا يقاتلاه حتى يأمرهما
بذلك، لمعرفة «أبى بكر» بقوة جيش «مسيلمة»، وأنهما لن
يقدرا على هزيمته بسهولة، بل يشغلاه حتى يحين الوقت
المناسب لإرسال قوات أكبر؛ لمواجهة «بنى حنيفة» فى
جموعهم الكبيرة. - و «العلاء بن الحضرمى»، وأمره بقتال
المرتدين فى «البحرين» وما والاها. - و «حذيفة بن محصن»،
وأمره بقتال المرتدين فى «دبا» فى جنوبى شرقى شبه
الجزيرة. و «عرفجة بن هرثمة»، وأمره بقتال المرتدين فى
«مهرة» فى جنوبى شبه الجزيرة. و «المهاجر بن أبى أمية
المخزومى»، وأمره بقتال المرتدين فى جنوبى «اليمن».
و «سويد بن مقرن»، وأمره بقتال المرتدين فى «تهامة اليمن»
على ساحل «البحر الأحمر». - و «عمرو بن العاص»، وأمره بقتال
قبائل «قضاعة» فى الشمال. - و «معن بن حاجز» وأمره بقتال
المرتدين فى «هوازن» و «بنى سليم». و «خالد بن سعيد بن
العاص»، وأمره أن يعسكر فى «تيماء»، ولا يقاتل أحدًا إلا إذا
قوتل. لم يستجب المرتدون لدعوة «أبى بكر» السلمية، فبدأ
قادته ينفذون ما عهد إليهم من مهام، وخاض «خالدبن الوليد»
أول معارك الردة فى «بذاخة» ضد المرتدين من «غطفان» و «بنى
أسد» وحلفائهم ممن التفوا حول «طليحة بن خويلد الأسدى»
مدعى النبوة، وكان النصر حليف «خالد»، بعد أن ألحق بهم
هزيمة منكرة وغنم كثيرًا، وأرسل عددًا من زعمائهم أسرى إلى
الخليفة، وفر «طليحة»، وظهر كذبه، ويجدر بالذكرى أن
«طليحة» قد أسلم بعد ذلك، وحسن إسلامه فى عهد «أبى بكر
الصديق»، واشترك فى الفتوحات الإسلامية فى «فارس»، فى
عهد «عمر بن الخطاب»، وكان له دور بارز فيها. وبعد ذلك توجه
«خالد بن الوليد» إلى «البطاح» فى «نجد» لقتال المرتدين من
«بنى تميم» بزعامة «مالك بن نويرة»، ونجح فى إلحاق الهزيمة
بهم، والقضاء على الردة فى بلادهم. وكان «أبو بكر» قد أرسل
стр. 2661
«عكرمة بن أبى جهل» و «شرحبيل بن حسنة» للوقوف فى وجه
«مسيلمة»، ولم يأمرهما بقتال؛ لكنهما تعجلا مخالفين أوامر
الخليفة، واشتبكا مع «مسيلمة» فى حرب لم يصمدا فيها، وعادا
منهزمين، ولعلهما أرادا أن يتشبها بخالد بن الوليد حتى يحوزا
أكاليل النصر، كما حازها هو. وما إن وصلت أنباء هزيمتهما
إلى «أبى بكر» حتى غضب غضبًا شديدًا، وطلب منهما ألا يعودا
إلى «المدينة»، وقرر فى الوقت نفسه أن يرسل «خالد بن
الوليد» إلى «اليمامة» للقضاء على فتنة «مسيلمة»، فهو أصلح
الناس لهذه المهمة. وكان «خالد» قد فرغ من القضاء على فتنة
المرتدين من «بنى أسد» و «غطفان» و «تميم»، فجاءته أوامر من
«أبى بكر» بالتوجه إلى «اليمامة» للقضاء على فتنة «مسيلمة
الكذاب». امتثل «خالد بن الوليد» لأوامر الخليفة، وسار فى
صحراء وعرة نحو ألف كيلو متر، حتى التقى بجيوش «مسيلمة» -
وكانت نحو أربعين ألفًا - فى مكان يسمى «عقرباء» فى حين
كانت قوات «خالد» تبلغ نحو ثلاثة عشر ألفًا، فيهم عدد كبير من
المهاجرين والأنصار، ودارت الحرب بين الفريقين، وكانت حربًا
شرسة، اشتدت وطأتها على المسلمين فى البداية، وكادوا
ينهزمون، لولا أن زأر «خالد» كالأسد الهصور، ونادى بأعلى
صوته «وامحمداه»، وكان شعار المسلمين فى المعركة،
فاشتعلت جذوة الإيمان فى القلوب، وهانت الحياة على النفوس،
وأقبل المسلمون على القتال دون خوف أو وجل، طمعًا فى
النصر أو الشهادة، وصبروا لأعداء الله حتى هزموهم هزيمة
منكرة، وقتلوا «مسيلمة» الكذاب مع نحو عشرين ألفًا من رجاله،
واستسلم من بقى من قواته أسرى للمسلمين، واستشهد من
المسلمين أكثر من ألف ومائتى رجل، منهم عدد كبير من القراء
وحفظة القرآن الكريم. وحين ترامت إلى المرتدين أخبار انتصارات
«خالد» وما فعله فى «بنى حنيفة»، وقر فى أذهانهم أن
المسلمين لا ينهزمون؛ ولذا كانت مهمة بقية القادة فى المناطق
стр. 2662
التى توجهوا إليها أقل صعوبة مما واجهه «خالد بن الوليد» فى
«اليمامة». وقبل أن يمضى عام على بدء حركة الردة كان «أبو
بكر الصديق» قد نجح فى القضاء عليها فى كل مكان، وعادت
شبه الجزيرة العربية موحدة دينيًا وسياسيًا تحت لواء المسلمين
وحكومتهم فى «المدينة» ما كانت فى آخر حياة الرسول - صلى
الله عليه وسلم -.
стр. 2663
* الزلاقة (معركة)
أشهر المعارك الحربية وأعظمها فى تاريخ المسلمين بالأندلس.
وقعت فى (رجب ٤٧٩هـ = أكتوبر ١٠٨٦م) عند سهل فسيح
تسميه المصادر العربية بالزلاقة أو ساكرا خاس ( Sac( صلى الله
عليه وسلم) ajas) شمالى بطليوس على الحدود الإسبانية
البرتغالية حاليًّا حيث جرت وقائعها بين المرابطين وألفونسو
السادس وحلفائه وكانوا ما بين أربعين إلى ثمانين ألفًا على
حين قدر الجيش الإسلامى بما بين عشرين إلى نحو خمسين ألفًا،
وكان يقود مقدمة جيش المسلمين المعتمد بن عباد، وعلى الميمنة
«المتوكل بن الأفطس» وتكونت الميسرة من أهل شرقى الأندلس،
أما المؤخرة فكانت من البربر بقيادة «داود بن عائشة»، وكان
أنجاد المرابطين من لمتونة وصنهاجة وغيرها بقيادة يوسف بن
تاشفين. لبث الجيشان ثلاثة أيام لايفصلهما سوى نهر، والرسل
تتردد بينهما، وقد أرسل «ابن تاشفين» إلى خصمه يدعوه إلى
الإسلام أو الجزية أو الحرب، فاستاء الملك النصرانى ورد بقوله:
«إنى ما كنت أتوقع أن يصل الحد بالمسلمين الذين كانوا
يعطوننى الجزية منذ سنين أن يعرضوا على مثل هذه الاقتراحات
الجارحة ومع هذا فإن لدى جيشًا فى استطاعته أن ينزل
العقوبة على هذه الوقاحة البالغة من الأعداء» ولم يكن جواب
«يوسف» على أكثر من هذه العبارة» الذى يكون ستراه «. جرت
اتصالات تهدف إلى تحديد موعد المعركة، وحاول «ألفونسو»
خديعة المسلمين، فأرسل إليهم يوم الخميس يخبرهم أن المعركة
ستكون يوم الإثنين، لكن المعتمد بن عباد أدرك خديعته، وقد
أخبرته طلائعه بما فى معسكر العدو من حركة وجلبة سلاح،
رغم أن الوقت المتفق عليه لبدء القتال لم يكن قد حان بعد.
فتوقع المسلمون أن يبدأ ألفونسو الحرب صباح يوم الجمعة،
وبالفعل تحقق ما توقعه المسلمون، وهجم ألفونسو بجيشه،
ودارت المعركة. ففى أوائل (رمضان ٤٨٠هـ = ديسمبر ١٠٨٧م)
بدأ القتال فى الصباح الباكر واشتد لهيب المعركة وهاجم
стр. 2664
النصارى بعنف مقدمة «المعتمد بن عباد» ونجح فى ردها عن
مواقعها واختل نظامها وارتد معظمها إلى بطليوس ولم يثبت إلا
الإشبيليون وابن عباد الذى كان مثالا للشجاعة والإقدام حيث
صمد للعدو، وقاوم هجماته العنيفة رغم جرحه الذى فى وجهه
ويده، وهجم «ألفونسو» على مقدمة المرابطين التى يقودها
«داود بن عائشة» وردها عن مواقعها، وفى اللحظة المناسبة
دفع ابن تاشفين بقوات البربر إلى نجدة الأندلسيين والمرابطين،
ونفذت قواته إلى قلب النصارى بكل قوة، وسرعان ما تغير وجه
المعركة، لأن يوسف هاجم عدوه من الخلف مباغتة وهذا شجع
الفارين فعادوا ونظموا صفوفهم، وشدوا من أزر المعتمد، ورغم
أن «ألفونسو» كان قد وصل إلى خيام المرابطين، فإن ابن
تاشفين تقدم على رأس من معه من قوات وتجاوز جموع النصارى
وقصد إلى معسكرهم نفسه وهاجمه بشده وفتك بحراسته، ثم
وثب إلى مؤخرة القشتاليين النصارى، وأثخن فيهم قتلاً وطبوله
تضرب فتشق أجواز الفضاء، ثم أضرم النار فى معسكر الأعداء.
اضطر «ألفونسو» أن يستدير لينقذ معسكره؛ لكنه اصطدم
بالمرابطين ولم يصل إلى محلته إلا بعد خسائر فادحة، وكان
«يوسف» أثناء القتال يجول على صهوة جواده بين المحاربين
يهيب بهم «أن تشجعوا أيها المسلمون، أعداء الله أمامكم
والجنة تننتظركم، وطوبى لمن أحرز الشهادة». وكان سماع
النصارى لدوى الطبول ووقوف المسلمين يقاتلون فى صفوف
متراصة ثابتة من العوامل المساعدة على انتصار المسلمين
وإلحاقهم الهزيمة بصفوف عدوهم، وقد دفع «ابن تاشفين»
بحرسه الأسود البالغ عدده نحو أربعة آلاف إلى قلب المعركة
فى الوقت المناسب، وتمكن واحد منهم من الوصول إلى
«ألفونسو» وطعنه فى فخذه، الأمر الذى اضطره إلى الاعتصام
بتل قريب حتى جن الليل ثم هرب فى نحو خمسمائة فارس
معظمهم من الجرحى ووصل إلى طليطلة منهم مائة فقط. أمضى
المسلمون الليل يرقبون حركات النصارى وفى اليوم التالى طارد
стр. 2665
الفرسان الفارين، وجمعت الأسلاب الهائلة. وقد استبشر
المسلمون فى شبه الجزيرة بهذا النصر العظيم غير أن وصول نبأ
وفاة الأمير أبى بكر بن يوسف بن تاشفين كدر صفو النصر،
وجعل «ابن تاشفين» يقرر العودة إلى بلاد المغرب ومعه عامة
الجند، وترك تحت إمرة المعتمد جيشًا من المرابطين مؤلفًا من
ثلاثة آلاف جندى. بعد أن نجح «يوسف» بما حققه من نصر مؤزر
فى إعادة روح الثقة والأمل إلى نفوس المسلمين بالأندلس. ومن
نتائج تلك المعركة توقف المد النصرانى على حدود الأندلس لمدة
أربعة قرون؛ إذ حكم المرابطون ثم الموحدون الأندلس.
следующие страницы →