Полный текст (3 483 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.
стр. 2661
«عكرمة بن أبى جهل» و «شرحبيل بن حسنة» للوقوف فى وجه
«مسيلمة»، ولم يأمرهما بقتال؛ لكنهما تعجلا مخالفين أوامر
الخليفة، واشتبكا مع «مسيلمة» فى حرب لم يصمدا فيها، وعادا
منهزمين، ولعلهما أرادا أن يتشبها بخالد بن الوليد حتى يحوزا
أكاليل النصر، كما حازها هو. وما إن وصلت أنباء هزيمتهما
إلى «أبى بكر» حتى غضب غضبًا شديدًا، وطلب منهما ألا يعودا
إلى «المدينة»، وقرر فى الوقت نفسه أن يرسل «خالد بن
الوليد» إلى «اليمامة» للقضاء على فتنة «مسيلمة»، فهو أصلح
الناس لهذه المهمة. وكان «خالد» قد فرغ من القضاء على فتنة
المرتدين من «بنى أسد» و «غطفان» و «تميم»، فجاءته أوامر من
«أبى بكر» بالتوجه إلى «اليمامة» للقضاء على فتنة «مسيلمة
الكذاب». امتثل «خالد بن الوليد» لأوامر الخليفة، وسار فى
صحراء وعرة نحو ألف كيلو متر، حتى التقى بجيوش «مسيلمة» -
وكانت نحو أربعين ألفًا - فى مكان يسمى «عقرباء» فى حين
كانت قوات «خالد» تبلغ نحو ثلاثة عشر ألفًا، فيهم عدد كبير من
المهاجرين والأنصار، ودارت الحرب بين الفريقين، وكانت حربًا
شرسة، اشتدت وطأتها على المسلمين فى البداية، وكادوا
ينهزمون، لولا أن زأر «خالد» كالأسد الهصور، ونادى بأعلى
صوته «وامحمداه»، وكان شعار المسلمين فى المعركة،
فاشتعلت جذوة الإيمان فى القلوب، وهانت الحياة على النفوس،
وأقبل المسلمون على القتال دون خوف أو وجل، طمعًا فى
النصر أو الشهادة، وصبروا لأعداء الله حتى هزموهم هزيمة
منكرة، وقتلوا «مسيلمة» الكذاب مع نحو عشرين ألفًا من رجاله،
واستسلم من بقى من قواته أسرى للمسلمين، واستشهد من
المسلمين أكثر من ألف ومائتى رجل، منهم عدد كبير من القراء
وحفظة القرآن الكريم. وحين ترامت إلى المرتدين أخبار انتصارات
«خالد» وما فعله فى «بنى حنيفة»، وقر فى أذهانهم أن
المسلمين لا ينهزمون؛ ولذا كانت مهمة بقية القادة فى المناطق
стр. 2662
التى توجهوا إليها أقل صعوبة مما واجهه «خالد بن الوليد» فى
«اليمامة». وقبل أن يمضى عام على بدء حركة الردة كان «أبو
بكر الصديق» قد نجح فى القضاء عليها فى كل مكان، وعادت
شبه الجزيرة العربية موحدة دينيًا وسياسيًا تحت لواء المسلمين
وحكومتهم فى «المدينة» ما كانت فى آخر حياة الرسول - صلى
الله عليه وسلم -.
стр. 2663
* الزلاقة (معركة)
أشهر المعارك الحربية وأعظمها فى تاريخ المسلمين بالأندلس.
وقعت فى (رجب ٤٧٩هـ = أكتوبر ١٠٨٦م) عند سهل فسيح
تسميه المصادر العربية بالزلاقة أو ساكرا خاس ( Sac( صلى الله
عليه وسلم) ajas) شمالى بطليوس على الحدود الإسبانية
البرتغالية حاليًّا حيث جرت وقائعها بين المرابطين وألفونسو
السادس وحلفائه وكانوا ما بين أربعين إلى ثمانين ألفًا على
حين قدر الجيش الإسلامى بما بين عشرين إلى نحو خمسين ألفًا،
وكان يقود مقدمة جيش المسلمين المعتمد بن عباد، وعلى الميمنة
«المتوكل بن الأفطس» وتكونت الميسرة من أهل شرقى الأندلس،
أما المؤخرة فكانت من البربر بقيادة «داود بن عائشة»، وكان
أنجاد المرابطين من لمتونة وصنهاجة وغيرها بقيادة يوسف بن
تاشفين. لبث الجيشان ثلاثة أيام لايفصلهما سوى نهر، والرسل
تتردد بينهما، وقد أرسل «ابن تاشفين» إلى خصمه يدعوه إلى
الإسلام أو الجزية أو الحرب، فاستاء الملك النصرانى ورد بقوله:
«إنى ما كنت أتوقع أن يصل الحد بالمسلمين الذين كانوا
يعطوننى الجزية منذ سنين أن يعرضوا على مثل هذه الاقتراحات
الجارحة ومع هذا فإن لدى جيشًا فى استطاعته أن ينزل
العقوبة على هذه الوقاحة البالغة من الأعداء» ولم يكن جواب
«يوسف» على أكثر من هذه العبارة» الذى يكون ستراه «. جرت
اتصالات تهدف إلى تحديد موعد المعركة، وحاول «ألفونسو»
خديعة المسلمين، فأرسل إليهم يوم الخميس يخبرهم أن المعركة
ستكون يوم الإثنين، لكن المعتمد بن عباد أدرك خديعته، وقد
أخبرته طلائعه بما فى معسكر العدو من حركة وجلبة سلاح،
رغم أن الوقت المتفق عليه لبدء القتال لم يكن قد حان بعد.
فتوقع المسلمون أن يبدأ ألفونسو الحرب صباح يوم الجمعة،
وبالفعل تحقق ما توقعه المسلمون، وهجم ألفونسو بجيشه،
ودارت المعركة. ففى أوائل (رمضان ٤٨٠هـ = ديسمبر ١٠٨٧م)
بدأ القتال فى الصباح الباكر واشتد لهيب المعركة وهاجم
стр. 2664
النصارى بعنف مقدمة «المعتمد بن عباد» ونجح فى ردها عن
مواقعها واختل نظامها وارتد معظمها إلى بطليوس ولم يثبت إلا
الإشبيليون وابن عباد الذى كان مثالا للشجاعة والإقدام حيث
صمد للعدو، وقاوم هجماته العنيفة رغم جرحه الذى فى وجهه
ويده، وهجم «ألفونسو» على مقدمة المرابطين التى يقودها
«داود بن عائشة» وردها عن مواقعها، وفى اللحظة المناسبة
دفع ابن تاشفين بقوات البربر إلى نجدة الأندلسيين والمرابطين،
ونفذت قواته إلى قلب النصارى بكل قوة، وسرعان ما تغير وجه
المعركة، لأن يوسف هاجم عدوه من الخلف مباغتة وهذا شجع
الفارين فعادوا ونظموا صفوفهم، وشدوا من أزر المعتمد، ورغم
أن «ألفونسو» كان قد وصل إلى خيام المرابطين، فإن ابن
تاشفين تقدم على رأس من معه من قوات وتجاوز جموع النصارى
وقصد إلى معسكرهم نفسه وهاجمه بشده وفتك بحراسته، ثم
وثب إلى مؤخرة القشتاليين النصارى، وأثخن فيهم قتلاً وطبوله
تضرب فتشق أجواز الفضاء، ثم أضرم النار فى معسكر الأعداء.
اضطر «ألفونسو» أن يستدير لينقذ معسكره؛ لكنه اصطدم
بالمرابطين ولم يصل إلى محلته إلا بعد خسائر فادحة، وكان
«يوسف» أثناء القتال يجول على صهوة جواده بين المحاربين
يهيب بهم «أن تشجعوا أيها المسلمون، أعداء الله أمامكم
والجنة تننتظركم، وطوبى لمن أحرز الشهادة». وكان سماع
النصارى لدوى الطبول ووقوف المسلمين يقاتلون فى صفوف
متراصة ثابتة من العوامل المساعدة على انتصار المسلمين
وإلحاقهم الهزيمة بصفوف عدوهم، وقد دفع «ابن تاشفين»
بحرسه الأسود البالغ عدده نحو أربعة آلاف إلى قلب المعركة
فى الوقت المناسب، وتمكن واحد منهم من الوصول إلى
«ألفونسو» وطعنه فى فخذه، الأمر الذى اضطره إلى الاعتصام
بتل قريب حتى جن الليل ثم هرب فى نحو خمسمائة فارس
معظمهم من الجرحى ووصل إلى طليطلة منهم مائة فقط. أمضى
المسلمون الليل يرقبون حركات النصارى وفى اليوم التالى طارد
стр. 2665
الفرسان الفارين، وجمعت الأسلاب الهائلة. وقد استبشر
المسلمون فى شبه الجزيرة بهذا النصر العظيم غير أن وصول نبأ
وفاة الأمير أبى بكر بن يوسف بن تاشفين كدر صفو النصر،
وجعل «ابن تاشفين» يقرر العودة إلى بلاد المغرب ومعه عامة
الجند، وترك تحت إمرة المعتمد جيشًا من المرابطين مؤلفًا من
ثلاثة آلاف جندى. بعد أن نجح «يوسف» بما حققه من نصر مؤزر
فى إعادة روح الثقة والأمل إلى نفوس المسلمين بالأندلس. ومن
نتائج تلك المعركة توقف المد النصرانى على حدود الأندلس لمدة
أربعة قرون؛ إذ حكم المرابطون ثم الموحدون الأندلس.
стр. 2666
* زيد بن على بن الحسين (ثورة)
مضت فترة امتدت إلى أكثر من نصف قرن، منذ مصرع «المختار
الثقفى» سنة (٦٧هـ)، دون أن يقوم الشيعة بأية ثورة ضد الدولة
الأموية، بسبب الضربات المتلاحقة التى حاقت بهم، وافتقارهم
إلى الزعامة القوية التى تقودهم، لأن «على بن الحسين» - وهو
الوحيد الذى نجا من مذبحة «كربلاء» - كان عازفًا عن الاشتغال
بالسياسة، محبا للعلم متفرغًا للعبادة، غير أن ابنه «زيد بن
على» - وكان عالمًا فاضلا - حدَّثته نفسه بالخلافة، ورأى أنه
أهل لها، وعرف أهل «الكوفة» منه ذلك، فزيَّنوا له الثورة على
«بنى أمية»، وقالوا له: «إنا لنرجو أن تكون المنصور، وأن
يكون هذا الزمان الذى يهلك فيه بنو أمية». تشكك «زيد بن
على» فى صدق نيتهم، وقوة عزيمتهم، وقال لهم: «إنى أخاف
أن تخذلونى وتسلمونى كفعلتكم بأبى وجدى»، لكنه استجاب
لهم على الرغم من تحذير أهله وأولاد عمومته من غدر أهل
«الكوفة». انخدع «زيد بن على» بأهل «الكوفة» وأعلن الثورة
على «هشام ابن عبدالملك» سنة (١٢١هـ)، فتكررت أحداث قصة
جده «الحسين»، وأعاد التاريخ نفسه، فلم يتساهل الخليفة
«هشام» مع ثورة تريد نقض ملكه والإطاحة بدولته، على الرغم
من كراهيته لسفك الدماء، فأمر واليه على «الكوفة» «يوسف بن
عمر الثقفى» فتصدَّى لزيد بن على الذى انفض عنه شيعته،
وأسلموه إلى عدوه، كما أسلم أسلافهم جدَّه «الحسين»، ولم
يبقَ معه فى اللحظات الحرجة من بين خمسة عشر ألفًا بايعوه
وعاهدوه على النصرة، إلا نحو مائتى رجل، فاستطاع «يوسف
بن عمر» أن يقضى فى سهولة ويسر على تلك الثورة، وقتل
«زيد بن على» فى صفر سنة (١٢٢هـ).
стр. 2667
* السند (فتح)
عزم «الحجاج» على فتح إقليم «السند»، بعد أن استقرت أحوال
الدولة الأموية، فأسند هذه المهمة إلى «محمد بن القاسم» وكان
دون العشرين من عمره، وجهَّزه بما يكفل له النجاح من عدة
وعتاد، وأمدَّه بستة آلاف جندى من أهل الشام، بالإضافة إلى ما
كان معه من الجنود، فأصبح تحت قيادته نحو عشرين ألفًا فى
تقدير بعض المؤرخين. اتخذ «محمد بن القاسم» من مقاطعة
«مهران» فى جنوبى «فارس» قاعدة للفتح ونقطة انطلاق،
فقسَّم جيشه نصفين، أحدهما برِّى والآخر بحرى، ثم تحرك
قاصدًا مدينة «الديبُل» - وهى تقع قريبًا من «كراتشى» الحالية
فى «باكستان» - وفتح فى طريقه إليها «فنزبول»،
و «أرمائيل»، ثم وافته السفن التى كانت تحمل الرجال والعتاد،
فحاصر «الديبل» واستولى عليها بعد قتال دام ثلاثة أيام، وترك
فيها حامية من أربعة آلاف رجل، وبنى لهم مسجدًا. وكان لفتح
المسلمين مدينة «الديبل» أثر كبير فى أهل «السند»، فسارعوا
يطلبون الصلح فصالحهم «محمد بن القاسم» ورفق بهم، ثم سار
إلى «البيرون» - «حيدر آباد السند» حاليا - فتلقاه أهلها
وصالحوه كذلك، وكان لا يمر بمدينة إلا فتحها صلحًا أو عَنوة،
وتوَّج ذلك كله بالانتصار على «داهر» ملك «السند»، ومضى
يستكمل فتحه، فاستولى على حصن «راوَدْ»، ثم «برهماناباذ»،
و «الرور» و «بهرور»، ثم اجتاز نهر «بياس» وعبر إلى إقليم
«الملتان»، فاستولى عليه بعد قتال شديد، وغنم كميات كبيرة
من الذهب. وبينما يواصل «محمد بن القاسم» فتوحاته؛ إذ جاءته
الأخبار بوفاة «الحجاج» سنده وعونه فى الفتح، فاغتم لذلك
غما شديدًا؛ لكنه واصل فتوحاته حتى أتم فتح بلاد «السند»،
وجاءته قبائل «الميد» و «الجات» و «الزط» تقرع الأجراس فرحة
هاتفة، مرحبة به، لأنهم عدُّوه محررهم من ظلم الهندوس
واستعبادهم. وفى هذه الأثناء مات الخليفة «الوليد بن عبدالملك»
سنة (٩٦هـ)، وتولَّى أخوه «سليمان بن عبدالملك» منصب
стр. 2668
الخلافة، فعيَّن على «العراق» «صالح بن عبدالرحمن»، وكان
واحدًا من ألد خصوم «الحجاج»، فقرر الانتقام منه على الرغم من
وفاته سنة (٩٥هـ)، فى شخص ابن عمه «محمد بن القاسم»،
فعزله عن قيادة الجيش، ولم يكتفِ بذلك، بل أمر بالقبض عليه
ووضعه فى السجن، وظل يعذبه حتى مات.
стр. 2669
* شذونة (معركة)
علم «لذريق» ملك القوط بمجىء القوات الإسلامية إلى الأندلس
بقيادة طارق بن زياد، وهو مشغول بمحاربة أعدائه فى شمالى
شبه الجزيرة، فأصيب بهلع ورعب عظيمين، وجمع جنوده
وانحدر بهم لمواجهة المسلمين، ووصلت أنباء تلك الحشود
الضخمة إلى «طارق بن زياد»، فكتب إلى «موسى بن نصير»
يخبره بذلك، فأمده بخمسة آلاف جندى صار بهم مجموع جنود
المسلمين بالأندلس (٢١) ألف جندى. وصل «لذريق» إلى بلدة
«شذونة» وأتم بها استعداداته، ثم اتجه للقاء المسلمين ودارت
بين الفريقين معركة فاصلة فى كورة «شذونة» جنوب غربى
إسبانيا، استمرت ثمانية أيام من (الأحد ٨٢ من رمضان إلى الأحد
٥ من شوال سنة ٢٩هـ = ٩١ - ٦٢ يوليو ١١٧م)، وكانت معركة
هائلة، اقتتل فيها الطرفان اقتتالا شديدًا حتى ظنوا أنه الفناء،
وكان النصر فى النهاية حليف المسلمين، وفر «لذريق» من أرض
المعركة، وتبعه المسلمون حتى أدركوه وقتلوه بالقرب من بلدة
«لورقة».
стр. 2670
* الشام (فتح)
كان «خالد بن سعيد بن العاص»، أحد قادة حروب الردة،
معسكرًا بقواته فى «تيماء» شمالى «الحجاز» بأمر من الخليفة
الذى ألزمه بألا يقاتل أحدًا إلا إذا قوتل، وقصد الخليفة بذلك أن
يكون هذا الجيش احتياطيًا، يمد -عند الضرورة - القوات المحاربة
فى جهات أخرى، وأن يراقب تحركات الروم؛ لأنه كان على
يقين أنهم سوف يستغلون فرصة انشغاله بحروب الردة، ويكرروا
عدوانهم. وحدث ما توقعه «أبو بكر الصديق»، فقد هجم الروم
على جيش «خالد»، ومعهم القبائل العربية القاطنة فى الشام،
وألحقوا به هزيمة قاسية، وقتلوا معظم جنوده، واستشهد ابنه
فى المعركة، فلما وصلت أخبار الهزيمة إلى الخليفة «أبى بكر»
جمع كبار الصحابة لدراسة الموقف، فاستقر رأيهم على ضرورة
صد العدوان، وشرع «أبو بكر» فى حشد أربعة جيوش لتحقيق
ذلك: - جيش بقيادة «أبى عبيدة بن الجراح» وجهه إلى «حمص»
شمالى الشام. - وجيش بقيادة «يزيد بن أبى سفيان»، ووجهه
إلى «دمشق» فى وسط الشام. - وجيش بقيادة «شرحبيل بن
حسنة»، ووجهه إلى «الأردن». - وجيش بقيادة «عمرو بن
العاص»، ووجهه إلى «فلسطين». وقال «أبو بكر» لقادة
جيوشه: إذا عملتم منفردين، فكل واحد منكم أمير على من معه
من قوات - وكان مع كل واحد منهم نحو ثمانية آلاف جندى - ثم
أمير على المنطقة التى يفتحها، أما إذا ألجأتكم الظروف إلى
الاجتماع فى مكان واحد، فالقائد العام «أبو عبيدة بن الجراح»
تحرك القادة الأربعة بجيوشهم، فلما دخلوا جنوبى الشام، وجدوا
جيشًا روميا، قوامه نحو (٢٥٠) ألف جندى، بقيادة «تذراق»
أخى «هرقل»، يساندهم نحو ستين ألفًا من العرب - تقريبًا -
بقيادة «جبلة بن الأيهم الغسانى»، فلم يستطيعوا الالتحام مع
هذه الجموع الحاشدة، فدارت بينهم مراسلات تجمعوا بعدها فى
وادى «اليرموك»، تحت قيادة «أبى عبيدة بن الجراح». لكن
تجمعهم لم يؤدِ إلى تحريك للموقف ضد الروم، فأخبروا الخليفة
стр. 2671
«أبا بكر» بما هم فيه، وطلبوا المدد منه، فرأى أنه لن ينقذ
الموقف فى الشام سوى «خالد بن الوليد»، وقال عبارته
المشهورة: «والله لأُنسين الروم وساوس الشيطان بخالد بن
الوليد»، ثم كتب رسالة إليه: «أما بعد فإذا جاءك كتابى هذا،
فدع العراق، وخلف فيه أهله الذين قدمت عليهم وهم فيه وامضِ
متخففًا فى أهل القوة من أصحابك الذين قدموا العراق معك من
اليمامة، وصحبوك من الطريق، وقدموا عليك من الحجاز، حتى
تأتى الشام، فتلقى أبا عبيدة بن الجراح ومن معه من المسلمين،
فإذا التقيتم فأنت أمير الجماعة والسلام عليك». امتثل «خالد»
لأوامر الخليفة، وسار من «العراق» فى سبعة آلاف جندى فى
واحدة من أجرأ المسيرات العسكرية فى التاريخ وأكثرها خطرًا،
حيث قطعوا أكثر من ألف كيلو متر فى ثمانية عشر يومًا، فى
صحراء قاحلة مهلكة، حتى وصلوا إلى «وادى اليرموك» فتسلم
«خالد بن الوليد» القيادة من «أبى عبيدة» وخاض معركة مع
الروم تُعد من أعظم المعارك وأبعدها أثرًا فى حركة الفتح
الإسلامى، وسحق جيش الروم الذى كان يعد يومئذٍ أقوى جيوش
العالم. بعد تولى «عمر بن الخطاب» الخلافة عزل «خالد بن
الوليد» من قيادة جيوش الشام، وأعاد «أبا عبيدة بن الجراح»
إليها، وجعل «خالداً» تحت قيادته، وقد قبل القائد البطل هذا
التعديل دون تذمر، لأنه كان جنديًا يعمل للإسلام لا لمجده
الشخصى، وإذا كان قد احتل المكان الأعلى بين قادة الفتوحات
ببطولاته وانتصاراته، فإنه اعتلى ذروة أعلى بقبوله العزل،
وضرب أروع الأمثلة فى الانضباط والطاعة، وتلك أهم صفات
القادة العظام. وكانت تعليمات «عمر» لأبى عبيدة بعد
«اليرموك»، أن تعود الأمور إلى ما كانت عليه من قبل فى مطلع
فتح الشام، حين رتب ذلك «أبو بكر الصديق»، فيسير «أبو
عبيدة» ومعه «خالد بن الوليد» إلى «حمص»، و «يزيد بن أبى
سفيان» إلى «دمشق»، و «شرحبيل بن حسنة» إلى «الأردن»،
стр. 2672
و «عمرو بن العاص» إلى «فلسطين»، وكل قائد يكون أميرًا
على منطقته التى يفتحها، على أن يكون ذلك بعد أن يشتركوا
جميعًا فى فتح «دمشق». وبعد أن نجح القادة جميعهم فى فتح
«دمشق» وأعطوا أهلها معاهدة صلح بقى «يزيد بن أبى
سفيان» أميرًا عليها، فى حين اتجه القادة الباقون إلى
مناطقهم، وفى خلال عامين فقط تم فتح الشام كله. وفى سنة
(١٥ هـ) جاء «عمر ابن الخطاب» إلى «فلسطين»؛ ليتسلم مفاتيح
«بيت المقدس» من البطريرك «صفرونيوس»، وأعطى معاهدة
لأهلها هى آية فى التسامح والعدل، أمنهم على عقائدهم
وأموالهم وأنفسهم، وأخذت منهم نظير ذلك الجزية لرفضهم
الدخول فى الإسلام. وقد رفض «عمر بن الخطاب» أن يصلى فى
«كنيسة القيامة»، معللا ذلك بخوفه أن يأتى من المسلمين من
يقول: لقد صلى «عمر» فى الكنيسة فهى من حقنا، وهذا ظلم
للمعاهدين لا يقره عمر.
стр. 2673
* شمال أفريقيا (فتح)
لما ولى «عبدالله بن سعد بن أبى السرح» ولاية «مصر» من قبل
«عثمان بن عفان»؛ كتب إليه أن الروم الذين لا يزالون يسيطرون
على «شمال إفريقيا» يغيرون على حدود «مصر» الغربية، ولابد
من مواجهتهم قبل أن يتجرءوا ويهاجموا «مصر» نفسها، فاقتنع
«عثمان» بعد أن استشار كبار الصحابة، وأذن له بتجريد حملات
عسكرية لردعهم وكف عدوانهم، كما أرسل إليه جيشًا من
«المدينة» مددًا، يضم عددًا من الصحابة كابن عباس، و «عبد الله
بن الزبير» رضى الله عنهما. وفى سنة (٢٧هـ = ٦٤٧م) انطلق
جيش المسلمين بقيادة «عبدالله بن سعد»، وتوغل غربًا حتى
وصل إلى «قرطاجنة» عاصمة إقليم «تونس» فى ذلك الوقت،
ودارت عدة معارك بين المسلمين وبين ملكها «جريجوار»
أو «جرجير» كما تسميه المصادر العربية، انتهت بانتصارالمسلمين
وقتل الملك «جريجوار» على يد «عبدالله بن الزبير». ولم تكن
تلك الحملة تهدف إلى الاستقرار، بل إلى ردع العدوان، ولذا
اكتفى «عبدالله بن سعد» بعقد معاهدات صلح مع زعماء تلك
البلاد تعهدوا فيها بدفع مبلغ كبير. وصل المسلمون فى أواخر
خلافة «عثمان» إلى «تونس» الحالية، لكنهم لم يواصلوا
فتوحاتهم بسبب الفتن التى استمرت حتى نهاية خلافة «على بن
أبى طالب» (٣٦ - ٤٠هـ)، فلما استتب الأمر لمعاوية سنة (٤١هـ)،
كانت جبهة «شمالى إفريقيا» أولى الجبهات التى اهتم بها،
لأنها كانت تخضع لنفوذ الدولة البيزنطية التى عزم على تضييق
الخناق عليها، فأرسل سنة (٤١هـ) حملة إلى «شمالى إفريقيا»
بقيادة «معاوية بن حديج»، ثم أرسله على رأس حملة أخرى
سنة (٤٥هـ)، فاستطاع أن يفتح العديد من البلاد، مثل «جلولاء»
و «سوسة». أسند «معاوية بن أبى سفيان» قيادة الجيش الفاتح
إلى «عُقبة بن نافع»، وهو واحد من كبار القادة الذين لمعت
أسماؤهم فى الفتوحات الإسلامية فى العصر الأموى، ولم يكن
«عُقبة» جديدًا على الميدان، فقد شارك فى فتح تلك البلاد منذ
стр. 2674
أيام «عمرو»، واكتسب خبرة كبيرة، فواصل فتوحاته فى هذه
الجبهة. ولما رأى «عقبة» اتساع الميدان، وبعد خطوط مواصلاته
عن قواعده فى «مصر»، شرع فى بناء مدينة تكون قاعدة
للجيش، ومركزًا لانطلاقاته وإمداداته، فبنى مدينة «القيروان»
(٥٠ - ٥٥هـ) بإذن من «معاوية»، وكان لهذه المدينة شأن عظيم
فى الفتوحات وفى الحركة العلمية، وأثناء تأسيسها كان
«عقبة» يرسل السرايا للفتح، ويدعو الناس إلى الإسلام، فدخل
كثير من «البربر» -سكان البلاد- فى الإسلام. ظل «عقبة بن
نافع» يواصل فتوحاته ونشر الإسلام حتى عزله «معاوية» وولَّى
مكانه قائدًا آخر، لا يقل عنه شجاعة وإقدامًا، وحبا للجهاد فى
سبيل الله، هو «أبو المهاجر دينار»، وكان يتمتع إلى جانب
مهارته العسكرية بقدر من الكياسة وحسن التصرف والفطنة، فقد
أدرك أن «البربر» سكان الشمال الإفريقى قوم أشداء، يعتدُّون
بكرامتهم ويحرصون على حريتهم كالعرب تمامًا، وأن سياسة
اللين والتسامح قد تجدى معهم أكثر من سياسة الشدة. وقد
نجحت سياسة «أبى المهاجر» فى اجتذاب البربر إلى الإسلام،
وبخاصة عندما أظهر تسامحًا كبيرًا مع زعيمهم «كسيلة بن
لمزم»، وعامله فى إجلال وإكرام، فأسلم الرجل متأثرًا بتلك
المعاملة، وأسلم بإسلامه طائفة كبيرة من قومه. وفى مقابل
تلك السياسة المتسامحة مع «البربر» كان «عقبة» حازمًا فى
تعامله مع الدولة البيزنطية التى حاولت أن تحتفظ بالشمال
الإفريقى بعد أن فقدت «مصر» والشام، لكنها لم تنجح، فقد
حقق «أبو المهاجر» نصرًا عسكريا عليها، مكَّنه من السير إلى
الغرب، فاتحًا معظم «المغرب الأوسط» - الجزائر الحالية - ووصل
إلى «تلمسان». أعاد الخليفة «يزيدُ بن معاوية» «عقبةَ بن نافع»
مرة أخرى إلى «شمالى إفريقيا»، فواصل جهود «أبى
المهاجر»، وقام بحملته التى اخترق بها الساحل كله فى شجاعة
وجرأة حتى بلغ شاطئ «المحيط الأطلسى»، وأوطأ أقدام
стр. 2675
فرسه فى مياهه، وقال قولته المشهورة: «اللهم اشهد أنى قد
بلغت المجهود، ولولا هذا البحر لمضيت فى البلاد، أقاتل من كفر
بك حتى لا يعبد أحدًا دونك». وفى أثناء عودة «عقبة» من
غزوته المظفرة تعرض لكمين نصبه له البيزنطيون بمساعدة
«كسيلة» زعيم «البربر»، الذى كان «عقبة» قد أهانه، فبينما
هو يسير فى عدد قليل من جنوده يبلغ زهاء ثلاثمائة جندى
انقضت القوات البيزنطية عليه وعلى من معه عند بلدة تهودة
فاستشهدوا جميعًا سنة (٦٣هـ). ومما أسهم فى وقوع الكارثة
أن «عقبة» قد وقع فى خطأ عسكرى كبير، إذ سرَّح معظم
جيشه، وأمرهم بالسير أمامه، فابتعد عنه لمسافة طويلة، مما
جعل الجيش البيزنطى ينفرد به ويهزمه هزيمة ثقيلة أضاعت كل
الجهود التى بذلها المسلمون فى فتح تلك البلاد، واضطر
المسلمون إلى الارتداد إلى الخلف، ولم يستطيعوا الاحتفاظ
بالقيروان، وعادوا إلى «برقة». تسلَّم «زهير بن قيس البلوى»
قيادة الجيش خلفًا لعقبة بن نافع سنة (٦٣هـ)، وعزم على الثأر
من البيزنطيين و «البربر»، لكنه لم يستطع أن يحقق هدفه إلا فى
سنة (٦٩هـ)، نظرًا لانشغال الدولة الأموية بالأحداث والفتن
الخطيرة التى حدثت فى الداخل بعد وفاة «يزيد بن معاوية» سنة
(٦٤هـ). تحرّك «زهير» بجيش كبير وزحف على «القيروان» سنة
(٦٩هـ)، والتقى على مقربة منها بجيش «كسيلة»، فهزم «البربر»
هزيمة ساحقة بعد معركة شديدة وفى أثناء عودته إلى «برقة»
للدفاع عنها - بعد ما نمى إلى علمه أن البيزنطيين زحفوا عليها
فى جموع عظيمة - تعرض لهجوم بيزنطى مفاجئ، فلقى حتفه
هو ومن معه. وصلت أخبار استشهاد «زهير» ومن معه إلى
الخليفة «عبدالملك بن مروان» وهو مشغول بصراعه مع الخوارج
والشيعة وآل الزبير، فلم يتمكن من القيام بعمل حاسم إلا بعد أن
استقرت له الأوضاع، فأسند قيادة جبهة الشمال الإفريقى إلى
«حسان بن النعمان» وأمده بجيش كبير من «مصر» والشام، بلغ
стр. 2676
عدده نحو أربعين ألف جندى. واستطاع «حسان» بعد جهد جهيد
القضاء على الوجود البيزنطى فى الشمال الإفريقى، وأن يحطم
مدينة «قرطاجنة» أكبر مركز بيزنطى، وأن يبنى محلها مدينة
«تونس» الحالية، كما قضى على كل مقاومة للبربر، بعد أن
حقق نصرًا هائلا على زعيمتهم الكاهنة التى آلت إليها الزعامة
بعد مقتل «كسيلة»، ونعم المسلمون بأولى فترات الاستقرار فى
«المغرب». ولم يكن «حسان بن النعمان» قائدًا عسكريا عظيمًا
فحسب، بل كان رجل دولة وتنظيم وإدارة أيضًا، فأنشأ
الدواوين، ورتَّب أمور الخراج والجزية، ووطَّد سلطان الحكم
الجديد فى الثغور والنواحى، وجدد مدينة «القيروان»، وأنشأ
بها المسجد الجامع، ووضع سياسات مستقبلية انتهت بأهل
الشمال الإفريقى كله إلى اعتناق الإسلام. حلّ «موسى بن
نصير» سنة (٨٥هـ) محل «حسان بن النعمان» فى ولاية شمالى
إفريقيا وقيادة جيوش الفتح بها، فأكمل ما بدأه سابقوه من
القادة العظام، وقدِّر له أن يجنى ثمار غرسهم، ففى ولايته تم
فتح «المغرب» كله، وأقبل أبناؤه على اعتناق الإسلام فى
حرية تامة، بعدما أدركوا وفهموا ما يحمله من عزة وكرامة
وحرية وعدل ومساواة.
стр. 2677
* صفين (معركة)
بعد معركة «الجمل» توجه «على ابن أبى طالب» بجيش يبلغ
عدده نحو مائة ألف إلى «صفين»، واستعد «معاوية» لمقابلته
بجيش يقاربه فى العدد، ودارت بينهما معركة شرسة فى شهر
صفر سنة (٣٧هـ) قُتِل فيها من الجانبين نحو سبعين ألفًا، خمسة
وعشرين ألفًا من جيش «على»، وخمسة وأربعين ألفًا من جيش
«معاوية»، ولما رأى الناس كثرة القتلى من الجانبين تنادوا
يطلبون وقف القتال، فجعل أهل «العراق» (جيش «على»)
يصيحون فى أهل الشام (جيش «معاوية») قائلين: من لثغور
«العراق» إن فنى أهل «العراق». ويرد الآخرون: من لثغور الشام
إن فنى أهل الشام. ومن هنا جاءت فكرة التحكيم. رفع جيش
«معاوية» المصاحف للاحتكام إليها، ووقف القتال فورًا، بدلا من
سفك الدماء، وكانت فكرة التحكيم من عند «عمرو بن العاص»،
وقد قبلها الطرفان، وأوقفت الحرب، بعد أن فزع الناس لكثرة
عدد القتلى. أوقفت الحرب، وطلب من «على» و «معاوية» أن
ينيب كل منهما شخصًا يتفاوض باسمه، للفصل فى القضايا محل
الخلاف، فأناب «معاوية» «عمرو بن العاص»، وأناب «على»
«أبا موسى الأشعرى»
стр. 2678
* الطائف (غزوة)
بعد هزيمة «هوازن» و «ثقيف» فى وادى «حُنين». فرت فلولهم
وتحصنت بالطائف فحاصرهم النبى ﷺ نحوًا
من ثلاثة أسابيع، وكانت حصونهم قوية، وأخذوا فى قذف
المسلمين بالنبال فآذوهم، فاضطر النبى أن يتراجع بقواته بعيدًا
عن مرمى النبال، ثم استشار أصحابه ماذا يفعل معهم، فقالوا
له: «يارسول الله هم كضب فى جحر إن أقمت عليه أخذته وإن
تركته فلن يضرك»، أى أنهم بعد فتح «مكة» وبعد هزيمتهم فى
وادى «حنين» لن يستطيعوا الصمود فى وجهك، وهم
مستسلمون لا محالة إن أطلت الحصار، وإن رفعته عنهم
فسيقدمون عليك من تلقاء أنفسهم، فاقتنع الرسول - صلى الله
عليه وسلم - بهذا الرأى، ورفع عنهم الحصار، ورفض أن يدعو
عليهم عندما طلب منه ذلك بعض الصحابة، بل قال: «اللهم اهدِ
ثقيفًا وأتِ بهم». وبعد أقل من عام جاءت وفودهم إلى الرسول
ﷺ فى «المدينة»، وأعلنوا إسلامهم، فى
رمضان سنة ٩هـ، وعين الرسول ﷺ «عثمان
بن العاص الثقفى» واليًا عليهم.
стр. 2679
* العراق (فتح)
فى أثناء حروب الردة طارد «المثنى بن حارثة» - أحد قادة
المسلمين - المرتدين إلى الشمال، على الساحل الغربى للخليج
العربى، فلما وصل إلى حدود «العراق» تكاثرت عليه قوات
الفرس، بعد أن رأوا فشل عملائهم من المرتدين فى القضاء على
الإسلام فألقوا بثقلهم فى المعارك ضد المسلمين ولما رأى
«المثنى» أنه غير قادر بمن معه على مواجهة القوات الفارسية،
أرسل إلى الخليفة يشرح له الموقف، ويطلب منه المدد، فأدرك
الخليفة خطورة الموقف، ورأى أن يردع الفرس ويرد عدوانهم،
فرماهم بخالد بن الوليد أعظم قواده، وأردفه بعياض بن غنم.
وفى المحرم من العام الثانى عشر من الهجرة تحرك «خالد بن
الوليد» من «اليمامة»، وكان لايزال بها، بعد أن قضى على فتنة
«مسيلمة الكذاب»، وتوجه إلى «العراق». حيث خاض سلسلة من
المعارك ضد الفرس فى خلال عدة شهور، فى «ذات السلاسل»
و «المذار»، و «الولجة»، و «أليس»، وهذه أسماء الأماكن التى
دارت فيها الحروب، وكان النصر حليفه فيها، ثم توَّج انتصاراته
بفتح «الحيرة» عاصمة «العراق» فى ذلك الوقت، واستقر بها
فى شهر ربيع الأول من العام نفسه، ثم فتح «الأنبار» و «عين
التمر» إلى الشمال من «الحيرة»، ثم جاءته أوامر من «أبى بكر»
أن يعود إلى «الحيرة» ويستقر بها إلى أن تأتيه أوامر أخرى
وخلاصة القول أنه فى خلال بضعة أشهر نجح «خالد» فى فتح
أكثر من نصف «العراق»،وصالح أهله على دفع الجزية، ولم
يجبر أحدًا على الدخول فى الإسلام». وبعد أن رحل «خالد بن
الوليد» من «العراق» إلى الشام؛ ليتولى قيادة الجيوش فى
«اليرموك»؛ تنمَّر الفرس بالمثنى بن حارثة خليفة «خالد» على
قيادة الجيش فى «العراق» وبدءوا فى الضغط عليه، فطلب مددًا
من «أبى بكر»، الذى كان مشغولا بحرب الروم. فلما تأخر رد
«الصديق أبى بكر» على «المثنى» جاء بنفسه ليعرف سبب
ذلك، فوجد الخليفة على فراش المرض، فلم يستطع أن يكلمه،
стр. 2680
ولما علم بذلك الخليفة أدرك أن «المثنى» لم يأت إلا لضرورة،
فكان أخر كلامه لعمر بن الخطاب أن أوصاه بتجهيز جيش،
يرسله مع «المثنى» إلى «العراق»، لصد عدوان الفرس، فعمل
«عمر» بوصية «أبى بكر»، وأرسل جيشًا على الفور إلى
«العراق» بقيادة «أبى عبيد بن مسعود الثقفى». وفى شهر
شعبان من سنة ١٣هـ خاض «أبو عبيد بن مسعود» معركة ضد
الفرس سميت بموقعة الجسر، لأن المسلمين أقاموا جسرًا على
«نهر الفرات» لعبور قواتهم البالغة تسعة آلاف جندى، وكان
عبورهم النهر خطأ عسكريًا جسيمًا وقع فيه «أبو عبيد»، ولم
يستمع إلى نصيحة قادة جيشه ومنهم «المثنى بن حارثة»، الذين
نبهوه إلى خطورة ذلك، وأن موقف المسلمين غربى النهر
أفضل وضع لهم، وليتركوا قوات الفرس تعبر إليهم، فإذا
انتصروا كان عبور النهر إلى الشرق أمرًا سهلا، وإذا انهزموا
كانت الصحراء وراءهم يتراجعون فيها، ليعيدوا ترتيب
أوضاعهم، لكن «أبا عبيد» لم يستجب لهم، فحلت الهزيمة
بالمسلمين على يد القائد الفارسى «بهمن جاذويه»، وقُتل «أبو
عبيد» نفسه، واستشهد أربعة آلاف مسلم. بذل «المثنى بن
حارثة» جهدًا كبيرًا فى تأمين عبور من بقى من قوات المسلمين
إلى الناحية الأخرى، وأدرك أنه لابد من خوض معركة أخرى مع
الفرس، حتى لا تؤثر الهزيمة فى معنويات المسلمين، وبخاصة
أنها كانت أول مرة يهزمون فيها فى هذه الجبهة منذ أن بدأت
الفتوحات. استدرج «المثنى بن حارثة» قوات الفرس للعبور إلى
غرب النهر، فعبروا إليه مدفوعين بنشوة النصر السابق، وظنوا
أن تحقيق نصر آخر سيكون أمرًا سهلا، لكن «المثنى» فاجأهم
بعد أن استثار حمية العرب القاطنين فى المنطقة، وأوقع بالفرس
هزيمة كبيرة، على حافة نهر يُسمى «البويب» الذى سميت
المعركة باسمه. وعلى الرغم من هذا النصر الذى أعاد به
«المثنى» الثقة إلى قواته، فإنه أدرك بعد طول تجربة أنه لن
يستطيع بمن معه من قوات أن يواجه الفرس الذين ألقوا بثقلهم
стр. 2681
كله فى الميدان، فتراجع إلى الخلف، ليكون بمأمن من هجمات
الفرس، وأرسل «إلى» «عمر» يخبره بحقيقة الموقف. لما وصلت
إلى «عمر بن الخطاب» تقارير «المثنى» عن الوضع فى جبهة
«العراق» عزم على الخروج بنفسه على رأس جيش كبير، لينسى
الفرس وساوس الشيطان كما أنسى «خالد بن الوليد» الروم تلك
الوساوس، لكن الصحابة لم يوافقوه على رأيه، ورأوا أن
الأفضل أن يبقى هو فى «المدينة» يدير أمور الدولة، ويشرف
على تجهيز الجيوش، ويختار واحدًا لقيادة الحرب ضد الفرس،
فقبل نصيحتهم، وقال لهم: أشيروا على، فأشاروا عليه بسعد
بن أبى وقاص، وقالوا عنه: هو الأسد فى عرينه، فاستدعى
«سعدًا» وأمَّره على الجيش، فاتجه به «سعد» إلى «العراق»
حيث عسكر فى القادسية. وقبل نشوب المعركة أرسل «سعد»
وفدًا إلى بلاط فارس، ليعرض الإسلام على «يزدجرد الثالث» أخر
ملوكهم، فإذا قبله فسيتركونه ملكًا على بلاده، كما ترك رسول
الله ﷺ «باذان» ملكًا على «اليمن»، وإذا
رفض الدخول فى الإسلام، فلن يكرهه عليه أحد، ولكن لابد من
دفع الجزية دليلا على عدم المقاومة، فإذا امتنع عن دفعها،
حاربوه، لأن رفضه دفع الجزية يعنى عزمه على حرب
المسلمين، ومنعهم بالقوة من تبليغ دعوة الإسلام إلى الناس.
سمع «يزدجرد» هذا الكلام، فأخذه العجب، وعلته الدهشة؛ لأنه
لم يتعود سماع مثل هذا الكلام من هؤلاء الناس، فخاطب رئيس
الوفد قائلا: «إنى لا أعلم أمة كانت أشقى، ولا أقل عددًا، ولا
أسوأ ذات بين منكم، قد كنا نوكل بكم قرى الضواحى -الحدود-
فيكفونناكم، لا تغزون فارس، ولا تطمعون أن تقوموا لهم .. وإن
كان الجهد - الجوع - دعاكم فرضنا لكم قوتًا إلى خصبكم،
وأكرمنا وجوهكم وكسوناكم، وملكنا عليكم ملكًا يرفُق بكم».
فقام زعيم الوفد ورد على الملك الذى كان لا يزال يتحدث بروح
السيادة، ومنطق الاستعلاء، قائلا: «إن ماقلته عنا صحيح قبل
стр. 2682
بعث النبى ﷺ ، الذى قذف الله فى قلوبنا
التصديق له واتباعه، فصار فيما بيننا وبين رب العالمين، فما
قال لنا فهو قول الله، وما أمرنا فهو أمر الله .. وقال: من تابعكم
على هذا فله مالكم وعليه ما عليكم، ومن أبى فاعرضوا عليه
الجزية، ثم امنعوه مما تمنعون منه أنفسكم، ومن أبى فقاتلوه».
رفض الملك هذا العرض فى كبرياء وصلف، ثقة منه بقدرة جيوشه
بقيادة «رستم» على سحق هؤلاء العرب، وعاد الوفد إلى «سعد
بن أبى وقاص» وقصوا عليه ما حدث، فاستعد هو للمعركة
الحاسمة. وفى «القادسية» دارت رحى الحرب بين الفريقين،
واستمرت ثلاثة أيام ونصف اليوم الرابع، وأسفرت عن نصر حاسم
للمسلمين، وهزيمة منكرة للفرس، وقتل قائدهم «رستم»،
وتشتيت من نجا منهم من القتل. وتُعد معركة «القادسية» من
المعارك الفاصلة فى التاريخ؛ لأنها حسمت أمر «العراق» العربى
نهائيا، وأخرجته من السيطرة الفارسية التى دامت قرونًا،
وأعادته إلى أهله العرب المسلمين. انفتح الطريق أمام المسلمين
بعد انتصارهم فى «القادسية» إلى «المدائن» عاصمة الفرس،
فعبر «سعد» نهر «دجلة» من أضيق مكان فيه بنصيحة «سلمان
الفارسى»، ودخل «المدائن»؛ ليجد الملك الفارسى قد فرَّ منها،
وكان قبل أيام قليلة يهدد المسلمين ويتوعدهم من قصره
الأبيض، مقر ملك الأكاسرة، الذى كان آية من آيات الفخامة
والبهاء. وفى ذلك القصر صلى «سعد ابن أبى وقاص» صلاة
الشكر لله على هذا الفتح العظيم وتلا فى خشوع قول الله
تعالى: ﴿كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم ونعمة
كانوا فيها فاكهين كذلك وأورثناها قومًا آخرين فما بكت
عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين﴾. [الدخان: ٢٥ - ٢٩].
أرسل «سعد» إلى «عمر بن الخطاب» رسولا يبشره بالنصر وبما
حازوه من غنائم، ويطلب منه السماح لهم بمواصلة الفتح فى بلاد
فارس، لكن «عمر» رفض ذلك، وقال له: «وددت لو أن بيننا
стр. 2683
وبينهم سدًا من نار، لا يصلون إلينا ولا نصل إليهم، حسبنا من
الأرض السواد - أى أرض العراق- إنى آثرت سلامة المسلمين على
الأنفال». اعتقد «عمر بن الخطاب» أن الفرس سيجنحون إلى
السلام بعد هزيمتهم فى «القادسية»، واسترداد المسلمين
«العراق» وهى أرض عربية، لكن الحوادث كثيرًا ماتكون أقوى
من الرجال، وتدفعهم دفعًا إلى تعديل سياساتهم، فقد وردت
الأنباء إلى «عمر» أن الفرس التفوا حول ملكهم الذى هرب من
«المدائن»، واحتشدوا فى جموع هائلة فى «نهاوند» (٧) تصل
إلى نحو مائتى ألف جندى بقيادة «الفيرزان». وكانت سياسة
«عمر بن الخطاب» أن يقف بالفتوحات الإسلامية عند حدود
«العراق» و «الشام»، ولايتعداها، حيث قبائل العرب التى نزحت
من شبه الجزيرة العربية وأقامت هناك، أما ما وراء ذلك من
أرض الفرس والروم فلم يكن للمسلمين مطمع فى غزوه وفتحه،
ولكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه، فقد حملت حوادث
الفتوحات وتطوراتها «عمر بن الخطاب» على تعديل سياسته
تجاه الفرس والروم. ولما وصلت أخبار استعداد الفرس جمع
«عمر» كبار الصحابة واستشارهم فى كيفية مواجهة هذا
الموقف، فأشاروا عليه بتجهيز جيش لردع الفرس قبل أن ينقضوا
على المسلمين فى بلادهم، فعمل بمشورتهم، وجهز جيشًا قوامه
نحو أربعين ألف مجاهد تحت قيادة «النعمان بن مقرن». ودارت
معركة «نهاوند»، وانتهت بنصر عظيم للمسلمين، وهزيمة ساحقة
للفرس، وقد سمى المؤرخون المسلمون هذ النصر «فتح الفتوح»،
لأن الفرس قد تفرقت كلمتهم، وانفرط عقد دولتهم بهذا النصر.
стр. 2684
* الفيل (حادثة)
بعد أن حكم «أبرهة» «اليمن» تملكته الغيرة من الكعبة
المشرفة، وأراد أن يصرف العرب عن زيارتها، فبنى كنيسة
ضخمة بالغة الروعة، تُسمَّى «القُلَّيس»، وساق أهل «اليمن» إلى
التوجه إليها والتعبد فيها، لكنه لم يفلح فى ذلك، وزاد من غضبه
أن أحد الأعراب عبث بالكنيسة وقذَّرها، فأقسم «أبرهة»
ليهدمن الكعبة، ويطأن «مكة»، وجهَّز لذلك جيشًا جرارًا،
تصاحبه الفيلة، وفى مقدمتها فيل عظيم، ذو شهرة خاصة
عندهم. وحينما علمت العرب بنية «أبرهة» تصدَّوا له، لكنهم لم
يفلحوا فى وقف زحفه، حتى إذا بلغ جيش «أبرهة» «المغمَّس» -
وهو مكان بين «الطائف» و «مكة» - ساق إليه أموال «تهامة» من
«قريش» وغيرها، وكان فيها مائتا بعير لعبد المطلب بن هاشم،
فهمَّت «قريش» وقبائل العرب بقتال «أبرهة»، ولكنهم وجدوا
أنفسهم لا طاقة لهم بحربه، فتفرقوا عنه دون قتال. أرسل
«أبرهة» إلى «عبدالمطلب» يُبلغِه أنه لم يأتِ لحربهم، وإنما جاء
لهدم البيت، فإن تركوه وما أراد فلا حاجة له فى دمائهم، فذهب
«عبدالمطلب» إليه، فلما دخل نزل «أبرهة» من سريره، وجلس
على البساط، وأجلس «عبدالمطلب» إلى جانبه، وأكرمه وأجلَّه،
فطلب «عبدالمطلب» منه أن يرد عليه إبله التى أخذوها، فقال
«أبرهة»: أعجبتنى حين رأيتك، وزهدتُ فيك حين كلمتنى،
تترك بيتًا هو دينك ودين آبائك، جئتُ لأهدمه، وتكلمنى فى
مائتى بعير أصبتها لك؟ فقال: «عبدالمطلب»: إنى رب الإبل
(أى صاحبها) وإن للبيت ربًا سيحميه. قال «أبرهة»: ما كان
ليمتنع منى، فرد عليه «عبد المطلب»: أنت وذاك، ثم رد «أبرهة»
الإبل لعبد المطلب. أمر «عبدالمطلب» قريشًا بالخروج من «مكة»،
والاحتماء فى شعاب الجبال، وتوجه هو إلى باب «الكعبة»،
وتعلَّق به مع نفر من قريش يدعون الله ويستنصرونه، وانطلق
جيش «أبرهة» نحو «مكة»، وحينما اقترب منها برك الفيل الأكبر
الذى يتقدم الجيش رافضًا الدخول، وتعبوا فى إجباره على
стр. 2685
اقتحام «مكة»، وكانوا عندما يوجهونه إلى جهة غير «مكة»
ينهض ويهرول. ثم شاء الله أن يهلك «أبرهة» وجيشه، فأرسل
عليهم جماعات من الطير، أخذت ترميهم بحجارة، فقضت عليهم
جميعًا، وتساقطوا كأوراق الشجر الجافة الممزَّقة، كما حكى
ذلك القرآن الكريم: [ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ألم
يجعل كيدهم فى تضليل وأرسل عليهم طيرًا أبابيل ترميهم
بحجارةٍ من سجيل فجعلهم كعصف مأكول]. (سورة الفيل)
стр. 2686
* القادسية (معركة)
لما وصلت إلى «عمر بن الخطاب» تقارير «المثنى» عن الوضع
فى جبهة «العراق» عزم على الخروج بنفسه على رأس جيش
كبير، لينسى الفرس وساوس الشيطان كما أنسى «خالد بن
الوليد» الروم تلك الوساوس، لكن الصحابة لم يوافقوه على رأيه،
ورأوا أن الأفضل أن يبقى هو فى «المدينة» يدير أمور الدولة،
ويشرف على تجهيز الجيوش، ويختار واحدًا لقيادة الحرب ضد
الفرس، فقبل نصيحتهم، وقال لهم: أشيروا على، فأشاروا عليه
بسعد بن أبى وقاص، وقالوا عنه: هو الأسد فى عرينه،
فاستدعى «سعدًا» وأمَّره على الجيش، فاتجه به «سعد» إلى
«العراق» حيث عسكر فى القادسية. وقبل نشوب المعركة أرسل
«سعد» وفدًا إلى بلاط فارس، ليعرض الإسلام على «يزدجرد
الثالث» أخر ملوكهم، فإذا قبله فسيتركونه ملكًا على بلاده،
كما ترك رسول الله ﷺ «باذان» ملكًا على
«اليمن»، وإذا رفض الدخول فى الإسلام، فلن يكرهه عليه أحد،
ولكن لابد من دفع الجزية دليلا على عدم المقاومة، فإذا امتنع
عن دفعها، حاربوه، لأن رفضه دفع الجزية يعنى عزمه على
حرب المسلمين، ومنعهم بالقوة من تبليغ دعوة الإسلام إلى
الناس. سمع «يزدجرد» هذا الكلام، فأخذه العجب، وعلته
الدهشة؛ لأنه لم يتعود سماع مثل هذا الكلام من هؤلاء الناس،
فخاطب رئيس الوفد قائلا: «إنى لا أعلم أمة كانت أشقى، ولا
أقل عددًا، ولا أسوأ ذات بين منكم، قد كنا نوكل بكم قرى
الضواحى -الحدود- فيكفونناكم، لا تغزون فارس، ولا تطمعون أن
تقوموا لهم .. وإن كان الجهد - الجوع - دعاكم فرضنا لكم قوتًا
إلى خصبكم، وأكرمنا وجوهكم وكسوناكم، وملكنا عليكم ملكًا
يرفُق بكم». فقام زعيم الوفد ورد على الملك الذى كان لا يزال
يتحدث بروح السيادة، ومنطق الاستعلاء، قائلا: «إن ماقلته عنا
صحيح قبل بعث النبى ﷺ ، الذى قذف الله
فى قلوبنا التصديق له واتباعه، فصار فيما بيننا وبين رب
стр. 2687
العالمين، فما قال لنا فهو قول الله، وما أمرنا فهو أمر الله ..
وقال: من تابعكم على هذا فله مالكم وعليه ما عليكم، ومن أبى
فاعرضوا عليه الجزية، ثم امنعوه مما تمنعون منه أنفسكم، ومن
أبى فقاتلوه». رفض الملك هذا العرض فى كبرياء وصلف، ثقة
منه بقدرة جيوشه بقيادة «رستم» على سحق هؤلاء العرب،
وعاد الوفد إلى «سعد بن أبى وقاص» وقصوا عليه ما حدث،
فاستعد هو للمعركة الحاسمة. وفى «القادسية» دارت رحى
الحرب بين الفريقين، واستمرت ثلاثة أيام ونصف اليوم الرابع،
وأسفرت عن نصر حاسم للمسلمين، وهزيمة منكرة للفرس، وقتل
قائدهم «رستم»، وتشتيت من نجا منهم من القتل. وتُعد معركة
«القادسية» من المعارك الفاصلة فى التاريخ؛ لأنها حسمت أمر
«العراق» العربى نهائيا، وأخرجته من السيطرة الفارسية التى
دامت قرونًا، وأعادته إلى أهله العرب المسلمين.
стр. 2688
* قبرص (فتح)
كان أول عمل بحرى ناجح قام به الأسطول الإسلامى، هو فتح
«جزيرة قبرص» التى كانت تهدد شواطئ المسلمين باستمرار
لقربها منها من ناحية، وباعتبارها محطة مهمة من محطات
الأساطيل البيزنطية من ناحية أخرى. وقد غزاها «معاوية» سنة
(٢٨هـ)، أى بعد أربع سنوات فقط من بناء الأسطول الإسلامى،
وهى مدة ليست بالطويلة لإنشاء أسطول بحرى، ولكنها عزيمة
الرجال وإصرارهم على إنجاز العمل. وكانت الغزوة مشتركة
أسهمت فيها قوات الشام، وقوات «مصر» بقيادة «عبدالله بن
سعد»، ونزلوا «قبرص» واستولوا عليها، فعرض أهلها الصلح،
فقبل «معاوية»، واشترط لعقده عدة شروط: - أن يدفع أهل
«قبرص» جزية سنوية، مقدارها سبعة آلاف دينار. - وأن يُعلموا
المسلمين بأية تحركات عدائية من جانب الروم ضد سواحلهم. -
وأن يقف أهل «قبرص» على الحياد، إذا نشبت حرب بين
المسلمين والروم، ولكن لا يمنعون المسلمين من المرور بجزيرتهم
إذا احتاجوا إلى ذلك. ولم يلتزم أهل «قبرص» بما تعاهدوا عليه
فى الصلح، مما جعل «معاوية» يعاود غزو الجزيرة مرة أخرى
سنة (٣٣هـ) ويضمها إلى دولة الخلافة، وينقل إليها اثنى عشر
ألفًا من المسلمين من أهل الشام، وأسكنهم فيها، وبنى لهم
الدور والمساجد.
стр. 2689
* مصر (فتح)
بعد فتح «بيت المقدس» اتجه «عمر» إلى الشمال، وعقد فى
«الجابية» جنوبى «دمشق» مؤتمرًا حضره جميع القادة
المسلمين، ناقش فيه ماتم إنجازه والترتيبات اللازمة لإدارة البلاد
المفتوحة إدارة حسنة، والعمل على إشاعة العدل والحرية بين
الناس بعد الظلم والاستبداد والاستعباد الذى ذاقوه من الروم.
وفى هذا المؤتمر عرض «عمرو بن العاص» والى «فلسطين»
على «عمر بن الخطاب» ضرورة فتح «مصر»، لأن فلول قوات
الروم فى «الشام» لجأت إلى «مصر» التى كانت فى ذلك الوقت
تحت حكم الروم، كما لجأ «الأطربون» قائد قواتهم فى فلسطين
إلى «مصر»؛ ليستعد من جديد للانقضاض على المسلمين فى
الشام، ولذا فإن بقاء «مصر» فى أيدى الروم سيكون خطرًا
على فتوحات المسلمين فى الشام، بل قد يصل الخطر إلى شبه
الجزيرة العربية نفسها. ولما اقتنع «عمر بن الخطاب» بما أبداه
«عمرو بن العاص» أذن له بالسير إلى «مصر» لفتحها، فخرج
فى أربعة آلاف جندى، ودخل «العريش» دون قتال، ثم توجه
إلى «الفرما» (مدينة قديمة شرقى «بور سعيد») ففتحها بعد
معارك يسيرة مع حاميتها الرومية، ثم توجه إلى «بلبيس» فى
محافظة «الشرقية» الحالية، فهزم جيشًا روميا كان يقوده
«الأطربون»، ثم هزم الروم مرة أخرى فى «عين شمس». ولما
تجمعت قوات الروم كلها فى «حصن بابليون» بالقرب من «مصر
القديمة» الحالية؛ طلب «عمرو» مددًا من الخليفة «عمر»، فأمده
بثمانية آلاف جندى، مكنته من فتح الحصن والاستيلاء عليه، ثم
اتجه إلى «الإسكندرية» ففتحها، وأرسل فرقة من قواته لفتح
«الفيوم». وفى نحو «عامين» (١٩ - ٢١هـ) فتُحت «مصر»
بأكملها، وكان فتحًا سهلا ويسيرًا، لأن القبط لم يشتركوا فى
معارك ضد المسلمين، بل ساعدوهم وقدموا لهم يد العون،
فدلوهم على أيسر الطرق، وأمدوهم بالطعام، تخلُصًا من حكم
الروم الذين اضطهدوهم دينيا، مع أنهم مسيحيون مثلهم،
وأرهقوهم بالضرائب، واستغلوهم أبشع استغلال. ولما تعامل
стр. 2690
أهل «مصر» مع الفاتحين المسلمين أدركوا أن ما سمعوه كان
حقيقة، فقد منحوهم الحرية الدينية الكاملة، وأعادوا بطريركهم
«بنيامين» إلى كنيسته بالإسكندرية، وكان الروم قد نفوه إلى
«وادى النطرون»، وقد حفظ الرجل هذا العمل الجليل لعمرو بن
العاص، فعاونه كثيرًا فى إدارة «مصر» إدارة حسنة. وقد أتاح
الفتح الإسلامى لمصر جوا من الحرية والتسامح لم تشهده البلاد
منذ زمن بعيد، بنص المعاهدة التى أعطاها «عمرو بن العاص»
لأهل «مصر»: «بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى عمرو بن
العاص أهل مصر من الأمان على أنفسهم وملتهم وأموالهم
وكنائسهم وصلبهم وبرهم وبحرهم، لا يدخل عليهم شىء من ذلك
ولا ينتقص، ولا يساكنهم النوب - أهل النوبة - وعلى أهل مصر
أن يعطوا الجزية .. ومن دخل فى صلحهم من الروم والنوب، فله
مثل ما لهم، وعليه مثل ما عليهم، ومن أبى واختار الذهاب فهو
آمن حتى يبلغ مأمنه، على ما فى هذا الكتاب عهد الله، وذمة
رسوله، وذمة الخليفة أمير المؤمنين، وذمة المؤمنين». وقد عمل
المسلمون بوصية رسول الله ﷺ التى أوصاهم
فيها بأهل «مصر» خيرًا عندما يفتحونها؛ لأن لهم ذمة ورحمًا،
كما نصحهم أن يتخذوا منها جندًا كثيفًا، فأجنادها من خير
أجناد الأرض، لأنهم وأزواجهم فى رباط إلى يوم القيامة.
стр. 2691
* مكة (فتح)
التزمت «قريش» بمعاهدة «الحديبية» لمدة عام وبعض العام، فقد
ذهب الرسول ﷺ وأصحابه لأداء عمرة القضاء
فى العام السابع من الهجرة. لكنها ما لبثت أن نقضت المعاهدة
عندما أعانت قبيلة «بنى بكر» حليفتها على قبيلة «خزاعة»
حليفة رسول الله ﷺ ، فطلبت «خزاعة» من
الرسول نصرتها طبقًا للمعاهدة التى بينها وبينه، فوعدهم
بالنصر، وبدأ فى الاستعداد لغزو «مكة». شعر «أبو سفيان»
زعيم «مكة» بالخطأ الفاحش الذى وقعوا فيه، فسافر إلى
«المدينة» لمقابلة الرسول ﷺ ولتجديد
المعاهدة، فلم يقبل الرسول اعتذاره. وفى بداية الأسبوع الثانى
من شهر رمضان من العام الثامن للهجرة توجه الرسول - صلى الله
عليه وسلم - على رأس جيش قوامه عشرة آلاف مجاهد لفتح
«مكة»، وكان «أبوسفيان» يتوقع - منذ أن عاد من «المدينة»
دون أن يحقق هدفه - أن رسول الله ﷺ
سيغزو «مكة»، ولكن لا يعرف متى يقع ذلك، فكان قلقًا ودائمًا
يتحسس الأخبار. وفى ليلة من الليالى رأى أبو سفيان نيران
جيش النبى التى أوقدها المجاهدون فاستبد به الخوف والهلع،
فسمع صوته «العباس بن عبد المطلب»، وكان قد خرج من «مكة»
من قبل، والتقى بالنبى ﷺ وأعلن إسلامه،
فلما التقى بأبى سفيان أخبره بالجيش القادم لفتح «مكة»، ولا
قبل لهم به، وأخذه إلى الرسول ﷺ فأعلن
إسلامه، وأعطاه النبى ميزة كبيرة، بناء على اقتراح من
«العباس بن عبد المطلب»، ضمن الإعلان الذى أمره أن يبلغه لأهل
«مكة»: «من دخل دار أبى سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه
فهو آمن، ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن». حرص النبى - صلى
الله عليه وسلم - على دخول «مكة» بدون قتال، فهى بلد الله
الحرام، وأحبُّ بلاد الله إليه، وفيها أهله وذووه، فكانت أوامره
صريحة لجيشه، ألا يقاتلوا إلا إذا قوتلوا، وبالفعل دخل الجيش
стр. 2692
«مكة» فى العشرين من شهر رمضان دون قتال، إلا مناوشات
بسيطة حدثت فى الجهة التى دخلت منها الفرقة التى كان
يقودها «خالد بن الوليد» عند جبل «خندمة» فقضى عليها
«خالد»، وكان قد أسلم هو و «عمرو بن العاص» بعد عمرة
القضاء سنة (٧هـ). دخل النبى ﷺ «مكة»
فاتحًا منتصرًا، وهى التى طردته قبل ثمانى سنوات وتآمرت
على حياته، فماذا هو فاعل بهؤلاء الذين عادوه وآذوه أذى
شديدًا هو وأصحابه؟ وهل فكر فى الانتقام منهم؟ لم يحدث
ذلك منه، بل جمعهم بعد أن دخل «الكعبة» وطاف بها، وكسر
أصنامها بيده وهو يتلو: ﴿وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل
كان زهوقًا﴾. وقال لهم: «ما تظنون أنى فاعل بكم؟» قالوا:
خيرًا، أخ كريم وابن أخ كريم، قال: «اذهبوا فأنتم الطلقاء».
وبهذا ضرب رسول الله ﷺ أروع الأمثلة فى
العفو والتسامح عندالمقدرة، فلم تحمله نشوة النصر وزهو
القدرة على الانتقام ممن أساء إليه، بل نسى كل ما فعلوه معه
ومع أصحابه من ألوان العذاب.
стр. 2693
* نهاوند (معركة)
وردت الأنباء إلى «عمر» أن الفرس التفوا حول ملكهم الذى هرب
من «المدائن»، واحتشدوا فى جموع هائلة فى «نهاوند» (٧) تصل
إلى نحو مائتى ألف جندى بقيادة «الفيرزان». ولما وصلت أخبار
استعداد الفرس جمع «عمر» كبار الصحابة واستشارهم فى
كيفية مواجهة هذا الموقف، فأشاروا عليه بتجهيز جيش لردع
الفرس قبل أن ينقضوا على المسلمين فى بلادهم، فعمل
بمشورتهم، وجهز جيشًا قوامه نحو أربعين ألف مجاهد تحت
قيادة «النعمان بن مقرن». ودارت معركة «نهاوند»، وانتهت
بنصر عظيم للمسلمين، وهزيمة ساحقة للفرس، وقد سمى
المؤرخون المسلمون هذ النصر «فتح الفتوح»، لأن الفرس قد
تفرقت كلمتهم، وانفرط عقد دولتهم بهذا النصر.
стр. 2694
* اليرموك (معركة)
تحرك القادة الأربعة - «أبوعبيدة بن الجراح» و «يزيد بن أبى
سفيان» و «شرحبيل بن حسنة» و «عمرو بن العاص» - بجيوشهم
بعد تكليفهم بفتح الشام، فلما دخلوا جنوبى الشام، وجدوا جيشًا
روميا، قوامه نحو (٢٥٠) ألف جندى، بقيادة «تذراق» أخى
«هرقل»، يساندهم نحو ستين ألفًا من العرب - تقريبًا - بقيادة
«جبلة بن الأيهم الغسانى»، فلم يستطيعوا الالتحام مع هذه
الجموع الحاشدة، فدارت بينهم مراسلات تجمعوا بعدها فى
وادى «اليرموك»، تحت قيادة «أبى عبيدة بن الجراح». لكن
تجمعهم لم يؤدِ إلى تحريك للموقف ضد الروم، فأخبروا الخليفة
«أبا بكر» بما هم فيه، وطلبوا المدد منه، فرأى أنه لن ينقذ
الموقف فى الشام سوى «خالد بن الوليد»، وقال عبارته
المشهورة: «والله لأُنسين الروم وساوس الشيطان بخالد بن
الوليد»، ثم كتب رسالة إليه: «أما بعد فإذا جاءك كتابى هذا،
فدع العراق، وخلف فيه أهله الذين قدمت عليهم وهم فيه وامضِ
متخففًا فى أهل القوة من أصحابك الذين قدموا العراق معك من
اليمامة، وصحبوك من الطريق، وقدموا عليك من الحجاز، حتى
تأتى الشام، فتلقى أبا عبيدة بن الجراح ومن معه من المسلمين،
فإذا التقيتم فأنت أمير الجماعة والسلام عليك». امتثل «خالد»
لأوامر الخليفة، وسار من «العراق» فى سبعة آلاف جندى فى
واحدة من أجرأ المسيرات العسكرية فى التاريخ وأكثرها خطرًا،
حيث قطعوا أكثر من ألف كيلو متر فى ثمانية عشر يومًا، فى
صحراء قاحلة مهلكة، حتى وصلوا إلى «وادى اليرموك» فتسلم
«خالد بن الوليد» القيادة من «أبى عبيدة» وخاض معركة مع
الروم تُعد من أعظم المعارك وأبعدها أثرًا فى حركة الفتح
الإسلامى، وسحق جيش الروم الذى كان يعد يومئذٍ أقوى جيوش
العالم، إذ قتل منه نحو مائة وعشرين ألفًا، وقد أدرك «هرقل»
إمبراطور الروم حجم الكارثة التى حلت بجيشه، فغادر المنطقة
نهائيًا، وقلبه يقطر دمًا، ويتحسر على جهوده التى بذلها فى
стр. 2695
استرداد الشام من الفرس، ثم ها هى ذى يفتحها المسلمون،
وقال: «السلام عليك يا سوريا، سلامًا لا لقاء بعده، ونعم البلد
أنت للعدو وليس للصديق، ولا يدخلك رومى بعد الآن إلا خائفًا».
وقد استشهد من المسلمين نحو ثلاثة آلاف، وقد فتح هذا النصر
العظيم الطريق لفتح بقية الشام، الذى تم فى عهد «عمر بن
الخطاب».
стр. 2696
* اليمامة (معركة)
اليمامة مصطلح جغرافى قديم، يشمل المناطق الشرقية من شبه
الجزيرة العربية التى تقع فيها الآن مدينة «الرياض» عاصمة
«المملكة العربية السعودية». ووقعت معركة «اليمامة» نفسها
فى مكان قريب من هذه المدينة. عندما مات النبى ﷺ واستخلف أبا
بكر الصديق، رضى الله عنه، ارتدت بعض القبائل وامتنعت عن
دفع الصدقات، وادعى مسيلمة الكذاب النبوة، فأرسل «أبو
بكر» «عكرمة بن أبى جهل» و «شرحبيل بن حسنة» للوقوف فى
وجه «مسيلمة الكذاب»، ولم يأمرهما بقتال؛ لكنهما تعجلا
مخالفين أوامر الخليفة، واشتبكا مع «مسيلمة» فى حرب لم
يصمدا فيها، وعادا منهزمين، ولعلهما أرادا أن يتشبها بخالد بن
الوليد حتى يحوزا أكاليل النصر، كما حازها هو. وما إن وصلت
أنباء هزيمتهما إلى «أبى بكر» حتى غضب غضبًا شديدًا، وطلب
منهما ألا يعودا إلى «المدينة»، وقرر فى الوقت نفسه أن يرسل
«خالد بن الوليد» إلى «اليمامة» للقضاء على فتنة «مسيلمة»،
فهو أصلح الناس لهذه المهمة. وكان «خالد» قد فرغ من القضاء
على فتنة المرتدين من «بنى أسد» و «غطفان» و «تميم»،
فجاءته أوامر من «أبى بكر» بالتوجه إلى «اليمامة» للقضاء
على فتنة «مسيلمة الكذاب». امتثل «خالد بن الوليد» لأوامر
الخليفة، وسار فى صحراء وعرة نحو ألف كيلو متر، حتى التقى
بجيوش «مسيلمة» - وكانت نحو أربعين ألفًا - فى مكان يسمى
«عقرباء» فى حين كانت قوات «خالد» تبلغ نحو ثلاثة عشر
ألفًا، فيهم عدد كبير من المهاجرين والأنصار، ودارت الحرب بين
الفريقين، وكانت حربًا شرسة، اشتدت وطأتها على المسلمين
فى البداية، وكادوا ينهزمون، لولا أن زأر «خالد» كالأسد
الهصور، ونادى بأعلى صوته «وامحمداه»، وكان شعار
المسلمين فى المعركة، فاشتعلت جذوة الإيمان فى القلوب،
وهانت الحياة على النفوس، وأقبل المسلمون على القتال دون
خوف أو وجل، طمعًا فى النصر أو الشهادة، وصبروا لأعداء الله
стр. 2697
حتى هزموهم هزيمة منكرة بنصر أنزله الله تعالى على عباده
المسلمين؛ حيث لجأ الكفار إلى حديقة احتشدوا فيها، فأحاط
المسلمون بها ودخلوها وقاتلوا من فيها قتالاً شديداً حتى قتل
مسيلمة على يد وحشى مولى جبير بن مطعم، واشترك مع
وحشى فى قتل مسيلمة رجل من الأنصار، كما قتل من رجال
مسيلمة نحو عشرين ألفًا من رجاله، واستسلم من بقى من قواته
أسرى للمسلمين، واستشهد من المسلمين أكثر من ألف ومائتى
رجل، منهم عدد كبير من القراء وحفظة القرآن الكريم.
стр. 2698
* يزيد بن المهلب (ثورة)
ينتمى «يزيد بن المهلب» إلى أسرة كانت من أهم الأسر التى
قامت بدور كبير فى التاريخ الإسلامى بعامة، وفى تاريخ الدولة
الأموية بخاصة، فأبوه «المهلب» أبلى بلاءً حسنًا فى محاربة
الخوارج وكسر شوكتهم. عمل «آل المهلب» تحت رئاسة
«الحجَّاج» ثم غضب عليهم، فعزلهم عن العمل سنة (٨٥هـ) ووضع
أكبرهم وهو «يزيد بن المهلب» فى السجن، مع أنهم كانوا
أصهاره، فقد كان متزوجًا من «هند بنت المهلب» أخت «يزيد»،
واستطاع إقناع الخليفة «عبدالملك بن مروان» بضرورة
الاستغناء عنهم، فوافقه الخليفة. ظل «آل المهلب» فى الظل،
بعيدين عن السلطة إلى أن جاءت خلافة «سليمان بن عبدالملك»
فأعادهم إلى ما كانوا عليه، وعيَّن «يزيد» واليًا على «العراق»
والمشرق، وظل فى منصبه حتى عزله «عمر بن عبدالعزيز» عن
الولاية لأنه كان يراه جبَّارًا قاسيًا، ثم أمر بسجنه حتى يؤدى ما
عليه، وكان قد أخذ أموالا كثيرة من بيت المال، وظل سجينًا
حتى بعد أن تولى «يزيد بن عبدالملك» الخلافة بعد «عمر»، لكنه
نجح فى الهرب من السجن ليقود ثورة هائلة ضد الدولة الأموية.
قوى «يزيد بن المهلب» بتأييد أهل «العراق» له، كعادتهم خلف
كل ثائر على الأمويين، وبعصبية قبيلته الكبيرة - «الأزد» - ذات
النفوذ فى «العراق»، فوثب على «عدى بن أرطاة الفزارى»
والى «البصرة» من قبل «يزيد بن عبدالملك»، وسيطر على
الموقف فى «البصرة»، وخلع طاعة «يزيد بن عبدالملك»، وانضم
إليه كل معادٍ للدولة الأموية حتى استفحل أمره، واتسع نفوذه
وتجاوز «البصرة» إلى «الجزيرة الفراتية» و «البحرين» و «عمان»
و «فارس» و «الأهواز». وإزاء هذه الأحداث وجدت الدولة الأموية
نفسها من جديد أمام ثورة عارمة تريد القضاء عليها، فأرسل
الخليفة «يزيد بن عبدالملك» أخاه «مسلمة» بجيش كبير من أهل
الشام، تمكن به من إلحاق الهزيمة الساحقة بابن المهلب فى
معركة «عفر» قرب «الكوفة» فى شهر صفر سنة (١٠٢هـ) بعد
стр. 2699
أن خذله العراقيون كعادتهم وقُتل هو فى المعركة ومعظم
رجالات بيته، ومن نجا من القتل هرب إلى إقليم «السند».
стр. 2700
* المغرب (فتح)
لما ولى «عبدالله بن سعد بن أبى السرح» ولاية «مصر» من قبل
«عثمان بن عفان»؛ كتب إليه أن الروم الذين لا يزالون يسيطرون
على «شمال إفريقيا» يغيرون على حدود «مصر» الغربية، ولابد
من مواجهتهم قبل أن يتجرءوا ويهاجموا «مصر» نفسها، فاقتنع
«عثمان» بعد أن استشار كبار الصحابة، وأذن له بتجريد حملات
عسكرية لردعهم وكف عدوانهم، كما أرسل إليه جيشًا من
«المدينة» مددًا، يضم عددًا من الصحابة كابن عباس، و «عبد الله
بن الزبير» رضى الله عنهما. وفى سنة (٢٧هـ = ٦٤٧م) انطلق
جيش المسلمين بقيادة «عبدالله بن سعد»، وتوغل غربًا حتى
وصل إلى «قرطاجنة» عاصمة إقليم «تونس» فى ذلك الوقت،
ودارت عدة معارك بين المسلمين وبين ملكها «جريجوار»
أو «جرجير» كما تسميه المصادر العربية، انتهت بانتصارالمسلمين
وقتل الملك «جريجوار» على يد «عبدالله بن الزبير». ولم تكن
تلك الحملة تهدف إلى الاستقرار، بل إلى ردع العدوان، ولذا
اكتفى «عبدالله بن سعد» بعقد معاهدات صلح مع زعماء تلك
البلاد تعهدوا فيها بدفع مبلغ كبير. وصل المسلمون فى أواخر
خلافة «عثمان» إلى «تونس» الحالية، لكنهم لم يواصلوا
فتوحاتهم بسبب الفتن التى استمرت حتى نهاية خلافة «على بن
أبى طالب» (٣٦ - ٤٠هـ)، فلما استتب الأمر لمعاوية سنة (٤١هـ)،
كانت جبهة «شمالى إفريقيا» أولى الجبهات التى اهتم بها،
لأنها كانت تخضع لنفوذ الدولة البيزنطية التى عزم على تضييق
الخناق عليها، فأرسل سنة (٤١هـ) حملة إلى «شمالى إفريقيا»
بقيادة «معاوية بن حديج»، ثم أرسله على رأس حملة أخرى
سنة (٤٥هـ)، فاستطاع أن يفتح العديد من البلاد، مثل «جلولاء»
و «سوسة». أسند «معاوية بن أبى سفيان» قيادة الجيش الفاتح
إلى «عُقبة بن نافع»، وهو واحد من كبار القادة الذين لمعت
أسماؤهم فى الفتوحات الإسلامية فى العصر الأموى، ولم يكن
«عُقبة» جديدًا على الميدان، فقد شارك فى فتح تلك البلاد منذ
следующие страницы →