← История

История · id 36578

موسوعة سفير للتاريخ الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (3 483 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

حوالى سنة (٢٢١هـ= ٨٣٦م) - فى خلافة «المعتصم بالله» - إلى أوائل خلافة «المعتضد» الذى بنى «القصر الحسنى» ببغداد، وقرر انتقال عاصمة الخلافة إليها سنة (٢٨٠هـ= ٨٩٣م) .. وفاة المعتضد: تُوفِّى «المعتضد» فى ربيع الآخر سنة (٢٨٩هـ= ٩٠٢م)، وكان عصره يموج بالحركة العلمية والدينية والأدبية، فقد عاش فى عصره عدد من العلماء والأدباء البارزين. (٨) المكتفى بالله على بن المعتضد: تولى الخلافة فى (ربيع الآخر سنة ٢٨٩هـ= مارس سنة ٩٠٢م) عقب وفاة أبيه، وعمره خمس وعشرون سنة، ورغم أنه كان حسن السيرة محبوبًا لدى الرعية فإنه لم يكن يتمتع بما كان يتمتع به أبوه «المعتضد»، من قوة الشخصية والحزم، فكانت خلافته تمهيدًا لعودة الأمور إلى أوضاعها السابقة، وفترة انتقالية بين «صحوة الخلافة» وانتكاستها. وقد شهد عهد «المكتفى» أحداثًا كثيرة، منها: ازدياد خطر القرامطة وتهديدهم للشام و «الحجاز» و «اليمن»، وقد جرت على يد زعيمهم «زكرويه بن مهرويه» مذابح بشعة ضد حجاج بيت الله الحرام وعامة الناس، ونشروا الفزع فى أنحاء العالم الإسلامى، واستطاع «زكرويه» أن يهزم جيشًا للخليفة «المكتفى»، وأن يقتل منه عددًا كبيرًا، فأعد له «المكتفى» جيشًا حشد فيه أكفأ القواد، نجح فى قتل «زكرويه» وكثيرًا من أتباعه عام (٢٩٤هـ= ٩٠٧م)، وتتبعهم فى «العراق»، ولكنه لم يستطع القضاء عليهم تمامًا، فظلوا من بعده مصدر خطر مؤكد على كيان الخلافة. ومما شهده عصر «المكتفى» أيضًا من أحداث: تولية «المكتفى» «أبى الهيجاء عبدالله بن حمدان التغلبى» ولاية «الموصل» والبلاد التابعة لها سنة (٢٩٣هـ=٩٠٦م)، وكان ذلك مقدمة لاستقلال الحمدانيين بالموصل - فيما بعد - وضمهم «حلب» إليها، ونشأة «الأسرة الحمدانية». وفاة المكتفى: تُوفِّى «المكتفى» وفاة طبيعية فى (ذى القعدة سنة ٢٩٥هـ= أغسطس سنة ٩٠٨م)، وترك خزانة الدولة ممتلئة بالأموال، وقد أرجع المؤرخون

стр. 317

ذلك إلى الجهد الذى بذله أبوه «المعتضد» فى جلب أسباب الاستقرار الاقتصادى إلى الدولة، وحسن سيرة «المكتفى بالله». (٩) المقتدر بالله جعفر بن المعتضد: تولى الخلافة بعد أخيه «المكتفى» بعهد منه فى (ذى القعدة سنة ٢٩٥هـ= أغسطس سنة ٩٠٨م)، وكان صبيا فى الثالثة عشرة من عمره، ولم يلِ الخلافة قبله أصغر منه. أثار تولى «المقتدر» الخلافة اعتراض كثير من رجال الدولة بسبب صغر سنه، وعدم قدرته على الاضطلاع بشئون الخلافة مع وجود الأقدر منه على تحمل المسئولية، خاصة «عبد الله بن المعتز» الشاعر المعروف بتمام العقل وجودة الرأى، فاتفق رأى عدد منهم على خلع «المقتدر» وتولية «عبدالله بن المعتز»، وكان عمره نحو تسعة وأربعين عامًا، وعندما عرضوا الأمر على «ابن المعتز» وافق بشرط ألا يسفك دم أو تنشب حرب، فأخبروه أن الأمر يُسلَّم إليه عفوًا، وأن جميع من وراءهم من الجند والقواد والكُتَّاب قد رضوا به فبايعهم على ذلك، وتمت البيعة لابن المعتز فى (١٩من ربيع الأول سنة ٢٩٦هـ= نوفمبر سنة ٩٠٨م)، ولقب بالراضى بالله، ولكن أنصار «المقتدر» - وعلى رأسهم «مؤنس الخادم» - لم يرضوا بهذه البيعة، وتوجهوا نحو «ابن المعتز» وأنصاره وقبضوا عليهم وفتكوا بهم وأعادوا تنصيب «المقتدر» فى اليوم التالى لبيعة «ابن المعتز»، الذى لم يمكث فى الخلافة إلا يومًا أو بعض يوم، ولهذا يتجاهله المؤرخون عند ذكرهم قائمة خلفاء «بنى العباس». وقد تدهورت الأوضاع فى عهد «المقتدر»، وانتشرت الفتن وازداد تمزق الدولة، وأصبحت الخلافة نهبًا للطامعين بسبب صغر سنه، وأفلت زمام الأمور من يده، وتحكم النساء والخدم فى شئون البلاد، فكانت «أم المقتدر» وتسمى «شغب» تولِّى من تشاء وتعزل من تشاء، كما كان «مؤنس الخادم» صاحب مكانة متميزة وخطيرة فى عهد «المقتدر». وقد ازداد خطر القرامطة اتساعًا وعنفًا فى عهد «المقتدر»، ووصل مداه سنة (٣١٧هـ= ٩٢٩م)، حينما دخلوا «مكة» بقيادة «أبى طاهر

стр. 318

القرمطى» وقتلوا الحجاج فى المسجد الحرام، واستولوا على الحجر الأسود وأخذوه إلى مركزهم الرئيسى «هَجَر» حتى تم رده إلى مكانه فى عهد «المطيع» سنة (٣٣٩هـ = ٩٥٠م). بداية ظهور الفاطميين: ومن أهم الأحداث فى عهد «المقتدر» بداية ظهور العُبيديين أو الفاطميين فى «شمالى إفريقيا» .. ويرجع الفضل فى قيام «الدولة الفاطمية» إلى «أبى عبدالله الحسين بن أحمد»، المعروف بأبى عبدالله الشيعى، أحد دعاة الفاطميين البارزين فى المغرب وكان يعرف أحيانًا باسم «المحتسب»؛ لأنه كان مراقبًا لأسواق «البصرة» بالعراق قبل انتقاله إلى «المغرب». وقد تمكن «أبو عبدالله الشيعى» من القضاء على «دولة الأغالبة» فى «المغرب»، والاستيلاء على عاصمتهم «رقادة» سنة (٢٩٦هـ= ٩٠٩م)، وتم تنصيب أول إمام من أئمة الفاطميين وهو «عبيد الله المهدى» - وكنيته «أبو محمد» - الذى قيل إنه من سلالة الإمام «الحسين بن على بن أبى طالب». وقد تلقب «عبيدالله المهدى» بأمير المؤمنين، وبنى مدينة «المهدية» عاصمةً له، وانتقل إليها من «رقادة» سنة (٣٠٨هـ= ٩٢٠م)، وقد نجح الفاطميون فى الاستيلاء على «مصر» سنة (٣٥٨هـ= ٩٦٩م)، فى عهد الخليفة الفاطمى «المعز لدين الله». قيام دولة بنى حمدان: ومن الأحداث المهمة التى شهدها عهد «المقتدر» - أيضًا - قيام دولة «بنى حمدان» فى «الموصل»، فقد استمر «أبو الهيجاء عبدالله بن حمدان» يحكم «الموصل» والبلاد التابعة لها من قِبل الخليفة «المكتفى» حتى وفاته سنة (٣١٧هـ= ٩٢٩م)، فورثه ابنه «حسن» الملقب «ناصر الدولة» على ولاية «الموصل»، واستطاع أن يمد سلطانه إلى «ديار ربيعة» و «مضر» بأرض الجزيرة، وقد اتسع نفوذ الحمدانيين وملكهم بعد وفاة الخليفة «المقتدر»، ونجحوا فى بسط سلطانهم على «حلب» و «شمال الشام» سنة (٣٣٣هـ= ٩٤٥م) بقيادة زعيمهم المعروف «سيف الدولة الحمدانى»، الذى قال فيه «المتنبى» أروع قصائد المديح.

стр. 319

وقد أسهم أمراء «بنى حمدان» وفى مقدمتهم «سيف الدولة الحمدانى» فى صد غارات الروم (البيزنطيين) عن مناطق الثغور الإسلامية، وفى رعاية الحركة العلمية والأدبية التى بلغت فى عهدهم مركزًا مرموقًا. وفاة المقتدر بالله: ساءت العلاقة بين «المقتدر بالله» وخادمه «مؤنس الخادم»؛ مما أدى إلى مقتله على يد أنصار «مؤنس» فى أواخر شوال سنة (٣٢٠هـ= ٩٣٢م)، بعد أن ظل فى الحكم خمسًا وعشرين سنة، هى أطول مدة يقضيها خليفة عباسى فى الحكم حتى عصره. ورغم تدهور أحوال البلاد السياسية فى عهد «المقتدر» فإن الحياة العلمية قد شهدت ازدهارًا ملحوظًا فى هذا العصر. وبمقتل «المقتدر» دخل عصر نفوذ الأتراك مراحله الأخيرة. (١٠) القاهر بالله أبو منصور محمد بن المعتضد: تولى الخلافة فى شوال سنة (٣٢٠هـ= ٩٣٢م)، عقب مقتل «المقتدر»، وعمره ثلاث وثلاثون سنة. وقد اتصف «القاهر» بالغلظة وقلة التثبت، ورغم أنه نجح فى التخلص من «مؤنس الخادم»، صاحب النفوذ الأكبر فى عهد «المقتدر»، ومن غيره من أعيان الدولة فإن سوء سياسته كان سببًا فى تدبير الانقلاب عليه والإطاحة به. وقد لعب الوزير المشهور «أبو على بن مقلة» الدور الأساسى فى خلع «القاهر» والتنكيل به، لخوفه منه واعتقاده أنه كان يدبر للقضاء عليه، فهاجم أعوانه الخليفة «القاهر» فى دار الخلافة وقبضوا عليه وسملوا عينيه وعذبوه وأعلنوا خلعه فى الثالث من جمادى الأولى سنة (٣٢٢هـ= ٩٣٤م). ولعل من أبرز التطورات السياسية التى شهدها عهد «القاهر» - رغم قصره - ظهور النفوذ البويهى فى بلاد فارس سنة (٣٢١هـ= ٩٣٣م)، وكان ذلك مقدمة لامتداد نفوذهم إلى «العراق» وسيطرتهم على مقاليد الأمور هناك فى سنة (٣٣٤هـ= ٩٤٥م)، لتبدأ مرحلة جديدة فى تاريخ الخلافة العباسية فى عصرها الثانى، كما سنبين بعد قليل. (١١) الراضى بالله أبو العباس محمد بن المقتدر: بايع الجند «الراضى بالله» فى السادس من جمادى الأولى سنة

стр. 320

(٣٢٢هـ) وعمره خمسة وعشرون عامًا، وقد كان من خيار الخلفاء، فاضلاً سمحًا جوادًا، شاعرًا محبا للعلماء. ورغم ما كان يتحلى به «الراضى» من صفات حميدة فإن أمر الخلافة قد اختل فى عهده اختلالاً خطيرًا، وازداد تمزق الدولة واستفحل نفوذ المتطلعين للسيطرة على زمام الأمور؛ فقد ازداد نفوذ البويهيين فى فارس وتطلعوا للاستيلاء على «العراق»، وتمتع «بنو حمدان» بنفوذ مطلق فى «الموصل» و «ديار بكر» و «ربيعة» و «مضر»، واستقلت «الدولة الإخشيدية» فى «مصر» و «الشام» عن الخلافة العباسية، وكذلك «الدولة السامانية» فى «خراسان» و «ما وراء النهر» بزعامة «نصر بن أحمد السامانى»، وأصبح للأمويين خلافة مستقلة فى «الأندلس» تحت حكم «عبدالرحمن الثالث» الأموى الملقب بالناصر (٣٠٠ - ٣٥٠هـ= ٩١٣ - ٩٦١م)، وسيطر القرامطة بزعامة «أبى طاهر القرمطى» على «البحرين»» و «اليمامة». - ظهور منصب أمير الأمراء: وتدهورت الأوضاع فى أوائل عهد «الراضى» تدهورًا كبيرًا، بسبب عجز الوزراء وازدياد نفوذ كبار القواد وتدخلهم فى شئون الدولة، وكان «محمد بن رائق» والى «واسط» و «البصرة» واحدًا من أبرز هؤلاء القواد وأكثرهم نفوذًا وتأثيرًا، فاختاره الخليفة «الراضى» ليقوم بمهمة إنقاذ الخلافة من التدهور الإدارى الحاد الذى تعانى منه، وأسند إليه منصب «أمير الأمراء» فى عام (٣٢٤هـ= ٩٣٦م). وقد أصبح «محمد بن رائق» بمقتضى هذا المنصب الخطير الذى لم يظهر قبل ذلك على مسرح الأحداث السياسية فى الدولة الإسلامية، القائد الأعلى للجيش، والمسئول عن إدارة شئون الدولة والخراج، وأصدر الخليفة «الراضى» أمرًا بأن يُخطَب لابن رائق على جميع المنابر فى جميع النواحى الخاضعة للخلافة، وبذلك تحولت الخلافة إلى منصب شرفى، وأصبح شاغل منصب «أمير الأمراء» هو الحاكم الفعلى للبلاد؛ مما جعل كبار رجال الدولة أمثال «أبى عبدالله البريدى» صاحب «الأهواز»، و «بَجْكم التركى»، و «ناصر الدولة بن

стр. 321

حمدان» صاحب «الموصل»، و «توزون التركى» رئيس الشرطة وغيرهم، يتصارعون للوصول إليه، حتى جاء البويهيون فسيطروا على زمام الأمور ووضعوا حدا لهذا الصراع. وقد تُوفِّى الخليفة «الراضى بالله» وفاة طبيعية فى (منتصف ربيع الأول سنة ٣٢٩هـ= ديسمبر سنة ٩٤٠م)، بعد أن فقد السيطرة على مقاليد الأمور بصورة تكاد تكون كاملة. (١٢) المتقى لله أبو إسحاق إبراهيم بن المقتدر: تولى الخلافة فى (ربيع الأول سنة ٣٢٩هـ= ديسمبر سنة ٩٤٠م) بتدبير أمير الأمراء «بَجْكم التركى» وكاتبه «أبى عبدالله الكوفى»، وكان عمره حينئذٍ أربعًا وثلاثين سنة. وقد كانت خلافة «المتقى» القصيرة (٣٢٩ - ٣٣٣هـ= ٩٤٠ - ٩٤٤م) سلسلة من الصراع بين كبار رجال الدولة على منصب أمير الأمراء، مما أضاف مزيدًا من الاضطراب والفوضى إلى الأوضاع الداخلية، وفقد «المتقى» سيطرته على زمام الأمور، فقام أمير الأمراء «توزون التركى» بسمل عينيه وخلعه، وبذلك انتهت خلافته فى (صفر سنة ٣٣٣هـ=سبتمبر سنة ٩٤٤م). (١٣) المستكفى بالله وانتهاء عصر نفوذ الأتراك: تمت بيعته بالخلافة فى (صفر سنة ٣٣٣هـ = سبتمبر سنة ٩٤٤) بحضور أمير الأمراء «توزون التركى» وإشرافه، وعمره واحد وأربعون عامًا ولم يكن له أدنى سلطة فى إدارة شئون البلاد، بل استمر زمام الأمور فى يد أمير الأمراء «أبى الوفاء توزون التركى»، وكاتبه «أبى جعفر بن شيرزاد»، وكان من أبرز الأحداث التى شهدتها خلافة «المستكفى بالله» امتداد سلطان الحمدانيين بقيادة «سيف الدولة الحمدانى» على «حلب» و «حمص» اللتين كانتا تحت سيطرة الإخشيديين. وتدهورت الأحوال الداخلية فى عهد «المستكفى» بشكل غير مسبوق؛ مما أدى إلى تطلع البويهيين - أصحاب النفوذ فى بلاد فارس - منذ سنة (٣٢١هـ= ٩٣٣م) إلى بسط سلطانهم على «العراق»، وقد نجحوا فى ذلك سنة (٣٣٤هـ= ٩٤٥م)، لتبدأ مرحلة جديدة فى تاريخ العصر الثانى للخلافة العباسية، عُرفت فيما بعد باسم «عصر نفوذ البويهيين».

стр. 322

الدول التى استقلت عن الخلافة العباسية فى عصر نفوذ الأتراك: لم ينحصر ظهور الحركات الاستقلالية فى عصر نفوذ الأتراك، بل ظهرت هذه الحركات منذ فجر الخلافة العباسية، فاستقل «عبدالرحمن الداخل» بالأندلس سنة (١٣٨هـ= ٧٥٥م) فى عهد «أبى جعفر المنصور»، وقامت «دولة الأدارسة» فى «المغرب الأقصى» على يد «إدريس بن عبدالله»، و «دولة الأغالبة» على يد «إبراهيم بن الأغلب» فى «تونس»، فى عهد «هارون الرشيد». وفى خلافة «المأمون» تأسست «الدولة الطاهرية» فى «خراسان» على يد «طاهر بن الحسين» قائد «المأمون» المشهور، وكانت دولتا الأغالبة، والطاهرية تدينان بالولاء الأسمى للخليفة العباسى، وقد مرت إشارات سريعة إلى الدول التى استقلت عن الخلافة فى عصر نفوذ الأتراك وهى: «الدولة الصفَّارية»، و «السامانية» و «الطولونية» و «الإخشيدية» و «الحمدانية» و «دولة القرامطة»، و «الدولة الفاطمية»، و «البويهية». وفيما يلى نبذة مختصرة عن أهم هذه الدول: ١ - الدولة الصفارية (٢٥٤ - ٢٨٩هـ= ٨٦٨ - ٩٠٢م): أسسها «يعقوب بن الليث الصفَّار» فى بلاد «فارس» و «خراسان» على أنقاض «الدولة الطاهرية»، فى عهد «المعتز بالله» (٢٥٢ - ٢٥٥هـ) بعد أن أظهر كفاءة ملحوظة فى محاربة الخارجين على الخلافة والتخلص من الطاهريين بإذن من الخليفة العباسى «المعتز بالله». واستطاع «يعقوب بن الليث» أن يضم إلى «الدولة الصفارية» كثيرًا من الأماكن التى استطاع السيطرة عليها فى بلاد «فارس» و «خراسان» وأعلن ولاء دولته - فى البداية - للخلافة العباسية. وعندما تولى «المعتمد على الله» الخلافة، أصر أخوه «الموفق» على أن يكون ولاء «الدولة الصفارية» للخلافة ولاءً تاما لا صوريا، إلا أن «يعقوب بن الليث» رفض ذلك، وتدهورت العلاقة بين الطرفين، وهدد «يعقوب» بدخول عاصمة الخلافة وبسط سلطانه عليها، مما أدى إلى حدوث صدام مسلح بين «الدولة الصفارية»، والخلافة فى

стр. 323

منطقة «واسط» بالعراق، وكان لظهور الخليفة العباسى «المعتمد» على رأس جيش الخلافة أثر كبير فى هزيمة «يعقوب بن الليث»، ورغم هزيمته فقد استمر فى تحدى الخلافة ورفض التفاهم معها حتى تُوفى فى «جنديسابور» سنة (٢٦٥هـ= ٨٧٩م) ثم تولى رئاسة «الدولة الصفارية» بعد وفاة «يعقوب بن الليث» أخوه «عمرو بن الليث»، الذى كان حريصًا على كسب ود الخلافة حتى يؤكد سلطانه الروحى فى بلاده، فاعترف به الخليفة «المعتمد» واليًا على «خراسان» و «السِّند» و «سجستان» و «كرمان» و «فارس» و «أصبهان»، وعندما تولى «المعتضد» الخلافة بعد وفاة عمه «المعتمد» أقر «عَمْرًا» على ما فى يده. وقد نشط «عمرو» فى توسيع حدود دولته وتطلع إلى غزو بلاد «ما وراء النهر»، حيث «الدولة السامانية»، وعبر نهر «جيحون» ولكن السامانيين تصدوا له بقيادة زعيمهم «إسماعيل بن أحمد السامانى» وهزموه، وأخذوه أسيرًا إلى الخليفة «المعتضد» الذى سجنه حتى مات فى سجنه سنة (٢٨٧هـ= ٩٠٠م)، وقد تولى زعامة الصفاريين بعد هزيمة «عمرو» وأسره حفيده «طاهر بن محمد بن عمرو»، ولكن أحوال الصفاريين تدهورت بشدة خلال هذه الفترة نتيجة الهجمات المتلاحقة التى شنها عليهم السامانيون، وسقطت دولتهم سنة (٢٨٩هـ= ٩٠٢م). وقد لاحظ المؤرخون أن قادة هذه الدولة اتبعوا فى حياتهم مبدأ العدالة والمساواة والأخوة، والبعد عن مظاهر الترف، فكانت حياة رئيس الدولة لا تكاد تختلف فى مظهرها عن حياة أحد جنوده، وكان العطاء يوزع بالإنصاف والعدل، وقد ازدهر اقتصاد الدولة نتيجة البعد عن إنفاق الأموال فى غير وجوهها، فيروى أن «يعقوب ابن الليث» ترك فى خزانة الدولة عند وفاته ثمانين مليون دينار وخمسين مليون درهم، ولكن يؤخذ عليه اعتداده بقوته وطاعة جنده فتمرد على الخلافة وحاول الاستقلال عنها؛ مما زعزع ثقتها به وكان له آثاره السلبية فى تماسك الدولة واستمرارها. ٢ - الدولة السامانية [٢٦١ - ٣٨٩هـ= ٨٧٥ - ٩٩٩م]:

стр. 324

ظهر السامانيون على المسرح السياسى لدولة الخلافة العباسية فى عصر الخليفة «المأمون» (١٩٨ - ٢١٨هـ= ٨١٣ - ٨٣٣م)، وسموا بذلك نسبة إلى قرية «سامان» القريبة من «سمرقند»؛ حيث كانوا يتوارثون إمارتها، ويسمى أميرهم «سامان خداه»، أى كبير قرية «سامان» وصاحبها. وقد اعتنق أحد السامانيين الإسلام أثناء خلافة الأمويين، وسمى ابنه «أسدًا»، كاسم حاكم «خراسان» فى عهد «هشام بن عبدالملك»، واسمه «أسد بن عبدالله القسرى». وطال العمر بأسد السامانى حتى أدرك «المأمون»، فذهب إليه فى «مرو»، قبل انتقاله إلى «بغداد» (فى الفترة من سنة ١٩٣هـ= ٨٠٩م إلى سنة ٢٠٢هـ = ٨١٧م)، ومعه أبناؤه الأربعة: «نوح» و «أحمد»، و «إلياس»، و «يحيى»، فاحتفى بهم «المأمون» وألحقهم بخدمته. وبعد انتقال «المأمون» إلى «بغداد» أمر بإسناد عمل إلى كل واحد من أبناء «أسد السامانى»، فتم إسناد حكم «سمرقند» إلى «نوح»، وحكم «فرغانة» إلى «أحمد»، وحكم «الشاش» إلى «يحيى»، وحكم «هراة» إلى «إلياس»، فكان هذا مقدمة لتمكن نفوذ السامانيين فى هذه المناطق المعروفة باسم «بلاد ما وراء النهر» (نهر جيحون) .. وقد برز «أحمد بن أسد» حاكم «فرغانة» على إخوته، وكان له سبعة أبناء هم «نصر» و «يحيى» و «يعقوب» و «إسماعيل» و «إسحاق» و «أسد» و «حميد»، وعند وفاته سنة (٢٥٠هـ= ٨٦٤م) حل محله ابنه الأكبر «نصر»، ودان له باقى إخوته بالطاعة والولاء. وفى سنة (٢٦١هـ= ٨٧٥م) حدَث التحول الحاسم فى تاريخ السامانيين، حينما أسند الخليفة «المعتمد على الله» ولاية جميع بلاد «ما وراء النهر» إلى «نصر بن أحمد بن أسد السامانى»، فأقام «نصر» فى «سمرقند»، وعين أخاه «إسماعيل» نائبًا عنه ببخارى وعهد إلى كل أخ من إخوته الباقين بحكم إحدى الولايات، مما يمكن معه اعتبار عام (٢٦١هـ= ٨٧٥م) بداية تكوُّن «الدولة السامانية». وعقب وفاة «نصر بن أحمد» فى «سمرقند» عام (٢٧٩هـ= ٨٩٢م) ضم

стр. 325

أخوه «إسماعيل» «سمرقند» إلى ملكه، وأصبح هو الحاكم الأعلى لكل بلاد «ما وراء النهر»؛ لذلك يرى بعض المؤرخين أن «إسماعيل بن أحمد بن أسد السامانى» هو المؤسس الحقيقى للدولة السامانية؛ حيث خضع له سائر الأمراء السامانيين، ووسع حدود الدولة، فضم لها «خراسان» ومعظم البلاد التى كانت خاضعة لنفوذ «الدولة الصفارية»، وبلغت «الدولة السامانية» قمة مجدها فى عهده (من ٢٧٩ - ٢٩٥هـ= ٨٩٢ - ٩٠٨م) ثم فى عهد حفيده «نصر بن أحمد بن إسماعيل» (٣٠١ - ٣٣١هـ= ٩١٣ - ٩٤٣م) وبدأت «الدولة السامانية» تتدهور منذ عهد «نوح بن نصر» (٣٣١ - ٣٤٣هـ= ٩٤٣ - ٩٥٤م)، حتى سقطت فى يد الغزنويين سنة (٣٨٩هـ= ٩٩٩م) .. وقد كانت «الدولة السامانية» ملتزمة بمذهب أهل السنة، وكانت علاقتها بالخلافة العباسية علاقة احترام وإجلال؛ حيث كان أمراؤها يعدون أنفسهم نوابًا عن الخليفة. وقد ازدهرت الحياة العلمية فى عصر السامانيين، وكانت «بخارى»، و «سمرقند» تنافسان «بغداد» فى مكانتها العلمية والأدبية، بسبب تشجيع الأمراء السامانيين للعلم وحبهم للعلماء، فقد سمح الأمير السامانى «أبو القاسم نوح بن منصور» (نوح الثانى) لابن سينا باستخدام مكتبة قصره، كما قام الطبيب والفيلسوف المشهور «أبو بكر الرازى» (٢٥١ - ٣١٣هـ= ٨٦٥ - ٩٢٥م) بإهداء كتابه المعروف فى الطب «المنصورى» إلى الأمير السامانى «أبى صالح منصور بن إسحاق» أمير «سجستان». وقد شهد الأدب الفارسى أيضًا عصره الذهبى خلال حكم السامانيين، وعاش الشاعر الفارسى المعروف «الفردوسى» شطرًا من حياته فى عصر «الدولة السامانية». ٣ - دولة بنى حمدان فى الموصل وحلب (٢٩٣ - ٣٩٢هـ= ٩٠٦ - ١٠٠٢م): ينتمى الحمدانيون إلى «حمدان بن حمدون بن الحارث» من قبيلة «تغلب»، وقد ظهر نفوذ «حمدان» فى شمال «العراق» سنة (٢٥٤هـ) أثناء خلافة «المعتز بالله»، وتعاون مع خوارج الجزيرة فى شمال «العراق»، واستطاع أن يسيطر على بعض المواقع الحصينة هناك،

стр. 326

وأهمها «قلعة ماردين»، ولكن الخليفة «المعتضد بالله» استطاع استردادها، وقبض على «حمدان» وسجنه. تعهد «حسين بن حمدان» بالطاعة والولاء للخليفة «المعتضد» وساعده فى حربه ضد الخوارج حتى هزمهم، فقربه الخليفة وعفا عن والده «حمدان بن حمدون». وفى خلافة «المكتفى بالله» (٢٨٩ - ٢٩٥هـ= ٩٠٢ - ٩٠٨م) تعاظمت مكانة «حسين بن حمدان» وقام بدور بارز فى الحرب ضد القرامطة وفى الحملة التى جهزها العباسيون لاسترداد «مصر» من يد الطولونيين فى سنة (٢٩٢هـ= ٩٠٥م). وقد شارك «حسين بن حمدان» فى المؤامرة الفاشلة التى دبرها أنصار «ابن المعتز» لخلع «المقتدر»، وهرب حتى عفا عنه «المقتدر» وأسند إليه ولاية بعض البلاد وأهمها «ديار ربيعة» بالجزيرة سنة (٢٩٨هـ= ٩١١م)، إلا أنه حدث بينه وبين «على بن عيسى» وزير «المقتدر» نزاع انتهى بالقبض عليه، وقتله فى سجنه سنة (٣٠٦هـ= ٩١٨م) .. ورغم أن «حسين بن حمدان» كان من أعظم الأمراء بأسًا وشجاعة، وكان أول من ظهر أمره من ملوك «بنى حمدان» فإن أخاه «أبا الهيجاء عبدالله بن حمدان» كان أعمق تأثيرًا وأوسع نفوذًا فى تاريخ الأسرة الحمدانية، وقد ولاه الخليفة «المكتفى» إمارة «الموصل» وتوابعها سنة (٢٩٣هـ= ٩٠٦م)، ويعد «أبو الهيجاء عبدالله بن حمدان» المؤسس الحقيقى لمملكة الحمدانيين فى «الموصل»، التى ظل حاكمًا لها إلى أن قتل سنة (٣١٧هـ= ٩٢٩م) عقب اشتراكه فى المؤامرة الفاشلة لخلع الخليفة «المقتدر»، وقد خلفه ابنه «حسن» الملقب بناصر الدولة، واستطاع أن يمد سلطانه على أقاليم الجزيرة الثلاثة: «ديار ربيعة»، و «ديار مضر» و «ديار بكر»، بإذن من الخليفة «الراضى»، حتى أقعدته الشيخوخة، فخلفه على الحكم ابنه «فضل الله أبو تغلب الغضنفر» سنة (٣٥٣هـ= ٩٦٤م) .. وقد دخل «ناصر الدولة» وابنه «أبو تغلب الغضنفر» فى صراع طويل مع البويهيين، أصحاب السلطة فى «العراق» منذ سنة (٣٣٤هـ =

стр. 327

٩٤٥م)، وانتهى هذا الصراع بهزيمة «أبى تغلب الغضنفر» أمام «عضد الدولة البويهى» سنة (٣٦٨هـ= ٩٧٩م)، وانتهت بذلك مملكة الحمدانيين فى «الموصل» و «الجزيرة». أما «الدولة الحمدانية» فى «حلب»، فقد أسسها «على بن أبى الهيجاء عبدالله بن حمدان»، الملقب بسيف الدولة؛ حيث استطاع بمعاونة أخيه الأكبر «ناصر الدولة» انتزاع «حلب» من الإخشيديين سنة (٣٣٣هـ= ٩٤٤م)، ثم استطاع بعد ذلك أن يبسط سلطانه على «حمص» و «قنسرين» و «العواصم» وبعض بلاد «الجزيرة» سنة (٣٣٦هـ= ٩٤٧م) .. وقد قام «سيف الدولة الحمدانى» بمهمة جليلة أثناء حكمه الذى استمر حتى سنة (٣٥٦هـ= ٩٦٧م)، وهى حماية حدود دولة الخلافة من غارات الروم (البيزنطيين) المتواصلة، بعد أن ضعفت الخلافة المركزية عن القيام بهذه المهمة المقدسة. وكان «سيف الدولة الحمدانى» أديبًا شاعرًا، فجمع حوله العلماء والأدباء، مثل «أبى نصر الفارابى»، و «ابن خالويه»، و «أبى الطيب المتنبى»، و «أبى فراس الحمدانى» و «ابن نباتة» و «السَّرىّ الرَّفَّاء»، وغيرهم. وتُوفِّى «سيف الدولة» سنة (٣٥٦هـ= ٩٦٧م)، وخلفه فى الحكم ابنه «أبو المعالى شريف» المعروف بسعد الدولة، وضعفت فى عهده سلطة الحمدانيين فى «الشام»؛ لكثرة الضغوط التى تعرض لها من البيزنطيين والبويهيين فى «العراق»، والفاطميين فى «مصر» بغرض الاستيلاء على «الشام». وتُوفِّى «سعد الدولة» سنة (٣٨١هـ= ٩٩١م)، وتولَّى بعده ابنه «أبو الفضائل سعيد الدولة»، الذى تعرض لضغوط الفاطميين المتزايدة لضم «الشام» إلى «مصر»، فتحالف مع البيزنطيين لصد هجمات الفاطميين عليه، ثم انتهت إمارته بمقتله سنة (٣٩٢هـ= ١٠٠٢م) على يد وزيره «لؤلؤ الحاجب»، وانتهت بذلك «الدولة الحمدانية» فى «الشام» الذى أصبح خاضعًا لسلطان الفاطميين. وقد كان الحمدانيون يميلون إلى التشيع، وكانت علاقتهم بالخلافة العباسية تتأرجح بين الرضا، والسخط، والتوجس. ٤ - دولة بنى بويه قبل انتقالها إلى بغداد:

стр. 328

ينتسب البويهيون إلى «أبى شجاع بويه» الذى نشأ فى «بلاد الديلم» التى تقع جنوبى غربى «بحر قزوين» أو «بحر الخزر» بين منطقتى «طبرستان» و «الجبال». وكانت هذه البلاد معقلاً لنفوذ العلويين، فانتشر فيها التشيع. ورغم أن «أبا شجاع بويه» كان فقيرًا فإنه كان يتحلى بروح المغامرة والشجاعة، كما تشرب الروح الشيعية التى كانت سائدة فى «بلاد الديلم». وقد انضم «أبو شجاع» إلى العلويين فى صراعهم مع السامانيين، ومع ذلك فلم يكن هو المؤسس الحقيقى لأسرة «بنى بويه»، وإنما كان أبناؤه الثلاثة «على»، و «حسن»، و «أحمد» هم الذين قاموا بذلك، فقد التحق أبناؤه بخدمة «ماكان بن كاكى» أحد القواد البارزين المناصرين للداعية الشيعى «الحسن بن على»، الملقب بالأطروش، وأبرزوا تميزًا فى خدمته فارتقوا من مرتبة الجنود إلى رتبة القادة، ثم حدث صراع بين «ماكان» و «مرداويج بن زيار» أحد القادة الفرس فى منطقة «الديلم»، وأحس أبناء «بويه» أن كفة «مرداويج» هى الراجحة فى هذا الصراع، فانضموا إليه، فيما بين عامى (٣١٦و٣١٧هـ= ٩٢٨ و ٩٢٩م)، وكان ذلك بداية تمكن نفوذهم فى فارس والمناطق المحيطة بها. وقد ظهر «بنو بويه» - أو البويهيون - على مسرح الأحداث فى أواخر عصر نفوذ الأتراك، فبدءوا منذ عام (٣٢١هـ= ٩٣٣م) يؤسسون لأنفسهم مناطق نفوذ تخضع لسيطرتهم التامة، فاستولوا على «فارس»، و «شيراز» و «أصبهان»، و «الرى»، و «همذان» و «الكرج» و «كرمان»، وأغراهم ذلك على التطلع إلى مد نفوذهم إلى «العراق» موطن الخلافة العباسية. وقد ساعدهم على ذلك تضاؤل النفوذ التركى، واشتداد الصراع على منصب «أمير الأمراء» الذى ابتدعه الخليفة «الراضى بالله» سنة (٣٢٤هـ= ٩٣٦م)، مما أدى إلى تمزق الكلمة وضعف الجبهة التى يمكن أن تحمى دار الخلافة فلم يجد «أحمد بن بويه» أى صعوبة فى دخول «بغداد» والسيطرة عليها بدون قتال فى (الحادى عشر من جمادى الأولى سنة٣٣٤هـ = يناير سنة ٩٤٦م) ..

стр. 329

الفصل الخامس *عصر نفوذ البويهيين [٣٣٤ - ٤٤٧ هـ = ٩٤٥ - ١٠٥٥م] عندما دخل «أحمد بن بويه» «بغداد» فى جمادى الأولى سنة (٣٣٤هـ = ديسمبر سنة ٩٤٥م) كان «المستكفى بالله» هو الخليفة العباسى، ولم يكن أمامه إلا أن يظهر الترحيب به، بل إنه زاد على ذلك فخلع عليه الخُلَع ولقبه «معز الدولة»، كما لقَّب أخاه «عليا» «عماد الدولة»، وأخاه «الحسن» «ركن الدولة»، وأمر بأن تُضرَبَ ألقابهم وكُناهم على الدنانير والدراهم، وكان «على بن بويه» حاكمًا لإقليم «فارس»، و «الحسن ابن بويه» حاكمًا لعدة أقاليم أهمها «الرى»،و «الجبل»،و «أصفهان»، فى حين دخل أخوهم الأصغر «أحمد» «بغداد». وقد تدهورت أحوال «الخلافة العباسية»، واندثرت معالمها من الناحية الواقعية حينما سيطر البويهيون على «بغداد»، فقد جردوا الخليفة من كل سلطاته، وعدُّوه مجرد موظف مهمته إضفاء صفة الشرعية على سلطانهم لدى جماهير المسلمين، فحددوا له راتبه، وسلبوه حقه فى تعيين الوزراء، وسمحوا له بأن يتخذ كاتبًا (سكرتيرًا) فقط يشرف على أمواله. ورغم أن البويهيين كانوا شيعة، فإنهم لم يسقطوا الخلافة العباسية السُنِّية فى «بغداد»، ليحلوا محلها خلافة علوية شيعية تتفق مع مذهبهم، وسبب ذلك علمهم أن وجود خليفة من العلويين يهدد ملكهم وسلطانهم، وليس الأمر كذلك مع الخليفة السنِّى الذى يستطيعون هم أن يفعلوا به ما يشاءون. وقد برهن سلوك البويهيين مع الخليفة «المستكفى» على صدق ذلك، فقبل مرور شهر على دخولهم «بغداد» دخل «معز الدولة أحمد بن بويه» على الخليفة «المستكفى»، فوقف الناس حسب مراتبهم، فتقدم اثنان من الديلم - وهم قوم «معز الدولة» - فمدَّ الخليفة يده إليهما ظنا منه أنهما يريدان تقبيلها، فجذباه وطرحاه أرضًا، وجرَّاه بعمامته، ثم هجم «الديلم» على دار الخلافة ونهبوها، وسار «معز الدولة» إلى منزله، وساقوا الخليفة «المستكفى» ماشيًا إليه، ثم انتهت هذه المأساة بخلع «المستكفى» وسمل عينيه.

стр. 330

وإذا استبعدنا خلافة «المستكفى»، فإننا نجد أن الخلفاء الذين شهدوا عصر نفوذ البويهيين كانوا أربعة هم: ١ - المطيع لله «أبو القاسم الفضل بن المقتدر بن المعتضد» [٣٣٤ - ٣٦٣هـ = ٩٤٥ - ٩٧٤م]. ٢ - الطائع لله «أبو بكر عبدالكريم بن المطيع» [٣٦٣ - ٣٨١هـ= ٩٧٤ - ٩٩١م]. ٣ - القادر بالله «أبو العباس أحمد بن إسحاق بن المقتدر» [٣٨١ - ٤٢٢ هـ= ٩٩١ - ١٠٣١م]. ٤ - القائم بأمر الله «أبو جعفر عبدالله بن القادر» [٤٢٢ - ٤٦٧هـ= ١٠٣١ - ١٠٧٥م]. أولاً: خلافة المطيع لله: بعد أن أمر «معز الدولة أحمد ابن بويه» بخلع «المستكفى» فى (جمادى الآخرة سنة ٣٣٤هـ= ٩٤٥م)، أحضر «أبا القاسم الفضل ابن المقتدر» وبايعه بالخلافة، ولقَّبه بالمطيع لله، وعمره - حينئذٍ- أربع وثلاثون سنة، وحدد له «معز الدولة» راتبًا مائة دينار فى اليوم. وقد شهدت خلافة «المطيع» أحداثًا كثيرة، أولها: نشوب الصراع بين البويهيين فى «بغداد» بزعامة «معز الدولة» (أحمد بن بويهـ)، وبين الحمدانيين فى «الموصل» بزعامة «ناصر الدولة» (الحسين بن عبداللهـ)، وقد استمر هذا الصراع طويلاً فى محاولة كل منهما الإطاحة بالآخر، وفى (المحرم سنة ٣٣٥هـ = أغسطس سنة ٩٤٦م) تم الصلح بين «معز الدولة البويهى» وبين «ناصر الدولة الحمدانى» على أن يدفع «ناصر الدولة» الخراج للبويهيين فى «بغداد» كل عام. وفى سنة (٣٣٦هـ= ٩٤٧م) استطاع «معز الدولة» أن يستولى على «البصرة» بعد هروب صاحبها «أبى القاسم عبدالله بن أبى عبدالله البريدى» إلى القرامطة فى «هجر». وجدير بالذكر أن «معز الدولة» كان نائبًا فى «بغداد» عن أخيه الأكبر «عماد الدولة» (على بن بويهـ) فى «فارس»، ثم عن أخيه الأوسط «ركن الدولة» (الحسن بن بويهـ)، عقب وفاة «عماد الدولة». ورغم أن الخليفة العباسى كان تحت سيطرة البويهيين فإنهم كانوا يخضعون له من الناحية الشكلية فقط. وقد حاول البويهيون صبغ «العراق» بمذهبهم الشيعى، واتخذ «معز

стр. 331

الدولة» فى سبيل ذلك خطوات بالغة الخطورة أسهمت فى إثارة عوامل الفتنة والاضطراب داخل مجتمع «العراق»؛ ففى (ربيع الآخر سنة ٣٥١= مايو سنة ٩٦٢م) أصدر «معز الدولة» أمرًا بأن يُكتَب على المساجد لَعْنُ «معاوية بن أبى سفيان» وغيره من الصحابة كأبى بكر و «عمر»؛ حيث يتهمهم الشيعة بإساءة معاملتهم وغصبهم حقوقهم، ولم يستطع الخليفة العباسى منع ذلك، وفى العاشر من (المحرم سنة ٣٥٢هـ= يناير سنة ٩٦٣م) أصدر «معز الدولة» أمرًا بتوقف الناس عن البيع والشراء فى ذلك اليوم، وإظهار البكاء والعويل، وأمر النساء أن يخرجن حاسرات الرءوس قد شققن ثيابهن وهن يلطمن الوجوه على «الحسين ابن على بن أبى طالب» فى ذكرى استشهاده بكربلاء، وكان هذا أول يوم يحدث فيه ذلك ببغداد، ولم يستطع الخليفة وأهل السنة أن يمنعوا ذلك لكثرة الشيعة ومناصرة السلطان «معز الدولة» لهم. وقد أحدثت هذه المظاهر الشاذة آثارها السيئة بين الناس، ففى العاشر من (المحرم سنة ٣٥٣هـ= يناير سنة ٩٦٤م) - على سبيل المثال - تم إغلاق الأسواق فى «بغداد»، وفعل الناس ما تقدم ذكره، فثارت فتنة عظيمة بين الشيعة والسنة، أُصيب فيها كثيرون ونُهبت الأموال، وجدير بالذكر أن هذه الممارسات التى شجعها البويهيون ماتزال آثارها موجودة حتى الآن. ومن أهم ما سجله «معز الدولة» من انتصارات: تخليص «عُمان» فى (ذى الحجة سنة ٣٥٥هـ = نوفمبرسنة ٩٦٦م) من يد القرامطة الذين كانوا قد استولوا عليها وعاثوا بها فسادًا، فأصبحت بذلك ضمن مملكة البويهيين. ظل «معز الدولة» اثنين وعشرين عامًا يدير الأمور فى «بغداد»، حتى تُوفِّى فى الثالث عشر من (ربيع الآخر سنة ٣٥٦هـ= مارس سنة ٩٦٧م)، فتولى ابنه «بختيار» إمارة «العراق» بعهد منه، ولُقب «عز الدولة». وقد قدم «عز الدولة» صورة صارخة لانصرافه عن المهام الكبرى واهتمامه بملذاته الشخصية، فقد أنفق وقته فى اللهو والتسلية

стр. 332

وعِشرة النساء والاستماع إلى الغناء، واستولى على أموال كبار رجال الدولة وعلى رأسهم الخليفة فى سبيل ذلك. ففى سنة (٣٦١هـ= ٩٧٢م) هاجم الروم ثغور «الجزيرة» ومن بينها «الرها» و «نصيبين»، فأحرقوا البلاد وخربوها وغنموا وسلبوا ما استطاعوا ولم يجدوا من يردعهم بعد وفاة «سيف الدولة الحمدانى» سنة (٣٥٦هـ= ٩٦٧م)، فسار جماعة من أهل «الجزيرة» إلى «بغداد» لاستنفار المسلمين ضد الروم، فاستعظم الناس ذلك، وتوجهوا إلى «عز الدولة بختيار»، وأنكروا عليه انشغاله باللهو والصيد عن جهاد الروم الذين انتهكوا حرمة دار الإسلام، فوعدهم بالإعداد لغزوهم، واتصل بالخليفة «المطيع لله» يطلب منه المال ليجهز به المسلمين للغزو، ولكن «المطيع لله» أجابه بقوله: «إن الغَزاة والنفقة عليها، وغيرها من مصالح المسلمين تلزمنى إذا كانت الدنيا فى يدى، وتُجبَى إلىَّ الأموال، وأما إذا كانت حالى هذه فلا يلزمنى شىء من ذلك، وإنما يلزم مَن البلاد فى يده، وليس لى إلا الخطبة، فإن شئتم أن أعتزل فعلت»، فهدد «بختيار» الخليفة «المطيع» واضطره إلى دفع أربعمائة ألف درهم، فلما قبضها «عز الدولة» صرفها فى مصالحه وملذاته!. ونتيجة لسوء طبع بختيار واضمحلال شخصيته، بدأت أسباب الشقاق والفتنة تظهر بين البويهيين، فقد حاول ابن عمه «ركن الدولة» والملقب فيما بعد «عضد الدولة» انتزاع «العراق» من «بختيار» ولكن والده «ركن الدولة» اعترض على ذلك، فاضطر «عضد الدولة» إلى تأجيل ذلك إلى ما بعد وفاة والده. ولعل من أخطر الأحداث التى شهدتها خلافة «المطيع لله» سيطرة الفاطميين على «مصر» سنة (٣٥٨هـ= ٩٦٩م) وكانت «مصر» حينئذٍ تحت حكم الإخشيديين الذين كانوا يخضعون للخليفة العباسى من الناحية الشكلية، فلما دخلها القائد الفاطمى «جوهر الصقلى» فى (شعبان سنة ٣٥٨هـ= يونيو سنة ٩٦٩م)، شرع فى بناء مدينة «القاهرة»؛ لتصبح عاصمة للفاطميين، كما بنى الجامع الأزهر سنة

стр. 333

(٣٦١هـ= ٩٧٢م)، وظل حاكمًا لمصر نيابة عن مولاه «المعز لدين الله» حتى سنة (٣٦٢هـ= ٩٧٣م)، حين قدم «المعز» إلى «مصر» فى رمضان من هذه السنة، فقام بالأمر وأصبحت «مصر» منذ ذلك الوقت مقرا للخلافة الفاطمية الشيعية حتى سنة (٥٦٧هـ= ١١٧٢م). ظل «المطيع لله» فى الخلافة ما يقرب من «ثلاثين عامًا»، حتى أُصيب بالفالج - وهو الشلل النصفى - فى أواخر حياته فتعذرت حركته وثقل لسانه، مما دعا «سُبُكْتكين»، حاجب «عز الدولة بختيار» إلى أن يطلب منه خلع نفسه وتسليم الخلافة إلى ابنه «عبدالكريم»، فتم ذلك فى (١٣من ذى القعدة سنة ٣٦٣هـ= يوليو سنة ٩٧٤م)، ولقب «عبدالكريم» بالطائع لله. ثانيًا: خلافة الطائع لله (٣٦٣ - ٣٨١هـ= ٩٧٤ - ٩٩١م). تولى «الطائع لله» الخلافة فى (ذى القعدة سنة ٣٦٣هـ= يوليو سنة ٩٧٤م) وعمره ثلاث وأربعون سنة، وقد تُوفِّى والده «المطيع لله» بعد ذلك بفترة قصيرة، فى (سنة المحرم سنة ٣٦٤هـ= سبتمبر ٩٧٤م). فى بداية خلافة «الطائع لله» حدثت الفتنة بين «عضد الدولة بن ركن الدولة»، وابن عمه «بختيار بن معز الدولة»، فقد شجع «عضد الدولة» جند «بختيار» على الثورة عليه ووعدهم بالإحسان إليهم والنظر فى أمورهم، فثار عليه الجند وتم القبض على «بختيار» وحبسه فى (جمادى الآخرة سنة ٣٦٤هـ= فبراير سنة ٩٧٥م)، وأصبحت «بغداد» و «العراق» تحت سلطان «عضد الدولة» .. وقد عز على «ركن الدولة» أمير أمراء البيت البويهى ووالد «عضد الدولة» أن يتصرف ابنه «عضد الدولة» مع ابن أخيه «بختيار» بهذه الصورة، فكتب إلى أنصار «بختيار» يساندهم ويأمرهم بالثبات والصبر ويعرفهم أنه عازم على المسير إلى «العراق» لإخراج «عضد الدولة» وإعادة «بختيار»، فانصرف أنصار «عضد الدولة» عنه واضطر إلى الإذعان لإرادة أبيه، فأخرج «بختيار» من سجنه ورد إليه ما سلبه من سلطانه، وعاد إلى «فارس» فى (شوال سنة ٣٦٤هـ= يونيو سنة ٩٧٥م)، وكان الخليفة «الطائع لله» مسلوب الإرادة خلال

стр. 334

هذه الفتنة، لاحول له ولا قوة. وقد قسم «ركن الدولة» ملكه بين أولاده فى (جمادى الأولى سنة ٣٦٥هـ= يناير سنة ٩٧٦م) فجعل لابنه «عضد الدولة» ملك البلاد من بعده، ولولده «فخر الدولة» (أبى الحسن على) «همدان» وأعمال «الجبل»، ولولده «مؤيد الدولة» (أبى منصور بويهـ) «أصبهان» وأعمالها، وجعلهما تحت رئاسة أخيهما «عضد الدولة»، وأوصاهم بالاتفاق وترك التنازع. وفى (المحرم سنة ٣٦٦هـ= أغسطس سنة ٩٧٦م) تُوفِّى «ركن الدولة» فأصبح ابنه «عضد الدولة» زعيم البويهيين بلا منازع. وفى العام نفسه حشد «عضد الدولة» جنوده لغزو «العراق»، وكان «بختيار» ووزيره «أبو طاهر محمد بن محمد بن بقية» يعلمان نيات «عضد الدولة» فحاولا استمالة كبار الأمراء من حكام الأقاليم المختلفة، مثل «فخر الدولة بن ركن الدولة»، و «أبى تغلب بن حمدان» وغيرهما، وحدثت بعض المعارك بين جيوش «عضد الدولة» وجيوش «بختيار» سنة (٣٦٦هـ= ٩٧٦م) انتهت بهزيمة «بختيار» وفراره من «بغداد» إلى «الموصل» حيث تحالف مع واليها «أبى تغلب بن حمدان» ضد «عضد الدولة»، فسار إليهما «عضد الدولة» وهزمهما بالقرب من «تكريت» فى (شوال سنة ٣٦٧هـ= مايو سنة ٩٧٨م) وأسر «بختيار» وقتله، وضم مملكة الحمدانيين فى «الموصل» و «الجزيرة» إلى أملاكه، واتخذ «العراق» مقرا لحكمه. اهتم «عضد الدولة» بدعم سلطانه وتوسيع أملاكه؛ ففى سنة (٣٦٨هـ= ٩٧٨م) فتح «ميَّافارقين» و «آمد» و «ديار بكر»، و «ديار مضر» منهيًا بذلك نفوذ «أبى تغلب ابن حمدان» فى بلاد «الجزيرة». وفى عام (٣٦٩هـ= ٩٧٩م) استولى على الأقاليم الخاضعة لأخيه «فخر الدولة» بسبب وقوفه إلى جانب «بختيار»، فاستولى على «همدان» و «الرى» وما بينهما من البلاد، وعين عليها أخاه «مؤيد الدولة» نائبًا عنه فى حكمها، وفى سنة (٣٧١هـ= ٩٨١م) ضم إلى نفوذه بلاد «جرجان» و «طبرستان» بعد أن أجلى عنها صاحبها «قابوس ابن أبى طاهر» و «شمكير» (أحد أمراء آل زيار)، فتعاظم بذلك نفوذ

стр. 335

«عضد الدولة» وذاع صيته وتمكنت هيبته، وكان أول من خوطب بشاهنشاه فى الإسلام، وأول من خُطب له على منابر «بغداد» بعد الخلفاء. وقد كان لعضد الدولة إنجازات حضارية بالإضافة إلى أمجاده الحربية، فبعد دخوله «بغداد» بدأ فى عمارتها، كما أمر بإخراج أموال الصدقات وتسليمها للقضاة وأعيان الناس، لإعانة من يستحق، وبدفع أموال للعاطلين الذين يتعذر عليهم الحصول على العمل، بما يكفى احتياجاتهم، ثم يردونها بعد ذلك إذا عملوا. كما اهتم «عضد الدولة» بالعلم والعلماء، وأغدق عليهم العطاء وأحاطهم بمظاهر التكريم، وقد كان مجلسه منتدى للعلماء، تدور فيه المناقشات الدقيقة فى فروع العلم المختلفة، وكان يشترك مع العلماء فى هذه المناقشات ويعارضهم فى المسائل، ومن أبرز هؤلاء العلماء «أبو على الفارسى» الذى صنَّف له كتاب «الإيضاح» و «التكملة» فى النحو، وكان «عضد الدولة» يقول: «أنا غلام أبى على فى النحو»، ومنهم أيضًا «أبو إسحاق الصابى» الذى صنف لعضد الدولة كتاب «التاجى فى أخبار بنى بويه». وكان «عضد الدولة» يحب الشعر ويطرب له، ويقرضه أحيانًا، ويغمر الشعراء بفيض كرمه وجزيل عطائه، فقصده عدد من فحول الشعراء فى عصره، وكتبوا فيه أروع قصائد المديح، وفى مقدمتهم «أبو الطيب المتنبى» سنة (٣٥٤هـ= ٩٦٥م)، و «أبو الحسن محمد بن عبدالله السَّلامى أبرز شعراء «العراق»، وكان «عضد الدولة» يقول: «إذا رأيت السَّلامى فى مجلسى ظننت أن عطارد قد نزل من الفَلك إلىَّ ووقف بين يدى». وقد اقتدى «مؤيد الدولة» و «فخر الدولة» بأخيهما «عضد الدولة» فى تشجيع العلم وإكرام أهله، فعين «مؤيد الدولة» «الصاحبَ بن عباد» وزيرًا له سنة (٣٦٦هـ= ٩٧٦م)، وكان من أعظم رعاة العلم والأدب، وعقب وفاة «مؤيد الدولة» واستيلاء أخيه «فخر الدولة» على مملكته أقر «الصاحب بن عباد» على وزارته، وعين مفكر المعتزلة المشهور «عبدالجبار بن أحمد» قاضى قضاة للرى سنة (٣٦٧هـ= ٩٧٨م) لصلته

стр. 336

بالصاحب بن عباد، ثم عزله «فخر الدولة» سنة (٣٨٥هـ= ٩٩٥م) حينما تُوفِّى «الصاحب بن عباد». وفاة عضد الدولة وبداية التفكك فى البيت البويهى: تُوفِّى «عضد الدولة» فى (شوال سنة ٣٧٢هـ= مارس سنة ٩٨٣م)، وعمره ثمانٍ وأربعون سنة، وقد تركت وفاته فراغًا هائلاً تعذر على خلفائه أن يملئوه. وكان أخطر ما ترتب على وفاة «عضد الدولة»، الصراع الذى نشب بين أولاده الخمسة على السلطة، وهم: «أبو كاليجار المرزبان» (صمصام الدولة)، و «أبو الحسين أحمد»، و «أبو طاهر فيروز شاه»، و «أبو الفوارس شيرزيل» الملقب «شرف الدولة»، و «أبو نصر فيروز» الملقب «بهاء الدولة». وقد استقر الأمراء والقادة على اختيار «أبى كاليجار المرزبان» ليكون خلفًا لأبيه «عضد الدولة»، ولقبوه «صمصام الدولة» وأقر الخليفة «الطائع لله» هذا الاختيار وخلع على «صمصام الدولة» سبع خلع، ولقبه «شمس الملة»، فلم يكن للخليفة دور سوى إقرار ما يتفق عليه القادة والأمراء. وقد واجه «صمصام الدولة» انشقاقًا من أخيه «شرف الدولة» الذى استطاع الاستقلال ببلاد «فارس» والاستيلاء على «البصرة»، وتعيين أخيه «أبى الحسين أحمد» نائبًا عنه فى حكمها، كما تمكن من هزيمة الجيش الذى أرسله إليه «صمصام الدولة» ليسترد منه بلاد «فارس». وقد استطاع «صمصام الدولة» استمالة عمه «فخرالدولة» إلى صفه فى هذا الصراع، ولكن جنده فى «بغداد» ثاروا عليه وأعلنوا بيعتهم لشرف الدولة، ورغم أن «صمصام الدولة» قضى على هذه الثورة فإنه لم يستطع وضع حد لازدياد قوة أخيه «شرف الدولة». ففى سنة (٣٧٥هـ= ٩٨٥م) استولى «شرف الدولة» على «الأهواز» وقبض على أخيه «أبى طاهر فيروز شاه» المناصر لصمصام الدولة، وفى (رمضان سنة ٣٧٦هـ= يناير سنة ٩٨٧م) استولى على «العراق» ودخل «بغداد» وقبض على أخيه «صمصام الدولة»، فذهب إليه الخليفة وهنأه بالسلطنة. لم يستمر «شرف الدولة» طويلاً فى إمارته على «العراق»، فقد تُوفِّى

стр. 337

فى غرة (جمادى الأولى سنة ٣٧٩هـ= أغسطس سنة ٩٨٩م)، ولم يجد حرجًا وهو فى مرض موته أن يأمر بِسَمْل عينى أخيه «صمصام الدولة» وهو فى سجنه. وخلف «شرف الدولة» أخوه «أبو نصر فيروز»، الذى لقبه الخليفة «بهاء الدولة وضياء الملة»، ولكن العلاقة بين «بهاء الدولة أبى نصر فيروز» وبين الخليفة «الطائع» وصلت بعد قليل إلى الحد الذى جعل «بهاء الدولة» يقوم بعزل الخليفة؛ فقد قلت الأموال عند «بهاء الدولة»، وثار جنده عليه، فاقترح عليه أحد خواصه وهو «أبو الحسن بن المعلم»، أن يقبض على الخليفة «الطائع» ويستولى على أمواله، فدخل «بهاء الدولة» على الخليفة ومعه جمع كثير، وتقدم أحد رجاله كأنه يريد أن يقبل يد الخليفة، فجذبه فأنزله عن سريره والخليفة يقول: «إنا لله وإنا إليه راجعون»، ويستغيث دون أن يلتفت إليه أحد، وتم الاستيلاء على أمواله، وحُمِل الخليفة إلى دار «بهاء الدولة»؛ حيث أُرغِم على خلع نفسه فى (التاسع عشر من شعبان سنة ٣٨١هـ= أكتوبر سنة ٩٩١م) بعد أن استمر فى الخلافة ما يقرب من ثمانية عشر عامًا، كان خلالها مسلوب الإرادة. ثالثًا: خلافة القادر بالله (٣٨١ - ٤٢٢هـ= ٩٩١ - ١٠٣١م). هو «أبو العباس أحمد بن إسحاق بن المقتدر»، اختاره «بهاء الدولة» بعد خلع «الطائع لله» لتولِّى الخلافة، وكان غائبًا عن «بغداد»، فلما وصله الخبر حضر إليها وبايعه «بهاء الدولة» والناس فى (رمضان سنة ٣٨١هـ= نوفمبر سنة ٩٩١م)، وعمره خمسة وأربعون عامًا. وقد دامت خلافة «القادر بالله» إحدى وأربعين سنة وحفلت بالكثير من الأحداث والتطورات، وأهمها: أ - ازدياد التفكك فى البيت البويهى: فقد نشب الصراع بين «بهاء الدولة»، وأخيه «صمصام الدولة» ولم يكن فى «بنى بويه» أظلم من «بهاء الدولة» ولا أقبح سيرة منه، ففى سنة (٣٨٣هـ= ٩٩٣م) قام بمحاولة للاستيلاء على المنطقة الخاضعة لإمارة أخيه «صمصام الدولة» فى بلاد «فارس» و «أرَّجان»،

стр. 338

فانتهت هذه المحاولة بعكس ما كان يهدف إليه؛ حيث تمكن «صمصام الدولة» من الاستيلاء على «خوزستان» الخاضعة لبهاء الدولة، وبدد شمل الجيش الذى أرسله «بهاء الدولة». وفى سنة (٣٨٤هـ = ٩٩٤م) استطاع «بهاء الدولة» أن يهزم «صمصام الدولة»، وأن يسترد منه بعض ما خسره قبل ذلك. وقد تجدد الصراع بينهما مرات عديدة، ووصل فى إحدى مراحله إلى استيلاء «صمصام الدولة» على «البصرة» فى «العراق» سنة (٣٨٦هـ= ٩٩٦م)، ولم يتوقف هذا الصراع بين «بهاء الدولة» و «صمصام الدولة» إلا بمقتل «صمصام الدولة» على يد بعض أبناء «عز الدولة بختيار»؛ انتقامًا لمقتل أبيهم «بختيار» على يد «عضد الدولة»، والد «صمصام الدولة»، وذلك فى (ذى الحجة سنة ٣٨٨هـ= ٩٩٨م). وعقب مقتل «صمصام الدولة» أراد بعض أبناء «بختيار» الاستيلاء على «فارس»، فنشب الصراع بينهم وبين «بهاء الدولة» وانتهى بهروبهم ومقتل أحدهم واسمه «أبو نصر» على يد أنصار «بهاء الدولة» سنة (٣٩٠هـ = ١٠٠٠م). وقد تُوفِّى «بهاء الدولة» (أبو نصر فيروز بن عضد الدولة) فى (جمادى الآخرة سنة ٤٠٣هـ = ديسمبر سنة ١٠١٢م)، فخلفه على إمارة «العراق» ابنه «أبو شجاع فخر الملك»، الذى لقبه الخليفة «القادر بالله» «سلطان الدولة»، فولى أخاه «جلال الدولة» «أبا طاهر» إمارة «البصرة» وأخاه «قوام الدولة أبا الفوارس» «كرمان». ونشب صراع مرير بين أبناء «بهاء الدولة»: «سلطان الدولة» و «جلال الدولة»، و «قوام الدولة»، و «مشرف الدولة» الذى استطاع الاستيلاء على «العراق» سنة (٤١١هـ = ١٠٢٠م) وبعد وفاة «سلطان الدولة» فى (شوال سنة ٤١٥هـ = ديسمبر سنة ١٠٢٤م) خلفه ابنه «أبو كاليجار» على إمارة «فارس» و «كرمان»، ودخل فى صراع مع عمه «أبى الفوارس بن بهاء الدولة» الذى استطاع الاستيلاء على «كرمان»، وأرغم «أبا كاليجار» على دفع خراج له قيمته عشرون ألف دينار، إلا أن «أبا كاليجار» استرد «كرمان» بدون قتال عقب

стр. 339

وفاة عمه «أبى الفوارس» سنة (٤١٩هـ = ١٠٢٨م). وعقب وفاة «مشرف الدولة» تولى أخوه «أبو طاهر جلال الدولة» - أمير «البصرة» - إمارة «العراق»، لكنه لم يتمكن من دخول «بغداد»؛ حيث منعه أنصار ابن أخيه «أبى كاليجار» من دخولها، تمهيدًا لقدوم «أبى كاليجار» وسيطرته على «العراق»، ولكن ذلك لم يحدث لانشغاله بصراعه مع عمه «أبى الفوارس»، وبقيت «بغداد» بدون أمير بويهى لمدة عامين وبضعة أشهر، مما دعا رؤساء الجند إلى أن يطلبوا من الخليفة «القادر بالله» أن يرسل إلى «جلال الدولة» ليحضر إلى «بغداد» ويتسلم الإمارة؛ جمعًا للكلمة وحسمًا للخلاف، فاستجاب الخليفة لهم ودخل «جلال الدولة» «بغداد» فى (رمضان سنة ٤١٨هـ = سبتمبر سنة ١٠٢٧م)، إلا أنه ما لبث أن دخل فى صراع مع ابن أخيه «أبى كاليجار»، الذى أراد انتزاع «العراق» من عمه «جلال الدولة»، واستمر الصراع بينهما بين النصر والهزيمة لهذا الطرف أو ذاك حتى وفاة «جلال الدولة» سنة (٤٣٥هـ= ١٠٤٤م). وقد أدى الصراع المستمر بين أبناء البيت البويهى إلى تطلع قوى أخرى من خارج البيت البويهى للاستيلاء على مقاليد الحكم فى دولة الخلافة العباسية، كما شغل هذا الصراع البويهيين عن توجيه أذاهم إلى الخليفة العباسى «القادر بالله»، الذى ظل واحدًا وأربعين عامًا على كرسى الخلافة حتى تُوفِّى سنة (٤٢٢هـ = ١٠٣١م). ب - اتساع قوة الدولة الغزنوية: تُنسب «الدولة الغزنوية» إلى مدينة «غَزْنَة» بأفغانستان الحالية، ويقال: إن اسمها الصحيح «غَزْنين» ثم تحول عند العامة إلى «غَزْنَة»، واشتهرت به. وتمتد جذور الأسرة الغزنوية إلى مرحلة سابقة على خلافة «القادر بالله»، فقد ارتبطت بداية ظهور الغزنويين بظهور «ألبَتكين» (ويكتب أحيانًا: ألب تكين أو ألفتكين)، وهو غلام تركى التحق بخدمة السامانيين، وتدرج فى المناصب حتى وصل إلى منصب «حاجب الحجاب»، وهو منصب كان يتيح سلطة خطيرة لصاحبه، ثم تقلد

стр. 340

«ألبتكين» ولاية «خراسان» نيابة عن الأمير السامانى «عبدالملك بن نوح» سنة (٣٤٩هـ= ٩٦٠م) حتى عزله عنها الأمير «منصور بن نوح» الذى خلف أخاه «عبدالملك» فلجأ «ألبتكين» إلى «بلخ»، واستطاع هزيمة جيش «منصور» الذى أرسله إليه سنة (٣٥١هـ = ٩٦٢م)، ثم توجه إلى «غزنة» فى السنة نفسها، واستولى عليها واتخذها مقرا له فى خلافة «المطيع لله». وبعد وفاة «ألبتكين» خلفه ابنه «أبو إسحاق إبراهيم»، الذى تعاون مع الأمير «منصور بن نوح» ضد أمير «غزنة» السابق «أبى على»، الذى أطاح به «ألبتكين» سنة (٣٥١هـ = ٩٦٢م)، فسانده الأمير «منصور» على شرط أن يعد نفسه تابعًا للدولة السامانية، فوافق «أبو إسحاق» على ذلك. وبعد وفاة «أبى إسحاق إبراهيم» سنة (٣٥٥هـ = ٩٦٦م) دون أن يُعْقِب تولى إمارة «غزنة» «بلكاتكين»، ثم «بيرى تكين» على التوالى وهما من غلمان «ألبتكين»، ثم أصبح «سُبُكْتكين» أميرًا على «غزنة» فى (شعبان سنة ٣٦٦هـ = مارس ٩٧٧م) فكان ذلك نقطة تحول فى تاريخ الغزنويين. و «سبكتكين» غلام تركى من غلمان «ألبتكين»، كان قد قربه إليه وزوجه ابنته، وعينه قائدًا لحرسه، فلما تولى «غزنة» وسع حدودها فى اتجاه بلاد «الهند»، وحقق انتصارات كبيرة فى تلك البلاد، وأصبح بذلك المؤسس الحقيقى للدولة الغزنوية. وقد استعان الأمير «نوح بن منصور السامانى» (٣٦٦ - ٣٨٧هـ = ٩٧٧ - ٩٩٧م) بسبكتكين سنة (٣٨٤هـ = ٩٩٤م) للقضاء على حركة تمرد وعصيان ضده فى «بخارى»، وخلع عليه لقب «ناصر الدولة»، وعين ابنه «محمودًا» قائدًا لجيش «خراسان» ومنحه لقب «سيف الدولة». واختار «سبكتكين» مدينة «بلخ» مقرا له فى أواخر أيامه، وقد تُوفِّى فى (شعبان سنة ٣٨٧هـ = أغسطس سنة ٩٩٧م)، وعقب وفاته تنازع ابناه «محمود» و «إسماعيل» حول أحقيتهما فى وراثة الحكم، وانتهى هذا النزاع بانتصار «محمود» الذى أصبح رئيسًا للدولة الغزنوية سنة (٣٨٧هـ= ٩٩٧م)، وأحسن معاملة أخيه «إسماعيل» وأعلى منزلته.

стр. 341

وقد حققت إمارة «محمود بن سبكتكين» قفزة هائلة فى مسار «الدولة الغزنوية»، فترامت أطرافها، واتسع نفوذها، وذاع صيتها، وأصبحت بلا منافس من حيث هيبتها العسكرية ومكانتها الحضارية، وقد اشتهر «محمود بن سبكتكين» بلقب «السلطان»، كما خلع عليه الخليفة «القادر بالله» لقب «يمين الدولة وأمين الملة» سنة (٣٨٩هـ = ٩٩٩م). نجح «محمود بن سبكتكين» فى السنوات الأولى من إمارته فى تعزيز وضعه الداخلى والقضاء على معارضيه، ثم صرف اهتمامه إلى الفتوح فى بلاد «الهند»، وحقق انتصارات هائلة جعلته واحدًا من أعظم الفاتحين فى التاريخ الإسلامى؛ ففى سنة (٣٨٩هـ = ٩٩٩م) استولى على «خراسان» وقضى على سلطة السامانيين بها، وفى سنة (٣٩٣هـ = ١٠٠٣م) استولى على «سجستان» التى كان حاكمها «خلف بن أحمد» وهو من أكبر أعدائه. وتعد فتوحات السلطان «محمود بن سبكتكين» فى بلاد «الهند»،أعظم إنجاز له فى هذا المجال، ففى سنة (٣٩٥ هـ = ١٠٠٥م) استطاع فتح مدينة «بهاتية» الهندية بجوار إقليم «الملتان»، وأقام بها حتى أصلح أمرها واستخلف بها مَنْ يُعلِّم مَنْ أسلم مِن أهلها قواعد الإسلام وفرائضه، وفى سنة (٣٩٦هـ = ١٠٠٦م) استولى على «الملتان» التى كانت تخضع لحكومة إسماعيلية شيعية تعادى السلطان «محمود الغزنوى» وتتحالف ضده مع أعدائه الهنود غير المسلمين. واستمرت غزوات السلطان «محمود» المظفرة فى بلاد «الهند» بصورة شبه منتظمة حتى سنة (٤١٦هـ = ١٠٢٥م) فنجح فى الاستيلاء على قلعة «ناردين» الهندية المنيعة، بعد قتال عنيف سنة (٤٠٤هـ = ١٠١٣م) ودان له كثير من حكام المناطق المجاورة، وأقبل الهنود فى تلك المناطق على اعتناق الإسلام، وأرسل إليهم السلطان من يفقههم فى الدين، وفتح سنة (٤٠٩هـ = ١٠١٨م) مدينة «قنوج» الحصينة على نهر «الجانج»، الذى يقدسه الهنود، واعتنق أهلها الإسلام. وفى سنة (٤١٦هـ = ١٠٢٥م)، قام السلطان «محمود» بآخر غزواته

стр. 342

فى بلاد «الهند»، وهى غزوة «سُومْنَات» وكان بقلعة «سومنات» الحصينة معبد يضم نفائس الذهب والفضة والجواهر، مما لا يوجد له نظير فى أى مكان آخر فى شبه القارة الهندية، بالإضافة إلى صنم البراهمة الأعظم الذى يحج إليه الهنود من كل مكان، فاقتحم السلطان «محمود» هذه القلعة، فى (ذى القعدة سنة ٤١٦هـ = ديسمبر سنة ١٠٢٥م) بعد أن استبسل الهنود فى الدفاع عنها، واستولى على كل ما فيها من نفائس قُدِّرت قيمتها بأكثر من عشرين مليون دينار، وحطم السلطان «محمود» بنفسه صنم البراهمة الأعظم بسومنات وأرسل منه قطعًا إلى «غزنة»، و «مكة» و «بغداد» إعلانًا بهذا الفتح العظيم، وكان السلطان «محمود» يتصل -عادة- بالخليفة «القادر بالله» فى «بغداد» بعد كل فتح عظيم فى البلاد الهندية؛ ليخبره بما فتح الله للمسلمين فى هذه البلاد، مجددًا ولاءه له. وأثناء قيامه بغزواته فى شبه القارة الهندية استطاع السلطان «محمود» أن يضم إلى نفوذه إقليم «خوارزم» ويقضى على الأسرة المأمونية المعادية له بها سنة (٤٠٧هـ = ١٠١٦م)، كما ضم إليه أيضًا «الرى» و «قزوين» و «أصفهان» سنة (٤٢٠هـ = ١٠٢٩م) بمعاونة ابنه «مسعود»، فاتسعت مملكته فى «خراسان» و «ما وراء النهر» و «شبه القارة الهندية». وبعد غزوة «سومنات» لم يتمكن السلطان «محمود» من مواصلة حملاته الموفقة فى «شبه القارة الهندية»، بسبب اهتمامه بمواجهة ثورات «العراق» و «خراسان» وخطر الأتراك السلاجقة. وقد تُوفِّى السلطان «محمود» بغزنة فى شهر (ربيع الآخر سنة ٤٢١هـ = أبريل سنة ١٠٣٠م) وعمره واحد وستون عامًا، وكان قد أوصى بالسلطة لابنه «محمد»، ولكنه لم يكن يتمتع بحب الجند والرعية فتخلَّوا عنه وبايعوا أخاه الأكبر «مسعودًا» واستتب له الأمر فى أواخر سنة (٤٢١هـ = ١٠٣٠م)، ووصل إلى «غزنة» من «أصبهان» فى (جمادى الآخرة سنة ٤٢٢هـ = مايو سنة١٠٣١ م) وقد ورث مملكة أبيه الشاسعة.

стр. 343

وقد كان السلطان «محمود بن سبكتكين» يتحلى بمواهب إدارية متميزة، فقد استطاع بعد فتوحاته فى «الهند» أن يتألَّف الهندوس، وأن يجعلهم جزءًا من نسيج دولته، وأن يستخدمهم فى جهازه الإدارى وأن يجندهم فى جيشه، كما كان السلطان «محمود» يتحلى بأخلاق رفيعة، ويكثر الإحسان إلى الرعية والرفق بهم، ويحب العلماء ويكرمهم ويعظمهم وكان على مذهب «أبى حنيفة» فى الفقه، وهو المذهب الذى مازال واسع الانتشار فى «شبه القارة الهندية» و «أفغانستان» و «أواسط آسيا»، وكان السلطان «محمود» شغوفًا بعلم الحديث النبوى، فكان الشيوخ يقرءونه بين يديه وهو يسمع. وقد قصده العلماء والشعراء من كل مكان، وكان أبرزهم المؤرخ العربى «العُتْبى» (أبو النصر محمد بن عبدالجبار) صاحب كتاب «اليمينى» الذى جمع فيه سيرة «يمين الدولة السلطان محمود»، و «الريحان البيرونى» (محمد بن أحمد) صاحب المعرفة الموسوعية فى الرياضيات والفلك والطب والتاريخ والجغرافيا، ومن أشهر كتبه «الآثار الباقية عن القرون الخالية»، والشاعر الفارسى المعروف «الفردوسى» (أبو القاسم حسن) صاحب الشاهنامة أو «كتاب الملوك» وهو ملحمة شعرية تتألف من ستين ألف بيت، وقد أهداها «الفردوسى» إلى السلطان «محمود» الذى كافأه عليها بستين ألف درهم، لكن «الفردوسى» رأى أن هذه المكافأة أقل مما كان يتوقع، فترك بلاط السلطان معترضًا!. وكان «يمين الدولة السلطان محمود» حريصًا على تقديم كل فروض الولاء لخليفة المسلمين، باعتبار منصب الخلافة رمزًا يجب صيانته والمحافظة على مكانته، فالخلافة قد ارتبطت منذ قيامها بعزة الإسلام ومجده، والتطاول على هذا المنصب العظيم يُعد استخفافًا بكل ما يرمز إليه من قيم ومعانٍ. وفاة الخليفة القادر بالله، ونبذة عن شخصيته: تُوفِّى «القادر بالله» فى شهر (ذى الحجة سنة ٤٢٢هـ = نوفمبر سنة ١٠٣١م) وعمره سبع وثمانون سنة، ودامت خلافته واحدًا وأربعين

стр. 344

عامًا، فكانت أطول مدة يقضيها خليفة عباسى فى هذا المنصب حتى عصره. كان الخليفة «القادر بالله» يتحلى بصفات جعلته إحدى الشخصيات المتميزة فى تاريخ «الخلافة العباسية»، فقد كان راجح العقل وافر الحلم، مؤثرًا للخير، ظاهر الكرم، جميل الأخلاق، آمرًا بالمعروف وناهيًا عن المنكر، كما كان شغوفًا بالعلم محبا لأهله، مستقيم الطريقة فى الدين بعيدًا عن البدعة، متواضعًا، عزوفًا عن مظاهر الأبهة والتكلف، فكان يخرج من داره فى زىِّ العامة، ويزور قبور الصالحين، وكان عادلاً وصولاً ظاهر البر باليتامى والمساكين، قوى الشخصية، يحظى بالاحترام والتبجيل؛ فلم يتعرض لما تعرض له غيره من السابقين له من مهانة خلال فترة اضمحلال الخلافة، ورغم ما تعرضت له الخلافة من ظروف وأحداث وتغلغل نفوذ الترك والفرس فإن «القادر بالله» استغل كل ما أتيح له من إمكانات، وقدَّم أفضل نموذج يمكن أن نتوقعه لخليفة عباسى فى ضوء تلك الظروف. شهد القرنان (٤و٥ هـ= ١٠و١١م) قمة الازدهار الحضارى بمظاهره المختلفة فى أرجاء العالم الإسلامى بصفة عامة وفى «دولة الخلافة العباسية» بصفة خاصة؛ ويمثل عصر «القادر بالله» زبدة الحضارة الإسلامية فى هذين القرنين، وهكذا كانت الأوضاع الحضارية أحسن حالاً من الأوضاع السياسية خلال تلك الفترة. رابعًا: خلافة القائم بأمر الله ونهاية عصر النفوذ البويهى (٤٢٢ - ٤٤٧هـ = ١٠٣١ - ١٠٥٥م): تولى «القائم بأمر الله» (أبو جعفر عبدالله بن القادر) الخلافة فى اليوم الذى تُوفِّى فيه أبوه «القادر بالله» فى ذى الحجة سنة (٤٢٢هـ = ١٠٣١م)، وعمره ثلاثون عامًا، وقد لقبه أبوه - قبل وفاته - بالقائم بأمر الله. وقد زادت الأوضاع الداخلية فى «دولة البويهيين» فى عهده تدهورًا وانحطاطًا، وأصبحت الدولة جسمًا بلا روح، فقد استمرت أمور «العراق» فى فوضى واضطراب؛ بسبب الصراع بين «جلال الدولة» و «أبى كاليجار» على السيطرة عليه، وضعفت مكانة «جلال الدولة»،

стр. 345

ورغم الصلح الذى تم بين «جلال الدولة» و «أبى كاليجار» سنة (٤٢٨هـ = ١٠٣٧م)، وتأكيده بزواج «أبى منصور بن أبى كاليجار» من ابنة «جلال الدولة» فإن «أبا كاليجار» انتهز فرصة وفاة «جلال الدولة» سنة (٤٣٥هـ = ١٠٤٤م) واستولى على زمام السلطة فى «العراق» فى (صفر سنة ٤٣٦هـ = أغسطس سنة ١٠٤٤م)، بعد إحباطه محاولة الابن الأكبر لجلال الدولة للاستيلاء على الحكم فى «بغداد». وأثناء إمارة «أبى كاليجار» فى «بغداد» استطاع الأتراك السلاجقة أن يسيطروا على أجزاء كبيرة من البلاد الخاضعة للبويهيين، واضطر «أبو كاليجار» إلى طلب الصلح مع السلطان السلجوقى «طغرل بك» وزوَّجه ابنته، كما تزوج «أبو منصور بن أبى كاليجار» من ابنة الملك «داود» أخى «طغرل بك»، وأصبحت «الدولة البويهية» معرضة للسقوط فى أية لحظة. وعقب وفاة «أبى كاليجار» فى (جمادى الأولى سنة ٤٤٠هـ = أكتوبر سنة ١٠٤٨م) خلفه على إمارة «العراق» ابنه «أبو نصر خسرو فيروز» الملقب بالملك الرحيم، وكانت فترة إمارته تمثل قمة التردى فى أوضاع «الدولة البويهية»؛ حيث دخل فى صراع مع إخوته حول السلطة، واستعان بعضهم بالسلاجقة ضد أخيهم «الملك الرحيم»، وأصبح البويهيون تحت سيطرة السلاجقة، وتحدد مصير دولتهم على أيدى هذه القوة الناشئة.

стр. 346

الفصل السادس *عصر نفوذ السلاجقة [٤٤٧ - ٥٩٠هـ= ١٠٥٥ - ١١٩٤م] السلاجقة أسرة تركية كبيرة، كانت تقيم فى بلاد «ما وراء النهر»، وتنسب إلى زعيمها «سلجوق بن تُقاق»، الذى اشتهر بكفاءته الحربية، وكثرة أتباعه. وقد أسلم «سلجوق» وأتباعه، وخلَّف من الأولاد «أرسلان» و «ميكائيل» و «موسى»، وكان أبرزهم «ميكائيل»، الذى أنجب «طغرل بك» (محمد) و «جغرى بك» (داود)، اللذين قام عليهما مجد «السلاجقة». هاجر السلاجقة بزعامة «طغرل بك» وأخيه «جغرى» فى الربع الأول من القرن الخامس الهجرى إلى «خراسان» الخاضعة لنفوذ الغزنويين، وبعد سلسلة من الصراع بين الغزنويين و «السلاجقة»، استطاع «السلاجقة» السيطرة على «خراسان» بعد هزيمة الغزنويين بقيادة السلطان «مسعود بن محمود بن سبكتكين» سنة (٤٣١هـ = ١٠٤٠م) أمام «طغرل بك» وأخيه «جغرى». وقد ساعد «السلاجقة» على توطيد سلطانهم انتماؤهم إلى المذهب السنى، وإعلانهم الولاء والتبعية للخليفة العباسى «القائم بأمر الله»، الذى عين «طغرل بك» نائبًا عنه فى «خراسان» وبلاد «ما وراء النهر» وفى كل ما يتم فتحه من البلاد. وقد استطاع «السلاجقة» توسيع حدود مملكتهم بسرعة هائلة، فاستولى زعيمهم «طغرل بك» على «جرجان» و «طبرستان» سنة (٤٣٣هـ)، وعلى «خوارزم» و «الرى» و «همدان» سنة (٤٣٤هـ = ١٠٤٣م) وعلى «أصبهان» سنة (٤٤٣هـ = ١٠٥١م)، وعلى أذربيجان» سنة (٤٤٦هـ = ١٠٥٤م)، وبدأ يتطلع للسيطرة على «بغداد»، وقد هيأت له الأوضاع السائدة فى «العراق» تحقيق هذا الهدف. دخول طغرل بك بغداد سنة (٤٤٧هـ = ١٠٥٥م) وسقوط دولة البويهيين: كان القائد التركى المشهور «أبو الحارث أرسلان المظفَّر بن عبدالله» المعروف بالبساسيرى، من أكابر العسكريين الأتراك فى «بغداد» فى أواخر العهد البويهى، وكان يقوم بدور الحاكم العسكرى لمدينة «بغداد»، ويعد صاحب النفوذ الأكبر فى دار الخلافة، وقد كانت هناك خصومة شديدة بينه وبين «أبى القاسم بن المسلمة» (على بن الحسن

стр. 347

بن أحمد) وزير الخليفة «القائم بأمر الله»، فاتهمه الوزير بالخيانة، واتصاله بالفاطميين فى «مصر» لميوله الشيعية، ولما تبين ذلك للخليفة «القائم بأمر الله» خشى أثر موقف «البساسيرى» على مستقبل «الخلافة العباسية»، فاتصل بالسلطان السلجوقى «طغرل بك»، وطلب منه القدوم إلى «بغداد» للاستيلاء على السلطة فيها ووضع حد لمحاولات «البساسيرى» الخطيرة ولعجز البويهيين عن إدارة شئون الدولة فاستجاب السلطان السلجوقى وتقدم بجنوده نحو «بغداد»، وأمر الخليفة بأن يُخطَب له على منابرها، قبل دخولها فى (٢٥ من رمضان سنة ٤٤٧هـ = نوفمبر سنة ١٠٥٥م) بثلاثة أيام، وتم القبض على «الملك الرحيم» آخر ملوك البويهيين. أصبح «طغرل بك» (ركن الدين أبو طالب محمد بن ميكائيل بن سلجوق) أولَ سلاطين «السلاجقة» فى «بغداد»، ابتداءً من (رمضان ٤٤٧هـ = نوفمبر ١٠٥٥م)، وقد استقبله الخليفة «القائم بأمر الله» بكل مظاهر الحفاوة والترحاب، ولقبه «ملك المشرق والمغرب». الخلافة فى ظل السلاجقة: رأى «السلاجقة» فى الخلافة السُّنية رمزًا دينيًا يعبر عن وحدة الأمة الإسلامية وعزتها، ونظروا إلى الخليفة على أنه تجسيد حى لهذا الرمز، فأحاطوه بهالة من التقدير والإكبار، ونعمت «الخلافة العباسية» فى ظل نفوذ «السلاجقة» بأمرين: الأول: سيادة المذهب السنى فى أرض الخلافة. والآخر: إحاطة الخلافة بما هى أهل له من إكرام وإجلال؛ فأصبح من حق الخليفة اتخاذ وزير له، ورغم أن وزير السلطان السلجوقى كان بصفة عامة أوسع نفوذًا وأقوى تأثيرًا من وزير الخليفة، فإن ذلك لا يقلل من حقيقة التكريم الذى أسبغه «السلاجقة» على منصب الخلافة؛ حيث كانت السلطة الفعلية فى يد «السلاجقة»، وكانت سلطة الخليفة روحية أكثر منها سياسية. فتنة البساسيرى ومحاولة إخضاع العراق للنفوذ الفاطمى: عندما دخل «طغرل بك» «بغداد» اضطر «البساسيرى» إلى تركها،

стр. 348

وبدأ يجمع حوله عددًا من الأنصار الساخطين على الأوضاع فى دار الخلافة، واستطاع الاستيلاء على «الموصل» سنة (٤٤٨هـ = ١٠٥٦م)، وخطب فيها للخليفة «المستنصر الفاطمى»، ثم مد نفوذه إلى «الكوفة» و «واسط»، وأغرى «إبراهيم ينَّال» - وهو أخو «طغرل» لأمه - بالانشقاق على أخيه ليضمن انشغاله عنه بفتنة أخيه. وقد أمد «المستنصر الفاطمى» «البساسيرى» بما يدعم موقفه ويمكنه من مد نفوذه، فاستطاع فى (الثامن من ذى القعدة سنة ٤٥٠هـ= السابع والعشرين من ديسمبر ١٠٥٨م) أن يدخل «بغداد» بجيوشه، ويخطب فيها للخليفة الفاطمى، وخضعت «بغداد» للخلافة الفاطمية بمصر، واضطر الخليفة العباسى «القائم بأمر الله» ووزيره «ابن المسلمة» أن يضعا نفسيهما تحت حماية أحد أعوان «البساسيرى»، واسمه «قريش بن بدران»، فطلب «البساسيرى» من «قريش» تسليمه «ابن المسلمة»، فقتله شر قتلة فى (أواخر ذى الحجة سنة ٤٥٠هـ = يناير ١٠٥٩م)، وقام «قريش» بتسليم الخليفة العباسى إلى ابن عم له بنواحى «الأنبار» فآواه وقام بجميع ما يحتاج إليه مدة سنة كاملة. وحاول «البساسيرى» مد سلطانه على مدن «العراق» ما أمكنه ذلك، فاستولى على «البصرة»، وأوشك الأمر أن يستتب للفاطميين بالعراق لولا أن «المستنصر» شك فى نيات «البساسيرى» وحقيقة مخططاته، فمنع عنه عونه وتأييده؛ مما كان له أثره السيئ على موقفه فى مواجهة «طغرل بك»، الذى نجح فى القضاء على ثورة أخيه «إبراهيم ينَّال»، وقبض عليه وقتله فى (التاسع من جمادى الآخرة سنة ٤٥١هـ = يوليو سنة ١٠٥٩م). وعندما اقتربت جيوش السلطان السلجوقى «طغرل بك» من «بغداد» هرب «البساسيرى» فى اتجاه «الكوفة» فى (٦ من ذى القعدة سنة ٤٥١هـ = ١٤ من ديسمبر ١٠٥٩م)، وسيطر «طغرل بك» على «بغداد» بسهولة، بعد عام كامل من سيطرة «البساسيرى» عليها، وأعاد الخليفة «القائم بأمر الله» مكرَّمًا إلى دار الخلافة فى (٢٥ من ذى

стр. 349

القعدة سنة ٤٥١هـ = ١٤من ديسمبر سنة ١٠٥٩م) ونجح فرسان «طغرل بك» فى قتل «البساسيرى» فى (٨ من ذى الحجة سنة ٤٥١هـ = ١٥من ينايرسنة ١٠٦٠م)، وبذلك بدأ السلطان السلجوقى «طغرل بك» يعمل على توطيد ملك «السلاجقة» بالعراق. بين طغرل بك والخليفة القائم بأمر الله: كان «طغرل بك» حريصًا على إبداء كل مظاهر الإجلال والتوقير للخليفة، وقد اقتدى به خلفاؤه؛ فعاملوا الخلفاء العباسيين بكل ما يليق بمكانتهم من احترام وتعظيم. يروى المؤرخون أن «طغرل بك» كان غائبًا عن «بغداد»، فلما عاد إليها سنة (٤٤٩هـ = ١٠٥٧م) توجه إلى دار الخلافة، فلما دخل على الخليفة قَبَّل الأرض وجلس على سرير دون سرير الخليفة، فأمره الخليفة أن يتقى الله فيما ولاه وأن يجتهد فى عمارة البلاد وإصلاح العباد ونشر العدل ومنع الظلم، فقام «طغرل بك» وقبَّل الأرض وقال: «أنا خادم أمير المؤمنين وعبده، ومتصرف على أمره ونهيه، ومتشرف بما أهلنى له واستخدمنى فيه، ومن الله أستمد المعونة والتوفيق». وعندما توجه «طغرل بك» لاستخلاص «العراق» من «البساسيرى» كان شديد الحرص على سلامة الخليفة. وقد أراد «طغرل بك» أن يمنح نفسه وأسرته شرفًا فريدًا متميزًا، وأن يضفى على سلطانه السياسى صبغة روحية، فخطب ابنة الخليفة «القائم بأمر الله» سنة (٤٥٣هـ = ١٠٦١م)، فانزعج الخليفة لذلك رغم زواجه من «أرسلان خاتون» (واسمها خديجة) ابنة الأمير «داود» أخى السلطان «طغرل بك» سنة (٤٤٨هـ = ١٠٥٦م)، فلم يحدث أن تزوج أحد من خارج البيت العباسى منه، وحاول الخليفة «القائم» رفض هذا الزواج، ودافع بكل ما يمكنه فى سبيل ذلك، ولكنه اضطر إلى الخضوع لضغوط وزير «طغرل بك» «عميد الملك الكُنْدُرى»؛ فتم العقد لطغرل على ابنة الخليفة سنة (٤٥٤هـ = ١٠٦٢م) ودخل بها سنة (٤٥٥هـ= ١٠٦٣م). الوزير عميد الملك الكندرى ومكانته فى دولة طغرل بك: أثناء حكم «طغرل بك» فى «نيسابور» طلب رجلاً متمكنًا من اللغة

стр. 350

العربية يكتب له، فدلوه على «عميد الملك الكندرى» (أبى نصر محمد بن منصور بن محمد) فلما دخل «طغرل» «بغداد» سنة (٤٤٧هـ = ١٠٥٥م) عينه وزيرًا له، فكان ساعده الأيمن حتى وفاة «طغرل» سنة (٤٥٥هـ = ١٠٦٣م). ويعتبر «عميد الملك» أحد العوامل المهمة فى ازدهار دولة «طغرل بك» بفضل ما كان يتمتع به من حنكة وكفاءة، كما كان سببًا مكَّن «طغرل بك» من السيطرة على «العراق» ودار الخلافة، وإدخال الخليفة «القائم» ووزرائه وحاشيته فى طاعة «السلاجقة» دون إراقة دماء، لما تمتع به «عميد الملك» من نفاذ بصيرته فى الأمور، وبُعد نظره، وحسن سياسته، إلى جانب رسوخ قدمه فى العلم والأدب. واقترن اسم الوزير عميد الملك باسم «طغرل بك» وأصبح لا يذكر أحدهما دون أن يذكر الآخر. وفاة طغرل بك وتولى ألب أرسلان: كان «طغرل بك» من كبار الشخصيات فى التاريخ، اتصف بالشجاعة والإقدام، والعقل والحلم، وكان من أشد الناس احتمالاً وأكثرهم كتمانًا لسره، كريمًا، محافظًا على الصلوات الخمس، ويصوم يومى الإثنين والخميس. ورغم أن بعض المؤرخين وصفه بالظلم والقسوة، فإن ذلك لا يتفق مع صفاته السابقة التى سجلها له معظم المؤرخين. وقد أوصى «طغرل بك» بأن يخلفه بعد موته ابن أخيه «سليمان بن داود جغرى»؛ حيث إنه لم يخلف ولدًا، وفى (٨ من رمضان سنة ٤٥٥هـ = سبتمبر سنة ١٠٦٣م) توفى «طغرل بك» بمدينة «الرى» ببلاد «الجبل»، وعمره نحو سبعين عامًا، وقد نفذ «عميد الملك الكندرى» وصية «طغرل بك»، ولكن الناس كانوا أميل إلى «ألب أرسلان»، فأمر «عميد الملك» بالخطبة له وتم الأمر له بمساعدة وزيره «نظام الملك»، وأصبح سلطانَ «السلاجقة». قتل عميد الملك الكندرى ووزارة نظام الملك: عقب تولِّى «ألب أرسلان» سلطنة «السلاجقة»، أقر «عميد الملك الكندرى» وزير عمه «طغرل» فى منصبه، ولكنه سرعان ما تغير عليه فعزله فى شهر (المحرم سنة ٤٥٦هـ = ديسمبر سنة ١٠٦٣م)، وسجنه،

стр. 351

ثم دبر قتله فى شهر (ذى الحجة سنة ٤٥٦هـ = نوفمبر سنة ١٠٦٤م)، ويبدو أن «نظام الملك» لعب دورًا فى ذلك. وبعد عزل «عميد الملك»، عين «ألب أرسلان» «نظام الملك» وزيرًا له، وكان وزيره أثناء إمارته على «خراسان» قبل توليه السلطنة، ويُعدُّ «نظام الملك» أشهر وزراء «السلاجقة» كما يعد من أشهر الوزراء فى التاريخ الإسلامى. وكانت بداية معرفة «نظام الملك» بالسلاجقة حينما اتصل بداود بن ميكائيل بن سلجوق، والد السلطان «ألب أرسلان»، وأعجب بكفاءته وإخلاصه فسلمه إلى ابنه «ألب أرسلان» وقال له: «اتخذه والدًا ولا تخالفه فيما يشير به». وقد ظل «نظام الملك» وزيرًا للسلطان «ألب أرسلان» ثم لخليفته «ملكشاه» ما يقرب من ثلاثين عامًا. ولم يكن «نظام الملك» مجرد وزير لامع، بل كان راعيًا للعلم والأدب محبا لهما، وقد سمع الحديث وقرأه، وكان مجلسه عامرًا بالعلماء والفقهاء والصوفية، مثل إمام الحرمين «أبى المعالى الجوينى» و «أبى القاسم القشيرى»، كما اهتم «نظام الملك» ببناء المدارس ووضع أسس قيام نهضة تعليمية رائعة. اتساع مملكة السلاجقة خلال حكم ألب أرسلان (٤٥٥ - ٤٦٥هـ = ١٠٦٣ - ١٠٧٣م): استطاع «ألب أرسلان» أن يوسع حدود مملكة «السلاجقة» التى ورثها عن عمه «طغرل»، وأن يسجل انتصارات رائعة ضد أعدائه فى الداخل والخارج، فنجح فى القضاء على حركات العصيان فى «خراسان» و «ما وراء النهر» و «أذربيجان»، وتمكن من تعزيز الوجود الإسلامى فى «أرمينيا»، واستولى على «حلب» وقضى على النفوذ الفاطمى بها. معركة ملاذكرد: عزم الإمبراطور البيزنطى «رومانوس الرابع» على طرد «السلاجقة» من «أرمينيا» وضمها إلى النفوذ البيزنطى، فأعد جيشًا كبيرًا سنة (٤٦٣هـ = ١٠٧١م) يتكون من مائتى ألف مقاتل، وتولَّى قيادته بنفسه، وزحف به إلى «أرمينيا»، وعندما علم السلطان «ألب أرسلان» بذلك وهو بأذربيجان لم يستطع أن يجمع من المقاتلين إلا

стр. 352

خمسة عشر ألف فارس، فتقدم بهم إلى لقاء الإمبراطور البيزنطى وجحافله، والتقت مقدمة جيش السلطان بمقدمة جيش «رومانوس» فى «أرمينيا» فهزمتها. وقد أراد السلطان «ألب أرسلان» استغلال هذا النصر المبدئى فأرسل إلى الإمبراطور «رومانوس» يعرض عليه الصلح، إدراكًا منه لحرج موقفه بسبب قلة جنده، فرفض «رومانوس» الصلح وهدد السلطان بالهزيمة والاستيلاء على ملكه، وقد ألهب هذا التهديد حماس السلطان وجيشه وعزموا على إحراز النصر أو الشهادة، ووقف فقيه السلطان وإمامه «أبو نصر محمد بن عبدالملك البخارى» يقول للسلطان: «إنك تقاتل عن دين وعد الله بنصره وإظهاره على سائر الأديان، وأرجو أن يكون الله - تعالى - قد كتب باسمك هذا الفتح، فالْقَهُم يوم الجمعة بعد الزوال، فى الساعة التى تكون الخطباء على المنابر، فإنهم يدعون للمجاهدين بالنصر، والدعاء مقرون بالإجابة». فلما جاءت هذه الساعة صلى بهم، وبكى السطان فبكى الناس لبكائه ودعا ودعوا معه، ولبس البياض وتحنَّط وقال: إن قُتِلْتُ فهذا كفنى!. والتقى جيش السلطان وجيش الإمبراطور فى مدينة «ملاذكرد» بأرمينيا، وحمل المسلمون على الروم حملة رجل واحد، وأنزل الله نصره عليهم فانهزم الروم وامتلأت الأرض بجثثهم، وتمكن المسلمون من أسر إمبراطور الروم «رومانوس»، فأحسن السلطان «ألب أرسلان» معاملته، وأعفاه من القتل مقابل فدية مقدارها مليون ونصف مليون دينار، وعقد معه صلحًا مدته خمسون عامًا، وأطلق سراحه وأرسل معه جندًا أوصلوه إلى بلاده ومعهم راية مكتوب عليها «لا إله إلا الله محمد رسول الله». وقد أنهت معركة «ملاذكرد» النفوذ البيزنطى فى «أرمينيا» بصورة مطلقة، وفتحت المجال لامتداد النفوذ الإسلامى السلجوقى إلى «آسيا الصغرى»، وتهديده العاصمة البيزنطية وما وراءها فى «أوربا». وقد حدثت هذه المعركة المظفرة - معركة «ملاذكرد» - فى شهر (ذى القعدة سنة ٤٦٣هـ = أغسطس ١٠٧١م).

стр. 353

ولا يستطيع الباحثون عن جذور الحروب الصليبية التى حدثت فيما بعد أن يتجاهلوا دور هذه المعركة (ملاذكرد) فى تهيئة الظروف التى أدت إلى هذه الحروب. مقتل ألب أرسلان وانتقال السلطة إلى ابنه ملكشاه: فى أوائل عام (٤٦٥هـ = ١٠٧٣م) توجه «ألب أرسلان» إلى بلاد «ما وراء النهر» لتأديب أمير «بخارى» الثائر «شمس الملك نصر»، وبينما هو فى طريقه جاءوا إليه بأمير إحدى القلاع، واسمه «يوسف الخوارزمى» مقيدًا بسبب عصيانه، وأغلظ «يوسف» القول للسلطان، فطلب «ألب أرسلان» فك قيوده ليقتله بنفسه، ولكن «يوسف» كان أسرع من السلطان فطعنه بخنجر كان معه، فمات السلطان «ألب أرسلان» بعد أيام متأثرًا بجراحه فى (١٠ من ربيع الأول سنة ٤٦٥هـ = أواخر نوفمبر سنة ١٠٧٢م)، وعمره أربعون أو خمس وأربعون سنة. وقد كان «ألب أرسلان» - بإجماع المؤرخين - من عظماء سلاطين «السلاجقة»، وكان قائدًا عسكريا من الطراز الأول، وسياسيا محنكًا وحاكمًا عادلاً، فلم يتجاوز فى جمع الأموال من الرعية، وكان كثير الصدقات خاصة فى رمضان، بارا بأهله وأصحابه ومماليكه، شهمًا ذا مروءة، ولم يكن يسمح للدسائس أن تعرف طريقها إليه، فقد حاول أحد الوشاة مرة أن يفسد ما بينه وبين وزيره «نظام الملك»، فكتب له كتابًا يبين له فيه ما يرتكبه الوزير من مخالفات، وتركه له على مُصلاه فعندما أخذه «ألب أرسلان» وقرأ ما فيه، سلَّمه إلى «نظام الملك» وقال له: خذ هذا الكتاب، فإن صدقوا فى الذى كتبوه، فهذب أخلاقك، وأصلح أحوالك، وإن كذبوا فاغفر لهم زلتهم واشغلهم بمهم يشتغلون به عن السعاية بالناس. وعقب وفاة «ألب أرسلان» تولى السلطنة ابنه «ملكشاه» بعهد من أبيه، وتولى «نظام الملك» أخذ البيعة له، وأقره الخليفة «القائم بأمر الله» على السلطنة. استمرار نظام الملك فى الوزارة واتساع نفوذه فى عهد ملكشاه: لم يكتفِ «ملكشاه» بإقرار «نظام الملك» فى الوزارة كما كان فى

стр. 354

عهد أبيه، بل زاد على ذلك بأن فوض إليه تدبير المملكة، وقال له: «قد رددت الأمور كلها كبيرها وصغيرها إليك، فأنت الوالد»، ولقبه ألقابًا كثيرة، أشهرها لقب «أتابك»، ومعناه الأمير الوالد، وكان «نظام الملك» أول مَن أُطلق عليه هذا اللقب. وسبب هذه المكانة الرفيعة التى حظى بها «نظام الملك» عند السلطان «ملكشاه»، أنه هو الذى مهد له الأمور، وقمع المعارضين، فرآه السلطان أهلاً لهذه المكانة. وفاة الخليفة القائم بأمر الله، وبيعة المقتدى بأمر الله: تُوفِّى الخليفة «القائم بأمر الله» فى (١٣ من شعبان سنة ٤٦٧هـ = ٣ من أبريل سنة ١٠٧٥م) فى أوائل سلطنة «ملكشاه»، وعمره يزيد على ستةٍ وسبعين عامًا، وقد استمر فى الخلافة نحو خمسٍ وأربعين سنة. وقد شهدت خلافة «القائم بأمر الله» تدهور «دولة البويهيين» واندثارها، وقيام «دولة السلاجقة» ثم ازدهارها. وقد أجمع المؤرخون على أن «القائم بأمر الله» كان يتحلى بالأخلاق الحميدة، فقد كان ورعًا ديِّنًا زاهدًا عالمًا، قوى اليقين بالله تعالى، كثير الصبر، مؤثرًا للعدل والإنصاف، قاضيًا لحوائج الناس. وقد كان للقائم بأمر الله ابن وحيد، تُوفِّى فى حياته، هو «أبو العباس محمد» الملقب بالذخيرة وقد ولد للذخيرة بعد وفاته بستة أشهر غلام، اشتد به فرح جده «القائم» وسماه «عبدالله». وعندما تُوفِّى «القائم» كان «عبدالله» هذا فى العشرين من عمره فتولى الخلافة بعد جده فى (١٣ من شعبان سنة ٤٦٧هـ = ٣ من أبريل ١٠٧٥م)، ولقب بالمقتدى بأمر الله. الخلفاء العباسيون فى العهد السلجوقى: كان «المقتدى بأمر الله»، أول خليفة يتقلد منصبه فى ظل «دولة السلاجقة»، وبذلك يكون الخلفاء الذين تولوا الخلافة فى العهد السلجوقى - بعد «القائم بأمر الله» - ثمانية هم: ١ - المقتدى بأمر الله (عبدالله بن محمد بن القائم بأمر اللهـ) [٤٦٧ - ٤٨٧هـ = ١٠٧٥ - ١٠٩٤م].

стр. 355

٢ - المستظهر بالله (أبو العباس أحمد بن المقتدى بأمر اللهـ) [٤٨٧ - ٥١٢هـ = ١٠٩٤ - ١١١٨م]. ٣ - المسترشد بالله (أبو منصور الفضل بن المستظهر) [٥١٢ - ٥٢٩هـ = ١١١٨ - ١١٣٥م]. ٤ - الراشد بالله (أبوجعفر المنصور بن المسترشد) [٥٢٩ - ٥٣٠هـ = ١١٣٥ - ١١٣٦م]. ٥ - المقتفى لأمر الله (أبوعبدالله بن محمد بن المستظهر باللهـ) [٥٣٢ - ٥٥٥هـ = ١١٣٨ - ١١٦٠م]. ٦ - المستنجد بالله (أبوالمظفر يوسف بن المقتفى) [٥٥٥ - ٥٦٦هـ = ١١٦٠ - ١١٧٠م]. ٧ - المستضىء بأمر الله (أبو محمد الحسن بن المستنجد باللهـ) [٥٦٦ - ٥٧٥هـ = ١١٧٠ - ١١٧٩م]. ٨ - الناصر لدين الله (أبو العباس أحمد بن المستضىء بأمر اللهـ) [٥٧٥ - ٦٢٢هـ = ١١٧٩ - ١٢٢٥م]. وقد شهدت خلافة «الناصر لدين الله» زوال ملك «السلاجقة» فى سنة (٥٩٠هـ = ١١٩٤م) وبداية استقلال الخلفاء العباسيين بالسلطة فى «بغداد» وما يحيط بها. ذروة المجد السلجوقى: بلغت «الدولة السلجوقية» ذروة مجدها وعظمتها على يد «ملكشاه» الذى استمر فى السلطنة عشرين عامًا تقريبًا؛ حيث استطاع أن يستثمر ما حققه «طغرل بك» و «ألب أرسلان» على أحسن وجه، فحقق إنجازات عظيمة بمعاونة وزيره «نظام الملك». وقد تزامنت سلطنة «ملكشاه» -فى معظمها- مع خلافة «المقتدى بأمر الله»، الذى تولى منصبه بعد ابتداء حكم «ملكشاه» بعامين، وتُوفِّى بعد وفاته بعامين. وقد اتسعت حدود «الدولة السلجوقية» فى عهد «ملكشاه» اتساعًا غير مسبوق، من حدود الصين إلى آخر «الشام»، ومن أقاصى بلاد الإسلام فى الشمال إلى آخر بلاد «اليمن»، وحمل إليه ملوك الروم الجزية. وترجع عظمة «الدولة السلجوقية» فى عهد «ملكشاه» إلى اتساع حدودها وازدهار الحركة الثقافية فيها بصورة جديرة بالإعجاب. وكان لنظام الملك أثر متميز وجهد خلاق فى ذلك، على المستوى الإدارى والعسكرى، والثقافى. فاهتم بإنشاء العديد من المدارس التى نسبت إليه فى أنحاء الدولة،
следующие страницы →