Полный текст (3 483 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
ثم دبر قتله فى شهر (ذى الحجة سنة ٤٥٦هـ = نوفمبر سنة ١٠٦٤م)،
ويبدو أن «نظام الملك» لعب دورًا فى ذلك.
وبعد عزل «عميد الملك»، عين «ألب أرسلان» «نظام الملك» وزيرًا له،
وكان وزيره أثناء إمارته على «خراسان» قبل توليه السلطنة، ويُعدُّ
«نظام الملك» أشهر وزراء «السلاجقة» كما يعد من أشهر الوزراء فى
التاريخ الإسلامى.
وكانت بداية معرفة «نظام الملك» بالسلاجقة حينما اتصل بداود بن
ميكائيل بن سلجوق، والد السلطان «ألب أرسلان»، وأعجب بكفاءته
وإخلاصه فسلمه إلى ابنه «ألب أرسلان» وقال له: «اتخذه والدًا ولا
تخالفه فيما يشير به».
وقد ظل «نظام الملك» وزيرًا للسلطان «ألب أرسلان» ثم لخليفته
«ملكشاه» ما يقرب من ثلاثين عامًا.
ولم يكن «نظام الملك» مجرد وزير لامع، بل كان راعيًا للعلم والأدب
محبا لهما، وقد سمع الحديث وقرأه، وكان مجلسه عامرًا بالعلماء
والفقهاء والصوفية، مثل إمام الحرمين «أبى المعالى الجوينى»
و «أبى القاسم القشيرى»، كما اهتم «نظام الملك» ببناء المدارس
ووضع أسس قيام نهضة تعليمية رائعة.
اتساع مملكة السلاجقة خلال حكم ألب أرسلان (٤٥٥ - ٤٦٥هـ = ١٠٦٣
- ١٠٧٣م):
استطاع «ألب أرسلان» أن يوسع حدود مملكة «السلاجقة» التى
ورثها عن عمه «طغرل»، وأن يسجل انتصارات رائعة ضد أعدائه فى
الداخل والخارج، فنجح فى القضاء على حركات العصيان فى
«خراسان» و «ما وراء النهر» و «أذربيجان»، وتمكن من تعزيز الوجود
الإسلامى فى «أرمينيا»، واستولى على «حلب» وقضى على النفوذ
الفاطمى بها.
معركة ملاذكرد:
عزم الإمبراطور البيزنطى «رومانوس الرابع» على طرد «السلاجقة»
من «أرمينيا» وضمها إلى النفوذ البيزنطى، فأعد جيشًا كبيرًا سنة
(٤٦٣هـ = ١٠٧١م) يتكون من مائتى ألف مقاتل، وتولَّى قيادته
بنفسه، وزحف به إلى «أرمينيا»، وعندما علم السلطان «ألب
أرسلان» بذلك وهو بأذربيجان لم يستطع أن يجمع من المقاتلين إلا
стр. 352
خمسة عشر ألف فارس، فتقدم بهم إلى لقاء الإمبراطور البيزنطى
وجحافله، والتقت مقدمة جيش السلطان بمقدمة جيش «رومانوس» فى
«أرمينيا» فهزمتها.
وقد أراد السلطان «ألب أرسلان» استغلال هذا النصر المبدئى
فأرسل إلى الإمبراطور «رومانوس» يعرض عليه الصلح، إدراكًا منه
لحرج موقفه بسبب قلة جنده، فرفض «رومانوس» الصلح وهدد
السلطان بالهزيمة والاستيلاء على ملكه، وقد ألهب هذا التهديد حماس
السلطان وجيشه وعزموا على إحراز النصر أو الشهادة، ووقف فقيه
السلطان وإمامه «أبو نصر محمد بن عبدالملك البخارى» يقول
للسلطان: «إنك تقاتل عن دين وعد الله بنصره وإظهاره على سائر
الأديان، وأرجو أن يكون الله - تعالى - قد كتب باسمك هذا الفتح،
فالْقَهُم يوم الجمعة بعد الزوال، فى الساعة التى تكون الخطباء على
المنابر، فإنهم يدعون للمجاهدين بالنصر، والدعاء مقرون بالإجابة».
فلما جاءت هذه الساعة صلى بهم، وبكى السطان فبكى الناس
لبكائه ودعا ودعوا معه، ولبس البياض وتحنَّط وقال: إن قُتِلْتُ فهذا
كفنى!.
والتقى جيش السلطان وجيش الإمبراطور فى مدينة «ملاذكرد»
بأرمينيا، وحمل المسلمون على الروم حملة رجل واحد، وأنزل الله
نصره عليهم فانهزم الروم وامتلأت الأرض بجثثهم، وتمكن المسلمون
من أسر إمبراطور الروم «رومانوس»، فأحسن السلطان «ألب
أرسلان» معاملته، وأعفاه من القتل مقابل فدية مقدارها مليون
ونصف مليون دينار، وعقد معه صلحًا مدته خمسون عامًا، وأطلق
سراحه وأرسل معه جندًا أوصلوه إلى بلاده ومعهم راية مكتوب عليها
«لا إله إلا الله محمد رسول الله».
وقد أنهت معركة «ملاذكرد» النفوذ البيزنطى فى «أرمينيا» بصورة
مطلقة، وفتحت المجال لامتداد النفوذ الإسلامى السلجوقى إلى «آسيا
الصغرى»، وتهديده العاصمة البيزنطية وما وراءها فى «أوربا».
وقد حدثت هذه المعركة المظفرة - معركة «ملاذكرد» - فى شهر (ذى
القعدة سنة ٤٦٣هـ = أغسطس ١٠٧١م).
стр. 353
ولا يستطيع الباحثون عن جذور الحروب الصليبية التى حدثت فيما بعد
أن يتجاهلوا دور هذه المعركة (ملاذكرد) فى تهيئة الظروف التى أدت
إلى هذه الحروب.
مقتل ألب أرسلان وانتقال السلطة إلى ابنه ملكشاه:
فى أوائل عام (٤٦٥هـ = ١٠٧٣م) توجه «ألب أرسلان» إلى بلاد «ما
وراء النهر» لتأديب أمير «بخارى» الثائر «شمس الملك نصر»، وبينما
هو فى طريقه جاءوا إليه بأمير إحدى القلاع، واسمه «يوسف
الخوارزمى» مقيدًا بسبب عصيانه، وأغلظ «يوسف» القول للسلطان،
فطلب «ألب أرسلان» فك قيوده ليقتله بنفسه، ولكن «يوسف» كان
أسرع من السلطان فطعنه بخنجر كان معه، فمات السلطان «ألب
أرسلان» بعد أيام متأثرًا بجراحه فى (١٠ من ربيع الأول سنة ٤٦٥هـ
= أواخر نوفمبر سنة ١٠٧٢م)، وعمره أربعون أو خمس وأربعون
سنة.
وقد كان «ألب أرسلان» - بإجماع المؤرخين - من عظماء سلاطين
«السلاجقة»، وكان قائدًا عسكريا من الطراز الأول، وسياسيا محنكًا
وحاكمًا عادلاً، فلم يتجاوز فى جمع الأموال من الرعية، وكان كثير
الصدقات خاصة فى رمضان، بارا بأهله وأصحابه ومماليكه، شهمًا ذا
مروءة، ولم يكن يسمح للدسائس أن تعرف طريقها إليه، فقد حاول
أحد الوشاة مرة أن يفسد ما بينه وبين وزيره «نظام الملك»، فكتب
له كتابًا يبين له فيه ما يرتكبه الوزير من مخالفات، وتركه له على
مُصلاه فعندما أخذه «ألب أرسلان» وقرأ ما فيه، سلَّمه إلى «نظام
الملك» وقال له: خذ هذا الكتاب، فإن صدقوا فى الذى كتبوه، فهذب
أخلاقك، وأصلح أحوالك، وإن كذبوا فاغفر لهم زلتهم واشغلهم بمهم
يشتغلون به عن السعاية بالناس.
وعقب وفاة «ألب أرسلان» تولى السلطنة ابنه «ملكشاه» بعهد من
أبيه، وتولى «نظام الملك» أخذ البيعة له، وأقره الخليفة «القائم بأمر
الله» على السلطنة.
استمرار نظام الملك فى الوزارة واتساع نفوذه فى عهد ملكشاه:
لم يكتفِ «ملكشاه» بإقرار «نظام الملك» فى الوزارة كما كان فى
стр. 354
عهد أبيه، بل زاد على ذلك بأن فوض إليه تدبير المملكة، وقال له:
«قد رددت الأمور كلها كبيرها وصغيرها إليك، فأنت الوالد»، ولقبه
ألقابًا كثيرة، أشهرها لقب «أتابك»، ومعناه الأمير الوالد، وكان
«نظام الملك» أول مَن أُطلق عليه هذا اللقب.
وسبب هذه المكانة الرفيعة التى حظى بها «نظام الملك» عند
السلطان «ملكشاه»، أنه هو الذى مهد له الأمور، وقمع المعارضين،
فرآه السلطان أهلاً لهذه المكانة.
وفاة الخليفة القائم بأمر الله، وبيعة المقتدى بأمر الله:
تُوفِّى الخليفة «القائم بأمر الله» فى (١٣ من شعبان سنة ٤٦٧هـ = ٣
من أبريل سنة ١٠٧٥م) فى أوائل سلطنة «ملكشاه»، وعمره يزيد
على ستةٍ وسبعين عامًا، وقد استمر فى الخلافة نحو خمسٍ وأربعين
سنة.
وقد شهدت خلافة «القائم بأمر الله» تدهور «دولة البويهيين»
واندثارها، وقيام «دولة السلاجقة» ثم ازدهارها.
وقد أجمع المؤرخون على أن «القائم بأمر الله» كان يتحلى بالأخلاق
الحميدة، فقد كان ورعًا ديِّنًا زاهدًا عالمًا، قوى اليقين بالله تعالى،
كثير الصبر، مؤثرًا للعدل والإنصاف، قاضيًا لحوائج الناس.
وقد كان للقائم بأمر الله ابن وحيد، تُوفِّى فى حياته، هو «أبو
العباس محمد» الملقب بالذخيرة وقد ولد للذخيرة بعد وفاته بستة
أشهر غلام، اشتد به فرح جده «القائم» وسماه «عبدالله».
وعندما تُوفِّى «القائم» كان «عبدالله» هذا فى العشرين من عمره
فتولى الخلافة بعد جده فى (١٣ من شعبان سنة ٤٦٧هـ = ٣ من
أبريل ١٠٧٥م)، ولقب بالمقتدى بأمر الله.
الخلفاء العباسيون فى العهد السلجوقى:
كان «المقتدى بأمر الله»، أول خليفة يتقلد منصبه فى ظل «دولة
السلاجقة»، وبذلك يكون الخلفاء الذين تولوا الخلافة فى العهد
السلجوقى - بعد «القائم بأمر الله» - ثمانية هم:
١ - المقتدى بأمر الله (عبدالله بن محمد بن القائم بأمر اللهـ) [٤٦٧ -
٤٨٧هـ = ١٠٧٥ - ١٠٩٤م].
стр. 355
٢ - المستظهر بالله (أبو العباس أحمد بن المقتدى بأمر اللهـ) [٤٨٧ -
٥١٢هـ = ١٠٩٤ - ١١١٨م].
٣ - المسترشد بالله (أبو منصور الفضل بن المستظهر) [٥١٢ - ٥٢٩هـ =
١١١٨ - ١١٣٥م].
٤ - الراشد بالله (أبوجعفر المنصور بن المسترشد) [٥٢٩ - ٥٣٠هـ =
١١٣٥ - ١١٣٦م].
٥ - المقتفى لأمر الله (أبوعبدالله بن محمد بن المستظهر باللهـ) [٥٣٢ -
٥٥٥هـ = ١١٣٨ - ١١٦٠م].
٦ - المستنجد بالله (أبوالمظفر يوسف بن المقتفى) [٥٥٥ - ٥٦٦هـ =
١١٦٠ - ١١٧٠م].
٧ - المستضىء بأمر الله (أبو محمد الحسن بن المستنجد باللهـ) [٥٦٦ -
٥٧٥هـ = ١١٧٠ - ١١٧٩م].
٨ - الناصر لدين الله (أبو العباس أحمد بن المستضىء بأمر اللهـ) [٥٧٥
- ٦٢٢هـ = ١١٧٩ - ١٢٢٥م].
وقد شهدت خلافة «الناصر لدين الله» زوال ملك «السلاجقة» فى سنة
(٥٩٠هـ = ١١٩٤م) وبداية استقلال الخلفاء العباسيين بالسلطة فى
«بغداد» وما يحيط بها.
ذروة المجد السلجوقى:
بلغت «الدولة السلجوقية» ذروة مجدها وعظمتها على يد «ملكشاه»
الذى استمر فى السلطنة عشرين عامًا تقريبًا؛ حيث استطاع أن
يستثمر ما حققه «طغرل بك» و «ألب أرسلان» على أحسن وجه،
فحقق إنجازات عظيمة بمعاونة وزيره «نظام الملك».
وقد تزامنت سلطنة «ملكشاه» -فى معظمها- مع خلافة «المقتدى بأمر
الله»، الذى تولى منصبه بعد ابتداء حكم «ملكشاه» بعامين، وتُوفِّى
بعد وفاته بعامين.
وقد اتسعت حدود «الدولة السلجوقية» فى عهد «ملكشاه» اتساعًا
غير مسبوق، من حدود الصين إلى آخر «الشام»، ومن أقاصى بلاد
الإسلام فى الشمال إلى آخر بلاد «اليمن»، وحمل إليه ملوك الروم
الجزية.
وترجع عظمة «الدولة السلجوقية» فى عهد «ملكشاه» إلى اتساع
حدودها وازدهار الحركة الثقافية فيها بصورة جديرة بالإعجاب.
وكان لنظام الملك أثر متميز وجهد خلاق فى ذلك، على المستوى
الإدارى والعسكرى، والثقافى.
فاهتم بإنشاء العديد من المدارس التى نسبت إليه فى أنحاء الدولة،
стр. 356
فسميت بالمدارس النظامية، وكان أشهرها: «نظامية بغداد» التى
تخيَّر «نظام الملك» مشاهير الفكر والثقافة فى العالم الإسلامى
للتدريس فيها مثل: «حجة الإسلام أبى حامد الغزالى» صاحب كتاب
«إحياء علوم الدين»، الذى فوض إليه «نظام الملك» مهمة التدريس فى
«المدرسة النظامية» ببغداد، ثم فى «المدرسة النظامية» بنيسابور،
التى كان إمام الحرمين أبو المعالى الجوينى يقوم بالتدريس فيها.
وقد أسهمت هذه المدارس النظامية فى تثبيت قواعد المذهب السنى
والدفاع عنه ضد مختلف البدع والأهواء والمذاهب المنحرفة التى
انتشرت فى ذلك الوقت.
وقد كان «نظام الملك» مؤلفًا مرموقًا أيضًا، فهو مؤلف كتاب
«سياسة نامه» الذى تحدث فيه عن كيفية تدبير شئون الملك، وفضح
معتقدات الحشاشين وغيرهم من الخارجين عن الدين.
مقتل نظام الملك ووفاة ملكشاه:
قتل «نظام الملك» فى (١٠ من رمضان سنة ٤٨٥هـ = ١٤من أكتوبر
سنة ١٠٩٢م)، حين تقدم إليه أحد غلمان الباطنية (أو الحشاشين) وهو
فى ركب السلطان فى صورة سائل أو مستغيث، فلما اقترب منه
أخرج سكينًا كان يخفيها فى طيات ملابسه فطعنه بها طعنات قاتلة.
وقد اختلف المؤرخون فى بيان السبب الذى أدى إلى مقتل «نظام
الملك»، فقيل إن نفوذ «نظام الملك» وأولاده وشيعته تفاقم بصورة
مثلت خطرًا على السلطان «ملكشاه» فدبر قتله، وقيل إن السبب فى
ذلك حربه الدائمة ضد المذاهب الهدامة وعلى رأسها مذهب الباطنية أو
الحشاشين.
وعقب مقتل «نظام الملك» عين «ملكشاه» «تاج الملك أبا الغنائم
الشيرازى» وزيرًا، وكان صاحب خزانة السلطان ومعروفًا بحقده على
«نظام الملك».
وقد تُوفِّى «ملكشاه» بعد وفاة «نظام الملك» بخمسة وثلاثين يومًا
فى (١٥ من شوال سنة ٤٨٥هـ = ١٨ من نوفمبرسنة ١٠٩٢م)، فانطوت
صفحة من أكثر صفحات التاريخ السلجوقى تألقًا وعظمة.
فقد كان السلطان «ملكشاه» أعظم سلاطين «السلاجقة» وأحسنهم
стр. 357
سيرة، وأعدلهم حكمًا، منصورًا فى حروبه، جوادًا يحب الإنفاق فى
وجوه الخير، لا يبخل بمال على ما ينفع العلم والدين، ومما يروى فى
ذلك أن أحد كبار حاشيته - وهو «تاج الملك» - أراد أن يفسد العلاقة
بينه وبين «نظام الملك»، فذكر له أن الوزير ينفق فى كل سنة على
أصحاب المدارس والفقهاء والعلماء ثلاثمائة ألف دينار، ولو جهز بهذا
المبلغ جيشًا لبلغ باب «القسطنطينية»! فطلب السلطان «ملكشاه»
حضور «نظام الملك» وسأله عن حقيقة الأمر فقال له: قد أعطاك الله -
تعالى - وأعطانى بك ما لم يعطه أحدًا من خلقه، أفلا نعوضه عن ذلك
فى حَمَلَةِ دينه وحَفَظَةِ كتابه ثلاثمائة ألف دينار؟! ثم إنك تنفق على
الجيوش المحاربة فى كل سنة أضعاف هذا المال مع أن أقواهم
وأرماهم لا تبلغ رميته ميلاً، ولا يضرب بسيفه إلا ما قرب منه، وأنا
أُجيش لك بهذا المال جيشًا تصل من الدعاء سهامه إلى العرش لا
يحجبها شىء عن الله تعالى!! فبكى السلطان وقال: «يا أبت
استكثر من الجيش، والأموالُ مبذولة لك، والدنيا بين يديك».
تدهور أوضاع السلاجقة بعد وفاة ملكشاه:
بدأت مظاهر الضعف تنتشر فى جسم «الدولة السلجوقية» عقب وفاة
«ملكشاه»، فظهر الانقسام والتمزق والفتن، باستثناء فترة حكم
السلطان «معز الدين سنجر أحمد»؛ حيث شهدت الدولة قوة وصحوة
مؤقتة.
ويوجد عدد من النقاط الأساسية التى لا يمكن إغفالها عند تناول
تاريخ الفترة التى شهدت تدهور أوضاع «السلاجقة»، وهى:
أولاً: فروع السلاجقة:
يتفرع «السلاجقة» إلى خمسة فروع رئيسية هى:
(أ) السلاجقة العظام:
وهم ستة: «طغرل بك»، و «ألب أرسلان»، و «ملكشاه»، و «ركن الدين
أبو المظفر بَرْكيَارُق» (٤٨٥ - ٤٩٨هـ = ١٠٩٢ - ١١٠٥م) و «غياث الدين
أبو شجاع محمد» (٤٩٨ - ٥١١هـ = ١١٠٥ - ١١١٧م)، و «معز الدين
سنجر أحمد» (٥١١ - ٥٥٢هـ = ١١١٧ - ١١٥٧م).
ورغم أن مصطلح «السلاجقة العظام» يطلق على هؤلاء الستة، إلا أن
стр. 358
الجديرين حقا بهذا الوصف هم الثلاثة الأُوَل، أما الآخرون فقد خاضوا
كثيرًا من الحروب ضد أبناء بيتهم وعانت الدولة فى عهدهم من
عوامل الفرقة والتمزق.
(ب) سلاجقة العراق:
ويطلق هذا المصطلح على أمراء «السلاجقة» الذين سيطروا على
«العراق» و «الرى» و «همدان» و «كردستان»، وكان امتداد نفوذهم
فى هذه المناطق على حساب «السلاجقة العظام»، واستمر نفوذهم
من سنة (٥١١هـ= ١١١٧م) إلى سنة (٥٩٠هـ= ١١٩٤م)، حين تمكن
الخوارزميون من القضاء على «طغرل الثالث» آخر سلاطينهم.
(ج) سلاجقة كرمان:
وقد بدأ نفوذهم فى الجنوب الشرقى لفارس وفى بعض مناطق
الوسط سنة (٤٣٣هـ = ١٠٤٢م)، قبل دخول «طغرل بك» «بغداد»،
واستمر حتى سنة (٥٨٣هـ = ١١٨٧م)، حين قضى التركمان الغز (٤١)
على سلطتهم هناك.
(د) سلاجقة الشام:
وكان نفوذهم فى المناطق التى استولى عليها «السلاجقة» من
الفاطميين أو الروم فى «الجزيرة» و «الشام»، وقد بدأ نفوذهم فى
هذه المناطق سنة (٤٨٧هـ = ١٠٩٤م) وانتهى سنة (٥١١هـ=١١١٧م)
على يد أتابكة «الشام» و «الجزيرة».
(هـ) سلاجقة الروم:
وكان نفوذهم فى الأراضى التى استطاع «السلاجقة» الاستيلاء
عليها من الروم فى «آسيا الصغرى»، وكانت إمارتهم أطول إمارات
«السلاجقة» عمرًا؛ حيث بدأت سنة (٤٧٠هـ = ١٠٧٧م) واستمرت حتى
سنة (٧٠٠هـ = ١٣٠١م) حين استطاع الأتراك العثمانيون القضاء عليها.
ثانيًا: الحروب الصليبية والسلاجقة:
كان اتساع نفوذ «السلاجقة» وتهديده للإمبراطورية البيزنطية
و «أوربا»، خاصة بعد معركة «ملاذكرد»، سببًا فى قيام الحروب
الصليبية.
فقد عقد البابا «إربان الثانى» مجمع «كليرمونت» فى (١٨ من
نوفمبر سنة ١٠٩٥م = ٢٨ ذى القعدة سنة ٤٨٨هـ)، وألقى فيه خطابًا
طالب فيه المسيحيين فى «أوربا» بالقيام بحرب دينية (صليبية) تهدف
إلى مساعدة إخوانهم المسيحيين فى الشرق، وتخليص الأماكن
المسيحية من قبضة المسلمين، وطرد «السلاجقة» من «آسيا
الصغرى».
стр. 359
وكان من الطبيعى أن يقوم «السلاجقة» بالتصدى لتلك الحروب
وحماية العالم الإسلامى من أخطارها، ولكن ذلك لم يحدث بسبب تمزق
دولتهم بعد وفاة «ملكشاه»، واشتعال الصراع فيما بينهم للسيطرة
على «الشام»؛ مما أدى إلى اضطراب الأمور وإتاحة الفرصة لنجاح
الحملة الصليبية الأولى (١٠٩٦ - ١٠٩٩م = ٤٨٩ - ٤٩١هـ).
فقد اكتسح الصليبيون قوات «سلاجقة» الروم فى «آسيا الصغرى»
بقيادة الحاكم السلجوقى «قلج أرسلان»، ثم تقدموا فى اتجاه مدينة
«الرهابين»: «الموصل» و «الشام»، فاستولوا عليها وتوجَّهوا إلى
«أنطاكية» فحاصروها حتى استسلمت وفر أميرها السلجوقى
«باغى سيان»، وساروا بعد ذلك إلى «معرة النعمان» التى ينتسب
إليها الشاعر المشهور «أبو العلاء المعرى»، فحاصروها حتى
استسلم أهلها فقتلوا منهم ما يزيد على مائة ألف، ثم جاء فتح
الصليبيين الأكبر بالاستيلاء على «بيت المقدس» فى (رمضان سنة
٤٩٢هـ = يوليو سنة١٠٩٩م) بعد محاصرته عدة أسابيع، وارتكب فيه
الصليبيون مذبحةً تقشعر لها الأبدان؛ حيث قتلوا ما يزيد على سبعين
ألفًا منهم جماعة كثيرة من أئمة المسلمين وعلمائهم وعُبَّادهم
وزهَّادهم، الذين كانوا يتعبدون بجوار «بيت المقدس».
وقد وقف «السلاجقة» عاجزين أمام طوفان الصليبيين، فقد كانت
أوضاع دولتهم تنتقل من سيئ إلى أسوأ، وكانت الخلافة العباسية
جسمًا بلا روح، ولم يكن وضع الفاطميين فى «مصر» يتيح لهم
مواجهة الصليبيين.
وظل الأمر كذلك حتى ولى السلطان «محمود بن محمد بن ملكشاه»
«عماد الدين زنكى» إمارة «الموصل» والبلاد التابعة لها، فكان ذلك
فاتحة خير للمسلمين؛ حيث استطاع «عماد الدين زنكى» مد نفوذه
إلى «الجزيرة» و «الشام»، فاستولى على «حلب» سنة (٥٢٢هـ =
١١٢٨م)، وعلى «حماة» سنة (٥٢٣هـ = ١١٢٩م)، ونذر نفسه للجهاد
المقدس ضد الصليبيين، وكان أعظم إنجاز حققه «زنكى» فى هذا
المجال استرداده مدينة «الرها» من الصليبيين فى (جمادى الآخرة
стр. 360
سنة ٥٣٩هـ = ديسمبر سنة ١١٤٤م).
وقد أعد «عماد الدين زنكى» أبناءه الثلاثة «نور الدين محمود»،
و «سيف الدين غازى»، «وقطب الدين مودود» لمواصلة الجهاد المقدس
ضد الصليبيين.
فاستطاع «نور الدين محمود» الذى خلف أباه على حكم «سوريا»
سنة (٥٤١هـ = ١١٤٦م) أن يؤمن فتوحات والده فى «الرها»، وأن
ينزل هزيمة ساحقة بحاكم «الرها» الصليبى «جوسلين»، وتمكن من
أسره سنة (٥٤٦هـ = ١١٥١م) كما حقق فتوحات عظيمة فى إمارة
«أنطاكية» وقتل أميرها «ريموند» فى (ربيع الأول سنة٥٤٤ هـ =
يوليو سنة ١١٤٩م).
ويرجع إلى «نور الدين محمود» الفضل فى استمرار حركة الجهاد
الإسلامى ضد الصليبيين ووصولها إلى ذروتها على يد السلطان
«صلاح الدين الأيوبى» الذى تربى فى خدمة «نور الدين محمود»،
وتشرَّب على يديه حب الجهاد دفاعًا عن الإسلام، واستطاع أن يفتح
«مصر» فى حياة «نور الدين» لتنضم إلى «الشام» وتتم عملية تطويق
الصليبيين.
وعقب وفاة «نور الدين محمود» فى (شوال سنة ٥٦٩هـ = إبريل
سنة١١٧٤م) أصبح «صلاح الدين الأيوبى» سلطان «مصر» و «الشام»،
واستطاع أن يحقق أروع انتصار فى تاريخ الجهاد الإسلامى ضد
الصليبيين فى معركة «حِطِّين» سنة (٥٨٣هـ = ١١٨٧م)؛ حيث استرد
المسلمون «بيت المقدس».
ثالثًا: الباطنية والسلاجقة:
«الباطنية» فرقة تجعل الباطن أساسًا لفهم أمور الدين ولا تعتمد على
الظاهر، وتلجأ إلى تأويل النصوص وتضم هذه الفرقة «القرامطة»،
و «الخُرَّمية»، و «الإسماعيلية»، و «الحشاشين».
وقد ظهرت «حركة الباطنية» فى العصر السلجوقى بصورة أقلقت
سلاطين «السلاجقة»، واستنفذت الكثير من جهودهم، فقد استطاع
زعيمهم «الحسن بن الصباح» الاستيلاء على عدة قلاع حصينة فى
«فارس»، أشهرها قلعة «أَلَموت» بنواحى «قزوين»، التى ظلت
معقل «الحركة الباطنية» لما يقرب من قرنين من الزمان.
وقد حاول «نظام الملك» أن يضع حدا لنفوذ «الباطنية» وأمر
стр. 361
بمطاردتهم فى كل مكان، وأرسل جيشًا للاستيلاء على «ألموت»
ولكنه قتل فى (رمضان سنة ٤٨٥هـ = أكتوبر سنة ١٠٩٢م)، ورجح
المؤرخون قيام «الباطنية» بقتله.
وقد قام «السلاجقة» بمحاولات متتالية لتصفية قواعد «الباطنية»
ومحاصرة نشاطهم، نجح بعضها، وواجه بعضها الفشل.
وكان السلطان «ملكشاه» أول سلاطين «السلاجقة» الذين حاولوا
مواجهة خطر «الباطنية»، فأرسل إليهم جيشًا بقيادة «أرسلان
طاسن»، ولكنه هزم هزيمة منكرة.
وتعتبر الجهود التى قام بها السلطان «غياث الدين محمد بن ملكشاه»
ضد «الباطنية» أخطر ما واجهته هذه الحركة فى عهد «السلاجقة»،
ففى سنة (٥٠٠هـ= ١١٠٧م) توجه السلطان «محمود» بنفسه إلى
«أصبهان» لحرب «الباطنية» الذين كانوا يعتصمون بقلعة «شاهْدَز»
المنيعة بزعامة «أحمد بن عبدالملك بن عطاش»، وقد نجح السلطان
«محمد» فى الاستيلاء على هذه القلعة وقتل زعيمها «ابن عطاش»
وكثيرًا من «الباطنية» فى (ذى القعدة سنة ٥٠٠هـ = يونيوسنة ١١٠٧
م).
وفى عهد السلطان «معز الدين سنجر» (٥١١ - ٥٥٢هـ = ١١١٧ -
١١٥٧م) قتل «الباطنية» وزيره «معين الملك أبا نصر أحمد بن الفضل»
سنة (٥٢١هـ = ١١٢٧م)، وأدرك السلطان مدى خطورتهم، فاتبع معهم
سياسة المهادنة.
ورغم وفاة زعيم «الباطنية» «الحسن بن الصباح» سنة (٥١٨هـ=
١١٢٤م) فإن «السلاجقة» لم يستطيعوا استرداد قلعة «ألموت» منهم،
فظلت تحت سيطرتهم حتى استولى عليها المغول سنة (٦٥٤هـ=
١٢٥٦م)، ولم ينحصر نشاط «الإسماعيلية الباطنية» فى عهد
«السلاجقة» فى بلاد «فارس»، بل امتد إلى «الشام»، وكانت له
آثاره المدمرة، واتسع نشاطهم فى «حلب» فى عهد أميرها
السلجوقى «رضوان بن تُتُش بن ألب أرسلان» (٤٨٨ - ٥٠٧ هـ = ١٠٩٥
- ١١١٣م)، وحينما تصدى لهم أمير دمشق» «تاج الملوك بورى بن
طغتكين» سنة (٥٢٣هـ = ١١٢٩م)، وقتل منهم آلافًا تربصوا به
وهاجموه سنة (٥٢٥هـ = ١١٣١م) وجرحوه جراحات خطيرة، تُوفِّى
متأثرًا بها فى العام التالى.
стр. 362
وكان من أخطر محاولات «الباطنية» لاغتيال خصومهم محاولتهم
اغتيال السلطان «صلاح الدين الأيوبى» أكثر من مرة فاشلة.
وقد أثرت المتاعب التى أثارها «الباطنية» فى وجه «السلاجقة» فى
قدرتهم على القيام بدور أكثر إيجابية فى التعامل مع الصليبيين.
وقد ارتبط اسم «الحشاشين» بالباطنية الإسماعيلية فى الفترة التى
أعقبت استيلاءهم على قلعة «ألموت» سنة (٤٨٣هـ = ١٠٩٠م) فى
أواخر عهد السلطان «ملكشاه»، وحتى سقوط معاقلهم فى «فارس»
و «الشام» على يد المغول، وسبب ذلك أنهم كانوا يطلبون من الذين
يتم تكليفهم بالقيام بعمليات الاغتيال تعاطى مادة الحشيش المخدرة
حتى يصبحوا أدوات طيعة فى أيدى من يستخدمونهم لتنفيذ هذه
العمليات.
رابعًا: سقوط الخلافة الفاطمية ودخول مصر تحت لواء الخلافة
العباسية (٥٦٧هـ = ١١٧١م):
ظلت «مصر» خاضعة للفاطميين أكثر من قرنين تعاقب خلالها على
كرسى الخلافة الفاطمية بمصر أحد عشر خليفة، ابتداءً بالمعز لدين
الله وانتهاءً بالعاضد لدين الله، الذى عادت «مصر» فى عهده إلى
الخلافة العباسية فى (المحرم سنة ٥٦٧هـ = سبتمبر ١١٧١م)، فبعد
وفاة الخليفة الفاطمى «الفائز بنصر الله» فى رجب سنة (٥٥٥هـ)
تولى «العاضد بالله»، آخر خلفاء الفاطميين، عرش «مصر»، وكان
صبيا لم يبلغ الحلُم، فأشرف وزيره «طلائع بن رُزِّيك» الأرمنى على
تدبير شئون البلاد، حتى قتل فى (رجب سنة ٥٥٦هـ = يونيو
سنة١١٦١م) بتدبير من حاشية «العاضد» - فتولى الوزارة بعده ابنه
«رُزِّيك بن طلائع»، الذى قتل أيضًا فى سنة (٥٥٨هـ = ١١٦٣م)، على
يد أحد منافسيه وهو «شاور بن مجير السعدى» الذى تولى الوزارة
بعده.
كان «شاور» انتهازيا سيئ الطبع، خبيثًا سفاكًا للدماء، أساء
معاملة الرعية، فثار عليه أحد القادة المشهورين فى «مصر» وهو
«ضِرْغام بن عامر»، واستطاع هزيمته هزيمة ساحقة وكان ذلك بداية
الطريق لانتهاء النفوذ الفاطمى فى «مصر».
стр. 363
لجأ «شاور» بعد هزيمته إلى السلطان «نور الدين محمود» بالشام،
وأطمعه فى ملك «مصر»، فأرسلَ معه حملة للاستيلاء على «مصر»
بقيادة «أسد الدين شيركوه بن شاوى الكردى» عم «صلاح الدين
الأيوبى»، فدخل «القاهرة» فى أواخر (جمادى الآخرة سنة ٥٥٩هـ =
مايو سنة ١١٦٤م)، وقتل «ضرغام»، وأعاد «شاور» للوزارة فى
(رجب سنة ٥٥٩هـ = مايو سنة ١١٦٤م)، إلا أن «شاور» غدر بعهده مع
السلطان «نور الدين محمود» وقائده «أسد الدين»، فطلب من «أسد
الدين» العودة إلى «الشام» فرفض واتجه إلى مدينة «بلبيس»،
واستولى عليها وتحصن بها.
استعان «شاور» بملك «بيت المقدس» الصليبى «أملريك» الذى تسميه
المصادر العربية «مُرِّى»، وشرح له ما قد يتعرض له الفرنج من مخاطر
إذا استولى السلطان «نور الدين محمود» على «مصر»، فاستجاب له
«أملريك» وتقدم بجيشه نحو «مصر»؛ حيث اتجه مع «شاور» إلى
«بلبيس» لمحاصرة «أسد الدين شيركوه»، إلا أن الأخبار جاءت إلى
«أملريك» بأن «نور الدين محمود» انتهز فرصة غيابه عن «فلسطين»
فهاجمها واستولى على بعض قلاعها، فاضطر «أملريك» إلى رفع
الحصار عن «أسد الدين شيركوه» والتفاوض معه على العودة إلى
«الشام»، فتوجه «أسد الدين» إلى «الشام» فى (ذى الحجة سنة
٥٥٩هـ = أكتوبر ١١٦٤م).
وفى (ربيع الآخر سنة ٥٦٢هـ= فبراير سنة ١١٦٧م) قاد «أسد الدين»
حملته الثانية على «مصر»، بعد استئذان السلطان «نور الدين
محمود»، فاستنجد «شاور» بالصليبيين وملك «بيت المقدس»
«أملريك»، والتقى الطرفان فى مكان يسمى «البابين» بنواحى
المنيا بصعيد «مصر» فى (٢٥ جمادى الآخرة سنة ٥٦٢هـ = إبريل سنة
١١٦٧م)، واستطاع «أسد الدين شيركوه» أن يهزم جيش «أملريك»
و «شاور» رغم قلة جنده، كما استولى على «الإسكندرية» وأناب
عليها ابن أخيه «صلاح الدين»، واستولى على الصعيد.
وقد حاول الفرنج انتزاع «الإسكندرية» من «صلاح الدين» فحاصروها
стр. 364
عدة أشهر بلا فائدة، فتم الاتفاق بين الفرنج و «أسد الدين» على
تسليم «الإسكندرية» لشاور مقابل حصول «أسد الدين» على خمسين
ألف دينار وانسحاب الفرنج من «مصر».
وتطورت الأحداث فى «مصر» بصورة خطيرة، فقد حاول ملك «بيت
المقدس» «أملريك» السيطرة على «مصر» بمعاونة «شاور»،
فاستولى على «بلبيس» فى (صفر ٥٦٤هـ = نوفمبر سنة ١١٦٨م)
وتوجه إلى «القاهرة» وحاصرها، مما دفع الخليفة الفاطمى
«العاضد» إلى أن يستغيث بالسلطان «نور الدين محمود»، الذى
أرسل إليه حملة بقيادة «أسد الدين شيركوه» ومعه ابن أخيه «صلاح
الدين»، فرفع الفرنج الصليبيون حصارهم عن «القاهرة» وتركوا
«مصر» قبل وصول جيش «أسد الدين شيركوه»، فأصبح الطريق
ممهدًا أمام «أسد الدين»، ودخل «القاهرة» فى (٧ من ربيع الآخر
سنة ٥٦٤هـ = ٨ من يناير ١١٦٩م)، وقتل «شاور» بإذن من الخليفة
«العاضد» فى (١٧ ربيع الآخر سنة ٥٦٤هـ = ١٨ من يناير سنة ١١٦٩م)
وأصبح «أسد الدين شيركوه» وزيرًا للخليفة «العاضد»، وبعد وفاته
فى (٢٢ من جمادى الآخرة سنة ٥٦٤هـ) تولى ابن أخيه «صلاح
الدين» الوزارة ولقبه «العاضد» بالملك الناصر، فانتهى نفوذ
الفاطميين الفعلى فى «مصر» وأصبحت خلافتهم شكلية فقط.
وعقب تولى «صلاح الدين» الوزارة، بدأ يمهد الأمور للقضاء التام
على النظام الفاطمى فى «مصر»، فاستقل بالأمور، ومنع الخليفة
«العاضد» من التصرف فى شئون البلاد، ثم عزل قضاة «مصر»
الشيعة سنة (٥٦٦هـ = ١١٧١م)، وعين «عبدالملك بن درباس» من كبار
فقهاء الشافعية فى منصب «قاضى القضاة»، وأوقف الأذان بحى
على خير العمل فى ديار «مصر» كلها، وهى العبارة التى تقحمها
الشيعة فى صيغة الأذان المعروفة.
وفى (الجمعة الثانية من شهر المحرم سنة ٥٦٧هـ = سبتمبر سنة
١١٧١م) أمر «صلاح الدين» خطباء «مصر» بقطع الخطبة للعاضد وأن
يخطبوا للخليفة العباسى المستضىء، وبذلك سقطت الخلافة الفاطمية
стр. 365
فى «مصر»، وخضعت «مصر» مرة ثانية للخلافة العباسية، مما كان
له صدى هائل من الفرح والبهجة فى مجتمع أهل السنة فى جميع
بقاع العالم الإسلامى.
وقد تُوفِّى الخليفة «العاضد» فى (العاشر من المحرم سنة ٥٦٧هـ =
١٣ من سبتمبر سنة ١١٧١م) بعد قطع الخطبة له وانتهاء خلافته بأيام
قليلة.
جدير بالذكر أن «صلاح الدين» كان يحكم «مصر» فى ذلك الوقت
نائبًا عن السلطان «نور الدين محمود»، الذى كان خاضعًا للخليفة
العباسى ببغداد من الناحية الشكلية، وقد تُوفِّى «نور الدين محمود»
فى (١١ من شوال سنة ٥٦٩ هـ = أبريل سنة ١١٧٤م)، مما مهد الطريق
أمام «صلاح الدين» للاستقلال بحكم «مصر»، وضم ممتلكات «نور
الدين» فى «الشام» إلى «مصر»؛ حيث قامت «الدولة الأيوبية» التى
كانت تدين بالولاء الرسمى للخلافة العباسية.
خامسًا: تطور علاقة السلاجقة بالخلفاء العباسيين:
رغم تعدد روابط المصاهرة بين «السلاجقة» والعباسيين واحترام
السلاطين «السلاجقة» لمنصب الخلافة وإذعانهم له فقد حدث نزاع بين
الطرفين فى بعض الأوقات، وصل أحيانًا إلى استخدام السيف، فبعد
أن بايع الخليفة «المقتدى» ولده «المستظهر بالله» بولاية العهد،
اعترض السلطان «ملكشاه» على ذلك وألزم الخليفة بخلعه وتعيين
ابنه الأصغر «جعفر» وليا للعهد؛ لأنه كان ابن بنت السلطان. كما أمر
السلطان الخليفة بأن يسلم له «بغداد» وأن يخرج إلى «البصرة»،
فشق ذلك على الخليفة ولم ينقذه من ذلك إلا وفاة السلطان.
وفى عهد الخليفة «المسترشد بالله» (٥١٢ - ٥٢٩هـ = ١١١٨ - ١١٣٥م)
وابنه «الراشد بالله» (٥٢٩ - ٥٣٠ هـ = ١١٣٥ - ١١٣٦م) تعرضت العلاقة
بين «السلاجقة» والخلفاء إلى أزمة خطيرة انتهت بقتل الأول وخلع
الثانى.
سادسًا: ظهور الدولة الخوارزمية وقضاؤها على السلاجقة:
نشأت «الدولة الخوارزمية» فى ظلال «دولة السلاجقة»، فقد ظهر فى
عهد «ملكشاه الأول» مملوك تركى اسمه «أنوشتكين»، تمتع بتقدير
стр. 366
خاص فى بلاط «السلاجقة»، وبسبب ما كان يتمتع به هذا المملوك من
حسن الخلق والشجاعة، فقد ولاه السلطان «ملكشاه» ولاية
«خوارزم».
وعندما تُوفِّى «أنوشتكين» سنة (٤٩٠هـ = ١٠٩٧م)، تولى ابنه
«محمد» إمارة «خوارزم»، وكان يلقب «قطب الدين»، و «خوارزم
شاه» أى أمير «خوارزم»، واستمر فى الإمارة ثلاثين عامًا، أسس
خلالها «الدولة الخوارزمية».
وعقب وفاة مؤسس «الدولة الخوارزمية» سنة (٥٢٢هـ = ١١٢٨م) خلفه
فى منصبه ابنه «أتسز»، بموافقة السلطان «سنجر»، وتلقب بأبى
المظفر علاء الدولة، ورغم أن علاقة «أتسز» بسنجر بدأت طيبة كما
كانت فى عهد أبيه «محمد»، فإنها لم تلبث أن تدهورت بعد أن
أظهر «أتسز» رغبته فى الاستقلال عن «السلاجقة»، مما دعا
السلطان «سنجر» إلى مهاجمته وإجباره على الاستسلام، وقد تُوفِّى
«أتسز» عام (٥٥١هـ = ١١٥٦م) قبل وفاة «سنجر» بعام.
وقد تميز عهد «أتسز» فى «خوارزم» بازدهار الحركة العلمية
والفكرية، وارتبط بهذا العهد اسم عالم من أشهر رجال الفكر
الإسلامى هو «جار الله أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشرى
الخوارزمى» صاحب الإنتاج الوافر فى علوم التفسير والكلام والنحو
واللغة، ومن أشهر مؤلفاته: «الكشاف» فى تفسير القرآن الكريم.
وتولى سلطنة «خوارزم» بعد «أتْسِز» ابنه «إيل أرسلان» (تاج الدين
أبو الفتح)، الذى استمر فى الحكم من سنة (٥٥١ هـ = ١١٥٦م) إلى
سنة (٥٦٧هـ = ١١٧٢م)، ثم تولَّى بعده ابنه الأصغر «سلطان شاه»
الذى دخل فى صراع مع أخيه الأكبر «علاء الدين تَكَشْ» حول
السلطة، وانتهى باستيلاء «تَكَشْ» على «خوارزم» سنة (٥٦٨هـ =
١١٧٣م).
وتعد فترة حكم «تكش» (٥٦٨ - ٥٩٦ هـ = ١١٧٣ - ١٣٠٠م) العصر
الذهبى للدولة الخوارزمية، فقد استطاع أن يمد حدود إمارته الصغيرة
إلى «الهند» و «الخليج الفارسى» جنوبًا، وإلى «الفرات» و «شمال
الفولجا» غربًا.
ومما أضفى مزيدًا من الأهمية على حكم «تكش» انتصاره على
стр. 367
السلطان السلجوقى «طغرل الثالث» (٥١) (٥٧١ - ٥٩٠ هـ = ١١٧٥ -
١١٩٤م)، فى المعركة التى وقعت قرب «الرى» والتى انتهت بقتل
السلطان السلجوقى وانهيار «دولة السلاجقة» فى شهر (ربيع الأول
سنة ٥٩٠هـ = مارس ١١٩٤م).
وقد ترتب على ذلك سيطرة «تكش» على معظم البلاد التى كانت
خاضعة لنفوذ سلاجقة «العراق»، وأهمها «همذان» و «أصفهان»
و «الرى»، وصارت بلاد «الجبل» أو ما يسمى «العراق العجمى» من
أملاك «الدولة الخوارزمية».
وقد حاول الخليفة العباسى «الناصر لدين الله» (أبو العباس أحمد بن
المستضىء) أن يضع حدا لأطماع «تكش» ونفوذه، وكان ذلك بداية
المرحلة الأخيرة فى العصر العباسى الثانى.
стр. 368
الفصل السابع
*عصر ما بعد السلاجقة
[٥٩٠ - ٦٥٦هـ =١١٩٤ - ١٢٥٨ م]
تعاقب فى منصب الخلافة فى هذا العصر أربعة خلفاء هم:
١ - الناصر لدين الله (٥٩٠ - ٦٢٢هـ = ١١٩٤ - ١٢٢٥م).
٢ - الظاهر بأمر الله (أبو نصر محمد بن الناصر لدين الله) (٦٢٢ - ٦٢٣هـ
= ١٢٢٥ - ١٢٢٦م).
٣ - المستنصر بالله (أبو جعفر منصور بن الظاهر بأمر الله) (٦٢٣ - ٦٤٠
هـ = ١٢٢٦ - ١٢٤٢م).
٤ - المستعصم بالله (أبو أحمد عبدالله بن المستنصر بالله) (٦٤٠ -
٦٥٦هـ = ١٢٤٢ - ١٢٥٨م).
أما أول هؤلاء الخلفاء - وهو «الناصر لدين الله» - فقد حاول أن يضع
حدا لطموح «علاء الدين تكش»، الذى أراد أن يتنازل له الخليفة عن
السلطة المدنية فى «بغداد»، وأن يكتفى بالسلطة الاسمية على
العالم الإسلامى، فأشعل الخليفة فتيل الصراع بينه وبين سلطان
الغور «غياث الدين محمد بن بهاء الدين»، ونشبت بينهما الحرب سنة
(٥٩٤هـ = ١١٩٨م) وانتهت بهزيمة «تكش».
ولم يكتفِ الخليفة «الناصر» بالاستعانة بالغوريين لإضعاف نفوذ
الخوارزميين، بل إنه استعان بالإسماعيلية الباطنية، وطلب من التتار
(المغول) مساعدته فى القضاء على نفوذ أمراء «خوارزم»، فكان
«الناصر» كالمستجير من الرمضاء بالنار؛ حيث قضى التتار على
«الدولة الخوارزمية»، وقضوا على «الخلافة العباسية» أيضًا.
ظهور المغول والقضاء على الدولة الخوارزمية:
المغول اسم أطلقه «جنكيز» على أتباعه، وهم شعب وثيق الصلة
بالترك فى اللغة والشكل، يقيم فى المنطقة الواقعة ما بين «الصين»
و «سيبريا الجنوبية» والمنطقة المعروفة اليوم باسم «منغوليا».
ويرى بعض الباحثين أن «المغول» كلمة أوسع دلالة من «التتار»
الذين يمثلون جزءًا من المغول، ولكن الاستعمال الشائع الآن يسوى
بين الكلمتين فى الدلالة.
وقد كان المغول قبائل صغيرة تعيش فى فقر وانحطاط، واستطاع
«جنكيز خان» فى أواخر القرن السادس الهجرى (الثانى عشر
الميلادى) أن يوحِّد هذه القبائل لتصبح «منغوليا» كلها تحت سلطانه
стр. 369
سنة (٦٠٣هـ = ١٢٠٦م)، وقد تلقب منذ ذلك الحين بلقب «إمبراطور»،
وعرف باسم «جنكيز خان» بدلاً من اسمه الأصلى «تموُين» أو
«تيمورُى».
وقد استطاع «جنكيز خان» تكوين إمبراطورية شاسعة، ففى سنة
(٦١٢هـ = ١٢١٥م) استولى على «بكين» وفى ذى الحجة سنة (٦١٦هـ
= ١٢١٩م) استولى على مدينة «بخارى» عاصمة «ما وراء النهر»
وأشعل فيها النار، فحولها إلى كومة رماد، وقتل من أهلها ثلاثين
ألفًا.
وفى (١٠ من المحرم سنة ٦١٧هـ = ١٧ من مارس سنة ١٢٢٠م) استولى
على «سمرقند»؛ فسوَّاها بالأرض بعد أن قتل أهلها بلا رحمة.
وفى (شوال سنة ٦١٧هـ = نوفمبر سنة ١٢٢٠م) تُوفِّى السلطان «علاء
الدين محمد بن تكش» بعد أن استبد به الغم بسبب سقوط «ما وراء
النهر» فى يد المغول واقترابهم من «خوارزم»، فتولى بعده ابنه
«جلال الدين منكوبردى»، الذى يعرف عادة باسم «جلال الدين
منكبرتى»، وهو آخر سلاطين «خوارزم».
وفى أوائل عهد «جلال الدين» سنة (٦١٨هـ = ١٢٢١م) استولى
المغول على «خوارزم» بعد حصار دام خمسة أشهر، وسقطت بذلك
«الدولة الخوارزمية» ببلاد «ما وراء النهر»، وفر السلطان «جلال
الدين» متنقلاً فى عدة بلاد حتى قتله جماعة من الأكراد الناقمين
بإحدى قرى «ميافارفين»، فى منتصف (شوال سنة ٦٢٨هـ =
أغسطس سنة ١٢٣١م)، ففقد المسلمون بطلاً كانوا يطمعون فى
توحيد صفوفهم تحت لوائه لإيقاف طوفان المغول الجارف.
وقد تُوفِّى الخليفة «الناصر» فى أواخر (رمضان سنة ٦٢٢هـ = سبتمبر
١٢٢٥م) وعمره نحو سبعين عامًا، بعد أن استمر فى الحكم سبعةً
وأربعين عامًا. وقد شهدت خلافته سقوط «دولة السلاجقة»، وظهور
قوة المغول، وإسقاطهم «الدولة الخوارزمية»، وتهديدهم للعالم
الإسلامى كله، وكانت الخلافة العباسية قد فقدت معظم أرضها ولم
تعد كلمة الخليفة مسموعة إلا فى بعض «العراق»؛ فأصبحت الخلافة
شكلاً بلا مضمون ووقفت عاجزة أمام هذه الأحداث التى زلزلت كيان
الأمة الإسلامية كلها.
стр. 370
وقد تولى الخلافة بعد «الناصر» ابنه «أبو نصر محمد» الملقب
بالظاهر بأمر الله، وكان حسن السيرة، عادلاً، لكن خلافته لم تطل،
فقد تُوفِّى فى (١٤ من رجب سنة ٦٢٣هـ = ١١ من يوليو سنة ١٢٢٦م)،
فلم يدم فى الخلافة عامًا.
وتولى الخلافة بعد الظاهر بأمر الله ابنه «أبو جعفر المنصور» الملقب
بالمستنصر بالله، فسار على طريقة أبيه فى العدل والإحسان
وتقريب أهل العلم والدين، وقمع المتمردين، ولكن الظروف القاسية
التى أحاطت بالخلافة فى ذلك الوقت قيدت الخلفاء وشلت قدرتهم
على العطاء، فقد تصاعد خطر المغول فى خلافة «المستنصر بالله»
(٦٢٣ - ٦٤٠هـ = ١٢٢٦ - ١٢٤٢م)، وأصبح على أبواب «العراق»، حيث
تعرضت «الجزيرة» فى شمال «العراق» لهجمات المغول المدمرة.
وقد اجتمع على المسلمين فى هذه الفترة الخطر المغولى القادم من
الشرق، والخطر الصليبى القادم من الشمال، وانشقاق البيت الأيوبى
على نفسه عقب وفاة «صلاح الدين الأيوبى»، ولم يستطع الخليفة
«المستنصر» أن يفعل شيئًا لعدم قدرته على ذلك.
وبعد وفاة الخليفة «المستنصر» فى (جمادى الآخرة سنة ٦٤٠هـ =
نوفمبر سنة ١٢٤٢م) تمت البيعة لابنه «أبى أحمد عبدالله» الملقب
بالمستعصم بالله، وهو آخر الخلفاء العباسيين فى «العراق»، وكان
عمره حينئذٍ ثلاثين عامًا.
ورغم أن «المستعصم بالله» كان موصوفًا بالصلاح والتمسك بالسنة
فإنه لم يكن كأبيه «المستنصر» أو جده «الناصر» فى التيقظ والحزم
وعلو الهمة.
ومما زاد الموقف سوءًا استعانته منذ سنة (٦٤٢هـ = ١٢٤٤م) بوزير
غير ثقة هو مؤيد الدين «أبو طالب محمد بن أحمد العلقمى»، الذى
وصفه المؤرخون بأنه كان رافضيا خبيثًا حريصًا على زوال «الدولة
العباسية»، ونقل الخلافة إلى العلويين، ويقال إنه راسل المغول
وأطمعهم فى القدوم إلى «بغداد»، حتى ينجو من القتل عندما
يدخلونها.
وقد شهدت خلافة «المستعصم» حدثًا خطيرًا كانت له آثاره البعيدة
стр. 371
فى التاريخ الإسلامى هو انتهاء حكم «الأسرة الأيوبية» فى «مصر»
وبداية حكم المماليك، سنة (٦٤٨هـ = ١٢٥٠م)، وكان الملك المعظم
«توران شاه» آخر حكام الأيوبيين فى «مصر»، ولم يستمر حكمه
شهرًا، فقد تولى الحكم فى أول شهر (المحرم سنة ٦٤٨هـ = منتصف
إبريل سنة ١٢٥٠م)، وقتل فى السابع والعشرين من الشهر نفسه
بتدبير زوجة أبيه «الملك الصالح» المعروفة باسم «شجرة الدر» التى
تولت الحكم بعده وتزوجت «عزالدين أيبك التركمانى»، أحد مماليك
زوجها الراحل «نجم الدين أيوب»، ثم خلعت نفسها من الحكم بعد
ثلاثة أشهر هى صفر وربيع الأول وربيع الثانى من عام (٦٤٨هـ =
١٢٥٠م)، وتولى زوجها «المعز أيبك» حكم «مصر»، وكان ذلك بداية
العصر المملوكى فى «مصر».
وقد استمر الملك «عزالدين أيبك» فى حكم «مصر» سبع سنوات، ثم
قُتل فى الثالث والعشرين من شهر (ربيع الأول سنة ٦٥٥هـ = ١٠ من
إبريل سنة ١٢٥٧م) بتدبير زوجته «شجرة الدر»، حين أراد الزواج
عليها، فتولى الحكم بعده ابنه «الملك المنصور نور الدين على ابن
أيبك»، وكان صبيا فى الخامسة عشرة من عمره، لا يحسن تدبير
الأمور، فتم خلعه بعد ولايته بنحو سنتين وثمانية أشهر فى (١٧ من
ذى القعدة سنة ٦٥٧هـ = ٥ من نوفمبر سنة ١٢٥٩م)، وتولى زمام
السلطة بعده «الملك المظفر سيف الدين قطز»، الذى كان له شأن
كبير فى الجهاد الإسلامى ضد المغول.
سقوط بغداد فى يد المغول وانهيار الخلافة العباسية فى العراق
[٦٥٦هـ = ١٢٥٨م]:
تصاعد خطر المغول فى خلافة «المستعصم بالله»، وخرج قائدهم
«هولاكو» (٦١) - حفيد «جنكيزخان» - على رأس جيش يبلغ تعداده
مائتى ألف قاصدًا «العراق»، وأرسل إلى الخليفة «المستعصم»
يطالبه بالاستسلام والدخول فى طاعته، لكن الخليفة أرسل بعض
الهدايا إلىهولاكو.
وقد وصل جيش «هولاكو» إلى «بغداد» فى شهر (المحرم سنة ٦٥٦هـ
= يناير سنة ١٢٥٨م) وأحاط بعاصمة الخلافة، وكان جيش «بغداد»
стр. 372
قليل العدد لايبلغ عشرة آلاف فارس، بعد أن كان مائة ألف فى عهد
الخليفة «المستنصر»، ولم يصمد جيش «بغداد» طويلاً فى مواجهة
المغول، فاقتحمت قوات «هولاكو» «بغداد» فى (١٠ من المحرم سنة
٦٥٦هـ = ١٧ من يناير سنة ١٢٥٨م)، وقبض «هولاكو» على الخليفة
«المستعصم» وأهل بيته، بتدبير من وزيره الخائن «ابن العلقمى»،
كما تم القبض على عدد كبير من علماء «بغداد» وأعيانها وأمرائها،
وتم قتلهم جميعًا، واستمر القتال فى «بغداد» أربعين يومًا، وبلغ
عدد القتلى أكثر من مليون شخص، وكانت بلية لم يُصب الإسلام
بمثلها.
وهكذا أسقط المغول «الخلافة العباسية» فى «بغداد» سنة (٦٥٦هـ=
١٢٥٨م)، بعد أكثر من خمسة قرون من قيامها سنة (١٣٢هـ = ٧٤٩م)،
وقد ظن المغول أن سقوط الخلافة العباسية قد مهد الطريق أمامهم
لاكتساح العالم الإسلامى ولكن آمالهم تحطمت على صخرة الجهاد
الباسل فى معركة «عين جالوت» بفلسطين فى رمضان سنة (٦٥٨هـ
= ١٢٦٠م)، بقيادة سلطان «مصر» المملوكى «قطز»، مما مهد الطريق
لإحياء الخلافة العباسية فى «مصر» على يد السلطان «الظاهر
بيبرس» سنة (٦٥٩هـ = ١٢٦١م).
стр. 373
الفصل الثامن
*الأوضاع الحضارية فى العصر العباسى الثانى:
رغم المشاكل السياسية العديدة التى شهدتها دولة الخلافة العباسية
فى عصرها الثانى فإن اللافت للنظر أن هذه الحقبة تُعدّ أخصب
عصور التاريخ الإسلامى فى عطائها الحضارى المتعدد الجوانب.
وسنكتفى هنا بتقديم نبذة مختصرة عن أهم هذه الجوانب:
١ - الجانب الثقافى:
نشطت حركة التأليف فى فروع العلم المختلفة نشاطًا ملحوظًا طوال
هذه الفترة وقدمت دولة الخلافة المترامية الأطراف علماء أفذاذًا
يعترف لهم العالم كله - حتى يومنا هذا - بالفضل والمكانة.
ففى مجال علوم الحديث: يتألق اسم عمدة المحدِّثين الإمام البخارى
المتوفى سنة (٢٥٦هـ = ٨٧٠م) هذا بالإضافة إلى مجموعة أخرى من
أعلام المحدثين لعل أبرزهم الإمام مسلم المتوفى سنة (٢٦١هـ =
٨٧٥م)، وأبو داود المتوفى سنة (٢٧٥هـ= ٨٨٨م)، وابن ماجة المتوفى
سنة (٢٧٣هـ = ٨٨٦م)، والترمذى المتوفى سنة (٢٧٩ هـ = ٨٩٢م)،
والنَّسائى المتوفى سنة (٣٠٣هـ = ٩١٥م)، وهؤلاء هم أصحاب
الصحاح المعروفون.
وقد برز من غير أصحاب الصحاح أيضًا عدد من أئمة المحدثين، من
أمثال داود الظاهرى المتوفى سنة (٢٧٠هـ = ٨٨٣م) وأبى الحسن
الدَّارَقُطْنى المتوفى سنة (٣٨٥هـ = ٩٩٥م)، الذى يصفه ابن كثير بأنه
كان «فريد عصره ونسيج وحده وإمام دهره فى أسماء الرجال
وصناعة التعليل والجرح والتعديل وحسن التصنيف والتأليف واتساع
الرواية والاطلاع التام فى الدراية». ومن هؤلاء أيضًا الحاكم
النيسابورى المتوفى سنة (٤٠٥هـ = ١٠١٤م)، وقد عرف عنه أنه كان
من أهل الدين والأمانة والصيانة والضبط والتجرد والورع، سمع الكثير
وطاف الآفاق وصنف الكتب الكبار والصغار.
وفى مجال العلوم اللغوية وجدنا أعلامًا نابهين يضيق عنهم الحصر،
ومن هؤلاء محمد بن يزيد المبرِّد صاحب الكامل المتوفى سنة (٢٨٥هـ
= ٨٩٨م)، وقد كان إمام النحاة فى عصره، ومن النحاة المشهورين
стр. 374
أيضًا الزَّجَّاج المتوفى سنة (٣١١هـ = ٩٢٣م)، وقد احتل عالم اللغة
الشهير أبو على الفارسى (المتوفى ببغداد سنة ٣٧٧هـ = ٩٨٧م)
مكانة متميزة فى بلاط الملك البويهى «عضد الدولة». وقد صنف
الفارسى لعضد الدولة كتاب «الإيضاح» و «التكملة» فى النحو، وكان
عضد الدولة يغدق عليه العطاء ويحيطه بمظاهر التكريم، وكان يقول:
«أنا غلام أبى على فى النحو» وممن عاصروا الفارسى من أعلام
اللغة أبو سعيد السيرافى المتوفى ببغداد سنة (٣٦٨هـ = ٩٧٩م)، وقد
ولى القضاء ببغداد. وكان السيرافى من أعلم الناس بنحو البصريين،
ومن بين مؤلفاته كتاب «أخبار النحويين البصريين» وكتاب «الوقف
والابتداء». يقول عنه ابن خلكان: «كان الناس يشتغلون عليه بعدة
فنون: القرآن الكريم والقراءات وعلوم القرآن والنحو واللغة والفقه
والفرائض والحساب والكلام والشعر والعروض والقوافى».
ويبرز أيضًا من بين علماء اللغة فى القرن (٤هـ= ١٠م) ابن
فارس (أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا) المتوفى سنة (٣٩٠هـ =
١٠٠٠م) على أشهر الأقوال. ومن كتبه الذائعة الصيت كتاب «المجمل»
فى اللغة. وقد كان ابن فارس مقيمًا بهمذان، وله رسائل أدبية أنيقة
وأشعار رقيقة.
على أننا لا نستطيع فى هذا السياق أن نغفل اسم عالم يُعَدُّ من
أعظم علماء اللغة، لا فى العصر العباسى الثانى فحسب؛ بل على
امتداد العصور الإسلامية كلها، وهو «أبو الفتح عثمان بن جنى»
الذى ولد بالموصل وتوفى ببغداد سنة (٣٩٢هـ = ١٠٠٢م). ومن بين
كتبه الذائعة الشهرة الزاخرة بالقيمة فى مجال اللغة كتاب
«الخصائص».
وله أيضًا «سر صناعة الإعراب»، و «المذكر والمؤنث»، و «المقصور
والممدود»، «واللمع» وغير ذلك. وقد شرح ابن جنى ديوان المتنبى
وكان من المعجبين بشعره. وكان ابن جنى صاحب حس أدبى مرهف،
وقد انعكس ذلك على كتاباته العلمية التى اتسم أسلوبها بالجمال
الأخَّاذ فضلاً عن الدقة البالغة.
стр. 375
وفى مجال الأدب - إبداعًا وتأليفًا - شهد هذا العصر نهضة تأخذ
بالألباب، فقد لمع فيه كوكبة من أعظم شعراء العربية، نذكر منهم -
على سبيل المثال لا الحصر- البحترى شاعر الخليفة المتوكل المتوفى
سنة (٢٨٤هـ = ٨٩٧م)، وقد اشتهر بلغته الموسيقية العذبة ووصفه
الرائع؛ وابن الرومى المتوفى سنة (٢٨٣هـ = ٨٩٦م)، وقد اشتهر
بقدرته على توليد المعانى وابتكار الصور المعبرة؛ والمتنبى
المتوفى سنة (٣٥٤هـ = ٩٦٥م) الذى مازال يحتل مكان السبق بين
شعراء العربية قديمًا وحديثًا، وقد خَصَّ سيف الدولة الحمدانى بعيون
مدائحه، كما مدح الملك البويهى عضد الدولة، وأمير مصر كافور
الإخشيدى وغير هؤلاء من أعيان عصره، ومن أبرز شعراء هذا العصر
أيضًا: الشريف الرضى الذى ينتهى نسبه إلى الحسين بن على بن
أبى طالب، كان وثيق الصلة بالخليفة القادر بالله (٣٨١ - ٤٢٢ هـ =
٩٩١ - ١٠٣١م)، وتوفى ببغداد سنة (٤٠٦هـ = ١٠١٥م)، وعَدَّه بعض
النقاد أشعر قريش. يقول عنه الثعالبى فى يتيمة الدهر: «هو أشعر
الطالبيين من مضى منهم ومن غبر، على كثرة شعرائهم المفلقين، ولو
قلت إنه أشعر قريش لم أبعد عن الصدق، وسيشهد بما أخبر به شاهد
عدل، من شعره العالى القِدْح الممتنع عن القَدْح، الذى يجمع إلى
السلاسة متانة وإلى السهولة رصانة، ويشتمل على معانٍ يقرب
جناها ويبعد مداها».
ويحتل الشاعر الفيلسوف أبو العلاء المعرى مكانةً مرموقة بين
شعراء هذا العصر، وقد ولد فى عام (٣٦٣هـ = ٩٧٤م) فى معرة
النعمان، وهى بلدة صغيرة فى شمالى الشام بين حلب وحمص
وتوفى فى سنة (٤٤٩ هـ = ١٠٥٧م)، أى أنه عاش فى فترة النفوذ
البويهى وعاصر من خلفاء العباسيين الطائع لله والقادر بالله والقائم
بأمر الله، ولأبى العلاء ديوان «سقط الزند» و «لزوم ما لا يلزم»
المشهور باسم «اللزوميات»، وسمى بذلك لأنه ألزم نفسه فيه بما لا
تفرضه عليه أصول القافية مما يدل على سعة باعه فى اللغة. ويُعَدُّ
стр. 376
أبو العلاء إمام الشعراء الذين صبغوا شعرهم بصبغة تأملية فلسفية.
وبجانب أصحاب الإبداع الشعرى ظهر مبدعون كثيرون فى ميدان
النثر الفنى فى العصر العباسى الثانى، ففى مطلع هذا العصر لمع
اسم الجاحظ (أبى عثمان عمرو بن بحر) المتوفى بالبصرة سنة
(٢٥٥هـ = ٨٦٩م). والجاحظ إمام المنشئين فى تاريخ الأدب العربى بلا
جدال.
كان على مذهب المعتزلة وكان موسوعى الثقافة متجدد الفكر، وقد
ترك أسلوبه بصمات واضحة على أساليب كثير ممن جاءوا بعده،
ومؤلفات الجاحظ عديدة وذائعة، تنمّ عن ذهن ناضج وفكر متدفق،
ومن أشهر كتبه: كتاب «الحيوان» و «البيان والتبيين» و «البخلاء».
وله رسائل مختلفة طبعت تحت اسم «رسائل الجاحظ»، وهى تتناول
موضوعات شتى.
ومن أبرز الذين تأثروا بالجاحظ وحاولوا أن ينهجوا نهجه أبو الفضل
محمد بن العميد المتوفى سنة (٣٦٠هـ = ٩٧١م)، ولتمكنه فى فن
الإنشاء عرف باسم «الجاحظ الثانى»، وهو الذى قيلت فيه العبارة
المشهورة: «بدئت الكتابة بعبدالحميد وختمت بابن العميد»، وعبدالحميد
هنا هو: عبدالحميد بن يحيى كاتب مروان بن محمد آخر الخلفاء
الأمويين، عاش ابن العميد فى ظل البويهيين وعمل وزيرًا لركن الدولة
- الحسن بن بويه - وكان - كما يصفه ابن خلكان - «متوسعًا فى علوم
الفلسفة والنجوم، وأما الأدب والترسُّل فلم يقاربه فيه أحد فى
زمانه». ويصفه ابن الأثير بأنه كان من محاسن الدنيا، قد اجتمع فيه
ما لم يجتمع فى غيره من حسن التدبير وسياسة الملك، والكتابة التى
أتى فيها بكل بديع».
وقد صحب ابن العميد وتأثر به فى طرائقه «أبو القاسم إسماعيل بن
عباد» المعروف بالصاحب بن عباد. ولقب بالصاحب لصحبته لابن
العميد، وكان يقال له أحيانًا صاحب ابن العميد. وقد تولى الصاحب
بن عباد الوزارة لمؤيد الدولة بن ركن الدولة ثم لأخيه فخر الدولة،
وفضلاً عن براعة الصاحب فى فن الإنشاء - كأستاذه ابن العميد - فقد
стр. 377
كان محبًا للعلم ذواقة للأدب، كما كان شاعرًا جيد النظم. والجدير
بالذكر هنا أن كلا من ابن العميد والصاحب بن عباد كان له مجلس
يحفل بوجوه الشعراء والعلماء والمفكرين، وكان من بين المترددين
على مجلس ابن العميد أبو الطيب المتنبى شاعر العربية الأكبر، وقد
مدحه بقصيدة من عيون شعره، وتوفى الصاحب بن عباد بمدينة الرى
فى سنة (٣٨٥هـ = ٩٩٥م).
ومن الذين تميزوا فى مجال النثر الفنى بديع الزمان الهمذانى (وهو
أبو الفضل أحمد بن الحسين بن يحيى) الذى سكن هراة من بلاد
خراسان وتُوفِّى بها فى سنة (٣٩٨هـ = ١٠٠٨م) وكان ذلك فى خلافة
القادر بالله. وقد كتب بديع الزمان مقاماته الذائعة الصيت وأبدع
فيها، وهو أول من استوى على يده هذا الفن فى اللغة العربية. وقد
حذا حذوه ووصل بهذا الفن إلى مداه «أبو محمد القاسم بن على
الحريرى البصرى» الذى اعترف فى صدر مقاماته بأنه جعل مقامات
البديع مثالاً له. وقد توفى الحريرى فى حدود سنة (٥١٦هـ = ١١٢٢م)
بالبصرة إبان فترة نفوذ السلاجقة، وذلك فى خلافة المسترشد بالله.
والملاحظ أن شهرة مقامات الحريرى بلغت من الانتشار حدا تتضاءل
بجانبه شهرة مقامات الرائد الأول بديع الزمان. وتكشف مقامات
الحريرى عن البراعة الكبيرة لصاحبها فى التصرف فى اللغة
وتطويعها لما يريده من معان وأفكار، وهى إحدى الوسائل المهمة
لمن يبحثون عن إثراء ملكاتهم اللغوية.
وبجانب الإبداع الأدبى شعرًا ونثرًا تميز العصر العباسى الثانى
بظهور الكثير من الموسوعات الأدبية التى تُعَدّ مراجع أساسية لطلاب
المعرفة فى هذا المجال، ونكتفى هنا بذكر أمثلة لأبرز هذه
الموسوعات، وقد لمع فى هذا الجانب ابن قتيبة الدينورى (أبو محمد
عبدالله بن مسلم) الذى ولد بالكوفة وتثقف بها وسكن بغداد زمنًا
ولكنه نسب إلى الدينور لأنه تولى قضاءها، وقد توفى ابن قتيبة
فى سنة (٢٧٦هـ = ٨٨٩م) فى خلافة المعتمد على الله، وقد خلّف لنا
стр. 378
ابن قتيبة عددًا من الموسوعات الأدبية المهمة يأتى على رأسها كتاب
«عيون الأخبار»، وكتاب «الشعر والشعراء»، ومن كتبه الأدبية المهمة
أيضًا كتاب «أدب الكاتب» الذى يتحدث فيه عما يحتاج إليه الأديب من
فنون المعرفة ليمارس صنعة الكتابة على الوجه الأمثل.
ويُعَدُّ أبو الفرج الأصفهانى أبرز أصحاب الموسوعات الأدبية فى هذا
العصر. وقد كان ملازمًا للوزير المشهور أبى محمد حسن بن محمد
المُهَلَّبى وزير معز الدولة أحمد بن بويه، وكان المهلبى بصحبة معز
الدولة عند انتقاله إلى بغداد، كما ذكرنا ذلك فى موضعه، ومما
يحفظه التاريخ للمهلبى أنه كان محبا للأدب مقرِّبا لأهله، وكان يعرف
لذوى القرائح الجيدة أقدارهم ويغدق عليهم من كرمه ورعايته، ومن
هنا قرب أبا الفرج الأصفهانى ورعى مكانته. ولاشك أن موسوعة
«الأغانى» للأصفهانى تعد من أهم الموسوعات الأدبية وأكثرها
انتشارًا وشمولاً فيما يختص بتاريخ الأدب العربى والثقافة العربية
حتى نحو منتصف القرن الرابع الهجرى. وقد توفى أبو الفرج
الأصفهانى فى سنة (٣٥٦هـ = ٩٦٧م).
ويتميز أيضًا بين أصحاب الموسوعات الأدبية «أبو منصور الثعالبى»
(وهو عبدالملك بن محمد بن إسماعيل)، ولد بنيسابور فى سنة
(٣٥٠هـ = ٩٦١م)، وتوفى فى سنة (٤٢٩هـ = ١٠٣٨م)، أى أنه عاش
حياته كلها فى فترة نفوذ البويهيين، وشهدت فترة تفتحه الأدبى
خلافة الطائع لله والقادر بالله، وتوفى فى خلافة القائم بأمر الله،
وكان الثعالبى غزير الإنتاج متنوع الاهتمامات العلمية، ولكن يقف
على رأس مؤلفاته جميعًا كتابه الموسوعى الضخم «يتيمة الدهر فى
محاسن أهل العصر»، وهو أكبر كتبه وأحسنها وأجمعها كما يقول
ابن خلكان، وهو من أربعة مجلدات صرف فيها جل اهتمامه لشعراء
القرن (٤هـ = ١٠م) ورتبهم على أوطانهم، فقد تناول فى أبواب
خاصة شعراء الشام ومصر والمغرب والموصل والبصرة وبغداد
وأصفهان والجبل وفارس والأهواز وجرجان، وتحدث عن الدولة
стр. 379
السامانية وشعرائها وعن خوارزم، وتحدث أيضًا عن بنى بويه
وشعرائهم وكتابهم، وأسهب فى الحديث عن ابن العميد والصاحب بن
عباد، كما تحدث عن بلاط سيف الدولة وشعرائه وكتّابه، ولاشك أن
يتيمة الدهر تعد إحدى الموسوعات الأدبية الأساسية فى تاريخ الأدب
العربى، ولا تزال حتى يومنا هذا مصدرًا لا غنى عنه للباحثين فى
الحياة الأدبية فى القرن (٤ هـ = ١٠م).
ولم تكن أنشطة البحث التاريخى بأقل حظا من الأنشطة الأدبية فى
دولة الخلافة العباسية فى عصرها الثانى، وهذا مجال يطول فيه
الكلام ويتشعب، ولا سبيل إلى استقصاء الحديث فيه، ولكننا نكتفى
بتقديم بعض النماذج لأبرز المؤرخين وأهم أعمالهم التاريخية، ويقف
شامخًا بين أعلام المؤرخين فى صدر العصر العباسى الثانى أبو
جعفر محمد بن جرير الطبرى المتوفى سنة (٣١٠هـ = ٩٢٢م) فى
خلافة المقتدر بالله، وقد عاش الطبرى فى فترة التحول المهمة التى
انتقلت فيها الخلافة العباسية من عصرها الأول-عصر القوة السياسية
المركزية - إلى عصرها الثانى الذى بدأت فيه السلطة المركزية
تضعف ضعفًا ملحوظًا، وهكذا شهد الطبرى معظم عصر نفوذ الأتراك،
وقد ولد فى آمل بطبرستان فى سنة (٢٢٤هـ = ٨٣٩م) وأخذته الرحلة
فى طلب العلم إلى كثير من بقاع العالم الإسلامى كالعراق والشام
ومصر، ثم استقر به المقام أخيرًا فى بغداد وبها مات ودفن، وقد ترك
لنا الطبرى موسوعته التاريخية الذائعة الصيت وهى: «تاريخ الأمم
والملوك» المشهورة باسم «تاريخ الطبرى»، فى عشرة مجلدات،
وتناول الطبرى فى هذه الموسوعة الضخمة تاريخ ما قبل الإسلام منذ
بدء الخليقة بقدر من الاختصار فى المجلد الأول وبعض الثانى، ثم جاء
علاجه المفصل للأحداث منذ بدأ يتناول سيرة الرسول- صلى الله عليه
وسلم - وسيرة الخلفاء الراشدين، وما تلا ذلك من تاريخ الدولة الأموية
والعباسية حتى عصره، وقد توقف الطبرى بتاريخه عند أحداث سنة
стр. 380
(٣٠٢هـ= ٩١٤م) فى خلافة المقتدر، وتاريخ الطبرى منجم غنى
بالمعلومات حافل بالروايات المختلفة التى تقدم المادة الأساسية
للباحث، وهناك إجماع فى الشرق والغرب على أن هذا التاريخ يعدُّ
عمدة الباحثين فى التاريخ الإسلامى فى القرون الثلاثة الأولى
للهجرة.
ومن أعلام المؤرخين الذين ظهروا فى القرن (٣هـ= ٩م) أيضًا - بجانب
الطبرى - ابن قتيبة (عبدالله بن مسلم) المتوفى سنة (٢٧٦هـ = ٨٨٩م).
وقد أشرنا إليه قبل ذلك عند حديثنا عن الموسوعات الأدبية، ومن
أبرز الأعمال التاريخية التى تركها لنا ابن قتيبة كتاب «المعارف»،
وينسب إليه أيضًا كتاب «الإمامة والسياسة».
كما ظهر اليعقوبى أيضًا، وهو أحمد بن أبى يعقوب ابن واضح
المتوفى نحو سنة (٢٧٨هـ = ٨٩١م)، وكتابه المعروف ب «تاريخ
اليعقوبى» من المصادر التاريخية الأساسية فى تلك الفترة، وهو يقع
فى مجلدين، يتناول المجلد الأول التاريخ القديم حتى ظهور الإسلام،
ويتناول الثانى تاريخ الإسلام حتى سنة (٢٥٩هـ = ٨٧٣م) فهو يغطى
ثلاث سنين من خلافة المعتمد على الله، وبجانب التأليف التاريخى
ألف اليعقوبى فى الجغرافيا كتابًا ذائعًا هو «البلدان» الذى يعد من
أقدم مصنفات التراث الجغرافى العربى.
وقد برز أيضًا من مؤرخى تلك الفترة - وهى فترة نفوذ الأتراك فى
العصر العباسى الثانى - أحمد بن يحيى البلاذرى وأبو حنيفة
الدينورى. أما البلاذرى فقد كان مقربًا للخليفتين المتوكل
والمستعين، وتوفى فى حدود سنة (٢٧٩هـ = ٨٩٢م)، ويعد كتابه
«فتوح البلدان» من أوثق الكتب التى تحدثت عن تاريخ الفتوح
الإسلامية منذ ظهور الإسلام حتى عصره، وهو يتميز بدقته فى
الأسلوب وموضوعيته فى العرض والبعد عن الحشو، وهو من بين
المصادر التى تحتل قيمة خاصة فى هذا الجانب، وللبلاذرى كتاب آخر
معروف هو «أنساب الأشراف»، وهو يقدم مادة تاريخية غزيرة فى
صدر الإسلام والعصر الأموى والعباسى الأول من خلال أنساب الرجال
стр. 381
الذين يتناولهم بالبحث.
أما أبو حنيفة الدينورى المتوفى سنة (٢٨٢هـ = ٨٩٥م) فقد كان
موسوعى المعرفة، برع فى علوم كثيرة كالنحو واللغة والهندسة
والفلك وغير ذلك، ولكن الكتاب الذى اشتهر به الدينورى هو كتابه
التاريخى المعروف باسم «الأخبار الطوال» الذى يتناول فيه التاريخ
الإسلامى منذ ظهور الإسلام حتى وفاة الخليفة المعتصم سنة (٢٢٧هـ=
٨٤٢م)، مع مقدمة مختصرة عن التاريخ القديم.
وقد استمرت حركة التأليف التاريخى على نشاطها وازدهارها طوال
مراحل العصر العباسى الثانى، ومن أبرز المؤرخين الذين شهدوا
بداية مرحلة النفوذ البويهى على بن الحسين المسعودى المتوفى
سنة (٣٤٦هـ = ٩٥٧م)، ومع أن المسعودى نشأ فى بغداد فقد كان
دائم الترحل فى طلب العلم، وهو يقدِّم نموذجًا للعالم الذى جعل العلم
ضالَّته، فهو ينشده لكل ما أوتى من حول وما وسعه من صبر؛ فقد
ذهب إلى الهند والملتان وسرنديب (سيلان) والصين، فضلاً عن مراكز
العلم الشهيرة فى أرجاء العالم الإسلامى، ومن أشهر مؤلفاته
التاريخية كتاب «مروج الذهب ومعادن الجوهر»، وقد تناول فيه
تاريخ الأمم القديمة، ثم تناول تاريخ الإسلام منذ ظهوره حتى خلافة
المطيع لله، وهو أول الخلفاء العباسيين فى العصر البويهى، ومن
بين الكتب التاريخية الذائعة للمسعودى أيضًا كتاب «التنبيه
والإشراف»، وهو محاولة منه لتقديم كتاب تاريخى مختصر يضم
خلاصة ما كتب، وهو يحتوى على معلومات مهمة من كتب أخرى
للمسعودى لم تصل إلينا.
ومن بين المؤرخين المتميزين فى فترة النفوذ البويهى أيضًا الخطيب
البغدادى المتوفى سنة (٤٦٣هـ = ١٠٧١م)، وهو «أبو بكر أحمد بن
على بن ثابت»، وقد عاش فى بغداد التى يُنسَب إليها ومات بها،
ولكنه رحل طلبًا للعلم إلى عدة مراكز علمية بارزة كالبصرة والكوفة
ونيسابور وحلب وبيت المقدس وغيرها، وهو يتميز بغزارة إنتاجه
وتنوع اهتماماته العلمية؛ حيث ألَّف فى فروع مختلفة من العلم
стр. 382
كالتاريخ والفقه والحديث والنحو والأدب وغيرها، ومعظم مؤلفاته لم
تصل إلينا، ولكن موسوعته الضخمة المعروفة باسم «تاريخ بغداد»
وصلت إلينا وهى التى أكسبته شهرة واسعة، وهى تاريخ شامل
لبغداد من حيث نشأتها وأحيائها وقصورها ومختلف معالمها، فضلاً
عن تراجم أعلامها من رجال السياسة والعلم والأدب وغير ذلك، ومن
هنا تعد هذه الموسوعة مصدرًا لا غنى عنه للباحثين فى تاريخ
الخلافة العباسية منذ نشأتها حتى بداية العصر السلجوقى.
وقد لمع عدد آخر من المؤرخين فى المراحل المتأخرة من العصر
العباسى الثانى، لعل أبرزهم عز الدين بن الأثير المتوفى سنة
(٦٣٠هـ = ١٢٣٣م)، وهو صاحب الموسوعة التاريخية الضخمة المعروفة
باسم «الكامل فى التاريخ»، وتقع فى اثنى عشر مجلدًا، وقد حذا
فيها حذو الطبرى فى تاريخه، وتوقف فى روايته التاريخية عند
أحداث سنة (٦٢٨هـ = ١٢٣١م).
وقد شهد ابن الأثير نهاية فترة النفوذ السلجوقى وعاش شطرًا من
حياته فى فترة ما بعد السلاجقة، وعاصر مرحلة مهمة فى تطور
الحروب الصليبية إبّان سلطنة صلاح الدين الأيوبى، فكتابه إذن من
بين المصادر الأساسية فى تاريخ الحروب الصليبية، ويمكننا أن نقول
إن موسوعة الكامل فى التاريخ لابن الأثير تحتل بين مصادر التاريخ
الإسلامى مكانة لا يسبقها إلا موسوعة تاريخ الطبرى، ولابن الأثير
مؤلفات أخرى فى غاية الأهمية لعل أبرزها «أسد الغابة فى معرفة
الصحابة»، وهو موسوعة من سبعة مجلدات يتناول فيها تراجم صحابة
رسول الله ﷺ .
ونستطيع أن نمضى طويلاً فى تناولنا لمختلف جوانب النهضة
الثقافية فى دولة الخلافة العباسية فى عصرها الثانى، وهى جوانب
لايتسع المجال للحديث التفصيلى عنها هنا، ولكننا نكتفى بالقول
بأن هذه النهضة الثقافية غطت كل مظاهر المعرفة والفن التى عُرفت
فى ذلك الزمان، فقد شهدت دولة الخلافة العباسية وثبة رائعة فى
стр. 383
الثقافة الجغرافية، وعرف التراث الحضارى العباسى جغرافيين
أفذاذًا كاليعقوبى صاحب البلدان، وقد أشرنا إليه، والاصطخرى من
علماء القرن (٤هـ= ١٠م)، وهو صاحب كتاب «مسالك الممالك»، وابن
حوقل والمقدسى وهما من علماء القرن (٤هـ = ١٠م) أيضًا، وللأول
كتاب «المسالك والممالك»؛ وللثانى كتاب «أحسن التقاسيم فى
معرفة الأقاليم»، وهو من الكتب المتميزة فى هذا الفن.
ولعل من أشهر الجغرافيين فى دولة الخلافة العباسية ياقوت
الحموى المتوفى سنة (٦٢٦هـ = ١٢٢٩م) وقد ولد فى حماة كما يبدو
من نسبته، ولكنه عاش فى بغداد، ومعجمه الجغرافى المعروف باسم
«معجم البلدان» يُعدُّ من أغزر المصادر مادة فى التراث الجغرافى
الإسلامى على الإطلاق، وهو يقع فى خمسة مجلدات ضخمة.
كما شهد هذا العصر أيضًا نهضة لا تدانى فى الدراسات العقلية
والفلسفية والكلامية، ونبغ فى هذا المجال أعلام يحتلون مكانة
سامقة فى تاريخ الفكر الإنسانى كله، فمن بين هؤلاء الفيلسوف
الكبير الفارابى المتوفى سنة (٣٣٩هـ= ٩٥٠م) فى مطلع العصر
البويهى، وهو صاحب كتاب «إحصاء العلوم» وكتاب «السياسة
المدنية» وغير ذلك. على أن أبرز هؤلاء هو الشيخ الرئيس ابن سينا
المتوفى سنة (٤٢٨هـ = ١٠٣٧م)، وقد عاش شطرًا من حياته فى
بخارى فى ظل الدولة السامانية.
ومن كتبه الفلسفية المعروفة كتاب «الإشارات» وكتاب «الشفاء»،
وكتاب «النجاة» وغيرها، هذا بالإضافة إلى مؤلفاته الطبية الفائقة،
وفى مجال الدفاع العقلى عن الإسلام والرد على مناوئيه برز اسم
حجة الإسلام «أبى حامد الغزالى» المتوفى سنة (٥٠٥هـ = ١١١١م)،
وهو الذى ناضل الفلاسفة وكتب عن تهافتهم كتابه المعروف «تهافت
الفلاسفة»، وقد باشر «الغزالى» التدريس فى المدرسة النظامية
ببغداد والمدرسة النظامية بنيسابور، وكتابه «إحياء علوم الدين» من
أعظم الكتب التى عرضت الإسلام عرضًا بسيطًا مقنعًا مؤثرًا، ونظرًا
стр. 384
لقوة تأثير هذا الكتاب قال البعض: «من لم يقرأ الإحياء فليس من
الأحياء.
وقد حظيت العلوم الطبية والرياضية والفلكية والطبيعية بنصيب وافر
من العناية والدراسة فى هذا العصر الحافل بالعطاء الحضارى. بل إن
فن الموسيقى أيضًا وجد له مجالاً من الاهتمام. والملاحظ أن الفلاسفة
العظام، أمثال الفارابى وابن سينا، كانوا يحذقون الطب والرياضة
والفلك بل والموسيقى أيضًا.
ويعتبر «أبو بكر محمد بن زكريا الرازى» أعظم الأطباء المسلمين فى
هذا العصر على الإطلاق. وله كتاب «الحاوى» فى الطب، الذى يمكن
اعتباره عمدة هذا العلم فى العصور الوسطى فى الشرق والغرب.
وقد حظى الرازى برعاية ملوك الدولة السامانية، وتوفى فى حوالى
سنة (٣٢٠هـ = ٩٣٢م)، أما «ابن سينا» فقد كتب «القانون» فى
الطب، وهو الذى كان مع كتاب «الحاوى» للرازى من الأسس المهمة
التى اعتمدت عليها أوربا فى عصر النهضة.
وبعد هذه اللمحة الموجزة عن أهم جوانب النهضة الثقافية فى العصر
العباسى الثانى نستطيع أن نقول: إن هذه النهضة كانت متكاملة
الجوانب، وهذا هو شأن الحضارات العظيمة، فالحضارة روح تعود
بالصحة والعافية على جسد الأمة كله فتتوازن فيه ملامح الاكتمال،
وقد كان أبرز ما يميز تلك الفترة هو الرغبة العارمة فى العلم
والتعطش للمعرفة، ومن هنا وجدنا أصحاب الثقافات الموسوعية الذين
أشرنا إلى بعضهم، والملاحظ أن حب العلم والتنافس فى سبيله جعل
الحكام والأمراء يحتضنونه وينصبون من أنفسهم حماةً له.
وهكذا ظهرت مجالس العلم المعروفة على يد قادة أمراء وجدوا فى
هذا النشاط سُلَّمًا للمجد والسؤدد، والأمثلة على ذلك كثيرة، فهذا
سيف الدولة الحمدانى يجعل من مجلسه محفلاً للعلماء والأدباء
والشعراء، وهذا عضد الدولة البويهى يفعل الشىء نفسه، وفعل ذلك
أيضًا السلطان محمود الغزنوى، ونظام الملك أعظم وزراء السلاجقة،
وغيرهم، وكل هذا عاد بالخير العميم على الحركة الثقافية فى هذا
стр. 385
العصر، فإذا هى تفيض قوة ونشاطًا وتجددًا.
٢ - الجانب الاقتصادى والعمرانى:
من الطبيعى أن يرتبط الجانب العمرانى بالجانب الاقتصادى فى
الدولة، فلا عمران إلا باقتصاد قوى. وقد ازدهرت الحياة الاقتصادية
ازدهارًا ملحوظًا فى بعض ممالك الدولة العباسية فى العصر الثانى،
ولكننا نلاحظ أن السلطة المركزية نفسها لم يعد لها من القوة
الاقتصادية ما كان لخلفاء العصر العباسى الأول، وذلك بسبب تحكم
الأمراء الذين استأثروا بالنفوذ الحقيقى، ومن هنا نلاحظ أن اقتصاد
بعض الإمارات التى كانت تنتمى لدولة الخلافة العباسية من الناحية
الشكلية كان أقوى من اقتصاد الخلافة نفسها، بل إن الخليفة فى
بعض الأحيان كان مجرد موظف تابع لهؤلاء الأمراء الذين يحددون له
راتبه ونشاطه.
وقد توافرت مصادر القوة الاقتصادية فى دولة الخلافة العباسية فى
عصرها الثانى، وكان للتقدم العلمى الكبير الذى شهده هذا العصر
أثره الملحوظ فى تحقيق الازدهار الاقتصادى القائم على أسس علمية
صحيحة، وقد لعبت النهضة الزراعية دورها فى تحقيق هذا الازدهار
الاقتصادى، فقد كانت دولة الخلافة تضم أراضى شاسعة تتسم
بالخصوبة والصلاحية لإنتاج شتىالمحاصيل. وقامت المدارس الزراعية
التى انتشرت فى أرجاء دولة الخلافة العباسية فى ذلك الوقت بجهد
علمى كبير فى نشر الوعى الزراعى الصحيح، فتعددت المحاصيل
وأدخلت أنواع جديدة منها، وزاد إنتاجها نتيجة استعمال الأسمدة
المناسبة.
وارتبط بذلك إعادة تطوير نظام الرى الذى حول منطقة ما بين النهرين
إلى جنة وارفة الظلال، كما ازدهرت فلاحة البساتين القائمة على
أسس علمية ازدهارًا كبيرًا وانتشرت كل أنواع النباتات والزهور،
«وكانت الزهور تزرع حتى فى أصغر المنازل»، وارتبط بنمو الثروة
الزراعية نمو الثروة الحيوانية، كما ظهرت الصناعات المعتمدة على
الإنتاج الزراعى كمصانع النسيج ومعامل تكرير السكر.
وقد اشتهرت صناعات أخرى فى العصر العباسى الثانى كصناعة
стр. 386
الورق التى انتشرت فى مصر والشام وسمرقند، ولكن شهرة سمرقند
فى هذا الجانب فاقت غيرها فى ذلك العصر، وازدهرت صناعة الحديد
أيضًا فى بلاد فارس.
وقد ترتب على الازدهار الزراعى والصناعى الازدهار التجارى،
فالمنتجات المختلفة تحتاج إلى تسويق، ومن هنا ظهر الاهتمام
بتوفير الطرق التجارية المناسبة والعناية بالموانى والأساطيل
التجارية، وقد ازدهرت تجارة المسلمين الخارجية فى ذلك العصر مع
الهند والصين والبلاد الأوربية.
والجدير بالملاحظة هنا أن الإسلام انتشر فى بقاع عديدة عن طريق
التجار المسلمين، وكانت بغداد ودمشق والإسكندرية وعدن والبصرة
من بين المراكز التجارية المهمة فى ذلك العصر.
وقد اشتهر عدد من دول العصر العباسى الثانى بالقوة الاقتصادية،
ومن بين هذه الدول - على سبيل المثال - الدولة الصفارية التى يقال:
إن مؤسسها «يعقوب بن الليث» ترك فى بيت المال عند وفاته ثمانين
مليون دينار وخمسين مليون درهم، كما ازدهر أيضًا اقتصاد الدولة
السامانية، وهى التى قامت فى منطقة تتمتع بإمكانات اقتصادية
هائلة، وهى بلاد ما وراء النهر، وكذلك ازدهر اقتصاد الدولة
البويهية، أما اقتصاد الدولة الغزنوية فقد وصل مدى رائعًا من القوة
نتيجة اتساع أطراف تلك الدولة، وما استطاعت أن تحققه من فتوحات
رائعة فى بلاد الهند والسند وأفغانستان وغيرها.
وكان النشاط العمرانى الواضح ثمرة مباشرة للاستقرار الاقتصادى،
فأنشئت الطرق والمدارس والمساجد والقصور والرُّبط فى أماكن
مختلفة من دولة الخلافة العباسية، ولايتسع المقام هنا للدخول فى
تفاصيل هذا الجانب، ولكننا نكتفى ببعض أمثلة قليلة توضح ذلك،
وتستحق الدولة البويهية وقفة خاصة هنا، فقد اهتمت هذه الدولة
اهتمامًا خاصًا بالجانب العمرانى، ولاشك أن عضد الدولة كان أبرز
ملوكها فى هذا الجانب، فقد صرف كثيرًا من جهده للعمارة والتشييد
فى الأماكن التى خضعت لسلطانه فى فارس والرى وأصفهان
стр. 387
والجبال وغيرها، أما بغداد - بعد انتقاله إليها - فقد حظيت منه
باهتمام بالغ، يذكر المؤرخ ابن الأثير فى تناوله لأحداث سنة (٣٦٩هـ
= ٩٧٩م) أن عضد الدولة شرع فى عمارة بغداد فى ذلك العام،
وكانت قد خربت بتوالى الفتن عليها، فعمَّر مساجدها وأسواقها ..
وألزم أصحاب الأملاك الخراب بعمارتها، وجدد ما دثر من الأنهار
وأعاد حفرها وتسويتها، وأصلح الطريق من العراق إلى مكة .. واهتم
اهتمامًا كبيرًا بمشهد الإمام على والإمام الحسين رضى الله عنهما ..
وأذن لوزيره «نصر بن هارون» -وكان نصرانيًا - فى عمارة البيَع
والأديرة.
ومن بين الإنجازات العمرانية المهمة التى قام بها عضد الدولة فى
بغداد بناؤه لمستشفاه الكبير الذى عرف باسم «البيمارستان
العضدى»، وقد كان فى هذا المستشفى عند إنشائه أربعةوعشرون
طبيبًا فى التخصصات المختلفة، وكان أشبه ما يكون بالمستشفيات
التعليمية الجامعية فى عصرنا هذا؛ فقد كانت المحاضرات تلقى فيه،
وتدرس فيه الكتب ذات المكانة العلمية، وكان لهذا المستشفى مورد
ماء مستمد من دجلة، وله جميع الملحقات التى تزود بها القصور
الملكية كما بنى عضد الدولة فى شيراز مستشفى آخر عرف أيضًا
باسم «البيمارستان العضدى»، وأقام صهاريج الماء فى أماكن
مختلفة من مملكته. وبنى سورًا حول مدينة الرسول - صلى الله عليه
وسلم -.
وتتميز الدولة السلجوقية كذلك بنشاطها العمرانى الكبير فى مجالاته
المختلفة، ويبرز فى هذا الجانب بصفة أخص «ملكشاه» ووزيره
العظيم «نظام الملك»، فقد أنشأ «نظام الملك» مدارسه النظامية
المعروفة، وزودها بكل احتياجات طلابها، ووجد فى ذلك كل تشجيع
من السلطان السلجوقى المتميز «ملكشاه».
والملاحظ أن النشاط العمرانى فى دولة الخلافة العباسية فى العصر
الثانى كان يقوم به فى الأساس أمراء وسلاطين وملوك الدول التى
كانت تخضع للخلافة العباسية خضوعًا روحيا أو شكليا، أما الخلفاء -
стр. 388
بصفة عامة - فلم يكونوا بالمكان الذى يجعلهم قادرين فى الأمور
بصورة مستقلة طوال معظم هذه الفترة.
٣ - الجانب الإدارى:
كان لضعف الخلافة العباسية المركزية فى العصر الثانى تأثير واضح
فى النظام الإدارى فى دولة الخلافة، وأوضح مظاهر هذا التأثير يبدو
فى نظام «الوزارة»، فقد كانت الوزارة فى العصر العباسى الأول -
بصفة عامة - تابعة للخليفة خاضعة لنفوذه، وعندما كان الوزراء
يحاولون التصرف بصورة مستقلة كانوا يجدون ما يردعهم من بطش
الخليفة، أما فى العصر العباسى الثانى فقد اختلف الأمر، وقد
استمرت الوزارة فى فترة نفوذ الأتراك، ولكن الوزراء كانوا أكثر
استقلالاً ونفوذًا وسطوة وتنامت ثرواتهم لأنهم لم يكونوا يجدون
الخليفة الحازم الذى يحاسبهم أشد الحساب، وهذا إذا استثنينا فترة
صحوة الخلافة.
فلما كانت السنوات الأخيرة فى فترة نفوذ الأتراك بطل منصب الوزارة
وحل محله منصب أمير الأمراء الذى جار تقريبًا على كل سلطات
الخليفة، فلما وقعت الخلافة تحت النفوذ البويهى زال أيضًا منصب
أمير الأمراء، فلم يعد هناك للخليفة وزير ولا أمير للأمراء، وتصرف
البويهيون فى كل شئون الخلافة تصرفًا مطلقًا وحرموا الخليفة حتى
من سلطاته الشكلية، مع أنهم اتخذوا لأنفسهم وزراء.
وفى فترة النفوذ السلجوقى عاد منصب الوزارة، وأصبح للخليفة
وزيره، وللسلطان السلجوقى وزيره، ولكن السلطة الحقيقية كانت
فى يد السلطان السلجوقى ووزيره، رغم أن السلاجقة عاملوا الخلفاء
بما يستحقون من توقير.
وبعد زوال نفوذ السلاجقة أصبح للخلفاء وزراؤهم المستقلون عن
نفوذ الخليفة، ولكن الخلافة فى هذه الفترة كانت فى طريقها إلى
الزوال الكامل، ولم تكد دولة الخلافة تتجاوز بغداد وبعض الأقاليم
الأخرى المحدودة.
وقد تطور منصب الكتابة فى العصر العباسى الثانى تطورًا ملحوظًا،
فاتسعت سلطة الكاتب وتنامى نفوذه، وكان الكاتب يرأس ديوان
стр. 389
الرسائل الذى كان يعد من أخطر دواوين الدولة العباسية، وكان
صاحب هذا المنصب يقوم بكتابة الرسائل السياسية وختمها بخاتم
الخلافة بعد عرضها على الخليفة، وكان ينوب عن الخليفة أحيانًا فى
مكاتبة الملوك والأمراء، على أن من أهم التطورات التى شهدها هذا
المنصب فى العصر العباسى الثانى أنه لم يعد مقصورًا على الخلفاء
بل بدأ الأمراء والسلاطين يتخذون لأنفسهم كتابًا أوسع نفوذًا من
كاتب الخليفة.
وقد كان ذلك نتيجة طبيعية لضعف منصب الخلافة فى هذا العصر.
ومع أن العصر العباسى الأول عرف نظام الحجابة فقد تطور هذا
النظام كثيرًا فى العصر العباسى الثانى، فقد كان الحاجب فى
العصر العباسى الأول يقوم بمهمة أساسية هى حجب العامة عن
السلطان، فلا يأذن بالدخول على السلطان إلا لمن يرى أنه يستحق
هذا الإذن، أما الحاجب فى العصر الثانى فقد تجاوز هذه المهمة
المحددة وادَّعى لنفسه سلطات واسعة أصبح ينافس بها سلطات
الوزير، وأصبح الحجاب يتدخلون فى أهم شئون الدولة، وقد فتح
ذلك مجالاً للصراع بين الحجاب والخلفاء والوزراء.
أما منصب الإمارة على البلدان - وهو من المناصب المهمة فى النظام
الإدارى - فقد طرأ عليه أيضًا كثير من التطور فى العصر العباسى
الثانى، فقد كان هذا المنصب منذ ظهور الإسلام وحتى نهاية العصر
العباسى الأول يخضع فى العادة لسلطة الخليفة؛ فهو الذى يملك حق
الولاية والعزل، أما فى العصر العباسى الثانى فقد اختلفت الأمور
تمامًا، ذلك أن الخليفة أصبح يخضع لسلطة عليا من القوى الدخيلة،
وهى التى تملك غالبًا حق توليته وعزله، وهكذا تدخلت هذه السلطات
أيضًا فى تعيين الأمراء (أو العمال) فى الأقاليم التى تخضع لنفوذهم
وكان هذا التطور متمشيًا تمامًا مع ما آل إليه منصب الخلافة من
تدهور فى ذلك العصر.
وقد اتسع نظام البريد فى العصر العباسى الثانى اتساعًا كبيرًا، فقد
كانت مهمة البريد فى بداية نشأته توصيل رسائل الخليفة إلى عماله
стр. 390
وولاته ونقل رسائلهم إليه وكذلك أخبارهم، ثم اتسعت مهمة البريد -
وبالذات فى العصر العباسى الثانى - لتشمل أيضًا مراقبة العمال
والتجسس عليهم، وأن يقدم صاحب البريد إلى الخليفة تقارير دورية
وافية بكل ما يحدث فى مكان عمله، هذا إذا كان تابعًا للخليفة،
ويفعل الشىء نفسه إذا كان خاضعًا لنفوذ الدول المختلفة التى
ظهرت فى هذا العصر، ولهذا أصبح نظام البريد فى ذلك العصر أشبه
ما يكون بقلم المخابرات فى عصرنا.
следующие страницы →