← История

История · id 36578

موسوعة سفير للتاريخ الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (3 483 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

الورق التى انتشرت فى مصر والشام وسمرقند، ولكن شهرة سمرقند فى هذا الجانب فاقت غيرها فى ذلك العصر، وازدهرت صناعة الحديد أيضًا فى بلاد فارس. وقد ترتب على الازدهار الزراعى والصناعى الازدهار التجارى، فالمنتجات المختلفة تحتاج إلى تسويق، ومن هنا ظهر الاهتمام بتوفير الطرق التجارية المناسبة والعناية بالموانى والأساطيل التجارية، وقد ازدهرت تجارة المسلمين الخارجية فى ذلك العصر مع الهند والصين والبلاد الأوربية. والجدير بالملاحظة هنا أن الإسلام انتشر فى بقاع عديدة عن طريق التجار المسلمين، وكانت بغداد ودمشق والإسكندرية وعدن والبصرة من بين المراكز التجارية المهمة فى ذلك العصر. وقد اشتهر عدد من دول العصر العباسى الثانى بالقوة الاقتصادية، ومن بين هذه الدول - على سبيل المثال - الدولة الصفارية التى يقال: إن مؤسسها «يعقوب بن الليث» ترك فى بيت المال عند وفاته ثمانين مليون دينار وخمسين مليون درهم، كما ازدهر أيضًا اقتصاد الدولة السامانية، وهى التى قامت فى منطقة تتمتع بإمكانات اقتصادية هائلة، وهى بلاد ما وراء النهر، وكذلك ازدهر اقتصاد الدولة البويهية، أما اقتصاد الدولة الغزنوية فقد وصل مدى رائعًا من القوة نتيجة اتساع أطراف تلك الدولة، وما استطاعت أن تحققه من فتوحات رائعة فى بلاد الهند والسند وأفغانستان وغيرها. وكان النشاط العمرانى الواضح ثمرة مباشرة للاستقرار الاقتصادى، فأنشئت الطرق والمدارس والمساجد والقصور والرُّبط فى أماكن مختلفة من دولة الخلافة العباسية، ولايتسع المقام هنا للدخول فى تفاصيل هذا الجانب، ولكننا نكتفى ببعض أمثلة قليلة توضح ذلك، وتستحق الدولة البويهية وقفة خاصة هنا، فقد اهتمت هذه الدولة اهتمامًا خاصًا بالجانب العمرانى، ولاشك أن عضد الدولة كان أبرز ملوكها فى هذا الجانب، فقد صرف كثيرًا من جهده للعمارة والتشييد فى الأماكن التى خضعت لسلطانه فى فارس والرى وأصفهان

стр. 387

والجبال وغيرها، أما بغداد - بعد انتقاله إليها - فقد حظيت منه باهتمام بالغ، يذكر المؤرخ ابن الأثير فى تناوله لأحداث سنة (٣٦٩هـ = ٩٧٩م) أن عضد الدولة شرع فى عمارة بغداد فى ذلك العام، وكانت قد خربت بتوالى الفتن عليها، فعمَّر مساجدها وأسواقها .. وألزم أصحاب الأملاك الخراب بعمارتها، وجدد ما دثر من الأنهار وأعاد حفرها وتسويتها، وأصلح الطريق من العراق إلى مكة .. واهتم اهتمامًا كبيرًا بمشهد الإمام على والإمام الحسين رضى الله عنهما .. وأذن لوزيره «نصر بن هارون» -وكان نصرانيًا - فى عمارة البيَع والأديرة. ومن بين الإنجازات العمرانية المهمة التى قام بها عضد الدولة فى بغداد بناؤه لمستشفاه الكبير الذى عرف باسم «البيمارستان العضدى»، وقد كان فى هذا المستشفى عند إنشائه أربعةوعشرون طبيبًا فى التخصصات المختلفة، وكان أشبه ما يكون بالمستشفيات التعليمية الجامعية فى عصرنا هذا؛ فقد كانت المحاضرات تلقى فيه، وتدرس فيه الكتب ذات المكانة العلمية، وكان لهذا المستشفى مورد ماء مستمد من دجلة، وله جميع الملحقات التى تزود بها القصور الملكية كما بنى عضد الدولة فى شيراز مستشفى آخر عرف أيضًا باسم «البيمارستان العضدى»، وأقام صهاريج الماء فى أماكن مختلفة من مملكته. وبنى سورًا حول مدينة الرسول - صلى الله عليه وسلم -. وتتميز الدولة السلجوقية كذلك بنشاطها العمرانى الكبير فى مجالاته المختلفة، ويبرز فى هذا الجانب بصفة أخص «ملكشاه» ووزيره العظيم «نظام الملك»، فقد أنشأ «نظام الملك» مدارسه النظامية المعروفة، وزودها بكل احتياجات طلابها، ووجد فى ذلك كل تشجيع من السلطان السلجوقى المتميز «ملكشاه». والملاحظ أن النشاط العمرانى فى دولة الخلافة العباسية فى العصر الثانى كان يقوم به فى الأساس أمراء وسلاطين وملوك الدول التى كانت تخضع للخلافة العباسية خضوعًا روحيا أو شكليا، أما الخلفاء -

стр. 388

بصفة عامة - فلم يكونوا بالمكان الذى يجعلهم قادرين فى الأمور بصورة مستقلة طوال معظم هذه الفترة. ٣ - الجانب الإدارى: كان لضعف الخلافة العباسية المركزية فى العصر الثانى تأثير واضح فى النظام الإدارى فى دولة الخلافة، وأوضح مظاهر هذا التأثير يبدو فى نظام «الوزارة»، فقد كانت الوزارة فى العصر العباسى الأول - بصفة عامة - تابعة للخليفة خاضعة لنفوذه، وعندما كان الوزراء يحاولون التصرف بصورة مستقلة كانوا يجدون ما يردعهم من بطش الخليفة، أما فى العصر العباسى الثانى فقد اختلف الأمر، وقد استمرت الوزارة فى فترة نفوذ الأتراك، ولكن الوزراء كانوا أكثر استقلالاً ونفوذًا وسطوة وتنامت ثرواتهم لأنهم لم يكونوا يجدون الخليفة الحازم الذى يحاسبهم أشد الحساب، وهذا إذا استثنينا فترة صحوة الخلافة. فلما كانت السنوات الأخيرة فى فترة نفوذ الأتراك بطل منصب الوزارة وحل محله منصب أمير الأمراء الذى جار تقريبًا على كل سلطات الخليفة، فلما وقعت الخلافة تحت النفوذ البويهى زال أيضًا منصب أمير الأمراء، فلم يعد هناك للخليفة وزير ولا أمير للأمراء، وتصرف البويهيون فى كل شئون الخلافة تصرفًا مطلقًا وحرموا الخليفة حتى من سلطاته الشكلية، مع أنهم اتخذوا لأنفسهم وزراء. وفى فترة النفوذ السلجوقى عاد منصب الوزارة، وأصبح للخليفة وزيره، وللسلطان السلجوقى وزيره، ولكن السلطة الحقيقية كانت فى يد السلطان السلجوقى ووزيره، رغم أن السلاجقة عاملوا الخلفاء بما يستحقون من توقير. وبعد زوال نفوذ السلاجقة أصبح للخلفاء وزراؤهم المستقلون عن نفوذ الخليفة، ولكن الخلافة فى هذه الفترة كانت فى طريقها إلى الزوال الكامل، ولم تكد دولة الخلافة تتجاوز بغداد وبعض الأقاليم الأخرى المحدودة. وقد تطور منصب الكتابة فى العصر العباسى الثانى تطورًا ملحوظًا، فاتسعت سلطة الكاتب وتنامى نفوذه، وكان الكاتب يرأس ديوان

стр. 389

الرسائل الذى كان يعد من أخطر دواوين الدولة العباسية، وكان صاحب هذا المنصب يقوم بكتابة الرسائل السياسية وختمها بخاتم الخلافة بعد عرضها على الخليفة، وكان ينوب عن الخليفة أحيانًا فى مكاتبة الملوك والأمراء، على أن من أهم التطورات التى شهدها هذا المنصب فى العصر العباسى الثانى أنه لم يعد مقصورًا على الخلفاء بل بدأ الأمراء والسلاطين يتخذون لأنفسهم كتابًا أوسع نفوذًا من كاتب الخليفة. وقد كان ذلك نتيجة طبيعية لضعف منصب الخلافة فى هذا العصر. ومع أن العصر العباسى الأول عرف نظام الحجابة فقد تطور هذا النظام كثيرًا فى العصر العباسى الثانى، فقد كان الحاجب فى العصر العباسى الأول يقوم بمهمة أساسية هى حجب العامة عن السلطان، فلا يأذن بالدخول على السلطان إلا لمن يرى أنه يستحق هذا الإذن، أما الحاجب فى العصر الثانى فقد تجاوز هذه المهمة المحددة وادَّعى لنفسه سلطات واسعة أصبح ينافس بها سلطات الوزير، وأصبح الحجاب يتدخلون فى أهم شئون الدولة، وقد فتح ذلك مجالاً للصراع بين الحجاب والخلفاء والوزراء. أما منصب الإمارة على البلدان - وهو من المناصب المهمة فى النظام الإدارى - فقد طرأ عليه أيضًا كثير من التطور فى العصر العباسى الثانى، فقد كان هذا المنصب منذ ظهور الإسلام وحتى نهاية العصر العباسى الأول يخضع فى العادة لسلطة الخليفة؛ فهو الذى يملك حق الولاية والعزل، أما فى العصر العباسى الثانى فقد اختلفت الأمور تمامًا، ذلك أن الخليفة أصبح يخضع لسلطة عليا من القوى الدخيلة، وهى التى تملك غالبًا حق توليته وعزله، وهكذا تدخلت هذه السلطات أيضًا فى تعيين الأمراء (أو العمال) فى الأقاليم التى تخضع لنفوذهم وكان هذا التطور متمشيًا تمامًا مع ما آل إليه منصب الخلافة من تدهور فى ذلك العصر. وقد اتسع نظام البريد فى العصر العباسى الثانى اتساعًا كبيرًا، فقد كانت مهمة البريد فى بداية نشأته توصيل رسائل الخليفة إلى عماله

стр. 390

وولاته ونقل رسائلهم إليه وكذلك أخبارهم، ثم اتسعت مهمة البريد - وبالذات فى العصر العباسى الثانى - لتشمل أيضًا مراقبة العمال والتجسس عليهم، وأن يقدم صاحب البريد إلى الخليفة تقارير دورية وافية بكل ما يحدث فى مكان عمله، هذا إذا كان تابعًا للخليفة، ويفعل الشىء نفسه إذا كان خاضعًا لنفوذ الدول المختلفة التى ظهرت فى هذا العصر، ولهذا أصبح نظام البريد فى ذلك العصر أشبه ما يكون بقلم المخابرات فى عصرنا.

стр. 391

- المراجع: * أدم منز: الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري - ترجمة محمد عبد الهادي أبو ريدة - القاهرة - ١٩٤٨م * بن الأثير (علي بن أبي الكرم): الكامل في التاريخ - دار الكتاب العربي - بيروت ١٩٦٧م * أحمد أمين: ضحي الإسلام - مكتبة النهضة المصرية - القاهرة الطبعة الخامسة - ١٩٥٦م * بن الجوزي (عبد الرحمن بن علي): المنتظم في تاريخ الملوك والأمم - حيدر آباد - الهند - ١٣٥٧هـ * حسن إبراهيم حسن: تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي - مكتبة النهضة المصرية - القاهرة - ١٩٧٣م * حسن أحمد محمود وأحمد إبراهيم الشريف: العالم الإسلامي في العصر العباسي - دار الفكر العربي - القاهرة - ١٩٦٦م * الخطيب البغدادي (أحمد بن علي): تاريخ بغداد - القاهرة - ١٣٤٩هـ = ١٩٣١م * خليل السامرائي وآخرون: تاريخ الدولة العربية الإسلامية في العصر العباسي - الموصل - العراق - ١٤٠٨هـ = ١٩٨٨م * سامي الكيالي: سيف الدولة وعصر الحمدانيين - دار المعارف - القاهرة - ١٩٥٩م * السيوطي (جلال الدين) تاريخ الخلفاء - تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد - القاهرة - ١٣٨٩هـ = ١٩٦٩م * شاكر مصطفي: دولة بني العباس - الكويت - ١٣٩٣هـ = ١٩٧٣م * الطبري (محمد بن جرير): تاريخ الرسل والملوك - تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم - دار المعارف القاهرة - ١٩٦٦م * عبد النعيم حسنين: دولة السلاجقة - مكتبة الأنجلو المصرية - القاهرة - ١٩٧٥م * فاروق عمر: الخلافة العباسية في عصورها المتأخرة - دار الخليج - ١٤٠٣هـ = ١٩٨٣م٠ * كارل بروكلمان: تاريخ الشعوب الإسلامية - ترجمة نبيه أمين فارس ومنير البعلبكي - دار العلم للملايين - بيروت - ١٩٦٥م * بن كثير (إسماعيل بن عمر): البداية والنهاية - دار الكتب العلمية بيروت - ١٤٠٨هـ = ١٩٨٨م * محمد الخضري: محاضرات في تاريخ الأمم الإسلامية (الدولة العباسية) - القاهرة - ١٩٧٠م

стр. 392

* محمد مسفر الزهراني: نظام الوزارة في الدولة العباسية - مؤسسة الرسالة - بيروت - ١٤٠٦هـ = ١٩٨٦م * المسعودى (علي بن الحسين): مروج الذهب ومعادن الجوهر - دار الأندلس - بيروت - ١٣٨٥هـ = ١٩٦٥م * مسكوية (أحمد بن محمد): تجارب الأمم وتعاقب الهمم - نشره آم دروز - مطبعة التمدن - القاهرة - ١٩١٤م * ابن النديم (محمد بن إسحاق): الفهرست - المطبعة الرحمانية - القاهرة - ١٣٨٤هـ * ياقوت الحموي: معجم الأدباء - دار المأمون - القاهرة - ١٣٥٥هـ = ١٩٣٦م

стр. 393

الجزء الرابع المشرق الإسلامي بعد العباسيين تأليف: أ. د. عصام الدين عبد الرؤوف أستاذ التاريخ الإسلامي بجامعة القاهرة أ. د. محسن جمال الدين أستاذ اللغات الشرقية بجامعة عين شمس الفصل الأول *العالم الإسلامى قبيل الغزو المغولى كانت الدولة العباسية آنذاك تحت حكم الخليفة «الناصر لدين الله» الذى حكم فترة طويلة امتدت من سنة (٥٧٥هـ) حتى سنة (٦٢٢هـ)، وعلى الرغم من طول هذه المدة التى لم تتح لخليفة قبله، فإنه لم يستغلها استغلالا حسنًا فى صالح دولته وما ينفع الناس، حتى وصفه «ابن الأثير» بقوله: «كان قبيح السيرة فى رعيته، ظالمًا، فخرب العراق فى أيامه، وتفرق أهله فى البلاد وأخذ أملاكهم وأموالهم»، وإلى جانب ذلك لم يعمل على توحيد الصف بين الإمارات الإسلامية، فأشعل الفتنة بينها وألَّب بعضها على بعض. ولم يكن نفوذ الخليفة العباسى قويا إلا على «بغداد» والمنطقة المجاورة؛ حيث كانت المنطقة الشمالية من العراق فى أيدى أتابكة «الموصل»، وباقى «العراق» الغربى خاضعًا للسلاجقة، على حين سيطر الأيوبيون ومن بعدهم «المماليك» على «مصر» وأجزاء كبيرة من «الشام» و «فلسطين». وفى المشرق كانت السيادة هناك لدول «الأتابكة»، و «الغور»، والخوارزمية، والإسماعيلية، وأصبحت سلطة الخليفة رمزًا روحيا محدودًا، لا يتدخل فى شىء إلا إذا طلب منه التدخل للتصديق على ما يطلب منه فحسب. وتُوفى الخليفة «الناصر لدين الله» فى أواخر رمضان سنة (٦٢٢هـ) بعد أن شهدت خلافته سقوط دولة السلاجقة، وظهور قوة المغول بزعامة «جنكيزخان واكتساحهم بلاد «ما وراء النهر» و «خراسان» وإسقاطهم للدولة الخوارزمية وزحفهم نحو «الجزيرة» و «العراق» و «الشام» وتهديدهم للعالم الإسلامى. وتولى الخلافة بعد «الناصر لدين الله» ابنه «الظاهر بأمر الله»، لكن خلافته لم تطل، إذ تُوفى فى (١٤ من رجب سنة ٦٢٣هـ)، وتولى بعده ابنه «المستنصر بالله»، وفى عهده تصاعد الخطر المغولى وأصبح على مشارف العراق، وبعد وفاته فى جمادى الآخرة سنة (٦٤٠هـ) بويع لابنه «المستعصم بالله»، وهو آخر الخلفاء العباسيين فى العراق. الخوارزميون: أولاً: محمد خوارزمشاه وأطماعه فى الدول المجاورة:

стр. 394

تولى السلطان «محمد خوارزمشاه» حكم الدولة الخوارزمية سنة (٥٩٦هـ)، وبدأ عهده بالدخول فى منازعات متصلة مع الدول المجاورة له، فاشتبكت معه الدولة الغورية التى كانت تقع فى منطقة «أفغانستان» الحالية، حين ظن الأخوان «غياث الدين» و «شهاب الدين» ضعف السلطان «محمد خوارزمشاه» بحكم صغر سنه، وجرَّدا جيشًا كبيرًا للاستيلاء على منطقة «خراسان»، مكَّنهما من الاستيلاء على عدد من مدن «خراسان»، إلا أن «محمد خوارزمشاه» تمكن بعد ذلك من إلحاق الهزيمة بهما، ثم مات «غياث الدين» فجأة، فتمكن السلطان «محمد» من طرد «الغوريين» من «خراسان» فى سنة (٦٠٠هـ). ثم خرج «شهاب الدين الغورى» بقواته وكان مقيمًا بالهند إلى لقاء «محمد خوارزمشاه» وألحق بجيشه عدة هزائم متتالية، ووصلت جيوشه إلى «جرجانية» عاصمة «الدولة الخوارزمية»، وحاصرها، ولكن أهلها قاوموه وصمدوا فى وجهه، واتصل السلطان «محمد» بالقراخطائيين وبعثمان خان سلطان «سمرقند»، طالبًا العون والمساعدة، فلما وصل إليه المدد تمكن من إلحاق الهزيمة بشهاب الدين الغورى فى منطقة «هزاراسب»، وتتبع «القراخطائيون» «الغوريين» وطاردوهم حتى أوشكوا على القضاء عليهم، إلا أن «عثمان خان» تدخل فى اللحظة الأخيرة ومنع القراخطائيين من تحطيم الجيش الغورى، وهرب «شهاب الدين» إلى «الهند»، ثم تُوفى فى سنة (٦٠٣هـ)، فتولى ابنه السلطان «محمود» حكم «الدولة الغورية» فى «هراة» و «فيروزكوه»، وكان شابا مستهترًا، مولعًا بالخمر، فانصرف عنه أتباعه، وقُتل فى سنة (٦٠٩هـ.) كان للسلطان «محمد خوارزمشاه» أخ يدعى «تاج الدين على شاه»، وقد هرب هذا الأخ من أخيه خوفًا من بطشه؛ بسبب خصومة حدثت بينهما، ثم توجه إلى بلاط السلطان «محمود الغورى» الذى رحَّب به وأحسن وفادته، وقد نجح «على شاه» فى توطيد علاقته برجال البلاط والعلماء والفقهاء فى «الدولة الغورية»، فلما قتل السلطان

стр. 395

«محمود الغورى»، نصَّبه هؤلاء ملكًا على «الدولة الغورية» فى عام (٦٠٩هـ)، فأرسل إلى أخيه السلطان «محمد خوارزمشاه» يبشره بما وصل إليه، فبعث إليه مَنْ تمكن من قتله بالحيلة، واستولى «محمد خوارزمشاه» على أملاك «الدولة الغورية» دون حرب أو قتال، ثم ضم «غزنة» إلى ممتلكاته فى سنة (٦١١هـ)، وتوجه منها إلى «سمرقند» حيث نجح فى ضمها إلى دولته، ثم تمكن فى العام نفسه (٦١١هـ) من الاستيلاء على الجانب الغربى من «الدولة القراخطائية» فدانت له بذلك منطقة بلاد «ما وراء النهر» كلها، وعهد إلى ابنه «جلال الدين منكبرتى» بحكم بلاد «فيروزكوه» و «هراة» و «غزنة « ثانيًا: السلطان محمد والخلافة العباسية: عمل السلطان «محمد خوارزمشاه» على إعداد جيش قوى؛ لكى يهاجم به الخلافة العباسية، للأسباب الآتية: ١ - رغبته فى أن تكون له الكلمة العليا على الخليفة العباسى، شأن ما كان عليه سلاطين الدولتين «البويهية» و «السلجوقية»، وكان الخليفة العباسى يأبى ذلك الأمر. ٢ - أنه حين استولى على أملاك «الدولة الغورية»، وجد فى خزائن السلطان «شهاب الدين» مجموعة من الرسائل بعث بها إليه الخليفة «الناصر لدين الله» يحرضه فيها على مهاجمة الخوارزميين وسلطانهم، ويزين له ذلك. ٣ - وأنه وصل إلى علمه أن الخليفة يؤلب عليه حكام الدول الإسلامية المجاورة مثل: «أتابكة أذربيجان»، و «أتابكة أصفهان»، بل إنه حرض «الإسماعيلية» على قتل «أغلمش» نائبه على العراق العجمى. ٤ - وأنه رأى أن الخلافة العباسية لم تعد تمثل الإسلام فى شىء؛ حيث انشغل الخلفاء بمصالحهم الشخصية عن الجهاد فى سبيل الله ونشر الدعوة الإسلامية فى المناطق الوثنية المجاورة، ومن ثم لا تترتب للخليفة العباسى أية حقوق على حكام المسلمين. وقد أعلن «السلطان محمد» أن الخليفة العباسى لا حق له فى خلافة المسلمين، وأن هؤلاء العباسيين - فى الأصل - ما هم إلا مغتصبون

стр. 396

لهذه الخلافة من أبناء «على بن أبى طالب» رضى الله عنه، وأن الشيعة هم أولى الناس بتولى هذه الخلافة، ومن ثم اختار رجلا من أعقاب العلويين يدعى «علاء الملك الترمذى»، ونصبه خليفة على المسلمين فى «خوارزم» بعد أن استصدر فتوى من فقهاء بلاده وعلمائها تنص على أن الخليفة العباسى لا يحق له أن يحكم المسلمين. أعد «السلطان محمد» جيشه فى عام (٦١٤هـ)، وتحرك به قاصدًا «بغداد»، فلما وصل منطقة العراق العجمى خرجت إليه جيوش «الأتابك سعد بن زنكى» الذى حرضه الخليفة العباسى على اقتطاع هذه المنطقة والاستيلاء عليها من «الخوارزميين»، وتمكن «السلطان محمد» من هزيمة هذه الجيوش، والاتفاق مع «سعد بن زنكى» على حكم «بلاد فارس» مقابل دفع جزية سنوية إلى «الدولة الخوارزمية»، وواصل «محمد خوارزمشاه» طريقه إلى «بغداد»، فاعترضه جيش - بعث به الخليفة- بقيادة «أتابك أذربيجان»، فانتصر عليه «السلطان محمد» وأسر قائده، ثم أطلق سراحه فى مقابل تعهده بدفع جزية سنوية، ثم مضى فى طريقه واقترب من «بغداد» فى خريف السنة نفسها، وتأهب السلطان «محمد» لغزو «بغداد»، ولكن أمطارًا غزيرة انهمرت وعواصف ثلجية شديدة هبت على منطقة «أسد آباد» التى كان يعسكر فيها بجنوده، فأهلكت معظم الدواب، وقتلت عددًا كبيرًا من الجنود، واضطر السلطان الخوارزمى إلى العودة إلى «خوارزم» دون أن يفعل شيئًا فى مواجهة الخليفة العباسى، وبدأ نجمه فى الأفول بعد ذلك؛ حيث واجهه الخطر المغولى واعترضته نكبات كثيرة. ثالثًا: نظرة عامة على الحالة السياسية والاجتماعية فى الدولة الخوارزمية: اجتمعت أسباب الرفاهية ورغد العيش فى الدولة الإسلامية، وبالغ الناس فى جمع المال والثروات، وانتشرت الأمراض الاجتماعية والمؤامرات السياسية فى هذه الفترة، لذا فإن من كان ينظر إلى «الدولة الخوارزمية» يتصور أنها دولة قوية متماسكة، وأنها أقوى

стр. 397

الدول على الإطلاق فى تلك المنطقة، غير أن الواقع كان على خلاف ذلك، فقد استنزفت الحروب الطويلة التى دخلها «الخوارزميون» مع الدول المجاورة الواحدة تلو الأخرى كل ثرواتهم، واستهلكت عناصر الفروسية فى جيوشهم، وقضت على خيرة الجنود والمقاتلين. كان الجيش الخوارزمى يشتمل على أخلاط وأجناس مختلفة من قبائل «الأتراك القنفلى» و «الغور» و «البلوج»، وغيرها من العناصر التى كانت -غالبًا- تتنافر، وتدب بينها الخلافات - أحيانًا - لأتفه الأسباب؛ ومن ثم كان الجيش الخوارزمى غير متجانس، ومتفرق الأهواء والمقاصد. أما من الناحية الداخلية: فقد كانت علاقة «السلطان محمد» بالعلماء والفقهاء علاقة سيئة للغاية، وأدى ذلك إلى سوء علاقته بالشعب، وكانت الفتوى التى انتزعها «السلطان محمد» من العلماء والفقهاء - بعدم أحقية الخلفاء العباسيين بالخلافة، وأن العلويين أحق بها منهم - من بين أسباب تفاقم الخلاف بين الجانبين، حيث جاءت هذه الفتوى رغم أنوف العلماء، وبتهديد السلاح. لم تكن البلاد التى استولى عليها الخوارزميون راضية عن دخولها تحت حكم «محمد خوارزمشاه»، ولم تمل بأى حال إلى الخوارزميين؛ ولهذا جاءت مواقفها متراخية حين طلب منها «السلطان محمد» المدد بعد عبور المغول نهر سيحون، وتباطأت فى تقديم المدد والعون للخوارزميين؛ مما اضطر السلطان الخوارزمى إلى الانسحاب. ومهما يكن من أمر فإن المؤرخين العرب يقرون بتدين السلطان «محمد خوارزمشاه» وحسن عقيدته وشجاعته، على الرغم من أخطائه السياسية والأخلاقية الفاحشة التى أودت بدولته، وعرضت العالم الإسلامى كله للخراب والدمار، وقد تمثلت هذه الأخطاء فيما يلى: ١ - محاربة «محمد خوارزمشاه» للغوريين فى الشرق والجنوب حتى اضطرهم إلى الانحسار فى جزء محدود، واختتم علاقاته بهم بقتل أخيه. ٢ - تحطيم الدولة القراخطائية التى كانت تمثل سدًّا منيعًا؛ يمنع غارات القبائل المغولية البربرية على دولته.

стр. 398

٣ - سوء علاقته بالخليفة العباسى. ٤ - استنزاف خيرة القادة والفرسان والجنود فى حروبه التى خاضها فى «إيران» و «تركستان». وقد تناول الأستاذ «أبو الحسن الندوى» فى كتابه «تاريخ دعوة وعزيمة» أبرز عيوب «الدولة الخوارزمية» وسلطانها «محمد خوارزمشاه» بقوله: لقد صدر عن الملوك الخوارزميين الخطأ الكبير نفسه الذى وقع فيه الحكام العرب فى الأندلس .. ولم يعفُ عنهم قانون الجزاء الإلهى .. ذلك لأنهم بذلوا كل قواهم فى توسيع رقعة الملك ودعمه، وقمع الخصوم، ولم يبذلوا أى اهتمام بتبليغ رسالة الإسلام إلى ذلك القسم البشرى الذى كان يعيش بجوار حدودهم، وكان بنفسه عالمًا مستقلا، فبصرف النظر عن الدافع الدينى والواجب الإسلامى، كان مقتضى الحزم السياسى وبعد النظر أن يُعنوا بإيجاد التوافق العقائدى فى هذه الدنيا الواسعة، وبذلك يكونون قد أقاموا حولهم سياجًا يحفظهم عن ذلك الخطر الذى لم يواجههم وحدهم، بل اكتسح المسلمين كلهم. الأوضاع السياسية فى وسط آسيا قبل ظهورجنكيزخان: انقسمت منطقة «أواسط آسيا» فى أواخر القرن السادس الهجرى (الثانى عشر الميلادى) إلى دول وحكومات متعددة ومختلفة، على النحو الآتى: أولا: الصين: وانقسمت إلى قسمين، أحدهما شمالى (الصين الشمالية) وعاصمته «بكين»، وكان تحت حكم أسرة «كين» التى سيطرت عليه، والقسم الآخر جنوبى، وكان يضم الأقاليم الجنوبية، التى سيطرت عليها أسرة «سونج»، وقد اتخذت من مدينة «هانج تشيو» عاصمة لها. ثانيًا: الدولة الأويغورية: وهى دولة مستقلة كونها جماعة من الأتراك الأويغور فى «التركستان» شمالى غرب أواسط آسيا، وكانت هذه الدولة ذات حضارة متميزة؛ أسهمت بنصيب وافر فى جذب القبائل البدوية فى المناطق المجاورة إلى الأخذ بمظاهرها. ثالثًا: الدولة القراخطائية: وتقع فى الجنوب الغربى بين «مملكة الخوارزميين» من جهة الغرب، ومساكن المغول فى الشرق، وكانت تمثل - بموقعها هذا- حائط الصد

стр. 399

الفاصل لهجمات القبائل المغولية على «الدولة الخوارزمية»، التى فصلها «نهر سيحون» عن ممتلكات القراخطائيين. رابعًا: الدولة الخوارزمية: وحكمت فيما وراء «نهر سيحون»، وكانت الدولة الإسلامية الوحيدة بين دول هذه المنطقة، وقد بسطت هذه الدولة حكمها على «إيران» كلها تقريبًا، وشاركها فى حكم البلاد الفارسية دولة قوية أنشأها «الإسماعيلية» فى المنطقة الواقعة جنوب بحر «قزوين» فى عام (٤٨٣هـ)، ثم بسطت حكمها على أجزاء أخرى من إيران. وإلى جانب ذلك كان هناك مجموعة من قبائل البدو الرحَّل فى أقصى الشمال على حدود «سيبيريا المغولية»، وفى إقليم «السهوب» شمالى صحراء «جوبى»، وكانوا أشبه بخلية النحل من حيث كثرة تحركاتهم وتنقلاتهم من مكان إلى مكان، وتمتعهم بصفات بدنية تتناسب مع البيئة التى عاشوا فيها، حيث كانت تجتاحها الرياح الثلجية فى الشتاء، والملتهبة الحرارة خلال الصيف القصير. وكانت هذه القبائل تنقسم إلى مجموعات لاحصر لها؛ تتفاوت فيما بينها من حيث عدد أفرادها، ومناطق نفوذها، وأشهر هذه القبائل: ١ - قبائل التتار: وهى من أشد قبائل الجنس الأصفر وحشية وجبروتًا، وتعيش فى صراع دائم فيما بينها، كما كانت خاضعة فى أغلب الأوقات لحكام «الصين الشمالية» من أفراد أسرة «كين»، وقد عاشت هذه القبائل حياة متدنية للغاية، ولبس أفرادها جلود الكلاب والفئران وغيرها من القوارض، كما أكلوا من لحومها. وكانوا من ألد أعداء المغول، ويناصرون الثائرين عليهم، فلما أصبح «جنكيزخان» قائدًا للمغول تمكن من القضاء على قبائل التتار، ولم ينجُ منهم إلا عدد قليل، وعلى إثر ذلك أطلق اسم «التتار» على «جنكيزخان» وأتباعه من المغول تيمنًا بما فعلوا، ولم يمضِ وقت طويل حتى أطلق عليهم اسم «المغول» أيضًا، فعرفوا بالاسمين معًا. ٢ - قبائل كرايت: وكانت تسكن الواحات الشرقية الداخلية لصحراء «جوبى»، وامتدت مساكنهم حتى «سور الصين العظيم»، وظلت

стр. 400

أقوى القبائل فى المنطقة المغولية فى القرنين الخامس والسادس الهجريين، وبسطت نفوذها وسيطرتها على معظم القبائل المجاورة لها والمحيطة بها، واعتنق ملكُ «الكرايت» المسيحية فى سنة (٣٩٨هـ)، فتبعه رعاياه، وعرفت هذه القبائل فى «أوربا» منذ ذلك الحين. ٣ - قبيلة نايمان: إحدى القبائل التركية التى غلب عليها الطابع المغولى، وقد اعتنقت هذه القبيلة المسيحية، شأنها شأن قبائل «كرايت»، ومع ذلك فإن أفرادها ناصبوا قبائل «كرايت» العداء، وكثيرًا ما نشبت الحروب بينهم. ٤ - المغول: نشأ «المغول» الأصليون فى المنطقة المعروفة باسم «هضبة منغوليا» شمالى صحراء «جوبى»، وتنقسم منغوليا إلى قسمين: قسم شمالى غربى، به جبال كثيرة؛ تتخللها وديان تغطيها الحصباء، وقسم جنوبى شرقى، منخفض؛ يشمل بقية صحراء «جوبى»، وهو سهل متسع، تغطيه طبقة من الحصباء شديدة الصلابة، وكانت القبائل المغولية فى هذه المنطقة تعيش مستقلة عن بعضها، وتتقاتل فيما بينها، أو مع جيرانها، ولاسيما التتار. وقد ظهرت طائفة «قيات» التى نشأ فيها «جنكيزخان» من بين هذه القبائل. امتاز مناخ هذه المنطقة بشتاء طويل تشتد فيه البرودة، وتهطل فيه الأمطار، وتنخفض درجة الحرارة فى بعض جهاتها إلى (٥٨) درجة تحت الصفر، فتتجمد المياه، فإذا ما حل الصيف القصير -بضعة أسابيع- تشتد الحرارة وترتفع درجاتها - أحيانًا - إلى (٦٠) درجة مئوية. وقد انقسمت القبائل المغولية من حيث المعيشة والعمل إلى نوعين: الأول: عمل بالرعى، ويعيش إلى جوار المراعى. والنوع الآخر: عمل بصيد الأسماك من الأنهار، والحيوانات من الغابات، لذا فقد كانت هذه القبائل تبدو أكثر بدائية وتوحشًا، ولا علاقة لها بالعالم المتحضر - بسبب معيشتهم بالغابات - إلا عن طريق القبائل الرحالة، التى استفادت من جوارها للأويغوريين المتحضرين، ولامبراطورية «كين» فى «الصين الشمالية»، ومع ذلك لم يكن لهم

стр. 401

نصيب من الحياة الحضرية، إذ لم تكن لهم مدن يعيشون فيها، وإنما كانوا دائمى الترحال من مكان إلى آخر، وقد أقاموا خيامهم على عربات ذات عجل؛ كى يسهل نقلها معهم فى ترحالهم. والواقع أن بيئة هذه المناطق فرضت على المغول أن يعيشوا فى نزاع وصراع من أجل البقاء، فضلا عن أنهم كانوا لا يؤمنون بدين ولا شريعة، ولا يعرفون حلالا أو حرامًا، ولا منطق بينهم إلا للقوة، ولاحكم إلا للسيف، ولذلك كانوا يشكلون ضغطًا متواصلا على الدول المتحضرة التى تعيش إلى جوارهم، وينتهزون الفرصة للإغارة عليها. فكان لابد لهذه الحالة من الفوضى السياسية والاجتماعية - التى كانت تعيشها هذه القبائل المغولية - أن تتمخض - فى النهاية - عن وجود شخصية قوية توحد شتاتها، وتكوِّن منها دولة فتية موحَّدة، فظهر شاب مغولى اسمه «تموجين» هو نفسه «جنكيزخان»، ونجح بعد كفاح طويل فى تأسيس وبناء امبراطورية المغول الفسيحة، فامتدت حدودها بين «الصين» شرقًا، و «بحر الإدرياتيك» غربًا.

стр. 402

الفصل الثاني *نشأة الامبراطورية المغولية أولا: جنكيزخان وتوحيد القبائل: وُلد «جنكيزخان» فى سنة (٥٤٩هـ = ١١٥٤م)، بإحدى المناطق المغولية، وكان أبوه «يسوكاى بهادر» رئيسًا لقبيلة «قيات» المغولية، وكان يحارب - أحيانًا- القبائل المجاورة له، كما كان يصطدم ببعض قبائل التتار، وقد خرج مرة لمحاربة رئيس إحدى القبائل التترية، وانتصر عليه، وتمكن من أسره وقتله، فلما عاد إلى موطنه وجد امرأته قد ولدت مولودًا، فأسماه «تموجين» بنفس اسم رئيس قبيلة التتار الذى تمكن من أسره وقتله، تيمنًا بانتصاره عليه. عاش «تموجين» حياة عز ودلال فى مطلع حياته، إلا أنه لم ينعم بها طويلا، حيث مات أبوه وهو فى الثالثة عشرة من عمره، فتغير الحال، وانفض عنه أكثر الناس، واضطر إلى الاعتماد على نفسه فى رعاية أسرته، فكونت هذه الفترة شخصيته، وطبعته بطابع الجد والصرامة، لدرجة أنه كان يستطيع أن يبقى ثلاثة أيام دون طعام أو شراب، فلما بلغ السابعة عشرة من عمره التف حوله جماعة من الناس، وتمكن من خلالهم أن يكون قوة يُخشى بأسها فى المنطقة، فبدأ يفرض نفوذه على القبائل المجاورة، واحدة تلو الأخرى. كانت شخصية «تموجين» القوية من بين الأسباب التى دفعت الناس إلى الالتفاف حوله، فبدأ بفرض نفوذه، ثم السيطرة على القبائل الكبيرة، وتمكن فى سنة (٥٩٩هـ) من إحراز نصر كبير على قبيلة «كرايت»، وأسرعت القبائل الأخرى إلى الدخول فى طاعته، وقضى على ملك «النايمان»، ودخلت قبائله تحت إمرته فى سنة (٦٠٠هـ)؛ التى اجتمعت فيها القبائل وأجمعت على اختيار «تموجين» إمبراطورًا لها تحت اسم جنكيزخان. وتُعدُّ هذه السنة بداية للدولة المغولية، التى وضع لها «جنكيزخان» مجموعة من القوانين الصارمة عرفت باسم «دستور الياسّا» فى عام (٦٠٣هـ)، وكان على كل من يخضع لهذه القوانين أن يدين لها بالولاء، أما من يخرج عليها فليس له من جزاء إلا القتل فورًا، وهكذا

стр. 403

استطاع «جنكيزخان» أن يوحد شتات هذه القبائل فى دولة واحدة تخضع لدستور واحد، واستغل قُوى هذه الأقوام والقبائل فى تكوين جيش قوى استطاع به - بعد ذلك- أن يطيح بالدول المجاورة له، الواحدة تلو الأخرى. ثانيًا: سيطرة «جنكيزخان» على الدول المجاورة: ١ - الدولة الأويغورية وانضمامها إلى امبراطورية جنكيزخان: دخل «الأويغور» فى طاعة ملك «الخطا»، الذى أرسل إليهم قوات من عنده لكنها أساءت معاملة الأهالى الأويغوريين، فهاجمتها الأهالى وقضت عليها، فأرسل إليهم «ملك الخطا» قوة كبيرة تمكنت من إخضاع «الأويغور» لسطوتها، ونكلت بهم أشد أنواع التنكيل، فبعث «الأويغور» إلى «جنكيزخان» يطلبون منه المساعدة، فى الوقت الذى ثاروا فيه على جنود «الخطا»، وتمكنوا منهم وقتلوا رئيسهم، ثم دخلوا بعد ذلك تحت حماية «جنكيزخان» فى سنة (٦٠٦هـ)، ونتيجة لذلك فقد شاع «الخط الأويغورى» بين أتباع «جنكيزخان»، وأصبحوا يدَوِّنون به سجلاتهم وكتاباتهم. ٢ - سيطرة جنكيز على أقاليم الصين الشمالية: لاحظ «جنكيزخان» أن ملوك «الصين» الشمالية يحاولون الوقيعة بين القبائل المغولية الخاضعة لسيطرته، ويعملون على تأليب أفراد هذه القبائل عليه وعلى قبيلته، فخرج إليهم على رأس جيش كبير، وأخذ معه كل أبنائه فى قيادة هذا الجيش، ودخل فى حروب متواصلة، بدأت فى عام (٦٠٨هـ)، وانتهت فى عام (٦١٢هـ)، حين سيطر «جنكيز» على العاصمة «بكين»، واستولى على كنوز «الصين» ونفائسها، فارتقت حياة المغول، وصاروا يصنعون خيامهم من الحرير، ويرصعون سيوفهم بالجواهر. وقد انتفع المغول من خبرات «الصين» العسكرية؛ إذ تمكن الصينيون من اختراع البارود، وتطوير آلات الحرب القديمة وعدتها، مثل «المجانيق» و «العَرَّاوات» وغيرها، مما مكنهم من فتح أحصن القلاع وأمنعها، وأصعب المناطق العسكرية، كما استفادوا من استيلائهم على «بكين» الأثر النفسى الذى تكوَّن لدى الناس من المفاجأة التى

стр. 404

سيطرت عليهم حين سمعوا بأن مجموعة من القبائل البربرية الهمجية قد أطاحت بدولة كبرى مثل «الصين الشمالية»، ولم يستطع بعض الملوك تصديق هذا الحدث، مثلما فعل «محمد خوارزمشاه» الذى لم يصدق هذا الأمر حتى سنة (٦١٥هـ)، وبعث ببعض خاصته تحت رئاسة أحد العلماء فى بعثة استكشافية للتحقق من صحة هذا الخبر، فلما تيقن من ذلك أبدى دهشته، ووقر فى نفسه أن هذه القوة الوليدة لابد أنها تمتلك قوة خارقة، وعليه أن يحتاط لذلك، وسيطر عليه هاجس امبراطورية المغولية الوليدة، وهكذا نُصر المغول بالرعب، وخافهم الملوك، ورؤساء الدول المحيطة بهم. ثم عاد «جنكيزخان» من «الصين» إلى بلاده فى سنة (٦١٨هـ)، لكى يطارد رؤساء القبائل الفارِّين منه، والذين تسببوا فى إحداث بعض الاضطرابات والمشاكل فى بلاده. ٣ - قضاء جنكيزخان على الدولة القراخطائية: فر عدد من رؤساء القبائل وأبنائهم من وجه «جنكيزخان» إبان المذابح التى قام بها أثناء محاولته توحيد شتات القبائل التركية المغولية، وكان من بينهم «كوجلك خان» ابن ملك قبائل «النايمان» الذى هام على وجهه متوجهًا نحو الغرب وبصحبته مجموعة من جنوده، حتى عبر حدود «الدولة القراخطائية»، فتم القبض عليه وعلى من معه، وأمر «كورخان» ملك هذه الدولة بإيداعهم السجن. وأثناء ذلك نشب نزاع بين القراخطائيين والخوارزميين، حيث امتنع السلطان «علاء الدين محمد خوارزمشاه» عن دفع الجزية السنوية التى كانت تدفع للدولة القراخطائية»، وكان مقدارها ثلاثين ألف دينار، وكان السلاطين الخوارزميون يوصون أبناءهم بدفع هذه الجزية لهم؛ لأنهم يمثلون السد الذى يمنع عن بلادهم غارات القبائل الهمجية من جهة الشرق، فلما امتنع «محمد خوارزمشاه» عن دفع هذه الجزية، كان لابد من قيام الحرب بين الطرفين. استطاع «كوجلك خان» - من سجنه - أن يخدع «كورخان» ملك «الخطا» ويقنعه بأنه خير معين له فى حربه ضد «خوارزمشاه»، وأنه

стр. 405

يستطيع بسهولة أن يجمع جيشًا كبيرًا من الجنود الذين فروا أمام «جنكيزخان»، وأن بوسعه أن يلحق الهزيمة بخوارزمشاه. وكان «كورخان» فى حاجة إلى من يساعده، فوافق على عرض «كوجلك»، وأطلق سراحه، وأمَّنه، وسمح له بالخروج لجمع الجنود وتكوين الجيش، فما كان من «كوجلك» إلا أن اتصل بمحمد خوارزمشاه واتفق معه على أن يجمع جيوشه ويهاجم القراخطائيين جهة الشرق، فى الوقت الذى يهاجمهم فيه الخوارزميون من الجهة الغربية، مقابل اقتسامها، فوافقه «محمد»، وتم تنفيذ هذا المخطط، وتمكن «كوجلك» من قتل «كورخان»، ثم تزوج ابنته بعد أن ارتد عن دينه إلى البوذية من أجل هذا الزواج. اضطهد «كوجلك» المسلمين فى المناطق التى سيطر عليها، وأخذ يُضيِّق عليهم، ويستولى على أرزاقهم، ويمنعهم من أداء شعائرهم، ويهدم مساجدهم، ويمنعهم من رفع الأذان، ويحاول إرغامهم على ترك الدين الإسلامى واعتناق البوذية، فضج المسلمون من ذلك وطلبوا العون من «جنكيزخان»، فأرسل إليهم جيشًا بقيادة أحد قادته الكبار للتخلص من «كوجلك»، وتمكن هذا الجيش ببراعة عسكرية فائقة من القضاء على جيش «كوجلك» فى وقت قصير جدا، وفر «كوجلك» من أمام القائد المغولى، ولكن المغول تتبعوا خطواته حتى أدركوه، وقضوا عليه فى سنة (٦١٥هـ). دهش «محمد خوارزمشاه» من الطريقة التى تمكن بها القائد المغولى من السيطرة على «الدولة القراخطائية»، فى حين أنه كان يخشى بأس «كوجلك» ويهابه، لدرجة أنه أمر سكان القرى الحدودية بينه وبين دولة «كوجلك» بهجرها حين دب خلاف بينهما، خشية أن يهاجمه «كوجلك»، فشعر بالقلق وسيطر عليه الخوف، خاصة أن بلاده أصبحت مجاورة لأملاك «جنكيزخان» بعد أن ساعد هو نفسه فى زوال «الدولة القراخطائية» التى كانت بمثابة حائط الصد المنيع لبلاده ضد غارات المغول البربر. الخوارزميون والمغول: حدث صدام بين السلطان «محمد خوارزمشاه» وفيلق من المغول فى

стр. 406

سنة (٦١٢هـ) بعد أن تغلب المغول بقيادة «جنكيزخان» على جميع البلاد المتحضرة المجاورة لهم فلم يقصدوا بلدًا إلا فتحوه، حتى بلاد «الصين» التى ظلت فى نظر القبائل المغولية أرضًا لايمكن أن تستباح حرمتها بأية قوة، تمكن «جنكيزخان» من دخولها، وفتح «بكين» عاصمة «الصين الشمالية» فى سنة (٦١٢هـ)، التى وقع فيها الصدام بين الخوارزميين والمغول حين قاد أحد زعماء القبائل الفارين من وجه «جنكيزخان» مجموعة من أبناء قبيلته وانطلق شمالا، واستقر فى منطقة قريبة من نفوذ الخوارزميين، فأرسل «جنكيزخان» ابنه «جوجى» (توشى) على رأس فرقة صغيرة من جنوده لتعقب هؤلاء الفارين، فقضى «جوجى» عليهم، ثم عاد أدراجه قاصدًا «منغوليا»، فالتقى فى طريق العودة بجيش كان يقوده السلطان «محمد خوارزمشاه» بنفسه، فبعث «جوجى» إليه برسالة مؤداها أن المغول ما قدموا إلا من أجل دفع الثوار الخارجين، ولم يأتوا لمحاربة المسلمين، وليست عندهم أوامر بذلك، فلما قرأ «السلطان محمد» الرسالة ركبه الغرور، وأعلن الحرب عليهم، وهاجمهم، واستمرت الحرب سجالا بين الطرفين طيلة النهار حتى أتى الليل، فأشعل المغول النار فى معسكرهم، ثم انسحبوا فى جنح الليل، واكتشف السلطان أمرهم عند طلوع النهار، فأثر ذلك فى نفسه وترك بداخله جرحًا عميقًا وخوفًا شديدًا، فقد رأى بنفسه ما يتمتع به هؤلاء المغول من مقدرة على خوض غمار الحروب. فلما هاجم المغول بلاده - بعد ذلك - أخذ يتقهقر أمامهم بغير انتظام، وفقد القدرة على مواجهتهم ومنازلتهم، وقد استولت عليه الدهشة عندما سمع بنبأ فتح المغول للعاصمة الصينية «بكين»، ولم يصدق ذلك حيث كانت «الصين» تتمتع بنظام إدارى وعسكرى فريد، وبعث «بهاء الدين الرازى» أحد أركان دولته لاستطلاع هذا الخبر، فلما تأكد «الرازى» من صحة الخبر، عاد إلى السلطان «محمد خوارزمشاه» ووصف له ما رأى خلال رحلته بقوله: «عندما وصلنا إلى

стр. 407

حدود طمغاج واقتربنا من عاصمة التون خاتون (أى عاصمة أباطرة الصين الشمالية وهى بكين) تراءى لنا من مسافة بعيدة أكمة بيضاء عالية .. تلك الأكمة العالية تبعد عن المكان الذى كنا فيه نحو مسيرة ثلاثة أيام أو أكثر، فخيل إلينا نحن مبعوثى خوارزمشاه أن تلك الأكمة العالية ربما كانت جبلا تكسوه الثلوج، فسألنا المرشدين وأهل المنطقة، فقالوا لنا: إنما هى مجموعة عظام الذين قُتلوا. وعندما تقدمنا مرحلة أخرى فى الطريق، كانت الأرض قد صارت لزجة سوداء (بسبب ما اختلط بها من دماء الآدميين) .. وعندما وصلنا إلى أبواب طمغاج وجدنا فى موضع أسفل برج القلعة عظامًا آدمية كثيرة، فاستفسرنا عنها، قيل: إنه فى يوم فتح المدينة ألقى أهلها بعشرين ألف فتاة عذراء من هذا البرج، فهلكن هناك حتى لا يقعن فى أيدى جيش المغول، فهذه العظام كلها ما هى إلا رفات تلك الفتيات. وعندما شاهدنا «جنكيزخان» أحضروا أمامنا ابن التون خان (إمبراطور الصين) ووزيره مقيدين .. ولدى عودتنا أرسلوا معنا إلى خوارزمشاه الكثير من التحف والهدايا، وقال لنا: قولوا لمحمد خوارزمشاه: إننى ملك مشرق الشمس، وأنت ملك مغرب الشمس، وبيننا عهد ومودة ومحبة وصلح مستحكم، فليستمر التجار، ولتستمر القوافل رائحة غادية بين الطرفين، ولينقلوا إليك الطرائف والسلع التى فى ولايتى، وبلادك أيضًا يكون لها نفس الحكم. كان السلطان «محمد» -آنذاك- يشعر أنه فى أوج قوته، فقد استطاع بسط سيطرته ونفوذه على «إيران» بأكملها عدا ولايتى «فارس» و «خوزستان»، وضم «العراق» وبلاد «ما وراء النهر» و «تركستان الشرقية»، وفكر - فى وقت ما - فى غزو بلاد «الصين» وضمها إلى حوزته، كما فكر فى أن تكون له الهيمنة على «بغداد» والخلافة العباسية، كما كانت لسلاطين السلاجقة، ولكن أمله خاب فى هذا الشأن حين هاجمت جيوشه العواصف والأمطار الغزيرة والثلوج، ومات عدد كبير من جنوده وهلكت خيوله فى طريقه إلى غزو «بغداد»،

стр. 408

فعاد إلى بلاده خائبًا منكسرًا فى سنة (٦١٤هـ)، فكانت هذه أول صدمة صادفته منذ ولى أمور الحكم فى سنة (٥٩٦هـ)، ولذلك قال أحد المؤرخين: «إن هيبة السلطان قد قلت فى قلوب الناس بعد عودته من العراق، وعد الناس قصده دار الخلافة شؤمًا عليه». لم يعد «السلطان محمد» إلى بلاده مباشرة حين رجوعه من «العراق»، وإنما توجه إلى بلاد «ما وراء النهر»، واستقبل هناك وفدًا من تجار المغول المسلمين، برئاسة «محمود الخوارزمى» الذى تنتمى أسرته إلى إقليم «خوارزم»، حاملا رسالة من «جنكيزخان» إلى «السلطان محمد» يقول له فيها: «إن الخان الكبير (يعنى جنكيز) يسلم عليك، ويقول: ليس يخفى علىَّ عظيمُ شأنك، وما بلغت من سلطانك، ولقد علمت بسطة ملكك، وإنفاذ حكمك فى أكثر أقاليم الأرض، وأنا أرى مسالمتك من جملة الواجبات، وأنت عندى مثل أعز أولادى، وغير خافٍ عليك - أيضًا- أننى ملكت الصين وما يليها من بلاد الترك، وقد أذعنت لى قبائلهم، وأنت أخبر الناس بأن بلادى مثارات العساكر، ومعادن الفضة، وإنها لغنية عن طلب غيرها، فإن رأيت أن تفتح للتجار فى الجهتين سبيل التردد، عمت المنافع وشملت الفوائد. شعر «السلطان محمد» بغيظ شديد تجاه هذه الرسالة، إذ كانت تحمل فى طياتها طابع التهديد والوعيد، فضلا عن الإهانة التى شعر بها حين اعتبره «جنكيزخان» فى منزلة الابن، وهذا يعنى التبعية للمغول، ومهما يكن من أمر فقد وافق «السلطان محمد» على إبرام المعاهدة التجارية التى عرضها عليه «جنكيزخان» إلا أنه سرعان ما قضى عليها بنفسه وهى مازالت فى مهدها، لشعوره بأنه مازال قويا، ويجب عليه ألا يعبأ بهؤلاء الهمج من المغول، فضلا عما عرف عنه من تكبر، وبغض للتواضع والتملق والمداهنة. بعث «جنكيزخان» - ثانية- برسالة إلى «السلطان محمد»، وكان يحملها مجموعة من التجار وبصحبتهم عدد من أتباع «جنكيزخان»، وكانت القافلة كلها من المسلمين، ووصلت إلى مدينة «أترار» التى

стр. 409

تقع على حدود ممالك «السلطان محمد»، فطمع «نيال خان» حاكم هذه المدينة فى الهدايا التى تحملها هذه القافلة، وبعث إلى «السلطان محمد» يخبره بأمرهم، وشكه فى أنهم ربما يكونون جواسيس، فأمره السلطان بقتلهم على الفور، فقتلهم جميعًا إلا رجلا واحدًا تمكن من الفرار، وذهب إلى بلاط «جنكيز» وأخبره بما حدث، فاستشاط غضبًا، وهاله الأمر. كان «جنكيزخان» يظن أن «الدولة الخوارزمية» دولة قوية متماسكة، وليس بوسعه غزوها، إلا أنه أدرك أن الحرب مع الخوارزميين لا مفر منها، وعليه أن يتريث قليلا حتى يعد لذلك العدة، فبعث برسالة يحملها وفد رسمى من أتباعه المسلمين إلى «السلطان محمد»، يقول له فيها: «إنك قد أعطيت خطَّك ويدك بالأمان للتجار ألا تتعرض لأحد منهم، فغدرت ونكثت، والغدر قبيح، ومن سلطان الإسلام أقبح، فإن كنت تزعم أن الذى ارتكبه نيال خان كان من غير أمر صدر منك، فسلِّم نيال خان إلىَّ، لأجازيه على ما فعل، حقنًا للدماء، وتسكينًا للدهماء، وإلا فأذن بحرب ترخص فيها غوالى الأرواح». رفض «السلطان محمد» احتجاج «جنكيزخان» كما رفض تسليم «نيال خان»، وأمر بقتل الوفد المغولى الذى حمل إليه الرسالة، وكان ذلك فى عام (٦١٥هـ)، الذى بدأ «جنكيزخان» فيه الاستعداد لحرب الخوارزميين، ووضع خطة لذلك، وبدأها بتأمين ظهره من المناوئين لسلطته، وقضى على دولة «النايمان» وحاكمها «كوجلك خان»، فبات الطريق أمامه مفتوحًا لغزو «الدولة الخوارزمية. تسرب القلق والحيرة إلى نفس السلطان «محمد»، وغلب عليه التوتر والخوف، وجفاه النوم، كلما سمع باقتراب المغول من بلاده، وأشار عليه بعض مستشاريه بجمع جيش كبير يقف به على ساحل «نهر سيحون»؛ ليحول دون عبور المغول إلى بلاد «ما وراء النهر»، ولكن الأمراء الخوارزميين أشاروا عليه بأن يستدرج المغول ويدعهم يعبرون إلى بلاد «ما وراء النهر»، ثم يستدرجهم إلى الجبال والممرات

стр. 410

التى يصعب عبورها، ثم ينقض عليهم بجيوشه من كل جانب، فراقت هذه الفكرة «السلطان محمد»، وفرق جيشه وأمراءه على المدن الرئيسية ببلاد ما وراء النهر. ولبث محمد خوارزمشاه ينتظر المغول، ثم ترك جيوشه وقواده ببلاد «ما وراء النهر» وعاد إلى «خراسان» بسبب بعض الأمور الداخلية التى أقلقته، والتى كان من أبرزها سيطرة أمه وزيادة نفوذها على البلاد والجيش، لدرجة أنها تفوقت عليه فى النفوذ. فلما وصل «جنكيزخان» إلى بلاد «ما وراء النهر»، قسم جيوشه عليها، وتمكن من السيطرة على هذه المنطقة فى وقت قصير، واستولت جيوشه على «أترار» و «بخارى» و «سمرقند»، وأمهات مدن بلاد «ما وراء النهر»، ولم يجد المغول المقاومة الشرسة التى انتظروها، فأدرك «جنكيزخان» حالة السلطان النفسية، وعمد إلى المبالغة فى القتل والسلب والنهب ليزداد خوف الخوارزميين وغيرهم، وقتل سكان مدينة «أترار» عن بكرة أبيهم، وأحرق «بخارى» عن آخرها، وقتل كثيرًا من سكانها، وأخذ من بقى منهم على قيد الحياة رقيقًا؛ ليستخدمهم فى حروبه التالية، فجمع الخوارزميون أمرهم على بناء سور عظيم حول مدينة «سمرقند» آخر أمل لهم فى الصمود والبقاء، ولكن المغول كانوا أسرع منهم ووصلوا إلى «سمرقند» قبل أن يشرعوا فى بناء سورها، وتمكنوا من اقتحام هذه المدينة، فانهار «السلطان محمد» وأخذ يولى الأدبار من مكان إلى مكان، وأرسل بعض أتباعه لكى ينقلوا زوجاته وبنيه من «خوارزم» إلى «مازندان»، فانتقلت عدوى الخوف والاضطراب من السلطان الهارب إلى ثقاته وأتباعه ومستشاريه، واختلفت بينهم الآراء فيما ينبغى أن يقوموا به فى سبيل إنقاذ ما يمكن إنقاذه، واستقر الأمر بالسلطان إلى أن اختار التوجه إلى بلاد العراق العجمى غربى «إيران»؛ ليبتعد بنفسه وجيشه قدر الإمكان عن هؤلاء الغزاة، ثم يستجمع قواه وجنوده، ويستعد للقاء المغول، وعاد من جديد وولى وجهه شطر الشمال الغربى إلى «نيسابور»، وأثناء ارتحاله سمع بسقوط

стр. 411

«بخارى» و «سمرقند» فى أيدى المغول فزادت حالته النفسية سوءًا. ومما لاشك فيه أن السرعة التى تمتعت بها جيوش المغول فى الاقتحام والتوغل، كانت من العوامل التى تركت آثارًا نفسية بعيدة الغور فى نفوس المسلمين، مثلها فى ذلك مثل المذابح الرهيبة التى نصبوها بعد فتح المدن المحاصرة؛ وهى المدن التى تركوها خرابًا يبابًا، ليس فيها نفس واحد يتردد، كمدينة «نيسابور» التى قتلوا كل من فيها من الأحياء حتى القطط والكلاب، وبقروا بطون الحوامل، وأخرجوا الأجنة منها وذبحوها. ولاشك أنه كانت هناك أسباب أخرى أدت إلى حدوث هذه الحالة من الشلل التى أصابت تفكير الناس وحركتهم تجاه المغول أثناء غزوهم لبلادهم، فإلى جانب السرعة التى تمتع بها المغول فى التحرك والقسوة المتعمدة، ساعد مظهرهم البغيض، وما كانوا عليه من عادات قبيحة كريهة على زيادة الرعب والفزع والقلق والخوف فى قلوب الناس. وكان المغول إذا أرادوا الإغارة على مدينة، بعثوا برسالة إلى أهلها ويختمونها بقولهم: «ولسنا نعلم ماذا تفعل بكم الأقدار إذا لم تسرعوا إلى تقديم الخضوع والاستسلام لنا، والله وحده هو الذى يعلم ما هو نازل بكم». وهكذا نظر المسلمون إلى المغول وتصرفاتهم بالكثير من الاشمئزاز والنفور والكراهية، باعتبارهم غير خاضعين للمقاييس والمعايير الإنسانية الأساسية، ولذلك امتلأت نفوس الناس بالرعب منهم. تعرض «السلطان محمد» لمحاولة قتله على أيدى بعض المتمردين من قادته قبل أن يدخل «نيسابور»، إلا أنه تمكن من النجاة، وسارع بالتوجه إلى «نيسابور»، فلما دخلها جاءته الأخبار بأن «جنكيزخان» بعث جيشًا كبيرًا فى أثره للقضاء عليه، فانطلق بقواته المتبقية إلى الشمال الغربى، فما لبثت هذه القوات التى كانت تصاحبه أن انفرط عقدها، وتفرقت من حوله، واستطاع «السلطان محمد» أن يهرب بنفسه ومعه بعض أولاده إلى جزيرة منعزلة فى «بحر قزوين»، ثم

стр. 412

اعتلت صحته، واهتدى الجيش المغولى الذى كان يطارده ويتعقبه إلى القلعة التى كانت تختبئ فيها زوجاته فى «مازندان»، فاقتحموها وأسروا زوجاته، وقتلوا مَنْ وجدوه بالقلعة من أبنائه ورجاله، فلما علم «السلطان محمد» بذلك فقد وعيه، واستولى عليه القلق والاضطراب، وأخذ يبكى بكاءً مرا حتى وافاه أجله فى سنة (٦١٧هـ) بعد أن استولى المغول على معظم أقاليم «إيران» وأحسنها. وهكذا كان للعامل النفسى دوره واعتباره فى حروب «جنكيزخان» على «الدولة الخوارزمية»، وهو دور لا يقل أهمية عن الدور الذى لعبته العوامل السياسية والعسكرية التى تسببت فى هزيمة الخوارزميين واندحارهم أمام الغزاة. السلطان جلال الدين المنكبرتى وجهاده ضد المغول: المرحلة الأولى من جهاد جلال الدين: كان السلطان «محمد خوارزمشاه» - قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة - قد منح ولاية العهد لابنه الأكبر «جلال الدين»، المعروف باسم «منكبرتى» بدلا من ابنه «أوزلاغ» المعروف باسم «قطب الدين»، وتوجه «جلال الدين» -عقب وفاة أبيه- إلى «خوارزم»، فقوبل بمعارضة شديدة من أتراك «القنفلى» الذين يتكون منهم عصب الجيش، حيث كانوا يرغبون فى أن يكون «غياث الدين» سلطانهم؛ لأن أمه من طائفتهم، ولم يكتفِ هؤلاء الجنود بالمعارضة، بل دبروا لقتل «جلال الدين»، إلا أنه تمكن من الفرار بأتباعه عبر الصحراء إلى «غزنة»، التى كان هو واليها فى عهد أبيه، ويعرفه الناس هناك ويحترمونه ويقدرون كفاءته العسكرية وأعماله البطولية. واستطاع هناك تكوين جيش كبير بلغ ثلاثين ألف مقاتل، وانضمت إليه الفلول التى كانت هاربة من المغول، وبذلك ألحق هزيمة كبيرة بمقدمة أرسلها المغول للبحث عنه فى هذه المنطقة فى سنة (٦١٨هـ.) خشى «جنكيزخان» أن يتسع نفوذ «جلال الدين» فأرسل جيشًا كبيرًا بقيادة أحد كبار القادة المغول لمحاربته، فالتقى الجيشان بالسهول القريبة من «بروان»، واستطاع «جلال الدين» أن يلحق

стр. 413

هزيمة ساحقة بالجيش المغولى، وسمع الناس بذلك ففرحوا فرحًا شديدًا، وثار أهالى «هراة» فى وجه رئيس الحامية المغولى وقتلوه هو وجنوده، فبعث «جنكيز» بابنه «تولوى» إلى هذه المدينة، فدمرها وقتل جميع سكانها، وخرج «جنكيز» بنفسه على رأس جيش كبير لملاقاة «جلال الدين»، فى الوقت الذى حدث فيه خلاف بين اثنين من قادة «جلال الدين» على توزيع الغنائم، وانسحب أحدهما بجنوده تاركًا «جلال الدين» فى هذه الظروف الحرجة، فاضطر إلى الانسحاب بجنوده صوب بلاد «الهند» - حين سمع بقدوم المغول- ولكن «جنكيز» أدركه، ودارت بينهما معركة حامية؛ أبلى فيها «جلال الدين» بلاءً حسنًا، ولكن جيش «جنكيز» كان أقوى عدة وأكثر عددًا فأدرك «جلال الدين» أنه لا فائدة من القتال، وانطلق صوب «نهر السند» وعبره بجنوده، فلم يصل منهم إلى الجانب الآخر من النهر إلا أربعة آلاف فارس، وبقى «جلال الدين» فى بلاد «الهند» بضع سنوات (٦١٨ - ٦٢٢ هـ)، ثم عاد بعدها إلى إيران. وفاة جنكيزخان وتقسيم الإمبراطورية المغولية: بعد أن سيطر «جنكيزخان» على كل المنطقة الشرقية من العالم الإسلامى، وعين عليها ولاة من قِبَله؛ عاد إلى بلاده، ثم تُوفى فى سنة (٦٢٤هـ)، فعقد المغول مجلسًا عاما للمشاورة فيمن يخلفه على العرش، واتفقوا على أن يتولى العرش «تولوى» أصغر أبنائه، ثم قسمت - بعد ذلك - الأراضى التى سيطر عليها المغول بين أبناء «جنكيز» الأربعة: جوجى: واختص بالجزء الواقع «جنوب روسيا» الحالية، ويبدأ من جنوب «بحر قزوين» فى الغرب حتى سواحل «نهر آرتش» فى الشرق، وكان اسم هذه البلاد «القبجاق»، وعرف أبناء «جوجى» باسم «القبيلة الذهبية» نسبة إلى المخيمات التى اتخذوها لأنفسهم بلون الذهب. جغتاى: واختص بالقسم الذى يضم بلاد «الأويغور» ومنطقة بلاد ما وراء النهر. أوكتاى: واختص بجزء صغير فى غربى منغوليا. تولوى: واختص بالمنطقة الأصلية التى عاش فيها المغول.

стр. 414

ثم ما لبث المغول أن اختاروا «أوكتاى» إمبراطورًا أعظم للمغول فى سنة (٦٢٦هـ). المرحلة الثانية من كفاح جلال الدين: انتهز «جلال الدين» فرصة انشغال المغول عن البلاد الفارسية بعد وفاة «جنكيز» وانطلق بجيشه نحو «إيران»، وعبر «نهر السند»، ودخل فى حروب عديدة مع مَن رآهم سببًا فيما حلَّ بالدولة الخوارزمية، فحارب «الأتابكة» فى «فارس» و «كرمان» و «يزد»، ثم حارب الخليفة العباسى، وانتصر عليهم جميعًا، ولكن مجموعة من الولاة الذين يحكمون بلاد «ما وراء النهر» بقيادة «الملك الأشرف الأيوبى» فى «الموصل»، تمكنوا من إلحاق الهزيمة بجلال الدين، فاستغل «الإسماعيلية» الفرصة وأرسلوا إلى «أوكتاى» إمبراطور المغول يخبرونه بأن الحلف العربى هزم «جلال الدين»، وقد أقدم «الإسماعيلية» على ذلك لأن «جلال الدين» حاربهم من قبل وانتصر عليهم، فجرد «أوكتاى» جيشًا كبيرًا قوامه (٥٠) ألف جندى بقيادة أشهر قواده «جرماغون»، الذى تمكن من مطاردة «جلال الدين» وتفريق جيشه، ففر «جلال الدين» فى سنة (٦٢٨هـ) إلى «الجبال الكردية» الواقعة فى منطقة «جبال بكر»، فقتله هناك أحد الأكراد حين عرف أنه السلطان، ثأرًا لمقتل أخيه على يد جيش «جلال الدين» فى إحدى الحروب. غزو هولاكو لغرب إيران وقضاؤه على الخلافة العباسية: هولاكو والإسماعيلية: بعد سلسلة من الصراعات على السلطة بين أمراء البيت الملكى، انتقل الحكم إلى بيت «تولوى بن جنكيزخان، وتولى «منكوقا آن بن تولوى» الحكم فى سنة (٦٤٨هـ)، وعمل منذ تسلم أمور الحكم على تنفيذ التوجهات التوسعية التى كانت تضطرم بها نفوس المغول، فأرسل أخاه «قوبيلاى» على رأس جيش كبير للسيطرة على جنوب «الصين» ومنطقة «جنوبى شرق آسيا»، وأرسل أخاه الأصغر «هولاكو» إلى «إيران» وبقية العالم الإسلامى للسيطرة عليها، وحدد له هدفين هما: ١ - القضاء علىالإسماعيلية. ٢ - القضاء على الخلافة العباسية.

стр. 415

تحرك «هولاكو» من «سمرقند» فى سنة (٦٥٣هـ) وأرسل طليعة جيشه لاستكشاف قلاع «الإسماعيلية» ومهاجمة بعضها؛ حيث كان «الإسماعيلية» يقيمون قلاعهم على قمم الجبال، بحيث يصبح مهاجموهم تحت سيطرتهم مباشرة، فإذا ما هاجمهم جيش أرسلوا عليه وابلا من السهام والحجارة لإعاقة حركته، ومنعه من الصعود، فلا يصل إليهم، وكانت أهم هذه القلاع التى يحتفظون فيها بالمؤن الكثيرة، قلاع: «الموت»، و «ميمون در»، و «لنبهْ سر» وكَردكوه. أرسل «هولاكو» قائده «كيتبوقا نوين» لفتح قلعة «كَردكوه» فاستعصت عليه، فسار «هولاكو» بنفسه لفتحها فى أواخر سنة (٦٥٣هـ)، إلا أنه لم يتمكن منها، وفتح بعض القلاع الصغيرة، فحل به وبجنوده اليأس، خاصة وقد حل شتاء سنة (٦٥٤هـ)، وقلت الأغذية، وتعرضت جيوشه للهجمات الفدائية التى قتلت الكثيرين من الجنود، فعمد «هولاكو» إلى الحيلة وسياسة الترغيب والترهيب، فنجحت حيلته، وبعث إليه «ركن الدين خورشاه» ملك «الإسماعيلية» برسالة يعلن فيها استعداده للتسليم، فوافقه «هولاكو» وأمَّنه، وسلم «خورشاه» نفسه فى سنة (٦٥٤هـ) وقتله المغول بعد فترة قصيرة، ثم سيطروا على قلاع «الإسماعيلية» وأطرافها، واتخذ «هولاكو» من الفيلسوف والعالم الفلكى الرياضى «نصر الدين الطوسى» الذى كان يعيش مع «الإسماعيلية» فى قلاعهم؛ مستشارًا له ووزيرًا. هولاكو وسقوط الخلافة العباسية: بعد أن قضى «هولاكو» على «الإسماعيلية»؛ توجه بجيش كبير نحو الغرب، وبعث برسالات التهديد إلى الخليفة العباسى؛ فرد عليه بالأسلوب نفسه اعتقادًا منه أن حكام الدول الإسلامية سيقفون إلى جواره فى صد الخطر المغولى عن رمز العالم الإسلامى، فاستشار «هولاكو» «نصر الدين الطوسى» فزين له الهجوم على «بغداد»، فحاصرها فى شهر المحرم سنة (٦٥٦هـ)، فخرج «الدواتدار» قائد الجيش العباسى على رأس قوة كبيرة فى محاولة لفك الحصار المغولى، فخدعه المغول وأوهموه أنه انتصر عليهم، وأخذوا

стр. 416

يتراجعون إلى الخلف، فتوغل بجنوده بعيدًا عن أسوار «بغداد»، فأطبق عليه المغول من كل جانب وحاصروه وفتكوا بجنوده، وتمكن من الفرار بأعجوبة مع عدد قليل من جنوده، وعاد بهم إلى بغداد. عمد «هولاكو» إلى إغراء الخليفة العباسى «المستعصم بالله» بالوعود الكاذبة، فسلم الخليفة نفسه وأهله وأمواله إلى «هولاكو»، فأمر بقتله؛ ثم دخل المغول «بغداد»، واستباحوها، وهدَّموا أكثر مبانيها، وقتلوا نحو مليون شخص، وجمع المغول كل الكتب والمخطوطات التى كانت موجودة بمكتبة «بغداد»، وألقوها فى «نهر دجلة» لتكون جسرًا يتمكن الجنود بواسطته من عبور النهر إلى الجانب الآخر، وهكذا سقطت «بغداد» بعد أن ظلت أكثر من خمسة قرون (١٣٢ - ٦٥٦هـ) حاضرة المسلمين، ومنارة العلم والحضارة للعالم الإسلامى، وترتب على ذلك انتقال مركز الخلافة من «بغداد» إلى «مصر» فى سنة (٦٥٩هـ)، وفقدت اللغة العربية سيادتها فى «إيران» والمشرق الإسلامى، وعادت الفارسية ثانية واحتلت الرقعة العلمية والثقافية فى هذه البلاد، كما كان لسقوط «بغداد» رنة فرح شديدة عند النصارى، الذين أشادوا بهولاكو وهللوا له؛ لأنه خلصهم من منافسهم الخطير المتمثل فى الخلافة الإسلامية، غير أنهم ندموا على سقوط هذه الخلافة بعد ذلك، حين تبين لهم سماحة المسلمين فى المعاملة ووفاؤهم بالعهد، وهذه الصفات لم يكن المغول يتمتعون بها، ولايعرفون عنها شيئًا. هزيمة المغول فى عين جالوت: توقف «هولاكو» ببغداد فترة، ثم أرسل جيشًا بقيادة قائده «كيتبوقا» (أو «كتبغا» كما يسميه المؤرخون العرب) للسيطرة على «فلسطين» و «مصر» فى سنة (٦٥٨هـ)، وكان يحكم «مصر» - آنذاك- «سيف الدين قطز»، وعلم بمقدم المغول، فتأهب بجيشه بقيادة «ركن الدين بيبرس» (الظاهر بيبرس البندقدارى) للدفاع عن «فلسطين»، والتقى بجيش المغول فى منطقة «عين جالوت» فى رمضان سنة (٦٥٨هـ)، وأسفرت المعركة عن هزيمة منكرة لحقت بالمغول، لأول

стр. 417

مرة منذ عهد السلطان «جلال الدين الخوارزمى»، وتم أسر قائد الجيش المغولى «كتبغا» ثم قتله، فكان لهذه المعركة عدة نتائج من أهمها: أنها حالت دون تقدم المغول إلى «مصر»، وقضت على خرافة الجيش المغولى الذى لا يُقهر، وتبدو أهمية هذه المعركة إذا ما تصورنا أن الهزيمة هى التى حلَّت بالمسلمين، فلا شك أن المغول كانوا سيقضون على آخر معقل للإسلام فى فلسطين ومصر. وأدى نجاح المصريين فى هذه المعركة إلى إدراك الأهمية الكبرى للوحدة بين «مصر» وبلاد الشام، وإلى توطيد العلاقات بين المماليك فى «مصر» والشام وحكام منطقة «القبجاق»، الذين كان يحكمهم -آنذاك- «بركة خان بن جوجى بن جنكيزخان»، الذى اعتنق هو ورعيته الإسلام، وطلب العون من المماليك فى «مصر»، لكى يقفوا إلى جانب بلاده ضد «المغول الإيلخانيين» الذين كانوا يحكمون «فارس»، ولاشك أن هذه المعركة أكسبت «القاهرة» مكانة ممتازة فى الجانب السياسى، إلى جانب ما كانت تتمتع به من مكانة حضارية وثقافية وعلمية. ولقد ارتد المغول على أعقابهم بعد ذلك وانحصر مدهم، وتقلص نفوذهم حتى حدود منطقة «العراق»، وانشغل «هولاكو» بالحروب الكثيرة التى دخلها مع «بركة خان»، ولم يستطع أن يتفرغ للثأر من المصريين الذين هزموه فى «عين جالوت»، حتى مات فى سنة (٦٦٣هـ)، بعد أن عين «شمس الدين محمد الجوينى» وزيرًا، وعهد إلى أخيه «علاء الدين الجوينى» بحكم «بغداد». وظل المغول فى حدود منطقة «العراق» حتى أقاموا دولتهم الجديدة التى عُرفت باسم «الدولة الإيلخانية» فى «إيران» و «العراق» وآسيا الصغرى.

стр. 418

الفصل الثالث *الدولة الجغتائية [٦٢٤ - ٧٦٠ هـ = ١٢٢٧ - ١٣٥٨ م]. النشأة والتكوين: تنسب «الدولة الجغتائية» إلى مؤسسها «جغتاى» الابن الثانى لجنكيزخان الذى أصبح ولى عهده بعد وفاة أخيه الأكبر «جوجى» فى حياة والدهما، فلما مات «جنكيزخان» فى سنة (٦٢٤هـ = ١٢٢٧م)، آلت إلى «جغتاى» أملاك «الدولة الجغتائية» (خانات جغتاى)، التى تُعرف باسم: «منطقة التركستان»، وهى تعتبر حدا فاصلا بين دولة «القبجاق» ودولة الخاقانات. حكم «جغتاى» مؤسس هذه الدولة منذ وفاة والده فى عام (٦٢٤هـ = ١٢٢٧م) إلى عام (٦٣٩هـ =١٢٤٢م)، وكان رجلا حازمًا وصارمًا وعنيدًا، ذلك لأنه كان المسئول عن تنفيذ الياسا، وقد اشتُهر بسوء معاملة المسلمين، وتعطشه لسفك دمائهم. ثورة تارابى: تنتسب هذه الثورة إلى زعيمها «محمود الترابى»، الذى كان يعمل صانعًا للغرابيل، بقرية «تاراب»؛ أقدم قرى مدينة «بخارى»، وهدفت هذه الثورة - التى أطلق عليها بعض المؤرخين الفرس: حركة شعبية - إلى رفض الحكم المغولى، واعتمدت على الدين كأساس لها فى ذلك، فالتف الناس حولها، على الرغم من أن دعاتها اعتمدوا على الخرافات، وادعوا اتصالهم بالأرواح، إلا أن انضمام «شمس الدين المحبوبى» أحد علماء «بخارى» إليها أكسبها قوة؛ إذ كان على خلاف مع أئمة «بخارى»، فساند «محمود تارابى» زعيم الثورة، وذكر له أن أباه قرأ فى أحد الكتب نبوءة مفادها: أن رجلا سيظهر ببخارى، سيكون فتح العالم على يديه، وأن مواصفات هذا الرجل تنطبق على «محمود تارابى»، وأكد المنجمون صدق ذلك، وأعلنوا أن نجم «محمود تارابى» قد بزغ، وأن الحظ سيحالفه، ولأن هذه المعتقدات كانت سائدة آنذاك، فقد اهتم الناس بأقوال المنجمين، والتفوا حول زعيم هذه الثورة، وحققوا انتصارات كبيرة، ودخلوا «بخارى»، غير أن المغول تمكنوا من صد الثورة ومقاومتها، وسقط «التارابى» و «محبوبى» صريعين، فأعلن الثوار «محمدًا» و «عليا»،

стр. 419

أخوىْ «تارابى»، زعيمين للثورة، فعزز المغول قواتهم، وتمكنوا من القضاء على هذه الثورة، وقبضوا على الثائرين، وأرادوا معاقبتهم، ولكن «محمود يلواج» استطاع الحصول على العفو لهم من قادة المغول. العلاقات الخارجية: كانت دولة «خانات جغتاى» دولة تابعة للدولة الأم التى أسسها «جنكيزخان»، وكانت ذات علاقة حدودية بين هذه الدولة الأم (دولة الخاقانات) من جانب، ودولة «القبجاق والإيلخانية» من جانب آخر؛ ولذلك فقد دخلت فى صراعات طويلة مع هذه الدول بسبب موقعها المتوسط بينها، ولم تكن صراعاتها من أجل التوسعة أو الوصول إلى حكم دولة مغولية أخرى، وإنما كان صراعًا على عرش «دولة الخاقانات»؛ فعندما تُوفى «متكوقا آن» الحاكم الأعظم (الخاقان) (٤) لدولة «خاقانات المغول»، كان ابنه «قوبيلاى» يقود الجيوش ببلاد «الصين» لتوسعة أملاك «دولة الخاقانات» بها، وكان «أريق بوقا» فى «قراقورم» عاصمة الدولة، وتم إعلانهما خاقانين على البلاد خلفًا «لمتكوقا آن»، وحيث إن «قراقورم» كانت منطقة فقيرة، فقد أراد «أريق بوقا» أن يوفر لقواته ما يلزمهم، وأغار على «الدولة الجغتائية»، وأخضع حاكمها «آلغو بن بايدار بن جغتاى» تحت سلطانه ليأمن شره، ويضمن عدم تحالفه مع غيره، ولكن ذلك لم يتم؛ فقد انقلب عليه حاكم «الدولة الجغتائية» وانضم إلى «قوبيلاى قا آن» حين عاد من «الصين»، واعترف به خاقانًا للمغول، فاضطر «أريق بوقا» إلى الاستسلام لخصمه «قوبيلاى»، الذى انفرد بحكم دولة الخاقانات وأسس بها حكمًا جعله لأسرته، التى عُرفت فى التاريخ باسم (أسرة اليوان). وهكذا دخلت «الدولة الجغتائية» فى صراع لم تكن سببًا فى حدوثه، بل لم تسلم من الصراعات بعد ذلك، فقد دخلت فى صراع مع «قايدوخان» (وهو من نسل أوكتاى قا آن)، بتحريض من «بركة خان» حاكم «القبجاق»، ودارت الحروب سجالا بين الطرفين إلى أن مات «ألغو بن بايدار» حاكم «الجغتائيين»، فاعتلى «مباركشاه»

стр. 420

عرش الدولة فى عام (٦٦٢هـ =١٢٦٤م)، ولكنه لم يلبث طويلا فى الحكم، إذ استطاع «براق خان» الاستيلاء على العرش فى عام (٦٦٤هـ = ١٢٦٦م)، بمساعدة «قوبيلاى قا آن» خاقان المغول، وذلك يؤكد أن العلاقة الخارجية لهذه الدولة كانت ذات صلة وثيقة بالسياسة الخارجية لدولة خاقانات المغول. مظاهر الحضارة فى الدولة الجغتائية: تُعد «بخارى» أعظم مدن «الدولة الجغتائية»، وكانت حاضرتها التى يشار إليها بالبنان ضمن بلاد «ما وراء النهر»، إذ كانت تزخر بالأبنية الفخمة، والحدائق الغناء، والبساتين والمتنزهات والثمار الكثيرة، التى يعد البرقوق أشهرها حتى الآن، كما كانت سوقًا ومركزًا تجاريا مهما، فبها مصانع للحرير والديباج، وأخرى للمنسوجات القطنية، وكذلك كانت ذات مكانة خاصة فى العالم الإسلامى، ولم يضارع «بخارى» فى كل ذلك سوى «سمرقند» بأضرحتها وبفواكهها، ومصنوعاتها من الجلود، والمنسوجات القطنية. ولعل القارئ يتساءل كيف انتعشت الحضارة فى «بخارى» و «سمرقند» مع ما لحق بهما من دمار عمَّ بلاد «ما وراء النهر» أثناء الغزو المغولى؟ خاصة وأن أحد البخاريين الذين فروا من الدمار الذى لحق بمدينته أخبر عن حالها - بالفارسية- حين سئل عن ذلك بقوله: «آمدند وكندند وسوخستند وكشتند وبردند ورفتنك. وترجمة ذلك: جاءوا، ودمروا، وأحرقوا، وقتلوا، ونهبوا، ثم رحلوا. فكانت إجابته تصويرًا لما لحق بهذه المدينة التى خرَّجت العلماء الأجلاء، ولم تكن «سمرقند» بأسعد حظا منها، ولكن لم تمضِ عدة سنوات حتى استعادت هذه المناطق رونقها وبهاءها، لوفرة المحاصيل الزراعية بها، ولرغبة المغول فى كسب ود هذه البلاد؛ لأنها مركز الثورات، وحركات التمرد والعصيان ضدهم، لذا تمكنت هذه البلاد من استرداد قوتها وإعادة بنائها مرة ثانية. ولقد شهدت بلاد «ما وراء النهر» فترة ازدهار حضارى على يد حاكمها «مسعود يلواج» فى ظل «الدولة الجغتائية»، وبنى ببخارى

стр. 421

مدرسة نسبها إليه هى «المدرسة المسعودية»، فدمرها الإيلخانيون فى عام (١٢٧٣م)، فأعاد البخاريون بناءها ثانية، ودفن بها «مسعود يلواج» فى عام (١٢٨٩م). ولم يقتصر مجهود «يلواج» على «بخارى» وحدها، بل تعداها ليشمل منطقة حكمه كلها، وشيد «بكاشغر» «مدرسة مسعودية» أخرى، وبذا تمكنت بلاد «ما وراء النهر» من الصمود أمام غزوات المغول عليها، وأن تعيد بناءها بفضل موقعها ومناخها، وبفضل حكامها الذين عملوا على تأسيس الحضارة فيها وبنائها.

стр. 422

الفصل الرابع *الدولة الإيلخانية فى إيران والعراق [٦٥٤ - ٧٤٤ هـ= ١٢٥٦ - ١٣٤٤م]. تعود تسمية الدولة الإيلخانية بهذا الاسم إلى هولاكو خان الذى لُقِّب بإيلخان، وهى كلمة مكونة من مقطعين «إيل» بمعنى تابع، و «خان» بمعنى ملك أو حاكم، والمقصود أن حاكم الدولة الإيلخانية تابع للخان الحاكم فى قراقورم. ١ - آباقا خان: يعد «هولاكو» المؤسس الأول لسلسلة سلاطين المغول فى «إيران» و «العراق» الذين ظلوا يحكمون هذه البلاد من سنة (٦٥٤هـ) حتى سنة (٧٥٦هـ)، وقد تُوفى «هولاكو» سنة (٦٦٣هـ)، وخلفه ابنه «آباقا خان» فى حكم البلاد، التى امتدت من «نهر جيحون» حتى «العراق العربى» غربًا، ومن جنوبى روسيا شمالا حتى «البحر العربى» جنوبًا. وقد جنحت الدولة الإيلخانية منذ إنشائها إلى الاستقلال عن العاصمة المغولية، فى أمور السياسة والحكم - منذ عهد «آباقا خان» - وكأن حكامها مستقلون تمامًا عن العاصمة قراقورم. وساعد البعد الجغرافى الذى يفصل بين «منغوليا» والإيلخانيين فى «إيران» و «العراق»، على أن يتخذ الإيلخانيون أساليب وعادات ونظمًا وغير ذلك من التقاليد الحضارية التى كانت موجودة فى «إيران»، والتى لم يعهدها المغول من قبل، فأصبح الإيلخانيون وكأنهم من ملوك الفرس. اتخذ «آباقا» من «تبريز» عاصمة له، فاحتلت فى عهده مكانة ممتازة، وجعل «آباقا» قائده الأمير «سونجاق» واليًا على «العراق» وإقليم «فارس»، ففوض هذا الأمير بدوره المؤرخ «علاء الدين عطا ملك الجوينى» فى حكم «العراق»، وعهد «آباقا» بمنصب الوزارة إلى «شمس الدين محمد الجوينى» أخى «علاء الدين»، فكانا سببًا من أسباب ازدهار دولة «آباقا»، وعلى الرغم من الجهود الذى بذلها الجوينيون فى خدمة هذه الدولة وتوطيد أسسها، ودعم أركانها، فإنهم تعرضوا - فى نهاية الأمر - لنكبة تشبه نكبة البرامكة عندما تكاثر عليهم الأعداء والخصوم، وقُتل الجوينيون جميعًا فى عهد

стр. 423

«أرغون» سنة (٦٨٣هـ) الذى قضى على جميع أفراد هذه الأسرة. تزوج «آباقا» ابنة امبراطور «القسطنطينية»، فتوطدت علاقته بالنصارى، وأكثر من القساوسة فى بلاطه، على الرغم من أنه كان إلى ذلك الوقت وثنيا، وحرص المسيحيون على مداهنة المغول واجتلابهم نحو المسيحية؛ أملا فى انضمام هؤلاء المحاربين الأشداء إلى صفوف النصارى ومحاربة أشد أعدائهم، المسلمين. وفى الوقت نفسه كان «آباقا» يريد من وراء توطيد علاقته بالمسيحيين أن يحصل على معاونتهم فى حربه ضد المسلمين، وخاصة المماليك، ليثأر لهزيمة المغول أمامهم فى «عين جالوت»، غير أن محاولاته ذهبت جميعها عبثًا، ولحقت به الهزائم فى كل مرة التقت فيها جيوشه بجيوش المماليك بقيادة «الظاهر بيبرس»، وكانت معركة «أبلستين» التى قامت بين الطرفين فى عام (٦٧٥هـ) من أهم المعارك التى دارت بين الجانبين، وانتصر فيها المماليك فى «مصر» و «الشام» انتصارًا حاسمًا، ثم تُوفى «آباقا» فى سنة (٦٨٠هـ.) ٢ - أحمد تكودار [٦٨١ - ٦٨٣هـ]: كان «آباقا خان» يريد أن يخلفه عن العرش ابنه «أرغون» لكنه لم يستطع لأن هذا الإجراء كان يعد مخالفة كبيرة لأحكام الدستور المغولى الذى وضعه جنكيز الذى يسمى «الياسا»، فقد كان يتعين إذا مات الخان أن يخلفه على العرش أكبر الأمراء الأحياء، ولقد كان أكبرهم هو «تكودار» وليس «أرغون»، ولذلك أجمع الأمراء المغول الذين اجتمعوا فى المجلس العام الذى يسمى «قوريلتاى» وقرروا انتخاب «تكودار» إيلخانًا فى سنة (٦٨١هـ). اعتنق تكودار المسيحية فى صغره، لكنه مال إلى الإسلام شيئًا فشيئًا؛ لكثرة اتصاله بالمسلمين، وتوطيد علاقته بعظماء المسلمين وكبار أئمتهم، فأعلن إسلامه، وسُمى بالسلطان «أحمد تكودار»، فكان أول مَن اعتنق الإسلام من الإيلخانيين. كان إسلام السلطان «أحمد» عاملا قويا فى تهذيب طباعه وتقويم خلقه، ولم يعد ذلك المغولى الذى كان كل همه سفك دماء المسلمين

стр. 424

وتخريب ديارهم، وإنما أصبح يرى المسلمين إخوته، ويجب أن يحل بينهم الوئام؛ لذا تبادل الرسائل الودية مع السلطان «قلاوون» سلطان المماليك فى «مصر»، فقضى بذلك - مؤقتًا- على الأحقاد والضغائن، ولم تحدث حروب بين الجانبين، وكذلك كان لإسلام «أحمد تكودار» أثر كبير فى «إيران»، فقويت شوكة المسلمين، وعادت المعابد البوذية وكنائس النصارى إلى مساجد كما كانت من قبل؛ ووصل المسلمون إلى المناصب الرئيسية فى الدولة، وتطلَّع أبناء البلاد الأصليين من الفرس إلى شغل المناصب الإدارية بالدولة المغولية. ونتيجة لذلك كله خاف أمراء المغول على مصالحهم الشخصية -خاصة أن السلطان كان يحرص على خطب ودهم - وبخاصة الأمير «أرغون» الذى كان يطمع فى العرش فثار على السلطان «تكودار» وتمكن من قتله فى سنة (٦٨٣هـ)، وضعفت بذلك شوكة المسلمين فى «إيران» ثانية. ٣ - أرغون خان [٦٨٣ - ٦٩٠هـ]: بعد مقتل السلطان «أحمد» اجتمع الأمراء المغول ونصبوا الأمير «أرغون ابن آباقا» إيلخانًا عليهم فى جمادى الآخرة سنة (٦٨٣هـ)، فنصب ابنه «غازان» حاكمًا على «خراسان» وعين الأمير «نوروز» نائبًا له عليها، وأنعم على الأمير «بوقا» بلقب «أمير الأمراء»، وأطلق يده فى تسيير شئون الدولة، وقتل الوزير «شمس الدين الجوينى» وجميع أفراد أسرته تقريبًا فى شعبان سنة (٦٨٣هـ)، وذلك لموقفهم مع السلطان «أحمد تكودار» ومساندتهم له فى المعركة التى دارت بينه وبين أفراد المغول بقيادة الأمير «أرغون»؛ والتى انتهت بمقتل السلطان وتنصيب الأمير سلطانًا. وزارة سعد الدولة اليهودى: بعد مقتل الوزير الجوينى «شمس الدين» ازداد نفوذ الأمير «بوقا» إلى حد كبير، وأصدر «الإيلخان» قرارًا يقضى بأنه ليس لأحد فى الدولة الحق فى محاسبة الأمير «بوقا» - حتى إذا ارتكب أكبر الجرائم - إلا السلطان نفسه، ولاشك أن هذه السلطة المطلقة التى حصل عليها «بوقا» جعلته يميل إلى الاستبداد والبطش والهيمنة على شئون

стр. 425

الدولة، ولم يبقَ للسلطان (الإيلخان) إلا الاسم فقط. لم يقتصر عداء «بوقا» على المسلمين وحدهم بل امتد بطشه إلى أمراء المغول أنفسهم، كما أنه لم يكن على دراية كافية بشئون البلاد الإدارية والمالية، فأدى ذلك إلى حالة من الفوضى والارتباك فى البلاد، وقد أثار ذلك حنق الأمراء المغول وغضبهم وجعلهم يفكرون فى التخلص منه، فحرضوا الإيلخان «أرغون» على التخلص من الأمير بوقا. وكان من أشد أعداء هذا الأمير طبيب يهودى يدعى سعد الدولة وكان اجتماعيا؛ يكثر الاختلاط بالناس ويوسع دائرة معارفه بينهم، كما كان ملما بأحوال الموظفين والصيارفة فى «بغداد»، ويجيد عدة لغات، ويعمل بالطب الذى كان وقفًا فى بلاد الإيلخان على اليهود وحدهم، ولذا عملوا على التدخل فى شئون الدولة من خلال عملهم، وحملوا الإيلخان «أرغون» على تعيين «سعد الدولة» طبيبًا لبلاطه، وتصادف أن اعتلَّت صحة الإيلخان، ومرض مرضًا شديدًا، وتمكن «سعد الدولة» من معرفة الدواء المناسب لمرضه، فشفى «الإيلخان»، وكافأ «سعد الدولة» وقرَّبه منه، وزاد قدره عنده، فاستغل الطبيب ذلك، وأخذ يشى بالأمير «بوقا» ويزيِّن للسلطان التخلص منه، حتى أوغر صدره ضده، فأمر السلطان بالقبض على «بوقا» وقتله بتهمة التآمر على السلطان، وتعيين الطبيب «سعد الدولة» وزيرًا له على البلاد. استطاع الوزير سعد الدولة أن يستميل إليه قلوب الناس برفع المظالم عنهم، وإجراء الصدقات على فقرائهم ومحتاجيهم، فمدحه الشعراء، وقصد بابه الأدباء والعلماء، ولكنه لم يكد يطمئن إلى ثبات مركزه فى الدولة، وارتفاع منزلته عند السلطان حتى أخذ يكيد للمسلمين ويعمل على التضييق عليهم، فضاقوا به وتحينوا الفرصة للخلاص منه، كما ضاق به الأمراء المغول لاستبداده بالحكم، وقضائه على ما كانوا يتمتعون به من نفوذ، وانتظروا كذلك الفرصة للقضاء عليه، فمرض «أرغون» فجأة، واشتد عليه المرض، وحاول الأطباء برئاسة «سعد
следующие страницы →