Полный текст (3 483 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
مدرسة نسبها إليه هى «المدرسة المسعودية»، فدمرها الإيلخانيون
فى عام (١٢٧٣م)، فأعاد البخاريون بناءها ثانية، ودفن بها «مسعود
يلواج» فى عام (١٢٨٩م).
ولم يقتصر مجهود «يلواج» على «بخارى» وحدها، بل تعداها ليشمل
منطقة حكمه كلها، وشيد «بكاشغر» «مدرسة مسعودية» أخرى،
وبذا تمكنت بلاد «ما وراء النهر» من الصمود أمام غزوات المغول
عليها، وأن تعيد بناءها بفضل موقعها ومناخها، وبفضل حكامها
الذين عملوا على تأسيس الحضارة فيها وبنائها.
стр. 422
الفصل الرابع
*الدولة الإيلخانية فى إيران والعراق
[٦٥٤ - ٧٤٤ هـ= ١٢٥٦ - ١٣٤٤م].
تعود تسمية الدولة الإيلخانية بهذا الاسم إلى هولاكو خان الذى لُقِّب
بإيلخان، وهى كلمة مكونة من مقطعين «إيل» بمعنى تابع، و «خان»
بمعنى ملك أو حاكم، والمقصود أن حاكم الدولة الإيلخانية تابع للخان
الحاكم فى قراقورم.
١ - آباقا خان:
يعد «هولاكو» المؤسس الأول لسلسلة سلاطين المغول فى «إيران»
و «العراق» الذين ظلوا يحكمون هذه البلاد من سنة (٦٥٤هـ) حتى سنة
(٧٥٦هـ)، وقد تُوفى «هولاكو» سنة (٦٦٣هـ)، وخلفه ابنه «آباقا
خان» فى حكم البلاد، التى امتدت من «نهر جيحون» حتى «العراق
العربى» غربًا، ومن جنوبى روسيا شمالا حتى «البحر العربى»
جنوبًا.
وقد جنحت الدولة الإيلخانية منذ إنشائها إلى الاستقلال عن العاصمة
المغولية، فى أمور السياسة والحكم - منذ عهد «آباقا خان» - وكأن
حكامها مستقلون تمامًا عن العاصمة قراقورم.
وساعد البعد الجغرافى الذى يفصل بين «منغوليا» والإيلخانيين فى
«إيران» و «العراق»، على أن يتخذ الإيلخانيون أساليب وعادات
ونظمًا وغير ذلك من التقاليد الحضارية التى كانت موجودة فى
«إيران»، والتى لم يعهدها المغول من قبل، فأصبح الإيلخانيون
وكأنهم من ملوك الفرس.
اتخذ «آباقا» من «تبريز» عاصمة له، فاحتلت فى عهده مكانة
ممتازة، وجعل «آباقا» قائده الأمير «سونجاق» واليًا على «العراق»
وإقليم «فارس»، ففوض هذا الأمير بدوره المؤرخ «علاء الدين عطا
ملك الجوينى» فى حكم «العراق»، وعهد «آباقا» بمنصب الوزارة
إلى «شمس الدين محمد الجوينى» أخى «علاء الدين»، فكانا سببًا
من أسباب ازدهار دولة «آباقا»، وعلى الرغم من الجهود الذى بذلها
الجوينيون فى خدمة هذه الدولة وتوطيد أسسها، ودعم أركانها،
فإنهم تعرضوا - فى نهاية الأمر - لنكبة تشبه نكبة البرامكة عندما
تكاثر عليهم الأعداء والخصوم، وقُتل الجوينيون جميعًا فى عهد
стр. 423
«أرغون» سنة (٦٨٣هـ) الذى قضى على جميع أفراد هذه الأسرة.
تزوج «آباقا» ابنة امبراطور «القسطنطينية»، فتوطدت علاقته
بالنصارى، وأكثر من القساوسة فى بلاطه، على الرغم من أنه كان
إلى ذلك الوقت وثنيا، وحرص المسيحيون على مداهنة المغول
واجتلابهم نحو المسيحية؛ أملا فى انضمام هؤلاء المحاربين الأشداء
إلى صفوف النصارى ومحاربة أشد أعدائهم، المسلمين.
وفى الوقت نفسه كان «آباقا» يريد من وراء توطيد علاقته
بالمسيحيين أن يحصل على معاونتهم فى حربه ضد المسلمين،
وخاصة المماليك، ليثأر لهزيمة المغول أمامهم فى «عين جالوت»،
غير أن محاولاته ذهبت جميعها عبثًا، ولحقت به الهزائم فى كل مرة
التقت فيها جيوشه بجيوش المماليك بقيادة «الظاهر بيبرس»، وكانت
معركة «أبلستين» التى قامت بين الطرفين فى عام (٦٧٥هـ) من أهم
المعارك التى دارت بين الجانبين، وانتصر فيها المماليك فى «مصر»
و «الشام» انتصارًا حاسمًا، ثم تُوفى «آباقا» فى سنة (٦٨٠هـ.)
٢ - أحمد تكودار [٦٨١ - ٦٨٣هـ]:
كان «آباقا خان» يريد أن يخلفه عن العرش ابنه «أرغون» لكنه لم
يستطع لأن هذا الإجراء كان يعد مخالفة كبيرة لأحكام الدستور
المغولى الذى وضعه جنكيز الذى يسمى «الياسا»، فقد كان يتعين
إذا مات الخان أن يخلفه على العرش أكبر الأمراء الأحياء، ولقد كان
أكبرهم هو «تكودار» وليس «أرغون»، ولذلك أجمع الأمراء المغول
الذين اجتمعوا فى المجلس العام الذى يسمى «قوريلتاى» وقرروا
انتخاب «تكودار» إيلخانًا فى سنة (٦٨١هـ).
اعتنق تكودار المسيحية فى صغره، لكنه مال إلى الإسلام شيئًا
فشيئًا؛ لكثرة اتصاله بالمسلمين، وتوطيد علاقته بعظماء المسلمين
وكبار أئمتهم، فأعلن إسلامه، وسُمى بالسلطان «أحمد تكودار»،
فكان أول مَن اعتنق الإسلام من الإيلخانيين.
كان إسلام السلطان «أحمد» عاملا قويا فى تهذيب طباعه وتقويم
خلقه، ولم يعد ذلك المغولى الذى كان كل همه سفك دماء المسلمين
стр. 424
وتخريب ديارهم، وإنما أصبح يرى المسلمين إخوته، ويجب أن يحل
بينهم الوئام؛ لذا تبادل الرسائل الودية مع السلطان «قلاوون» سلطان
المماليك فى «مصر»، فقضى بذلك - مؤقتًا- على الأحقاد والضغائن،
ولم تحدث حروب بين الجانبين، وكذلك كان لإسلام «أحمد تكودار»
أثر كبير فى «إيران»، فقويت شوكة المسلمين، وعادت المعابد
البوذية وكنائس النصارى إلى مساجد كما كانت من قبل؛ ووصل
المسلمون إلى المناصب الرئيسية فى الدولة، وتطلَّع أبناء البلاد
الأصليين من الفرس إلى شغل المناصب الإدارية بالدولة المغولية.
ونتيجة لذلك كله خاف أمراء المغول على مصالحهم الشخصية -خاصة
أن السلطان كان يحرص على خطب ودهم - وبخاصة الأمير «أرغون»
الذى كان يطمع فى العرش فثار على السلطان «تكودار» وتمكن من
قتله فى سنة (٦٨٣هـ)، وضعفت بذلك شوكة المسلمين فى «إيران»
ثانية.
٣ - أرغون خان [٦٨٣ - ٦٩٠هـ]:
بعد مقتل السلطان «أحمد» اجتمع الأمراء المغول ونصبوا الأمير
«أرغون ابن آباقا» إيلخانًا عليهم فى جمادى الآخرة سنة (٦٨٣هـ)،
فنصب ابنه «غازان» حاكمًا على «خراسان» وعين الأمير «نوروز»
نائبًا له عليها، وأنعم على الأمير «بوقا» بلقب «أمير الأمراء»،
وأطلق يده فى تسيير شئون الدولة، وقتل الوزير «شمس الدين
الجوينى» وجميع أفراد أسرته تقريبًا فى شعبان سنة (٦٨٣هـ)،
وذلك لموقفهم مع السلطان «أحمد تكودار» ومساندتهم له فى
المعركة التى دارت بينه وبين أفراد المغول بقيادة الأمير «أرغون»؛
والتى انتهت بمقتل السلطان وتنصيب الأمير سلطانًا.
وزارة سعد الدولة اليهودى:
بعد مقتل الوزير الجوينى «شمس الدين» ازداد نفوذ الأمير «بوقا» إلى
حد كبير، وأصدر «الإيلخان» قرارًا يقضى بأنه ليس لأحد فى الدولة
الحق فى محاسبة الأمير «بوقا» - حتى إذا ارتكب أكبر الجرائم - إلا
السلطان نفسه، ولاشك أن هذه السلطة المطلقة التى حصل عليها
«بوقا» جعلته يميل إلى الاستبداد والبطش والهيمنة على شئون
стр. 425
الدولة، ولم يبقَ للسلطان (الإيلخان) إلا الاسم فقط.
لم يقتصر عداء «بوقا» على المسلمين وحدهم بل امتد بطشه إلى
أمراء المغول أنفسهم، كما أنه لم يكن على دراية كافية بشئون
البلاد الإدارية والمالية، فأدى ذلك إلى حالة من الفوضى والارتباك
فى البلاد، وقد أثار ذلك حنق الأمراء المغول وغضبهم وجعلهم
يفكرون فى التخلص منه، فحرضوا الإيلخان «أرغون» على التخلص
من الأمير بوقا.
وكان من أشد أعداء هذا الأمير طبيب يهودى يدعى سعد الدولة
وكان اجتماعيا؛ يكثر الاختلاط بالناس ويوسع دائرة معارفه بينهم،
كما كان ملما بأحوال الموظفين والصيارفة فى «بغداد»، ويجيد عدة
لغات، ويعمل بالطب الذى كان وقفًا فى بلاد الإيلخان على اليهود
وحدهم، ولذا عملوا على التدخل فى شئون الدولة من خلال عملهم،
وحملوا الإيلخان «أرغون» على تعيين «سعد الدولة» طبيبًا لبلاطه،
وتصادف أن اعتلَّت صحة الإيلخان، ومرض مرضًا شديدًا، وتمكن «سعد
الدولة» من معرفة الدواء المناسب لمرضه، فشفى «الإيلخان»، وكافأ
«سعد الدولة» وقرَّبه منه، وزاد قدره عنده، فاستغل الطبيب ذلك،
وأخذ يشى بالأمير «بوقا» ويزيِّن للسلطان التخلص منه، حتى أوغر
صدره ضده، فأمر السلطان بالقبض على «بوقا» وقتله بتهمة التآمر
على السلطان، وتعيين الطبيب «سعد الدولة» وزيرًا له على البلاد.
استطاع الوزير سعد الدولة أن يستميل إليه قلوب الناس برفع المظالم
عنهم، وإجراء الصدقات على فقرائهم ومحتاجيهم، فمدحه الشعراء،
وقصد بابه الأدباء والعلماء، ولكنه لم يكد يطمئن إلى ثبات مركزه
فى الدولة، وارتفاع منزلته عند السلطان حتى أخذ يكيد للمسلمين
ويعمل على التضييق عليهم، فضاقوا به وتحينوا الفرصة للخلاص منه،
كما ضاق به الأمراء المغول لاستبداده بالحكم، وقضائه على ما كانوا
يتمتعون به من نفوذ، وانتظروا كذلك الفرصة للقضاء عليه، فمرض
«أرغون» فجأة، واشتد عليه المرض، وحاول الأطباء برئاسة «سعد
стр. 426
الدولة» معالجته وإنقاذه بكل السبل، ولكنهم عجزوا عن ذلك، فقبض
الأمراء المغول على «سعد الدولة» وقتلوه فى شهر صفر سنة
(٦٩٠هـ)، ولم يلبث الإيلخان بعده إلا فترة قصيرة ثم مات، فعمت
مشاعر البهجة والسرور أنحاء البلاد الإسلامية؛ لمقتل «سعد الدولة»،
وثار الناس على اليهود فى كل مكان، وقتلوا منهم عددًا كبيرًا.
سياسة أرغون الخارجية:
حاول «أرغون» أن يحد من نفوذ «مصر» فى المشرق الإسلامى،
فأقام علاقات سياسية وطيدة مع قادة الدول المسيحية مثل: «البابا»
و «إدوارد الأول» ملك «إنجلترا»، و «فيليب لوبل» ملك «فرنسا»،
تمهيدًا لتكوين حلف للقضاء على النفوذ المصرى فى «آسيا
الصغرى»، و «العراق» و «الشام»، و «فلسطين». وشجعت هذه
العلاقات (المغولية - الأوربية) عددًا من الرحالة الأوربيين على زيارة
بلاد المغول، وسافر الرحالة الشهير «ماركو بولو» إلى العاصمة
المغولية، وأقام فى بلاط الامبراطور المغولى «قوبيلاى» نحو
عشرين عامًا، عمل فيها مستشارًا له ووزيرًا، ولم تقع حروب تذكر
بين الجانبين - المصرى والمغولى - فى عهد «أرغون» لانشغال كل
منهما بمشكلاته الداخلية.
٤ - كيخاتو خان [٦٩٠ - ٦٩٤هـ]:
بعث الأمراء المغول عقب وفاة «أرغون» إلى أخيه «كيخاتو خان»
يخبرونه بوفاته، فقدم على الفور من بلاد الروم التى كان يحكمها،
وتولى عرش الإيلخانية فى رجب سنة (٦٩٠هـ)، ثم عين «صدر الدين
أحمد الزنجانى» وزيرًا له، ولقبه بلقب «صدر جهان» وأوكل إليه
التصرف فى شئون الدولة كافة دون تدخل من أحد، وعين أخاه
«قطب الدين الزنجانى» قاضيًا للقضاة، وأطلق عليه لقب «قطب
جهان»، ثم انصرف «كيخاتو» إلى ملذاته وشهواته وإنفاق الأموال
فى سبيلها دون حساب، فاضطربت مالية الدولة، وأصبحت خزانتها
شبه خاوية ومهددة بالإفلاس، ووقف الوزير حائرًا لا يدرى ماذا يفعل
حيال ذلك، فظهر له رجل اسمه «عز الدين محمد بن المظفر» - وكان
стр. 427
على دراية بالأحوال المالية فى «بلاد الصين» - واقترح عليه العدول
عن استخدام الذهب والفضة فى المعاملات المالية، واستخدام أوراق
مالية - تعرف عند الصينيين باسم «الجاو» - بدلا منها، لإنقاذ البلاد من
الإفلاس، كما فعل الصينيون، فاستحسن الوزير هذا الاقتراح،
واستصدر قانونًا من الإيلخان فى سنة (٦٩٣هـ) ينص على التعامل
بهذه الأوراق، ويحرم التعامل بالذهب والفضة تحريمًا تاما.
رفض الناس التعامل بالأوراق المالية فى معاملاتهم، على الرغم من
أنهم أُجبِروا على ذلك بالقوة، فاضطربت أحوال البلاد والناس
اضطرابًا كبيرًا، وكسدت التجارة، وتعذرت الأقوات، وانقطعت الموارد
من كل نوع، وامتنع البائعون عن بيع سلعهم بهذه الأوراق، فكان
الرجل يضع الدرهم تحت إحدى الأوراق المالية (الجاو) ويعطيها الخباز
أو القصاب وغيرهما، ليحصل على ما يريد، خوفًا من أتباع السلطان
الذين يراقبون الناس والبائعين فى تعاملاتهم، فضاقت الحياة أمام
الناس واستحكمت الأزمة، وكاد الأمر ينذر بثورة عارمة، إلا أن
الإيلخان تدارك الموقف وأصدر قانونًا لإبطال التعامل بهذه الأوراق،
والعودة إلى النظام القديم.
ولما كان «كيخاتو» مغرمًا بشرب الخمر، سيئ الخلق فاسقًا، كرهه
الأمراء وثاروا عليه، وبخاصة بعد أن أغلظ القول - ذات ليلة - لابن عمه
«بايدو» أحد كبار الأمراء، فحقد عليه، وتآمر مع الأمراء الآخرين
على قتله، وعلم «كيخاتو» بالمؤامرة، فآثر الفرار، ولكن الأمراء
تتبعوه، وتمكنوا من قتله فى سنة (٦٩٤هـ).
٥ - بايدوخان [٦٩٤هـ]:
بعد مقتل «كيخاتو» وقع اختيار الأمراء على «بايدوخان بن طرغاى
بن تولوى بن جنكيزخان» ليكون إيلخانًا، فاعتلى العرش فى جمادى
الأولى سنة (٦٩٤هـ)، ثم تخلص من أتباع «كيخاتو»، وقرر إعادة
الحقوق والوظائف إلى أصحابها، وأعفى الأوقاف الإسلامية من
الضرائب، وعهد بأمور الجيش ورئاسة الوزراء إلى الأمير «طغاجار»،
стр. 428
وسلك مسلك «آباقا خان» حيث جعل الإدارة لا مركزية، وجعل أميرًا
من الأمراء على كل ولاية من الولايات، ونصب «جمال الدين
الاستكردانى» وزيرًا له.
لم يكد «بايدو» يتولى أمور الحكم حتى بلغ «غازان خان» ما حدث
لعمه «كيخاتو»، فأقبل بجنوده ومعه الأمير «نوروز»، وأرسل رسله
إلى «بايدو» ينكر عليه قتل كيخاتو، ويطالبه بإجراء تحقيق ليلقى
القتلة جزاءهم، فلما لم يلقَ جوابًا دارت رحى الحرب بين الفريقين،
وفى هذه الأثناء عرض الأمير «نوروز» الإسلام على «غازان»،
وحَسَّن له اعتناق هذا الدين بتشريعاته السمحة ونظمه الدقيقة، وما
ينادى به من عدل ورحمة ومساواة، فاعتنق «غازان» الدين
الإسلامى، ومال إليه أكثر الأمراء، وانتصر على «بايدو» فى الحرب،
فهرب «بايدو» ولحق به الأمير «نوروز»، وألقى القبض عليه، وأرسله
إلى «غازان»، فأمر بقتله فى شهر ذى الحجة عام (٦٩٤هـ).
٦ - السلطان محمود غازان [٦٩٤ - ٧٠٣هـ]:
تولى «غازان» عرش المغول عقب مقتل «بايدو» فى ذى الحجة سنة
(٦٩٤هـ)، وبعد أن اعتنق الإسلام تبعه جميع الأمراء والجنود المغول،
وأسلم بإسلامه أكثر من مائة ألف شخص منهم فى فترة وجيزة،
ولقب «غازان» نفسه باسم السلطان «محمود غازان»، وأعلن الإسلام
دينًا رسميا للدولة، وأمر المغول بأن يغيروا ملابسهم التقليدية،
ويلبسوا العمامة للتدليل على خضوعهم للإسلام، وأمر بهدم الكنائس
والمعابد اليهودية والمزدكية والهياكل البوذية، وتحويلها إلى
مساجد، وبارتداء اليهود والنصارى ثيابًا تميزهم عن غيرهم من
المسلمين، كرد فعل لما لقيه المسلمون من ضروب المهانة والذلة فى
عهد كل من: «هولاكو» و «آباقا» و «أرغون».
عرف «غازان» بشخصيته القوية، ونشاطه الموفور، وصبره الذى لا
ينفد، وبأنه رجل دولة من الطراز الأول يقف على كل صغيرة وكبيرة
فى شئون البلاد، فضلا عن إحاطته الكاملة بتقاليد قومه وعاداتهم،
وإلمامه التام بمختلف الحرف والصناعات السائدة فى عصره، واطِّلاعه
стр. 429
على العلوم المعروفة لدى المسلمين، وإجادته عدة لغات إلى جانب
لغته المغولية، لكنه كان قاسيًا على أعدائه، ولا يأبه بحياة الناس
حين تتعارض مع تحقيق أهدافه وطموحاته، وتجلى ذلك حين تخلص
من الأمير «نوروز» الذى ساعده ووقف إلى جانبه فى كثير من
المواقف بسبب وشاية، وكذلك حين أمر بقتل وزيره «صدر الدين»
فى رجب سنة (٦٩٧هـ)، وعين بدلا منه المؤرخ «رشيد الدين فضل
الله» الذى توسم فيه النبوغ والعبقرية والإخلاص، وأشرك معه رجلا
يدعى «سعد الدولة» لمساعدته فى مهام الوزارة.
حملات غازان خان على بلاد الشام:
قام «غازان» بثلاث حملات على «بلاد الشام»، كانت الأولى فى سنة
(٦٩٩هـ)، وانتصر فيها على قواد «الناصر محمد بن قلاوون» بالقرب
من منطقة «مرج المروج» شرقى «حمص»، وقد انتشر المغول بعد
انتصارهم فى الأماكن المجاورة، وخربوا البلاد جريًا على عادتهم
القديمة، وكأنهم لم يعتنقوا الدين الإسلامى، ثم عين «غازان» واليًا
من قبله على البلاد التى استولى عليها، وعاد بعد ذلك إلى «إيران».
وفى سنة (٧٠٠هـ) عاود المغول الكرَّة على بلاد الشام، واستولوا
على مناطق جديدة بها، إلا أنهم لم يتمكنوا من التقدم والاستمرار؛ إذ
هطلت عليهم الأمطار بغزارة، واشتدت البرودة، وكثر الوحل، وهلك
كثير منهم، ووجد «غازان» نفسه مضطرًا إلى العودة إلى «إيران»،
ولكنه عاد بعد ذلك بعامين فى سنة (٧٠٢هـ) بحملته الثالثة على
«سوريا»، وتحرك إلى مدينة «عانة» على شاطئ «الفرات»،
وبرفقته وزيره المؤرخ «رشيد الدين» ثم عاد أدراجه إلى عاصمته
«تبريز» تاركًا جيشه بالشام ليواصل مهمته، ولكن النتيجة جاءت على
غير ما كان يتوقع، إذ هُزم جيشه هزيمة منكرة على يد السلطان
«الناصر محمد بن قلاوون» فى موقعة «مرج الصفر» بالقرب من
«دمشق» فى (٢ من رمضان عام ٧٠٢هـ)، فاعتلَّت صحته، وغلبه
المرض، وتآمر عليه الأمراء، وكثرت من حوله الدسائس، ومات فى
стр. 430
شوال سنة (٧٠٣هـ)، وهو لايزال فى ريعان شبابه.
إصلاحات غازان:
قام «غازان» بإصلاحات كثيرة ومهمة فى كثير من الميادين، وكانت
أبرزها إصلاحاته العمرانية، حيث أقام شمالى غرب «تبريز» محلة
عُرفت باسم «شام غازان»، وتفصلها عن مدينة «تبريز» حدائق
ومتنزهات كثيرة، وأمر كبار مهندسيه بإقامة بناء عالٍ فى ذلك
المكان؛ تعلوه قبة كبيرة، ليكون مدفنًا له، وقد استمرت عمارة القبة
وتوابعها نحو خمس سنوات، واشتملت على مسجد وخانقاه
ومدرستين (إحداهما للشافعية والأخرى للحنفية)، ومستشفى،
ومكتبة، ومرصد، ومدرسة لتعليم العلوم الطبية، وبيت لحفظ كتب
القوانين التى أصدرها الإيلخان عرف باسم «بيت القانون»، كما أنشأ
مسكنًا للأطفال وآخر للأشراف، وضمت هذه الأبنية بعض الحمامات
العامة، وملجأ واسعًا لليتامى؛ به مكتب لتعليم القرآن الكريم
وتحفيظه، وملجأ آخر يتسع لنحو خمسمائة أرملة من النساء اللائى
فقدن عائلهن، فضلا عن ذلك أنشأ «غازان» الأجران الواسعة
المملوءة بالحبوب، والمزودة بأحواض المياه لكى تتزود منها الطيور
المهاجرة من الشمال إلى الجنوب فى الفصول الباردة من السنة خلال
رحلتها عبر الهضبة الإيرانية التى تغطيها الثلوج فى هذا الوقت من
السنة، خاصة أن أعدادًا كثيرة من هذه الطيور كانت تلقى حتفها،
لتعذر حصولها على الغذاء، فأقام لها «غازان» هذه الأجران رحمة
بها، وأصبحت هذه المؤسسات والمنشآت التى أقامها «غازان»
مفخرة العالم الإسلامى والحضارة الإسلامية، حيث حول الإسلام
القبائل الهمجية البربرية إلى أناس مهذبى الطباع، منظمين محبين
للحضارة والعمران، وامتلأت قلوبهم رحمة وعطفًا حتى على الطيور
والحيوانات.
٧ - السلطان أولجايتو [٧٠٣ - ٧١٦هـ]:
قدم السلطان «أولجايتو» من «خراسان» التى كان حاكمًا عليها،
وتولى العرش خلفًا لأخيه «غازان» فى سنة (٧٠٣هـ)، وجعل الوزارة
مشاركة بين «رشيد الدين فضل الله الهمدانى» وسعد الدين
الساوجى.
стр. 431
إنشاء مدينة السلطانية:
بدأ إنشاء هذه المدينة فى عهد السلطان «غازان»، وهى تقع على
بعد خمسة فراسخ من «زنجان»، فعمد «أولجايتو» إلى استكمال
تشييدها وأمر بالتوسعة فى منشآتها العمرانية، فساهم الأمراء
والوزراء فى بناء بعض أحيائها، وأنشأ الوزير «رشيد الدين فضل
الله» محلة بها على نفقته الخاصة؛ اشتملت على ألف منزل، ومسجد
كبير. وأمر السلطان ببناء قبة كبيرة فوق مقبرته، ومازالت هذه القبة
قائمة حتى اليوم دليلا على عظمة العمارة فى هذا العصر.
تمكن «أولجايتو» فى سنة (٧٠٦هـ) من بسط سيطرته على إقليم
«جيلان»، وهو الإقليم الذى لم يتمكن المغول من السيطرة عليه حتى
هذه السنة لكثرة غاباته، ووعورة مسالكه، وأعاد بناء مرصد
«مراغة» الذى بناه «هولاكو» من قبل، وحين بلغ «أولجايتو» الثالثة
والثلاثين من عمره اشتد عليه المرض واعتلَّت صحته، وتوفِّى فى
رمضان سنة (٧١٦هـ).
سياسة أولجايتو الخارجية:
شق الأمير المملوكى «شمس الدين قرا سنقر» حاكم «دمشق» عصا
الطاعة على السلطان «الناصر محمد بن قلاوون» سلطان المماليك فى
«مصر» و «الشام» فى سنة (٧١٢هـ)، وفر إلى «إيران» لاجئًا،
فاستقبله «أولجايتو» أحسن استقبال، فشجعه «قرا سنقر» على
القيام بحملة على «الشام»، فوافقه وخرج بحملته، وحاصر مدينة
«الرحبة» بالعراق، ولكن أهل المدينة استعطفوه، وتدخل الوزير
«رشيد الدين» فرفع «أولجايتو» الحصار فى رمضان سنة (٧١٢هـ)،
وعاد بجيشه إلى عاصمته دون الدخول فى معارك مع المماليك،
فكانت هذه الحملة آخر حملات الإيلخانيين على المماليك فى «مصر»
والشام.
٨ - السلطان أبو سعيد بهادر [٧١٦ - ٧٣٦ هـ]:
تولى «أبو سعيد» حكم البلاد بعد وفاة السلطان «أولجايتو»، وكان
لايزال فى الثالثة عشرة من عمره، فاضطربت أحوال البلاد وتعددت
ثورات الأمراء المغول فى مناطق متفرقة ضده، غير أن «أبا سعيد»
استعان عليهم بقائد جيشه الأمير «جوبان»، فقضى عليهم، وأعاد
стр. 432
إلى البلاد استقرارها وهدوءها.
الوزارة:
شهد منصب الوزارة تغييرات كثيرة، حيث أبقى السلطان «أبو سعيد»
على «رشيد الدين الهمدانى» و «تاج الدين التبريزى» فى منصب
الوزارة، ولكن «تاج الدين» الذى كان يجيد المعاملات التجارية
والمالية مع كونه أميا لا يعرف القراءة والكتابة، أراد أن ينفرد بهذا
المنصب، وعمد إلى الدهاء والوقيعة لدى السلطان للتخلص من «رشيد
الدين» ونجح فى ذلك، وأمر السلطان بقتل «رشيد الدين» فى سنة
(٧١٨هـ)، فانفرد «تاج الدين عليشاه» بالوزارة حتى وفاته فى
أوائل سنة (٧٢٤هـ)، فوليها من بعده «دمشق خواجه» ابن الأمير
«جوبان»، وصارت أمور الجيش والشعب فى أيدى الأمير وابنه وعلا
شأنهما، وتجاهلا السلطان فى معظم الأمور، فغضب السلطان من ذلك
وأمر بقتلهما، ثم نصب «غياث الدين بن رشيد الدين فضل الله» فى
هذا المنصب، لشعوره بالندم على قتل أبيه فضلا عن أن «غياث
الدين» كان أصلح الناس لهذا المنصب فى ذلك الوقت؛ حيث إنه كان
واسع الأفق، ومطَّلعًا على العلوم العقلية والنقلية، فأحسن إدارة
شئون الدولة وتوخى العدل، وعمل على رعاية مصالح الناس، وظل
فى منصبه حتى وفاة «أبى سعيد» فى (١٣ من ربيع الأول سنة
٧٣٦هـ).
كان «أبو سعيد» آخر سلاطين الإيلخانيين الأقوياء، كما كان كريمًا
جوادًا، شجاعًا، محبا للعلم، فراجت فى عهده العلوم والآداب، وعاش
فى بلاطه كثير من الشعراء والمؤرخين؛ حين كان هو نفسه شاعرًا
وله أشعار جيدة باللغة الفارسية، واشتهر بجودة الخط والغناء.
سياسة أبى سعيد الخارجية:
تعرضت العلاقة بين «مصر» والبلاد الفارسية فى عهد الإيلخانيين
لنوبات من الحرب والسلام، ولكن هذه العلاقة دخلت مرحلة جديدة من
الصداقة والوئام فى عهد السلطان «أبى سعيد»، وتم توقيع اتفاقية
بين الطرفين فى عام (٧٢١هـ) فى عهد السلطان «أبى سعيد»
الإيلخانى، والسلطان المملوكى «الناصر محمد ابن قلاوون».
انهيار دولة الإيلخانيين المغول:
стр. 433
تعرضت «الدولة الإيلخانية» -عقب وفاة السلطان «أبى سعيد بهادر» -
للضعف والزوال، حيث كان السلاطين الذين اعتلوا عرش هذه الدولة
بعد «أبى سعيد» ضعاف الشخصية، كما كانوا ألعوبة فى أيدى
الأمراء المغول وكبار رجال الدولة، وظل هذا حال هذه الدولة حتى
وفاة «أنوشيروان» آخر السلاطين الإيلخانيين فى سنة (٧٥٦هـ)،
فتقاسم خمسة من كبار الأمراء المغول أملاك هذه الدولة، وكون كل
منهم دولة صغيرة مستقلة، وهذه الدول هى:
- دولة آل جلائر (الجلائريون).
- دولة الجوبانيين.
- دولة آل المظفر.
- دولة السربداريون.
- دولة آل كرت.
وأخذت هذه الدويلات الخمس تتنازع فيما بينها، ودخلت كل منها فى
حروب طاحنة مع غيرها، وظلت على ذلك حتى خرج عليها الأمير
«تيمورلنك» وتمكن من القضاء عليها نهائيا بحملاته المتعددة التى
بدأها فى سنة (٧٨٨هـ) على إيران والعراق.
مظاهر الحضارة:
- الإدارة ونظم الحكم:
استعان المغول بالموظفين الفرس فى إدارة شئون الدولة، إذ لم يكن
بوسع هؤلاء المغول الأميين وحدهم إدارة شئون هذه البلاد المترامية
الأطراف، وجمع الضرائب والأموال، وإقرار الأمن.
وكانت هناك أسر فارسية تتوارث منصب الوزارة، مثل: أسرة
الجوينيين، وأسرة رشيد الدين فضل الله، ولقد كان لهذه الأسر فضل
كبير فى تحقيق الاستقرار الداخلى، لاطمئنان أفراد الشعب بأن
حكامهم المباشرين ليسوا غرباء عنهم ولا خصومًا لهم، كما كان لهذه
الأسر فضل آخر فى التأثير على ملوك المغول وأمرائهم وجذبهم
بالتدريج إلى الاندماج فى الحياة الاجتماعية على نمط فارسى
إسلامى، فبدا لمن يرقب أحوالهم ويتتبع تفصيلات حياتهم أنهم كانوا
وكأنهم أسرة من الأسر الإيرانية الحاكمة.
وعلى الرغم من ذلك ظل المغول ينظرون إلى الفرس على أنهم خصوم
وأعداء لهم حتى دخل المغول فى الإسلام أفواجًا فى عهد «السلطان
غازان»، فتغيرت عندئذٍ نظرتهم، ولم يعودوا يرون أهل البلاد
الأصليين غرباء عنهم وخصومًا لهم.
стр. 434
ولاشك أن القوانين والإصلاحات الجديدة التى وضعها غازان أدت إلى
تحسن الأوضاع الإدارية والاقتصادية والاجتماعية فى إيران والعراق،
وصاغتها صياغة جديدة، نالت قبول الناس جميعًا، وظل هذا التحسن
مستمرًا إلى نهاية عهد السلطان أبى سعيد بهادر، آخر سلاطين
الإيلخانيين العظام (٧٣٦هـ)، فعادت الشئون الإدارية والاقتصادية
والاجتماعية إلى الاضطراب من جديد.
وأيا ما كان الأمر، فقد نهجت الدولة الإيلخانية فى إيران والعراق
نهج الإمبراطورية المغولية الكبرى التى اتخذت من قراقورم عاصمة
لها، فحذت فى تشكيلاتها الإدارية والسياسية حذوها وسارت على
نسقها.
لقد كان الأمراء الملكيون (شاهزادهـ) والقادة العسكريون (نوين)
والأمراء المغول تابعين تبعية مباشرة للإيلخان، أو السلطان فيما
بعد، وكان الإيلخان يخصص لهم أراضى واسعة ومدنًا بأكملها
كإقطاع لهم، ويتولون جمع خراج هذه الإقطاعات ويخصون به
أنفسهم.
كان الجهاز الحاكم فى الدولة الإيلخانية ينقسم إلى أربعة أقسام
تتفاوت فيما بينها بتفاوت الجنسية، واللغة، والدين، والمستوى
الاجتماعى، على النحو التالى:
١ - قادة المغول.
٢ - الموظفون المدنيون، وكان معظمهم من الفرس.
٣ - رجال الدين المسلمون، ولقد كان رجال الدين من المسلمين
والمسيحيين فى بلاد القوقاز وآسيا الصغرى خاصة فى مرتبة
واحدة.
٤ - الأعيان المحليون فى أقاليم فارس والعراق.
وكان اهتمام الدولة منصبا أساسًا على جمع أكبر قدر من الأموال
والضرائب من أفراد الشعب.
ويرأس الإدارة المدنية فى الدولة «صاحب الديوان» أو رئيس الوزراء.
ويعهد إليه الإشراف على شئون الخزانة، والدخل والخرج، والشئون
المكتبية والإدارية وتعيين الموظفين وعزلهم. وبالإضافة إلى الديوان
العالى للإدارة المركزية، كانت هناك دواوين أخرى مثل «ديوان
إينجو» الذى كان يتولى إدارة الأملاك المنقولة - وغير المنقولة -
للإيلخان نفسه، ولأقاربه من الدرجة الأولى، وهذا الديوان يشبه إلى
стр. 435
حد بعيد «ديوان الخاص» الذى عرف فى مصر فى عهد المماليك.
وأبقى الإيلخانيون على منصب قاضى القضاة، وكان شاغله يقوم
بالفصل بين الخصوم، والحكم بين الناس، وتولية القضاة ومراقبتهم،
وكذلك مراقبة أحوال الناس ومعيشتهم وصنائعهم، وله الحق فى
الأخذ على يد الخارج منهم.
وكانت هناك مناصب: الصدر، والناظر، والشحنة، وهى وظائف إدارية
تشرف على الإدارة المحلية، وجمع الأموال وصرفها، والإشراف على
نظام الأمن، ومراقبة ولاة الأقاليم التابعة للدولة الإيلخانية.
الوضع الاقتصادى:
نهضت الزراعة فى الدولة الإيلخانية لخصوبة الأرض، ووفرة مياه
الأنهار والأمطار، وتميز الإيلخانيون بنظام الإقطاع وجعلوه نوعين:
أولهما الإقطاع المُملك، وهو أن يمنح الإيلخان الأمراء والأعيان وكبار
رجال الدولة، مساحات من الأرض الزراعية، ويجعلها ملكًا خاصا بهم،
وثانيهما: الإقطاع المستغل والمقصود به استغلال الأرض فى الزراعة
والاستفادة منها دون تملكها.
واعتمد اقتصاد الإيلخانيين على الثروة الزراعية الآتية من مناطق: ما
بين النهرين، والبصرة، والفرات (بين الأنبار وعانة)، ودجيل، ومنطقة
على نهر دجلة، وخراسان، كما اعتمد على نظام الإقطاع فى الإنفاق
على التجهيزات العسكرية والجيوش.
وتعددت الضرائب فى نظام دولة الإيلخانات فكانت هناك: ضريبة
الأرض، وضريبة الرؤوس، وضريبة البيوت والعقارات، وضريبة
الأسواق، وضريبة التمغات، وضريبة المراعى، وضريبة المساعدات
والقروض. وتعمد الجباة إرهاق الناس فى جمع الضرائب، وحصلوا
منهم على أموال كثيرة لم تكن مفروضة عليهم، وتآمر الحكام
والجباة على الشعب، وظهر الفساد بصورة جلية فى هذا الشأن.
ولعل مشكلة العملة الورقية (الجاو) التى فرضها السلطان
«كيخاتوخان» على الناس فى سنة (٦٩٣هـ = ١٢٩٤م)، كانت من أبرز
المشاكل الاقتصادية التى اعترضت سبيل الدولة الإيلخانية، إذ رفض
الناس التعامل بهذه العملة الورقية التى أجبرهم السلطان على
стр. 436
تداولها، واضطربت أحوال الشعب، وأغلق التجار محالهم، وامتنعوا
عن البيع والشراء، فانتهى الأمر بإلغاء هذه العملة.
وعمد الإيلخانيون إلى إصلاح ما أفسدته وخربته الحروب، وأعادوا
فتح الأسواق، وأكثروا منها، وازدهرت صناعة المنسوجات، وصناعة
اللؤلؤ.
ونشطت التجارة وأصبحت العراق وإيران من أشهر مراكز التجارة فى
ذلك الوقت، وقامت علاقات تجارية واسعة بين الإيلخانيين والصينيين
والتركستان، وصُدِّرت المصنوعات الحريرية، واللؤلؤ إلى أوربا عن
طريق الهند. وكانت «تبريز» مركز رواج وازدهار التجارة لوجود عدة
طرق برية بها، تمر منها القوافل.
وعلى الرغم من الطبيعة البدوية التى غلبت على المغول الأُول، وعدم
اكتراثهم بالمنشآت العمرانية وتفضيلهم للعيش فى الخيام، فإن
هولاكو - على سبيل المثال -شرع بعد استقراره فى إيران فى إنشاء
المبانى الكبيرة والقصور الفخمة فى أذربيجان و «تخت سليمان»،
كما بنى مرصدًا فى مراغة سنة (٦٥٨هـ)، وعهد إلى العالم الفيلسوف
«نصير الدين الطوسى» بالإشراف على بنائه وإدارته، وقد تم تأسيس
مكتبة كبرى إلى جوار هذا المرصد، ولم يكن يعمل فيه الفلكيون
العرب والإيرانيون فحسب بل عمل فيه أيضًا المنجمون الصينيون
والهنود.
الوضع الدينى:
تدهور الوضع الدينى منذ البداية فى الدولة الإيلخانية، حيث نشبت
الصراعات المذهبية والدينية بين أهل السنة بالعراق، وأصحاب
المذهب الشيعى بالدولة الإسماعيلية بإيران، ومما لاشك فيه أن فتنة
الكرخ التى حدثت بالعراق، وما ترتب عليها من فوضى أمنية كانت
سببًا رئيسًا فى الاجتياح المغولى لهذه البلاد.
وقد ظل الصراع محتدمًا بين السنة والشيعة فى ظل حكم دولة
الإيلخانيين، وتبوأ المسيحيون مكانًا بارزًا على الرغم من الاختلافات
المذهبية التى كانت قائمة بين أتباعها، واستغل البوذيون كل هذه
الخلافات والصراعات وتبوءوا مكانة عالية. ومع ذلك كان الإيلخانيون
стр. 437
ينظرون إلى الجميع نظرة واحدة مؤداها أنهم رعية، وعليهم السمع
والطاعة.
ولقد ظل هذا الوضع قائمًا حتى تولى السلطان «محمود غازان»
الحكم، فأعلن الدين الإسلامى دينًا رسميا للدولة الإيلخانية، ومن ثم
اقتصرت وظائف الدولة على المسلمين.
وبعد:
فقد تكونت «الدولة الإيلخانية» من قبائل وطوائف متعددة، لم يكن
بينها رابط ثقافى أو وطنى، ولم تكن تجمعها تحت راية واحدة إلا
قوة الإيلخانيين الأقوياء، فلما مات السلطان «أبوسعيد» آخر
السلاطين العظماء ولم يعقِّب ولدًا يخلفه على العرش؛ تبددت القوة
المركزية للدولة، وانتقلت المبادرة إلى أيدى الأمراء المغول الذين
غلب عليهم طابع البداوة، فاختل التماسك، وتمزقت البلاد، وضاع
الهدف الذى من أجله أقيمت هذه الدولة، وطغت المصلحة الشخصية
على المصالح العامة، ثم ما لبثت الدويلات التى أقامها الأمراء على
أنقاض الدولة الأم أن ضاعت هى الأخرى على يد «تيمورلنك»،
فأسرع جانب من المغول الذين كانوا يقيمون فى «إيران» إلى
الاندماج فى العناصر التركية التى تعيش فى تلك البلاد، بينما اندمج
جانب آخر منهم فى الإيرانيين الفرس الذين يعيشون بينهم، وذابوا
فيهم، وهكذا سقطت «الدولة الإيلخانية» على أيدى أمرائها.
стр. 438
الفصل الخامس
*الدولة الجلائرية فى العراق وأذربيجان
[٧٣٦ - ٨٣٥ هـ = ١٣٣٥ - ١٤٣١م].
النشأة والتكوين:
ضمت «الدولة الإيلخانية» التى أسسها «هولاكو» فى عام (٦٥٤هـ=
١٢٥٦م) شعوبًا متعددة، وأقاليم كثيرة، شملت «العراق» و «إيران»،
واستمرت فى حكمها حتى عام (٧١٦ - ٧٣٦هـ= ١٣١٦ - ١٣٣٥م)، ثم
تصارع الأمراء على الانفراد والاستقلال بحكم ما تحت أيديهم من
أجزاء هذه الدولة، فتفككت وانقسمت إلى دويلات، وبات الحكم فيها
لأسر بعينها، مثل: أسرة «آل جلائر» التى استقلت بحكم «العراق»
بعد وفاة السلطان أبى سعيد بهادرخان.
كان «آل جلائر» من القبائل المغولية، ويعد «تاج الدين شيخ حسن
بزرَك بن حسين» أول حكام «آل جلائر» ومؤسس دولتهم «الجلائرية»،
وثالث مَن تولى الحكم فى «الدولة الإيلخانية»، وقد امتد سلطانه إلى
«العراق»، واتخذ «بغداد» عاصمة له، وأعلن نفسه ملكًا عليها،
فظهرت بذلك الدولة «الجلائرية» إلى حيز الوجود.
الوضع الداخلى:
شهدت اللبنات الأولى لقيام «الدولة الجلائرية» عدة حروب بين الأمراء
المغول بهدف الوصول إلى الحكم، إلا أن «حسن الجلائرى» تمكن من
الاستقلال بالعراق واستطاع أن يوحد الصفوف لتأسيس دولته الوليدة،
ومع ذلك لم تتوقف الصراعات والحروب مع بقايا الإيلخانيين، إلى أن
تمكن «الشيخ حسن الجلائرى» من طردهم إلى خارج حدود دولته
- «العراق» - فى عام (٧٤٨هـ= ١٣٤٧م).
كان «الشيخ حسن الجلائرى» سياسيا حكيمًا، وأراد أن يضمن لدولته
قوتها ووحدتها، فلم يعلن نفسه خانًا أو سلطانًا؛ بل أعلن ولاءه
للسلطان المملوكى فى «مصر» ليكون سنده الذى يحتمى به إذا ما
فكر المغول فى غزوه، خاصة وأن دولته قريبة ومتاخمة للإمارات
والممالك المغولية فساعده هذا التصرف على استقرار بلاده، وشجعه
على الاستيلاء على «لورستان»، و «الموصل»، و «تستر»، وبسط
نفوذه على غيرها، فاتسعت رقعة بلاده، وامتد نفوذ حكمه، ثم مات
فى عام (٧٥٧هـ = ١٣٥٦م)، وخلفه ابنه «الشيخ أويس بن حسن
стр. 439
الجلائرى»، فبلغت الدولة فى عهده أقصى اتساع لها، إذ ضم إليها
«أذربيجان»، و «آران»، و «موقان»، واتخذ من «تبريز» عاصمة
لبلاده، وانتقل نشاط الدولة السياسى ومركزها من «العراق» إلى
«أذربيجان»، فأدى ذلك إلى قيام حركات التمرد فى «بغداد» على
الجلائريين، وكانت حركة «مرجان» نائب «الشيخ أويس» على
«بغداد» من أشهر هذه الحركات، وكان «مرجان» طواشيا للشيخ
أويس.
لقد أخطأ «الشيخ أويس» فى حساباته عندما ابتعد عن «العراق»
واتخذ له عاصمة فى «إيران»، فضلا عن تقريبه الفرس دون العرب،
فكانت النتيجة انضمام العرب بمختلف طوائفهم إلى «مرجان»
وحركته، وحُذف اسم «الشيخ أويس» من الخطبة؛ رمز السيادة فى
الدولة، وخُطب للسلطان المملوكى فى «مصر».
خرج «الشيخ أويس» من «تبريز» إلى «بغداد» فى سنة (٧٦٥هـ =
١٣٦٣م)، واستطاع وزيره أن يستميل أعوان «الخواجة مرجان» إلى
صفه، فانفضوا من حول «مرجان» وفشلت حركته، ودخل «الشيخ
أويس» «بغداد» ثم جعل «شاه خازن» نائبًا له عليها، ولكن «مرجان»
لم ييأس من المحاولة، وعاد مرة ثانية إلى حكم «بغداد» عقب وفاة
«شاه خازن»، مما يؤكد حب أهل «العراق» لمرجان ومكانته عندهم،
فاضطر «الشيخ أويس» إلى الصفح عنه، ثم أرسل ابنه «الشيخ
علىّ» ليحكم «العراق».
تُوفى «الشيخ أويس» عام (٧٧٦هـ = ١٣٧٣م)، وخلفه فى الحكم ابنه
«جلال الدين حسين بن أويس» (٧٧٦ - ٧٨٤هـ = ١٣٧٣ - ١٣٨٢م)،
فضاعت هيبة الدولة فى عهده، وبدأت فى التدهور والانهيار؛ حيث
اهتم بملذاته ومصالحه الشخصية على حساب أمور الدولة والرعية،
وزادت الأمور اضطرابًا فى عهد أخيه «أحمد بن أويس» الذى خلفه
فى الحكم (٧٨٤ - ٨١٣هـ = ١٣٨٢ - ١٤١٠م)، إذ تمكن «تيمورلنك» من
إسقاطه عن عرشه عدة مرات، ثم دخل «بغداد» فى عام (٧٩٥هـ =
١٣٩٣م)، ففر «أحمد بن أويس» إلى «مصر» مستنجدًا بالسلطان
المملوكى «برقوق»، وتمكن «الشيخ أحمد» -أخيرًا - من العودة إلى
стр. 440
«بغداد» فى عام (٨٠٤ هـ = ١٤٠١م)، وتمكن من استعادتها فى عام
(٨٠٧هـ= ١٤٠٤م)، بعد أن خرجت عدة مرات من حكم «آل جلائر» إلى
حكم التيموريين، ثم استعاد «تبريز» فى عام (٨٠٩هـ= ١٤٠٦م)، ولم
يلبث أن فقدها ثانية فى العام نفسه على يد حفيد «تيمورلنك».
وفى عام (٨١٣هـ = ١٤١٠م)، اختلف «أحمد بن أويس» مع زعيم قبيلة
«قراقيونلو»، وحدث صدام بينهما، فقُتل «الشيخ أحمد»، وتمكن
زعيم «قراقيونلو» من انتزاع «تبريز» وما والاها من الجلائريين، ثم
أسس دولة له فى «أذربيجان».
تولى الحكم بعد «أحمد بن أويس» عدد من السلاطين، وصلت الدولة
فى عهدهم إلى أقصى مراحل الضعف حتى انتهت بموت «حسين بن
علاء الدولة» آخر السلاطين الجلائريين سنة (٨٣٥هـ)، وسلاطين هذه
الفترة هم:
- شاه ولد (٨١٣ - ٨١٤هـ).
- محمود بن شاه ولد (٨١٤ - ٨١٨هـ).
- أويس بن شاه ولد (٨١٨ - ٨٢٤هـ).
- محمد بن شاه ولد (٨٢٤ - ٨٢٧هـ).
- حسين بن علاء الدولة (٨٢٧ - ٨٣٥هـ).
العلاقات الخارجية:
اتسمت علاقة الجلائريين بالعالم الخارجى بالعداء والصراعات؛ لأن
دولتهم قامت على أنقاض «الدولة الإيلخانية»، فنشب الصراع بينهم
وبين «الدولة الجوبانية» نتيجة استجابة السلطان المملوكى للشيخ
«حسن الجلائرى» حين طلب منه الحماية، غير أن مقتل «حسن
الجوبانى» على يد زوجته «عزت الملك» فى عام (٧٤٤هـ = ١٣٤٤م)،
قد أراح «حسن الجلائرى» من نزاعات وصراعات كثيرة كانت
ستحدث حول أملاك الجلائريين الشرقية، ثم جاءت نهاية
«الجوبانيين» على يد «القبجاق»، فوضعت النهاية للصراع الجلائرى
الجوبانى.
ولم تكن علاقة الجلائريين بالدولة المظفرية بأفضل حال من سواها،
فقامت بينهما المنازعات، إذ قدم المظفريون المساعدات إلى
المناهضين للحكم الجلائرى، وإلى المتمردين عليه، ثم أطاح
التيموريون فى النهاية بالجلائريين والمظفريين معًا.
دخلت علاقة «الدولة الجلائرية» مع «الدولة المملوكية» بمصر فى دور
стр. 441
التبعية، بهدف الاستفادة من المماليك فى حماية دولتهم ومساعدتها
ضد أعدائها، خاصة الجوبانيين والتيموريين، وقد ساعد السلطان
المملوكى «برقوق» السلطان الجلائرى «أحمد بن أويس» فى
استعادة «بغداد» من أيدى التيموريين.
كانت علاقة الجلائريين الخارجية «بقراقيونلو» علاقة صداقة - فى
بداية الأمر- ثم ما لبثت أن تحولت إلى عداوة وشقاق، واستولت هذه
القبيلة على أملاك «الدولة الجلائرية» فى «أذربيجان» ثم أقامت بها
دولتها المستقلة.
مظاهر الحضارة فى الدولة الجلائرية:
تمتعت «الدولة الجلائرية» باستقلالها فى عهد «الشيخ حسن
الجلائرى» الذى أدت سياسة حكمه إلى انتعاش اقتصاد البلاد، وبناء
حضارة زاهرة، وتشييد المدارس والمكتبات وأماكن العلاج، فتردد
طلاب العلم على «بغداد» من كل مكان؛ طلبًا للعلم والمعرفة، فأعاد
لبغداد عهدها القديم المشرق، واعتمد على العرب والترك فى الجيش،
فقل تأثير الفرس على المجتمع العراقى، وبات «آل فضل» العرب
ذوى مكانة خاصة فى هذه الدولة، ولكن ذلك لم يدم طويلا؛ إذ تولى
«الشيخ أويس بن حسن» عرش «الدولة الجلائرية» واعتمد فيها على
العنصر الفارسى، وأساء إلى العرب، فتقلص نفوذ العرب ونشاطهم
فى الدولة، وازداد الأمر سوءًا حينما اتخذ «الشيخ أويس» «تبريز»
عاصمة لبلاده بدلا من «بغداد»، وجعل اللغة الفارسية لغة بلاده
الرسمية؛ فازداد نفوذ الفرس، واشتعلت الثورات فى «العراق»، وطمع
المظفريون فى فارس، فأحدقت الأخطار بالدولة الجلائرية من كل
جانب فغزاها التيموريون، فأفقدها ذلك القدرة على مواصلة الإصلاح
الاقتصادى، وأهملت المنشآت الخاصة بالزراعة والرى، وأصبح شغل
الحكام الجلائريين الشاغل هو الحفاظ على وجودهم فى الحكم،
ونشبت بينهم الصراعات الكثيرة التى أطاحت بهم جميعًا فى النهاية.
كما ساعدت الفيضانات والأوبئة التى تعرضت لها هذه الدولة على
انهيار اقتصادها، وتدهور الأحوال فيها، واضطر الحكام إلى فرض
стр. 442
الضرائب لملاحقة المجهود العسكرى، فضجر الناس من ذلك، وانتكست
تجارتهم بسبب الضرائب، وأصيبت الصناعة بالخمول والكساد أيضًا،
ولم تبقَ إلا بعض الصناعات القليلة مثل: صناعة الحرير، وصناعة
الأسلحة، وبات هَمُّ الحكام الحفاظ على العرش، وضحوا فى سبيل
تحقيق ذلك بكل غالٍ ونفيس.
стр. 443
الفصل السادس
*الدولة المظفرية فى فارس وكرمان وكردستان
[٧١٣ - ٧٩٥ هـ = ١٣١٣ - ١٣٩٣م]
النشأة والتكوين:
ينسب «آل مظفر» إلى الأمير «مبارز الدين محمد» ابن الأمير «شرف
الدين بن منصور بن غياث الدين حاجى الخراسانى»، وقد تولى الأمير
«شرف الدين» عدة مناصب فى عهد الإيلخانيين، فولاه السلطان
«أولجايتو» مدينة «ميبد» (٦)، ثم توفى «شرف الدين» بعد أن قضى
على المتمردين فى منطقة «شبانكاره»، فاتخذ السلطان «أبو سعيد
بهادرخان» ابنه «مبارز الدين محمد» ولم يكن قد تجاوز الثالثة عشرة
من عمره مكان أبيه، وولاه مناصبه فى عام (٧١٧هـ= ١٣١٧م)، ولذا
يعد الأمير «مبارز الدين» أول حكام المظفريين.
الوضع الداخلى:
استقل الأمير «مبارز الدين محمد بن مظفر» بإقليم «فارس» عقب
سقوط الحكم الإيلخانى، ثم استولى على «كرمان» فى سنة (٧٤١هـ
= ١٣٤٠م)، وطمح فى تكوين إمبراطورية واسعة الأرجاء، فضم كثيرًا
من المدن الإيرانية إلى دولته، وأعلن ولاءه للخليفة العباسى
«المعتضد بالله» واتخذ لنفسه لقب «ناصر أمير المؤمنين»؛ ليضفى
الشرعية على حكمه، وظل يسعى إلى تحقيق هدفه حتى بات الخليفة
ألعوبة فى يده.
اعترض «آل إينجو» بزعامة «الشيخ أبى إسحاق» طريق «آل مبارز»
فى تحقيق حلمهم، ونشبت الخلافات والصراعات بينهما، وظلت
العلاقة بين الطرفين سيئة حتى قتل المظفريون «الشيخ أبا إسحاق»
عقب إحدى المعارك التى دارت بينهما فى عام (٧٥٨هـ = ١٣٥٦م)،
واستولى «شاه شجاع» ابن الأمير «مبارز الدين» على «شيراز»،
فانتقل إليها الأمير «مبارز» وأقام بها وأرسل ابنه «شاه شجاع»
إلى حكم «كرمان».
وفى عام (٧٥٨هـ) فتح الأمير «مبارز الدين» منطقة «تبريز»، ثم لما
علم بقدوم الشيخ إدريس الجلائرى إليها، غادرها إلى «شيراز»،
وهناك اصطدم بولديه «شاه شجاع»، و «شاه محمود»، اللذين تحالفا
مع «شاه سلطان» أحد الناقمين على أبيهما، فقبضوا عليه، وأمر
ابنه «شاه شجاع» بسمل عينيه، ثم حبسوه فى إحدى القلاع،
стр. 444
والتمس الأب عطف ولديه، وطلب منهما الصلح، فعفوا عنه، وحكما
البلاد نيابة عنه، وضربا السكة باسمه، وظل الوضع على ذلك فترة،
ثم أرسلاه للإقامة بقلعة «بم» بكرمان، ولكن الأمير «مبارز الدين»
كان قد اشتد به المرض ومات فى الطريق قبل أن يصل إلى هذه
القلعة قى عام (٧٦٥هـ = ١٣٦٤م).
وظل أبناء «مبارز الدين» يحكمون من بعده «كرمان» و «فارس»
و «كردستان»، فحكم «جلال الدين شاه شجاع» فى حياة أبيه فى
سنة (٧٥٩هـ = ١٣٥٧م)، وظل فى الحكم حتى سنة (٧٨٦هـ = ١٣٨٤م)،
وقضى فترة حكمه فى مطاردة المارقين والعصاة والخارجين على
الدولة، ثم تولى بعده ابنه «مجاهد الدين زين الدين» (٧٨٦ - ٧٨٩هـ =
١٣٨٤ - ١٣٨٧م)، إلى أن عزله الأمير «تيمور كوركان»، فخلفه «شاه
يحيى» فى «يزد»، و «سلطان أحمد» فى «كرمان».
وكان «شاه منصور» آخر حكام دولة «آل المظفر» فى «أصفهان»،
وسقطت «الدولة المظفرية» فى عام (٧٩٥هـ = ١٣٩٣م).
وقد اشتهر المظفريون بحبهم للعلم والثقافة طيلة اثنتين وسبعين سنة
هى عمر دولتهم من النشأة حتى السقوط.
العلاقات الخارجية:
عانت «الدولة المظفرية» كثيرًا من الصعاب من أجل الاحتفاظ بالحكم،
فدار صراع بينها وبين «آل إينجو» بزعامة الشيخ «أبى إسحاق»،
ودخلت حروب عدة مع «الدولة الجلائرية»، وكذلك مع «الدولة
التيمورية» التى اجتاحت من اعترض سبيلها من الدول والحكام، ولم
تستطع دولة «آل المظفر» الصمود أمام تسلط «تيمور كوركان» الذى
قسم أملاكها بحجة الوصاية التى منحه إياها الأمير «مجاهد الدين
زين العابدين» لرعاية أولاده من بعده، فوضع «تيمور» النهاية لهذه
الدولة فى عام (٧٩٥هـ = ١٣٩٣م) بعد أن فرق وحدتها، وشتت
حكمها، وقسم أرضها، ثم عمد بعد ذلك إلى إسقاطها.
مظاهر الحضارة فى الدولة المظفرية:
تميز عهد الأمير «مبارز الدين محمد بن مظفر» بالنشاط الحضارى،
والازدهار الفكرى والثقافى، بفضل تشجيعه للعلماء والفقهاء
стр. 445
والنابغين، فتعهد علماء «شيراز» بالرعاية، وبنى فى «كرمان»
مسجدًا كبيرًا أوقف عليه الأملاك لرعايته، وضرب السكة فى عهده
ونقش عليها اسم الخليفة العباسى رمز المسلمين، وتذكر المصادر
الفارسية أن «مبارز الدين» كان ضيق الصدر، ويعاقب المخطئ
بنفسه؛ حتى أُطلِق عليه: «الملك المحتسب»، وكان شاه شجاع محبا
للشعر والشعراء، فازدهر الشعر فى عصره، ونبغ عدد كبير من
الشعراء منهم: «الشاعر الحافظ الشيرازى»، و «العماد الفقيه
الكرمانى».
وعلى الرغم من أن «آل المظفر» قد أحبوا العلم، وساعدوا العلماء،
ونشروا الثقافة، فإنهم كانوا يتصفون بالقسوة، ويغلب عليهم العنف
فى تعاملهم مع الرعية، وأيضًا فيما بينهم، وليس أدل على ذلك مما
حدث من ابنى الأمير «مبارز الدين» مع أبيهما، ليمنعوه من الحكم،
ولعل هذه الصفات كانت السبب الرئيسى فى زوال ملكهم.
стр. 446
الفصل السابع
*ملوك كرت
٦٤٣ - ٧٩١ هـ = ١٢٤٥ - ١٣٨٩ م.
النشأة والتكوين:
استقل ملوك «كرت» ببلادهم استقلالا محدودًا تحت لواء الإيلخانات
فى «إيران»، وإن استمروا فى الحكم فترة بعد سقوط «الدولة
الإيلخانية»، وقد استقر ملوك «آل كرت» فى «هراة»، و «بلخ»،
و «غزنة»، و «سرخس»، و «نيسابور»، ولم يصلوا إلى ما وصلت إليه
الأسر المغولية الأخرى من أهمية فى تاريخ المشرق الإسلامى؛ إذ
حكموا الجزء الشرقى لإيران من منتصف القرن السابع الهجرى إلى
نهاية القرن الثامن الهجرى، وأزال ملكهم الأمير «تيمور كوركان»
مثلما أزال ملك الأسر المغولية الأخرى.
الوضع الداخلى:
كان «شمس الدين الأول محمد»، أول ملوك «آل كرت»، وهو ابن ابنة
«ركن الدين بن تاج» الذى تزوج ابنة السلطان «غياث الدين محمود
الغورى»، الذى عينه حاكمًا على قلعة «خنسيار» (تقع بين هراة
والغور) والتى آل أمرها -فيما بعد - إلى الملك «شمس الدين».
عندما زحف المغول على العالم الإسلامى رأى الجد «ركن الدين بن
تاج» الدخول تحت لوائهم، ليضمن سلامة ملكه، فتركه المغول، وبعث
بحفيده «شمس الدين كرت» إليهم ليكون فى خدمتهم، تعبيرًا عن
الطاعة والولاء.
حكم «شمس الدين كرت» مناطق كثيرة، منها: «هراة»، و «بلخ»،
و «غزنة»، و «سرخس»، و «نيسابور»،ووصل بملكه إلى ضفاف
«سيحون»، و «سيستان»، و «كابل» حتى «نهر السند»، وتمكن من
الاستقلال بالحكم فى سنة (٦٤٨هـ)، ومن المؤكد أن «شمس الدين»
لعب دورًا كبيرًا فى حملة «هولاكو خان» على بلاد طائفة
«الإسماعيلية»، إذ كان أول المشاركين فيها إظهارًا لولائه وطاعته
للمغول، وكان له الفضل فى تسليم «ناصر الدين محتشم» «قلعة
قهستان» إلى المغول.
لم تسر سياسة «شمس الدين» على نهج واحد فى علاقته بالمغول،
إذ انحاز إلى «براق خان» الجغتائى فى هجومه على «آباقا خان بن
هولاكو» للاستيلاء على «خراسان» التابعة للدولة الإيلخانية، وذلك
стр. 447
بعد وفاة «هولاكو»، وتولى ابنه «آباقا خان» الحكم خلفًا له، فغضب
«آباقا خان» على «شمس الدين» لموقفه، وخشى «شمس الدين»
على حياته من غضب «آباقا خان» وانتقامه.
شعر «براق خان» بقرب نهاية دولته (الدولة الجغتائية)، فعرض على
«شمس الدين كرت» أن يعرف له أسماء الأغنياء فى «خراسان»
-طمعًا فى مالهم- مقابل أن يحصل «شمس الدين» على تفويضه فى
أملاك «الدولة الإيلخانية»، فأحس «شمس الدين» بذكائه قرب زوال
ملك الجغتائيين، خاصة أن جيشهم بدت عليه أمارات القسوة والتجبر،
فعاد إلى «هراة»، واعتصم بقلعة «خنسيار»، وانتظر ما ستسفر عنه
الأحداث، ولكنه لم يلبث طويلا وتمكن من النجاة بشفاعة «شمس الدين
الجوينى» صاحب الديوان (٧) له عند «آباقا خان» الذى عفا عنه،
ومات «شمس الدين كرت» فى «تبريز» مسمومًا فى عام (٦٧٦هـ =
١٢٧٧م)، فولَّى «آباقا خان» «ركن الدين بن شمس الدين» حكم
«هراة» (٦٧٧ - ٦٨٢هـ = ١٢٧٨ - ١٢٨٣م).
واتخذ هذا الابن لقب أبيه وعرف باسم «ركن الدين بن شمس الدين
الأصغر».
فلما تُوفِّى الإيلخان «آباقا خان» خشى ركن الدين على حياته،
واعتصم بقلعة «خنسيار» الحصينة حتى وفاته سنة (٧٠٥هـ =
١٣٠٥م)، ثم تولى ابنه «فخر الدين» مكانه من قِبَل «غازان خان» سنة
(٦٩٥هـ= ١٢٩٥م)، وشغل عهده بالخلاف مع «غازان»، حتى تُوفِّى
سنة (٧٠٦هـ = ١٣٠٦م)، فعين «أولجايتو» مكانه أخاه «غياث
الدين»، وظل فى الحكم حتى سنة (٧٢٩هـ = ١٣٢٨م)، فخلفه بالتتابع
ولداه «شمس الدين الثانى» الذى مات سنة (٧٣٠هـ = ١٣٢٩م)،
و «الملك حافظ» الذى قتل سنة (٧٣٢هـ = ١٣٣١م)، ثم جاء من بعدهما
الأخ الثالث «معز الدين حسين»، وكان من أبرز حكام «بنى كرت»،
فقد قرئت الخطبة باسمه، وأهداه «سعد الدين التفتازانى» كتابه
المشهور فى البلاغة باسم «المطول» وقد توفى «معز الدين حسين»
سنة (٧٧١هـ = ١٣٧٠م)، وحل مكانه ابنه «غياث الدين بير على» الذى
стр. 448
دعاه «تيمورلنك» للاجتماع به، فلما لم يلبِّ دعوته، قاد بنفسه جيشًا
تمكن من الاستيلاء على هراة سنة (٧٨٣ هـ = ١٣٨١م)، وأسر «غياث
الدين» وابنه «بير محمد» وأخاه الملك «محمدا» والى «سرخس»
وأركان حكومته، وساقهم إلى «سمرقند»، ثم أعدمهم فى أواخر
سنة (٧٨٤هـ) وبذلك انقرضت أسرة ملوك كرت.
العلاقات الخارجية:
أتاح اتصال ملوك «كرت» بالغوريين فرصة الوصول إلى الحكم، فلما
غزا المغول البلاد الإسلامية انضوى «ركن الدين» تحت لوائهم، وعمل
على مسالمتهم ليأمن شرهم على نفسه وعلى مُلك «آل كرت» فى
«هراة» وغيرها. ثم جاء «شمس الدين كرت» ومضى على الدرب نفسه
فى موالاة المغول، وانضم إليهم فى حملة «هولاكو خان» على بلاد
«الإسماعيلية»، وكان له دوره البارز فى استسلام «ناصر الدين
محتشم»، وتسليمه لقلعة «قهستان» للمغول، ومضى «آل كرت» فى
طاعتهم للإيلخانيين الذين أسسوا دولتهم فى «إيران» و «العراق»،
باستثناء بعض الأوقات التى خرج فيها بعض ملوك «آل كرت» على
سيطرة الإيلخانيين المغول، ثم سرعان ما يعودون ثانية إلى الانضواء
تحت اللواء المغولى، كما فعل «شمس الدين كرت» نفسه حين انضم
إلى «الجغتائيين» فى صراعهم مع الإيلخانيين، ثم عاد ثانية إلى
طلب العفو والصفح عنه من الإيلخان «آباقا» المغولى.
وبذا يمكن القول: إن أمر تولية «آل كرت» الحكم كان يرجع إلى رغبة
«الإيلخان» المغولى، وأصبحت مناطق نفوذ «آل كرت» إمارات تابعة -
إلى حد بعيد- للمغول الإيلخانيين، وظلوا على ذلك حتى انتهى أمرهم
على يد التيموريين الغزاة فى عام (٧٩١هـ= ١٣٨٩م).
مظاهر الحضارة فى إمارة آل كرت:
كانت إمارة «آل كرت» إمارة ثرية؛ إذ ضمت إلى حكمها مناطق عدة
اشتهرت بثرواتها وخيراتها ومزروعاتها، وسعة أرضها، وعذوبة
مائها، وخصوبة تربتها، فاشتهرت «هراة» ببساتينها الكثيرة،
و «غزنة» بسعة أرضها وخصوبة تربتها ووفرة مائها العذب، وكانت
стр. 449
تقع فى أطراف «خراسان» وتربطها بالهند، أما «سرخس» فتقع بين
«مرو» و «نيسابور» وبها خيرات كثيرة، واشتهرت «نيسابور» (إحدى
مدن خراسان) بالفواكه والثمار، والمعادن الكثيرة وبخاصة الفيروز،
كما كانت تزخر بالعلماء الفضلاء، وتعد هذه المدينة عتبة الشرق.
والواقع أن تلك البقاع التى شملتها أقاليم «آل كرت» كانت تفيض
بالخير والثراء، فلم يجد الحكام صعوبة فى توفير احتياجات البلاد،
وكذلك لم يكن لهم طموح فى توسيع حدودهم، أو إدخال دولة ما
تحت تبعيتهم؛ إذ كانوا أنفسهم تابعين للحكم الإيلخانى المغولى،
وحرص الإيلخانيون على ولائهم وكسب ودهم، وبقاء تبعية «آل
كرت» لهم.
وقد أدى استقرار الأوضاع الاقتصادية فى دولة «آل كرت» إلى
استقرار الأوضاع السياسية، فشجع «الحكام» العلماءَ والأدباء،
وعمدوا إلى مساعدتهم، فبرز منهم عدد كبير، ومنهم «ابن يمين»
(المتوفى عام ٧٦٩هـ)، وقد مدح بأشعاره «آل كرت» والسربداريين،
وتضمن شعره الحكم والمواعظ، ومما يجدر ذكره أن العالم الجليل
والقطب الكبير «جلال الدين الرومى»، قد وُلد وعاش فى «بلخ» فى
الفترة من (٦٠٤هـ إلى ٦٧٢هـ)، وهو من أكبر شعراء الصوفية الفرس،
وصاحب كتاب «مثنوى».
стр. 450
الفصل الثامن
*أمراء قراقيونلو
[٧٨٠ - ٨٧٣ هـ = ١٣٧٨ - ١٤٦٨ م].
النشأة والتكوين:
ظهرت جماعة من التركمان أطلقوا على أنفسهم اسم «قراقيونلو»
فى أواخر عهد السلطان «أبى سعيد بهادرخان» آخر حكام «الدولة
الإيلخانية» - فى النصف الثانى من القرن الثامن الهجرى = النصف
الثانى من القرن الرابع عشر الميلادى - فى الشمال الغربى لآسيا
جنوبى بحيرة «وان».
ومما لاشك فيه أن هذه الجماعة قد استفادت استفادة كبيرة من
الضعف الذى منيت به «الدولة الإيلخانية» فى عهد خلفاء السلطان
«أبى سعيد بهادرخان»، ودخلوا فى صراع مع التيموريين، واعتنقوا
المذهب الشيعى، ويرجع نسب أمرائهم إلى الأمير «محمد تورمش ابن
بيرام خواجة».
الوضع الداخلى:
استطاع الأمير «أبو نصر قرا يوسف نويان بن محمد» أول أمراء
«قراقيونلو» أن يقود كتائبهم المنتشرة بالأقاليم المجاورة لأرمينيا
و «أذربيجان»، ويستولى على «تبريز» ويجعلها عاصمة لإمارته، ثم
اصطدم بأحمد بن أويس الجلائرى فى عام (٨١٣هـ = ١٤١٠م)، وتمكن
منه وقتله، ومد سلطانه وسيطرته على «أذربيجان» (أذربايجان).
ولما غزا «تيمور» بلاد «قرا يوسف» فى عام (٨٠٢هـ = ١٤٠٠م)، سلبه
ملكه، ولكنه استعاد ما سلب منه فى عام (٨٠٨هـ = ١٤٠٥م)، ونادى
بابنه «بيربوداق» أميرًا على «أذربيجان» سنة (٨١٠هـ = ١٤٠٧م)،
فاستطاع أن يتخلص من «قرا عثمان» رئيس «الآق قيونلو» فى «ديار
بكر»، ويحقق لقبيلته كثيرًا من الانتصارات والفتوح من ناحية الغرب،
ثم توجه إلى الشرق لصد القوات التيمورية بقيادة «شاه رخ»، ولكنه
توفى فجأة فى الطريق بأذربيجان، وكذلك توفى والده «قرا
يوسف» فى الوقت نفسه، فتولى الأمير «إسكندر بن قرا يوسف»
الحكم فى عام (٨٢٣هـ = ١٤٢٠م)، واستمر حتى عام (٨٤١هـ =
١٤٣٧م).
وفى أثناء هذه الفترة وقعت أحداث كثيرة، فهاجم «شاه رخ» الذى
كان يحكم القسم الشرقى لإيران الأمير إسكندر بن قرا يوسف،
وألحق به الهزيمة فى «تبريز»، وطرده من «أرمينية» فى عام
стр. 451
(٨٢٤هـ = ١٤٢١م)، ولكن الأوضاع الداخلية للدولة التيمورية أجبرت
الأمير «شاه رخ» على العودة إلى «خراسان»، مما أتاح الفرصة
للأمير «إسكندر» للعودة إلى إمارته واسترداد ملكه، وتحقيق
انتصارات متتالية فى «أرمينية» و «أران»، و «بلاد الأكراد».
واستمر الصراع بينهما حتى قتل الأمير إسكندر سنة (٨٤١هـ) فتولى
أخوه الأمير «جهانشاه» زعامة أمراء «قراقيونلو»، واصطدم
بالتيموريين وهزم «الميرزا علاء الدولة التيمورى» واستولى منه على
«خراسان»، وفى الوقت نفسه تمرد ابن «جهانشاه» عليه فى
«أذربيجان»، فاضطر إلى مصالحة التيموريين ثانية، وأعاد إليهم
«خراسان»، ثم عاد إلى «تبريز» عاصمته ليتمكن من مواجهة ابنه
والقضاء على تمرده، فخرج عليه «حسن بيك» أحد أفراد قبيلة «آق
قيونلو»، وقتله فى سنة (٨٧٢هـ = ١٤٦٧م).
كان الأمير «حسن على» هو آخر أمراء هذه الدولة، وهو ابن الأمير
«جهانشاه» الذى اعتقله فى «باكو» نحو خمسة وعشرين عامًا؛
فلما ولى الأمير «حسن» الحكم، لقى هزيمة منكرة على أيدى قبيلة
«آق قيونلو» بزعامة «أوزون حسن» فى عام (٨٧٣ هـ = ١٤٩٥ م)،
وسقطت أسرة «قراقيونلو»، فكانت النهاية.
العلاقات الخارجية:
كانت دولة أمراء «قراقيونلو» فى «أذربيجان» ذات علاقات عديدة
مع جيرانها، اتصفت -فى المقام الأول- بأنها علاقات ذات صفة حربية،
فقد بدأت هذه العلاقة بتبعية هذه القبيلة للدولة الإيلخانية، ثم أقاموا
علاقات صداقة مع الجلائريين والعثمانيين بهدف مواجهة الغزو
التيمورى، ومما لاشك فيه أنهم استفادوا من هذه العلاقة، خاصة أن
«بايزيد» قد وفر الحماية لأمراء «قراقيونلو»، الذين فروا إلى
«الأناضول» هربًا من التيموريين، ولكن هذه العلاقة لم تسر على
وفاق مع الجلائريين، وقتل «قرا يوسف» «أحمد بن أويس الجلائرى»
فى عام (٨١٣هـ= ١٤١٠م).
أبعد التيموريون أمراء «قراقيونلو» عن مقار حكمهم أكثر من مرة،
стр. 452
وكانت العلاقة سيئة بينهما، وجاءت نهاية أمراء «قراقيونلو» على
أيدى قبيلة «آق قيونلو» (٩)، إحدى القبائل التركمانية التى تنتمى
إلى عنصرهم ذاته.
مظاهر الحضارة فى دولة أمراء قراقيونلو:
لم تتح الحروب والمعارك العسكرية فرصة كافية أمام أمراء
«قراقيونلو» للاهتمام بمظاهر الحضارة، فقد عاشت دولتهم فى
صراعات متواصلة من أجل الحفاظ على حدودها من الجلائريين
والتيموريين، ولكن ذلك لم يمنع الأمير «جهانشاه» من الاهتمام بالأدب
والشعر، إذ كان هو نفسه ينظم الشعر، وكان محبا له.
وقد شيد «جهانشاه» مسجدًا يعد تحفة فنية فى عمارته، وهو
«المسجد الأزرق» الذى يمثل العمارة الإسلامية فى هذه المنطقة.
لم يمنح التيموريون أيا من أمراء «قراقيونلو» فرصة الاتجاه نحو
الاهتمام بمظاهر الحضارة، لأنهم كانوا يحطمون كل شىء ويقضون
على الأخضر واليابس فى غزوهم الشامل على مناطق نفوذ أمراء
«قراقيونلو»، لذا لم يهتم هؤلاء الأمراء بمظاهر الحضارة، وصرفوا
جهودهم إلى النشاط الحربى.
стр. 453
الفصل التاسع
*الدولة الصفوية
[٩٠٧ - ١١٤٨ هـ = ١٥٠٢ - ١٧٣٦م].
النشأة والتكوين:
ينتسب الصفويون إلى «صفى الدين الأردبيلى» الذى عاش فى الفترة
من (٦٥٠هـ = ١٢٥٢م) إلى (٧٣٥هـ = ١٣٣٤م)، وهو أحد شيوخ
الصوفية، وقد درس فى مطلع حياته العلوم الدينية والعقلية فى
موطنه، ثم ارتحل إلى «شيراز»، واتصل بالشاعر المعروف «سعدى
الشيرازى»، ثم رحل إلى «أردبيل» ومنها إلى «كيلان»، ودخل فى
زمرة الشيخ «زاهد الكيلانى» وتزوج ابنته، وخلفه فى الطريقة،
وعهد إلى أبنائه وأتباعه بالعمل على جذب الأتباع والدراويش،
والاجتهاد فى نشر طريقتهم والدعاية لها، وكان هؤلاء ينتسبون إلى
المذهب الشيعى.
الوضع الداخلى:
شهدت «إيران» فترة عصيبة ضاعت فيها حقوق المواطنين، وساءت
معاملتهم، فى الفترة التى سبقت قيام «الدولة الصفوية»، فمهد ذلك
الطريق أمام شيوخ الصفويين، وتحولوا من أصحاب دعوة وشيوخ
طريقة إلى مؤسسى دولة لها أهدافها السياسية والمذهبية.
وكانت «إيران» - آنذاك - مقسمة إلى عدة أجزاء، يحكمها عدة
حكام، ويستقل كل منهم بما تحت يديه، فعاش الناس حياة قلقة
يشوبها الصراع على الحكم، وبحثوا عن مخرج لذلك ناشدين الراحة
والهدوء، فلم يجدوا أمامهم سوى أن يكونوا مريدين وأتباعًا لشيوخ
الصفويين وطريقتهم، وذلك فى الوقت الذى آلت فيه رئاسة الأسرة
الصفوية إلى «إسماعيل»، الابن الثالث لحيدر حفيد الشيخ «صفى»،
فأسس «إسماعيل» «الدولة الصفوية» فى عام (٩٠٧هـ = ١٥٠٢م)، ثم
دخل «تبريز» وأعلن نفسه فيها ملكًا على «إيران»، وتلقب بأبى
المظفر شاه إسماعيل الهادى الوالى، وأصدر السكة باسمه، وفرض
المذهب الشيعى، وجعله المذهب الرسمى لإيران بعد أن كانت تتبع
المذهب السنى، وقال حين أعلن ذلك: «لا يهمنى هذا الأمر، فالله،
وحضرات الأئمة المعصومين معى، وأنا لا أخشى أحدًا، وبإذن الله -
تعالى - لو قال واحد من الرعية حرفًا، فسأسحب سيفى، ولن أترك
أحدًا يعيش».
стр. 454
وأمر المؤذنين أن يزيدوا فى الأذان عبارتَى:
«أشهد أن عليا ولى الله»، و «حى على خير العمل».
مضى الشاه «إسماعيل» فى إرساء قواعد دولته، وترسيخ دعائم
مذهبه، وتنظيم إدارة بلاده، فاتخذ من «حسين بك لله» نائبًا له،
وجعل «الشيخ شمس الدين اللاهيجى» حاملا للأختام، واستوزر «محمد
زكريا»، ثم قضى على قبيلة «آق قيونلو»، ودخل «شيراز»، وأقر
فيها مذهبه الشيعى، فأصبحت «إيران» دولة شيعية بين قوتين
سنيتين هما: «الهند» والأتراك من جهة الشرق، والعثمانيون والشام
فى الغرب.
قاست «بلاد الكرج» و «أرمينية» مرارة الصراع بين الصفويين
والعثمانيين؛ إذ إنها تارة تصير تابعة للصفويين، وأخرى تابعة
للعثمانيين.
ويعود لمراد الرابع الفضل فى تحديد حدود «إيران» الغربية، حيث ضم
«بغداد» و «الجزيرة» إلى الحكم العثمانى سنة (١٠٤٨م)، كما نجح
«أحمد درانى» فى إقامة دولة مستقلة فى «أفغانستان» بعد أن
كانت تابعة مرة للهند، وأخرى لإيران، فلما ضُمت «هراة» إلى
«أفغانستان» رُسمت حدود «إيران» الشرقية، ثم حددت حدودها
الشمالية باستيلاء الروس على المناطق الشمالية، وبقيت هذه الحدود
قائمة حتى تمت «اتفاقية الجزائر» فى عام (١٩٧٥م).
الشاه إسماعيل الأول [٩٠٠هـ = ١٤٩٤م]:
تميز الشاه «إسماعيل» بالصبر والذكاء وقوة الإرادة، والشجاعة
والإقدام وحسن الإدارة، فالتف الناس حوله بالترغيب تارة وبالترهيب
تارة أخرى، وأقام دولته على أساس مذهبى ذى أصول سياسية
واقتصادية وإدارية، ووضع الأساس الذى استمرت عليه هذه الدولة
نحو قرنين من الزمان، وباتت ذات دور مؤثر وحيوى فى المنطقة،
وقد أُعجب معاصرو الشاه «إسماعيل» به وبسياسته، وقد وصفه
«ميرخواند» فى كتابه «روضة الصفا» بقوله: «كان ذلك الملك نادرة
الزمان، وأعجوبة الليل والنهار».
ولعل من أبرز إنجازات «إسماعيل الصفوى» هى إقراره لوحدة
«إيران» الوطنية والسياسية، وتحديد معالم شخصية دولته فى الداخل
стр. 455
والخارج، غير أنه صعَّد -فى الوقت نفسه- حدة الصراع بين الصفويين
والعثمانيين، وعمَّق الخلاف المذهبى بين السنيين والشيعة.
خلف الشاه «طهماسب الأول» أباه «إسماعيل الأول» على العرش فى
(يوم الاثنين ١٩ من رجب عام ٩٣٠هـ = ١٥٢٤م)، وحكم أكثر من نصف
قرن دخل خلالها فى حروب كثيرة مع العثمانيين والأوزبك
و «كرجستان»، ثم خلفه ابنه الشاه «إسماعيل ميرزا» الذى تلقب
بالشاه «إسماعيل الثانى» فى عام (٩٨٤هـ = ١٥٧٦م]، واعتمد
سياسة الاعتدال فى نشر المذهب الشيعى، فأبعد عددًا من علماء
الشيعة المتعصبين عن بلاطه، وأمر بمنع لعن الخلفاء الثلاثة والسيدة
«عائشة» فوق المنابر وفى الطرقات، وحاول إعادة المذهب السنى
إلى البلاد بالتدريج، مما أثار عليه حفيظة الطبقة الحاكمة وأغلبية
المجتمع، وقرروا عزله وتعيين ابن أخيه «حسن ميرزا» إذا لم يتراجع
عن ذلك، فعمل على تهدئة الثورة التى قامت ضده، وأبعد علماء
المذهب السنى عن بلاطه، ونقش على السكة بيتًا مضمونه: أن عليا
وآله أولى بالخلافة فى العالم الإسلامى كله.
لم يتمكن الشاه «إسماعيل الثانى» من البقاء فى الحكم فترة طويلة،
حيث قُتل، وقد اختلفت الروايات فى كيفية قتله، وتم اختيار «محمد
خدا بنده» ملكًا على «إيران» فى عام (٩٨٥هـ = ١٥٧٨م)، فكثرت فى
عهده الاضطرابات التى لم يستطع السيطرة عليها، إذ لم يكن جديرًا
بالحكم، فخلفه ابنه الشاه «عباس الأول» على العرش من عام (٩٩٦هـ
= ١٥٨٨م) إلى عام (١٠٣٨هـ = ١٦٢٩م)، ويعد عهده من أبرز عهود
الحكم الصفوى فى «إيران» وأهمها؛ إذ عمل على رفاهية شعبه
وتعمير بلاده، ونقل عاصمة دولته من «قزوين» إلى «أصفهان»،
وأعاد الحكم المركزى إلى «الدولة الصفوية»، على الرغم من
الصعوبات والحروب الكثيرة التى اعترضت سبيله، ونجح فى إقرار
أمن بلاده وتأمين رعيته؛ واتخذ مجلسًا لبلاطه ضم سبعة أشخاص
بسبع وظائف هى: «اعتماد الدولة» - «ركن السلطنة» - «ركن
стр. 456
الدولة» - «كبير الياوران» - «قائد حملة البنادق» - «رئيس الديوان» -
«كاتب مجلس الشاه»، وبالرغم من وجود هذا المجلس كان هو صاحب
القرار الأول والأخير فى الدولة.
ثم توالى على حكم «الدولة الصفوية» - عقب وفاة الشاه «عباس
الصفوى» - شاهات ضعاف؛ أدى الصراع فيما بينهم على السلطة إلى
ضعف الدولة، فضلا عن أن ذلك أعطى الفرصة للأعداء الخارجيين
الذين كانوا متربصين بالدولة، وبخاصة الأتراك العثمانيون، لغزوها
ومحاولة السيطرة عليها.
وعلى الرغم من ذلك فإن كثيرًا من الرحالة الأوربيين الذين وفدوا
على بلاط الصفويين؛ وصفوا مدى الأبهة والعظمة التى وفرها
الصفويون فى بلاطهم، ولعل أبرز ما كان يميز هذا البلاط هو سيطرة
رجال الدين واتساع نفوذهم، حتى بات أمر الدولة كله فى أيديهم،
نظرًا إلى أنها دولة مذهبية، اتخذت من الدين أساسًا لقيامها،
والدعوة إلى مذهبها.
بدأ نجم «الدولة الصفوية» فى الأفول عقب وفاة الشاه «عباس
الصفوى»، وحكمها «صفى الأول» عام (١٠٣٨هـ= ١٦٢٩م)، ثم «عباس
الثانى» عام (١٠٥٢هـ = ١٦٤٢م)، ثم «سليمان الأول» عام (١٠٧٧ هـ =
١٦٦٧م)، ثم «حسين الأول» عام (١١٠٥هـ = ١٦٩٤م)، ثم «طهما سب
الثانى» (١١٣٥هـ= ١٧٢٢م) ثم «عباس الثالث» الذى حكم من عام
(١١٤٤هـ = ١٧٣١م) إلى عام (١١٤٨هـ = ١٧٣٦م).
وجميع هؤلاء الشاهات الصفويين لم تكن لديهم الصفات التى تمتع بها
الشاه «عباس الأول»، وبدت الأمور أمامهم مجرد مظاهر ملكية يجب
الحفاظ عليها، ونسوا أمور بلادهم، فضعفت الدولة، وضاعت هيبتها،
وسقطت أجزاؤها واحدا تلو الآخر، فضاعت الدولة، وسقط العرش،
وسقطت «الدولة الصفوية» فى عام (١١٤٨هـ = ١٧٣٦م) فانقسمت
«إيران» إلى عدة مناطق منفصلة.
العلاقات الخارجية:
أقام الصفويون علاقات متميزة مع سائر الدول، وكان الاقتصاد -ممثلا
فى التجارة - هو المحرك الأساسى لعلاقاتهم الخارجية، ولعل حركة
البضائع الشرقية كانت سببًا فى نشاط الكشوف الجغرافية وظهور
стр. 457
قوتين عظميين لعبتا دورًا مهما فى هذا الميدان، هما: «البرتغال»
و «إسبانيا»، ومما لاشك فيه أن هذا النشاط الكشفى كان الهدف منه
إيجاد طريق جديدة للتجارة الأسيوية، خاصة تجارة «الهند» التى
كانت التوابل أهم عناصرها. وفى سبيل هذا عمد البرتغاليون إلى
البحث عن طريق بعيدة عن «البحر المتوسط» الذى يهيمن عليه
المماليك فى «مصر» و «الشام» من ناحية، وتهيمن عليه بعض المدن
الإيطالية من الناحية الأخرى.
حاول «بارثليميودياز» البرتغالى فى عام (٨٩٢هـ =١٤٨٧م) الدخول
إلى «المحيط الهندى» عن طريق الالتفاف حول طريق «رأس الرجاء
الصالح»، ولكنه فشل، وبعده باثنى عشر عامًا استطاع البحَّار
البرتغالى «فاسكو داجاما» الوصول إلى «الهند» بواسطة طريق
«رأس الرجاء الصالح»، وأقام البرتغاليون مستعمرات لهم فى
«الهند» و «آسيا»، وأخضعوا أمير «هرمز» لهم، وأخذوا منه غرامة
حربية، وفرضوا عليه مبلغًا من المال يدفعه سنويا خراجًا لدولتهم،
فى الوقت نفسه طالب الشاه الصفوى «إسماعيل الأول» هذا الأمير
بتسديد الخراج السنوى المفروض عليه من قِبَل «الدولة الصفوية»،
فاستعان «أمير هرمز» بالقائد البرتغالى «البوكيرك» لتخليصه من
ذلك، فأرسل «البوكيرك» إلى الشاه «إسماعيل الأول» برسالة جاء
فيها:
«إن استيلاء البرتغال على هرمز كان بالقوة، والقدرة لملك البرتغال،
وليس لأحد من حق فى الخراج إلا له»، ثم أرسل هذا القائد بعض
طلقات البنادق والمدافع والبارود إلى أمير «هرمز» وأمره أن يرسلها
إلى الشاه «إسماعيل الصفوى» بدلا من الخراج الذى طالب به،
ويخبره أن إجابة ملك البرتغال على الأعداء تكون بهذه الأشياء. ولم
تلبث الأوضاع طويلا بين الطرفين على هذه الحال، وتم توقيع
معاهدة بين الدولتين الصفوية والبرتغالية فى عهد الشاه «إسماعيل
الأول»، إذ كان للبرتغاليين نفوذ قوى فى الخليج، وكانوا يحتكرون
التجارة فى موانى جنوب «إيران».
стр. 458
انفتح الإيرانيون على العالم الخارجى، وزادت علاقاتهم مع الدول
الأوربية فى عهد الشاه «عباس الأول»، ووفد على «إيران» العديد
من السفراء الأوربيين، كما أوفد السفراء الإيرانيون إلى البلاد
الأوربية، لإبرام الاتفاقات، وعقد المعاهدات - سواء التجارية أو
السياسية - بين «أوربا» و «إيران»، وتم الاتفاق على فتح طريق
تجارى بين «أوربا» و «آسيا» عبر «بحر الشمال»، وفى سنة (٩٦٠هـ
= ١٥٥٣م) ذهب الإنجليزى «ريتشارد شانسلر» إلى «موسكو»،
وتمكن من إقامة علاقات اقتصادية لبلاده مع ولايات «إيران»
الشمالية فى عهد الشاه «طهماسب الأول»، والملكة «اليزابيث». وقد
سجلت إحدى الوثائق السياسية الإنجليزية أحداث لقاء تم بين
الإنجليزى «آرثر ادوارد»، والشاه «طهماسب الأول الصفوى»،
وتمخض هذا اللقاء عن منح التجار الإنجليز حرية السفر إلى «جيلان»،
أو إلى أى مكان فى أملاك «الدولة الصفوية»، ووعد الشاه «طهما
سب» الإنجليز بحماية سفنهم فى بحر «الخزر» من أى عدوان،
ومنحهم عدة امتيازات أخرى غيرها.
وخلاصة القول: إن حكام «إيران» الصفويين لم تقتصر علاقاتهم
الخارجية على دولة بعينها، بل تعدت إلى العالم الأوربى عامة،
وكذلك كانت لهم علاقات جيدة مع «هولندا» و «ألمانيا».
مظاهر الحضارة فى الدولة الصفوية:
تمكن الصفويون من إقامة دولة قومية لهم فى «إيران» على أسس
مذهبية، وأحيوا بها الروح القومية، ووحدوا عناصر الشعب تحت لواء
مذهبهم الذى قاموا بنشره بالترهيب والترغيب بين الطبقات كافة.
وانتفع الصفويون فى تكوين حضارتهم بالصراع العسكرى فى
حروبهم ضد العثمانيين؛ إذ كلفوا «روبرت»، و «أنتونى شيرلى»
الإنجليزيين بإنشاء مصنع للمدافع لهم، فكان سببًا من أسباب تقدم
حضارتهم العسكرية، وانتقل «طهما سب» بعاصمة بلاده من «تبريز»
إلى «قزوين» نتيجة توغل السلطان العثمانى «سليمان القانونى»
فى «العراق»، ثم فى «تبريز» و «أصفهان»، وأخذ «طهما سب» فى
стр. 459
بلاطه الجديد بكل أسباب التحضر والتأنق والدقة، حيث كان خطاطًا
ماهرًا، وله دراية عالية بفنون النقش من خلال دراساته فى هذا
المجال.
وفى سنة (١٠٠٧هـ = ١٥٩٨م)، نقل الشاه «عباس الصفوى» عاصمة
بلاده إلى «أصفهان»؛ فدبت بها حياة جديدة، وراجت بها التجارة،
وازدهرت الصنائع والفنون، وعمد «الشاه عباس» إلى تطوير الجيش
وتحديثه، فاستبدل جيشه القديم -المكون من قوات قبلية- بجيش
نظامى جديد، واستحدث فيه فرقة عسكرية جديدة أطلق عليها اسم
«أصدقاء الملك»، وكانت هذه الفرقة تضم عشرة آلاف فارس، وكان
ضعف هذا العدد من المشاة، ثم مضى فى طريق التحديث العمرانى
فشيد الطرق، وشق القنوات، وأعد الأماكن اللازمة لنزول القوافل
التجارية فى طول البلاد وعرضها، وأقام مدينة ملكية جديدة فى
«أصفهان»، وجعلها مجاورة للمدينة القديمة، وأنشأ بها الإنشاءات
اللازمة، ثم ضاعف هذه الإنشاءات فى عام (١٠٢٠هـ = ١٦١١م)، وبنى
لنفسه بها قصرًا عظيمًا، وأنشأ حول ميدانه مسجدًا كبيرًا أسماه
«مسجد شاه»، وجعل بجواره مسجدًا آخر أصغر منه، وأحاط المدينة
بسور من الآجر والطين، وأقام بها الأسواق المسقوفة، ومائة واثنين
وستين مسجدًا، وثمانيًا وأربعين مدرسة دينية، وألفى رباط لإقامة
القوافل، وثلاثمائة حمام عام، وجعل لكل منزل بها حديقة خاصة، كما
جعل شوارع هذه المدينة متعرجة وضيقة، ربما لأسباب أمنية
ودفاعية، فبلغ تعداد السكان بالمدينة الجديدة نحو ستمائة ألف
نسمة فى ذلك الوقت، ولقد بقيت آثار هذه المدينة شاهد صدق على
عظمة الحضارة الصفوية إلى وقتنا الحاضر.
стр. 460
الفصل العاشر
*شاهات إيران
[١١٣٥ - ١٣٤٤هـ = ١٧٢٢ - ١٩٢٥م].
أ - الأفاغنة:
تمرد الأفغانى «محمود بن ميرويس» ورفع راية العصيان على «الدولة
الصفوية» فى عهد الشاه الصفوى «حسين الأول»، فلما لم يجد هذا
الرجل من يأخذ على يديه ويوقف عصيانه؛ تمكن من الاستيلاء على
مدينتى «هراة» و «مشهد»، وهما من أهم مدن دولة الصفويين، ولم
يكتفِ بذلك: بل استولى على العاصمة «أصفهان» فى سنة (١١٣٥هـ
= ١٧٢٢م)، فدخلت دولة الصفويين فى طور السقوط والانهيار
النهائى، وتحولت من دولة كانت تتمتع بالنفوذ والسطوة والهيبة فى
عهد «عباس الأول» ومَن سبقوه، إلى هيكل ضعيف لاحول له ولا
قوة، وظهرت إلى جانبها قوى أخرى جديدة وفتية سلبتها حق
التمتع بإمكاناتها وممتلكاتها، وسلبت حكامها حق الانفراد بحكم
البلاد.
أقام الأفغانيون دولتهم على ما سلبوه من أراضى الدولة الصفوية،
وكان أول حكامهم هو «محمود بن ميرويس» الذى حكم فى (١١من
المحرم عام ١١٣٥هـ = ١٧٢٢م)، وقُتل فى سنة (١١٣٧هـ = ١٧٢٥م)،
فخلفه «أشرف بن عبدالله» فى الحكم، وظل به حتى عام (١١٤٢هـ =
١٧٢٩م)، ثم ظهر الأمير الأفغانى «آزاد خان» مطالبًا بالحكم فى
«أصبهان» فى سنة (١١٦٦هـ = ١٧٥٣م)، وتم له ما أراد، وظل فى
الحكم حتى سنة (١١٦٩هـ = ١٧٥٦م).
ب - الأفشارية:
لم يستمر حكم الأفاغنة طويلا؛ إذ استعان الشاه «طهما سب الثانى»
- على دفع تهديد الأفغان- بالقوى المحيطة، فأسرعت «روسيا» إلى
مساعدته فيما طلب، نظير السماح لها بدخول «استراباد»، وهكذا
تمكن الروس من وضع أقدامهم فى هذه المناطق.
ثم ظهرت قوة جديدة حكمت فى الفترة من سنة (١١٤٨هـ = ١٧٣٦م)
إلى سنة (١٢١٠هـ - ١٧٩٦م) عرفت باسم الأفشارية، واستطاع «نادر
شاه الأفشارى» أن يقضى على حكم الأفغان، ويخلع الشاه
«طهماسب الثانى» ويسجنه مع طفله الرضيع «الميرزا عباس الثالث»،
ثم أعلن تتويجه ملكًا على «إيران» فى سنة (١١٤٨هـ = ١٧٣٦م)،
следующие страницы →