Полный текст (3 483 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
عشرة عامًا، فواجه صعوبات شديدة، وتوفى فى عام (٩٦٣هـ =
١٥٥٦م)، وخلفه ابنه «أكبر شاه» الذى انتقل بالبابريين من مجرد
غزاة إلى أصحاب دولة قوية راسخة البنيان؛ إذ استولى على أهم
مناطق «الهند»، وانتصر فى معركة «بانى بت» فى عام (٩٦٤هـ=
١٥٥٦م) - وهى المنطقة نفسها التى انتصر فيها «بابر» من قبل -
ونجح «أكبر شاه» فى تنظيم حكومة أجمع المؤرخون على دقتها
وقوتها، وذلك فضلا عن النهضة الثقافية التى حدثت فى عصره،
والتى بلغت مكانة سامية لم تصل إليها بلاد «أوربا»، ثم تُوفى
«أكبر شاه» فى سنة (١٠١٤هـ = ١٦٠٥م)، وخلفه ابنه «سليم» الذى
تلقَّب باسم «نور الدين بادشاه» «جهانكيز»، وكان عمره -آنذاك- ستا
وثلاثين سنة، فنهج سياسة أبيه فى التسامح، وأشاع العدل بين
رعاياه، ثم خلفه ابنه «شاه جهان» فى عام (١٠٣٧هـ = ١٦٢٨م).
وإذا كانت «نورجهان» زوجة «جهانكيز» قد اشتهرت بمكائدها، فقد
اشتهرت «ممتاز محل» زوجة «شاهجهان» بالطيبة والصفات الحميدة،
والبر بالفقراء، ودفعت زوجها إلى العفو عن المذنبين، واستخدام
«التأريخ الهجرى» بدلا من «التأريخ الألفى» الذى وضع فى عهد
«جلال الدين أكبر».
أحب «شاه جهان» زوجته حبا شديدًا، وبلغ وفاؤه لها مبلغًا عظيمًا،
وبنى لها مقبرة «تاج محل»، التى تعد من روائع الفن المعمارى،
وإحدى عجائب الدنيا، ومازالت قائمة حتى الآن.
وفى عهد «شاه جهان» حدثت مجاعة شديدة بالهند، فاستغلها
البرتغاليون فى خطف الأهالى وأسرهم، ثم بيعهم فى سوق الرقيق،
وقد استطاع «قاسم خان» تخليص عشرة آلاف فرد منهم من
أيديهم، وعهد «شاه جهان» بالحكم إلى ابنه «أورنك زيب»، بعد أن
عهد إلىه بالقضاء على ثورات «الدكن».
تولى «أورنك زيب» العرش فى سنة (١٠٦٩هـ)، فألغى الاحتفال
بأعياد «النيروز»، وتمسك بتعاليم السنة، وأمر بتعمير المساجد،
وعين لها العلماء والوعاظ، وعمل على نهضة هذه البلاد، ثم أدت
стр. 492
الاضطرابات التى قامت وعمت مناطق واسعة من الإمبراطورية المغولية
إلى سقوط هذه الإمبراطورية فى قبضة الإنجليز فى عام (١٢٧٥هـ =
١٨٥٨م).
العلاقات الخارجية:
أقام المغول علاقات وطيدة مع بعض بلدان العالم الخارجى، لدرجة
أن الشاه الصفوى أمد «ظهير الدين بابر» بجنود من الفرس؛ لكى
يستعيد المناطق التى سلبت من دولته ببلاد «ما وراء النهر»، وأرغم
هؤلاء الجنود الناس على اعتناق المذهب الشيعى بالقوة، وقاموا
بإقامة مذابح لسكان هذه المناطق، فاتحد هؤلاء السكان وطردوا
جنود الفرس، بل اتحدوا مع «الأزبك» وطردوا «بابر» نفسه؛ حيث
فشل فى منع الفرس من قتل الناس وتعذيبهم، فتوجه «بابر» ناحية
«الهندستان» واستولى عليها بعد أن انتصر على «الراجبوتيين» فى
«خانوه».
كما أقام المغول علاقات مع البرتغاليين، الذين أمدوهم بالمدافع
للوقوف أمام حاكم «الكجرات» فى عهد «همايون»، واستعان
«همايون» بالشاه «طهما سب بن إسماعيل الصفوى» فى استعادة
حكمه على «هندستان»، بعد قضائه على أسرة «شيرشاه»، خاصة
أن شاه «إيران» هو الذى آواه فى محنته.
وقد وفد على «الهند» فى عهد «جهانكيز» مبعوثان إنجليزيان هما:
«وليم هوكنز» و «توماس راو»، ليعملا سفيرين لبلادهما من قبل الملك
«جيمس الأول»، وكان الهدف من هذه السفارة منافسة البرتغاليين
فى هذه البقاع؛ حيث كانت لهم عدة مراكز على شواطئ «الهند»،
وقد استعان «جهانكيز» بالإنجليز على طرد البرتغاليين من بلاطه،
ومحاربتهم ببحار «الهند»، ومنح الإنجليز امتيازات تجارية كثيرة.
يرجع زوال إمبراطورية المغول بالهند - فى المقام الأول - إلى
انصراف رجال الدولة إلى شئونهم ومصالحهم الخاصة، وتركهم مصالح
البلاد والعباد، وإيثار أنفسهم بالكنوز التى استولوا عليها فى
فتوحاتهم. ومن الحقائق المهمة أن عظماء الإمبراطورية المغولية
حكموا قرنين من الزمان، وكان هدفهم الأول هو العمل من أجل
стр. 493
مصلحة الدولة واستقرار أوضاعها وأمنها، ثم تبدلت الأوضاع خلال
القرن الثالث والأخير لهذه الإمبراطورية، حيث غزا «نادر شاه» بلاد
«الهند»، وخرب عمرانها، وقضى على مظاهر الحضارة فيها، ثم
تركها لأعداء الإمبراطورية المغولية من «السيخ»،و «الهندوس»
و «الإنجليز».
كان «بهادر شاه الثانى» آخر حكام المغول فى «الهند»، وعزل فى
(١٣من شعبان سنة ١٢٧٤هـ = ١٨٥٨م)، ثم استولت «إنجلترا» على
الإمبراطورية المغولية، واستعمرت بلاد «الهند»، فعانت هذه البلاد من
تعسف «الإنجليز» وظلمهم وطغيانهم، واستنزفت الشركة البريطانية
ثروات هذه البلاد واستعبدت أهلها، وأسفر ذلك فى النهاية عن ثورة
وطنية ضد هذا الظلم وذلك الإجحاف.
مظاهر الحضارة فى الإمبراطورية المغولية بالهند:
اتسم حكام الإمبراطورية المغولية بالهند بالتسامح والعدل بين
الرعية، وأدى ذلك إلى اقتراب الناس منهم، ومصاهرتهم، وإلى
انتشار الإسلام فى ربوع دولتهم، وقد تجلى هذا التسامح فى أبهى
صوره فى عهد السلطان «جلال الدين أكبر»، الذى نادى بأن تكون
«الهند» لأهلها من المسلمين والهندوس.
ظلت السلطة الفعلية فى أيدى السلاطين، إذ كانوا يسيطرون على
نظم الحكم كلها، فقويت البلاد فى عهد الحكام الأقوياء، وسقطت
بالسلاطين الضعفاء، ولم تكن للوزير أو الوالى سلطات قوية.
انقسمت إدارة الأراضى الزراعية للدولة إلى نوعين، أولهما: إقطاع
القادة والأمراء مساحات من الأرض، ليقوموا على زراعتها ورعايتها،
ثم ينفقوا من غلتها على جنودهم وخدمهم وتابعيهم، والنوع الثانى:
شبيه بما يحدث اليوم؛ إذ كان الرجل يأخذ قطعة أرض مقابل الالتزام
بدفع بدل يؤديه إلى خزانة الدولة.
ولعل العمارة كانت من أبرز مظاهر الحضارة فى الإمبراطورية
المغولية فى «الهند»، إذ اهتم بها البابريون اهتمامًا بالغًا، وعمدوا
إلى تعمير المدن، وأصبح لهم طرازهم المعمارى المميز، الذى كان
مزيجًا من فنون المسلمين والهندوس، وكانت أهم سماته القباب
стр. 494
البصلية الشكل؛ المرصعة بالأحجار الكريمة، و «الميناء» و «الخزف»؛
فضلا عن الأقواس الحادة، والأبواب الفخمة التى فى أعلاها نصف
قبة، يُضاف إلى ذلك «تاج محل» إحدى عجائب الدنيا، ذلك البناء
الذى شيده «شاهجهان» ليكون مثوى لزوجته «ممتاز محل» تخليدًا
ووفاءً لذكراها.
عنى أباطرة «الدولة المغولية» عناية فائقة بالحركة الفكرية بالهند،
حيث ساهموا فى إخراج كتب قيمة للناس مثل كتاب: «بابرنامه» الذى
وضعه «بابر» عن نفسه وحكمه، وأظهر هذا الكتاب إلمام «بابر»
الواسع بالتاريخ وتقويم البلدان، والعلوم العقلية والنقلية، كما أظهر
إلمامه بالآداب العربية والتركية والفارسية. وكذلك كتبت «كلبدن
بيكيم» ابنة «بابر» كتاب «همايون نامه» الذى يعد مرجعًا وثيقًا فى
تاريخ «همايون» ثانى سلاطين الإمبراطورية المغولية.
أعفى «أكبر» الهنادكة من ضريبة الرءوس، واهتم بالعلوم والآداب
والفنون، وأصدر القوانين والتشريعات الاجتماعية التى تكفل للناس
حقوقهم، وتحافظ عليهم وعلى ممتلكاتهم، ونبغ فى عصره العديد
من المؤرخين والعلماء والأدباء من المسلمين والهنادكة.
стр. 495
- المراجع:
* أدم منز: الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري - القاهرة - ١٩٤٠م
* بن الأثير (عز الدين): الكامل في التاريخ - تحقيق أبي الفداء عبد الله القاضي - دار الكتب العلمية - بيروت -١٤٠٧ هـ - ١٩٨٧م
* أحمد أمين: ضحي الإسلام - دار الكتاب العربي -بيروت - الطبعة العاشرة - بدون تاريخ
* أحمد أمين: ظهر الإسلام - مكتبة النهضة المصرية - القاهرة - ١٩٦١م
* أحمد الساداتي: تاريخ المسلمين في شبه القارة الهندية وحضارتهم - مكتبة الآداب ومطبعتها - القاهرة - ١٩٥٧م
* بن بطوطة: رحلة ابن بطوطة - بيروت - دار الكتب العلمية ١٤١٣هـ - ١٩٩٢م
* البيروني (أبو الريحان محمد بن أحمد): الآثار الباقية عن القرون الخالية - لينبرج - ١٩٣٢م
* بن تغري بردي: النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة - دار الكتب المصرية - القاهرة
* حسن إبراهيم حسن: تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي - مكتبة النهضة المصرية - القاهرة - ١٩٧٣م
* بن خلدون (عبد الرحمن بن محمد): تاريخ ابن خلدون - مؤسسة جمال للطباعة - بيروت - ١٩٧٩م
* بن خلكان (احمد بن محمد): وفيات الأعيان - تحقيق إحسان عباس - دار صادر - بيروت - ١٣٩٨هـ = ١٩٨٧م
* زامبادور: معجم الأنساب والأسرات الحاكمة في التاريخ الإسلامي - ترجمة زكي حسن وحسن أحمد محمود - مطبعة جامعة فؤاد - القاهرة ١٩٥١ و ١٩٥٢م
* السيوطي (عبد الرحمن بن أبي بكر): تاريخ الخلفاء أمراء المؤمنين القائمين بأمر الله - القاهرة - ١٣٥١هـ
* عبد المنعم النمر: تاريخ الإسلام في الهند - دار العهد الجديد للطباعة - القاهرة - ١٩٥٩م
* العتبي (أبو نصر محمد): تاريخ اليميني - القاهرة - ١٤٨٦هـ
* بن العماد الحنبلي (أبو الفلاح بن عبد الحي): شذرات الذهب في أخبار من ذهب - القاهرة - ١٣٥٠هـ
* فؤاد الصياد: الشرق الإسلامي في عهد الإلخانيين - الدوحة - ١٩٨٧م
стр. 496
* القلقشندي (أحمد بن علي): صبح الأعشى في صناعة الإنشا - دار الكتب العلمية - بيروت - الطبعة الأولي - ١٩٨٧م
* كارل بروكلمان: تاريخ الشعوب الإسلامية - بيروت - ١٩٤٨م
* ابن كثير (إسماعيل بن عمر): البداية والنهاية - دار الكتب العلمية - بيروت - ١٤٠٨هـ = ١٩٨٨م
مراجع فارسية:
* أحمد بادكر: تاريخ سلاطين أفغان - مجموعة اليوت (٥)
* عباس خان سرواني: تاريخ شير شاه - مجموعة اليوت (٤)
* عبد الحميد لاهوري: بادشاهنامه - مجموعة اليوت (٧)
* عبد القادر بن ملوك شاه بدواني: منتخب التواريخ -كلكتا - ١٨٦٨م
* علاء الدين عطا ملك الجويني: تاريخ جهانكشاي - ليدن - ١٩٣٧م
* غلام حسين سليم: رياض السلاطين أو تاريخ بنغالة - كلكتا - ١٨٩٠ , ١٨٩٨م
* غياث الدين بن همام الدين الحسيني: حبيب السير في أخبار أفراد البشر - طهران - ١٣٧٣هـ
* محمد قاسم هندوشاه - تاريخ فرشته - لكنو - ١٣٢٣هـ
стр. 497
الجزء الخامس
مصر والشام والجزيرة العربية
تأليف:
أ. د. عبد المقصود عبد الحميد باشا
أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية بجامعة الأزهر
الفصل الأول
*مصر فى عصر الولاة
[٢١ - ٢٥٤ هـ = ٦٤٢ - ٨٦٨ م] ..
أصبحت «مصر» بعد الفتح الإسلامى سنة (٢١هـ = ٦٤٢م) ولاية تابعة
للخلافة الإسلامية فى «المدينة المنورة»، ثم فى «دمشق»، ومن
بعدهما «بغداد» فترة قرنين وربع القرن تقريبًا، ثم حكمها
الطولونيون فأصبحت دولة مستقلة فى الفترة من سنة (٢٥٤هـ =
٨٦٨م] إلى سنة [٢٩٢هـ = ٩٠٥م].
أشهر ولاة مصر فى ذلك العصر:
-١عمرو بن العاص:
هو فاتح «مصر»، وأول والٍ عليها من قِبل الخليفة «عمر بن
الخطاب»، وكان واليًا عادلا، عمل على نشر الأمن والأمان فى ربوع
«مصر»، ومنح الأقباط الحرية الدينية التى افتقدوها قبل الفتح
الإسلامى، وأعاد البطريق «بنيامين» من منفاه فى «وادى النطرون»
إلى «كنيسة الإسكندرية»، لذلك أحبه المصريون.
قام «عمرو بن العاص» بالإصلاحات المالية والإدارية فى «مصر»،
واعتمد فيها على الأقباط من أهلها، فنعم المصريون -جميعًا- فى
ولايته بالحرية الدينية والحياة الكريمة.
تأسيس الفسطاط:
لم يقتصر دور «عمرو بن العاص» على الإصلاحات المالية والإدارية، بل
أسس مدينة «الفسطاط» (مصر القديمة حاليا)؛ لتكون عاصمة لمصر
الإسلامية بأمر من الخليفة «عمر بن الخطاب»، ثم أسس مسجده - الذى
لايزال يحمل اسمه حتى الآن - فى وسط تلك المدينة. وهو أول مسجد
فى قارة إفريقيا.
ومن أهم أعمال «عمرو بن العاص» حفر قناة تصل «النيل» بالبحر
الأحمر، بأمر من الخليفة «عمر بن الخطاب»، لتسهيل السفر والتجارة
بين «مصر» والجزيرة العربية، وكان اسم هذه القناة: «خليج أمير
المؤمنين».
وقد تولى «عمرو بن العاص» ولاية «مصر» مرتين، كانت الثانية من
سنة (٣٨هـ = ٦٥٨م) حتى سنة (٤٣هـ = ٦٦٣م).
٢ - مسلمة بن مخلد الأنصارى [٤٧ - ٦٢هـ = ٦٦٧ - ٦٨١م]:
والى «مصر» من قِبل الخليفة «معاوية بن أبى سفيان»، وكان من
خيرة الولاة فى حسن السياسة ونشر العدل، كما كان متسامحًا مع
стр. 498
الأقباط، وسمح لهم ببناء كنيسة فى مدينة «الفسطاط»، وقام بتجديد
مسجد «عمرو» وتوسعته، وشيد له المنارات لأول مرة.
٣ - عبدالعزيز بن مروان [٦٥ - ٨٦هـ = ٦٨٤ - ٧٠٥م]:
والى «مصر» من قِبل أبيه الخليفة «مروان بن الحكم»، واستمر فيها
حتى زمن خلافة أخيه «عبدالملك بن مروان»؛ لذا كانت فترة ولايته
أطول فترة فى عصر الولاة.
أوصاه أبوه حين ولاه «مصر» بوصية حكيمة، نصحه فيها بأن يحسن
إلى الناس، ويعمهم برعايته حتى يحبوه، فعمل بوصية أبيه؛ فكانت
فترة ولايته من أحسن الفترات فى حكم «مصر»، قام خلالها بالكثير
من الإصلاحات، أبرزها إنشاء مدينة «حلوان» سنة (٧٣هـ).
-٤ صالح بن على بن عبدالله بن عباس [١٣٣هـ = ٧٥٠م]:
من أشهر ولاة «مصر» فى العصر العباسى. أسس لمصر عاصمة
جديدة شمالى مدينة «الفسطاط» أسماها «مدينة العسكر» (منطقة
«السيدة زينب» الحالية)، كما أنه زاد فى «مسجد الفسطاط» زيادة
كبيرة.
ولى «مصر» مرتين، استمرت الأولى سنة واحدة، ثم وليها ثانية من
سنة (١٣٦ هـ = ٧٥٣م) حتى سنة (١٣٨هـ = ٧٥٥م).
-٥ الفضل بن صالح بن على [١٦٩هـ = ٧٨٥م]:
أحد الولاة العباسيين، أسس مسجدًا إلى جانب «دار الإدارة» بمدينة
العسكر، أصبح من المساجد الجامعة، وسمح للناس بالبناء حول
«مدينة العسكر»، فاتصل عمرانها بمدينة «الفسطاط».
٦ - موسى بن عيسى [١٧١هـ= ٧٨٧م]:
ولاه العباسيون إمرة «مصر» ثلاث مرات، كانت الأولى من سنة
(١٧١هـ) حتى سنة (١٧٣هـ)، والثانية من سنة (١٧٥هـ) حتى سنة
(١٧٦هـ)، والثالثة من سنة (١٧٩هـ) حتى سنة (١٨٠هـ)، وحظى خلالها
«موسى بن عيسى» بمحبة الناس واحترامهم، لحبه للخير والعدل،
وتسامحه مع الأقباط، فقد سمح لهم ببناء الكنائس.
-٧ عنبسة بن إسحاق [٢٣٨ - ٢٤٢هـ = ٨٥٢ - ٨٥٦م]:
من أشهر ولاة العصر العباسى، ومن أهم أعماله: إقامة التحصينات
فى «دمياط» و «تنِّيس»، بعد أن تعرضت لغارات الروم، وقد اشتهر
стр. 499
«عنبسة بن إسحاق» بالورع، وإقامة العدل بين الناس.
أهم الأحداث فى عهد الولاة:
أ - انتشار الإسلام فى مصر:
من الثابت أن كثيرًا من أقباط «مصر» دخلوا الإسلام قبل استكمال
الفتح الإسلامى لها، فى الوقت الذى كان «عمرو بن العاص» فى
طريقه إلى فتحها، وزاد إقبال المصريين على الدخول فى الدين
الإسلامى نتيجة السياسة الحسنة التى انتهجها الولاة المسلمون
معهم، فشعروا بالحرية، ونعموا بالتسامح الذى أشاعه المسلمون،
وأخذ الإسلام ينتشر تدريجيا بينهم، ولم يأتِ القرن الثالث الهجرى إلا
كان غالبيتهم يدينون بالدين الإسلامى بحرية تامة، ودون أى إكراه.
ب - انتشار اللغة العربية:
بدأ انتشار اللغة العربية فى «مصر» مع بداية الفتح الإسلامى لها،
وساعد على ذلك اختلاط المسلمين العرب بأهل «مصر» والتزوج
منهم، كما كان على مَنْ اعتنق الإسلام من المصريين أن يتعلم اللغة
العربية لمعرفة تعاليم دينه الجديد، ثم كان لتعريب الدواوين فى عهد
«عبدالملك بن مروان» الأثر الكبير والفعال فى انتشار اللغة العربية
فى «مصر»، فمن المعروف أن المسلمين قد عهدوا إلى المصريين
بالكثير من الأعمال الإدارية، كما أشركوهم فى إدارة البلاد، الأمر
الذى افتقده المصريون لفترات طويلة، وظلوا محرومين منه فى العهد
البيزنطى، فكان عليهم - حين عُرِّبت الإدارة- أن يجتهدوا فى تعلم
اللغة العربية ليحافظوا على وظائفهم ويحتفظوا بها، فتهيأت كل
الظروف لتصبح اللغة العربية لغة المصريين عربًا وأقباطًا على
السواء.
النظام الإدارى فى عهد الولاة:
وجد المسلمون بمصر - حين فتحوها - نظمًا إدارية رأوها صالحة؛ فلم
يغيروها، وتولَّوا الوظائف الرئيسية، وتركوا الوظائف الأخرى
للمصريين، فسعدوا بها، وأخلصوا للولاة المسلمين، فدل ذلك على
الوعى السياسى والإدارى لهؤلاء الولاة.
وكان الخليفة هو الذى يقوم بتعيين الخليفة أو الأمير، ويأمره بإمامة
стр. 500
المسلمين فى الصلاة إلى جانب مسئوليته السياسية والإدارية الكاملة
عن كل شئون «مصر»، وكذلك كان على الخليفة أن يحدد الوظائف
الكبرى واختصاصاتها، فجعل لقائد الجند مسئولية الجيش والدفاع
عن البلاد، ولصاحب الشرطة حفظ الأمن الداخلى وتنفيذ الأحكام،
وأوكل توصيل المكاتبات بين الولاية وعاصمة الخلافة لصاحب البريد،
ووضع الخليفة نظام رقابة إدارية لمتابعة الوالى وكبار الموظفين فى
أعمالهم، فإذا حدثت مخالفة ما من أحدهم وصل خبرها على الفور
إلى الخليفة، فلا يتردد فى معاقبة المخالف أيا كان منصبه. أما
صاحب الخراج فأوكلت إليه مسئولية الشئون المالية، ولصاحب
الحسبة مسئولية إزالة المنكرات، ومنع أى خروج على الآداب العامة،
وعليه مراقبة الأسواق، ومنع أى غش فى الكيل والميزان، أو فى
المصنوعات والمأكولات، وغيرها. وكان على القاضى أن يحكم بين
الناس بالعدل، وأن يقضى بين المتخاصمين طبقًا لشرع الله وشريعة
الإسلام.
بعض مظاهر الحضارة فى مصر فى عصر الولاة:
١ - العلوم الإسلامية:
كان جيش الفتح الإسلامى لمصر يضم عددًا من كبار الصحابة، وقد
استقر بعضهم بها بعد الفتح، فكانوا النواة الرئيسية للحركة العلمية
الإسلامية فيها، بما علموه للناس من تفسير وحديث وفقه ولغة .. إلخ.
وكان «عبدالله بن عمرو بن العاص» من أشهر الصحابة الذين صحبوا
جيش الفتح، ثم تلا جيلَ الصحابة جيلُ التابعين، واشتُهر منهم:
«يزيد بن أبى حبيب»، الذى عهد إليه الخليفة «عمر بن عبدالعزيز»
(٩٩ - ١٠١هـ) بالفُتيا فى «مصر»، فأقام بها، وتُوفِّى فيها سنة
(١٢٨هـ). و «عبدالله بن لهيعة»، الذى ولى القضاء من سنة (١٥٥هـ)
حتى وفاته سنة (١٦٢هـ)، ثم خرَّجت «مدرسة الدراسات الشرعية» فى
«مصر» إمامًا من كبار الأئمة فى الفقه هو «الليث بن سعد» المتوفى
سنة (١٧٥هـ). ثم يأتى الإمام «الشافعى» - من بعدهم - لزيارة «مصر»
فيقضى فيها الشطر الأخير من حياته حتى وفاته سنة (٢٠٤هـ)، تاركًا
стр. 501
خلفه جمهرة من تلاميذه، الذين عملوا على نشر مذهبه، ومنهم: «أبو
يعقوب يوسف البويطى»، و «الربيع بن سليمان الجيزى»
ومن أبرز أعلام «مدرسة الدراسات الشرعية» فى «مصر»، «عثمان
بن سعيد» (المعروف بورش)، وهو من أصل قبطى، برز ونبغ بصفة
خاصة فى علم القراءات، وتوفى سنة (١٩٧هـ).
٢ - علوم اللغة والتاريخ:
قامت إلى جانب «مدرسة الدراسات الشرعية» فى «مصر» مدارس للغة
العربية وآدابها، وأخرى لعلم التاريخ، وكان خير من مثَّل هاتين
المدرستين: «عبد الملك بن هشام»، صاحب كتاب «السيرة النبوية»
الشهير والمتوفى سنة (٢١٨هـ)، كما أن «ابن عبد الحكم»، صاحب
كتاب «فتوح مصر وأخبارها»، كان من أشهر مؤرخى «مصر» فى
ذلك الوقت، وقد تُوفِّى سنة (٢٥٧هـ).
-٣ العلوم الطبيعية:
قامت فى «مصر» أيضًا - إلى جانب ما سبق من مدارس - مدرسة
للعلوم الطبيعية، كالطب والكيمياء وغيرهما، ومن أشهر من اشتغلوا
بهذه العلوم:
» ابن أبجر الطيب»، والصوفى الشهير والفيلسوف والكيميائى «ذو
النون المصرى».
الإسلام فى الشام:
تم فتح الشام سنة (١٥هـ = ٦٣٦م) تقريبًا، فأصبحت - منذ ذلك الحين -
جزءًا رئيسيا من العالم الإسلامى، وكانت الصلة بينها وبين «مصر»
قوية ووثيقة بحكم الموقع، وقد تبعت هذه الولاية - فى البداية - مقر
الخلافة مباشرة، فتولى إمرتها فى عهد الخلفاء الراشدين: «يزيد بن
أبى سفيان»، ومن بعده أخوه «معاوية»، الذى أصبح خليفة
للمسلمين فى سنة (٤١هـ)، فاتخذ من «دمشق» عاصمة للخلافة،
فأصبحت الشام مركز العالم الإسلامى كله طوال العصر الأموى حتى
عام (١٣٢هـ)، وكان الخليفة نفسه هو الذى يحكم هذا الإقليم مباشرة
خلال تلك الفترة.
انتشار الإسلام واللغة العربية:
كان معظم سكان الشام - قبل الفتح الإسلامى - عربًا، ومع ذلك
قاوموا هذا الفتح فى البداية؛ لظنهم أن العرب القادمين جاءوا
ليستولوا على بلادهم وديارهم وأموالهم، كما فعل البيزنطيون من
стр. 502
قبل، ولكنهم مالبثوا أن فهموا طبيعة الإسلام، وأنه جاء ليحررهم من
الحكم البيزنطى البغيض، وأن الفاتحين لم يأتوا لاستغلالهم؛ فهم
أهلهم، وهدفهم لم يكن الاستيلاء، وإنما جاءوا لنشر الإسلام الذى
حمل لهم الخير، فرأوا العدل والحرية والمساواة التى تحلى بها الولاة
المسلمون فى حكمهم، فهرعوا إلى اعتناق الدين الجديد بمحض
إرادتهم، ومن أراد منهم البقاء على دينه -يهوديا كان أو نصرانيا-
كانت له الحرية فى ذلك دون إكراه، والدليل على ذلك بقاء عدد كبير
من المسيحيين بالشام حتى الآن.
وكانت جيوش الفتح الإسلامى تضم عددًا كبيرًا من الصحابة؛ الذين
قاموا بتعليم المسلمين الجدد تعاليم دينهم، كما أرسل الخليفة «عمر
بن الخطاب» عددًا آخر من كبار الصحابة إلى الشام للإقامة فيها،
لتفقيه الناس بأمور دينهم، ومن أبرز هؤلاء الصحابة الذين أسسوا
مدرسة الدراسات الشرعية فى الشام: «معاذ بن جبل»، و «أبو
الدرداء»، وقد ازدهرت ازدهارًا كبيرًا فى العصر الأموى، وكان من
أنجب رجالها: الإمام «الأوزاعى» المتوفَّى سنة (١٥٧هـ).
أما بالنسبة إلى اللغة العربية، فلم تكن هناك مشكلة؛ لأنها كانت لغة
السكان - أو معظمهم - قبل الفتح، ومع ذلك كانت اللغة اليونانية هى
اللغة الإدارية - فى البداية - ثم ما لبث أن تحولت إلى اللغة العربية.
стр. 503
الفصل الثاني
*الدولة الطولونية فى مصر والشام
[٢٥٤ - ٢٩٢ هـ = ٨٦٨ - ٩٠٥ م].
تنسب هذه الدولة إلى مؤسسها «طولون»، الذى ينحدر من أسرة
كان موطنها «بخارى» ببلاد «التركستان»، وفى سنة (٢٠٠هـ) وصل
«طولون» إلى «بغداد» إبان خلافة «المأمون» (١٩٨ - ٢١٨هـ)،
فأهدى بعض الرجال إلى الخليفة «المأمون»، الذى رأى فيه اتزانًا
فى الفكر وبسطة فى الجسم، فجعله رئيسًا لحرسه الخاص، فعلا نجم
طولون فى الدولة، ومهَّد لنفسه ولأسرته طريق السيادة والسلطة
فيها.
أمراء الدولة الطولونية:
أحمد بن طولون [٢٥٤ - ٢٧٢هـ = ٨٦٨ - ٨٨٥م].
وُلد «أحمد بن طولون» سنة (٢٢٠هـ = ٨٣٥م)، وعُنى أبوه بتربيته
عناية كبيرة، فعلَّمه الفنون العسكرية، وعلوم اللغة والدين، وتردد
على العلماء، وأخذ من معارفهم، وروى عنهم الأحاديث، فأصبح
موضع ثقة الخلفاء العباسيين لشجاعته وعلمه، وعمل تحت رعايتهم
فى خلافة «المتوكل» (٢٤٢ - ٢٤٧هـ)، و «المستعين» (٢٤٨ - ٢٥٢هـ)،
و «المعتز» (٢٥٢ - ٢٥٥هـ)، و «المعتمد» (٢٥٦ - ٢٧٩هـ).
فلما مات «طولون» سنة (٢٤٠هـ) عهد «المتوكل» إلى «أحمد بن
طولون» بما كان يتولاه أبوه من الأعمال، فأظهر كفاءة عالية،
وهمة نادرة، كما احتل مكانة بارزة فى قلوب رجال البلاط العباسى
حين حاولت جماعة من اللصوص الاستيلاء على قافلة كانت متجهة من
«طرسوس» إلى «سامراء» تحت قيادته، فتصدى لهم «ابن طولون»،
وأظهر كفاءة عسكرية فريدة، وتمكن من القضاء على هؤلاء
اللصوص، ونجا بقافلته، وعندما علم الخليفة بذلك ازداد إعجابًا به
وتقديرًا له.
أحمد بن طولون فى مصر ٢٥٤ ٢٧٢ هـ:
كان من عادة الخلفاء أن يعينوا ولاة للأقاليم الخاضعة لسلطانهم،
وكان هؤلاء الولاة يعينون من ينوب عنهم فى حكم هذه الولايات؛
رغبة منهم فى البقاء بالعاصمة؛ أملا فى الحصول على منصب أعلى
وخوفًا من المؤامرات.
وكانت «مصر» - آنذاك - تحت ولاية القائد التركى «باكباك» الذى
стр. 504
أناب «أحمد بن طولون» عنه فى حكم «مصر»، لما رآه من شجاعته
وإقدامه، وأمده بجيش كبير دخل به «أحمد بن طولون» «مصر» فى
(٢٣ من رمضان سنة ٢٥٤هـ). فلما تُوفى «باكباك» تولى مكانه القائد
التركى «بارجوخ»، فعهد إلى «أحمد بن طولون» بولاية «مصر»
كلها، فلما آل الأمر إلى «ابن طولون» فى حكم «مصر» واجهته
المصاعب والعقبات، وأشعل أصحاب المصالح فى «مصر» الثورات
حتى لا يتمكن «ابن طولون» من تنفيذ إصلاحاته التى عزم عليها،
ولكن «ابن طولون» تمكن من القضاء على كل العقبات والصعوبات
واحدة تلو الأخرى بكياسة وحزم، كما أخمد الثورات فى كل مكان،
ولم يكد يفعل ذلك حتى أعلن «أحمد بن المدبر» عامل الخراج على
«مصر» عن حقده على ابن طولون، وعمل على الوقيعة بينه وبين
الخليفة، ولكن «أحمد بن طولون» تمكن من كشف ذلك التدبير، وكتب
إلى الخليفة يطلب منه عزل عامل الخراج «ابن المدبر» وتعيين «محمد
بن هلال» مكانه، فوافق الخليفة على ذلك لثقته بابن طولون، وأمر
بعزل «ابن المدبر»، الذى رفض تسليم ما تحت يديه لمحمد بن هلال
عامل الخراج الجديد، فقبض عليه «أحمد بن طولون» وحبسه، وتخلص
بذلك من منافس قوى هدد كيان البلاد.
أحمد بن طولون والى الشام والجزيرة:
كان بالشام - بعد تولية «أحمد ابن طولون» «مصر» - ولاة يتبعون
الخلافة العباسية، ولكن اعتداءات البيزنطيين المتكررة على حدود
المسلمين بالشام جعلت الخليفة «المعتمد» يقوم بتكليف «أحمد بن
طولون» بالسير لمحاربة البيزنطيين سنة (٢٦٤هـ) فنفذ «ابن طولون»
الأمر، وانتصر على البيزنطيين، ومد سلطانه حتى «طرسوس» و «نهر
الفرات» و «دمشق»، فأقره الخليفة العباسى على حكم «مصر»
والشام والجزيرة العربية ومناطق الثغور، فظل مسيطرًا عليها
بشخصيته القوية ورجاحة عقله حتى وفاته سنة (٢٧٢هـ).
خمارويه بن أحمد بن طولون [٢٧٢ - ٢٨٢هـ = ٨٨٥ - ٨٩٥م].
بعد وفاة «أحمد بن طولون» خلفه ابنه «خمارويه»، فعمل على تذليل
стр. 505
العقبات التى واجهته كى تتوطد أركان دولته، وزوج ابنته «أسماء»
المعروفة بقطر الندى من الخليفة العباسى «المعتضد»، وقام
«خمارويه» بتجهيز ابنته، وغالى فى ذلك، مما أدى إلى إفلاس مالية
البلاد. وظل واليًا على «مصر» والشام والجزيرة حتى وفاته سنة
(٢٨٢هـ).
أولاد خمارويه وسقوط الدولة الطولونية:
بعد وفاة «خمارويه» سنة (٢٨٢هـ)، بدأت الدولة الطولونية فى
الانحلال، فتولَّى زمامها طائفة من أفراد البيت الطولونى، وكانت
تنقصهم الحنكة السياسية، وهم:
«أبو العساكر جيش بن خمارويه» (٢٨٢ - ٢٨٤هـ)، الذى خلعه الجند،
فتولَّى من بعده أخوه «أبو موسى هارون بن خمارويه» (٢٨٤ -
٢٩٢هـ)، وهو فى الرابعة عشرة من عمره، فازدادت البلاد ضعفًا
حتى مات، فتولى بعده عمه «شيبان»، إلا أن الجند رفضوا تعيينه،
وكان ذلك إيذانًا بزوال الدولة الطولونية، وعودة «مصر» والشام
والجزيرة إلى ولايات تابعة مباشرة للخلفاء العباسيين، بعد أن
استقلت منذ عهد «أحمد بن طلون».
علاقة مصر والشام بالخلافة العباسية فى عهد أحمد بن طولون:
كان خليفة المسلمين - إبان حكم «أحمد بن طولون» - هو الخليفة
«المعتمد»، ثم جاء من بعده أخوه «الموفق» الذى استطاع أن
يسيطر على الجيش، ويستبد بالسلطة فى خلافة أخيه «المعتمد».
وكانت علاقة «أحمد بن طولون» بالخليفة «المعتمد» طيبة وقوية
لدرجة أن الخليفة فكر فى نقل مقر الخلافة إلى «مصر» ليتمتع فيها
بقوة «أحمد بن طولون» وحمايته له، إلا أن «الموفق» علم بنية أخيه
فأعاده إلى «سامراء»، وكان لهذا الموقف أثره السيىء على علاقة
«الموفق» بأحمد بن طولون، وأضمر له العداوة، ثم ما لبث أن أعلن
عنها حين أرسل إلى «ابن طولون» يطلب منه أموالا كثيرة، فلم
يرسل إليه سوى مبلغ صغير، فأثار ذلك حفيظته وخرج لمحاربة «ابن
طولون»، ولكن هذه الحروب لم تدم طويلا، ولم تسفر عن شىء،
ولكن العلاقات بين «مصر» والشام والخلافة العباسية ظلت سيئة،
стр. 506
وظل الأمر على ذلك حتى تولَّى «خمارويه»، وعمل على إزالة أسباب
الخلاف، وزوج ابنته من الخليفة «المعتمد»، وعقد صلحًا مع
«الموفق»، فكان هذا الزواج سببًا من أسباب زوال العداء بين
الطولونيين والعباسيين، كذلك يدلنا هذا الزواج على حرص الخلافة
العباسية على كسب ود مصر والشام، لما تمثلانه من قوة.
مظاهر الحضارة فى الدولة الطولونية:
كان «أحمد بن طولون» مثلا عاليًا للحاكم العادل والوالى المصلح،
وكان عهده عهد سلام شامل، ورخاء تام، وفنون وآداب عالية
المستوى، وخلَّف «ابن طولون» آثارًا رائعة بقى منها جامعه الذى
مازال معروفًا باسمه حتى الآن.
ومن مظاهر الحضارة فى عهد الدولة الطولونية:
أ - إنشاء القطائع:
أقام «أحمد بن طولون» عاصمة خاصة به شمالى مدينة «الفسطاط»،
وبناها على نظام مدينة «سامراء» عاصمة الخلافة العباسية، وبنى
بها مستشفى عظيمًا، وقسم المدينة وجعل لكل من كبار رجاله
وقواده وغلمانه قطيعة خاصة به، وكذلك فعل مع أرباب الحرف
والصناعات والتجار، فسُميت المدينة «بالقطائع»؛ وهى ثالث عواصم
«مصر» بعد «الفسطاط» و «العسكر».
ب - جامع ابن طولون:
هو أحد مآثر الدولة الطولونية، فلايزال شاهد صدق على عظمة هذه
الدولة، ويقع بجهة «الصليبة» و «قلعة الكبش»، ويُعد أقدم بناء
إسلامى بقى على أصله حتى اليوم، والناظر إليه يرى مدى ما وصلت
إليه الفنون والعمارة الإسلامية من ازدهار، وتُعدُّ مئذنته من أقدم
المآذن التى لاتزال قائمة حتى اليوم.
ج - الجانب الاقتصادى:
بلغت عناية الطولونيين بالناحية الاقتصادية مبلغًا عظيمًا، ليضمنوا
لبلادهم الرخاء والاستقلال، خاصة بعد اتساع رقعة دولتهم وانضمام
الشام إلى «مصر» تحت إمرتهم، فشجعوا الصناعات وعملوا على
ازدهارها، كصناعة النسيج التى كانت أهم الصناعات فى هذا
العهد، وأقاموا مصانع للأسلحة، وتقدمت صناعة ورق البردى
وصناعة الصابون والسكر والخزف فى عهدهم، وظلت التجارة رائجة،
стр. 507
ونشطت فى «مصر» و «الشام» وذلك لموقعهما الفريد المتحكم فى
طرق التجارة، فأصبحتا حلقة اتصال بين تجارة الشرق والغرب، إلى
جانب ما كانتا تحصِّلانه من ضرائب جمركية على البضائع التى تمر
بهما.
كما اهتم الطولونيون بالزراعة، واعتنوا بتطهير «نهر النيل»،
وأقاموا الجسور، وشقوا الترع، وشجع «أحمد بن طولون» الفلاحين
على امتلاك الأراضى، وخصص لذلك ديوانًا أسماه: «ديوان الأملاك»،
كما قلل من الضرائب، وأصلح «مقياس الروضة»، وأنشأ القناطر،
وحفر الآبار فى الصحراء حين علم بما يعانيه الناس فى هذه المناطق
فى الحصول على الماء، فتقدمت الزراعة فى عهده ونشطت، كما
تقدمت الصناعة والتجارة، وبلغت مالية «مصر» و «الشام» فى عهده
مبلغًا عظيمًا، فكثرت الإنشاءات العظيمة، مثل «الحصن المنيع» الذى
بناه «أحمد بن طولون»، ليكون مأوى له إذا ما حاق به خطر، وقد
تكلفت هذه المشروعات العظيمة أموالا طائلة، تدل على تحسن
الأحوال المالية والاقتصادية فى هذا العهد، وعاش الناس فى رخاء
وسعة.
د - الناحية الاجتماعية:
يبدو أن الأتراك قد حظوا بمكانة عظيمة فى عهد الطولونيين،
وشاركهم فى ذلك طبقة الأشراف؛ التى نالت احترام الشعب والأمراء،
وإلى جانبهم كانت تعيش طبقة الأغنياء من كبار التجار وكبار الملاك.
أما عامة الشعب فقد تحسنت أحوالهم نتيجة استقرار الأوضاع،
واهتمام الحاكم بشئونهم، وحرصه على إقامة العدل بينهم؛ لدرجة أن
«أحمد ابن طولون» تولَّى القضاء بنفسه فى فترة من الفترات،
وعامل أهل الذمة معاملة كريمة طيبة، جعلتهم يقبلون على أعمالهم
بشغف واطمئنان. واهتم الطولونيون بإحياء الأعياد الإسلامية كعيدى
«الفطر» و «الأضحى»، كما اهتموا أيضًا بإحياء الأعياد المسيحية
كعيد الميلاد، وكانت ألعاب الفروسية التى أولاها الطولونيون
عنايتهم من أهم مظاهر الترفيه فى هذه الأعياد.
حكمت الدولة الطولونية زهاء ثمانٍ وثلاثين سنة، انتعشت فيها البلاد،
стр. 508
واستردت قوتها وعظمتها، وراجت التجارة ونشطت الزراعة
والصناعة، وقوى الجيش وأُنشئ له أسطول بحرى، فأصبحت الدولة
الطولونية إمبراطورية تمتد من «العراق» إلى بلاد «برقة» بما فى ذلك
«آسيا الصغرى» و «الشام» و «فلسطين»، وكان عهد هذه الدولة عهد
نهوض بفنون العمارة والزخرفة والنقش، كما كان عهد سلام ورخاء
وعناية بالمرضى والضعفاء، وفيه نال العلم والعلماء تشجيعًا جعل
«المقريزى» يذكر فى خططه عن القاضى «أبى عمرو النابلسى»،
أنه رأى كتابًا لا يقل فى حجمه عن اثنتى عشرة كراسة، يحوى
فهرست شعراء «أحمد بن طولون»، فإذا كانت أسماء الشعراء فى
اثنتى عشرة كراسة، فكم يكون شعرهم؟. فلا عجب إذن إذا رثى
الشعراء - بعد ذلك - هذه الأسرة، وتذكروا أيامها بالحزن والألم
والحسرة، فيكفيها فخرًا أنها الواضعة لأساس مدنيات الأسر التى
تلتها فى حكم «مصر»، خاصة المماليك والفاطميين.
النظام الإدارى فى عهد الطولونيين:
قُسِّمت «مصر» فى عهد الدولة الطولونية إلى كور، كان على رأس
كل منها حاكم يُسمَّى: «صاحب الكورة» - هو بمثابة المدير حاليا -
وتعهد إليه إمامة الناس فى الصلاة بالمساجد الرئيسية التى توجد فى
عاصمة مديريته.
وكانت «مصر» تنقسم إلى ثلاثة أقسام هى: «مصر العليا»، و «مصر
الوسطى»، و «مصر السفلى»، وكثيرًا ما قام «ابن طولون» ومن بعده
ابنه «خمارويه» بالتفتيش على تلك الأقسام الإدارية المختلفة
بنفسيهما؛ لاستطلاع أحوال الأمن فيها، والاطمئنان على أمور
الرعية، ولحث الحكام على العناية بأقاليمهم، وتنفيذ سياسة الدولة
التى تهدف إلى رعاية المصالح العامة للرعية.
الشرطة:
وكان نظام الشرطة فى الدولة الطولونية ينقسم إلى قسمين، أولهما:
«الشرطة الفوقانية»، والثانى: «الشرطة السفلانية»، أو «الشرطة
العليا»، و «الشرطة السفلى»، ولم تقتصر سلطة صاحب الشرطة على
تنفيذ الأوامر، والمحافظة على النظام؛ بل كانت له اختصاصات
стр. 509
قضائية، وكان يُعيَّن من قِبل الوالى، ويكون مقره عاصمة الولاية:
وانحصرت اختصاصات «الشرطة العليا» فى النظر فى أحوال الطبقة
العليا من القادة والعلماء والعظماء، أما «الشرطة السفلى» فكانت
تختص بإقامة العدل، وتوطيد الأمن بين عامة الناس، ولذلك تحقق
العدل فى عهد الطولونيين.
البريد:
كان لابن طولون صاحب بريد يتخذ له مساعدين يمثلونه فى مختلف
كور «مصر»، وكانت مهمة صاحب البريد الرئيسية أن يدرس من كثب
أحوال الأقاليم، ثم يقدم بها التقارير إلى الوالى؛ ليتعرف كل ما
يحدث فى البلاد.
واتخذ «ابن طولون» كاتبًا للإنشاء والمراسلات، فكانت مهمته تحرير
الكتب التى يرسلها الوالى إلى غيره من الملوك والأمراء، وما يترتب
على ذلك من رسائل يتبادلونها فيما بينهم. وإلى جانب وظيفة كاتب
الإنشاء كانت توجد وظيفة كاتب السر - بمثابة السكرتير الخاص -
ومهمته تدوين كل ما يجرى فى حضرة الأمير فى محضر الجلسة،
سواء كان الحضور من الوفود أو من كبار العلماء، أو من أصحاب
الظلامات الذين حظوا بعرضها على الأمير؛ فكانت هذه الوظيفة تتطلَّب
السرعة مع الدقة التامة، والهمة والنشاط واليقظة.
الحاجب:
أنشىء نظام الحجابة على عهد البلاط الطولونى - وهى وظيفة مهمة
تشبه وظيفة كبير الأمناء الآن- وكان الكثيرون يحملون هذا اللقب فى
بلاط «ابن طولون»، ولم يتولَّ أحدهم منصب كبير الحجاب إلا فى عهد
«هارون ابن خمارويه»؛ حيث تولى هذه المكانة «نسيم الخادم» فى
عهد «أحمد بن طولون»، وإن لم يُلقَّب به رسميا، واعتمد عليه «ابن
طولون» فى مهامه مع البلاط العباسى، فكان «نسيم الخادم» يقوم
بها على خير وجه.
مصر والشام بعد الدولة الطولونية:
عادت «مصر» والشام ولايتين تابعتين للخلافة العباسية بعد انتهاء
الدولة الطولونية، وظلتا كذلك إحدى وثلاثين سنة، حتى قامت دولة
الإخشيديين، فاستقلت بهما من جديد، وتولَّى «مصر» خلال هذه
стр. 510
الفترة «محمد بن سليمان»، وبقى عليها أربعة أشهر، ثم خلفه عليها
«عيسى النوشرى» ((٢٩٢ - ٢٩٧، ومن بعده «أبو منصور تكين»
(٢٩٧ - ٣٠٢هـ)، وظلت «مصر» دون تطور ملموس فى الفترة ما بين
حكم الطولونيين، وحكم الإخشيديين الذين ما إن تولوا حكم «مصر»
والشام حتى دخلت البلاد فى دور جديد من أدوار التقدم والعمران.
وفى عهد «أبى منصور تكين» والى «مصر» حدث أول احتكاك
حربى بين «مصر» و «المغرب»، وتوالت بعد ذلك حملات الفاطميين
على «مصر».
стр. 511
الفصل الثالث
*الدولة الإخشيدية
[٣٢٣ - ٣٥٨ هـ = ٩٣٥ - ٩٦٩ م].
الولاة الإخشيديون:
١ - «أبو بكر محمد بن طغج الإخشيدى» [٣٢٣ - ٣٣٤هـ = ٩٣٥ -
٩٤٦م].
٢ - «أبو القاسم أنوجور بن الإخشيد» [٣٣٤ - ٣٤٩هـ = ٩٤٦ - ٩٦٠م].
٣ - «أبو الحسن على بن الإخشيد» [٣٤٩ - ٣٥٥ هـ = ٩٦٠ - ٩٦٦م].
٤ - «أبو المسك كافور الإخشيدى» [٣٥٥ - ٣٥٧هـ = ٩٦٦ - ٩٦٨م].
٥ - «أبو الفوارس أحمد بن على» [٣٥٧ - ٣٥٨ هـ = ٩٦٨ - ٩٦٩م].
وجميع هؤلاء الولاة من الأسرة الإخشيدية، ماعدا «كافوراً» الذى
انتسب إليهم.
١ - «محمد بن طغج الإخشيد» [٣٢٣ - ٣٣٤هـ]:
هو «محمد بن أبى بكر بن طغج (معناها فى التركية: عبدالرحمن) بن
جق»، أحد أبناء ملوك «فرغانة» ببلاد «ما وراء النهر»، وكان
الملوك فى هذه البلاد يتخذون من لفظة «الإخشيد» لقبًا لهم، فأطلق
هذا اللقب على «محمد بن طغج»، وتسمت به دولته، وعُرفَت باسم
«الدولة الإخشيدية».
اتصل «جق» جد «الإخشيد» بالخلفاء العباسيين، أما «طغج» والده؛
فقد كان على درجة عظيمة من الثراء وسعة العيش، واتصل بخدمة
الطولونيين فى عهد «خمارويه»؛ الذى ولاه على «دمشق»
و «طبرية»، فلما سقطت الدولة الطولونية، تولَّى «محمد ابن طغج»
ولاية «دمشق»، ثم أُضيفت إليه ولاية «مصر»، ولكنه أناب عنه من
يحكمها، ولم يغادر «دمشق»، ولكن محاولات الفاطميين للسيطرة
على «مصر» جعلت الخليفة العباسى «الراضى» يطلب من «ابن طغج»
أن يقوم بنفسه على حكم «مصر» والشام، حتى يُوقِف الزحف
الفاطمى، ويعيد الاستقرار والأمان إلى الولايتين.
الإخشيد فى مصر:
جاء «محمد بن طغج» سنة (٣٢٣هـ)، وبدأ يؤسس دعائم دولته الكبرى
بها، وضُمت إلىه «الحجاز» - التى ظلت مرتبطة بمصر عدة قرون بعد
ذلك - كما حصل من الخليفة سنة (٣٢٣هـ) على حق توريث حكم البلاد
التى تحت يده لأسرته من بعده، فأصبحت هذه الولايات فى عداد
الدول المستقلة.
بذل «محمد بن طغج» جهودًا كبيرة فى إعادة الاستقرار والأمان إلى
стр. 512
بلاده، واستطاع بكفاءته وذكائه أن يتغلب على العواقب التى
صادفته كافة، وأخذت «مصر» والشام و «الحجاز» تستعيد مكانتها
ثانية، بعد أن استطاع «ابن طغج» رد الفاطميين وإيقاف زحفهم على
«مصر»، فحاول الفاطميون استمالته إلى جانبهم، ولكنه رفض، وظل
وفيا للخلافة العباسية، واستطاع فى مدة قصيرة أن يبسط سلطانه
على «مصر» والشام، وأعاد إليهما النظام، وعرف كيف يسوس الناس
فيهما، فعاش حياته عزيزًا كريمًا. فلما شعر بدنو أجله عهد إلى ابنه
«أبى القاسم أنوجور» بالحكم من بعده، وجعل «كافورًا» وصيا عليه
لأن «أنوجور» كان فى ذلك الوقت صغيرًا، ومات الإخشيد بدمشق
سنة (٣٣٤هـ = ٩٤٦م).
كافور وأولاد الإخشيد:
[٣٣٤ - ٣٥٧هـ = ٩٤٦ - ٩٦٨م]:.
كافور:
وُلد «كافور» بين سنتى (٢٩١ و٣٠٨هـ) فلم تُحدَّد سنة ولادته تحديدًا
دقيقًا - وكانت كنيته «أبا المسك»، وبدأ حياته مملوكًا بسيطًا،
اشتراه «محمد بن طغج» من رجل يُدعَى «محمود بن وهب»، وتوسَّم
فيه «الإخشيد» الذكاء، فاحتفظ به ورباه فى بيته تربية عالية، فلما
رآه يتقدم ازداد إعجابه به واختصه من بين عبيده وأولاه ثقته
وأعتقه، وأخذ يرقيه فى بلاطه حتى جعله من كبار قواده؛ لما يتمتع
به من ذكاء وصفات طيبة، وبعثه قائدًا أعلى على رأس جيوشه
لمحاربة أعداء الدولة، وعهد إليه بتربية ولديه «أبى القاسم أنوجور»
و «أبى الحسن على»، كما عهد إليه بأن يكون وصيا عليهما فى
الحكم من بعده.
وصاية كافور على أنوجور وأبى الحسن:
عندما تولَّى «أنوجور» حكم «مصر» سنة (٣٣٤هـ) كان لايزال طفلا
صغيرًا لا يتجاوز الرابعة عشرة من عمره، فقام «كافور» بتدبير
أموره وأمور الدولة، وبقيت علاقتهما - كما كانت - علاقة الأستاذ
بتلميذه، وأصبح «كافور» صاحب السلطان المطلق فى إدارة الدولة
الإخشيدية، واستطاع التغلب على المشاكل التى قابلت الدولة فى
مستهل ولاية «أنوجور»، وتمكن من القبض على زمام الأمور بيده،
стр. 513
وخاطبه الناس بالأستاذ، وذُكِرَ اسمه فى الخطبة، ودُعى له على
المنابر فى «مصر» والبلاد التابعة لها، كما عامل رؤساء الجند وكبار
الموظفين معاملة حسنة، فاكتسب محبتهم واحترامهم، فلما كبر
«أنوجور» شعر بحرمانه من سلطته، فظهرت الوحشة بينه وبين
أستاذه «كافور»، وحاول البعض أن يوقع بينهما، وطلبوا من
«أنوجور» أن يقوم بمحاربة «كافور»، فلما علمت أم «أنوجور» بذلك
خافت عليه، وعملت على الصلح بينه وبين «كافور»، وما لبث
«أنوجور» أن مات سنة (٣٤٩هـ).
ولاية كافور على مصر [٣٥٥ - ٣٥٧هـ].
كان ولى عهد «أنوجور» فى الحكم ولدًا صغيرًا هو «أحمد بن أبى
الحسن على»، فحال «كافور» دون توليته بحجة صغر سنه،
واستصدر كتابًا من الخليفة العباسى يقره فيه على توليته «مصر»
سنة (٣٥٥هـ) بدلا من هذا الطفل الصغير، فتولى «كافور» «مصر» وما
يليها من البلاد ولم يغير لقبه «الأستاذ»، ودُعِى له على المنابر بعد
الخليفة.
ويصفه المؤرخ «أبو المحاسن» بقوله: «كان كافور يُدنى الشعراء
ويجيزهم، وكانت تُقرأ عنده فى كل ليلة السير، وأخبار الدولة
الأموية والعباسية، وله ندماء، وكان عظيم الحرمة، وله حُجَّاب، وله
جوارٍ مغنيات، وله من الغلمان الروم ما يتجاوز الوصف، وقد زاد ملكه
على ملك مولاه «الإخشيد»، وكان كثير الخلع والهبات، خبيرًا
بالسياسة، فطنًا ذكيا، جيد العقل».
مات كافور سنة (٣٥٧هـ)، فاختار الجند - بعد وفاته - «أبا الفوارس
أحمد بن على بن الإخشيد» واليًا على «مصر» وما حولها، وكان طفلا
لم يبلغ الحادية عشرة من العمر، فلم تستقر البلاد فى عهده حتى
دخلها الفاطميون سنة (٣٥٨هـ).
علاقة الدولة الإخشيدية بالخلافة العباسية:
كانت علاقة «الإخشيد» بمركز الخلافة العباسية علاقة طيبة فى
بادئ الأمر، إلا أن «ابن رائق» أمير الأمراء كانت له الغلبة فى مركز
الخلافة، وحنق على «الإخشيد»، وحاول أن يستولى منه على
стр. 514
«مصر» والشام، ولكن صلحًا تم بينهما أمام الخليفة الذى أقر
«الإخشيد» على ما تحت يديه من ولايات، وكان الخليفة «المتقى»
على صلة طيبة بالإخشيد، وعزم على نقل مقر الخلافة إلى «مصر»،
للتخلص من نفوذ الأتراك، ولكن ذلك لم يتحقق، فعمل الخليفة
العباسى على تقوية جانب «الإخشيد» ماديا وأدبيا، ليلجأ إليه عند
الحاجة، ومد سلطانه وولاه «مكة» و «المدينة» إلى جانب «مصر»
والشام، كما جعل هذه الولاية له ولأولاده من بعده مدة ثلاثين عامًا.
أما علاقة «كافور» بالخلافة العباسية فكانت علاقة وئام ووداد،
واتضحت هذه العلاقة حين سار «كافور» بابنى «الإخشيد»:
«أنوجور» و «على» إلى «بغداد»؛ لتجديد ولاء الإخشيديين للخلافة
العباسية، غير أن «كافور» سمح -فى عهده - لدعاة الفاطميين
بدخول «مصر» والدعوة لمذهبهم فيها، فهيأ بذلك الظروف لدخول
الفاطميين «مصر» سنة (٣٥٨هـ).
الجوانب الحضارية للعهد الإخشيدى:
كان الاتجاه الحضارى فى العهد الإخشيدى شديد الشبه بالاتجاه
الحضارى فى العصر الطولونى؛ لقرب الصلة الزمنية بين العهدين،
وتميزت حضارة الإخشيديين بزيادة العمران بالفسطاط ومدِّ ضواحيها،
وتشييد القصور وإقامة البساتين الجميلة، كما كان «ضرب السَّكَّة»
من مظاهر الاستقلال فى العهد الإخشيدى، فقد ضربوا السكة وجعلوا
عليها أسماء الإخشيديين إلى جانب الخليفة، وفى عهدهم ظهر
منصب «الوزارة» رسميا، لأول مرة فى «مصر» منذ الفتح الإسلامى
لها، وكان «أبو الفتح الفضل بن جعفر بن الفرات» أول من تولى هذا
المنصب حتى وفاته سنة (٣٢٧هـ)، ثم من بعده ابنه «جعفر»، الذى
ظل يشغل هذا المنصب حتى نهاية الدولة الإخشيدية، وكذلك كان
منصب «الحاجب» من المناصب التى ظهرت أهميتها فى البلاط
الإخشيدى، وقد أولى الإخشيديون القضاء عنايتهم، وكان من أشهر
قضاتهم: «محمد ابن بدر الصيرفى» و «الحسين بن أبى زرعة
الدمشقى»، وكان «عمر ابن الحسن الهاشمى» من أشهر القضاة فى
стр. 515
عهد «كافور»، وكذلك «أبو طاهر الزهلى» الذى ظل على قضاء
«مصر» حتى دخلها الفاطميون.
لعل من أبرز مآثر «الإخشيد» أنه كان يجلس للنظر فى المظالم يوم
الأربعاء من كل أسبوع، وحذا «كافور» حذوه فى ذلك، كما أن
«الإخشيد» كان ذا عزيمة، فقد أعد جيشًا قويا بلغ أربعمائة جندى
فيما عدا حرسه الخاص، فنعمت البلاد بالرخاء والثراء خلال هذا العهد
الذى لم يبخل فيه «الإخشيد» بأى مال أو معونة، وأنعم على الفقراء
وقدم لهم المساعدات، ومضى «كافور» على نفس الدرب، ويُروَى عنه
أنه كان يعمل على إسعاد الفقراء وخاصة فى الأعياد، وكان يخرج
من ماله يوم عيد الأضحى حمل بغل ذهبًا، وكشوفًا بأسماء
المحتاجين، وينيب عنه من يمر عليهم ويعطى كلا منهم نصيبه.
العلم:
كان للعلم والأدب دولة ذات شأن فى بلاط الإخشيديين، ونبغ فى
عهدهم عدد كبير من العلماء منهم: «أبو إسحاق المروزى» المتوفَّى
سنة (٣٤٠هـ) أحد الأئمة المعروفين بسعة معارفهم وكثرة مؤلفاتهم،
و «على بن عبدالله المعافرى» قاضى «الإسكندرية» المتوفى سنة
(٣٣٩هـ)، ومن المحدثين: «الحسن بن رشيق المصرى» المتوفَّى سنة
(٣٧٠هـ) ومن النحاة: «أحمد بن محمد بن الوليد التميمى المصرى»،
ومن المؤرخين: «أبو عمرو الكندى»، ومن الشعراء: «المتنبى»،
وغيره كثيرون، وكان لهؤلاء العلماء أثر كبير فى الحياة الحضارية
والعلمية فى «مصر»، فقد عملوا على شرح علومهم وتبسيطها
للناس، فزاد عدد المتعلمين، وارتفع مستوى التفكير والفهم لدى
الناس خلال هذه الفترة من حكم الإخشيديين.
الإصلاحات:
اهتم الإخشيديون بالبناء والإصلاح، ولكن معظم ما أقاموه قد زال،
ولم يبق منه سوى الاسم فقط.
قام «الإخشيد» بالكثير من مشروعات الإصلاح، فتحسنت أحوال البلاد
الاقتصادية، ونهضت نهضة قوية أدهشت المؤرخ الشهير «أبا الحسن
على المسعودى»، الذى زار «مصر» فى عهد «الإخشيد»، وأُعجب
بما أقامه «الإخشيد»، ووصف نظام الرى، وجبر الخليج، وقطع
стр. 516
السدود، وليلة الغطاس فى ذلك العصر، الذى نعمت فيه البلاد بالأمن
والأمان فى ظل قيادة قوية، تخاف عليها وتحميها، يدعمها جيش
قوى وأسطول حديث، فتقدمت البلاد خطوات واسعة فى مجالات
الحضارة.
- الإدارة فى العهد الإخشيدى:
الوزير:
يُعدُّ الوزير هو الرئيس الأعلى للسلطة الإدارية فى نظام الخلافة، ولم
يظهر هذا المنصب فى «مصر» زمن الخلفاء الراشدين والأمويين، حيث
اكتفى هؤلاء بإرسال ولاة الأقاليم لإدارة شئونها.
عُرفت الوزارة فى «مصر» -لأول مرة - فى عهد الإخشيديين، وأبرز
من تقلد هذا المنصب - آنذاك - هو «أبو الفتح الفضل بن جعفر بن
الفرات»، ولم يكن تعيينه بهذا المنصب من قِبل «الإخشيد»، وإنما جاء
من الخليفة العباسى «الراضى» الذى منحه سلطات واسعة، فكان
لهذا الوزير أثر كبير فى مجرى الحوادث فى «مصر» فى العصر
الإخشيدى، وارتبط بالإخشيد وصاهره، وكانت العلاقة بينهما قائمة
على أساس وطيد من المودة والمحبة، لدرجة أن «الإخشيد» كان
يخرج فى وداعه إذا ما غادر البلاد، واستقباله إذا ما عاد إليها،
ومات الفضل فى «الرملة» بالشام سنة (٣٢٧هـ)، فحزن عليه
«الإخشيد» حزنًا بالغًا، وتأثر الخليفة «الراضى» تأثرًا عميقًا بوفاته.
ويُعدُّ ظهور منصب الوزير فى عهد الإخشيديين تطورًا يُحسَب لهم فى
نظام الإدارة، فكان الوزير يحضر مجلس «الإخشيد» الذى يعقَده يوم
الأربعاء من كل أسبوع للرد على المظالم والشكايات، وكذلك كان
يحضره القضاة والفقهاء والشهود وأعيان البلاد، وظل هذا المجلس
يُعقد فى عهد «كافور» الذى كان يمضى على درب «محمد بن طغج
الإخشيد».
стр. 517
الفصل الرابع
*الدولة الفاطمية
(٣٥٨ هـ - ٥٦٧ هـ).
الخلفاء الفاطميون:
١ - عبيد الله المهدى.
٢ - القائم.
٣ - المنصور.
٤ - المعز.
٥ - العزيز.
٦ - الحاكم.
٧ - الظاهر.
٨ - المستنصر.
٩ - المستعلى.
١٠ - الآمر.
١١ - الحافظ.
١٢ - الظافر.
١٣ - الفائز.
١٤ - العاضد.
أصل الشيعة الفاطمية:
قامت الدولة الفاطمية على المذهب الإسماعيلى الشيعى القائل بالنص
والتعيين، ويقصرون خلافة الرسول ﷺ الروحية
والزمنية على ذرية الإمام «على» - رضى الله عنه - مستندين فى ذلك
إلى حديث «غديرخم» الشهير، وقد لجأت الإسماعيلية بعد وفاة
إمامهم «إسماعيل بن جعفر» إلى الاختفاء والعمل السرى، فقد
افترق أشياع «جعفر الصادق» بعد وفاته إلى فرقتين، ولت الأولى
ابنه «موسى الكاظم» إمامًا، وولت الثانية ابنه «إسماعيل» إمامًا،
فعُرِفَت الفرقة الأولى بالإمامية أو الاثنا عشرية؛ لأنها سلسلت الإمامة
حتى الإمام الثانى عشر «محمد» المُلقب بالمهدى المنتظر ابن الحسن
العسكرى ابن على الهادى ابن محمد الجواد بن على الرضا بن
موسى الكاظم، وعُرفت الفرقة الثانية بالإمامية الإسماعيلية؛ لأنهم
أبقوا الإمامة فى ذرية «إسماعيل بن جعفر»، ثم من بعده ابنه
«محمد»، فابنه «جعفر الصادق»، فابنه «محمد الحبيب»، فابنه
«عبيدالله المهدى» مؤسس الدولة الفاطمية.
دخول الفاطميين مصر:
جانب التوفيق الحملات الثلاث التى أُرسلت من قبل الفاطميين لفتح
«مصر» فى عهد أسلاف «المعز»، ولكن الوضع العام فى المشرق
كان ينبئ بنجاح الحملة الرابعة، للضعف الذى حلّ بدار الخلافة فى
«بغداد»، وكذلك ما وصلت إليه حال «مصر» من ضعف وبؤس وشقاء
فى أواخر عهد «كافور»، كما كان لانخفاض النيل الذى استمر تسع
سنوات أثر كبير فى انتشار الوباء والقحط فيها، فلم تستطع «مصر»
مواجهة الغزاة، كما عجزت -بعد «كافور» - عن صد هجوم ملك
«النوبة» من الجنوب، وثار الجند لعدم دفع رواتبهم، ونشط جواسيس
стр. 518
«المعز»، وتوغلوا فى البلاد لنشر المذهب الشيعى، فمال الكثيرون
إلى مذهبهم، وبعث «المعز» رسله إلى «كافور» مُرهِّبة مرة ومُرغِّبة
أخرى للتأثير عليه، وكان استقرار بلاد المغرب ورسوخ أقدام
الفاطميين فيه، وتنظيمهم الدقيق للأمن والإدارة، وحسن إعدادهم
للجيوش والقادة سبب نجاح حملتهم الرابعة على «مصر».
سار «جوهر الصقلِّى» قائد جيوش «المعز» إلى «مصر» فى ربيع
الأول سنة (٣٥٨هـ)، بعد أن خرج «المعز» لوداعه، وأمر أهله بالترجل
أمام قائده وهو راكب، كما أمر واليه على «طرابلس» أن يسير فى
ركاب «جوهر» ويقبِّل يده، فكبر ذلك على والى «طرابلس»، وأراد
أن يعفى نفسه من ذلك مقابل مائة ألف دينار ذهبًا يعطيها لجوهر،
ولكن «جوهر» رفض هذه الأموال ومضى بجيشه الذى كان يضم مائة
ألف جندى حاملا معه أموالا طائلة قيل إنها بلغت ألفًا ومائتى
صندوق حملها على ظهور الجمال، وحين خرج «المعز» لوداع
«جوهر» والجيش بمنطقة «رقادة» قال لمن كانوا معه: «والله لو خرج
جوهر وحده لفتح مصر». فكان لهذه العبارة أثرها الكبير فى نفس
«جوهر»، وكانت له حافزًا على تحقيق ما خرج من أجله.
وصل «جوهر» إلى «مصر»، وحط رحاله بالإسكندرية التى فتحت
أبوابها من غير مقاومة، فعامل «جوهر» أهلها بالحسنى ووسَّع لهم
فى أرزاقهم، فكان لذلك أثره الطيب فى نفوس الأهالى، كما كان
للنظام الذى ظهر به الجيش، وطاعته لقائده أثره الكبير فى نفوسهم،
فرحبوا بالقائد الجديد.
بلغ أهل «الفسطاط» نبأ استيلاء الفاطميين على «الإسكندرية»،
فندبوا الوزير «جعفر بن الفرات» للذهاب إلى «الإسكندرية» ومقابلة
«جوهر»، فأناب الوزير عنه «أبا جعفر مسلم بن عبدالله الحسينى»
أحد الأشراف العلويين وبرفقته وفد كبير من العلماء والقضاة
والأعيان، وتقابل الوفد مع «جوهر» فى «تروجة» - مكان بالقرب من
«الإسكندرية» - وهنأه الشريف العلوى بالفتح، فقال «جوهر»:
«التهنئة للشريف بما هنأ».
стр. 519
طلب الوفد من «جوهر» العهد بإطلاق الحرية المذهبية للمصريين على
اختلاف مذاهبهم وأديانهم، وأن يتعهد بنشر العدل والطمأنينة فى
النفوس، وأن يقوم بإصلاح مرافق البلاد.
حينما اقترب «جوهر» من «الفسطاط» أراد بعض الإخشيديين وأنصار
الوالى - الذين خافوا على نفوذهم من دخول الفاطميين - منعه من
دخول «الفسطاط»، ودارت بينهما مناوشات توسط بعدها الشريف
العلوى «أبو جعفر مسلم» عند «جوهر»، فقبل شفاعته، وعبر الجنود
«نهر النيل»، وطاف صاحب الشرطة فى «الفسطاط» ليعطى الأمان
للناس من جديد، وكان يحمل علمًا عليه اسم «المعز لدين الله».
وفى (١٧ من شعبان سنة ٣٥٨هـ) خرج الأعيان والأهالى لتهنئة
«جوهر»، فوجدوه قد حفر أساس قصر «المعز»، ورسم الخطوط
الرئيسية لمدينة «القاهرة»، فلما علم «المعز» بذلك سُرَّ سرورًا
عظيمًا، ولم يلبث الفاطميون فى «مصر» طويلا حتى امتدت دولتهم من
«مصر» شرقًا إلى المحيط الأطلنطى غربًا، وتحقق حلمهم فى
الاستيلاء على «مصر» واتخاذها حاضرة لخلافتهم الشيعية الفتية،
فأخذوا بذلك الخطوة الأولى لمد نفوذهم إلى الشام و «الحجاز» تمهيدًا
للاستيلاء على «بغداد».
سياسة جوهر فى مصر:
عمل «جوهر» على نشر العدل بين أهل «مصر»، وأمَّنهم على
ممتلكاتهم، وجلس للبت فى المظالم بنفسه رغم شواغله، فرد الحقوق
إلى أصحابها، وضرب بيد من حديد على أيدى العابثين بالنظام حتى
إذا كانوا من خاصته؛ لدرجة أنه عاقب بعض المغاربة بالقتل على إثم
كبير اقترفوه، كما برهن «جوهر» على حسن سياسته حين لجأ إلى
الوسائل السلمية لنشر المذهب الفاطمى، ولم يفرضه كرهًا، واتخذ من
المساجد مدارس يتلقى فيها الناس أصول مذهبه الشيعى، وذكر اسم
الخليفة الفاطمى فى خطبة الجمعة وأسقط اسم الخليفة العباسى،
فكان ذلك إيذانًا بزوال النفوذ العباسى، وزوال ملك الإخشيديين.
حكم «جوهر» «مصر» أربع سنوات هى من أصعب الفترات وأخطرها،
стр. 520
حيث تم فيها إقامة معالم دولة وتشييدها على أنقاض دولة أخرى؛
فإلى «جوهر» يرجع الفضل فى تأسيس وبناء «القاهرة» المعزِّية،
التى جعل لها أربعة أبواب منها: «باب النصر»، و «باب الفتوح»،
و «بابا زويلة»، كما بنى بها «الجامع الأزهر» لينشر من داخله المذهب
الشيعى. و «الأزهر» هو أول مسجد شُيِّدَ فى «القاهرة» المعزية،
وأقيمت فيه الصلاة لأول مرة فى (١٧ من رمضان سنة ٣٦٠هـ)، وقد
اختلف المؤرخون فى سبب تسميته بالأزهر، فقال فريق سُمِّى بهذا
الاسم نسبة وتكريمًا للسيدة فاطمة الزهراء. وقال فريق آخر: تفاؤلا
بما سيكون عليه أمر هذا المسجد من شأن عظيم. وقال فريق ثالث:
سُمى بذلك لأنه كان محاطًا بالقصور الزاهرة التى بنيت عند إنشاء
«القاهرة». وأيا كانت نسبة هذه التسمية إلى الجامع الأزهر؛ فهو
يُعد -الآن- أعظم جامعة إسلامية تُدَّرَسُ فيها العلوم الدينية والعلوم
العقلية، ويقصده آلاف الطلاب من مختلف أرجاء العالم الإسلامى، وقد
أدى خدمات عظيمة للعلم فى مختلف العصور، ونشره فى شتى بقاع
العالم.
إبراز المظاهر الشيعية فى مصر:
لما رأى «جوهر» أن دعائم ملك الفاطميين قد توطدت فى «مصر»،
عمل على تحقيق ما جاء من أجله، فزاد فى الأذان عبارة: «حى على
خير العمل»، وجهر بالبسملة فى قراءة القرآن فى الصلاة، وزاد فى
خطبة الجمعة ما يلى: «اللهم صلِّ على محمد المصطفى، وعلى علىّ
المرتضَى، وفاطمةَ البتول، وعلى الحسن والحسين سبطى الرسول؛
الذين أذهبت عنهم الرجس، وطهرتهم تطهيرًا. اللهم صلِّ على الأئمة
الراشدين آباء أمير المؤمنين الهادين المهتدين»، ونقش على جدران
«مسجد الفسطاط» شعار العلويين باللون الأخضر، كما أضاف فى
أول خطبة بالجامع الأزهر عبارة: «السلام على الأئمة آباء أمير
المؤمنين المعز لدين الله»، وضرب العملة باسم الخليفة «المعز»،
وألغى السواد شعار العباسيين، وعمم الملابس الخضراء شعار
стр. 521
العلويين، ثم أرسل إلى «المعز» يستدعيه إلى «مصر»، فوافقه
«المعز»، وخرج من «المنصورية» بالمغرب فى شوَّال سنة (٣٦١هـ)،
ووصل إلى «القاهرة» فى رمضان سنة (٣٦٢هـ)، واستقبله أهل
«مصر» بالفوانيس، فأصبحت عادة فى استقبال شهر رمضان حتى
الآن، وأعلن «المعز» «القاهرة» عاصمة للخلافة الفاطمية، فأصبحت
«مصر» دار خلافة بعد أن كانت دار إمارة.
النفوذ الفاطمى يمتد إلى بلاد الشام:
حينما استقرت الأمور لجوهر الصقلى فى «مصر»، اتجه ببصره تجاه
بلاد الشام، وبذل جهودًا مضنية من أجل مد نفوذ سيده إلى هذه
البلاد، وجهز حملة كبيرة جعل قيادتها للقائد الكبير «جعفر ابن
فلاح»، الذى عُرِف بعقليته العسكرية الفريدة، فخرجت الحملة قاصدة
«دمشق»، واستولت فى طريقها على «الرملة» و «طبرية»، فلما علم
أهل «دمشق» بذلك خرجوا عن بكرة أبيهم حاملين السلاح مشاة
وفرسانًا لمواجهة هذه الحملة، والتقى الطرفان، وبذل أهالى
«دمشق» كل ما فى وسعهم، إلا أنهم هُزِموا فى النهاية، ودخل
«جعفر» وجنوده المدينة، فاعتبرها الجنود غنيمة ونهبوها، ولم
يكبح «جعفر» - بطبيعته الحربية - جماحهم، فقامت الثورة فى
«دمشق»، وتمكن «جعفر» من السيطرة عليها، وقبض على زعمائها،
فهدأت الأحوال، وأُقيمت الخطبة للمعز الفاطمى فى المحرم سنة
(٣٥٩هـ)، وزال سلطان العباسيين فى الشام.
كان «جعفر» على النقيض من «جوهر» فى الجانب السياسى، ففى
الوقت الذى تمكن فيه «جوهر الصقلى» من كبح جماح جنده، وتأليف
قلوب الناس فى «مصر» حوله ومعاملتهم بالحسنى؛ كان «جعفر»
يتعالى على أهالى «دمشق»، ويغلظ فى معاملتهم، كما ترك جنوده
فعاثوا فى المدينة فسادًا، وتمنى الدمشقيون زوال هؤلاء الفاطميين،
واستنجدوا بالقرامطة والأتراك.
الخطر القرمطى التركى:
كان استنجاد أهل «دمشق» بالقرامطة فرصة للحسن القرمطى
زعيمهم، فاتصل بأمير الرحبة - على «نهر الفرات» - وببعض القبائل
стр. 522
العربية، واتحد معهم على الفاطميين، لأن «جعفر بن فلاح» منع عنه
ثلاثمائة ألف دينار كانت «دمشق» تدفعها له سنويا، وخرج «الحسن
القرمطى» بمن اتحد معه قاصدًا «دمشق»، فلما وصل إليها دارت
رحى المعركة، وهُزم جيش الفاطميين، وقُتل «جعفر»، واستولى
القرامطة على «دمشق»، وأمر «الحسن القرمطى» بلعن «المعز
الفاطمى» من فوق المنابر، على الرغم من أن القرامطة شيعة
كالفاطميين.
وقد انتهز الروم فرصة الخلاف بين الفاطميين والشاميين، فأسرعوا
للاستيلاء على «دمشق»، وكانوا يقتلون ويسرقون ويحرقون كل ما
يقابلهم فى طريقهم إليها، ولكن «أفتكين» القائد التركى بالبلاط
العباسى أدركهم، وتفاوض مع إمبراطورهم، وتمكن من شراء رحيله
مع جنوده مقابل ثلاثين ألف دينار، ودخل «أفتكين» «دمشق» دون
قتال، وأعاد الخطبة فيها للخليفة العباسى، ثم عاد القرامطة سنة
(٣٦٥هـ)، وهاجموا «يافا» و «عكا» و «صيدا»، فتصاعد الخطر، ووجد
الفاطميون أنفسهم بالشام بين شِقَّى الرحا.
العزيز بالله بن المعز:
تولَّى «العزيز بالله» الدولة الفاطمية فى قمة مجدها، ولكنه كان رجلا
لا يعرف المستحيل، وحاول استمالة «أفتكين» القائد التركى إلى
صفه؛ ليجد طريقه إلى الشام، ولكن «أفتكين» أعرض عن مكاتباته،
ورد على محاولاته بصلف وعناد، فبعث إليه «العزيزُ بالله» القائد
«جوهرَ الصقلى» على رأس حملة كبيرة، فلما وصلت الحملة إلى
«دمشق» بعث «جوهر» بالأمان إلى «أفتكين» على أن يترك
«دمشق»، ولكن القائد التركى رفض واستنجد بالحسن القرمطى
الذى جاءه على عجل على رأس جيش كبير تصدى لحملة «جوهر»،
وأجبرها على التراجع عن «دمشق» إلى «الرملة» سنة (٣٦٦هـ)، ثم
إلى «عسقلان» بعد مناوشات بين الطرفين، فتحصن «جوهر»
بجنوده فى «عسقلان»، وحاصره «الحسن القرمطى» و «أفتكين»،
وطال الحصار حتى نفد ما مع جيش «جوهر» من زاد، فأكلوا دوابهم،
ثم بحثوا عن الميتة فأكلوها من شدة الجوع، فاضطر «جوهر» إلى
стр. 523
عرض الصلح على «الحسن القرمطى» و «أفتكين»، وتمت له الموافقة
على هذا الصلح بشرط أن يخرج من باب عُلِّق عليه سيف «أفتكين»،
ودرع «الحسن»، فوافق وخرج ناجيًا برجال حملته بعد أن كانوا قاب
قوسين أو أدنى من الهلاك، وعاد إلى «القاهرة».
لم ييأس الخليفة «العزيز» من تحقيق مراده، وخرج بنفسه على رأس
الجيش إلى «الشام»، وأعطى الأمان للقائد التركى، فرفضه، ودارت
رحى الحرب بين الفريقين فى معركة شرسة، تطايرت فيها النبال
كالأمطار، ولمعت السيوف كالبرق، واشتد الغبار، وانجلت المعركة
عن عشرين ألف قتيل من جيشى القرامطة و «أفتكين»، وأُسِر
«أفتكين»؛ ففداه «العزيز» من أسره بمائة ألف دينار - بإيعاز من
«جوهر» - وحمله إلى «القاهرة»، ثم عفا عنه وأنزله بدار فسيحة،
وأجرى عليه الرزق حتى مات سنة (٣٧٢ هـ)، على عكس ما كان
متوقعًا، وما هو متبع فى مثل هذه الظروف.
صفا «الشام» للفاطميين، وامتد ملكهم من بلاد «الشام» شرقًا إلى
ساحل «المحيط الأطلسى» غربًا، ومن «آسيا الصغرى» شمالا إلى
بلاد «النوبة» جنوبًا، وخُطب للعزيز بالموصل وأعمالها سنة (٣٨٢هـ)،
وضُرب اسمه على العملة، وكُتب على الأعلام، وخُطب له باليمن - كما
فُتحت له «حمص» و «حماة» و «شيزر» و «حلب»، فانصرف إلى نشر
عقائد المذهب الشيعى، وأصبحت دواليب الإدارة كلها فى يد الشيعة.
الحاكم بأمر الله:
بويع «أبو على منصور الحاكم بأمر الله» بالخلافة وهو فى الحادية
عشرة من عمره، وعين أستاذه «برجوان» التركى وصيا عليه؛ لذا لم
يكن للحاكم من أمره شىء حتى تم القضاء على الوصى، وحل محله
«ابن عمار الكتامى» المغربى وصيا ووزيرًا، فاستبد بالأمر، ولم يسلم
من شره أحد، سواء كان من الشيعة أو من السنة أو من أهل الذمة،
وكذلك ساءت سيرته بين الجند، فنشب القتال فى شوارع «القاهرة»
و «الفسطاط»، وطالب الجميع بحياة «ابن عمار»، ولكنه اختفى،
وأصبح زمام الأمور فى يد «الحاكم»، وهو بعد فى الخامسة عشرة
стр. 524
من عمره، وأنشأ المرصد الحاكمى على سفح المقطم، وقد روى
المؤرخون مواقف غريبة تدل على غرابة أطواره.
حاولت «ست الملك» أخت «الحاكم بأمر الله» ردعه عما يفعل، لكنه
أبى أن يرتدع، فدبرت مع «سيف الدولة بن دواس الكتامى» أمر
قتله، فلما تم ذلك، حمل جثمانه إليها، فدفنته فى مجلسها.
بعد مقتل «الحاكم بأمر الله» خرج اثنان من أتباعه هما: «حمزة
الدرزى»، و «حسن الأخرم»، وبالغا فى وصفه، وأعلنا مذهب الدروز.
الظاهر:
ولى «أبو الحسن الظاهر» الخلافة فى شوال سنة (٤١١هـ)، بعد مقتل
أبيه مباشرة، وكان لعمته «ست الملك» النفوذ والسيطرة فى تسيير
دفة الدولة، وقامت بذلك على أحسن وجه، وبذلت العطاء للجند،
وتمكنت من تهدئة الأمر حتى وافاها الأجل فى سنة (٤١٥هـ)، فانتهج
«الظاهر» نهجها وعمل بسياستها، وألغى ما سنَّه أبوه «الحاكم»
من قوانين مجحفة، واهتم بتحسين شئون البلاد وأحوال الرعية،
ومنح الناس الحرية الدينية، فنعموا بالكثير من إنجازاته، وعلى الرغم
من أن مجاعة حدثت فى عهده استمرت ثلاث سنوات، نتيجة انخفاض
النيل، فإنه عمل على تخفيف المعاناة عن الشعب، وعقد اتفاقًا مع
إمبراطور الروم ليمده بالقمح بمقتضاه، على أن يقوم «الظاهر»
بإعادة بناء «كنيسة القيامة» بالقدس.
مرض «الظاهر» بالاستسقاء، ولم يلبث أن تُوفِّى سنة (٤٢٧هـ).
المستنصر:
ولى «المستنصر» عقب وفاة والده «الظاهر» فى جمادى الآخرة سنة
(٤٢٧هـ)، ويُعدُّ أطول الخلفاء عهدًا، إذ قضى بالخلافة نحو ستين
سنة، لم تكن على وتيرة واحدة، حيث وصف «ناصر خسرو» «مصر»
فى أوائل عهد المستنصر بقوله: «كانت تتمتع بالرخاء، وأن الشعب
محب لخليفته». وفى الفترة الأولى من عهده بلغ النفوذ الفاطمى
أقصى مداه، إذ دُعى للخليفة على منابر بلاد الشام و «فلسطين»
و «الحجاز» و «اليمن»، بل دُعِى له فى «بغداد» حاضرة العباسيين
نحوًا من سنة، ودُعى له - أيضًا - فى «صقلية» و «شمال إفريقية».
стр. 525
وكما شهد «المستنصر» مجد دولته، شهد أيضًا تقلُّصَ نفوذه، فقد
زالت سلطة الفاطميين فى بلاد «المغرب الأقصى» سنة (٤٧٥هـ)،
واستولى النورمانديون على «صقلية»، وخلع أميرا «مكة»
و «المدينة» طاعتهما - من قبل - فى سنة (٤٦٢هـ)، وانقطع ماء النيل،
وحدث ما عُرِف فى عهده بالشدة العظمى أو المستنصرية، وغلت
الأسعار، وانتشرت المجاعات والأوبئة حتى قيل إنه كان يموت بمصر
كل يوم عشرة آلاف نفس، ووصل الحال بالناس إلى أكل القطط
والكلاب، فلما لم يجدوها بعد ذلك كان بعضهم يحتال على خطف
بعضهم الآخر ليذبحه ويأكله، وبلغت الشدة منتهاها، وباع المستنصر
جميع ممتلكات قصوره، وقام صراع عنيف بين الأتراك والسودانيين،
وظل الجنود فترة طويلة لا يتقاضون فيها رواتبهم، فنهبوا قصور
الخلفاء، واستولوا على ما فى المكتبات ودور العلم من مؤلفات
باعوها بثمن بخس، واتخذوا من جلودها نعالا وأحذية، واستولى
«ناصر الدولة ابن حمدان» زعيم الجند الأتراك على مقاليد الأمور،
وهدد بإزالة الخلافة الفاطمية، بل حذف اسم الخليفة من الخطبة فى
بعض المناطق، ووصلت الحال بالخليفة إلى درجة أنه لم يتمكن من
حماية أمه من دخول السجن، ففرت مع بناتها إلى «بغداد» طلبًا
للحماية، واستمرت هذه الشدة تسع سنوات، حتى جاء «اليازودى»،
فعالج الأمور، وضبط الأسواق وضرب بشدة على أيدى العابثين،
ولكن الوشاة دسُّوا له عند «المستنصر» بأنه على صلة بالسلاجقة
وأنه يراسلهم، فقتله «المستنصر»، وعادت البلاد ثانية إلى ما كانت
عليه، وظلت تنتقل من سيئ إلى أسوأ مدة تسع سنوات تولَّى
الوزارة فيها أربعون وزيرًا، فاستنجد «المستنصر» ببدر الدين
الجمالى حاكم «عكا»، فأتى على الفور، وألقى القبض على
العابثين والعناصر المتنافرة، وضرب بيد من حديد على أيدى
الخارجين على النظام والقانون، وعَمَّر الريف، واهتم بالزراعة،
وحصن مدينة «القاهرة» التى كانت قد خُربت أسوارها من جراء
стр. 526
الفتن، وبنى جامعه المعروف بجامع الجيوش بالمقطم، فتحسنت
الأحوال فى عهده باستثناء إذكائه روح العداء بين الشيعة والسنة،
لأنه كان شيعىا متعصبًا، وظل وزيرًا للمستنصر حتى وافاه أجله فى
عام (٤٨٧هـ)، بعد أن عهد إلى ابنه بالوزارة من بعده، ليصبح هذا
الأمر تقليدًا جديدًا، لم يُعمَل به من قبل.
المستعلى:
ولى الخلافة بعد أبيه المستنصر سنة (٤٨٧هـ) على الرغم من حداثة
سنه، وعدم شرعية خلافته لوجود أخيه «نزار» الأكبر منه فى السن،
ولكن الوزير «الأفضل بن بدر» أسهم إسهامًا كبيرًا فى هذا ليتمكن
من السيطرة على الخليفة الصغير، وخرج «نزار» إلى الإسكندرية
ليكون فى حماية واليها «أفتكين» فخرج إليهما «الأفضل» بجيش
كبير، ودارت الحرب بين الفريقين، فاضطر «نزار» و «أفتكين» إلى
طلب الأمان، فأجابهما «الأفضل» إلى مطلبهما، ثم قتلهما بعد أن
هدأت الأمور، فانقسم الشيعة على أنفسهم، وأعلنت الباطنية (فرقة
تفرعت عن الشيعة لها معتقداتها الخاصة) وعلى رأسهم «الحسن بن
الصباح» أن نزارًا كان الأحق بالخلافة، لأن «الحسن» زار «مصر»
وسأل «المستنصر» عمن يكون خليفته، فقال له: إنه «نزار».
الآمر:
ظل «المستعلى» خليفة حتى وفاته سنة (٤٩٥هـ)، وولى ابنه الملقب
بالآمر الخلافة عقب وفاته، ولم يكن حاله مع وزيره «الأفضل ابن بدر»
بأفضل من حال أبيه، وازداد تعصب «الأفضل» لمذهبه الشيعى على
حساب أهل السنة، وأغلق دار العلم؛ لأن بعض أهل السنة دخلوها
وأثروا على بعض مرتاديها من الشيعة، ويؤرخ «المقريزى» لهذا
بقوله: «إن الأفضل ألغى الاحتفالات الخاصة بمولد النبى - صلى الله
عليه وسلم -، ومولد فاطمة ومولد «على» رضى الله عنهما، ومولد
الخليفة القائم بالأمر، وخاف الآمر على سلطانه، فأوعز إليه مَنْ قتله،
ثم قتل مَنْ قتله، وذلك باتفاق مع المأمون البطائحى أحد خواص
الأفضل بعد أن وعده الآمر بالوزارة، فعاد إلى الآمر كثير من نفوذه،
стр. 527
وانتقلت إليه ثروة الأفضل التى كانت تُقدَّر بستة ملايين دينار، ولكن
هذا الوضع لم يستمر طويلا، فسرعان مازال نفوذ الخليفة بعد تولِّى
«أبى على ابن الأفضل» الوزارة.
كان الآمر محبا للأدب ومشجعًا للشعراء، وأنشأ «الجامع الأقمر»،
وبنى «قصر الهودج» لزوجته البدوية حتى لا تشعر بغربة فى بيئة
تختلف عن تلك التى نشأت بها. تُوفِّى سنة (٥٢٤هـ)، ولم يُعقِّب،
فخلفه ابن عمه «الحافظ».
الحافظ:
تولَّى الخلافة عقب وفاة ابن عمه «الآمر»، ولم تكن حاله مع وزيره
«على بن الأفضل» بأحسن من حال ابن عمه، فقد كان يتحكم فيه،
وجعله كالمحجور عليه، ولا يسمح لأحد بزيارته إلا بإذن منه،
وانعطفت سياسة الدولة -فى عهده- انعطافًا خطيرًا يهدد بزوالها،
فقد عين اثنين من القضاة الشيعة، ومثلهما من السنة، وجعل لكل
الحق فى إصدار حكمه وفق مذهبه، ولقب نفسه بالأكمل مالك
فضيلتى السيف والقلم، مولى النعم، رافع الجور عن الأمم، وأسقط
اسم الخليفة من الخطبة، فكانت نهايته القتل جزاءً لما صنع.
لم يكد الخليفة يستريح من سيطرة «ابن الأفضل» حتى وقع تحت
سيطرة ونفوذ «بهرام الأرمنى» والى «الغربية»، الذى تقلد الوزارة،
واستقدم الكثيرين من بنى جلدته حتى تجاوزوا ثلاثين ألفًا، وكلهم
من الشيعة المتعصبين لمذهبهم، فأذاقوا أهل البلاد الهوان، وبنوا
الكنائس والأديرة، فأثار ذلك حفيظة الناس، وثار «رضوان بن
الولخشى» والى «الغربية»، وقاد جيشه، وهاجم به الوزير «بهرام»
الذى انهزم، وفرَّ هاربًا إلى «أسوان»، فتولى «رضوان» الوزارة بدلا
منه، ولكنه ارتكب أعمالا أثارت عليه حفيظة الخليفة، فاستدعى
الخليفة «بهرام» من أسوان ليتولى الوزارة من جديد، فهرب
«رضوان» إلى الشام، ثم عاد إلى «مصر» ثانية على رأس جيش
تصدى له جنود الخليفة، فهزموه وأسروا «رضوان»، ثم قُتل.
تُوفِّى «الحافظ» فى سنة (٥٤٤هـ)، وقد تميز عصره بالنزاع الدائم من
стр. 528
أجل الوصول إلى منصب الوزارة بالقوة والجيوش المسلحة.
الظافر:
ولى «الظافر» عقب وفاة أبيه «الحافظ»، فسلكت الدولة فى عهده
مسلكًا خطيرًا؛ لم يكن معهودًا من قبل؛ إذ استعان الوزراء بالقوى
الخارجية للوصول إلى منصب الوزارة، وأبرز مثال على ذلك ما حدث
بين «ابن السلار» و «ابن مصال»، فقد استعان الأول على منافسه
الثانى بنور الدين محمود صاحب «حلب»، ودارت بين الطرفين حرب
شعواء قُتل فيها «ابن مصال»، ثم تبعه «ابن السلار»، فسعد الخليفة
سعادة بالغة لقتل «ابن السلار» لاستعانته «بنور الدين محمود»،
ودلل الخليفة على مدى سعادته بمكافأته لنصر بن العباس قاتل «ابن
السلار» بمبلغ عشرين ألف دينار.
كان الصليبيون قد أسسوا عدة إمارات لهم - فى ذلك الوقت - بالشام،
وبدأت طموحاتهم تتجه إلى «مصر»، ويتحينون الفرصة لتحقيقها فى
الوقت الذى كان «نور الدين محمود» يترقب فيه الأوضاع للاستيلاء
على «مصر»، وظل كلاهما على ذلك حتى قام «نصر بن عباس» -
بالاتفاق مع والده - بقتل الخليفة «الظافر» وإخوته، فغلت «القاهرة»
كالمرجل، وهرب «عباس» إلى الشام، فقُتل فى طريقه إليها، وقُبض
على ابنه «نصر» ثم وُضِع فى قفص من حديد بعد أن جُدع أنفه،
وقطعت أذناه، وطِيف به فى أنحاء المحروسة، ثم صُلِبَ حيا على
باب زويلة حتى مات، فأُحرقت جثته. وتولى «الفائز» الخلافة.
الفائز:
ترك «الظافر» ابنه «الفائز» وعمره أربع سنوات فحسب، فولى
الخلافة فى هذه السن عام (٥٤٩هـ)، وكانت البلاد فى حالة من
الفوضى والاضطراب الشديدين، حتى إن نساء القصر لم تأمن على
حياتهن فى ظل هذه الظروف، فاستنجدن بطلائع بن زريك والى
الأشمونيين، الذى حضر على الفور، وقضى على الفتنة والشغب،
وضرب على أيدى صانعى الفتنة، وظل الخليفة - بالطبع - مسلوب
الإرادة حتى وفاته سنة (٥٥٥هـ).
العاضد:
خلف «الفائز» فى تولِّى الخلافة، فتخلص من الوزير «طلائع» بقتله،
стр. 529
وأسند منصبه إلى ابنه «أبى شجاع العادل بن طلائع»، فرأى
«شاور» والى الصعيد أنه أحق بالوزارة من «أبى شجاع»، وقدم
على رأس قواته، وتمكن من خلع «أبى شجاع» من الوزارة، وتنصيب
نفسه مكانه سنة (٥٥٨هـ)، ولكنه لم يهنأ بمنصبه الجديد إذ استطاع
«ضرغام» أمير البرقية (فرقة من المغاربة» خلعه، فهرب «شاور»
إلى الشام مستنجدًا بنور الدين محمود ليعيده إلى منصبه، فأحس
«ضرغام» بالخطر وخشى من ضياع منصبه فاستنجد بعمورى
الصليبى ملك «بيت المقدس»، ولبى كل طرف نداء مَنْ استنجد به،
وقدمت القوات الإسلامية كما قدمت القوات الصليبية فى ثلاث حملات،
ولكن «أسد الدين شيركوه» قائد حملات «نور الدين محمود» كانت له
عقلية سياسية حكيمة، كما كان يجيد التخطيط الجيد، فتولى الوزارة
بنفسه بعد أن قُضى على الخصمين المتنافرين، وظل على ذلك حتى
مات، فخلفه فى منصبه ابن أخيه «صلاح الدين الأيوبى» السنىُّ
المذهب، فكان بمثابة المسمار الأخير فى نعش الدولة الفاطمية
الشيعية.
انهيار الدولة الفاطمية:
حين علا «صلاح الدين الأيوبى» كرسى الوزارة فى الدولة الفاطمية،
حدث الصدام المتوقع بين المذهبين الشيعى والسنى، فسلب الوزير
السنى من الخليفة «العاضد» الشيعى كل سلطانه، وبات الخليفة
كالمحجور عليه، وصار حبيس قصره، فاستاء أتباع الخليفة وجنوده
من هذا الوضع وقاموا بثورة عارمة، نجح الوزير «صلاح الدين» فى
تشتيتها، فاضطر مشعلوها إلى الهرب نحو صعيد «مصر»، فعمل
«صلاح الدين» على تثبيت قدميه، وتوطيد علاقته بالناس، وحارب
الصليبيين، وحقق انتصارات عظيمة عليهم، وعزل القضاة الشيعة،
وجعل السنيين بدلا منهم، ثم أرسل إلى «نور الدين» يطلب منه أن
يُلحق به أسرته فوافق، وألحقهم به، فقويت شوكته، وأحبه الناس
لسلوكه وسيرته بينهم، فلما اطمأن «نور الدين» إلى استقرار
الأوضاع أرسل إلى «صلاح الدين» يطلب منه إزالة الخلافة الفاطمية،
стр. 530
والدعاء للخليفة العباسى، فرفض «صلاح الدين» أول الأمر خوفًا من
عواقب هذا الصنيع، ثم عمد إلى التجربة -بعد أن شاور خلصاءه-
فقرر أن يصعد واحد من الناس المنبر قبل الخطيب، ويدعو للخليفة
العباسى «المستضىء» ليرى ماذا سيفعل الناس، فلما تم له ما أراد،
ولم يثر أحد أسقط الدعاء للعاضد وجعله للمستضىء، فكانت نهاية
الدولة الفاطمية التى حكم ملوكها الأوائل رقعة شاسعة من العالم
امتدت من «المحيط الأطلسى» غربًا إلى «الخليج العربى» شرقًا،
ودُعى لأحد خلفائها على منابر «بغداد» -عاصمة الخلافة العباسية -
عامًا بأكمله.
وكان «العاضد» مريضًا حين سقطت دولته فآثر أهله عدم إخباره
حتى لا يفجع ويزداد مرضه، ولكنه لم يلبث طويلا وتُوفِّى سنة
(٥٦٧هـ).
علاقات الفاطميين الخارجية:
١ - صقلية:
فتحها «أسد بن الفرات» قاضى الأغالبة، وأسلم أكثر سكانها،
وظلت تابعة للأغالبة إلى زوال ملكهم سنة (٢٩٦هـ)، ثم أصبحت تابعة
للدولة الفاطمية الإسماعيلية، فحرص الفاطميون عليها لموقعها
الجغرافى، ووفرة مواردها، وخصوبة أرضها، وظلت كذلك حتى عهد
«المستنصر»، فلما حلت الشدة بمصر، وتعرضت للمجاعة، انشغل
الخليفة عن متابعة أمر «صقلية»، فعمتها الثورات، وزادت فيها
الاضطرابات، واستعان بعض أهلها بالفرنجة، فقدموا إليها،
وفتحوها، وفشل «المعز بن باديس» - والى الفاطميين على
«المغرب» - فى استعادتها، وظلت فى أيدى الفرنجة حتى استولى
النورمانديون عليها، فخرجت نهائيًّا من حكم الفاطميين.
٢ - البيزنطيون:
تجاورت ممتلكات الدولتين بعد دخول الشام فى حوزة الفاطميين،
وتذبذبت العلاقة بينهما بين السلم والحرب، ففى عصر «المعز» تحالف
البيزنطيون مع القرامطة، ثم مع «أفتكين»، وحاول «العزيز» غزوهم
عن طريق البحر، وعقدت هدنة بينهما مدتها سبع سنوات، ولكن
«باسيل الثانى» الإمبراطور البيزنطى تحالف مع الحمدانيين وحقق
следующие страницы →