Полный текст (3 483 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
الفتن، وبنى جامعه المعروف بجامع الجيوش بالمقطم، فتحسنت
الأحوال فى عهده باستثناء إذكائه روح العداء بين الشيعة والسنة،
لأنه كان شيعىا متعصبًا، وظل وزيرًا للمستنصر حتى وافاه أجله فى
عام (٤٨٧هـ)، بعد أن عهد إلى ابنه بالوزارة من بعده، ليصبح هذا
الأمر تقليدًا جديدًا، لم يُعمَل به من قبل.
المستعلى:
ولى الخلافة بعد أبيه المستنصر سنة (٤٨٧هـ) على الرغم من حداثة
سنه، وعدم شرعية خلافته لوجود أخيه «نزار» الأكبر منه فى السن،
ولكن الوزير «الأفضل بن بدر» أسهم إسهامًا كبيرًا فى هذا ليتمكن
من السيطرة على الخليفة الصغير، وخرج «نزار» إلى الإسكندرية
ليكون فى حماية واليها «أفتكين» فخرج إليهما «الأفضل» بجيش
كبير، ودارت الحرب بين الفريقين، فاضطر «نزار» و «أفتكين» إلى
طلب الأمان، فأجابهما «الأفضل» إلى مطلبهما، ثم قتلهما بعد أن
هدأت الأمور، فانقسم الشيعة على أنفسهم، وأعلنت الباطنية (فرقة
تفرعت عن الشيعة لها معتقداتها الخاصة) وعلى رأسهم «الحسن بن
الصباح» أن نزارًا كان الأحق بالخلافة، لأن «الحسن» زار «مصر»
وسأل «المستنصر» عمن يكون خليفته، فقال له: إنه «نزار».
الآمر:
ظل «المستعلى» خليفة حتى وفاته سنة (٤٩٥هـ)، وولى ابنه الملقب
بالآمر الخلافة عقب وفاته، ولم يكن حاله مع وزيره «الأفضل ابن بدر»
بأفضل من حال أبيه، وازداد تعصب «الأفضل» لمذهبه الشيعى على
حساب أهل السنة، وأغلق دار العلم؛ لأن بعض أهل السنة دخلوها
وأثروا على بعض مرتاديها من الشيعة، ويؤرخ «المقريزى» لهذا
بقوله: «إن الأفضل ألغى الاحتفالات الخاصة بمولد النبى - صلى الله
عليه وسلم -، ومولد فاطمة ومولد «على» رضى الله عنهما، ومولد
الخليفة القائم بالأمر، وخاف الآمر على سلطانه، فأوعز إليه مَنْ قتله،
ثم قتل مَنْ قتله، وذلك باتفاق مع المأمون البطائحى أحد خواص
الأفضل بعد أن وعده الآمر بالوزارة، فعاد إلى الآمر كثير من نفوذه،
стр. 527
وانتقلت إليه ثروة الأفضل التى كانت تُقدَّر بستة ملايين دينار، ولكن
هذا الوضع لم يستمر طويلا، فسرعان مازال نفوذ الخليفة بعد تولِّى
«أبى على ابن الأفضل» الوزارة.
كان الآمر محبا للأدب ومشجعًا للشعراء، وأنشأ «الجامع الأقمر»،
وبنى «قصر الهودج» لزوجته البدوية حتى لا تشعر بغربة فى بيئة
تختلف عن تلك التى نشأت بها. تُوفِّى سنة (٥٢٤هـ)، ولم يُعقِّب،
فخلفه ابن عمه «الحافظ».
الحافظ:
تولَّى الخلافة عقب وفاة ابن عمه «الآمر»، ولم تكن حاله مع وزيره
«على بن الأفضل» بأحسن من حال ابن عمه، فقد كان يتحكم فيه،
وجعله كالمحجور عليه، ولا يسمح لأحد بزيارته إلا بإذن منه،
وانعطفت سياسة الدولة -فى عهده- انعطافًا خطيرًا يهدد بزوالها،
فقد عين اثنين من القضاة الشيعة، ومثلهما من السنة، وجعل لكل
الحق فى إصدار حكمه وفق مذهبه، ولقب نفسه بالأكمل مالك
فضيلتى السيف والقلم، مولى النعم، رافع الجور عن الأمم، وأسقط
اسم الخليفة من الخطبة، فكانت نهايته القتل جزاءً لما صنع.
لم يكد الخليفة يستريح من سيطرة «ابن الأفضل» حتى وقع تحت
سيطرة ونفوذ «بهرام الأرمنى» والى «الغربية»، الذى تقلد الوزارة،
واستقدم الكثيرين من بنى جلدته حتى تجاوزوا ثلاثين ألفًا، وكلهم
من الشيعة المتعصبين لمذهبهم، فأذاقوا أهل البلاد الهوان، وبنوا
الكنائس والأديرة، فأثار ذلك حفيظة الناس، وثار «رضوان بن
الولخشى» والى «الغربية»، وقاد جيشه، وهاجم به الوزير «بهرام»
الذى انهزم، وفرَّ هاربًا إلى «أسوان»، فتولى «رضوان» الوزارة بدلا
منه، ولكنه ارتكب أعمالا أثارت عليه حفيظة الخليفة، فاستدعى
الخليفة «بهرام» من أسوان ليتولى الوزارة من جديد، فهرب
«رضوان» إلى الشام، ثم عاد إلى «مصر» ثانية على رأس جيش
تصدى له جنود الخليفة، فهزموه وأسروا «رضوان»، ثم قُتل.
تُوفِّى «الحافظ» فى سنة (٥٤٤هـ)، وقد تميز عصره بالنزاع الدائم من
стр. 528
أجل الوصول إلى منصب الوزارة بالقوة والجيوش المسلحة.
الظافر:
ولى «الظافر» عقب وفاة أبيه «الحافظ»، فسلكت الدولة فى عهده
مسلكًا خطيرًا؛ لم يكن معهودًا من قبل؛ إذ استعان الوزراء بالقوى
الخارجية للوصول إلى منصب الوزارة، وأبرز مثال على ذلك ما حدث
بين «ابن السلار» و «ابن مصال»، فقد استعان الأول على منافسه
الثانى بنور الدين محمود صاحب «حلب»، ودارت بين الطرفين حرب
شعواء قُتل فيها «ابن مصال»، ثم تبعه «ابن السلار»، فسعد الخليفة
سعادة بالغة لقتل «ابن السلار» لاستعانته «بنور الدين محمود»،
ودلل الخليفة على مدى سعادته بمكافأته لنصر بن العباس قاتل «ابن
السلار» بمبلغ عشرين ألف دينار.
كان الصليبيون قد أسسوا عدة إمارات لهم - فى ذلك الوقت - بالشام،
وبدأت طموحاتهم تتجه إلى «مصر»، ويتحينون الفرصة لتحقيقها فى
الوقت الذى كان «نور الدين محمود» يترقب فيه الأوضاع للاستيلاء
على «مصر»، وظل كلاهما على ذلك حتى قام «نصر بن عباس» -
بالاتفاق مع والده - بقتل الخليفة «الظافر» وإخوته، فغلت «القاهرة»
كالمرجل، وهرب «عباس» إلى الشام، فقُتل فى طريقه إليها، وقُبض
على ابنه «نصر» ثم وُضِع فى قفص من حديد بعد أن جُدع أنفه،
وقطعت أذناه، وطِيف به فى أنحاء المحروسة، ثم صُلِبَ حيا على
باب زويلة حتى مات، فأُحرقت جثته. وتولى «الفائز» الخلافة.
الفائز:
ترك «الظافر» ابنه «الفائز» وعمره أربع سنوات فحسب، فولى
الخلافة فى هذه السن عام (٥٤٩هـ)، وكانت البلاد فى حالة من
الفوضى والاضطراب الشديدين، حتى إن نساء القصر لم تأمن على
حياتهن فى ظل هذه الظروف، فاستنجدن بطلائع بن زريك والى
الأشمونيين، الذى حضر على الفور، وقضى على الفتنة والشغب،
وضرب على أيدى صانعى الفتنة، وظل الخليفة - بالطبع - مسلوب
الإرادة حتى وفاته سنة (٥٥٥هـ).
العاضد:
خلف «الفائز» فى تولِّى الخلافة، فتخلص من الوزير «طلائع» بقتله،
стр. 529
وأسند منصبه إلى ابنه «أبى شجاع العادل بن طلائع»، فرأى
«شاور» والى الصعيد أنه أحق بالوزارة من «أبى شجاع»، وقدم
على رأس قواته، وتمكن من خلع «أبى شجاع» من الوزارة، وتنصيب
نفسه مكانه سنة (٥٥٨هـ)، ولكنه لم يهنأ بمنصبه الجديد إذ استطاع
«ضرغام» أمير البرقية (فرقة من المغاربة» خلعه، فهرب «شاور»
إلى الشام مستنجدًا بنور الدين محمود ليعيده إلى منصبه، فأحس
«ضرغام» بالخطر وخشى من ضياع منصبه فاستنجد بعمورى
الصليبى ملك «بيت المقدس»، ولبى كل طرف نداء مَنْ استنجد به،
وقدمت القوات الإسلامية كما قدمت القوات الصليبية فى ثلاث حملات،
ولكن «أسد الدين شيركوه» قائد حملات «نور الدين محمود» كانت له
عقلية سياسية حكيمة، كما كان يجيد التخطيط الجيد، فتولى الوزارة
بنفسه بعد أن قُضى على الخصمين المتنافرين، وظل على ذلك حتى
مات، فخلفه فى منصبه ابن أخيه «صلاح الدين الأيوبى» السنىُّ
المذهب، فكان بمثابة المسمار الأخير فى نعش الدولة الفاطمية
الشيعية.
انهيار الدولة الفاطمية:
حين علا «صلاح الدين الأيوبى» كرسى الوزارة فى الدولة الفاطمية،
حدث الصدام المتوقع بين المذهبين الشيعى والسنى، فسلب الوزير
السنى من الخليفة «العاضد» الشيعى كل سلطانه، وبات الخليفة
كالمحجور عليه، وصار حبيس قصره، فاستاء أتباع الخليفة وجنوده
من هذا الوضع وقاموا بثورة عارمة، نجح الوزير «صلاح الدين» فى
تشتيتها، فاضطر مشعلوها إلى الهرب نحو صعيد «مصر»، فعمل
«صلاح الدين» على تثبيت قدميه، وتوطيد علاقته بالناس، وحارب
الصليبيين، وحقق انتصارات عظيمة عليهم، وعزل القضاة الشيعة،
وجعل السنيين بدلا منهم، ثم أرسل إلى «نور الدين» يطلب منه أن
يُلحق به أسرته فوافق، وألحقهم به، فقويت شوكته، وأحبه الناس
لسلوكه وسيرته بينهم، فلما اطمأن «نور الدين» إلى استقرار
الأوضاع أرسل إلى «صلاح الدين» يطلب منه إزالة الخلافة الفاطمية،
стр. 530
والدعاء للخليفة العباسى، فرفض «صلاح الدين» أول الأمر خوفًا من
عواقب هذا الصنيع، ثم عمد إلى التجربة -بعد أن شاور خلصاءه-
فقرر أن يصعد واحد من الناس المنبر قبل الخطيب، ويدعو للخليفة
العباسى «المستضىء» ليرى ماذا سيفعل الناس، فلما تم له ما أراد،
ولم يثر أحد أسقط الدعاء للعاضد وجعله للمستضىء، فكانت نهاية
الدولة الفاطمية التى حكم ملوكها الأوائل رقعة شاسعة من العالم
امتدت من «المحيط الأطلسى» غربًا إلى «الخليج العربى» شرقًا،
ودُعى لأحد خلفائها على منابر «بغداد» -عاصمة الخلافة العباسية -
عامًا بأكمله.
وكان «العاضد» مريضًا حين سقطت دولته فآثر أهله عدم إخباره
حتى لا يفجع ويزداد مرضه، ولكنه لم يلبث طويلا وتُوفِّى سنة
(٥٦٧هـ).
علاقات الفاطميين الخارجية:
١ - صقلية:
فتحها «أسد بن الفرات» قاضى الأغالبة، وأسلم أكثر سكانها،
وظلت تابعة للأغالبة إلى زوال ملكهم سنة (٢٩٦هـ)، ثم أصبحت تابعة
للدولة الفاطمية الإسماعيلية، فحرص الفاطميون عليها لموقعها
الجغرافى، ووفرة مواردها، وخصوبة أرضها، وظلت كذلك حتى عهد
«المستنصر»، فلما حلت الشدة بمصر، وتعرضت للمجاعة، انشغل
الخليفة عن متابعة أمر «صقلية»، فعمتها الثورات، وزادت فيها
الاضطرابات، واستعان بعض أهلها بالفرنجة، فقدموا إليها،
وفتحوها، وفشل «المعز بن باديس» - والى الفاطميين على
«المغرب» - فى استعادتها، وظلت فى أيدى الفرنجة حتى استولى
النورمانديون عليها، فخرجت نهائيًّا من حكم الفاطميين.
٢ - البيزنطيون:
تجاورت ممتلكات الدولتين بعد دخول الشام فى حوزة الفاطميين،
وتذبذبت العلاقة بينهما بين السلم والحرب، ففى عصر «المعز» تحالف
البيزنطيون مع القرامطة، ثم مع «أفتكين»، وحاول «العزيز» غزوهم
عن طريق البحر، وعقدت هدنة بينهما مدتها سبع سنوات، ولكن
«باسيل الثانى» الإمبراطور البيزنطى تحالف مع الحمدانيين وحقق
стр. 531
بعض الانتصارات على سواحل الشام، وفشل «العزيز» فى صدهم بعد
أن احترق أسطوله فى ميناء «المقس»، فبنى أسطولا آخر، وخرج به
تحت قيادته، ولكنه مرض وتُوفِّى فى «بلبيس»، فتسلم ابنه «الحاكم»
زمام الأمور. وحقق انتصارًا كبيرًا فى «أفامية»، ثم عقدت الهدنة بين
الطرفين لمدة عشر سنوات، ولكن العلاقات عادت إلى التوتر ثانية،
ثم هدأت فى عهد «الظاهر»، وفترة طويلة من عهد «المستنصر»
الذى عقد اتفاقًا مع الإمبراطور البيزنطى «قسطنطين التاسع»، يمد
«البيزنطيون» بمقتضاه «مصر» بالغلال، إلا أن هذا الاتفاق لم يتم
لوفاة الإمبراطور، وتولّى «تيودور» العرش بدلا منه، فنقض العهد،
واشترط شروطًا أخرى لم يوافق عليها «المستنصر» فظلت العلاقات
متوترة وعدائية بين الطرفين حتى نهاية الدولة الفاطمية.
٣ - الشام وفلسطين:
جعل الفاطميون «الشام» و «فلسطين» هدفهم عقب استيلائهم على
«مصر»، باعتبارهم ورثة الإخشيديين، فأعدوا الجيوش، وجعلوا عليها
القائد الشهير بالجرأة ذا الكفاءة العسكرية «جعفر بن فلاح
الكتامى»، فخرج بها، واستولى على «الرملة» و «طبرية»، ثم اتجه
إلى «دمشق» واستولى عليها بعد صمود شديد من أهلها، وجعل
الخطبة فيها للفاطميين فى شهر المحرم سنة (٣٥٩هـ)، وعاث
الكتاميون فى البلاد فسادًا، وعبثوا بكل ما فيها، فاستنجد أهل
«دمشق» بالقرامطة لتخليصهم، فأتوا وانضم إليهم الدمشقيون
وتصدوا لجيش الفاطميين، وتمكنوا من هزيمته وقتل قائده «جعفر»،
ثم خرج عليهم «أفتكين» التركى سنة (٣٦٤هـ)، وحاول «العزيز بن
المعز» استمالته فلم ينجح، فأخرج إليه «جوهر الصقلى» على رأس
الجيش، ثم خرج إليه بنفسه. وأعاد نفوذ الفاطميين ثانية إلى تلك
البلاد.
وفى سنة (٤٦٢هـ) حاول السلاجقة الاستيلاء على «الشام» فكان
نجاحهم جزئىا، ثم استتب الأمر أثناء الشدة العظمى التى مرت بها
«مصر»، وأصبح «الشام» و «فلسطين» يتقاسمهما السلاجقة من
стр. 532
ناحية، والصليبيون من ناحية أخرى، ولم يبق بحوزة الفاطميين فى
أوائل عهد الخليفة الظاهر إلا «مصر» وبعض البلاد الشامية.
٤ - العباسيون فى بغداد:
لاشك أن الخلافتين الفاطمية والعباسية كانتا على طرفى نقيض؛
لاعتقاد كل منهما أنها أحق بالخلافة، وأن الأخرى مغتصبة لها، فقد
قامت الخلافة الفاطمية - أساسًا - فى «إفريقية»، وهى أرض تابعة
للخلافة العباسية، وامتد نفوذهم على مساحة كبيرة من الأرض هى
أيضًا تابعة لهم، مثل «برقة» و «مصر»، ولم يحاول العباسيون صد
الحملة الأخيرة للفاطميين على «مصر»، فتأسست مدينة «القاهرة»
لتنافس «بغداد»، وامتد سلطانها ليشمل «الشام» و «فلسطين»
و «الحجاز»، بل إن البويهيين الشيعة فكروا فى إلغاء الخلافة
العباسية فى «بغداد»، إلا أن خوفهم على نفوذهم هو الذى منعهم
من إتمام هذا الأمر، ففضلوا خليفة سنيا ضعيفًا خاضعًا لهم على خليفة
فاطمى قوى يخضعون له، ومع ذلك فقد جاهر «بهاء الدولة بن بويه»
بمناصرته للفاطميين، فأصدر الخليفة العباسى «القادر» منشورًا فى
سنة (٤٠٢هـ) يقدح فيه فى نسب الفاطميين، وحذا ابنه وخليفته
«القائم» حذوه، وطعن فى نسبهم، وشفع ذلك بوثيقة عليه توقيعات
علماء «بغداد»، تمامًا كما فعل أبوه من قبل، ولكن هذا لم يؤتِ
ثماره المرجوة، وامتد النفوذ الفاطمى حولا كاملا، مما جرَّأ العامة
على نهب دار الخلافة العباسية، وأُرْسِلَت عمامة الخليفة القائم
وعرشه وخلعته إلى «القاهرة»، ثم بيعت أثناء الشدة المستنصرية،
وظل أمر الشيعة غالبًا بالعراق حتى استنجد الخليفة بالسلاجقة،
فقدِم «طغرل بك» وقتل «البساسيرى» سنة (٤٥١هـ)، وحاول التوسع
فى الشام على حساب الفاطميين، وتمكن «ملكشاه» من فتح
«الرملة» و «بيت المقدس» و «دمشق» وتقدمت جيوشه صوب «مصر»،
فأوقفها «بدر الجمالى» وتمكن من تحقيق النصر عليها، وبذلك
أصبحت مملكة الفاطميين نهبًا مباحًا لكل طامع، وتقلص نفوذها حتى
стр. 533
تمكن «نور الدين محمود» من الاستيلاء عليها بواسطة قائده «صلاح
الدين الأيوبى»، الذى أزالها وأقام على أنقاضها الدولة الأيوبية.
стр. 534
الفصل الخامس
*الحضارة والنظم فى العصر الفاطمى
نظام الحكم:
قام نظام الحكم على نظرية الإمامة التى اعتبرها الشيعة حقا لهم.
إرثًا عن النبى ﷺ ويختلفون فى ذلك عن أهل
السنة القائلين بحق الأمة فى اختيار إمامها، كما يختلفون مع الإمامية
الإثنا عشرية الذين ساقوا الإمامة فى اثنى عشر رجلا من آل البيت،
كان آخرهم «محمد بن الحسن العسكرى»، بينما وقف بها
الإسماعيلية بعد «جعفر الصادق» عند ابنه «إسماعيل» الذى نُسِبَت
الدولة إليه، وركزت كلتا الطائفتين على حق آل البيت فى الإمامة،
وأن مهمة الإمامة هى الحفاظ على تراث النبوة.
الوزارة:
هى أرفع المناصب بعد الخلافة، وكانت تنقسم إلى:
١ - وزارة قلم.
٢ - وزارة سيف.
وكان يُطلَق عليها رتبة الوساطة أو السفارة فى أول عهد الدولة،
ولم تظهر كلمة وزير إلا فى عهد «العزيز» ثانى الخلفاء الفاطمىىن
فى «مصر»، وكان يتم اختيار الوزير -غالبًا - من بين أرباب الأقلام،
وتحول هذا المنصب إلى سلطة استبدادية أثناء الشدة المستنصرية؛
فكان «بدر الجمالى» وزير سيف، وبه بدأ عهد استبداد الوزراء،
وتحولت الوزارة إلى وزارة تفويض، وأصبح الوزير متحكمًا فى جميع
أمور الدولة؛ بل أصبح الوزراء يتدخلون فى تولية الإمام وولى
عهده، فعظم أمرهم وقويت شوكتهم.
كان وزير التنفيذ يُلقَّب بالأجَلِّ، أما وزراء التفويض فكانت ألقابهم
تدل على السلطة الواسعة التى تمتعوا بها، مثل: أمير الجيوش،
وكافل قضاة المسلمين، وهادى دعاة المؤمنين، وتلقَّب الوزير
«طلائع بن رزيك» بالملك المنصور، وتلقَّب ابنه «رزيك بن طلائع»
بالملك العادل، وكذلك تلقب «صلاح الدين الأيوبى» آخر وزراء
الفاطميين وأول سلاطين الدولة الأيوبية بالملك الناصر، كما وُصِف
بعض هؤلاء الوزراء بالسلطان.
كانت للوزير فى العصر الفاطمى علامات تميزه عن غيره من موظفى
الدولة، وانفرد بلبس زى خاص، وبلغ راتبه خمسة آلاف دينار شهريا،
стр. 535
وكان له حق الجلوس بجوار الخليفة، وكان مجلسه بدار الوزارة
الكبرى - التى بُنى لها قصر كبير بجوار باب النصر - لا يقل فى الأبهة
والعظمة عن مجلس الخليفة نفسه.
واشتُرط فيمن يتولى منصب الوزارة أن يكون مخلصًا لعقيدة الدولة،
وأن تكون لديه المهارة فى تدبير الأموال، ولذلك تولى وزارات
التنفيذ وزراء من أهل الذمة ظلوا على عقيدتهم.
نظام الإدارة:
ورث الفاطميون نظام العباسيين فى الإدارة، فعملوا على تركيز
السلطة فى أيديهم، وأصبح نظامهم الإدارى شديد المركزية تُدار
شئونه من داخل القصر، باستثناء بعض الظروف النادرة التى نُقل
فيها ديوان الوزارة إلى دور الوزراء، وسرعان ما يعود إلى القصر
ثانية.
انقسمت الشئون الإدارية فى عهد الفاطميين إلى:
١ - ديوان الإنشاء الذى يقوم بتنفيذ أوامر السلطة العليا.
٢ - ديوان المالية، ويقوم بجباية الأموال وإنفاقها.
٣ - ديوان الإدارة المحلية التى تحكم الولايات.
وتفرع عن كل ديوان من هذه الدواوين أقسام عديدة، كان لكل منها
عمل معين، وعلى الرغم من محاولة «جوهر الصقلى» إحلال المغاربة
محل المصريين فى الوظائف الإدارية، فإنه فشل فى ذلك، لجهل
البربر بدقائق الإدارة، فبقى المصريون من المسلمين وأهل الذمة فى
مناصبهم الإدارية، وتشير المصادر التاريخية إلى استخدام القبط
واليهود - بكثرة - فى مختلف دواوين الدولة.
النظام الدينى:
أطلِق لقب: «أصحاب الوظائف الدينية» على علماء الدين فى العصر
الفاطمى، وكانت هذه الوظائف تضم:
١ - القضاء: ويعتمد على التشريع الإسماعيلى.
٢ - الدعوة: وتعتمد على العقيدة الشيعية للدولة.
ويتفق التشريع الشيعى مع التشريع السنى فى أن كلا منهما يعتمد
على القرآن الكريم والسنة النبوية كأساس للتشريع، مع اختلاف
جوهرى هو أن الفاطميين وضعوا تأويلا باطنيا لنصوص القرآن
والسنة؛ فالصلاة - مثلا - هى الفرائض الخمس المعروفة، ولكن معناها
стр. 536
الباطنى هو الإخلاص للإمام الباطنى، ولذلك لا يقبلون من الأحاديث إلا
ما رواه آل البيت ونُقل عنهم، حتى وإن كانت هناك أحاديث مشتركة
بين الطرفين اختلف رواتها.
لم يمنع المذهب الشيعى الاجتهاد، ولكنه اشترط أن يكون هذا
الاجتهاد قائمًا على الأصول التى وضعها الفاطميون، ولذا أصبح
اجتهاد الشيعة مقيدًا.
تولى أصحاب الوظائف الدينية الإشراف على القضاء فى أرجاء
الخلافة، فكان منهم: قاضى القضاة، وصاحب المظالم، والمحتسب،
وصاحب الشرطة.
وقامت الدعوة على أسس العقيدة الشيعية؛ لأن الدولة الفاطمية دولة
قامت على أسس مذهبية، وكانت دعوتها تُسمَّى رسميا: الدعوة
الهادية، أو الدعوة العلوية، وكان الهدف من هذه الدعوة تأييد حكم
الفاطميين ليترسخ فى النفوس حق الفاطميين فى حكم العالم
الإسلامى، فأيدت حق الإمام المطلق فى ولاية أمر المسلمين، ولجأت
إلى تأويل القرآن بما يتفق مع تأييد وجهة نظرها، بزعم أن أبناء
«فاطمة» بنت رسول الله وذريتها هم وحدهم القادرون على هذا
التأويل، ولديهم معنى واضح وآخر باطن لكل كلمة قرآنية.
بمجىء الفاطميين إلى «مصر» أصبحت «القاهرة» مقر داعى الدعاة؛
الذى له حق الإشراف على الدعوة فى «مصر» والعالم الإسلامى،
وعليه إرسال الدعاة فى أنحاء العالم أجمع للتبشير بمذهب
الفاطميين، ولهذا كان يجب عليه أن يكون عالمًا بالمذهب
الإسماعيلى، عارفًا بأسرار العقيدة، بليغًا، ذكيا، عالمًا بقواعد
الدين.
كانت مجالس الدعوة تُعقد بصفة منتظمة ودورية، فخصص يوم الأحد
للرجال، ويوم الثلاثاء للأشراف والشخصيات المرموقة، ويوم الأربعاء
للنساء، وكانت المحاضرات المقروءة فى هذه المجالس تُسمَّى:
مجالس الحكمة، أو مجالس الدعوة، فإذا فرغ الداعى من إلقاء
محاضرته تزاحم عليه الناس فى طقوس غريبة، فيمسح على رءوسهم
برقعة وضع عليها الخليفة توقيعه.
كان الداعى يلى قاضى القضاة فى الرتبة والمكانة، وكان راتبه
стр. 537
الشهرى مائة دينار مثل راتب القاضى، وتلقَّب بألقاب فخمة مثل:
«الشيخ الأجلّ»، وكانت له سلطة روحية غير محدودة على جميع
الشئون السياسية والدينية فى الدولة.
النظام الحربى:
كان الجيش الفاطمى من أقوى الجيوش فى عصره، وكانت له دواوين
خاصة قامت على تنظيمه وإعداده، كديوان الجيش الذى أشرف على
إعداد الجنود وأعدادهم، وديوان الرواتب الذى اختص بتسجيل
العطاءات، وديوان الإقطاع الذى اختص بالنظر فى الإقطاعات التى
تمنحها الدولة لبعض العسكريين مقابل قيامهم بواجبات معينة، وقد
أتت مكانة قائد الجيش بعد صاحب الباب الذى كان يلى الوزير
مباشرة، وتميز قادة الجيش عن بعضهم بعلامات يحملونها، وسكن
الجنود فى معسكرات خاصة بهم حتى لا يضايقوا الأهالى فضلا عن
تواجدهم فى مراكز الحدود.
روى «المقريزى»: «أن خزائن المال وأمتعة الجيش حملها عشرون
ألف جمل، حين خرج جيش العزيز قاصدًا الشام، وعمل الفاطميون
على تزويد الجيش بأحدث أنواع الأسلحة. ولذا يمكن القول بأن الجيش
الفاطمى كان جيد الإعداد مثل غيره من جيوش الدول الكبرى آنذاك».
قام الأسطول الفاطمى بعدة حملات بحرية فى البحر المتوسط أثبت
خلالها شدة بأسه، وكانت له غزوات مظفرة على «بيزنطة»
و «إيطاليا» و «فرنسا» و «إسبانيا»، ويروى «القلقشندى» أن وحدات
الأسطول الفاطمى كانت مرتبة ومتواجدة بجميع الشواطىء
الساحلية، ماعدا سواحل الشام التى فقدوا سيطرتهم عليها فى القرن
الأخير من حكمهم، فقد غلبهم عليها الصليبيون.
خصصت الدولة الفاطمية جزءًا كبيرًا من ميزانيتها للإنفاق على إعداد
الجيش وتجهيز رجاله بما يحتاجون إليه من أدوات الحرب وغيرها،
وكان للجيش ديوان خاص يُدعى «ديوان الجهاد»، وأُنشئت الموانئ
لبناء السفن التى كان بعضها يتسع لحمل ألف وخمسمائة شخص،
وأصبح الأسطول الفاطمى من أكبر الأساطيل، وبقى نموذجًا احتذى
به الأيوبيون والمماليك.
مُنْشآت الفاطميين:
стр. 538
تميز العصر الفاطمى بمنشآته العديدة، وكان على رأسها تأسيس
«القاهرة»، وإنشاء «الجامع الأزهر»، وتشييد «القصر الشرقى»،
و «القصر الغربى»، و «قصر البحر»، و «قصور عين شمس»، و «جامع
الحاكم»، و «جامع الأولياء».
تأسست مدينة «القاهرة» سنة (٣٥٨هـ) لسبعة عشر يومًا خلت من
شهر شعبان، واختطت قبائل البربر مساكنها حول قصر «المعز» بها.
وأصبحت منذ ذلك اليوم مقرا للحكم، ومركزًا لنشر الدعوة الشيعية،
وحصنًا يصد هجمات الأعداء، وأطلق عليها اسم «المنصورية» نسبة
إلى «المنصور» والد «المعز»، وقد اختلف المؤرخون فى سبب
تسميتها بالقاهرة؛ فذكر «ابن دقماق»: أن أساسها حُفِر أثناء طلوع
كوكب يُقال له «القاهر» فسميت به. وقيل إن «المعز» قال لجوهر
الصقلى: «لتدخلن فى خرابات ابن طولون، وتبنى مدينة تقهر الدنيا»،
فلما حدث ذلك سماها «جوهر» «القاهرة»، وهناك من ذكر أنها
سُميِّت بذلك لأنها تقهر من يشذ عنها.
أحاط «جوهر» «القاهرة» بسور كبير من الطوب اللَّبِن، وإلى الجنوب
الشرقى منها كانت مدينة «الفسطاط»، وإلى الغرب منها وقع ميناء
«المقس»، ثم وضع «جوهر» أساس القصر الذى شيده من أجل مولاه
«المعز»، ذلك القصر الذى قيل عنه إنه احتوى على أربعة آلاف
حجرة، وتأثَّث بفاخر الرياش، وبأفخر ما يحتاج إليه خاصة الناس
لاسيما الملوك والخلفاء.
كانت «القاهرة» مدينة الخاصة، فلم يكن أحد يسكنها إلا الخليفة
ورجاله، وقد بنى «العزيز بن المعز» فيها قصرًا عُرِف بالقصر
الغربى، فعرفت المنطقة الواقعة بين قصرى «المعز» و «العزيز» -
الشرقى والغربى- باسم: «بين القصرين»، وكان «الأزهر» أول مسجد
شُيد فى «القاهرة» المعزية، وقد شرع «جوهر» فى بنائه يوم السبت
الموافق (٤ من رمضان سنة ٣٥٩هـ)، وأقيمت الصلاة به لأول مرة فى
(٧ من رمضان سنة ٣٦٠هـ)، وصار منذ ذلك الوقت إلى الآن أشهر
جامع فى العالم الإسلامى، وكان «على ابن النعمان» أول مَنْ مارس
стр. 539
التدريس فيه، حيث أملى على الطلاب مختصر أبيه «القاضى النعمان»
فى الفقه على المذهب الشيعى، كما كان «العزيز بالله» أول مَنْ
حَوَّل «الأزهر» من مسجد تُقام فيه الصلاة إلى جامعة تُدرس فيها
العلوم، وهو أول مَن أجرى الأرزاق على طلاب العلم فيه، وتبعه فى
ذلك الخلفاء والأمراء والوزراء؛ فبنوا الأروقة لتكون منازل مُعَدَّة
لسكنى الطلاب، وجعلوا لكل بلد رواقًا خاصا بطلابه، فكان هناك
رواق الصعايدة، ورواق المغاربة، ورواق الأكراد .. الخ.
وبنى «العزيز بالله» قصورًا عديدة فى «عين شمس»، وأسس «قاعة
الذهب»، وبدأ بناء مسجد أتمه ابنه «الحاكم» وفرشه بستة وثلاثين
ألف متر من الحصر، وأضاءه بالقناديل، وعلَّق على أبوابه الستور
الحريرية، وحبس عليه أملاكًا كثيرة لرعايته والإنفاق عليه، وفى سنة
(٣٩٥هـ) أنشأ «الحاكم» «دار الحكمة» وألحق بها مكتبة كبرى أطلق
عليها اسم «دار العلم»، وأنشأ «الظاهر» «قصر اللؤلؤ»؛ الذى يُعدُّ
من أجمل قصور العصر الفاطمى، وظل مكانًا يلجأ إليه الخلفاء من
بعده وقت فيضان النيل.
ولنا أن نشير إلى اهتمام خلفاء الدولة الفاطمية ووزرائها بإقامة
المنشآت على النيل؛ لتوزيع المياه بطريقة تكفل زراعة أكبر مساحة
من الأراضى.
الحالة الاقتصادية:
وجَّه الفاطميون اهتمامهم إلى الزراعة والصناعة والتجارة، وفرضوا
الضرائب على بعض المنتجات، فقد قاست «مصر» الأمرَّين فى أواخر
الدولة الإخشيدية؛ حيث انخفض ماء النيل، وعم القحط وانتشر الوباء
لدرجة أن الناس عجزوا عن تكفين موتاهم، فلما فتح «جوهر»
«مصر»، منع احتكار الحبوب، وعهد إلى المحتسب برقابتها فى
الأسواق، ثم عاد الخير إلى «مصر» ثانية بعودة مياه النيل إلى
الزيادة، فبلغت الأرض المنزرعة فى عهد «المعز» (٢٨٥ ألف فدان)،
وارتقت البلاد زراعيا بفضل إنشاء القناطر وإقامة السدود، وتنظيف
الترع والمصارف، ثم حدثت المجاعة التى عُرفَت بالشدة العظمى فى
عهد «المستنصر».
стр. 540
بزغ نجم «مصر» عاليًا فى مجال الصناعة فى عهد الفاطميين، وبرع
المصريون فى صناعة المنسوجات، وزادت ثروتهم من صادرات هذه
الصناعة لاسيما منتجات «دمياط» و «تنيس» و «الأشمونيين»، التى
نالت منسوجاتها شهرة عالمية. كذلك ارتقت صناعات الفرش والسجاد
والسيرج والذهب والفضة، ورُصِّع عرش الخلافة الفاطمية بمائة وسبعةَ
عشر ألف مثقال من الذهب، ووُضع ستار قبالة هذا العرش رُصِّع بألف
وخمسمائة وستين قطعة من الجواهر المختلفة الألوان، وحُلى
بثلاثمائة ألف مثقال من الذهب الخالص، وكان لدى المستنصر طاووس
من الذهب مرصع بالأحجار الكريمة، وعيناه من الياقوت، وريشه من
الزجاج المموه بالذهب، كما وجد بدار الوزير «الأفضل» ثمانية تماثيل
لثمانى جوارٍ متقابلات، أربع منهن بيضاوات والأربع الأخر لونهن
أسود، مرتديات أفخر الثياب، متزينات بأثمن الجواهر، إذا دخل
«الأفضل» من باب المجلس نكسن رءوسهن إجلالا له.
كذلك برع المصريون فى صناعة الأطباق والصحاف والزجاج، لدرجة
أنهم استطاعوا إنتاج نوع شفاف من الزجاج يشبه «الزمرد» لنقائه
الشديد فكان يباع بالوزن.
وقد نشطت التجارة بين «مصر» والعالم نشاطًا ملحوظًا، وكانت حركة
السفن التجارية لا تتوقف غدوا ورواحًا بميناءى «عيذاب»، و «القلزم»
(السويس)، وكانت نسبة الضرائب تزيد وتنقص تبعًا لزيادة المحصول
وقلته نتيجة الزيادة أو النقصان فى ماء النيل، وبلغت ضريبة الفدان
فى عهد «المعز» سبعة دنانير، وبلغت ضريبة الرءوس دينارًا وربع
الدينار عن كل فرد، ثم كانت الجزية التى تُحصَّل من قادرى اليهود
والنصارى دون ظلم أو إجحاف مقابل رعايتهم وإعفائهم من الخدمة
العسكرية، ولم تكن الجزية مبلغًا كبيرًا لقلة عدد اليهود والنصارى
بعد تحول معظم المصريين إلى الإسلام.
وفرضت الضرائب على الصناع والحرفيين، وروعى فيها العدل -غالبًا-
أثناء قوة الخلافة الفاطمية وخلفائها، فلما حَلَّ الضعف بها وتسلط
стр. 541
الوزراء على الخلفاء والبلاد؛ أُهملَت النواحى الاقتصادية، ولم يراعِ
هؤلاء الوزراء حالة المواطنين، فكان ذلك سببًا فى فتح أبواب البلاد
أمام الطامعين.
طوائف الشعب:
كان سواد الشعب المصرى من أهل السنة حين دخلها الفاطميون،
فحاولوا نشر مذهبهم الشيعى بالترغيب مرة وبالترهيب أخرى،
ومنحوا العطايا والهبات، فكان لذلك أثره الكبير فى اعتناق
الكثيرين للمذهب الشيعى، فضلا عن رغبة البعض فى الإبقاء على
وظائفهم؛ إذ تحتم على من يرغب فى الإبقاء على وظيفته اعتناق
المذهب الشيعى.
وكان المغاربة وعلى رأسهم الكتاميون الذين قدموا مع الجيش
الفاطمى، وقامت دولة الفاطميين بسواعدهم - ضمن طوائف الشعب
بعد أن استقر لهم الأمر، وطاب لهم العيش بمصر، وكذلك كان هناك
أهل الذمة من اليهود والنصارى؛ الذين تقلدوا مناصب رفيعة. وشغلوا
معظم الوظائف المالية، تُضاف إليهم طائفة الأتراك الذين كثر عددهم
منذ عهد الطولونيين، وظلوا بمصر، فدار بينهم وبين المغاربة تطاحن
وتنابذ فى عهد الحاكم، أما السودانيون فقد كثر عددهم منذ «كافور
الإخشيدى»، وقويت شوكتهم فى عهد «الحاكم»، فاستعان عليهم
بالأتراك، ثم زاد خطرهم ثانية وقويت شوكتهم حين تزوج «الظاهر»
واحدة منهم.
مكانة المرأة:
كان للنساء شأن كبير فى الدولة الفاطمية، لدرجة أنهن كن يتدخلن
فى توجيه سياسة الدولة، وحققت الكثيرات منهن ثروات طائلة، مثل:
«رشيدة ابنة المعز لدين الله»، التى بلغت ثروتها مليونًا وسبعمائة
ألف دينار، وكان لأختها «عبدة» خزائن عديدة ملأى بالحلى،
وصناديق كثيرة يحوى كل منها خمسة أكياس من «الزمرد» وثلاثمائة
قطعة فضية وثلاثين ألف ثوب صقلى وغير ذلك، وامتلكت الملكة
«تغريد» زوج «المعز» أموالا طائلة، وشيَّدت مسجدًا بالقرافة.
تزوج «العزيز» امرأة نصرانية من الروم، وعين أخويها بطريركين
بالإسكندرية و «بيت المقدس»، وولدت «للعزيز» ابنه «الحاكم» وابنته
стр. 542
«ست الملك»، فكان لها نفوذ كبير، ثم كان لابنتها «ست الملك» من
النفوذ والدهاء ما مكنها من تأجيل انهيار الدولة الفاطمية فترة طويلة
بعد أن أزاحت «الحاكم» عن العرش، كما سبق ذكره، وتركت «ست
الملك» ثروة ضخمة كان منها ثمانمائة جارية وعدد كبير من الأحجار
الكريمة، وبلغت مخصصاتها السنوية خمسين ألف دينار، وكانت زوجة
«الظاهر» وهى أم «المستنصر» من النساء اللاتى حظين بنفوذ كبير
فى الدولة الفاطمية، فأكثرت من بنى جلدتها السودانيين حتى وصل
عددهم إلى خمسين ألفًا.
لم يكن لنساء العامة أى أثر فى الحياة السياسية، ولم تذكر المصادر
أى نشاط لهن فى الدولة الفاطمية، فقد كان ذلك مقصورًا على نساء
الطبقة الحاكمة.
المواسم والأعياد:
كان للمصريين أعيادهم المختلفة ومواسمهم المعينة قبل الفتح
الإسلامى، علاوة على ما استجد من الأعياد الدينية بعد الفتح
الإسلامى، وبما أن الدولة الفاطمية دولة دينية مذهبية، فقد كانت
الحفلات بالنسبة إلى خلفائها مناسبة لتأكيد عقيدتهم، وعملوا على
صبغها بالصبغة المذهبية، فمن الأعياد التى كانت موجودة قبل الفتح
الإسلامى وظلت باقية بعده «عيد وفاء النيل» الذى ظل تقليدًا بعد
الفتح مع إدخال بعض التعديلات على الاحتفال به لتتناسب مع الدين
الإسلامى، وكان هناك «عيد الغطاس» الذى يحتفل فيه النصارى
بذكرى المسيح فى ليلة (١١ من طوبة = ٩من يناير)، وذكر
«المقريزى» أنها أحسن ليلة تكون بمصر وأشملها سرورًا ولا تغلق
فيها الدروب»، وعيد «النوروز» الذى يقول عنه «المقريزى»: «إنه
أول السنة القبطية بمصر، وهو أول يوم من توت، و «عيد الميلاد» فى
(٢٩ من كيهك)، و «خميس العهد».
أما الأعياد والمواسم الدينية التى عرفها المصريون بعد الفتح
الإسلامى؛ فلم تأخذ شكلها الفخم ومظهرها الرائع إلا بعد مجىء
الفاطميين، ومن أشهر هذه الأعياد: «عيد رأس السنة الهجرية»، الذى
كانوا يعدون العدة للاحتفال به ابتداء من العشر الأواخر من شهر ذى
стр. 543
الحجة، فكان الاحتفال به مثالا للروعة والبهاء، كما كان لهم كبير
اعتناء بليلة أول المحرم من كل عام، وبأعياد ليالى الوقود الأربعة
وهى: الأول من رجب ونصفه، والأول من شعبان ونصفه، وكذلك
بعيدى «الفطر» و «الأضحى»، وفيهما تُقَام الولائم وتُعدُّ الموائد
للشعب، وفى الثانى عشر من شهر ربيع الأول من كل عام يقام
الاحتفال بالمولد النبوى الشريف بمراسم خاصة فخمة تليق بالمكانة
العظيمة للنبى ﷺ فى نفوس المسلمين. ذلك
بالإضافة إلى أعياد الشيعة المذهبية كعيد «غديرخم» نسبة إلى
الغدير الموجود بهذا الاسم بين «مكة» و «المدينة»، ويذكر الشيعة أن
النبى ﷺ نزل بموضع «الغدير»، وآخى «علىَّ بن
أبى طالب» فى عودته من «مكة» إلى «المدينة» بعد حجة الوداع
سنة (١٠هـ)، ثم قال ﷺ : «علىٌّ منى كهارون من
موسى، اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه، وانصر مَنْ نصره،
واخذل مَنْ خذله»، فاعتبر الشيعة هذه المقولة بمثابة وصية من
الرسول لعلىّ، وأنه أحق بالخلافة من غيره. ومن احتفالات الفاطميين
احتفال بذكرى مقتل «الحسين بن علىّ» -رضى الله عنهما - وهو
عندهم يوم حزن يُمدُّ فيه سماط يُسمَّى «سماط الحزن»، ذلك إضافة
إلى أعياد أخرى مثل الاحتفال بإرسال الكسوة بصحبة قافلة الحج،
والاحتفال بشهر رمضان، والاحتفال بذكرى مولد الكثير من الأئمة،
ومولد الخليفة القائم بالأمر.
ولا يعرف التاريخ دولة إسلامية استطاعت طبع «مصر» بطابع قوى
وجديد مثلما فعلت الدولة الفاطمية، التى مرت عبر صفحات التاريخ
شأنها شأن أىة دولة تباينت قوة وضعفًا، واعتورها الصواب
والخطأ، بيد أنها سطرت صفحة ناصعة من ألمع الصفحات فى التاريخ
الإسلامى تمثلت فى «الجامع الأزهر» ومدينة «القاهرة».
стр. 544
الفصل السادس
*الدولة الأيوبية
[٥٦٧ - ٦٤٨ هـ = ١١٧١ - ١٢٥٠م].
أصل الأيوبيين:
يرجع أصل الأيوبيين إلى «نجم الدين أيوب» الكردى الأصل، وأبوهُ
يُدعَى «شادى» من قبيلة «الهذبانية» إحدى القبائل التى استقرت
ببلدة «روبن» بأطراف «أرمينية». اتصل «شادى» والد «نجم الدين
أيوب» برجل اسمه «بهروز» كان مربيًا لأبناء السلطان السلجوقى
«مسعود»، ثم أصبح حاكمًا لبغداد تحت سلطة السلاجقة سنة
(٥٠٢هـ)، وكانت له مكانة سامية لدى السلطان السلجوقى، فأقطعه
السلطان «قلعة تكريت»، فأسند «بهروز» حراستها إلى «نجم الدين
أيوب بن شادى»؛ الذى ظل فى حكمها وحراستها عدة سنوات
اكتسب خلالها الخبرة بشئون الإدارة، وتمتع فيها بحب الأهالى.
دب خلاف بين «بهروز» و «نجم الدين أيوب»، فخرج «نجم الدين»
وأخوه «شيركوه» وأهلهما من «تكريت» عقب هذا الخلاف سنة
(٥٣٢هـ)، فحزن الأهالى على ذلك حزنًا شديدًا؛ لما كان يحظى به
«نجم الدين» من محبة فى قلوبهم.
اتصال أيوب بعماد الدين زنكى:
خرج «أيوب» من القلعة، وعزم على المغامرة فى حوادث الشرق
الأدنى، وربط مستقبله بشخصية «عماد الدين زنكى» الذى عظمت
مكانته، واشتدت قوته، ورحب بمقدم أسرة «أيوب» إلى «الموصل»،
واستقبلهم وأكرم وفادتهم، ثم أسند حكم «بعلبك» بعد فتحها إلى
«أيوب» سنة (٥٣٤هـ)، وقلد «شيركوه» قيادة الجيش؛ فكانا عند
حسن ظنه، وأصبح «أيوب» محبوبًا من رعيته لعدله، واتصف
«شيركوه» بالشجاعة والإقدام والمغامرة وحب القتال.
صلاح الدين الأيوبى:
شاءت الأقدار أن يولد لأيوب ولد أسماه «يوسف» ليلة رحيله عن
«قلعة تكريت» سنة (٥٢٦هـ)، فنشأ «يوسف» فى بلاط «زنكى»
بالموصل وعُرف باسم «صلاح الدين»، وقضى طفولته فى ظل والده
«أيوب» ببعلبك، وأخذ عنه براعته فى السياسة، وشجاعته فى
الحروب، فشب خبيرًا بالسياسة وفنون الحرب، وتعلم علوم عصره
وتثقف بثقافة أهل زمانه، وحفظ القرآن، ودرس الفقه والحديث.
стр. 545
رحل «صلاح الدين يوسف» مع والده إلى «دمشق» بعد وفاة «عماد
الدين زنكى»، ثم دخل فى خدمة «نور الدين بن عماد الدين زنكى»
سلطان «حلب»، فاستعان «نور الدين» بشيركوه وابن أخيه «صلاح
الدين» فى ضم «مصر» إليه.
قيام الدولة الأيوبية:
فى أواخر العصر الفاطمى قام صراع محموم بين «شاور» و «ضرغام»
على منصب الوزارة، فاستنجد «شاور» بنور الدين محمود، فلبى
نداءه وأرسل حملة كبيرة تحت قيادة «شيركوه» ومعه ابن أخيه
«صلاح الدين»، فكان النصر حليف الحملة على «ضرغام» والصليبيين
الذين استنجد بهم، وقُتل «شاور» فى المعركة، فاعتلى «أسد الدين
شيركوه» كرسى الوزارة، ولكنه تُوفِّى بعد قليل، فخلفه فى
المنصب ابن أخيه «صلاح الدين» سنة (٥٦٥هـ) وهو فى الثانية
والثلاثين من عمره.
عمل «صلاح الدين» على توطيد مركزه فى «مصر»؛ لتأسيس دولة
قوية تحل محل الدولة الفاطمية التى ضعفت، وتحقق له ذلك بعد وفاة
«العاضد» آخر خلفاء الدولة الفاطمية سنة (٥٦٧هـ).
العقبات التى اعترضت صلاح الدين:
لم تكن الأوضاع مهيأة أمام «صلاح الدين» لإقامة دولة إسلامية يكون
هو مؤسسها وسلطانها، خاصة أن العالم الإسلامى كان مفككًا
وضعيفًا ويحيط به الأعداء من كل جانب، بالإضافة إلى كونه نائبًا عن
«نور الدين محمود» فى «مصر» التى يطمع الصليبيون وبقايا
الفاطميين فى امتلاكها والسيطرة عليها، فعمل على مواجهة هذه
العقبات والقضاء عليها واحدة بعد الأخرى كالآتى:
أ - إلغاء المذهب الشيعى فى مصر:
كان «صلاح الدين» وزيرًا سنيا فى دولة شيعية، وتولَّى أكبر
المناصب بعد الخليفة، وأصبحت له الكلمة العليا فى إدارة شئون
البلاد، فتحولت مهمته المؤقتة التى جاء من أجلها مع عمه
«شيركوه»، إلى إقامة دائمة بمصر مع ولائه لسيده «نور الدين
محمود»، وحذف اسم الخليفة الفاطمى «العاضد» من الخطبة، وجعلها
للخليفة العباسى ولسيده «نورالدين» من بعده، فزاد حاسدو «صلاح
стр. 546
الدين»، وأدرك أن تعدد المذاهب هو السبب الرئيسى فى ضعف
المسلمين، فعمل على إلغاء المذهب الشيعى فى «مصر»، وتم له ما
أراد، وهوى نجم الدولة الفاطمية، وسقطت، وتولى «صلاح الدين»
رئاسة الدولة بعد صراع مرير مع بقايا الفاطميين وأنصارهم، وأصبح
المذهب السنى هو مذهب البلاد.
ب - الفتن الداخلية:
لاشك أن الإصلاح الحقيقى لأى بلد يحتاج إلى فترة كى يتفهمه
الناس ويشعروا به، لذا فقد صعب على دعاة الفتن مسعى «صلاح
الدين» لإصلاح أمر الأمة وتأسيس دولة قوية، خاصة أن الأعداء
يحيطون بمصر من كل جانب، فقامت حركات مناهضة لما يقوم به
«صلاح الدين»، وكان من أشدها وأخطرها: الحركة التى قادها
الشاعر «عمارة اليمن»، الذى طالما مدح الفاطميين وأيامهم، واعتبر
الأيوبيين مغتصبين للعرش الفاطمى، فعمل على إعادة الحكم
للفاطميين، ودعا عددًا كبيرًا من الجند، وانضم إليه المناصرون وبقايا
الفاطميين، وأصبحت حركته خطرًا يهدد دولة الأيوبيين الوليدة، إلا أن
«صلاح الدين» تمكن من إفشالها، وقبض على قادتها، وما كادت
الأوضاع تهدأ حتى قامت فتنة أخرى فى «أسوان» تدعو إلى عودة
البيت الفاطمى، فأرسل «صلاح الدين» أخاه «العادل» الذى تمكن من
دخول «أسوان» والقضاء على هذه الفتنة فى سنة (٥٧٠هـ).
ج - تطور العلاقة بين صلاح الدين ونور الدين محمود:
لم تكن الفتن الداخلية هى العقبة الوحيدة التى واجهت «صلاح الدين»
فى بداية حكمه لمصر فحسب، ولكنه كان أحد قواد «نور الدين
محمود»، وحكم «مصر» نيابة عنه، وذكر اسمه فى الخطبة بعد
الخليفة العباسى، وضرب السكة باسمه.
وقد كانت تبعية «صلاح الدين» لنور الدين تبعية اسمية، ولم يتدخل
«نور الدين» فى شئونه، وكان هو الحاكم الفعلى لمصر، وله جيشه
وحاشيته، ويتمتع بحب رعيته، ولكن «نور الدين» كان يعتمد على
مساعداته لصد أعدائه من السلاجقة والصليبيين، إلا أن الفتن الداخلية
стр. 547
التى قامت فى وجه «صلاح الدين» لم تمكنه من مساعدة «نور الدين»
فى حربه، وظل على ذلك حتى وفاة «نورالدين» سنة (٥٦٩هـ)،
فتولى من بعده ابنه الملك «إسماعيل بن نور الدين» وكان لايزال
طفلا صغيرًا، فضعفت الدولة فى عهده.
د - وحدة المسلمين:
كان لنجاح «صلاح الدين» فى التغلب على الفتن الداخلية التى
واجهته منذ أن أصبح وزيرًا بمصر، وارتداد الحملة الصليبية إلى
«دمياط» سنة (٥٦٤هـ) أكبر الأثر فى ذيوع اسمه فى أرجاء العالم
الإسلامى، ونظر إليه الناس نظرة إجلال، واعتبروه أحد القادة
العظماء؛ لوقوفه فى وجه الصليبيين، ونجاحه فى فتح
«اليمن»،ونجاحه فى القضاء على حركة «عمارة اليمن».
وقد أثرت وفاة «نور الدين محمود» على دولته فى بلاد الشام، وقام
تنازع شديد بين الأمراء على مَن يعتلى العرش، وانتهى الأمر بتولية
«إسماعيل بن نور الدين» عرش أبيه وهو مايزال فى الحادية عشرة
منْ عمره، فوقع فريسة للصراع بين الأمراء، وضاعت بذلك هيبة
الدولة النورية وقوتها، وبدت عليها مظاهر التفكك والضعف لدرجة أن
أحد الأمراء لم يقو على مواجهة الفرنجة وقتالهم، فعمل على
مهادنتهم واسترضائهم بالمال؛ ليأمن شرهم ويتجنب مواجهتهم.
كان «صلاح الدين» متابعًا للأحداث التى تجرى فى العالم الإسلامى
من حوله، فقرر التدخل فى شئون «الشام» وضمه إلى «مصر» كى
يحول دون وقوعه غنيمة فى أيدى الصليبيين، وليحمى «مصر»
والإمارات الإسلامية من أى خطر يهددها، وجعل هدفه توحيد صفوف
المسلمين وقوتهم فى جبهة واحدة؛ ليتمكنوا من صد الصليبيين
وحصرهم بين شِقَّى الرحى فى الجزيرة والشام من جهة، وفى
«مصر» من جهة أخرى، وانتظر «صلاح الدين» الفرصة لتحقيق ذلك
حتى واتته الفرصة حين استنجد به بعض أمراء «دمشق»، فسار إلى
الشام وتمكن دون قتال من السيطرة والاستيلاء على «دمشق» سنة
(٥٧٠هـ)، ثم على «حمص» و «حماة»، وحال الملك «الصالح
إسماعيل» دون دخوله إلى «حلب»، فقرر «صلاح الدين» حصارها،
стр. 548
فاستنجد أهالى «حلب» بأعداء الدولة، واضطر «صلاح الدين» إلى
فك الحصار عن «حلب»، واستولى على «بعلبك» ليحمى جيشه من
الخلف، ثم عاد ثانية لحصار «حلب»، وأعلن استقلاله، وحذف اسم
«الصالح إسماعيل» من الخطبة، واتصل بالخليفة العباسى، فمنحه
لقب سلطان.
هـ - السلطان صلاح الدين وتوحيد باقى الولايات الإسلامية:
بعد حصول «صلاح الدين» على لقب السلطان استقل عن أسرة «نور
الدين»، وأصبح حاكم «مصر» الرسمى، وقوى مركزه باستيلائه
على «منبج» و «إعزاز»، وشدد حصاره على «حلب»، وعزلها عن
جيرانها حتى طلب «الصالح إسماعيل» الصلح، فوافق «صلاح
الدين»؛ لأن هدفه كان وحدة المسلمين وحماية بلادهم.
تُوفِّى صاحب «الموصل» سنة (٥٧٨هـ)، ومن بعده تُوفى «الصالح
إسماعيل»، فعاد الانقسام ثانية من أجل الوصول إلى كرسى الحكم،
فزحف «صلاح الدين» إلى الشام فى سنة (٥٧٨هـ)، وانضمت إليه
بعض المدن دون قتال، واستولى على «حلب»، وبذا أصبح شمال
الشام كله تحت سيطرته، ولم يعد أمامه سوى مدينة «الموصل» التى
سعى حاكمها إلى التصالح مع «صلاح الدين»، وتعهد بإرسال
المساعدات الحربية إذا طُلب منه ذلك، فخضعت بذلك جميع الإمارات
الإسلامية الشامية تحت سلطان «صلاح الدين»، وتمكن من توحيد كلمة
المسلمين تمهيدًا للنضال ضد الصليبيين.
موقف صلاح الدين من الصليبيين:
ظل «صلاح الدين» يعمل على توحيد العالم الإسلامى مدة عشر
سنوات فى الفترة من سنة (٥٧٢هـ) إلى سنة (٥٨٢هـ)، حتى تحقق له
ما أراد، واستعد لمواجهة الصليبيين المتربصين بالعالم الإسلامى، ثم
تصدَّى لهم، فسجل التاريخ أبرز صور البطولة، وأسمى درجات الفداء
والجهاد ضد هؤلاء المغتصبين، وكان من أبرز هذه المعارك ما يأتى:
واقعة حِطِّين [٥٨٣هـ = يولية ١١٨٧م]:
تعد «حِطِّين» من أشهر الحروب التى خاضها «صلاح الدين» ضد
الصليبيين، بعد سلسلة من الحروب التى خاضها مثل: موقعة «مرج
стр. 549
العيون» سنة (٥٧٤هـ) التى انتصر فيها عليهم، ثم موقعة «مخاضة
الأحزان» سنة (٥٧٥هـ)، ثم حدثت الهدنة بين الطرفين، ولكن الصليبيين
لم يكفُّوا عن محاولة السيطرة على «مصر» وبلاد الشام، وظل «صلاح
الدين» وفيا بعهده؛ لما عرف عنه من الشجاعة والمروءة والمحافظة
على العهد، إلى أن نقض «أرناط» حاكم «حصن الكرك» الهدنة معه
فى سنة (٥٨٣هـ)، وهاجم إحدى قوافل الحج، فكانت هذه الجريمة
هى الشرارة التى أشعلت نار الحرب بين الفريقين، فقد غضب «صلاح
الدين» من هذا العمل الوحشى، خاصة وأن القافلة كانت فى طريقها
إلى حج بيت الله الحرام، فهدد «صلاح الدين» «أرناط» وأنذره بالقتل
إذا تمكن منه، وأعد عدته لقتال الصليبيين، ووافته الإمدادات من
المدن الشامية والمصرية، وسار إلى «طبرية» وحاصرها، فلما علم
الصليبيون باستعداداته الحربية اجتمعوا ببلدة تُدعى «صفورية»،
وتناقشوا فى خطة الحرب الواجب اتباعها إزاء «صلاح الدين»،
واستقر رأيهم على هجوم المسلمين، وتقدموا واحتلوا تلا على مقربة
من «حِطِّين» فى الوقت الذى تمكن فىه «صلاح الدين» من السيطرة
على مدينة «طبرية» باستثناء قلعتها التى استعصت عليه، فتركها
ومضى لملاقاة الصليبيين.
وفى سنة (٥٨٣هـ = يولية ١١٨٧م) دارت الموقعة الحاسمة بين جيش
المسلمين بقيادة البطل الشجاع «صلاح الدين» وبين الصليبيين، فشن
جيش المسلمين حملة هزت جنبات «حطين»، وكان نداء «الله أكبر»
و «لا إله إلا الله محمد رسول الله» حافزًا قويا ومؤثرًا فى دخول
الجنود المعركة ولا هم لهم إلا النصر أو الشهادة، فنصرهم الله نصرًا
مؤزرًا، ونال الصليبيون هزيمة ساحقة، وفر مَنْ بقى منهم هربًا،
فسجد «صلاح الدين» شكرًا لله على ما منحه من نصر، وكان هذا
الانتصار فاتحة خير على المسلمين، وبداية لسلسلة من الانتصارات
على الصليبيين، واستسلمت «قلعة طبرية» وسلمت لصلاح الدين عقب
هذا الانتصار، واتجه «صلاح الدين» صوب الساحل وحاصر «عكا»
стр. 550
حتى استسلمت بعهد وأمان، ثم تتابع -بعد ذلك - استسلام باقى
المدن الساحلية التى تقع جنوب «عكا» وهى: «نابلس» و «الرملة»
و «قيسارية» و «أرسوف» و «يافا» و «بيروت»، وكذا المدن الواقعة
شمال «عكا» مثل: «الإسكندرونة»، وكلها حصلت على العهد بالأمان
من «صلاح الدين» الذى لم يبق أمامه سوى أن يمضى فى طريقه إلى
«فلسطين»، فاستسلمت «عسقلان» له أثناء مروره بها، وحانت
المواجهة الحاسمة لتحرير «بيت المقدس».
الفتح المبارك:
شاءت إرادة الله أن يكون تحرير «المسجد الأقصى» - أولى القبلتين
وثالث الحرمين الشريفين ومسرى رسول الله ﷺ -
على يدى البطل الشجاع «صلاح الدين الأيوبى»، الذى حاصر مدينة
«بيت المقدس» حتى اضطر مَنْ بداخلها إلى الاستسلام وطلب الصلح،
فأجابهم «صلاح الدين» إلى طلبهم وأمهلهم مدة أربعين يومًا للجلاء
عن المدينة ومعهم أمتعتهم، وترك بسماحته زوجة «أرناط» تخرج من
المدينة بسلام مع مَن خرج، ولم يتعرض «صلاح الدين» لأحد بسوء،
وسمح لبطريق المدينة بالخروج مثل باقى الأهالى الذين حملوا معهم
ثرواتهم وكنوزهم وتحفهم، ودخل «بيت المقدس»، وبدأ على الفور
فى إصلاحها، ورمَّم «المسجد الأقصى»، وأقام فيه فترة بعد أن
حرره من المغتصبين المستعمرين، ليعلو صوت الحق والعدل من جديد،
ويصبح «صلاح الدين» ثانى القادة الفاتحين - الذين دخلوا هذه
المدينة - بعد «عمر بن الخطاب» - رضى الله عنه-الذى فتحها الفتح
الأول.
صلح الرملة:
أوشكت الأمور على الاستقرار بعد الانتصارات العظيمة التى حققها
«صلاح الدين الأيوبى»، ولكن أوربا أرادت أن تحول دون تحقيق
ذلك، وأرسلت حملة من أقوى الحملات الصليبية وأكثرها عددًا وعدة
وعتادًا؛ ضمت ملوك أوربا بعد أن دعا البابا إلى حرب المسلمين،
وأعلن قدسية هذه الحرب، فتشكلت حملة من «ألمانيا» وأخرى من
«فرنسا» وثالثة من «إنجلترا»، وخرجت جميعها فى طريقها إلى
стр. 551
العالم الإسلامى لتخريبه، فوقف «صلاح الدين» صامدًا أمام هذه
الحملات الكبيرة التى أتت من البر والبحر، واستطاعت السيطرة على
المناطق الساحلية، ومع ذلك عمد «صلاح الدين» إلى تقوية جيشه
وتنظيم جبهته الداخلية على الرغم من مرضه، فطلب الصليبيون الصلح
الذى عُرف بصلح الرملة، وبدأت المفاوضات بين «الملك العادل» نائبًا
عن «صلاح الدين»، و «ريتشارد» قائد حملة الصليبيين، واتفق
الطرفان على «صلح الرملة» الذى كان من أهم شروطه:
أ - تخريب «عسقلان»؛ لأنها مفتاح «بيت المقدس».
ب - يحكم الصليبيون الساحل من «صور» إلى «يافا»، ويكون جنوبى
ذلك الساحل لصلاح الدين، على أن يقع «بيت المقدس» فى حدوده
وتحت سيطرته.
ج - يُسمَح للمسيحيين بالحج إلى «بيت المقدس» فى أمن وأمان.
وهكذا اتفق الطرفان على بنود هذا الصلح التاريخى، ليكون بداية
مرحلة جديدة لهذه البلاد، التى فقدت قائدها «صلاح الدين» عقب هذا
الصلح، ليأخذ الصراع مع الصليبيين وضعًا آخر.
وفاة صلاح الدين الأيوبى:
خرج «صلاح الدين» من «القاهرة» لآخر مرة فى طريقه إلى الشام
سنة (٥٧٨هـ)، لتوحيد صفوف المسلمين وإعدادهم لقتال الصليبيين،
وعلى الرغم من طول فترة حكمه التى بلغت أربعة وعشرين عامًا
فإنه لم يمكث فى مصر سوى ثمانى سنوات فقط، فلما أراد مغادرة
«القاهرة» فى المرة الأخيرة، خرج رجال القصر لتوديعه عند بركة
الجيش وأنشده أحد الشعراء شعرًا استاء منه، وشعر أنه لن يرى
«مصر» ثانية، وقد صح حدسه؛ إذ مرض أثناء مفاوضاته مع
الصليبيين فى «صلح الرملة» ولزم فراشه؛ ثم لقى ربه فى سنة
(٥٨٩هـ = ١١٩٣م)، وله من العمر خمسة وخمسون عامًا، بعد أن أسر
الناس بجليل أعماله، وقهر الصليبيين بشجاعته، وخلَّص العالم
الإسلامى بقوة إيمانه من كوارث داخلية وخارجية كادت تودى به
وتوقعه فى أيدى الأعداء.
يُعدُّ «صلاح الدين» من الشخصيات العظيمة النادرة فى التاريخ
стр. 552
الإسلامى، فقد كان سياسيا ماهرًا، وقائدًا محنكًا نبيلا، مخلصًا فى
تصرفاته، ميالا إلا التسامح والعفو، محبا للعلم والأدب، وفيا مع
أصدقائه وأعدائه على السواء.
خلفاء صلاح الدين [٥٨٩ - ٦٤٨هـ = ١١٩٣ - ١٢٥٠م]:
بعد وفاة «صلاح الدين» انقسمت السلطنة الأيوبية بين أبنائه الثلاثة
وأخيه وبعض أقاربه، فاستقل ابنه «العزيز» بمصر، واستقل ابنه
«الأفضل» بدمشق و «وسط سوريا»، وابنه «الظاهر» بحلب، أما أخوه
«العادل» فحكم «العراق» و «ديار بكر» و «الرها»، وتولَّى أبناء
عمومته «حماة» و «حمص» و «بعلبك» و «اليمن»، وهكذا قضى أبناء
«صلاح الدين» وأقاربه على وحدة الدولة، ولم يفهموا الهدف الذى
سعى طيلة حياته من أجل تحقيقه.
العزيز عماد الدين [٥٨٩ - ٥٩٥هـ = ١١٩٣ - ١١٩٩م]:
خلف «صلاح الدين» على عرش «مصر» أصغر أبنائه «الملك العزيز»،
وكان شابا فى الحادية والعشرين من عمره، يتصف بالشجاعة
والرحمة والعفة والأخلاق الحميدة، وحكم «مصر» فى حياة أبيه
«صلاح الدين» نيابة عنه، ومكَّنه ذلك من اعتلاء عرشها عقب وفاته،
إلا أنه كان يفتقد إلى الدراية السياسية فى تسيير أمور البلاد
واستقرار أحوالها، فاستعان بعمه «العادل» واستوزره ليقوم بهذه
المهمة، ومات «العزيز» فى سنة (٥٩٥هـ).
المنصور ناصر الدين [٥٩٥ - ٥٩٦هـ = ١١٩٩ - ١٢٠٠م]:
خلف «العزيز» ابنه «الملكُ المنصور» وهو طفل فى التاسعة من
عمره، فحكم «مصر» مدة سنة وتسعة أشهر، فرأى «الملك العادل»
أن الدولة أوشكت على الانهيار تحت حكم الملك الطفل، فجمع العلماء
والفقهاء فى مجلس للتشاور فيما يجب فعله، فقرر الجميع وجوب
خضوع الصغير للكبير، وتولى «العادل» عرش «مصر»، فأصبحت تحت
يده أهم أجزاء دولة «صلاح الدين»، واعترفت الولايات بسيادته،
وساهمت فى حروبه، وضربت «السكة» باسمه، وخُطب له فوق كل
المنابر الإسلامية:
السلطان العادل سيف الدين [٥٩٦ - ٦١٥هـ = ١٢٠٠ - ١٢١٨م]:
стр. 553
يعد «العادل» أعظم سلاطين الأيوبيين بعد «صلاح الدين»، فقد
اكتسب خبرة واسعة من اشتراكه مع أخيه «صلاح الدين» فى غزواته
ومفاوضاته وإدارة الأقاليم، إذ وكل إليه «صلاح الدين» معاونة
«العزيز» فى حكم «مصر»، كما عهد إليه بحكم «حلب»، ثم
«العراق»، وذاع صيت «العادل» بين ملوك «أوربا»، واشتهر
بالكفاءة والدهاء والدراية بشئون الحكم، ولم يتأخر فى حمل
المسئولية حين رأى تدهور الأوضاع بمصر وحاجتها إليه، فكان
الرجل المناسب لتلك المرحلة.
بعض الصعوبات التى واجهت العادل:
تأثر «العادل» تأثرًا بالغًا بشخصية أخيه «صلاح الدين»، فسار على
نهجه فى إدارة البلاد، رغم الصعوبات التى واجهته، فقد ثارت ضده
طائفة الشيعة الإسماعيلية مثلما ثارت من قبل فى وجه أخيه «صلاح
الدين»، وحاولت هذه الطائفة زعزعة ملك «العادل» وتفريق البلاد
وتشتيت الصفوف، فعمل «العادل» على الحيلولة دون حدوث ذلك،
وتمكن من القبض على عناصرها وسجنهم سنة (٦٠٥هـ)، فخرجت
جماعة أخرى تنادى بتولية أحد أبناء «صلاح الدين» أمور الدولة،
وكان هذا الابن لايزال طفلا صغيرًا، فاستطاع «العادل» التغلب عليهم
وإعادة الاستقرار إلى بلاده، إلا أن انخفاض مياه النيل كان إحدى
العقبات الطبيعية التى واجهته، فقد حدثت بسببه مجاعة وقحط
شديدان؛ نتيجة قلة الزراعة، كما أن الحملات الصليبية لم تهدأ فى
عهده؛ إذ لم ترضَ «أوربا» عن استقرار أحوال البلاد الإسلامية،
فعملت على زعزعتها، وأرسلت حملة صليبية هاجمت «مصر» ووصلت
إلى «دمياط» وحاصرت حصونها، ثم تمكنت منها، واستولت على
برجها الحصين «برج السلسلة»، يضاف إلى ذلك كله العقبات الداخلية
التى واجهت «العادل» أثناء حكمه لمصر.
وفاة العادل:
على الرغم مما واجهه «العادل» من صعاب داخلية وخارجية فى
الحكم، فقد اتسع ملكه إلى حد كبير، وقلَّده الخليفة العباسى
بمرسوم رسمى حكم «مصر» والشام وأرض الجزيرة، وخلع عليه
стр. 554
الخلع الثمينة، فوزع «العادل» حكم مملكته الواسعة بين أبنائه
التسعة عشر نيابة عنه؛ ليضمن وحدتها وتماسكها، فأناب ابنه
«الكامل» عنه فى «مصر»، وجعل «المعظَّم عيسى» على الشام،
و «نجم الدين أيوب» على «ميافارقين» ونواحيها، وأناب ابنه
«الأشرف مظفر» على «الولايات الشرقية».
وقد ضمن «العادل» وحدة دولته فى حياته، إلا أنه تركها إرثًا موزعًا
بين أبنائه بعد وفاته، فكان لذلك أثره الخطير فى قوة الدولة
وتماسكها.
وحين سمع «العادل» بسقوط «برج السلسلة» بدمياط حزن حزنًا
شديدًا، فمرض ومات سنة (٦١٥هـ)، وكتم أصحابه خبر موته ونقلوه
إلى «دمشق»، حيث تولى ابنه «الكامل» حكم «مصر».
كان «العادل» حاكمًا عادلا، ذكيا، حليمًا، حسن التدبير، محبًا للعلماء
والأدباء ومشجعًا لهم، كما كان سياسيا محنكًا، قام برحلات عديدة
جاب بها أطراف مملكته الشاسعة، كى يضمن استتباب الأمن والنظام،
كما كان متفقدًا لأحوال أبنائه فى الأقاليم التى أنابهم عنه فى
حكمها.
الكامل ناصر الدين [٦١٥ - ٦٣٥هـ = ١٢١٨ - ١٢٣٧م]:
حكم «الكامل» «مصر» نيابة عن أبيه «العادل» فى حياته، فلما مات
استقل الكامل بحكم «مصر» فى ظروف حرجة، إذ كان الصليبيون
منتصرين فى «دمياط»، وكان عليه دحر هذا الانتصار الذى أدى إلى
موت أبيه كمدًا، وخرج عليه عدد من الأمراء لعزله فى الوقت الذى
يتصدى فيه للصليبيين بدمياط، فتمكن من التغلب عليهم، ولكن
الصليبيين استغلوا حالة التمرد والتفكك الداخلى واستولوا على
«دمياط»، إلا أن «الكامل» استطاع توحيد بلاد المسلمين، وتمكن من
دخول «نابلس»، وتحرير «بيت المقدس»، واتسع ملكه لدرجة جعلت
أئمة المساجد يدعون له من فوق المنابر بقولهم: «سلطان مكة
وعبيرها، واليمن وزبيرها، ومصر وصعيدها، والشام وصناديدها،
والجزيرة ووليدها، سلطان القبلتين، ورب العلامتين، وخادم الحرمين
الشريفين».
ورث عن أبيه صفاته الطيبة، فكان قائدًا قديرًا، وسياسيا بارعًا،
стр. 555
وإداريا نشيطًا، حازمًا يدير أمور دولته بنفسه، لدرجة أنه لم يعين
وزيرًا بعد وفاة وزير أبيه، وقام بالأمر بمفرده، وكان محبا للحديث،
مشجعًا للعلماء والأدباء، فقد كان عالمًا، ينظم الشعر ويجيده. ظل
فى حكم البلاد التى تحت يديه حتى وفاته سنة (٦٣٥هـ)، فأخذت
الدولة فى الضعف والانحلال من بعده.
العادل الثانى [٦٣٥ - ٦٣٧هـ = ١٢٣٧ - ١٢٤٠م]:
يُطلَق اسم «العادل الصغير» أو «العادل الثانى» على هذا السلطان،
تمييزًا له عن الملك «العادل» أخى «صلاح الدين»، وقد كان «العادل
الثانى» نائبًا عن أبيه «الكامل» فى حكم «مصر»، فلما مات أبوه
أصبح سلطانًا على «مصر»، ولكن اضطراب الأوضاع، وضعف الدولة
جعلاه لا يستمر طويلا فى حكم البلاد، فتولى أخوه «الصالح نجم
الدين أيوب» الحكم من بعده.
الصالح نجم الدين أيوب (٦٣٧ - ٦٤٧هـ = ١٢٤٠ - ١٢٤٩]:
ورث «الصالح نجم الدين أيوب» عرشًا مضطربًا، مزعزع الأركان جلب
عليه الكثير من المشاكل والمتاعب، فدبر أموره، وأعد عدته وتمكن
من القضاء على أكثر هذه المصاعب التى واجهته رغم شدتها، فلما
تم له ما أراد تحول بقوته إلى مواجهة الصليبيين، ولم يألُ جهدًا فى
جهاده ضدهم، واستطاع استعادة «بيت المقدس» ثانية من قبضتهم،
فاستقرت له الأحوال، وحل السلام بينه وبين أمراء مملكته، وتفرغ
لمواصلة جهاده ضد الصليبيين؛ أملا منه فى تحرير البلاد كافة من
أطماعهم.
بداية المماليك:
أكثر «الصالح نجم الدين أيوب» من استجلاب المماليك لمساعدته فى
حروبه ضد الصليبيين، فنبغ منهم عدة أشخاص كان لهم أكبر الأثر
فى تغيير مجرى السياسة المصرية، ومنهم «شجرة الدر» الأرمينية
الأصل، والتى كانت أم ولد للصالح نجم الدين أيوب، ولازمته فى
حياة أبيه «الكامل»، وظلت معه بذكائها حتى أنجبت من «الصالح
أيوب» ابنه «خليل» فتوطدت مكانتها، فلما أصبح سلطانًا على
«مصر» اتخذها إلى جواره ملكة غير متوَّجة، فقد كانت تعمل على
راحته، ووجد فيها ما يحبه.
стр. 556
وفاة الصالح نجم الدين أيوب:
مات «الصالح أيوب» فى ليلة النصف من شعبان سنة (٦٤٧هـ)، وكانت
الحرب لاتزال دائرة بين المسلمين والصليبيين أمام «المنصورة»،
فأعملت «شجرة الدر» عقلها وتجلى ذكاؤها، وأخفت خبر وفاته عن
الناس فى تلك الفترة العصيبة من تاريخ «مصر» و «الشام»، وأمرت
أحد أطبائه بغسل جثمانه ووضعه فى تابوت، ثم حمله فى الظلام
إلى «قلعة الروضة»، ثم إلى «قبو» بجوار المدرسة الصالحية ودفنه
هناك، وأخبرت الأمراء أن «السلطان مريض لا يصل إليه أحد»، ولم
تعلن خبر وفاته إلا بعد انتصار المسلمين على الصليبيين، ورد
حملتهم، فاستمر العزاء ثلاثة أيام بلياليها بمدرسته، وبعثت «شجرة
الدر» بالسناجقة السلطانية، وأمرت بأن تُعلَّق داخل القاعة على
ضريح «الملك الصالح»، ليرى الزائر آلات الجهاد التى كان يحملها آخر
سلاطين «بنى أيوب» فى جهاده ضد الصليبيين فى معركة
«المنصورة»، فقد كان «الصالح أيوب» من أعظم سلاطين «مصر»
وأشجعهم.
المعظم توران شاه [٦٤٧ - ٦٤٨ هـ = ١٢٤٩ - ١٢٥٠م]:
قبل أن تعلن «شجرة الدر» عن وفاة الملك «الصالح أيوب» أرسلت
فى استدعاء ابنه «توران شاه» الذى كان غائبًا عن «مصر»، فقد
كان فى «حصن كيفا»، وقبل وصوله أصدرت أوامرها للأمراء
وأكابر رجال الدولة بأن يحلفوا يمين السلطنة لتوران شاه، وأمرت
خطباء المساجد بالدعاء له، وأدارت «معركة المنصورة» حتى وصل
«توران شاه»، فتسلم قيادة الحرب وزمام الملك، ولم يمكث على
عرش السلطنة أكثر من شهرين، ثم خرج لملاقاة الصليبيين الذين
دخلوا «المنصورة»، وأخذوا يتقدَّمون نحو «القاهرة»، فتصدَّى لهم،
وقاد المعركة بمهارة فائقة حتى تم النصر للمسلمين، فأحبه الناس
وقدروه، إلا أن سيرته لم تكن حسنة، فقتل سنة (٦٤٨هـ).
نهاية الدولة الأيوبية:
تولت «شجرة الدر» زمام سلطنة «الأيوبيين» فى «مصر» لمدة ثمانين
يومًا عقب مقتل «توران شاه»، ثم تزوجت «عز الدين أيبك»
стр. 557
التركمانى، وتنازلت له عن العرش بسبب المشاكل التى واجهتها،
وعدم رضى الخليفة العباسى عن توليها السلطنة، ولكن «عز الدين»
كان رجلا ضعيف الرأى، فأسدل الستار على الدولة الأيوبية، إحدى
أعظم الدول الإسلامية فى العصور الوسطى، بعد أن نالت مكانة
عظيمة فى تاريخ المسلمين، وبدا فى الأفق ظهور دولة جديدة فى
تاريخ المسلمين هى دولة المماليك.
النظم والحضارة فى العصر الأيوبى:
النظام السياسى:
كان السلطان الأيوبى يطلب من الخليفة العباسى - بصفته الرئيس
الأعلى لبلاد المسلمين - تفويضًا يجعل حكمه فى «مصر» شرعيا، رغم
أن سلطان الأيوبيين على البلاد التى تحت أيديهم كان سلطانًا مطلقًا،
ولم تكن للخلافة العباسية عليه أية نفوذ، ولكن سلاطين الدولة
الأيوبية حرصوا على الحصول على هذا التفويض دومًا، وكان «الناصر
صلاح الدين» أول مَنْ اتشح بخلعة الخليفة العباسى من سلاطين
«مصر» الأيوبيين.
ألقاب السلطان وأعماله:
يُعدُّ «صلاح الدين» أول مَنْ اتخذ لقب السلطنة من حكام «مصر»، وقد
حصل على لقب «سلطان»، ولقب: «محىى دولة أمير المؤمنين»
لأعماله الجليلة التى قام بها فى نشر المذهب السنى والقضاء على
المذهب الإسماعيلى الشيعى، ونجاحه فى مناهضة الصليبيين وصدهم
عن بلاد المسلمين، ومع ذلك فقد كان «صلاح الدين» رجلا متواضعًا،
واتخذ من لقب: «السلطان الملك الناصر» لقبًا للتعامل، رغم حصوله
على ألقاب عديدة تحمل فى طياتها معانى العظمة والأبهة والجاه
مثل: «السيد العالم العادل المظفر المنصور، ناصر الدنيا والدين،
سلطان الإسلام والمسلمين، وارث الملك، سلطان العرب والعجم
والترك، إسكندر الزمان، صاحب القبلتين، خادم الحرمين الشريفين،
سيد الملوك والسلاطين»، ومما لاشك فيه أن هذه الألقاب تبين عظمة
ما بلغه سلاطين الدولة الأيوبية، خاصة أن لكل لقب من هذه الألقاب
موقفًا عظيمًا وحادثًا جللا خاضه السلطان فمُنح اللقب على إثره.
стр. 558
دُوِّنت الألقاب فى الرسائل التى تُبودلت بين السلاطين وملوك «أوربا»
وفى الكتابات التاريخية، وعلى السكة والعمائر، والتحف الفنية،
وفهارس دار الآثار العربية.
كان السلطان يقيم مع أسرته وحاشيته ورجال بلاطه فى «قلعة
الجبل»، وهو رئيس الدولة الأعلى الذى له الحق فى الهيمنة على
شئون الأمراء الخاصة والعامة، وفى تدرجهم الوظيفى، وفى توزيع
الإقطاعات والجنود عليهم وتحديد أنصبتهم، وكان على السلطان
تعيين موظفى الدولة وعزلهم، وتأديبهم والنظر فى المظالم وقيادة
الجيوش فى الحروب.
وكان للدولة الأيوبية مجلس شورى تُقَرُّ من خلاله مشروعات الدولة
الحيوية كإعلان حرب أو إبرام صلح أو إصلاح لهيكل من هياكل
الدولة، وكان هذا المجلس يُسمَّى: «مجلس السلطنة»، وكان أعضاؤه
من كبار موظفى الدولة للاستئناس بآرائهم ومشورتهم قبل الإقدام
على تنفيذ المشروعات والخطط، ويتولى «أمير مجلس» -الذى يشبه
منصبه منصب كبير الأمناء - الآن - الأمور الخاصة بمجلس السلطنة، وله
حق التصرف فى شئون البرتوكول، كما كان يتمتع بالجلوس فى
حضرة السلطان بحكم هذه الوظيفة.
نائب السلطان:
نيابة السلطنة وظيفة استحدثها السلاطين الأيوبيون، فأصبح النائب
كأنه سلطان ثانٍ، ويشترك مع السلطان فى منح لقب الإمارة،
وتوزيع الإقطاعات، وتعيين الموظفين، وتوقيع المراسيم
والمنشورات، وتنفيذ القوانين، والخروج على رأس فرق الجيش فى
المواكب الرسمية، يحف به الأمراء عند دخوله أو خروجه من قصر
السلطان، وكان يُلقَّب بكامل المملكة الشريفة الإسلامية، لأن من
اختصاصاته تصريف أمور الدولة عامة سواء أكان السلطان بالقاهرة
أم كان متغيبًا عنها.
وهناك نوع آخر من النيابة يقول عنه «المقريزى»: «يقوم النائب فيها
بمهام الدولة إذا خرج السلطان إلى الصيد، أو سار على رأس الجيش
فى حرب خارجية».
الوزير:
اتخذ سلاطين الدولة الأيوبية فى «مصر» وزراء لم يحددوا سلطتهم،
стр. 559
ولم يجعلوها مقصورة على التنفيذ، بل جعلوها سلطة مطلقة،
فأصبحت الوزارة أعلى الوظائف وأرفعها، وأصبح صاحبها باب
الملك المقصود، ولسانه الناطق، ويده المعطاءة.
النظام القضائى فى عهد الأيوبيين:
فى سنة (٥٦٤هـ) افتتح الناصر «صلاح الدين» مدرستين لتدريس
الفقه، وجعل إحداهما لتدريس الفقه الشافعى، وجعل الأخرى للفقه
المالكى، وفصل جميع القضاة الشيعة، وعين بدلا منهم قضاة من
الشافعية السنيين، فاقتصر القضاء على مذهب الإمام «الشافعى»،
كما أن قاضى الشافعية «صدر الدين درباس» لم يُنب عنه فى أقاليم
«مصر» إلا من كان شافعيا، ومن ثم انتشر المذهب الشافعى فى
«مصر» وما يتبعها من أقاليم.
وكان الذى يتولى منصب القضاء فى «القاهرة» وسائر أعمال الديار
المصرية، فى عهد الأيوبيين قاضٍ واحد هو بمثابة قاضى القضاة،
وله حق إنابة نواب عنه فى بعض الأقاليم.
أعوان القاضى:
كان للقاضى فى عهد الأيوبيين أعوان يساعدونه على العدل فى
الحكم وإعادة الحقوق إلى أصحابها، فكان منهم «الجلواز» الذى
يستعين به القاضى على تنظيم قاعة الجلسة، وحفظ النظام، وترتيب
الخصوم وفق ترتيب حضورهم، ومنعهم من التقدم إلى القاضى فى
غير دورهم، ومراعاة الآداب فى مجلس القضاء. ومنهم «الأعوان»
ومهمتهم إحضار الخصوم إلى المحكمة، والقيام بين يدى القاضى عند
نظره فى الخصومات إجلالا لمركزه .. ومنهم «الأمناء» ومهمتهم حفظ
أموال اليتامى والغائبين. ومنهم «العدول» ومهمتهم مراعاة دقة
عبارات السجلات والعقود ومطابقتها للشرع، وتزكية الشهود.
وقد استقرت النفوس وهدأت فى ظل هذا النظام القضائى المنضبط،
لأن القضاء العادل من شأنه أن يجعل الناس سواء، خاصة أن مصادر
القضاء الإسلامى المتمثلة فى القرآن والسنة وإجماع العلماء
والاجتهاد كانت هى الأسس التى سار عليها قضاة ذلك العصر، فقلَّت
المظالم، واستقرت أحوال البلاد.
التطور الاقتصادى فى العهد الأيوبى:
стр. 560
تأخذ الأمم القوية بأسباب قوتها، وتعمل على استثمار الإمكانات
المتاحة لها لتنمية ثرواتها، لذا فإن تقدم الأمم وقوتها مرتبط بنجاح
اقتصادها وقوته واستمرار روافده، وكانت الدولة الأيوبية إحدى
الدول القوية ذات الاقتصاد القوى، فقد امتلكت ما تركه الفاطميون
عقب سقوط دولتهم، ونظمت الخراج والجزية، بالإضافة إلى غنائم
حروبها وفدية الأسرى، واستخدمت هذه الموارد لصالح البلاد
الإسلامية كافة، وأنفقت على تسليح الجيش وإعداده جزءًا كبيرًا
منها، وبنت القلاع والحصون، وقامت بالإصلاحات الداخلية فى البلاد.
غَيَّر «الناصر صلاح الدين» النظام الاقتصادى الذى كان سائدًا قبله،
وقلل من النظام الإقطاعى، فقضى بذلك على استقلال أمراء
الإقطاعات، وقوَّى الحكومة المركزية، فكان لهذا أثره الكبير فى
ازدهار حالة البلاد الاقتصادية.
وقد أولى «الأيوبيون» الزراعة عنايتهم؛ فهى عماد حياة البلاد،
فطهَّروا الترع، وأقاموا الجسور، ونظموا وسائل الرى، لدرجة أن
السلطان «الكامل» كان يراقب المهندسين بنفسه أثناء إقامتهم
السدود والخزانات، وغير ذلك من أعمال الرى الخاصة، فنشطت
الزراعة دون أن تؤثر الحروب عليها، فقد كانت حروب الأيوبيين
تتوقف فى «سوريا» شتاءً، وهو موسم الزراعة فى «مصر».
ونشطت التجارة كما ازدهرت الزراعة فى العصر الأيوبى، وأصبحت
«مصر» -آنذاك - همزة الوصل بين تجارة الشرق والغرب، وعقد
السلطان «العادل» معاهدة تجارية مع «البندقية» فى سنة (٦٠٥هـ =
١٢٠٨م)، حصل البنادقة بمقتضاها على تسهيلات تجارية فى الموانى
المصرية، خاصة «الإسكندرية»، فى مقابل أن يمنعوا الصليبيين، من
التقدم نحو «مصر»، فلما ولى السلطان «الكامل» حكم البلاد أقر ما
اتفق عليه السلطان «العادل» مع أهل «البندقية»، وسمح لهم
بتأسيس سوق تجارية فى الإسكندرية، سُمِّيت «سوق الأيك»، ومنح
الامتيازات نفسها لأهل «بيزة» الذين أرسلوا قنصلا لهم إلى
стр. 561
«الإسكندرية»، فأدت هذه الخطوات إلى ازدهار التجارة وانتعاش
الاقتصاد، وزيادة دخل الدولة.
وجدير بالذكر أن «مصر» مرت بانتكاسة اقتصادية فى عهد «العادل»
نتيجة انخفاض مياه النيل الذى ترتب عليه قلة الزراعة، فحدثت
المجاعة واشتد القحط، وبذل «العادل» جهودًا كبيرة لمواجهة هذه
الأزمة، فكان يخرج بنفسه أثناء الليل ويوزع الأموال على الفقراء
والمساكين والغرباء، ولكن الموقف ازداد سوءًا وتفاقم خطره حين
وقع زلزال مروِّع وقت المجاعة هدم كثيرًا من المبانى، وأزهق
أرواحًا لا تُحصَى فى «مصر» والشام، ولكن الأوضاع سرعان ماعادت
إلى طبيعتها بعد زيادة مياه النيل سنة (٦٠١هـ = ١٢٠٤م)، فزادت
الغلال وخفت المجاعة، وانتهى أمر النكبة بعد أن تكاتف الجميع
للقضاء عليها وإعادة الاقتصاد إلى سابق عهده؛ ليتتابع الكفاح ضد
الصليبيين من جديد. وهكذا كان اقتصاد الدولة الأيوبية اقتصادًا منظمًا
زادت فيه موارد الدولة وشعر الجميع بانتعاش اقتصادى عَمَّ أرجاء
البلاد.
النظام الحربى فى عهد الأيوبيين:
كانت حياة الأيوبيين سلسلة متتابعة من الجهاد والنضال والقتال،
ولذا كان اهتمامهم بالجيش وعنايتهم بأمره، لدرجة أن سلاطين «بنى
أيوب» أنفقوا معظم إيرادات الدولة على إصلاح الجيش، وبناء ما
يلزمه من الحصون والقلاع، فلعب الجيش دورًا خطيرًا خلال تلك الحقبة
من التاريخ الإسلامى.
تألف معظم الجيش الأيوبى من الترك والأكراد، وكان له «مجلس حرب»
اعتاد السلطان أن يستشيره فى الخطط التى يجب أن تُتبع، وكان
يخضع لرأى المجلس مهما يكن.
قسم الأيوبيون الجيش إلى عدة فرق، تُنسَب كل منها إلى أحد القواد
العظماء، فكانت هناك فرقة «الأسدية» نسبة إلى «أسد الدين
شيركوه»، و «الصلاحية» نسبة إلى «صلاح الدين» .. إلخ، وكان
لأمراء هذه الفرق نفوذ كبير، وكان الجيش مكونًا من الفرسان
والمشاة، وكانت أسلحته من السهام والرماح والنبال والنار اليونانية.
стр. 562
ألَّف «الصالح أيوب» جيشه من الأتراك والمماليك الذين استكثر من
شرائهم، وبنى لهم قلعة بجزيرة الروضة جهزها بالأسلحة والآلات
الحربية والأقوات، وأسكنهم فيها، وعُرفوا منذ ذلك الحين باسم
المماليك البحرية، وقد أسسوا دولة -فيما بعد- عُرِفَت باسمهم.
البحرية فى العهد الأيوبى:
لم يقتصر إعداد «صلاح الدين» على الجند فى البر وتحصين البلاد، بل
وجه اهتمامه إلى سلاح البحرية الذى بلغ درجة عظيمة من التقدم،
واهتم بتأسيس الأسطول اهتمامًا كبيرًا خاصة أن الصليبيين كانوا
يستخدمون البحر فى هجومهم على البلاد الإسلامية، ومن ثَمَّ أصبح
لزامًا على المسلمين الاستعداد لحملات الصليبيين البحرية، فأعد
«الناصر صلاح الدين» العدة لتأسيس وتكوين أسطول إسلامى
يستطيع مجابهة حملات الصليبيين المعتدين، وكانت أولى خطواته
فى ذلك: تخصيص ديوان كبير، عُرف باسم «ديوان الأسطول». وأفرد
له «صلاح الدين» ميزانية خاصة، وعهد به إلى أخيه «العادل».
واستطاع «صلاح الدين» تكوين أسطول قوى تمكن بواسطته من
مواجهة الصليبيين، وأصبح هذا الأسطول من أكبر الأساطيل فى ذلك
الوقت، ورابط فى البحر الأحمر، وفى شرق البحر الأبيض، وتمكن من
تحقيق انتصارات هائلة.
لم يألُ الأيوبيون جهدًا فى سبيل تنظيم الجيش والأسطول، وليس أدل
على اهتمام السلاطين بالأسطول البحرى من أنهم كانوا يشركون
معهم الأهالى عند عرض الجيوش والأساطيل، أو عند توديعهم للغزو،
فقد كان قدر هذه الدولة أن تقوم بمحاربة الصليبيين وردهم عن البلاد
الإسلامية، فأدت هذه الأسباب فى النهاية إلى وجود دولة قوية ذات
سيادة، فرضت احترامها على أصدقائها وأعدائها، وحررت بلاد
المسلمين من الأعداء، لأنها عرفت الأسباب التى تؤدى إلى القوة
والازدهار.
المنشآت الحضارية فى العهد الأيوبى:
رغم كثرة حروب العهد الأيوبى إلا أنه كان حافلا بالإنشاءات
العظيمة، فقد بُنيت فيه المدارس والمستشفيات، ونُسِّقت الحدائق،
стр. 563
وأُقيمت المنشآت الحربية للدفاع عن الدولة أو للهجوم على العدو
طبقًا لظروف الدولة الحربية، وكان من أهم هذه الإنشاءات الحربية
وأولها:
- قلعة الجبل:
وتُعدُّ من أبرز ما خلَّفه الأيوبيون من منشآت فى «القاهرة»، فمازالت
شاهد صدق على عظمة هذه الدولة إلى اليوم، وإن الناظر إليها ليدرك
مدى عناية الأيوبيين بالمنشآت والقلاع الحربية التى كانت منتشرة
فى بلادهم، خاصة المدن الشامية التى هى خط الدفاع والهجوم الأول
للدولة، لم يكن بناء «قلعة الجبل» مجرد تقليد أو مظهر أراده «صلاح
الدين» ليظهر به، وإنما بناها لتكون مقرا لحكومته، ومعقلا لجيشه
الكبير، وحصنًا يمكِّنه من الإشراف على حاضرة دولته. ويحميه من
القلاقل الداخلية، وكذلك لتكون نقطة دفاعية يصد منها غارات
المغيرين على «مصر» سواء أكانوا من الصليبيين أم غيرهم.
وقد استخدم «صلاح الدين» الأسرى فى تشييد قلعته، ومع ذلك لم
يتمكن من إتمام تشييدها فى عهده، فلم يتم منها سوى الهيكل
والبئر الحلزونى.
وكانت بالقلعة - على الرغم من ارتفاعها - بئر عمقها تسعون مترًا،
مملوءة بالماء العذب، مثقوبة فى الحجر، بأسفلها سواقٍ تدور فيها
الأبقار، فتنقل الماء إلى وسطها الذى توجد فيه أبقار تنقل بدورها
الماء إلى أعلاها، ويُعدُّ هذا البئر من أعجب الآبار، ويعرف باسم «بئر
يوسف» نسبة إلى «صلاح الدين يوسف بن أيوب».
أتم السلطان «الكامل محمد» بناء «القلعة» فى سنة (٦٠٤هـ)، ثم
انتقل من دار الوزارة إليها. وكان للقلعة سور، وأبراج، وثلاثة
أبواب، أحدها من جهة «القرافة» و «جبل المقطم»، والثانى من جهة
جدارها البحرى ويُعرَف باسم «باب السر»، والثالث يقع مدخله فى
أول الجانب الشرقى من القلعة، ويصل الداخل منه إلى فناء مستطيل
به دواوين الحكومة، وبهذا الفناء باب يُسمَّى: «باب القبلة»، وتمتد
منه دهاليز فسيحة، وعلى يسار الداخل منها باب يوصل إلى جامع
стр. 564
الخطبة وهو من أعظم الجوامع لاتساع أرجائه، وكثرة زخرفته، وفى
وسطه قبة تليها مقصورة ليصلى فيها السلطان صلاة الجمعة، وبصدر
الدهاليز مدخل يوصل إلى الإيوان الكبير الذى نُصب به سرير الملك؛
وهو منبر من الرخام، وتمتد من هذا الإيوان مساحة كبيرة بها القصر
الذى بناه «الظاهر بيبرس» فيما بعد.
صارت «قلعة الجبل» منذ تم بناؤها مقر الدواوين السلطانية ودور
الحكومة، فقد كانت حصينة جدا، وتشتمل على كثير من القصور،
والإيوانات، والطباق والأحواش، والميادين، والإصطبلات، والمساجد،
والمدارس، والأسواق، والحمامات، وكانت بها دار الوزارة، وديوان
الإنشاء، وديوان الجيش، ودار النيابة، وبيت المال، وخزانة السلطان
الخاصة، والدور السلطانية، وكذلك الأبراج التى كان الخارجون على
السلطان ونظام الدولة يُحبسون بها.
وكان نقش بابها: «بسم الله الرحمن الرحيم». أمر بإنشاء هذه القلعة
الباهرة، المجاورة لمحروسة القاهرة بالعرصة، التى جمعت نفعًا
وتحصينًا وسعة على من التجأ إلى ظل ملكه مولانا الملك الناصر
صلاح الدنيا والدين أبو المظفر يوسف بن أيوب محىى الدولة أمير
المؤمنين فى نظر أخيه وولى عهده الملك العادل سيف الدين أبى
بكر محمد خليل أمير المؤمنين، على يد أمير مملكته ومعين دولته
قراقوش عبدالله المكى الناصرى فى سنة تسع وسبعين وخمسمائة».
إنشاء المدارس:
عُنى «صلاح الدين» ببناء المدارس، فبنى مدرسة بالقرب من قبر
الإمام «الشافعى» بالقرافة، وبنى مدارس الناصرية والقمحية، وكذلك
نهج نهجه سلاطين «بنى أيوب»، فأسس الملك «الكامل» مدرسة دار
الحديث الكاملية؛ نسبة إليه، وكانت عبارة عن بناء متجه إلى القبلة،
وفى وسطه صحن كبير مربع، وفى كل جانب من جوانبه الأربعة
إيوان، وتعلوها قبة تحتها محراب، ومن ثَمََّ لم تختلف المدارس عن
المساجد من حيث الهيئة والشكل.
وكان الطلبة يذهبون إلى تلك المدارس بانتظام لتلقى العلم مجانًا،
стр. 565
وكان سلاطين الدولة الأيوبية يهتمون بالمدارس وإنشاء المزيد منها،
ويوقفون عليها الأوقاف الكثيرة، ويرتبون لها الفقهاء والعلماء
لتدريس المذاهب الفقهية الأربعة، فكثرت بها المباحثات والمناقشات
بتشجيع من السلاطين الذين شُغفوا بالبحث العلمى، كما كان منهم مَنْ
ينظم الشعر ويجيده كالملك الكامل.
تأسيس المنصورة:
يُعدُّ إنشاء مدينة «المنصورة» من الأعمال العظيمة التى خلدت ذكر
دولة الأيوبيين، فقد أنشأها السلطان «الكامل» سنة (٦١٦ هـ =
١٢١٨م)؛ إذ قام بإنشاء مدينة على الشاطىء الشرقى لفرع «دمياط»
عقب سقوط «دمياط» فى أيدى «لويس التاسع»، واتخذ «الكامل»
المدينة الجديدة مركز دفاع له يقاوم به الصليبيين.
وبعد أن تمكن «الكامل» من استرجاع مدينة «دمياط» من أيدى
الصليبيين أطلق اسم «المنصورة» على مدينته الجديدة تيمنًا بالنصر،
ثم ما لبثت هذه المدينة الجديدة أن اتسعت، واشتهرت منذ إنشائها
بأنها مدينة حصينة، وكانت سجن «لويس التاسع» ومَنْ كانوا معه
حين تم أسرهم ووضعهم بدار الحكمة، التى مازالت معروفة لدى
العامة حتى اليوم باسم «دار ابن لقمان» نسبة إلى «القاضى فخر
الدين بن لقمان» الذى كان ينزل بها كلما جاء إلى «المنصورة».
قلعة الروضة:
بناها السلطان «الصالح نجم الدين أيوب» فى جنوب «جزيرة
الروضة» سنة (٦٣٨هـ)، وهى تشغل مساحة كبيرة من الأرض، وقد
عُمِّرت بالأبنية والقصور، وجُهزت بالأسلحة والمعدات والآلات الحربية.
وأنشأ فيها «نجم الدين» جامعًا، وشيد برجًا، وبنى لمماليكه البحرية
ثكنات لسكناهم، فلما تم بناؤها وتجهيزها انتقل إليها مع أفراد
أسرته ومماليكه البحرية، واتخذها مقرا لحكمه.
وظلت «قلعة الروضة» عامرة حتى زالت الدولة الأيوبية، وتولى
«أيبك» السلطنة، فأمر بهدمها، ونقل جميع ما بها إلى «قلعة الجبل»
التى أسسها «صلاح الدين».
عاصمة مصر فى العصر الأيوبى:
ربما يتبادر إلى الذهن سؤال حول عاصمة الأيوبيين، ولماذا لم يعمد
следующие страницы →