← История

История · id 36578

موسوعة سفير للتاريخ الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (3 483 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

«الإسكندرية»، فأدت هذه الخطوات إلى ازدهار التجارة وانتعاش الاقتصاد، وزيادة دخل الدولة. وجدير بالذكر أن «مصر» مرت بانتكاسة اقتصادية فى عهد «العادل» نتيجة انخفاض مياه النيل الذى ترتب عليه قلة الزراعة، فحدثت المجاعة واشتد القحط، وبذل «العادل» جهودًا كبيرة لمواجهة هذه الأزمة، فكان يخرج بنفسه أثناء الليل ويوزع الأموال على الفقراء والمساكين والغرباء، ولكن الموقف ازداد سوءًا وتفاقم خطره حين وقع زلزال مروِّع وقت المجاعة هدم كثيرًا من المبانى، وأزهق أرواحًا لا تُحصَى فى «مصر» والشام، ولكن الأوضاع سرعان ماعادت إلى طبيعتها بعد زيادة مياه النيل سنة (٦٠١هـ = ١٢٠٤م)، فزادت الغلال وخفت المجاعة، وانتهى أمر النكبة بعد أن تكاتف الجميع للقضاء عليها وإعادة الاقتصاد إلى سابق عهده؛ ليتتابع الكفاح ضد الصليبيين من جديد. وهكذا كان اقتصاد الدولة الأيوبية اقتصادًا منظمًا زادت فيه موارد الدولة وشعر الجميع بانتعاش اقتصادى عَمَّ أرجاء البلاد. النظام الحربى فى عهد الأيوبيين: كانت حياة الأيوبيين سلسلة متتابعة من الجهاد والنضال والقتال، ولذا كان اهتمامهم بالجيش وعنايتهم بأمره، لدرجة أن سلاطين «بنى أيوب» أنفقوا معظم إيرادات الدولة على إصلاح الجيش، وبناء ما يلزمه من الحصون والقلاع، فلعب الجيش دورًا خطيرًا خلال تلك الحقبة من التاريخ الإسلامى. تألف معظم الجيش الأيوبى من الترك والأكراد، وكان له «مجلس حرب» اعتاد السلطان أن يستشيره فى الخطط التى يجب أن تُتبع، وكان يخضع لرأى المجلس مهما يكن. قسم الأيوبيون الجيش إلى عدة فرق، تُنسَب كل منها إلى أحد القواد العظماء، فكانت هناك فرقة «الأسدية» نسبة إلى «أسد الدين شيركوه»، و «الصلاحية» نسبة إلى «صلاح الدين» .. إلخ، وكان لأمراء هذه الفرق نفوذ كبير، وكان الجيش مكونًا من الفرسان والمشاة، وكانت أسلحته من السهام والرماح والنبال والنار اليونانية.

стр. 562

ألَّف «الصالح أيوب» جيشه من الأتراك والمماليك الذين استكثر من شرائهم، وبنى لهم قلعة بجزيرة الروضة جهزها بالأسلحة والآلات الحربية والأقوات، وأسكنهم فيها، وعُرفوا منذ ذلك الحين باسم المماليك البحرية، وقد أسسوا دولة -فيما بعد- عُرِفَت باسمهم. البحرية فى العهد الأيوبى: لم يقتصر إعداد «صلاح الدين» على الجند فى البر وتحصين البلاد، بل وجه اهتمامه إلى سلاح البحرية الذى بلغ درجة عظيمة من التقدم، واهتم بتأسيس الأسطول اهتمامًا كبيرًا خاصة أن الصليبيين كانوا يستخدمون البحر فى هجومهم على البلاد الإسلامية، ومن ثَمَّ أصبح لزامًا على المسلمين الاستعداد لحملات الصليبيين البحرية، فأعد «الناصر صلاح الدين» العدة لتأسيس وتكوين أسطول إسلامى يستطيع مجابهة حملات الصليبيين المعتدين، وكانت أولى خطواته فى ذلك: تخصيص ديوان كبير، عُرف باسم «ديوان الأسطول». وأفرد له «صلاح الدين» ميزانية خاصة، وعهد به إلى أخيه «العادل». واستطاع «صلاح الدين» تكوين أسطول قوى تمكن بواسطته من مواجهة الصليبيين، وأصبح هذا الأسطول من أكبر الأساطيل فى ذلك الوقت، ورابط فى البحر الأحمر، وفى شرق البحر الأبيض، وتمكن من تحقيق انتصارات هائلة. لم يألُ الأيوبيون جهدًا فى سبيل تنظيم الجيش والأسطول، وليس أدل على اهتمام السلاطين بالأسطول البحرى من أنهم كانوا يشركون معهم الأهالى عند عرض الجيوش والأساطيل، أو عند توديعهم للغزو، فقد كان قدر هذه الدولة أن تقوم بمحاربة الصليبيين وردهم عن البلاد الإسلامية، فأدت هذه الأسباب فى النهاية إلى وجود دولة قوية ذات سيادة، فرضت احترامها على أصدقائها وأعدائها، وحررت بلاد المسلمين من الأعداء، لأنها عرفت الأسباب التى تؤدى إلى القوة والازدهار. المنشآت الحضارية فى العهد الأيوبى: رغم كثرة حروب العهد الأيوبى إلا أنه كان حافلا بالإنشاءات العظيمة، فقد بُنيت فيه المدارس والمستشفيات، ونُسِّقت الحدائق،

стр. 563

وأُقيمت المنشآت الحربية للدفاع عن الدولة أو للهجوم على العدو طبقًا لظروف الدولة الحربية، وكان من أهم هذه الإنشاءات الحربية وأولها: - قلعة الجبل: وتُعدُّ من أبرز ما خلَّفه الأيوبيون من منشآت فى «القاهرة»، فمازالت شاهد صدق على عظمة هذه الدولة إلى اليوم، وإن الناظر إليها ليدرك مدى عناية الأيوبيين بالمنشآت والقلاع الحربية التى كانت منتشرة فى بلادهم، خاصة المدن الشامية التى هى خط الدفاع والهجوم الأول للدولة، لم يكن بناء «قلعة الجبل» مجرد تقليد أو مظهر أراده «صلاح الدين» ليظهر به، وإنما بناها لتكون مقرا لحكومته، ومعقلا لجيشه الكبير، وحصنًا يمكِّنه من الإشراف على حاضرة دولته. ويحميه من القلاقل الداخلية، وكذلك لتكون نقطة دفاعية يصد منها غارات المغيرين على «مصر» سواء أكانوا من الصليبيين أم غيرهم. وقد استخدم «صلاح الدين» الأسرى فى تشييد قلعته، ومع ذلك لم يتمكن من إتمام تشييدها فى عهده، فلم يتم منها سوى الهيكل والبئر الحلزونى. وكانت بالقلعة - على الرغم من ارتفاعها - بئر عمقها تسعون مترًا، مملوءة بالماء العذب، مثقوبة فى الحجر، بأسفلها سواقٍ تدور فيها الأبقار، فتنقل الماء إلى وسطها الذى توجد فيه أبقار تنقل بدورها الماء إلى أعلاها، ويُعدُّ هذا البئر من أعجب الآبار، ويعرف باسم «بئر يوسف» نسبة إلى «صلاح الدين يوسف بن أيوب». أتم السلطان «الكامل محمد» بناء «القلعة» فى سنة (٦٠٤هـ)، ثم انتقل من دار الوزارة إليها. وكان للقلعة سور، وأبراج، وثلاثة أبواب، أحدها من جهة «القرافة» و «جبل المقطم»، والثانى من جهة جدارها البحرى ويُعرَف باسم «باب السر»، والثالث يقع مدخله فى أول الجانب الشرقى من القلعة، ويصل الداخل منه إلى فناء مستطيل به دواوين الحكومة، وبهذا الفناء باب يُسمَّى: «باب القبلة»، وتمتد منه دهاليز فسيحة، وعلى يسار الداخل منها باب يوصل إلى جامع

стр. 564

الخطبة وهو من أعظم الجوامع لاتساع أرجائه، وكثرة زخرفته، وفى وسطه قبة تليها مقصورة ليصلى فيها السلطان صلاة الجمعة، وبصدر الدهاليز مدخل يوصل إلى الإيوان الكبير الذى نُصب به سرير الملك؛ وهو منبر من الرخام، وتمتد من هذا الإيوان مساحة كبيرة بها القصر الذى بناه «الظاهر بيبرس» فيما بعد. صارت «قلعة الجبل» منذ تم بناؤها مقر الدواوين السلطانية ودور الحكومة، فقد كانت حصينة جدا، وتشتمل على كثير من القصور، والإيوانات، والطباق والأحواش، والميادين، والإصطبلات، والمساجد، والمدارس، والأسواق، والحمامات، وكانت بها دار الوزارة، وديوان الإنشاء، وديوان الجيش، ودار النيابة، وبيت المال، وخزانة السلطان الخاصة، والدور السلطانية، وكذلك الأبراج التى كان الخارجون على السلطان ونظام الدولة يُحبسون بها. وكان نقش بابها: «بسم الله الرحمن الرحيم». أمر بإنشاء هذه القلعة الباهرة، المجاورة لمحروسة القاهرة بالعرصة، التى جمعت نفعًا وتحصينًا وسعة على من التجأ إلى ظل ملكه مولانا الملك الناصر صلاح الدنيا والدين أبو المظفر يوسف بن أيوب محىى الدولة أمير المؤمنين فى نظر أخيه وولى عهده الملك العادل سيف الدين أبى بكر محمد خليل أمير المؤمنين، على يد أمير مملكته ومعين دولته قراقوش عبدالله المكى الناصرى فى سنة تسع وسبعين وخمسمائة». إنشاء المدارس: عُنى «صلاح الدين» ببناء المدارس، فبنى مدرسة بالقرب من قبر الإمام «الشافعى» بالقرافة، وبنى مدارس الناصرية والقمحية، وكذلك نهج نهجه سلاطين «بنى أيوب»، فأسس الملك «الكامل» مدرسة دار الحديث الكاملية؛ نسبة إليه، وكانت عبارة عن بناء متجه إلى القبلة، وفى وسطه صحن كبير مربع، وفى كل جانب من جوانبه الأربعة إيوان، وتعلوها قبة تحتها محراب، ومن ثَمََّ لم تختلف المدارس عن المساجد من حيث الهيئة والشكل. وكان الطلبة يذهبون إلى تلك المدارس بانتظام لتلقى العلم مجانًا،

стр. 565

وكان سلاطين الدولة الأيوبية يهتمون بالمدارس وإنشاء المزيد منها، ويوقفون عليها الأوقاف الكثيرة، ويرتبون لها الفقهاء والعلماء لتدريس المذاهب الفقهية الأربعة، فكثرت بها المباحثات والمناقشات بتشجيع من السلاطين الذين شُغفوا بالبحث العلمى، كما كان منهم مَنْ ينظم الشعر ويجيده كالملك الكامل. تأسيس المنصورة: يُعدُّ إنشاء مدينة «المنصورة» من الأعمال العظيمة التى خلدت ذكر دولة الأيوبيين، فقد أنشأها السلطان «الكامل» سنة (٦١٦ هـ = ١٢١٨م)؛ إذ قام بإنشاء مدينة على الشاطىء الشرقى لفرع «دمياط» عقب سقوط «دمياط» فى أيدى «لويس التاسع»، واتخذ «الكامل» المدينة الجديدة مركز دفاع له يقاوم به الصليبيين. وبعد أن تمكن «الكامل» من استرجاع مدينة «دمياط» من أيدى الصليبيين أطلق اسم «المنصورة» على مدينته الجديدة تيمنًا بالنصر، ثم ما لبثت هذه المدينة الجديدة أن اتسعت، واشتهرت منذ إنشائها بأنها مدينة حصينة، وكانت سجن «لويس التاسع» ومَنْ كانوا معه حين تم أسرهم ووضعهم بدار الحكمة، التى مازالت معروفة لدى العامة حتى اليوم باسم «دار ابن لقمان» نسبة إلى «القاضى فخر الدين بن لقمان» الذى كان ينزل بها كلما جاء إلى «المنصورة». قلعة الروضة: بناها السلطان «الصالح نجم الدين أيوب» فى جنوب «جزيرة الروضة» سنة (٦٣٨هـ)، وهى تشغل مساحة كبيرة من الأرض، وقد عُمِّرت بالأبنية والقصور، وجُهزت بالأسلحة والمعدات والآلات الحربية. وأنشأ فيها «نجم الدين» جامعًا، وشيد برجًا، وبنى لمماليكه البحرية ثكنات لسكناهم، فلما تم بناؤها وتجهيزها انتقل إليها مع أفراد أسرته ومماليكه البحرية، واتخذها مقرا لحكمه. وظلت «قلعة الروضة» عامرة حتى زالت الدولة الأيوبية، وتولى «أيبك» السلطنة، فأمر بهدمها، ونقل جميع ما بها إلى «قلعة الجبل» التى أسسها «صلاح الدين». عاصمة مصر فى العصر الأيوبى: ربما يتبادر إلى الذهن سؤال حول عاصمة الأيوبيين، ولماذا لم يعمد

стр. 566

«صلاح الدين» إلى إنشاء عاصمة جديدة لدولته جريا على سياسة مَنْ سبقوه من ولاة «مصر» وخلفائها؟ والإجابة: أن «صلاح الدين» استن فى ذلك سنة جديدة، وضم «الفسطاط» و «العسكر» و «أطلال القطائع» و «القاهرة» بعضها إلى بعضها الآخر بقصد توسيع مدينة «القاهرة» وجَعْلها فى ثوبها الجديد عاصمة لدولته، بعد أن أحاطها بسور عظيم طوله خمسة عشر كيلو متر (١٥كم)، ومتوسط عرضه ثلاثة أمتار، وبنى واجهة هذا السور من الحجر المنحوت وتتخلله الأبراج، ولاتزال بقاياه قائمة حتى اليوم فى جهات متفرقة، وأظهر هذه البقايا موجود بالفسطاط، وقد اقتضى ضم تلك العواصم إلى بعضها وإحاطتها بالسور وبناء القلعة هدمَ المبانى الموجودة فى ضواحى «القاهرة» من «مصر القديمة» إلى «السيدة زينب»، وأقيمت حدائق للفاكهة مكان هذه المبانى، كما أقيم سد من الحجارة على حافة الصحراء بالجيزة؛ لحماية «القاهرة» من ناحية الغرب، وأصبحت هذه العواصم مجتمعة - بعدما أُدخل عليها من تعديل - عاصمة الدولة الأيوبية فى «مصر» آنذاك. وبعد: فقد كان العصر الأيوبى عصرًا حافلا بالإصلاحات والإنشاءات التى خدمت فن العمارة خدمات بارزة فى «مصر» و «سوريا»، وكما خدم الأيوبيون العلم بإنشاء المدارس وتشجيع العلماء ومساعدة الطلبة؛ كذلك خدموا العالم الإسلامى بالمحافظة على المذهب السنى والقضاء على المذهب الإسماعيلى الشيعى، ذلك بالإضافة إلى إسهاماتهم الجليلة التى قدموها للمسلمين كافة فى المجالات السياسية والاقتصادية والحضارية والحربية. رحم الله سلاطين «بنى أيوب» الذين ضحوا بكل شىء فى سبيل إعلاء كلمة «لا إله إلا الله محمد رسول الله» إرضاءً لله وخدمة للمسلمين، وإعلاءً لمكانة الأمة الإسلامية.

стр. 567

الفصل السابع *دولة المماليك البحرية [٦٤٨ - ٧٨٤ هـ = ١٢٥٠ - ١٣٨٢ م]. أصل المماليك: أكثر الأيوبيون من شراء المماليك الأتراك، وبنوا لهم الثكنات بجزيرة الروضة، وأطلقوا عليهم اسم «المماليك البحرية»، فقويت شوكتهم، وزادت سطوتهم، وسنحت لهم الفرصة بعد ذلك، فتولوا حكم «مصر». كانت الغالبية العظمى من جماعات المماليك الذين جلبهم الأيوبيون وسلاطين المماليك من بعدهم تأتى من «شبه جزيرة القرم» و «بلاد القوقاز»، و «القفجاق»، و «آسيا الصغرى»، و «فارس»، و «تركستان»، و «بلاد ما وراء النهر»، فكانوا خليطًا من الأتراك، والشراكسة، والروم، والروس، والأكراد، فضلا عن أقلية من مختلف البلاد الأوربية. والمماليك طائفة من الأرقَّاء الذين اشتراهم سلاطين «مصر» وأكثروا منهم، لاسيما فى العهد الفاطمى، ثم تهيأت لهم الظروف ليحكموا «مصر» و «الشام»، وبلاد أخرى، ومع ذلك احتفظوا أثناء حكمهم لمصر بشخصيتهم، ولم يختلطوا بأى عنصر من عناصر السكان فى «مصر» وفى غيرها من البلاد التى حكموها. وكان المماليك ينقسمون فيما بينهم إلى أحزاب وطوائف متنافسة، ولكن هذا الانقسام لم يكن يؤثر على وحدتهم أمام العالم الخارجى حين يواجهونه، فقد كانوا يظهرون كعصبة واحدة متحدة، ويفسر ذلك سر قوتهم وأسباب تفوقهم وانتصاراتهم الحربية. وكان باب الترقى فى حكومة المماليك مفتوحًا على مصراعيه أمام كل مملوك يثبت كفاءته فى العمل، فيترقى من مملوك إلى أمير حتى يصل إلى عرش المملكة بكفاءته واجتهاده، فالسلطان لم يكن إلا واحدًا من أمراء المماليك، قدموه على أنفسهم لقوة شخصيته، ووفرة أنصاره، وكثرة جنوده، وقدرته على المنافسين الطامعين فى العرش، ولقد سطرت دولة المماليك الأولى «المماليك البحرية» صفحة مضيئة من تاريخ «مصر» خاصة، والتاريخ الإسلامى عامة، على أيدى سلاطينها الأقوياء الذين عملوا على توحيد البلاد، ورفع رايات الجهاد، وهم: -١ العز أيبك:

стр. 568

بعد أن زالت دولة الأيوبيين، وانتقل الحكم إلى المماليك باختيار «عز الدين أيبك التركمانى» لعرش السلطنة (٦٤٨ - ٦٥٥هـ) لم تستقر الأوضاع تمامًا، شأن كل فترات الانتقال من نظام إلى نظام، أو بناء دولة وليدة على أنقاض أخرى بائدة، ولم يخلُ عهد «أيبك» من المنازعات التى نشبت بينه وبين المماليك على السلطنة، خاصة أن «فارس الدين أقطاى» رئىس «المماليك البحرية» لم يكن مقتنعًا بأيبك، فدارت بينهما مناوشات كثيرة، وتمكن «أيبك» من القضاء على «أقطاى»، ولكنه لم يلبث طويلا بعد ذلك وقُتل؛ ليتولى العرش من بعده ابنه «على». ٢ - على بن أيبك (المنصور نور الدين) [٦٥٥ - ٦٥٧هـ]: تولى «المنصور» عرش السلطنة عقب مقتل أبيه، وتلقب بالمنصور نور الدين، إلا أنه لم يكن أهلا لهذه المسئولية الجسيمة، خاصة أن البلاد الإسلامية - آنذاك - كان يتهددها خطر المغول، الذين سيطروا على مركز الخلافة الإسلامية، بالإضافة إلى أن «المنصور» كان لايزال طفلا فى الحادية عشرة من عمره، ولذلك لم يجد الأتابك «سيف الدين قطز» صعوبة فى عزله وتولى عرش السلطنة بدلا منه. ٣ - سيف الدين قُطُز: كان «قطز» أتابكًا للمنصور نور الدين على بن أيبك، ورأى هولاكو قائد المغول قد سيطر على «بغداد»، وقتل خليفة المسلمين، وزحف يهدد بغزو «مصر»، فأحس أن ظروف البلاد تتطلب منه أن يقوم بدور فعال فى إنقاذها من خطر الغزو فى هذه المرحلة الخطيرة، فعزل «على بن أيبك» الذى كان صغيرًا لا يدرك عاقبة الأمور، وتولى السلطنة، وقام بتنظيم الجيش وإعداده، وخرج لملاقاة التتار فى أواخر شهر شعبان عام (٦٥٨هـ)، وتمكن فى رمضان من العام نفسه من إلحاق هزيمة نكراء بهم فى «عين جالوت» (تقع بين «بيسان» و «نابلس» بفلسطين)، وقتل من جيش التتار ما يقرب من نصفه، وأجبر الباقى على الفرار، ثم دخل بعد ذلك «دمشق»، ثم عاد إلى «مصر». وفى «القصير» (بمحافظة الشرقية)، وفى طريق عودة «قطز» إلى

стр. 569

«مصر» أمر جنوده بالرحيل تجاه «الصالحية»، وبقى مع بعض خواصه وأمرائه للراحة، فاتفق عدد من المماليك بزعامة «بيبرس» على قتله، وتم لهم ما أرادوا فى ذى القعدة سنة (٦٥٨هـ)، بعد أن قام «قطز» بدحر التتار وهزيمتهم، وتشتيت جيشهم، وحفظ العالم الإسلامى من شرهم الذى لم يسلم منه أحد فى طريقهم. ٤ - الظاهر ركن الدين بيبرس البندقدارى (٦٥٨ - ٦٧٩هـ): انتقل عرش السلطنة بعد «قطز» إلى «ركن الدين بيبرس»، الذى يُعدُّ المؤسس الفعلى لدولة المماليك وأعظم سلاطينها؛ إذ اجتمعت فيه صفات العدل والفروسية والإقدام. عقد «بيبرس» العزم على أن تكون «مصر» والشام من أعظم البلاد آنذاك، ووهب حياته للجهاد، وجعل هدفه رفع شأن الأمة الإسلامية، وإليه يرجع الفضل فى انتقال الخلافة العباسية إلى «القاهرة» بعد سقوطها فى «بغداد»، وأصبحت مصر دار الخلافة الإسلامية؛ إذ استقدم «بيبرس» «أحمد بن الخليفة الظاهر العباسى»، وبايعه بالخلافة فى حضرة الأمراء والعلماء ورجال الدولة. وفى (٤ من شعبان سنة ٦٥٩هـ)، عقد الخليفة اجتماعًا منح فيه «بيبرس» تفويضًا منه لتسيير أمور البلاد، فكان ذلك تقوية له ضد خصومه ومنافسيه، كما كان إقرارًا بمشروعية النظام المملوكى، وبحقه فى تولى شئون البلاد. عادت إلى العالم الإسلامى هيبته بإحياء الخلافة الإسلامية، وأضحت «القاهرة» مقر الخلافة، ومركز السلطة الإسلامية المركزية، ومقصد المسلمين من كل حدب وصوب، وظلت على ذلك حتى انتقلت منها الخلافة إلى «استانبول» بعد قرابة ثلاثة قرون. ملامح من إصلاحات بيبرس: سَنَّ «بيبرس» نظام ولاية العهد لأول مرة فى تاريخ دولة المماليك البحرية، وحصر وراثة العرش فى أسرته بتعيين ابنه «محمد بركة خان» وليا للعهد، ليحد من تدبير الدسائس والمؤامرات حول عرش السلطنة، وما يجره ذلك من اضطراب وضعف للدولة. قام «بيبرس» بإصلاحات جوهرية فى البلاد، وأعاد إلى الأسطول

стр. 570

البحرى قوته، وعين قضاة من المذاهب الأربعة للفصل فى الخصومات، بعد أن كان القضاء مقصورًا على المذهب الشافعى، فعادت إلى العالم الإسلامى قوته على أسس تنظيمية دقيقة، إذ كان «بيبرس» إداريا حازمًا، وقائدًا شجاعًا، فدأب على رعاية شئون البلاد، وتنمية مواردها، وحفر الترع، وأصلح الحصون، وأسس المعاهد، وبنى المساجد التى من أشهرها مسجده المعروف باسمه فى ميدان «الظاهر» بالقاهرة. وكانت لبيبرس هيبة كبيرة فى قلوب أمراء البلاد، فخشوا بأسه لدرجة أن أحدهم لم يجرؤ على الدخول عليه فى مجلسه إلا بطلب وإذن منه. وقام «بيبرس» بدوره على خير وجه فى محاربة المغول والصليبيين تقليدًا للقائد البطل «صلاح الدين»، وأصدر عدة قوانين لتطبيق الشريعة الإسلامية، وإصلاح الأوضاع الاجتماعية فى «مصر»، وأمر فى سنة (٦٦٤هـ) بمنع بيع الخمور، وإغلاق الحانات، ونفى المفسدين. وكان «بيبرس» قائدًا شجاعًا، ضُربَت ببطولته وشهامته الأمثال، فقد خاض معارك ومواقع عديدة، سجل فيها بطولات رائعة، وأبلى بلاءً حسنًا فى مطاردة الصليبيين وتشتيتهم وإجلائهم عن الشرق الأدنى، واستعاد فى سنة (٦٦٦هـ) «قيسارية»، و «أرسوف»، و «صفد»، و «شقيف»، و «يافا»، و «طرابلس»، و «أنطاكية»، فأضعف ذلك الصليبيين، وأنهكهم، وزاد من قوة المسلمين، وحرص على أن يؤكد صورة الحاكم العادل الذى يجلس بنفسه للمظالم، ويعطف على الفقراء. وفى (٢٧ من المحرم سنة ٦٧٦هـ = ١٢٧٧م) تُوفِّى «الظاهر بيبرس» إثر عودته من واقعة «قيسارية» بالقرب من «دمشق»، وقد دُفن بها بعد حياة حافلة بالبطولة والشجاعة، سطر خلالها صفحات مجيدة مازال التاريخ يحفظها له وسيظل. أولاد بيبرس فى السلطنة (بركة خان، وسلامش): تولى «السعيد بركة خان» السلطنة عقب وفاة أبيه، وكان عمره تسع عشرة سنة، وكانت تنقصه الحنكة السياسية التى كانت متوافرة لأبيه، فنشبت الصراعات الحادة بين أمراء المماليك على

стр. 571

السلطنة، واضطربت الأوضاع وزادت القلاقل، ولم يتمكن «بركة خان» من السيطرة على الموقف، أو النهوض بدوره؛ لقلة خبرته بمثل هذه الأمور، ولذا لم يتمكن من الاستمرار طويلا على عرش السلطنة، وتولى من بعده شقيقه «بدر الدين سلامش» فى سنة (٦٧٨هـ)، ثم عين «سيف الدين قلاوون» «أتابكًا» له، وكان أحد أمراء «المماليك البحرية» الأقوياء، فتحكَّم فى أمور السلطنة، وجعلها جميعها فى يده، وذلك لضعف «بدرالدين سلامش» وقلة مهاراته السياسية والحربية، ولذا لم يستمر «سلامش» أكثر من ثلاثة أشهر فى حكم السلطنة خُلع بعدها من منصبه، وتولى «سيف الدين قلاوون» بدلا منه، لتدخل البلاد فى عهده مرحلة جديدة تنهض فيها سياسيا وحربيا وحضاريا. السلطان قلاوون [٦٧٩ - ٦٨٩هـ = ١٢٨٠ - ١٢٩٠م]: انتقل الملك بعد «سلامش» (ابن «الظاهر بيبرس») إلى أتابكه «المنصور سيف الدين قلاوون»، الذى استمرت السلطنة فى بيته وأسرته حتى انتهاء دولة المماليك البحرية فى سنة (٧٨٤هـ)، ولعل التجارب السياسية التى مر بها وتعرض لها فى خدمة «بيبرس» ومن قبله «قطز»، هى التى مهدت له السبيل لكى يكون أحد سلاطين المماليك الأقوياء والبارزين، وسار على نهج «بيبرس» السياسى فى إدارة شئون البلاد والتقرب من الشعب، واستقدم كثيرًا من المماليك وأطلق عليهم اسم «البرجية» نسبة إلى أبراج القلعة التى أقاموا فيها وجعلهم عونًا له، وأعدهم ليكونوا عونًا لأبنائه من بعده فى تثبيت عروشهم. ومضى على نهج «بيبرس» فى إخراج الصليبيين من بلاد الشام، واستعاد «اللاذقية» و «طرابلس» من أيديهم فى سنة (٦٨٨هـ)، وتابع التتار وطارد فلولهم وهزمهم وأبعد أذاهم نهائيا عن «مصر» و «الشام». ويُعدُّ «قلاوون» من أبرز سلاطين الدولة المملوكية العظماء، كما يُعد أحد مؤسسى هذه الدولة، إذ أنفق أموالا طائلة على الإصلاحات والإنشاءات، وأشرف على سير العمل فيها بنفسه فى حزم وعزم

стр. 572

شديدين، ولعل أبرز الإنشاءات التى ترجع إلى عصره تلك القبة التى بناها، ودُفن تحتها، كما بنى «مدرسة» و «مارستانًا» -حملا اسمه - عام (٦٨٨هـ)، ومازال هذا المارستان قائمًا حتى الآن ويُعرف باسم: مستشفى قلاوون»، وظل «قلاوون» يقوم بدوره الحربى والسياسى والاجتماعى والحضارى فى البلاد على أكمل وجه حتى وفاته سنة (٦٨٩هـ). السلطان الأشرف خليل بن قلاوون [٦٨٩ - ٦٩٣هـ = ١٢٩٠ - ١٢٩٤م]: خلف الأمير «خليل» أباه على عرش السلطنة، فعاد فى عهده نفوذ الأمراء، وتجددت الصراعات الداخلية، إلا أنه استطاع التغلب على هذه المصاعب كلها على الرغم من قصر مدة حكمه للبلاد، وبرهن على أنه حاكم كفء مهيب، شديد البأس، عارف بأحوال المملكة، لدرجة أن «ابن إياس» قال عنه فى تأريخه: «كان الأشرف بطلا لا يكل عن الحروب ليلا ونهارًا، ولا يُعرف من أبناء الملوك مَنْ كان يناظره فى العزم والشجاعة والإقدام». ويكفى «الأشرف خليل» مجدًا يخلد اسمه بين أعظم قادة التاريخ الإسلامى أنه استطاع استعادة «عكَّا» من أيدى الصليبيين سنة (٦٩٢هـ)، بعد أن استعصت على مَنْ كان قبله من السلاطين لحصانتها، كما تابع جهاده فى تتبع جيوش الصليبيين بالشام، واستعاد «صور» و «حيفا» و «بيروت»، وظل يضيف انتصارات عظيمة إلى سجل هذه الدولة كان من شأنها أن يظل العالم الإسلامى قويا مترابطًا، ويقوم بدوره فى البناء الحضارى. السلطان الناصر محمد بن قلاوون [٦٩٣ - ٧٤١هـ = ١٢٩٤ - ١٣٤١م]: بعد وفاة «الأشرف خليل» انتقل حكم السلطنة إلى «الناصر محمد ابن قلاوون» الابن الثانى للسلطان «قلاوون»، وكان قد نشأ فى بيت الملك محاطًا بالأمراء والنواب والحراس، غير أنه لم يتمتع طويلا بعطف ورعاية أبيه «قلاوون»، الذى مات ولما يبلغ «الناصر محمد» الخامسة من عمره، غير أنه لحسن حظه لم يحرم من عطف أخيه «الأشرف خليل» ورعايته، فاهتم بتربيته وأحسن معاملته، فنشأ «محمد» ولديه

стр. 573

من صفات أبيه وأخيه الكثير، فأصبح كأسلافه مهتما بالمشروعات الحيوية، ومحبا للغزو والجهاد. اعتلى «الناصر محمد» عرش «مصر» ثلاث مرات، استمرت الأولى عامًا واحدًا فى الفترة: (من سنة ٦٩٣ إلى سنة ٦٩٤هـ)، ثم اغتصبها منه «زين الدين كتبغا» الذى لقب نفسه بالعادل، و «حسام الدين لاُين» الذى تلقب بالمنصور، واستمرت فترة الاغتصاب هذه أربع سنوات عاشت البلاد خلالها عهدًا من الفتن والاضطرابات، وانتابتها مظاهر الضعف والانحلال، مما هيأ السبيل إلى عودة «الناصر محمد» إلى السلطنة ثانية ليتدارك تفاقم هذه الأوضاع. السلطنة الثانية للناصر محمد [٦٩٨ - ٧٠٨هـ]: لعل أبرز ما يميز الفترة الثانية لتولى «الناصر محمد» عرش السلطنة، الفتن والاضطرابات التى أحدثها وأشعلها أمراء المماليك سعيًا وراء الوصول إلى العرش، الأمر الذى اضطر «الناصر محمد» إلى الرحيل فى عام (٧٠٨هـ) إلى «قلعة الكرك» للاحتماء بها بعيدًا عن مؤامرات الأمراء ودسائسهم، فمكن ذلك «بيبرس الجاشنكير» -أحد القادة العسكريين- من السيطرة على مقاليد الأمور، على الرغم من رسائل أمراء المماليك التى بعثوا بها إلى «الناصر محمد» يرجونه فيها العودة إلى «مصر»، إلا أنه تمهل حتى يقف على حقيقة الأمور، فلما رأى حاجة البلاد إليه قرر العودة إلى «مصر» ثانية، وتمكن من طرد «الجاشنكير»، وبدأ مرحلة ثالثة على عرش البلاد، كانت من أهم فترات تاريخ «مصر» والشام. السلطنة الثالثة للناصر محمد [٧٠٩ - ٧٤١هـ]: استمرت فترة حكم «الناصر محمد» الثالثة على «مصر» و «الشام» وما يتبعهما اثنين وثلاثين عامًا متصلة، انفرد فيها بحكم البلاد، وتمكن من القضاء على الفتن والدسائس، ونعمت البلاد فى عهده بأطول فترة استقرار شهدتها فى العهد المملوكى، وتعلق الشعب به وأحبه لما قدمه من أعمال جليلة وعظيمة رفعت من شأنه. تُعد فترة حكم «الناصر محمد» الثالثة من أزهى عهود دولة المماليك

стр. 574

البحرية على الإطلاق، ففيها توطدت دعائم البلاد، واستقرت أساليب الحكم والإدارة فيها، وازدهرت الفنون والعلوم، وباتت «القاهرة» حاضرة لإمبراطورية شاسعة تشمل «مصر» والشام والجزيرة العربية، وكذلك بلاد «اليمن» التى بسط «الناصر محمد» نفوذه عليها، فخطب وده ملوك «أوربا» و «آسيا»، وأبرموا معه المعاهدات وصاهروه، وأرسلوا إليه بالهدايا الثمينة والتحف النادرة؛ أملا فى رضاه. لم يقتصر نشاط «الناصر محمد» على الحروب والغزوات على الرغم من أنه نجح فى طرد فلول الصليبيين، وصد ثلاث غزوات مغولية، بل اتجه إلى الأخذ بكل مقومات الحضارة فى عصره، وصبغها - لتدينه الشديد- بصبغة دينية ظهرت واضحة على العمائر التى شيدها، والتى مازال بعضها قائمًا - حتى الآن - شاهد صدق على بره وتقواه، وذوقه الراقى فى الفنون والعمارة، ولعل أشهرها: «المدرسة الناصرية» التى شيدها بشارع «المعز لدين الله الفاطمى»، وكذا المسجد الذى بناه بالقلعة سنة (٧١٨هـ)، ثم هدمه وأعاد بناءه سنة (٧٣٥هـ) لتوسعته وزخرفة جوانبه، كما شرع فى سنة (٧٠٣هـ) أثناء سلطنته الثانية فى تجديد «المارستان» الكبير الذى أسسه والده السلطان «قلاوون» سنة (٦٨٨هـ)، وكذلك بنى سبيلا، وقبة، ومكتبة عظيمة، وأنشأ «خانقاه» فى «سرياقوس» لإقامة فقراء الصوفية خاصة القادمين منهم من البلاد الشرقية. وقد أرخ «ابن إياس» لحكم «الناصر محمد»، وعبر عنه بقوله: «ولا يُعلَم لأحد من الملوك آثار مثله ولا مثل مماليكه، حتى قيل لقد تزايدت فى أيامه الديار المصرية والبلاد الشامية من العمائر مقدار النصف من جوامع وخوانق وقناطر، وغير ذلك من العمائر». ولاشك أن هذه المنشآت كانت تعتمد على اقتصاد قوى، ورؤية حضارية من «الناصر محمد»، الذى وضع أسس السياسة العامة لدولة المماليك، وعُدَّ المنفذ الأكبر لها، فكان شديد البأس، سديد الرأى، يتولى أمور دولته بنفسه، مطَّلعًا على أحوال مملكته، محبوبًا من

стр. 575

رعيته، مهيبًا فى أمراء دولته، فكان المثل الأعلى لرجل السياسة فى دولة المماليك، كما كان «بيبرس» المثل الأعلى للقائد الحربى، وانطلقت بوفاته فى سنة (٧٤١هـ)، ألسنة الشعراء والأدباء لتأبينه والثناء عليه، والإشادة بذكره، وقد أطراه المؤرخ «أبو المحاسن بن تغرى بردى» بقوله: «إنه أطول الملوك فى الحكم زمانًا، وأعظمهم مهابة، وأحسنهم سياسة، وأكثرهم دهاء، وأجودهم تدبيرًا، وأقواهم بطشًا وشجاعة، مرت به التجارب، وقاسى الخطوب، وباشر الحروب، وتقلب مع الدهر ألوانًا، ونشأ فى الملك والرياسة، وله فى ذلك الفخر والسعادة، خليقًا بالملك والسلطنة؛ فهو سلطان ابن سلطان، ووالد ثمانية سلاطين؛ فهو أجل ملوك المماليك وأعظمهم بلا مدافع». وكانت وفاة «الناصر محمد» فى (٢٠ من ذى الحجة سنة ٧٤١هـ). أولاد الناصر محمد وأحفاده [٧٤١ - ٧٨٤هـ = ١٣٤١ - ١٣٨٢م]: جلس على عرش «مصر» بعد «الناصر محمد» أولاده وأحفاده فى الفترة من سنة (٧٤١هـ) إلى سنة (٧٨٤هـ)، يتعاقبون عليه واحداً بعد الآخر حتى سقوط دولة المماليك البحرية عام (٧٨٤هـ)، وفى مدة بلغت ثلاثًا وأربعين سنة علا عرش «مصر» من البيت الناصرى ثمانية أولاد وأربعة أحفاد، بلغ متوسط حكم الواحد منهم ثلاث سنوات ونصف السنة، وتميز هذا العهد بصغر سن السلطان، وقصر مدة حكمه، لسهولة خلعه على أيدى الأمراء، ولظهور نفوذ الأتابكة ظهورًا واضحًا، وكذلك اشتداد تنافس الأمراء فى بسط نفوذهم للسيطرة على الدولة، ولذا أصبح السلطان ألعوبة فى أيدى أمرائه، يعزلونه أو يبقونه على العرش حسب هواهم، وما تقتضيه مصالحهم؛ فاضطربت أحوال البلاد، وكثرت فيها الفتن. بعد وفاة «الناصر محمد» تولى العرش ابنه «سيف الدين أبو بكر» (٧٤١ - ٧٤٢هـ)، وسرعان ما ساءت العلاقات بينه وبين أتابكه، لامتناعه عن الاستجابة لمطالب هذا الأتابك، فحرض الأتابك عليه الأمراء وعزلوه. وتولى من بعده أخوه «علاء الدين كجك» (٧٤٢هـ=

стр. 576

١٣٤١م)، وعمره إذ ذاك يتراوح بين خمس وسبع سنوات، وتم عزله بعد فترة وجيزة. ثم تولى أخوه «أحمد» عرش السلطنة ولقب نفسه بالناصر فى سنة (٧٤٢ - ٧٤٣هـ)، إلا أنه لم يستمر طويلا فى الحكم كسابقيه، ووقع الاختيار على أخيه «إسماعيل» سنة (٧٤٣هـ)، ولكنه مالبث أن مرض ومات سنة (٧٤٦هـ)، فتولى ابنه «شعبان» من بعده سنة (٧٤٦ - ٧٤٧هـ)، ولم يكن عهده خيرًا من سلفه، فخلفه أخوه «حاجى» سنة (٧٤٧هـ)، ولم يستكمل عامًا واحدًا حتى اعتلى العرش «الناصر حسن» سنة (٧٤٨هـ)، وهو لايزال فى الحادية عشرة من عمره، ولم يلبث أن عُزل، ثم عاد وتولى السلطنة ثانية فى سنة (٧٥٥هـ)، وظل على العرش ست سنوات ونصف السنة، فعاد فى عهده الاهتمام بالعمائر الإسلامية، وبنى مسجده الشهير المعروف باسمه «مسجد السلطان حسن» بالقاهرة، ومع ذلك فقد ظلت حالة عدم الاستقرار فى البلاد سائدة، فكانت فرصة سانحة لظهور دولة المماليك الثانية المعروفة «بدولة المماليك البرجية».

стр. 577

الفصل الثامن *دولة المماليك البرجية [٧٨٤ - ٩٢٣ هـ = ١٣٤١ - ١٥١٧ م] كان «حاجى بن شعبان» آخر سلاطين المماليك من بيت الناصر، وآخر سلاطين دولة المماليك البحرية فى الوقت نفسه، وكان «حاجى» صغير السن حين اعتلى عرش السلطنة؛ إذ كانت سنُّه عشر سنوات، فعُيِّن «برقوق» أتابكًا له، واستغل حداثة سِنِّه وضعفه، واستدعى الخليفة، والقضاة الأربعة والأمراء، وخاطبهم «القاضى بدر الدين بن فضل» بقوله: «يا أمير المؤمنين، وياسادتى القضاة: إن أحوال المملكة قد فسدت، والوقت قد ضاق، ونحن محتاجون إلى إقامة سلطان كبير تجتمع فيه الكلمة، ويسكن الاضطراب»، فاستقر الرأى على خلع الملك الصالح «حاجى»، وأن يتولى «برقوق» مسئولية البلاد، فاعتلى عرش السلطنة رسميا، وانتهت بذلك دولة المماليك البحرية بعد أن حكمت مائة وستا وثلاثين سنة. عُرفت الدولة الجديدة باسم: «دولة المماليك البرجية»، لأن سلاطينها كانوا ينتمون إلى لواء من الجند كان مقيمًا فى أبراج القلعة وأطلق على جنوده اسم «المماليك البرجية» لتمييزهم عن «المماليك البحرية» الذين كانت إقامتهم بجزيرة الروضة، وقد عُرف «البرجية» كذلك باسم: «المماليك الجراكسة» أو الشراكسة، نسبة إلى موطنهم الأصلى الذى أتوا منه وهو: «ُورُيا» و «بلاد الشركس» (القوقاز)، وفيما يلى سوف نعرض لأهم الملامح الشخصية لسلاطين هذه الدولة، وظروف عصرهم. السلطان برقوق [٧٨٤ - ٨٠١هـ = ١٣٨٢ - ١٣٩٩م]: يُعدُّ «برقوق» المؤسس الأول لدولة «المماليك البرجية»، فعلى يديه تم عزل آخر سلاطين دولة المماليك البحرية السلطان «الصالح حاجى»، فسقطت دولة البحرية، وقامت دولة البرجية، فكثرت الصراعات الداخلية طمعًا فى السلطنة، وسادت الفوضى، وعَمَّت الفتن، وتميز عهد «برقوق» بالمعارضة الشديدة له، فاهتم بالقضاء على هذه الفتن، وإعادة الهدوء والاستقرار إلى أرجاء ملكه، ثم عمل على إصلاح أحوال البلاد الداخلية، وظل على ذلك حتى استقرت له الأمور

стр. 578

فى أواخر عهده، ومات فى سنة (٨٠١هـ)، بعد أن عهد إلى ابنه «فرج» بالسلطنة من بعده. السلطان فرج بن برقوق [٨٠١ - ٨١٥هـ = ١٣٩٩ - ١٤١٢م]: تولى «فرج» العرش بعد أبيه وله من العمر ثلاث عشرة سنة، فكثرت فى عهده الاضطرابات والفتن، وخرج عليه الأمراء، خاصة أمراء «سوريا» الذين عارضوا حكمه، فحاول «فرج» أن يسيطر على الموقف وظل يكافح كفاحًا مضنيًا طويلا من أجل تحقيق ذلك، وتمكن من القضاء على فتنة الأمراء فى «سوريا»، ومع ذلك تهدد عرشه بالسقوط أكثر من مرة، إلا أنه ظل يقاوم حتى قُتل فى سنة (٨١٥هـ). السلطان «شيخ المؤيد» [٨١٥ - ٨٢٤ هـ = ١٤١٢ - ١٤٢١م]: بعد القضاء على السلطان «فرج ابن برقوق» جلس الخليفة «المستعين» على عرش «مصر» بهدف إعادة الاستقرار إليها وإلى العالم الإسلامى، إلا أنه لم يلبث على ذلك طويلا، وتولى السلطان «شيخ المؤيد» أمور السلطنة، واستطاع أن يقضى على الثورات، وأعاد إلى البلاد وحدتها واستقرارها، فأتاح له ذلك أن يحكم البلاد حكمًا هادئًا فى جو مستقر، وقام ببعض الإصلاحات الداخلية، وبنى جامعه المعروف باسمه بجوار باب زويلة مكان سجن قديم. مات «شيخ المؤيد» بعد مرض لم يمهله طويلا، فترك العرش لابنه «أحمد». السلطان ططر [٨٢٤هـ]: كان «أحمد» الذى خلف والده «شيخ المؤيد» طفلا رضيعًا عمره سنة ونصف. فتولى الوصاية عليه الأمير «طونبغا»، فنافسه عليها الأمير «ططر»، وتمكن من عزله وعزل «أحمد»، وتولى هو عرش السلطنة، ولكنه لم يمكث طويلا، فقد توفى بعد شهرين من سلطنته، فتولى من بعده ابنه «محمد بن ططر» الذى كان صغيرًا، ولم يستمر فى الحكم أكثر من سنة واحدة، ثم تولى السلطان «برسباى» السلطنة. السلطان برسباى [٨٢٥ - ٨٤١ هـ]: امتاز عهد «برسباى» بالهدوء والاستقرار، فقد نجح فى القضاء على قراصنة البحار الذين هددوا التجارة، واستولى من القراصنة على غنائم كثيرة، لدرجة أن ملك «قبرص» قبَّل الأرض بين يديه

стр. 579

عرفانًا له بما صنع، وكذلك هدأت الأوضاع فى «سوريا»، وبسط «برسباى» سلطته على «مكة» و «جدة» واحتكر لبلاده طرق التجارة، وعزز اقتصادها، فانتعشت «مصر» اقتصاديا وحضاريا. تُوفِّى «برسباى» سنة (٨٤١هـ) وترك العرش لابنه «يوسف» وكان لايزال طفلا صغيرًا، فلم يحكم سوى ثلاثة أشهر، وخلفه «جمقمق» على عرش السلطنة. السلطان جمقمق [٨٤١ - ٨٥٧هـ]: واجه «جمقمق» صعابًا عديدة فى بداية عهده؛ إذ واجهته الثورات، واشتعلت فى بلاده الفتن، وزادت القلاقل، وكان رجلا يمتاز بالقوة والمثابرة، فتمكن من السيطرة على الموقف وقضى على الصعوبات التى واجهته، واتجه إلى الإصلاح الداخلى وإعادة الهدوء إلى البلاد، ثم عمل على توطيد علاقاته مع الإيرانيين وأمراء «آسيا الصغرى»، وتزوج من ابنة «دلجادير» حاكم مدينة «أبلستين»، فمضى فى حكمه بعد ذلك فى هدوء، ثم مات سنة (٨٥٧ هـ)، وتولى من بعده ابنه السلطان «عثمان بن جمقمق» الذى أساء إلى الرعية، فتم عزله، وتولى عرش «مصر» من بعده السلطان «إينال». السلطان إينال [٨٥٧ - ٨٦٥ هـ = ١٤٥٣ - ١٤٦١م]: تولى قائد الأسطول الإسلامى «سيف الدين إينال» السلطنة، وسار فى الناس سيرة حسنة أرضت عنه المماليك الذين أغدق عليهم بالهبات والأموال والعطايا، وتمكن من القضاء على الفتن التى واجهته، ولم تتعرض البلاد فى عهده لأى غزو خارجى، نظرًا إلى العلاقات الحسنة التى أقامها مع زعماء الدول الخارجية، واستطاع أن يستولى على «كرمان»، فتميز عهده بالهدوء، وظل على ذلك حتى وفاته سنة (٨٦٥هـ)، فخلفه ابنه «أحمد بن إينال» على العرش، إلا أنه سرعان ما تنازل عنه، وابتعد عن الدسائس والمؤامرات والفتن التى كان يدبرها أمراء المماليك، فأخذ السلطان «خشقدم» مكانه وتولى عرش السلطنة. السلطان خشقدم [٨٦٥ - ٨٧٢هـ]: كان عهد «خشقدم» أكثر العهود اضطرابًا، فوجد نفسه أمام عدة قوى مناهضة كان عليه أن يواجهها، فعمل على تفتيتها والقضاء

стр. 580

عليها بالسلم أو بالحرب أو بالحيلة، حتى استطاع القضاء على معظمها، ومات ولايزال بعضها منقسمًا على نفسه نتيجة محاولات التشتيت التى قام بها حيالهم. السلطان قايتباى [٨٧٢ - ٩٠١هـ = ١٤٦٧ - ١٤٩٦م]: لم يتولَّ «قايتباى» السلطة مباشرة بعد «خشقدم»، وإنما سبقه على العرش «بلباى» و «تيموربنا» اللذان حكما شهرًا واحدًا لكل منهما، فقد كان ذلك العهد مليئًا بالاضطرابات والفتن، وظل على ذلك حتى تولى «قايتباى» مقاليد الأمور، وكان رجلا شجاعًا جريئًا ذا مروءة عالية، تجلت حين علم باضطهاد المسلمين فى «إسبانيا»، فأرسل إلى ملكها يتهدده ويتوعده إذا لم يقلع عن الإساءة إلى المسلمين فى بلاده. واجه «قايتباى» عدة صعاب استطاع التغلب على أكثرها، وتفرغ للإصلاحات الداخلية، والمنشآت الحضارية التى خلدت اسمه، ولعل أبرزها قلعته الحصينة الشهيرة بالإسكندرية. مصر بعد قايتباى [٩٠١ - ٩٠٦هـ]: شهدت هذه السنوات القليلة التى تلت حكم «قايتباى» عددًا من السلاطين تميز جميعهم بالضعف وسوء الإدارة، كما تميزت فترات حكمهم بالدسائس والمؤامرات والفتن والاضطرابات، فقد تولى «السلطان الناصر محمد بن قلاوون» الحكم عقب وفاة أبيه، وكان صغير السن، فتولى القائد «قانصوه الخمسمائة» الوصاية عليه فى بداية عهده، ولكن «الناصر محمد» ترك العرش وتنازل عن السلطنة حين رأى الدسائس والفتن والاضطرابات من حوله، فتولى من بعده عدد من السلاطين، كانت مدة حكم كل منهم قصيرة، فساعد ذلك على زيادة الاضطرابات واشتعالها، وظل الوضع على ذلك حتى تمكن «قانصوه الغورى» من الوصول إلى العرش، وهؤلاء السلاطين هم: «قانصوه الأشرفى»، و «جنبلاط»، و «طومان باى الأول». السلطان قانصوه الغورى [٩٠٦ - ٩٢٢هـ=١٥٠١ - ١٥١٦م]: بدأ السلطان «الغورى» عهده بتشتيت شمل مثيرى الفتن والقلاقل، وقاوم بصلابة وحزم الثورات التى قامت، وأعد أسطولا لحماية التجارة من غارات البرتغاليين، فقد دأب البرتغاليون بقيادة

стр. 581

«فاسكودى جاما» على إثارة القلاقل فى الدول الإسلامية المتاخمة لطريقهم إلى المشرق محاولين بذلك السيطرة على طرق التجارة بين الشرق والغرب، إلا أن سلاطين المماليك وقفوا لهم بالمرصاد، واستطاعوا ردهم على أعقابهم أكثر من مرة، على الرغم مما كان يعانيه هؤلاء السلاطين من الفتن والاضطرابات داخل البلاد. حاول «الغورى» إعادة السيطرة البحرية إلى بلاده ودعم موقفه، وبعث إلى البابا يهدده إذا لم يكف البرتغاليون عن غاراتهم، إلا أن الضعف العام الذى حل بالدولة نتيجة الاضطرابات وزيادة نفقات المماليك أدى إلى سيطرة البرتغاليين على طرق التجارة، وعمل «الغورى» على رد غارات البرتغاليين، وأخذ يستعد لذلك، إلا أن الدولة العثمانية أرسلت قوة حربية للسيطرة على بلاد الشام، ثم أمدت هذه القوة بالجنود والمعدات وحولتها إلى جيش كبير حارب المماليك فى منطقة «مرج دابق» بالشام، فتمكن العثمانيون من هزيمة المماليك، وقتلوا السلطان «الغورى» الذى كان يقود الجيش بنفسه فى سنة (٩٢٢هـ). السلطان طومان باى الثانى [٩٢٢ - ٩٢٣ هـ = ١٥١٦ - ١٥١٧م]: بعد مقتل «الغورى» بالشام استقر الرأى على تعيين «طومان باى» ابن أخيه سلطانًا على «مصر»، وجلس «طومان باى» على العرش فى فترة كانت شديدة الحرج فى تاريخ «مصر»؛ إذ سيطر العثمانيون على الشام، وساءت الأحوال بمصر بعد هزيمة «مرج دابق»، ولم يكتفِ العثمانيون بما حققوا، بل يمموا شطر «مصر» فى محاولة منهم للسيطرة عليها. حاول «طومان باى» السيطرة على الموقف، وقام بعدة أعمال فى سبيل تحقيق ذلك، وفض الخصومة التى كانت قائمة بين المماليك وصالح بينهم، وساعده فى ذلك حب الشعب له لإخلاصه ووفائه وتفانيه فى خدمة المسلمين. باءت كل محاولات «طومان باى» بالفشل فى إعادة المماليك إلى قوتهم الأولى التى كانوا عليها فى عصور النهضة، فقد أنهكتهم الاضطرابات، وقضت على وحدتهم الفتن، فانتهى الأمر بهزيمتهم على

стр. 582

أيدى العثمانيين فى موقعة «الريدانية» الشهيرة فى ظاهر «القاهرة»، ودخل العثمانيون «مصر»، وحاول المصريون مساندة «طومان باى» فى هذه الظروف لحبهم الشديد له، إلا أنهم لم يستطيعوا إيقاف زحف العثمانيين على «مصر»، فخرج «طومان باى» إلى «مديرية البحيرة» فى محاولة منه لاستجماع قوته وجنوده، ولكن العثمانيين تمكنوا منه وقبضوا عليه، ثم شنقوه على «باب زويلة» سنة (٩٢٣هـ)، بعدما بذل كل جهوده وأدى واجبه فى سبيل الدفاع عن دولته، إلا أن ظروف عصره لم تمكنه من تحقيق ما أراد، فسقطت بذلك دولة المماليك ونظامهم، ودخلت «مصر» مرحلة جديدة باتت فيها تحت حكم العثمانيين. المماليك حماة الإسلام: إن المتتبع لأحداث العالم الإسلامى عبر صفحات التاريخ، سوف يجد أمرًا فريدًا تميزت به بلاد المسلمين عن غيرها من بلاد العالم، وكان الدين الإسلامى هو العامل الرئيسى والوحيد وراء هذا التميز والتفرد، فنجد فى تاريخ المسلمين عبر فتراته المختلفة أن الدين الإسلامى هو سر القوة الكامن فيهم وفى وحدتهم، ويجد المتتبع أن دولة الإسلام إذا حل بها ضعف فى مكان ما منها؛ فسرعان ما تقوم قوة إسلامية فى مكان آخر لتعوض هذا الضعف، وترفع راية الجهاد، لكى تستكمل مسيرة البناء والحضارة، فنجد أن الخلافة حين ضعفت فى «بغداد» ظهرت قوة الأيوبيين والمماليك فى «مصر»، فلما حل الضعف بالمماليك، قامت قوة العثمانيين، وهكذا فى تتابع عجيب؛ ليؤدى كلٌّ دوره الحضارى والتاريخى فى هذا البناء العظيم الذى أقامه المسلمون فى كل مكان حل به الإسلام. ولأن المماليك إحدى هذه القوى التى قامت باستكمال ما عجزت عنه بعض القوى الأخرى نتيجة قصور فى شىء أو ضعف ما، فقد قاموا بخدمات جليلة لرفع شأن الإسلام، وتعظيم هيبة المسلمين، وجاهدوا فى سبيل تحقيق ذلك بأموالهم وأوقاتهم وأرواحهم، وخاضوا غمار المعارك للذود عن الإسلام والمسلمين، وفيما يلى سوف نعرض لأهم المعارك التى خاضوها.

стр. 583

عين جالوت [٦٥٨هـ]: لم تكد الأمور تهدأ فى «مصر» فى بداية عهد المماليك حتى سقطت الخلافة فى «بغداد» على أيدى التتار الذين اجتاحوا بلاد المسلمين وسيطروا عليها، ولم يعد أمامهم سوى «مصر»، فسعوا إلى الإيقاع بها ليكون العالم الإسلامى كافة فى قبضتهم. فبعد سقوط «بغداد» زحف التتار بقيادة «هولاكو» تجاه «سوريا» واحتلوا «حلب»، وقتلوا خمسين ألفًا من سكانها، ثم احتلوا «حماة» و «دمشق» وعقدوا معاهدة مع «أنطاكية» (على حدود الروم) للتحالف ضد المسلمين، ولم يكتفِ «هولاكو» بذلك، بل أرسل إلى ملك «مصر» يطلب منه التسليم، ويهدده بالقضاء على جيوش المسلمين كلها إن لم يُسرع بذلك، فقد رأى «هولاكو» أثر تهديداته بهذه الصورة على مقر الخلافة فى «بغداد»، وظن أن يجد الصدى نفسه لدى حكام «مصر»، ويدخل «مصر» بسهولة ودون مقاومة مثلما دخل «بغداد»، إلا أن «سيف الدين قطز» أجبره على أن يفيق من أحلامه بصاعقة لم تكن متوقعة، فقد مزق رسالته وقتل رسله وعلق رءوسهم على مداخل «القاهرة»، وتوعده بالموت والهلاك إن لم يرحل عن هذه البلاد التى قتل من مسلميها ما لايُحصَى عدده، وجعل الدماء أنهارًا فى «بغداد» والشام. خرج «المظفر قطز» فى أواخر شهر شعبان سنة (٦٥٨هـ) لملاقاة التتار الذين وصلت طلائعهم إلى غزة بقيادة «كتبغا»، ودارت رحى المعركة بين الطرفين فى «عين جالوت» بفلسطين فى رمضان من سنة (٦٥٨هـ)، وأظهر فرسان المماليك، والجند المصريون شجاعة بالغة بقيادة السلطان «المظفر قطز» وبجواره «بيبرس» أعظم فرسان المماليك البحرية. وتجدر الإشارة إلى الارتباك الشديد الذى حدث بين صفوف المسلمين فى بداية المعركة، فلما رأى «قطز» ذلك عمل على رفع معنويات جنده وشد عزيمتهم، وألقى خوذته عن رأسه إلى الأرض، وصاح بأعلى صوته: واإسلاماه .. واإسلاماه؛ فاستجاب له الجند، ودوت الصيحة فى ميدان المعركة، ورفع المسلمون أصواتهم

стр. 584

بالتكبير .. الله أكبر .. الله أكبر، وعمدوا إلى قتال عدوهم، وجاهدوا بإخلاص وثقة فى سبيل الله للحفاظ على الدين والأرض والمال والولد، فكتب الله لهم النصر المؤزر على جحافل التتار، وقضوا عليهم قضاء مبرمًا. ويعد الانتصار العظيم الذى حققه المسلمون على التتار فى «عين جالوت» من أعظم الانتصارات فى التاريخ الإسلامى على الإطلاق، فلم يكن مجرد انتصار عسكرى فحسب، بل كان انتصارًا للحضارة، وإنقاذًا للمدنية الإنسانية كلها من أمة همجية، لم تكتف بالقتل والذبح والتشريد؛ بل عملت على الهدم والتخريب والدمار، فقتلت المسلمين بوحشية، وهدمت مكتبات «بغداد»، وألقت بأعظم المؤلفات العلمية والحضارية فى نهرى «دجلة» و «الفرات»، ولولا رحمة الله -تعالى- بهذه الأمة بأن قيض لها قادة عظماء، ورجالا يخشون الله تعالى، وفرسانًا يعملون على إعلاء كلمة «لا إله إلا الله»، والحفاظ على وحدة الأمة؛ لتغيرت أحداث التاريخ، واختلفت مجريات الأمور، وتباينت صور الحضارة فى هذه البلاد. ولكن الله - تعالى - أراد السلامة لهذه الأمة من خطر التتار وهمجيتهم، فردهم على أعقابهم مدحورين خاسرين. علاقة المماليك بالصليبيين: تمتعت «مصر» فى عهد المماليك بمركز ممتاز بين دول العالم شرقًا وغرباً؛ فهى التى هزمت الصليبيين فى معركة «حِطِّين»، وهزمت المغول فى «عين جالوت» وأخضعت «أرمينية» لسلطانها، وبسطت نفوذها على بلاد «اليمن» و «الحجاز»، ووسعت أملاكها فى «إفريقية»، وأصبحت - بحق - مقر الحكومة الإسلامية، خاصة بعد انتقال الخلافة الإسلامية من «بغداد» إليها. لم تستقر الأوضاع تمامًا فى عهد سلاطين المماليك، ومع ذلك لم يكونوا أقل حماسة فى طرد الصليبيين من أسلافهم الأيوبيين، إذ لم تكن الحملة الصليبية السابعة - التى فشلت وأسر قائدها بالمنصورة فى العهد الأيوبى - آخر جولات الصليبيين مع «مصر»، فقد رأى «الظاهر بيبرس» - حين استتب الأمر للمماليك وقويت شوكتهم - متابعة

стр. 585

سياسة «صلاح الدين الأيوبى» وخلفائه فى مطاردة الصليبيين وإجلائهم عن الشرق الأدنى، ولم يكن ذلك بالأمر الهين؛ إذ كان يتعين عليه مواجهة الكيانات الصليبية فى «أنطاكية» و «طرابلس»، وفى الجزء الباقى من مملكة «بيت المقدس» ليقضى على إماراتهم فيها، ولكى يصل إلى تحقيق ذلك رأى القضاء على كل إمارة منها على حدة، فسارعت بعض المدن بعقد الصلح معه، وبدأ جهاده بحصار «قيسارية»، ثم استولى عليها، فرفع هذا النصر من معنويات جنوده، فتابع انتصاراته واستولى على «صفد»، و «شقيف»، و «يافا»، ثم على «أنطاكية» التى تحالفت مع التتار ضد المسلمين، فكان لسقوطها دوىّ هائل فى الإمارات الصليبية التى أسرعت بعقد الصلح مع «الظاهر بيبرس»، ذلك الرجل الذى وهب حياته للجهاد فى سبيل الله. وبعد أن هدأ القتال مع الصليبيين اتجه «بيبرس» إلى مواجهة المغول وانتصر عليهم فى معركة «عين جالوت»، ثم تعقبهم حتى أجلاهم عن بلاد الشام. لقد كانت حياة «الظاهر بيبرس» وجهاده محاولة منه لإعادة مسيرة الناصر «صلاح الدين» والمظفر «قطز» معًا، ولم يبخل فى سبيل تحقيق استقرار أمن المسلمين ودولتهم بكل ما يملك من وقت وجهد ومال، فأصبح عصره من أزهى عصور المسلمين فى التاريخ، وأعاد إلى البلاد هيبتها وأمنها واستقرارها بعد ما مر بها من فترات عصيبة سبقته، وكذلك أعاد إلى الخلافة الإسلامية مكانتها ونقلها إلى «القاهرة»، وأسس جيشًا قويا، وأسطولا عظيمًا، ويكفيه فخرًا أن «مصر» حققت انتصاراتها العظيمة على الصليبيين والمغول فى عهده وتحت قيادته. جهاد قلاوون وأسرته ضد الصليبيين: استأنف السلطان «قلاوون» الجهاد ضد الصليبيين فى سنة (٦٨٥هـ)،وبدأ بمناوشتهم، وحاصر «اللاذقية» التى كانت تحت سيطرتهم، ثم استولى عليها وعلى «طرابلس الشام» من بعدها، ولم يبق فى أيدى الصليبيين فى الشرق الأدنى سوى «بيروت» و «صور»، و «عكا» التى كانت من أمنع الحصون الصليبية، فرغب فى

стр. 586

السيطرة عليها ثأرًا لبعض التجار المسلمين الذىن قتلهم الصليبيون، وزحف بجيشه وحاصرها إلا أنه مات قبل أن يتمكن من دخولها، وبقيت «عكا» فى أيدى الصليبيين حتى تولى «الأشرف خليل بن قلاوون» مهام السلطنة، وتمكن من فتح «عكا» ودخولها فى سنة (٦٩٢هـ) بعد حصار ظل أربعة وأربعين يومًا، فعادت «عكا» إلى أيدى المسلمين بعد أن بقيت مائة عام كاملة تحت سيطرة الصليبيين، ثم توجه الأشرف بجيشه تجاه «صور»، و «حيفا» وتمكن منهما بعد جهاد عنيف أشاد به الشعراء ونظموا له القصائد، وهكذا تمكن «الأشرف خليل» من تحقيق هدفه وأمل أبيه من قبله، وقضى على بقايا الجيوب الصليبية فى الشام، وبذلك قضى على دولتهم فيها، فاتخذوا من جزيرة «أرواد» مستقرا لهم، وأخذوا يغيرون منه على سكان المدن الإسلامية فى الشام، وقطعوا الطريق على المارة، فاستغاث نائب السلطان على الشام بالسلطان «الناصر محمد بن قلاوون» الذى آلت إليه السلطنة. جهاد الناصر محمد: حين بلغت «الناصر محمد» استغاثة نائبه على الشام، جهز أسطوله البحرى وانضم به إلى جيش «طرابلس الشام» فى عام (٧٠٢هـ)، وحاصر «جزيرة أرواد» بالجيش والأسطول معًا، وانتهى الأمر بهزيمة ساحقة للصليبيين، وعودة هذه الجزيرة - ذات الموقع الاستراتيُجى المهم، والتى افتتحها المسلمون الأوائل سنة (٥٤هـ) - إلى ظل الحكم الإسلامى مرة ثانية، فانتهت دولة الصليبيين فى الشرق الأدنى والأراضى المقدسة. لم يتوقف «الناصر محمد» عند هذا الحد من الجهاد، بل تقابل فى سنة (٧٠٢هـ) مع المغول بقيادة زعيمهم «غازان» فى «مرج الصقر» على مقربة من «حمص»، فقد حاول المغول الثأر لهزيمتهم فى «عين جالوت»، فواجههم «الناصر محمد» بما تميز به من شدة وبأس وقوة عزيمة، وهزمهم هزيمة ساحقة مات على إثرها «غازان» زعيم المغول حزنًا، وقوبل «الناصر محمد» بأعظم مظاهر الترحيب حين عودته من الشام إلى «مصر»، وأقيمت له أقواس النصر، وخرج الشعب كله

стр. 587

لاستقباله وتهنئته والترحيب به. لم يركن «الناصر محمد» إلى الراحة طيلة فترة حكمه للسلطنة، وعمد إلى الحفاظ على وحدة بلاد المسلمين، ورفع شأنهم، وخرج إلى «أرمينية» على رأس جيوشه حين نقضت العهد الذى كان بينها وبين المسلمين، وصمم على غزوها والسيطرة عليها تأديبًا لحكامها على نقضهم العهد، واجتاحت الجيوش الإسلامية بقيادته بلاد «أرمينية»، وتمكنت منها ودخلتها سنة (٧٢٦هـ)، فعادت تبعيتها إلى الدولة الإسلامية، وقامت بدفع نفقات جيش المسلمين. لقد كتبت دولة المماليك بجهادها صفحة مجيدة من صفحات الجهاد فى التاريخ الإسلامى، وقامت بدورها كاملا فى حماية أراضى البلاد ومقدساتها من طمع أعدائها، سواء أكانوا من الصليبيين أم المغول، وحافظت على استقرار الأمن ورفع شأن المسلمين، ولم يكن الجهاد حكرًا فى هذه الحقبة من التاريخ على دولة «المماليك البحرية» وحدها، بل كان لدولة «المماليك البرجية» دورهم البارز فى هذا الشأن؛ إذ اشتبكت الجيوش الإسلامية فى عهد السلطان «برسباى» مع الصليبيين فى «قبرص»، وتمكن المسلمون من هزيمتهم فى موقعة «شيروكيتوم»، وأسروا ملك «قبرص» وجاءوا به إلى «القاهرة»، وظلت «قبرص» تحت سيطرة المماليك حتى دخل العثمانيون «مصر» سنة (٩٢٣هـ).

стр. 588

الفصل التاسع *النظم والحضارة فى عهد المماليك النظام الحربى والبحرى: لاشك أن الانتصارات الرائعة التى أحرزها المماليك تعود إلى إعداد جيد للجيش وتنظيم دقيق له وللقائمين عليه، ولعل الفضل فى ذلك يعود إلى «الظاهر بيبرس» الذى أولى الجيش عنايته منذ ولى عرش «مصر»، فقد قام بنفسه بإعداده وتنظيمه وتسليحه، ليكون سنده فى الحروب ووقت الشدة، فاستكثر من شراء المماليك وعنى بتربيتهم تربية دينية وعسكرية، وعين لكل فئة منهم فقيهًا يعلمهم القرآن، ومبادئ القراءة والكتابة، حتى إذا وصلوا إلى سن البلوغ أوكلهم إلى من يدربهم ويمرنهم على الأعمال الحربية، فإذا أتموا ذلك وأجادوه ألحقوا بجيش السلطان لتبدأ حياتهم الجهادية فى سبيل الله. فلما ولى السلطان «قلاوون» مقاليد الأمور فى سنة (٦٧٩هـ)، زادت عنايته بشئون تدريب الجند المماليك، وأشرف على طعامهم بنفسه وكان يتذوقه قبل تقديمه إليهم، وكان لا يسمح لهم بمغادرة «قلعة الجبل» ليلا أو نهارًا، وظلوا على ذلك حتى ولى السلطان «خليل بن قلاوون» فى سنة (٦٨٩هـ)، فسمح لهم بالخروج نهارًا فقط، ومنعهم من المبيت خارجها، ثم بنى لهم «الناصر محمد بن قلاوون» - فيما بعد - «الطباق» بساحة الإيوان بالقلعة وجعلها مقرا لهم. تكوين الجيش: كان جيش المماليك يتكون -عادة- من المماليك السلطانية وجنود الحلقة، وكانت لكل فريق من هاتين الطائفتين مرتبة لا يتجاوزها إلى غيرها، فالمماليك السلطانية هم مماليك السلطان، وتنفق عليهم الخاصة السلطانية، لأنهم حرس السلطان الخاص، وكان لهم نظام دقيق فى التدرج القيادى رتبة بعد رتبة، فمنهم من أطلق عليه أمير خمسة، وأمير عشرة، وأمير أربعين، وكذلك أمير مائتين، وكانت لكل صاحب لقب من هذه الألقاب واجبات والتزامات معينة، فأمير خمسة يكون فى خدمته خمسة مماليك، وأمير عشرة تكون عدته عشرة مماليك، أما «أمير الأربعين» فكان يطلق عليه «أمير طبلخانة» لحقه

стр. 589

فى دق الطبول على قصره كما يحدث للسلطان، ولم يكن لطبقة الأمراء هذه ضابط فى عدد أتباعها من المماليك، فقد يتفاوت عدد مَنْ يكون فى خدمة كل أمير منهم ما بين أربعين وثمانين مملوكًا، أما «أمير مائة» فكان فى خدمته «مائة» مملوك، ومقدم فى الوقت نفسه على ألف جندى فى الحروب، فيقال: «أمير مائة مقدم ألف». أما جنود الحلقة فكان لكل أربعين جنديا منهم رئيس لا حكم له عليهم إلا إذا خرجوا إلى القتال، فيقوم بترتيبهم فى أماكنهم، وليس له الحق فى أن يُبعد أحدهم من الخدمة إلا بإذن من السلطان. كانت هناك طائفة أخرى من المماليك تضاف إلى الطائفتين السابقتين، وهى طائفة مماليك الأمراء التى كان ينفق عليها أمراؤها، فقد كان مماليك هذه الفئة يحرسون أمراءهم ويساعدونهم على أعدائهم. ولم تكن مرتبات الجند ثابتة، وقد استبدل نظام المرتبات بإقطاعات كان السلطان يمنحها لهم ليتمتعوا بغلاتها وإيراداتها، فبات أمراؤهم - خاصة أمراء المماليك السلطانية - ذوى ثروة كبيرة ونفوذ عظيم، ذلك إذا وضعنا فى الاعتبار أن السلطان كان يمنحهم جزءًا من الغنائم، ورواتب أخرى من اللحم والتوابل والعليق والزيت. أساليب المماليك فى القتال: كانت شجاعة المماليك وفروسيتهم التى عُرفوا بها، وولاؤهم للأمير الذى يجلبهم، من أهم الأسباب لاستقدامهم من بلادهم، وكانت لهم خطوات دقيقة قبل الدخول فى أية معركة، وأهمها: عقد «مجلس الجيش» برياسة السلطان، وعضوية أتابك العساكر، والخليفة، وقضاة المذاهب الأربعة، وأمراء المائتين الذين بلغ عددهم أربعة وعشرين أميرًا؛ وكان الغرض من عقد هذا المجلس هو الاستنارة بآراء كبار رجال الدولة قبل الإقدام على الحرب، وجعل إعلان الحرب أمرًا مشروعًا، فإذا ما وافق المجلس على خوض الحرب؛ يأمر السلطان باستدعاء الجنود من مختلف جهات «مصر»، فيحلفون يمين الطاعة والولاء فى حضرته، ويتسلمون ما يلزمهم من عتاد الحرب من خزانة

стр. 590

السلاح التى كان يُطلق عليها اسم «السلاح خانة»، ثم يستعرضهم السلطان بنفسه وهو بلباس الحرب، وهو ما يعرف باسم «النفير»، فإذا مااستعرض السلطان الجند وتفقد أحوالهم وسلاحهم، اختار من كبار قواده قائدًا يسير على رأس الحملة الحربية، وقد جرت العادة أن يتخذ القائد مركزه فى القلب؛ حتى يراه جميع جنوده، وينفذوا أوامره، أو يتخذ مركزه فى المقدمة ليثير الحماسة فى نفوسهم، ويلقى الرعب فى قلوب أعدائه. كان المماليك يأخذون فى حروبهم بطريقة قتال الصفوف التى يقف فيها الجندى بجانب زميله حتى يكاد يلتصق به كما يحدث فى صفوف الصلاة، ويسير الجنود على هذا النحو حتى يصلوا إلى حيث استقر العدو فينازلوه ويناجزوه، وكان الخليفة - أحيانًا - يصحب الجيوش فى حملاتهم ليحث الجنود على الجهاد، ويبث الروح الدينية فى نفوسهم. اعتمد المماليك على الخيل فى حروبهم، لذا عنوا بها عناية فائقة، حتى صارت الفروسية فى عهدهم فنا عظيم الشأن، أفردوا لدراسته الكتب والرسائل العديدة التى مازالت موزعة بين خزائن المخطوطات فى العالم حتى الآن، وكذلك تعددت أسلحتهم الحربية، فكان منها: «السيف»، و «الخنجر»، و «الطبر»، و «البلطة»، و «الفأس»، و «القوس»، و «السهم»، و «المقلاع»، و «المنجنيق»، «والدبابات ذات الخيول»، و «الصنبور»، و «القلاع المتحركة»، و «النار اليونانية»، وجعلوا لهذه الأسلحة على اختلاف أنواعها دارًا تحفظ وتخزن فيها أطلقوا عليها اسم: «الزرد خانة»، أو «السلاح خانة»، أى بيت السلاح، وجعلوا رئاسة هذه الدار لأحد أمراء المائتين، وأطلقوا عليه لقب: «أمير السلاح»، وجعلوا جماعة من الموظفين عُرفوا باسم «السلاح دارية» لمعاونة الأمير فى مهام عمله، وكذلك كان يعمل بالدار جماعة من الصناع عُرفوا باسم: «الزرد كاش»، ومعناها: صانع الزرد، لصناعة وصيانة الأسلحة، واختص كل منهم بنوع معين من أنواع السلاح. لقد ظل المماليك محافظين على صنعتهم الحربية حتى بعد أن ضعف

стр. 591

شأنهم باستيلاء العثمانيين على «مصر» سنة (١٥١٧م)، لأن هذه النظم هى التى جعلت لهم السبق فى الاهتمام بالجانب الحربى، وأهَّلتهم لخوض المعارك الطاحنة، ومكنتهم من بسط نفوذهم ومد سلطانهم على «مصر» والشام و «الحجاز»، و «اليمن»، و «جزر المتوسط»، ومع ذلك كانوا دائمًا يتطلعون إلى ترسيخ دعائم دولتهم، وتحديث نظمهم ومعداتهم الحربية لأنهم يعلمون جيدًا أن عدوهم متربص بهم من البر والبحر، فعمدوا إلى الاهتمام بالسلاح البحرى إلى جانب اهتمامهم بتدريب الجند وتوفير ما يلزمهم. البحرية فى عهد المماليك: عندما آلت السلطة إلى سلاطين المماليك عمل «الظاهر بيبرس» منذ سنة (٦٥٨هـ) على إعداد قوة بحرية قوية يستعين بها على صد الأعداء المتربصين بالبلاد من جهة البحر، فاهتم بأمر الأسطول، ومنع الناس من التصرف فى الأخشاب التى تصلح لصناعة السفن، وأمر بإنشاء الشوائى (وهى السفن الحربية ذات الأبراج والقلاع العالية للدفاع والهجوم) لكى تحمى «الإسكندرية» و «دمياط»، وكان السلطان يذهب بنفسه إلى دار صناعة السفن بالجزيرة ويشرف على تجهيز هذه الشوائى حتى تمكن فى النهاية من إعداد أسطول مكون من أربعين قطعة حربية، سَيَّرها إلى «قبرص» فى سنة (٦٦٩هـ)، إلا أن هذا الأسطول هلك، فقام «بيبرس» بإنشاء أسطول آخر مما يدلل على المركز المالى القوى الذى تمتعت به دولة المماليك. نسج الأشرف «خليل بن قلاوون» على منوال «الظاهر بيبرس» فى عنايته بالأسطول، فقد أنشأ أسطولا مكونًا من ستين مركبًا جُهِّزت بالآلات الحربية والرجال، وأقام احتفالا كبيرًا حضره الناس من كل مكان حين ذهب إلى استعراض هذا الأسطول فى دار صناعة السفن بجزيرة الروضة. عُنى السلطان «الناصر محمد» بالأسطول مثلما فعل «بيبرس» و «خليل» من قبله، فأصبح لمصر أسطول من أقوى أساطيل هذا العهد، فقد كان يجمع بين «الشوائى»، و «الحراريق» (سفن حربية أقل من الشوائى)، و «الطرادات» (سفن حربية سريعة الحركة صغيرة

стр. 592

الحجم)، و «الأغربة» (سفن حربية تشبه رءوسها رءوس الفرسان والطيور)، و «البطش» (سفن تحمل المجانق)، و «القراقر» (سفن تستخدم فى تموين السفن)، وليس أدل على مبلغ اهتمام المماليك بالقوة البحرية مما ذكره «المقريزى» حين وصف الاحتفال بإنزال الشوائى إلى البحر للسفر إلى «طرابلس» بقوله: «وفى المحرم من سنة ٧٠٥هـ تبحرت عمارة الشوائى، وجهزت بالمقاتلة والآلات مع الأمير «جمال الدين أقوش الفاوى العلائى» والى «البهن»، واجتمع الناس لمشاهدة لعبهم فى البحر، فركب «أقوش» فى «الشيئى» الكبير، وانحدر تجاه المقياس، وكان قد نزل السلطان والأمراء لمشاهدة ذلك، واجتمع من العالم ما لم يحصهم إلا الله -تعالى- وبلغ كراء المركب الذى يحمل عشرة آلاف نفس مائة درهم، وامتلأ البران من «بولاق» إلى دار الصناعة حتى لم يوجد موضع قدم خالٍ، ووقف العسكر على بربستان الخشب، وركب الأمراء الحراريق إلى «الروضة»، وبرزت الشوائى للعب كأنها فى الحرب؛ فلعب الأول والثانى والثالث، وأعجب الناس بذلك إعجابًا زائدًا لكثرة ما كان فيها من آلات الحرب، ثم تقدَّم الرابع وفيه «أقوش» فما هو إلا أن خرج من منية الصناعة بمصر، وتوسط النيل. وإذا بالريح حركة، فانقلبت، وأنقذ الناس الشيئى، وأصلحوه، وسافروا بالشوائى لطرابلس، وليس أدل على اهتمام المماليك بأمر الأساطيل من اشتراك الأهالى مع الحكومة فى عرض الجيوش الحربية والأساطيل، والعمل على تقويتها وبناء سفن كثيرة، وقد أطلق الشعب على رجال الأسطول لقب: «المجاهدون فى سبيل الله والغزاة فى أعداء الله» وكان الناس يتبركون بدعائهم تعظيمًا لهم». وهكذا كانت عناية المماليك بالجيش، وكذلك كان اهتمامهم بالأسطول، وبذلك وصلت الأمة الإسلامية إلى ماوصلت إليه من مكانة سامية وشأن عظيم على أيديهم. النظم الإدارية فى عهد المماليك: أهم الدواوين: تكون الجهاز الإدارى فى «مصر» والشام من عدة دواوين حكومية،

стр. 593

يشرف كل منها على ناحية معينة من نواحى الإدارة العامة، وكانت أهم هذه الدواوين فى هذا العهد ما يلى: «ديوان الأحباس»، و «ديوان النظر»، و «ديوان الخاص»، و «ديوان الإنشاء». أما «ديوان الأحباس» فيشبه وزارة الأوقاف فى وقتنا الحالى، ويتولى صاحب هذا الديوان الإشراف على المساجد والربط، والزوايا، والمدارس، والأراضى، والعقارات المحبوسة عليها، والإحسان إلى الفقراء والمعوزين. و «ديوان النظر» يشبه وزارة المالية حاليًا، وترجع إليه سائر الدواوين فى كل ما يتعلق بالمسائل الخاصة بالمتحصل والمنصرف من أموال الدولة، وله فوق ذلك الإشراف على حساب الدولة، وأرزاق الموظفين الدائمين والمؤقتين، وكان هذا الديوان يتخذ من القلعة مقرا له. وفى سنة (٧٢٧هـ) أنشأ السلطان «الناصر محمد» «الديوان الخاص» لإدارة الشئون المالية التى تتعلق بالسلطان، ويتولى الإشراف عليه «ناصر الخاص» الذى عُرف من قبل فى عهد الفاطميين والأيوبيين، ولكنه لم يبلغ من الأهمية القدر الذى بلغه فى عصر المماليك خاصة فى عهد «الناصر محمد». أما ديوان الإنشاء فكانت أهم اختصاصاته تنظيم العلاقات الخارجية للدولة، وهو أول ديوان وُضع فى الإسلام، وقد نُظِّم فى عهد المماليك بأسلوب يتناسب مع مقتضيات العصر ومتطلباته، وكان مقره «قاعة الصاحب» بقلعة الجبل، حيث ترد المكاتبات إليه من جميع أنحاء الولايات والممالك التى بينها وبين بلاد المسلمين علاقات سياسية، كما كانت تحرر فيه الكتب التى كان يرسلها السلطان إلى الملوك والأمراء، وقد لُقب صاحب ديوان الإنشاء بألقاب عديدة فى أوائل عهد المماليك، فلقبوه تارة باسم: «صاحب الدست الشريف»، وأخرى باسم: «كاتب الدرج» وثالثة باسم: «كاتب الدست» وبقيت هذه تسميته إلى أن تولى «القاضى فتح الدين بن عبدالظاهر» هذا الديوان فى عهد السلطان «قلاوون» فتلقب بلقب «كاتب السر»؛ لأنه كان يكتم سر السلطان، وكانت وظيفته من أعظم

стр. 594

الوظائف الديوانية وأجلِّها قدرًا، وكان له معاونون يساعدونه فى أداء ما عليه من التزامات وواجبات. كان من أبرزهم: «نائب كاتب السر»، ثم يليه فى المرتبة كُتَّاب الدست المتصلون بديوان الإنشاء، وكانوا يجلسون مع كاتب السر بمجلس السلطان بدار العدل. كانت هناك دواوين أخرى - فى العهد المملوك - أقل شأنًا من تلك الدواوين السابق ذكرها، مثل «ديوان الأهراء» (وهى شئون الغلال السلطانية)، و «ديوان الطواحين»، ويتولى صاحبه الإشراف على طحن الغلال، و «ديوان المرتجعات»، ويشرف صاحبه على الأمور الخاصة بتركات الأمراء، وكذلك كانت هناك دواوين أخرى ذكرها «القلقشندى» على أنها دواوين مستقلة، ولكنها لم تكن - فى حقيقة الأمر - سوى إدارات تتصل اتصالا مباشرًا بالقصر السلطانى، أو بأحد الدواوين الرئيسية السابقة، وذكر «القلقشندى» منها - مثلا - «ديوان الإصطبلات»، و «ديوان المواريث»، و «ديوان الخزانة» و «ديوان العمائر»، و «ديوان المستأجرات». سارت دواوين الحكومة فى عصر المماليك على نسق واحد من حيث التنظيم الإدارى، فكان على رأس كل ديوان موظف كبير هو «ناظر الديوان»، وكانت مهام عمله تشبه إلى حد كبير ما يقوم به الوزير حاليا، ويليه فى المرتبة «مستوفى الصحبة»، و «مستوفى الدولة» ومهمتهما الإشراف على موظفى الدواوين المختلفة، ويلى هؤلاء طبقة الموظفين والكتاب وما يليهم. البريد: كان البريد أحد أهم إدارات «ديوان الإنشاء»، إذ كان واسطة الاتصال بين دولة المماليك فى «مصر» ونياباتها فى الشام وغيرها من الأقاليم، ولم يقتصر المماليك على البريد العادى فى إرسال رسائلهم، بل عمدوا إلى استخدام الحمام الزاجل فى نقلها، وجعلوا القلعة مركزًا لأبراجه، كما أقاموا مراكز معينة فى جهات مختلفة لتكون مراكز للبريد البرى، وخصصوا لكل محطة منها عددًا من الحمام الزاجل، وجعلوا على رعاية شئونه عددًا من الموظفين المتخصصين

стр. 595

فى ذلك، وكان فى كل محطة من هذه المحطات برج أو أكثر ليعيش فيه الحمام الذى سيقوم بنقل الرسائل إلى المحطة التالية، وقد عنى سلاطين المماليك عناية شديدة بما كانت تحمله هذه الحمائم من رسائل، لدرجة أن بعضهم أمر بإدخالها عليه حال وصولها، كما كان بعضهم يترك طعامه أو يستيقظ من نومه فى الحال عند وصولها. وهكذا كان تنظيم الدواوين فى عهد الدولة المملوكية غاية فى الدقة، ومظهرًا من مظاهر الرقى الحضارى الذى وصلت إليه هذه الدولة بما صنعته وحققته، ومثلا من أمثلة المتابعة الدقيقة التى آل سلاطين هذه الدولة على أنفسهم أن يتخذوها فى مراقبة شئون الدولة؛ لتحقيق الاستقرار الداخلى، الذى ينعكس - بطبيعة الحال - على كل مناحى الحياة فى الدولة. كبار الموظفين الإداريين: - الأتابك: «الأتابك» هو القائد العام للجيوش، وكلمة «أتابك» لفظة تركية مركبة من «أطا»، (وتعنى: أب) و «بك» (وتعنى: السيد أو الأمير) فيكون «الأتابك» هو: السيد الأب، أو الأمير الأب، أى أنه أبو الأمراء أو كبيرهم، وقد أُطلق هذا اللقب فى عهد المماليك على مقدم العساكر، أو القائد؛ لأنه يعتبر أبًا للعساكر والأمراء جميعًا، وكثيرًا ما خلع الأتابكة أبناء السلاطين من على العرش، واستولوا عليه وتولوه بدلا منهم. - الوزير: تطور نظام الوزارة فى «مصر» فى عهد المماليك، ولم يتمتع وزراء هذا العصر بنفوذ مطلق؛ لاستقرار منصب «نائب السلطان» الذى استحدثه الأيوبيون وعمل به المماليك، وقد حرص «الظاهر بيبرس» على اختيار وزرائه من أرباب الأقلام والسيوف، فإذا كان الوزير من أرباب القلم أُطلق عليه اسم: «الصاحب» مضافًا إليه صفة الوزير فيصبح لقبه: «الصاحب الوزير» أو «وزير الصحبة»؛ وهو وزير متنقل يرافق السلطان فى أسفاره وحروبه، وتكون مهام وظيفته مقصورة على تسيير شئون الوزارة فى هذه الأثناء. أما إذا كان هذا الوزير

стр. 596

من أرباب السيف اكتفى بتلقيبه بالوزير دون الصاحب، ويُعدُّ - بهذا - الوزير الأصلى الذى يحضر مجالس السلطان مع أمراء المائتين، وله حق التصرف فى جميع أمور المملكة. كان الوزير يتقاضى راتبًا شهريا قدره مائتان وخمسون دينارًا، عدا ما خصص له كل يوم من مقادير وفيرة من الغلال واللحوم والخبز وسائر ما يحتاج إليه، وقد ألغى السلطان «الناصر محمد» منصبى «الوزير» و «نائب السلطان» فى آنٍ واحد فى سنة (٧٢٧هـ). - والى القاهرة: استلزمت شئون الإدارة تعيين موظف كبير يُعدُّ فى الواقع من أهم الموظفين الإداريين عرف باسم: «والى القاهرة»، فهو الذى ينفذ الأحكام ويقيم الحدود، ويتعقب المفسدين، ومثيرى الفتن، ومدمنى الخمر، ويعاقب كلا منهم على حسب جريمته، كما كانت عليه مراقبة أبواب «القاهرة»، والطواف بأحياء التجارة والمال فيها، لذا أُطلِق عليه أحيانًا: «صاحب العسس» أو «والى الطواف»، واقتصر نفوذه على العاصمة وضواحيها. - ولاة الأقاليم: كانت فئة من الموظفين هى التى تشرف على كل عمل من أعمال الوجهين البحرى والقبلى بمصر، وكان على رأس هذه الفئة «والى الإقليم»، الذى يمثل الإدارة المحلية، وكانت مهمته تتركز فى العمل على استتباب الأمن والنظام، والمحافظة على أموال الناس وأرواحهم فى الإقليم الذى أوكلت إليه إدارته. - أمير جاندار: هى وظيفة إدارية تطلبتها ظروف هذا العصر، وكان على «أميرجاندار» أن يقوم بتنظيم إدخال الناس على السلطان وهو جالس بإيوانه بقلعة الجبل. - الحاجب: كان على «الحاجب» أن يقوم بما يقوم به «أميرجاندار» على أن يراعى مقامات الناس، وأهمية أعمالهم، وقد عظمت أهمية الحاجب فى العصر المملوكى. - الدوادار: هو الرجل الذى يتولى أمر تبليغ الرسائل إلى السلطان، كما يقوم بتقديم المنشورات إليه للتوقيع عليها. لقد كان نظام الإدارة فى عهد المماليك نظامًا دقيقًا قويا، تطلَّب

стр. 597

اختيار موظفين من أصحاب المواهب الفريدة والخبرات المتميزة فى تخصصاتهم، فنجحت سياسة الدولة المملوكية فى تسيير شئون البلاد، وتيسير مصالح الناس وحاجاتهم إلى حد كبير. النظام القضائى: تعهد «الظاهر بيبرس» النظام القضائى بالإصلاح والتعديل، ورأى فى تقسيم مناصب القضاء بين قضاة المذاهب الأربعة ما يضمن العدالة بين الناس، والتيسير عليهم، فقد عين فى سنة (٦٦٣هـ) أربعة قضاة يمثلون المذاهب الأربعة، وكتب لكل منهم تقليدًا، وأجاز لهم أن يولوا نوابًا عنهم فى أنحاء البلاد. امتد اختصاص قاضى القضاة، وقضاة الأقاليم، وزاد نفوذهم، وامتد فتناول النظر فى الدعاوى التى تتضمن إثبات الحقوق والحكم بإيصالها إلى أصحابها، كما نظر فى الأموال التى ليس لها ولى معين، وكذلك تناول تعيين أوصياء لليتامى، وتفقد أحوال المحجور عليهم من المجانين والمفلسين وأهل السفه، ونظر -أيضًا - فى وصايا المسلمين، وكان القضاة ينظرون فى مصالح الأوقاف، ويعملون على حفظ أصولها وتثبيت فروعها، وقبض ريعها وإنفاقه فى مصاريفه، وكذلك كانوا يقبضون المال الموصى به لتنفيذ الوصية، وعهد إليهم بتسلم أموال المواريث المتنازع عليها، وأموال مَنْ يموتون غرباء وحفظها حتى يحضر ورثتهم. وانحصرت سلطة القضاة الأربعة ونوابهم على المدنيين، بينما كان للجيش المملوكى ثلاثة قضاة عُرف كل منهم باسم: «قاضى العسكر»، واختصوا بشئون العسكر للفصل فى القضايا الخاصة بهم، أو التى بينهم وبين المدنيين، وكانت جلسات القضاء فى دولة المماليك تعقد علانية ويحضرها مَنْ شاء من الناس، وكانت المساجد مكان انعقاد هذه الجلسات، كما كانت دور القضاء الخاصة مكانًا لها أحيانًا؛ إذا لم يكن هناك دور معينة لانعقادها، فإذا جلس القاضى للفصل فى الخصومات رتب القضايا بحسب حضور الخصوم؛ حتى لا يتقدم أحد على الآخر لمكانته أو ثرائه، وكان يستعين على تنظيم قاعة الجلسة

стр. 598

بعدد من الموظفين منهم: «الجلواز»، و «الأعوان»، و «الأمناء»، و «العدول»، فكان الرجال يجلسون فى جانب والنساء فى الجانب الآخر. وقد بلغ راتب القاضى خمسين دينارًا شهريا، عدا ما كان يحصل عليه من الأوقاف التى كان يتولى إدارتها، بالإضافة إلى ما كان يجرى عليه من الغلال والشعير والخبز واللحم والكساء. كان تنظيم القضاء فى دولة المماليك تنظيمًا دقيقًا، وبرز فى هذه الدولة قضاة عرفوا بالنزاهة وطهارة الذمة وحسن السيرة، احترموا مركزهم القضائى، ولم يقبلوا تدخل أحد - مهما يعلُ مركزه - فى أعمالهم، وكثيرًا ما كانوا يطلبون إعفاءهم من مناصبهم - دون تردد - إذا ما حاول أحد تهديد كرامتهم، أو الاعتداء من قريب أو بعيد على استقلالهم، فقد كانوا لا يقبلون الرشوة ولا الهدية، لذا أصبحت لهم مكانتهم الكريمة ومقامهم المرموق فى الدولة، وفى نظر السلاطين والأمراء، وجميع طبقات الشعب، ولعل أبرز الأمثلة للتدليل عليهم: «القاضى عبدالعزيز»، المعروف بعز الدين بن عبدالسلام (سلطان العلماء)، و «القاضى تقى الدين عبدالرحمن الشافعى» ابن بنت «الأعز»، و «القاضى تقى الدين محمد بن دقيق العيد»، وغيرهم، فقد كانوا أمثلة عظيمة وواضحة لما يجب أن يكون عليه القاضى العادل والشريف. الإفتاء: يلى القضاة فى الأهمية «مفتو دار العدل»، وقد كانوا أربعة يمثلون المذاهب الإسلامية الأربعة، ولم تكن فى سلطتهم الفصل فى الخصومات سواء أكانت بين المدنيين أم بين العسكريين أم بين العسكريين والمدنيين، بل كانت مهمتهم شرح وتبيين حكم الشرع فيما يُسألون عنه من المسائل الفقهية، كل حسب مذهبه. المحتسب: كانت مهمة المحتسب النظر فيما يتعلق بالجنايات والنظام العام، وكان عليه الفصل فيها على وجه السرعة، وقد عهد إليه بالإشراف على نظام الأسواق، وكان له نواب يطوفون فيها ويفتشون أماكنها، ويشرفون على السَّقَّائين للتأكد من نظافتهم، وتغطيتهم القرب،

стр. 599

ولبسهم السراويل، كما كان على المحتسب ونوابه الحيلولة دون بروز الحوانيت (الدكاكين) حتى لا تعوق نظام المرور بالشوارع، وكذلك عليهم الإشراف على نظافة الشوارع والأزقة، والحكم بهدم المبانى المتداعية للسقوط وإزالة أنقاضها، وكذلك الكشف على صحة الموازين والمكاييل، التى كانت لها دار خاصة تُعرف باسم: «دار العيار»، فكان المحتسب يطلب جميع الباعة إلى هذه الدار فى أوقات معينة ومعهم موازينهم ومكاييلهم ليتأكد بنفسه من ضبط عيارها، فإن وجد بها خللا صادرها وألزم صاحبها بإصلاحها أو شراء غيرها. وقد ارتقى نظام الحسبة وشمل الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. صاحب المظالم: كان «الظاهر بيبرس» أول من جلس للمظالم من سلاطين المماليك، وهو الذى أقام دار العدل فى سنة (٦٦١هـ)، وقد خصص يومى الاثنين والخميس من كل أسبوع ليجلس فيهما للفصل فى القضايا المهمة، ويحيط به قضاة المذاهب الأربعة، وكبار الموظفين الإداريين والماليين، وكاتب السر. وظلت دار العدل مقرا لمحكمة المظالم - التى كانت تعقد جلساتها برئاسة السلطان - حتى جاء السلطان «قلاوون» وبنى الإيوان الخاص، واتخذه مقرا لهذه المحكمة فى سنة (٦٧٩هـ)، ولم تكن محكمة المظالم تنظر فى قضايا الأفراد فحسب، بل كانت تنظر فى شكاوى الناس كافة، ويذكر «المقريزى» أن السلطان «بيبرس» عُرضَت عليه فى سنة (٦٦٢هـ) قضية رجل من عِلْية القوم وذكر فيها أن «المعز أيبك» قد اغتصب منه بستانًا، وقدم ما يثبت ملكيته لهذا البستان، فأمر «بيبرس» برد البستان إليه. وقد قام «بيبرس» بخفض ثمن الغلال فى سنة (٦٦٣هـ) بعد أن ارتفع ثمنها، ولذا تميز النظام القضائى فى عهد المماليك بالحيدة والنزاهة وتحقيق العدل بين الرعية. المنشآت الحضارية فى عهد المماليك: حفلت كتب التاريخ التى تناولت عهد المماليك بذكر الآثار التى خلَّفها هذا العصر، والتى مازال معظمها شاهد صدق على مدى عظمة هذه

стр. 600

الدولة حتى الآن، فقد تقدمت فنون البناء والعمارة والزخرفة، وتوافرت الأموال اللازمة لها خلال هذا العهد المجيد من تاريخ العالم الإسلامى، فقد قام «الظاهر بيبرس» ببناء مسجده، المعروف باسمه بميدان الظاهر بالقاهرة فى عام (٦٦٥هـ)، وجلب لبنائه الرخام والأخشاب وأدوات البناء من سائر البلاد، وزيَّنه بزخارف الجص، فأصبح مثالا للمساجد الكبيرة الضخمة التى شُيدت فى عهد دولة المماليك البحرية. كما قام «بيبرس» ببناء برج لقلعة الجبل، وشيد «قناطر السباع» على «الخليج المصرى»، وقد عُرفت هذه القناطر بهذا الاسم؛ لأن «بيبرس» نصب عليها سباعًا من الحجارة، كما أصلح منارتى «رشيد» و «الإسكندرية». أما السلطان «قلاوون» فقد أنشأ القبة التى دُفِن تحتها، كما أنشأ مسجده ومدرسته، ومارستانه الذى عُرف بمستشفى «قلاوون»، ثم يأتى ابنه «السلطان الناصر محمد ابن قلاوون»، وكان شغوفًا بسياسة أبيه فى الإنشاء والبناء، فشيد «المدرسة الناصرية» (بحى النحاسين)، وعين بها مدرسين للمذاهب الأربعة، وألحق بها مكتبة حافلة بنوادر الكتب وأمهاتها، ولاتزال هذه المدرسة باقية بحالة جيدة حتى اليوم، وكذلك بنى «الناصر محمد» «القصر الأبلق» بقلعة الجبل، وسُمى بذلك لأنه بنى من الحجر الأبيض والحجر الأسود، وفى سنة (٧١٨هـ) شيد «الناصر» مسجده بالقلعة، ثم هدمه فى سنة (٧٣٥هـ) ليعيد توسيعه وبناءه من جديد، وقام بتجديد بناء المارستان الكبير الذى أسسه والده «قلاوون»، وأنشأ «خانقاه» (بيت لفقراء الصوفية) فى «سرياقوس» من ضواحى «القاهرة» فى سنة (٧٢٣هـ)، (أصبحت «سرياقوس» اليوم تابعة لمركز «الخانكة» بمحافظة «القليوبية»)، وقد شيد «الناصر» سبيلا ألحقه بجوار مدرسته وجامع أبيه «قلاوون»؛ لأنهما متجاوران. ولعل أعظم إنشاءات دولة المماليك البحرية ما قام به السلطان «حسن بن الناصر محمد بن قلاوون» حين أنشأ مسجده ومدرسته بالقرب من القلعة. منشآت دولة المماليك البرجية:
следующие страницы →