← История

История · id 36578

موسوعة سفير للتاريخ الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (3 483 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

من أرباب السيف اكتفى بتلقيبه بالوزير دون الصاحب، ويُعدُّ - بهذا - الوزير الأصلى الذى يحضر مجالس السلطان مع أمراء المائتين، وله حق التصرف فى جميع أمور المملكة. كان الوزير يتقاضى راتبًا شهريا قدره مائتان وخمسون دينارًا، عدا ما خصص له كل يوم من مقادير وفيرة من الغلال واللحوم والخبز وسائر ما يحتاج إليه، وقد ألغى السلطان «الناصر محمد» منصبى «الوزير» و «نائب السلطان» فى آنٍ واحد فى سنة (٧٢٧هـ). - والى القاهرة: استلزمت شئون الإدارة تعيين موظف كبير يُعدُّ فى الواقع من أهم الموظفين الإداريين عرف باسم: «والى القاهرة»، فهو الذى ينفذ الأحكام ويقيم الحدود، ويتعقب المفسدين، ومثيرى الفتن، ومدمنى الخمر، ويعاقب كلا منهم على حسب جريمته، كما كانت عليه مراقبة أبواب «القاهرة»، والطواف بأحياء التجارة والمال فيها، لذا أُطلِق عليه أحيانًا: «صاحب العسس» أو «والى الطواف»، واقتصر نفوذه على العاصمة وضواحيها. - ولاة الأقاليم: كانت فئة من الموظفين هى التى تشرف على كل عمل من أعمال الوجهين البحرى والقبلى بمصر، وكان على رأس هذه الفئة «والى الإقليم»، الذى يمثل الإدارة المحلية، وكانت مهمته تتركز فى العمل على استتباب الأمن والنظام، والمحافظة على أموال الناس وأرواحهم فى الإقليم الذى أوكلت إليه إدارته. - أمير جاندار: هى وظيفة إدارية تطلبتها ظروف هذا العصر، وكان على «أميرجاندار» أن يقوم بتنظيم إدخال الناس على السلطان وهو جالس بإيوانه بقلعة الجبل. - الحاجب: كان على «الحاجب» أن يقوم بما يقوم به «أميرجاندار» على أن يراعى مقامات الناس، وأهمية أعمالهم، وقد عظمت أهمية الحاجب فى العصر المملوكى. - الدوادار: هو الرجل الذى يتولى أمر تبليغ الرسائل إلى السلطان، كما يقوم بتقديم المنشورات إليه للتوقيع عليها. لقد كان نظام الإدارة فى عهد المماليك نظامًا دقيقًا قويا، تطلَّب

стр. 597

اختيار موظفين من أصحاب المواهب الفريدة والخبرات المتميزة فى تخصصاتهم، فنجحت سياسة الدولة المملوكية فى تسيير شئون البلاد، وتيسير مصالح الناس وحاجاتهم إلى حد كبير. النظام القضائى: تعهد «الظاهر بيبرس» النظام القضائى بالإصلاح والتعديل، ورأى فى تقسيم مناصب القضاء بين قضاة المذاهب الأربعة ما يضمن العدالة بين الناس، والتيسير عليهم، فقد عين فى سنة (٦٦٣هـ) أربعة قضاة يمثلون المذاهب الأربعة، وكتب لكل منهم تقليدًا، وأجاز لهم أن يولوا نوابًا عنهم فى أنحاء البلاد. امتد اختصاص قاضى القضاة، وقضاة الأقاليم، وزاد نفوذهم، وامتد فتناول النظر فى الدعاوى التى تتضمن إثبات الحقوق والحكم بإيصالها إلى أصحابها، كما نظر فى الأموال التى ليس لها ولى معين، وكذلك تناول تعيين أوصياء لليتامى، وتفقد أحوال المحجور عليهم من المجانين والمفلسين وأهل السفه، ونظر -أيضًا - فى وصايا المسلمين، وكان القضاة ينظرون فى مصالح الأوقاف، ويعملون على حفظ أصولها وتثبيت فروعها، وقبض ريعها وإنفاقه فى مصاريفه، وكذلك كانوا يقبضون المال الموصى به لتنفيذ الوصية، وعهد إليهم بتسلم أموال المواريث المتنازع عليها، وأموال مَنْ يموتون غرباء وحفظها حتى يحضر ورثتهم. وانحصرت سلطة القضاة الأربعة ونوابهم على المدنيين، بينما كان للجيش المملوكى ثلاثة قضاة عُرف كل منهم باسم: «قاضى العسكر»، واختصوا بشئون العسكر للفصل فى القضايا الخاصة بهم، أو التى بينهم وبين المدنيين، وكانت جلسات القضاء فى دولة المماليك تعقد علانية ويحضرها مَنْ شاء من الناس، وكانت المساجد مكان انعقاد هذه الجلسات، كما كانت دور القضاء الخاصة مكانًا لها أحيانًا؛ إذا لم يكن هناك دور معينة لانعقادها، فإذا جلس القاضى للفصل فى الخصومات رتب القضايا بحسب حضور الخصوم؛ حتى لا يتقدم أحد على الآخر لمكانته أو ثرائه، وكان يستعين على تنظيم قاعة الجلسة

стр. 598

بعدد من الموظفين منهم: «الجلواز»، و «الأعوان»، و «الأمناء»، و «العدول»، فكان الرجال يجلسون فى جانب والنساء فى الجانب الآخر. وقد بلغ راتب القاضى خمسين دينارًا شهريا، عدا ما كان يحصل عليه من الأوقاف التى كان يتولى إدارتها، بالإضافة إلى ما كان يجرى عليه من الغلال والشعير والخبز واللحم والكساء. كان تنظيم القضاء فى دولة المماليك تنظيمًا دقيقًا، وبرز فى هذه الدولة قضاة عرفوا بالنزاهة وطهارة الذمة وحسن السيرة، احترموا مركزهم القضائى، ولم يقبلوا تدخل أحد - مهما يعلُ مركزه - فى أعمالهم، وكثيرًا ما كانوا يطلبون إعفاءهم من مناصبهم - دون تردد - إذا ما حاول أحد تهديد كرامتهم، أو الاعتداء من قريب أو بعيد على استقلالهم، فقد كانوا لا يقبلون الرشوة ولا الهدية، لذا أصبحت لهم مكانتهم الكريمة ومقامهم المرموق فى الدولة، وفى نظر السلاطين والأمراء، وجميع طبقات الشعب، ولعل أبرز الأمثلة للتدليل عليهم: «القاضى عبدالعزيز»، المعروف بعز الدين بن عبدالسلام (سلطان العلماء)، و «القاضى تقى الدين عبدالرحمن الشافعى» ابن بنت «الأعز»، و «القاضى تقى الدين محمد بن دقيق العيد»، وغيرهم، فقد كانوا أمثلة عظيمة وواضحة لما يجب أن يكون عليه القاضى العادل والشريف. الإفتاء: يلى القضاة فى الأهمية «مفتو دار العدل»، وقد كانوا أربعة يمثلون المذاهب الإسلامية الأربعة، ولم تكن فى سلطتهم الفصل فى الخصومات سواء أكانت بين المدنيين أم بين العسكريين أم بين العسكريين والمدنيين، بل كانت مهمتهم شرح وتبيين حكم الشرع فيما يُسألون عنه من المسائل الفقهية، كل حسب مذهبه. المحتسب: كانت مهمة المحتسب النظر فيما يتعلق بالجنايات والنظام العام، وكان عليه الفصل فيها على وجه السرعة، وقد عهد إليه بالإشراف على نظام الأسواق، وكان له نواب يطوفون فيها ويفتشون أماكنها، ويشرفون على السَّقَّائين للتأكد من نظافتهم، وتغطيتهم القرب،

стр. 599

ولبسهم السراويل، كما كان على المحتسب ونوابه الحيلولة دون بروز الحوانيت (الدكاكين) حتى لا تعوق نظام المرور بالشوارع، وكذلك عليهم الإشراف على نظافة الشوارع والأزقة، والحكم بهدم المبانى المتداعية للسقوط وإزالة أنقاضها، وكذلك الكشف على صحة الموازين والمكاييل، التى كانت لها دار خاصة تُعرف باسم: «دار العيار»، فكان المحتسب يطلب جميع الباعة إلى هذه الدار فى أوقات معينة ومعهم موازينهم ومكاييلهم ليتأكد بنفسه من ضبط عيارها، فإن وجد بها خللا صادرها وألزم صاحبها بإصلاحها أو شراء غيرها. وقد ارتقى نظام الحسبة وشمل الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. صاحب المظالم: كان «الظاهر بيبرس» أول من جلس للمظالم من سلاطين المماليك، وهو الذى أقام دار العدل فى سنة (٦٦١هـ)، وقد خصص يومى الاثنين والخميس من كل أسبوع ليجلس فيهما للفصل فى القضايا المهمة، ويحيط به قضاة المذاهب الأربعة، وكبار الموظفين الإداريين والماليين، وكاتب السر. وظلت دار العدل مقرا لمحكمة المظالم - التى كانت تعقد جلساتها برئاسة السلطان - حتى جاء السلطان «قلاوون» وبنى الإيوان الخاص، واتخذه مقرا لهذه المحكمة فى سنة (٦٧٩هـ)، ولم تكن محكمة المظالم تنظر فى قضايا الأفراد فحسب، بل كانت تنظر فى شكاوى الناس كافة، ويذكر «المقريزى» أن السلطان «بيبرس» عُرضَت عليه فى سنة (٦٦٢هـ) قضية رجل من عِلْية القوم وذكر فيها أن «المعز أيبك» قد اغتصب منه بستانًا، وقدم ما يثبت ملكيته لهذا البستان، فأمر «بيبرس» برد البستان إليه. وقد قام «بيبرس» بخفض ثمن الغلال فى سنة (٦٦٣هـ) بعد أن ارتفع ثمنها، ولذا تميز النظام القضائى فى عهد المماليك بالحيدة والنزاهة وتحقيق العدل بين الرعية. المنشآت الحضارية فى عهد المماليك: حفلت كتب التاريخ التى تناولت عهد المماليك بذكر الآثار التى خلَّفها هذا العصر، والتى مازال معظمها شاهد صدق على مدى عظمة هذه

стр. 600

الدولة حتى الآن، فقد تقدمت فنون البناء والعمارة والزخرفة، وتوافرت الأموال اللازمة لها خلال هذا العهد المجيد من تاريخ العالم الإسلامى، فقد قام «الظاهر بيبرس» ببناء مسجده، المعروف باسمه بميدان الظاهر بالقاهرة فى عام (٦٦٥هـ)، وجلب لبنائه الرخام والأخشاب وأدوات البناء من سائر البلاد، وزيَّنه بزخارف الجص، فأصبح مثالا للمساجد الكبيرة الضخمة التى شُيدت فى عهد دولة المماليك البحرية. كما قام «بيبرس» ببناء برج لقلعة الجبل، وشيد «قناطر السباع» على «الخليج المصرى»، وقد عُرفت هذه القناطر بهذا الاسم؛ لأن «بيبرس» نصب عليها سباعًا من الحجارة، كما أصلح منارتى «رشيد» و «الإسكندرية». أما السلطان «قلاوون» فقد أنشأ القبة التى دُفِن تحتها، كما أنشأ مسجده ومدرسته، ومارستانه الذى عُرف بمستشفى «قلاوون»، ثم يأتى ابنه «السلطان الناصر محمد ابن قلاوون»، وكان شغوفًا بسياسة أبيه فى الإنشاء والبناء، فشيد «المدرسة الناصرية» (بحى النحاسين)، وعين بها مدرسين للمذاهب الأربعة، وألحق بها مكتبة حافلة بنوادر الكتب وأمهاتها، ولاتزال هذه المدرسة باقية بحالة جيدة حتى اليوم، وكذلك بنى «الناصر محمد» «القصر الأبلق» بقلعة الجبل، وسُمى بذلك لأنه بنى من الحجر الأبيض والحجر الأسود، وفى سنة (٧١٨هـ) شيد «الناصر» مسجده بالقلعة، ثم هدمه فى سنة (٧٣٥هـ) ليعيد توسيعه وبناءه من جديد، وقام بتجديد بناء المارستان الكبير الذى أسسه والده «قلاوون»، وأنشأ «خانقاه» (بيت لفقراء الصوفية) فى «سرياقوس» من ضواحى «القاهرة» فى سنة (٧٢٣هـ)، (أصبحت «سرياقوس» اليوم تابعة لمركز «الخانكة» بمحافظة «القليوبية»)، وقد شيد «الناصر» سبيلا ألحقه بجوار مدرسته وجامع أبيه «قلاوون»؛ لأنهما متجاوران. ولعل أعظم إنشاءات دولة المماليك البحرية ما قام به السلطان «حسن بن الناصر محمد بن قلاوون» حين أنشأ مسجده ومدرسته بالقرب من القلعة. منشآت دولة المماليك البرجية:

стр. 601

ازدادت المنشآت فى عصر دولة المماليك البرجية، ولعل أفضل مثال على منشآت ذلك العهد ماقام به «الأشرف برسباى» للعمارة الإسلامية، فقد قام بتأسيس عدة مبانٍ كان أهمها مدرسته الأشرفية التى عند «سوق الوراقين» بالقاهرة، إذ رسم حدودها فى سنة (٨٢٦هـ) وعين «الشيخ علاء الدين ابن الرومى الحنفى» أستاذًا لها، ثم أتم بناءها فى سنة (٨٢٩هـ)، وكذلك قام «برسباى» بإنشاء مدرسة بجوار «خانقاه سرياقوس» فى سنة (٨٤١هـ)، وكانت هذه المدرسة مجمعًا دينيا يشمل: مدرسة، وكُتَّابًا، وسبيلا، وخانقاه للصوفية، وكان القاضى «محب الدين بن رسول الكرادى» الحنفى، المعروف بابن الأشقرت، أحد الذين تولوا أمر المدرسة والخانقاه فى سنة (٨٦٣هـ). كذلك أقام «برسباى» مسجدًا وتربة وزاوية بالصحراء، ولم يكن وحده هو الذى فعل ذلك، فقد كان أغلب سلاطين المماليك يحرصون على بناء مسجد ومدفن لكل منهم فى الصحراء بشرق «القاهرة»، ذلك إضافة إلى ما يقومون به من منشآت فى أرجاء البلاد، مثلما فعل «بيبرس» حين أقام «قنطرة المجذوب» بأسيوط، وجدد «الحرم الشريف» بمكة، و «الجامع الأزهر» بمصر. ويُعدُّ «قايتباى» أشهر سلاطين المماليك البرجية شغفًا بالبناء والعمران، إذ أنفق مائة ألف دينار على إعادة تشييد «مسجد المدينة المنورة» بخلاف ما أنفقه على تشييد وبناء مسجده، وبناء «قلعة الإسكندرية» المعروفة باسمه، وكذلك أقام مبانى جديدة بقلعة الجبل، وقام «السلطان الغورى» من بعده بتحصين «الإسكندرية» و «رشيد». ويعد عصر المماليك- بحق - أحد العصور الذهبية فى تاريخ العمارة الإسلامية، فقد كان الإقبال غظيماً على تشييد المساجد والمدارس والأضرحة، والاهتمام بالمهارات الفنية والزخرفية، والعمل على إتقان بناء المنارات والقباب وواجهات المنشآت والإيوانات والأعمدة وزخرفتها، وزخرفة المدارس والمساجد من الداخل والخارج، وقد كانت العناية بزخرفة وتجميل كل ذلك إحدى سمات هذا العصر.

стр. 602

النهضة فى مجال العلوم والآداب: لاشك أن المؤسسات العلمية التى أنشأها المماليك نهضت بمستوى العلم وتقدمه فى عهدهم، وأبرزت نخبة من ألمع العلماء فى مختلف مجالات الثقافة والعلوم، فكان منهم الفقهاء: شيخ الحنابلة «أحمد بن تيمية»، ومن المؤرخين: «أبو الفدا» صاحب «التاريخ والسير»، و «المقريزى المصرى» صاحب «الخطط» و «السلوك»، و «ابن خلكان» صاحب «وفيات الأعيان»، كما كان من كُتَّاب السير الطبيب الشهير «ابن أبى أصيبعة»، الذى درس بدمشق و «القاهرة»، ثم وضع تراجم للأطباء فى مؤلفه: «عيون الأنباء»، وكذلك كان «ابن إياس» صاحب «بدائع الزهور»، و «القلقشندى» صاحب «صبح الأعشى»، ومن الشاميين نجد المؤرخ «شمس الدين الدمشقى» صاحب «نخبة الدهر فى عجائب البر والبحر»، و «ابن فضل الله العمرى»، الذى شغل منصب «صاحب الخاتم» فى بلاط المماليك بالقاهرة، وهو صاحب كتاب: «مسالك الأبصار فى ممالك الأمصار»، ولقد عاش «عبدالرحمن الجبرتى» أشهر علماء التاريخ فى بلاط المماليك، ويعد «ابن خلدون» واضع علم الاجتماع ومؤسس فلسفة التاريخ، وهو صاحب كتاب: «العبر وديوان المبتدأ والخبر»، وقد وضع فى مقدمته لهذا الكتاب أسس كتابة التاريخ التى اشتهرت شهرة واسعة النطاق فى أنحاء العالم. وهكذا برزت -خلال عهد المماليك - جماعة من أفضل علماء المسلمين فى التاريخ الإسلامى، وشجعهم على ذلك اهتمام سلاطين المماليك بالعلم والعلماء. وإن نظرة واحدة فى حُجة أحد سلاطين هذه الدولة لتظهر لنا مدى ما وصل إليه هؤلاء من حب وتقدير للعلم والعلماء والمتعلمين، وقد حرص «الأشرف برسباى» فى حُجته على تعيين المشايخ لمدرسته، وقام بوقف الأراضى لكى يُنفق من إيرادها على التعليم، وكذلك على المتعلمين الذين أنفق عليهم بسخاء، فخرج منهم العلماء والفقهاء والأئمة فى مختلف المجالات والتخصصات والمذاهب، وأصبح هذا العمل مفخرة لهذا العصر، وسببًا من أهم أسباب تقدم المسلمين

стр. 603

وتفوقهم فى مجالات العلوم والحضارة. وبعد: فقد عاش المماليك فى بلاد المسلمين واتخذوا منها مواطن لا يعرفون غيرها، فأنشئوا بها حضارتهم الخاصة التى تفوقت على حضارات الأمم الكبيرة آنذاك، والتى مازالت آثارها باقية حتى اليوم، شاهد صدق على حب هؤلاء المماليك لهذه البلاد، ودليلا قاطعًا على عظمة سلاطينهم، فمازالت «القاهرة» مليئة بالآثار التى تركها المماليك، والتى تدل على مدى التقدم الرائع لهذا العصر فى الفنون جميعها، وبخاصة الزخرفة التى لا يخلو منها مسجد أو قبة أو مدرسة من آثارهم، ولاشك أن ذلك يعود إلى اهتمام سلاطين هذه الدولة بهذه الفنون، وبتوفير التمويل المالى اللازم لتنفيذها. - الحالة الاقتصادية فى عهد سلاطين المماليك: مما لاشك فيه أن الحالة الاقتصادية لأية أمة من الأمم تمثل العمود الفقرى لها، فإذا كان الاقتصاد قويا وأحسن استغلاله فى تيسير حاجات البلاد، وبناء نهضتها، وتشييد حضارتها؛ كان ذلك مدعاة إلى التقدم والازدهار فى جميع المجالات، ووقوف البلاد فى صفوف الأمم المتقدمة ذات السيادة العالمية. أما إذا كان اقتصاد أى بلد عكس ذلك، فإنه يكون مدعاة للظلم والقهر والسلب، وخذلان البلاد ووقوفها فى ذيل قائمة البلاد المتقدمة، منتظرة قراراتها فى تسيير أمورها وشئونها الخاصة، ولا تتوافر لهذه الأمم الضعيفة القدرة على اتخاذ القرار فيما يخصها، وتصبح فريسة للتدخل الأجنبى، وطمع المستعمرين، ولقد كان المماليك من القوة الاقتصادية لدرجة أن دولتهم بلغت حدا من الثراء لم تؤثر عليه الحروب العديدة التى خاضوها، بالإضافة إلى الإنشاءات والإصلاحات التى قامت بها فى طول البلاد وعرضها؛ إذ تعددت مصادر الثروة التى زخرت بها خزائن المماليك، فبالإضافة إلى ضرائب الخراج، والتركات التى لا وارث لها كانت هناك مصادر أساسية وثابتة لزيادة موارد الدولة؛ إذ اهتم المماليك بالزراعة والصناعة والتجارة، وأقاموا مقاييس للنيل،

стр. 604

وطهروا الترع، وأنشئوا الجسور ونظموا الرى وحسَّنوا وسائله، كما اعتنوا بصناعة المنسوجات، ونشطوا فى اكتشاف واستخراج المعادن، التى كان من أهمها: «الزمرد» و «الشب» و «النطرون»، فكان «الشب» يُستخرج من الوجه القبلى والواحات، ويُحمل إلى «قوص» أو إلى «أسيوط» و «أخميم» و «البهنسا»، ثم ينقل منها عن طريق النيل إلى «الإسكندرية» وفيها يباع للأوربيين، وخصصت الحكومة ثلث ثمنه لدفع رواتب الأمراء، ولتوفير بعض احتياجات الجيش الكثيرة؛ لكثرة حروبهم فى ذلك الوقت. وكانت التجارة - بحق - أعظم مصادر الثروة فى العهد المملوكى؛ إذ قاموا بتشجيعها، وعقدوا المحالفات والاتفاقات التجارية مع إمبراطور «القسطنطينية»، وملوك «إسبانيا»، وأمراء «نابلس»، و «جنوة»، و «البندقية» وسلاجقة «آسيا الصغرى»، وكاد المماليك أن يحتكروا تجارة «الهند» - خاصة التوابل - بالاتفاق مع أمراء الموانئ الإيطالية، فكان لذلك أكبر الأثر فى نمو ثروات البلاد وزيادتها، خاصة بعد أن بسط المماليك سلطانهم على «مكة» و «جدة»، وأصبحت «مكة» من أشهر الأسواق التجارية فى الشرق فانتعشت حالة البلاد الاقتصادية وازدهرت، ويدل على ذلك كثرة الإنشاءات المعمارية والتجهيزات الحربية فى ذلك الحين، إلا أن لحالة الركود - التى كانت تصيب الاقتصاد أحيانًا نتيجة لظروف القلق وما يصاحبها من السلب والنهب - أثراً على خزينة الدولة، ومع ذلك لم يكن تأثيرها خطيرًا؛ لأن الدولة سرعان ما كانت تتدارك الأخطاء وتعالج العيوب، وتعمل على سد النقص فى اقتصادها، ولعل أخطر الأحداث الاقتصادية التى كان لها أكبر الأثر فى سقوط دولة المماليك هو تحول طرق التجارة بين «أوربا» و «الشرق» عن طريق «مصر» إلى طريق «رأس الرجاء الصالح» الذى اكتشفه «فاسكو دى جاما» البرتغالى سنة (١٤٩٨م)، فأحدث هذا الاكتشاف انقلابًا خطيرًا فى عالم التجارة، وكارثة حقيقية على دولة المماليك التى كانت تعتمد

стр. 605

بصورة كبيرة على التجارة التى تحولت من حوض «البحر الأبيض المتوسط» إلى «المحيط الأطلسى» ونضبت خزائن «مصر» من الأموال التى كانت تأتيها من تجار «البندقية» و «جنوة»، الذين كانوا ينقلون تجارتهم من «الشرق» إلى «أوربا» عن طريق «مصر» ويدفعون لها الضرائب عن دخول تجارتهم وخروجها منها، فكان لذلك أثره على كساد التجارة والزراعة، ولم تعد «مصر» تنتج للأسواق الخارجية كثيرًا، فقلت موارد البلاد، وتهددتها المجاعات، وانحط شأن «الإسكندرية»، وقل عدد الأجانب بها، وتأخرت الصناعات الحيوية، وتدهورت الحالة الفنية؛ لقلة الأموال اللازمة، فهيأ هذا الوضع الفرصة للسلب والنهب الذى قام به بعض أفراد المماليك، فدب الضعف فى أوصال الدولة، وبدأت تأخذ طريقها إلى الضعف والتلاشى؛ لأن موارد البلاد لم تعد كافية لسد احتياجاتها الضرورية، وزاد الأمر سوءًا فى نهاية عصر المماليك إذ كثرت الدسائس والمؤامرات، وحوادث السلب والنهب، وتعرضت «مصر» للمجاعة والاضطراب فى عهد «السلطان برقوق» و «السلطان شيخ المؤيد» و «السلطان قايتباى»، وزادت الاضطرابات فى أنحاء البلاد، ولا تكاد تستقر حتى تعود إليها الفوضى ثانية؛ بسبب الفتن التى زادت حدتها فى عهد المماليك البرجية على وجه الخصوص، لدرجة أن «فايربك» أحد أمراء المماليك البرجية هو الذى ساعد العثمانيين - بخيانته - على الدخول إلى «مصر» والشام، وهذا دليل قاطع على مدى التدهور والضعف اللذين وصلت إليهما الدولة فى آخر أيامها. لقد انتهت دولة المماليك بعد أن ظلت مدافعة عن العالم الإسلامى حقبة دامت أكثر من قرنين ونصف القرن، شهد العالم الإسلامى خلالها حضارة زاهرة مازالت آثارها باقية حتى الآن، ونعم المسلمون فيها بالرخاء والعزة والعدل والطمأنينة، إذ عُرف المماليك بالعدل وحب العمران، كما عرفوا بمهاراتهم الفائقة فى الفروسية والقتال، فهم الذين ردوا المغول ودحروا الصليبيين، وتاريخهم المجيد يشهد لهم

стр. 606

بذلك، وعلى الرغم مما حدث من هنات فى بعض فترات حكمهم، فإن الحكم النهائى على أية دولة لا يكون إلا على ما خلَّفته، ومما لاشك فيه أن المماليك قاموا بدور لا يمكن تجاهله أو نسيانه، وخدموا المسلمين فى كل مكان على الأرض، وأنشئوا حضارة راسخة، وشجعوا العلم والعلماء والمتعلمين، وكونوا جيشًا قويا، وبنوا أسطولا عظيمًا، وساعدوا الفقراء والمحتاجين، وشيدوا المدارس والجوامع والأسبلة والقلاع والمستشفيات والقصور، وعاشوا مع أهل البلاد فى وئام وسلام، وذابوا فى وحدة العالم الإسلامى، وبنوا له حضارته، ودافعوا عن أرضه، ورفعوا من شأنه، وأخذوا بيده إلى القمة فى صدر صفوف دول العالم المتقدمة آنذاك.

стр. 607

الفصل العاشر *الحجاز علاقة الحجاز بمصر فى عهد الأيوبيين: كان سقوط الدولة الفاطمية فى سنة (٥٦٧هـ = ١٧٧١م)، وقيام الدولة الأيوبية عاملا من عوامل تقوية العلاقات بين «مصر» و «الحجاز»؛ إذ قامت خطة «صلاح الدين الأيوبى» على تحقيق الوحدة الداخلية بين الأقطار الإسلامية كمرحلة أولى، تتلوها المواجهة مع الصليبيين، وحرص على أن ينال رضا الخليفة على خطته، ليكون رضاه عاملا من عوامل توحيد صفوف المسلمين وجمع شملهم. لم يتدخل «صلاح الدين» فى شئون «الحجاز» الداخلية؛ بل اكتفى بإجراءات تحقق الأمن والعدل لسكانه وللحجاج القادمين إليه، ولم يغير نظام الحكم الذى كانت تتولاه أسرة الهواشم فى الحرمين الشريفين، وأسقط فى سنة (٥٧٢هـ) المكوس عن الحجاج إلى «مكة» فى البحر عن طريق «عيذاب»، وعوض أمير «مكة» عن ذلك بثمانية آلاف إردب قمحًا، تُحمل إليه سنويا إلى ساحل «جدة»، وأوقف لذلك أوقافًا بصعيد «مصر»، وأرسل الأقوات إلى المجاورين والفقراء بالحرمين الشريفين. وحينما حج الملك المعظم «توران شاه بن نجم الدين أيوب» أخى «صلاح الدين»، قادمًا من «اليمن» فى سنة (٥٧٠هـ)؛ منح أهل الحرمين عطاءً كبيرًا وأغدق عليهم، وعمهم بالخير، وقام بعدة إصلاحات فى الحرمين الشريفين. حاول الصليبيون غزو «المدينة المنورة» فى سنة (٥٧٨هـ) للتنكيل بالمسلمين، وعبر الصليبى «أرناط» أمير «الكرك» «بحر القلزم» (الأحمر) إلى «عيذاب» على الساحل الشرقى للبحر الأحمر، وقتل وأسر الكثيرين من أهاليها، ومضى يريد «المدينة المنورة»، وبلغ ذلك «صلاح الدين»، فأمر بتجهيز جيش عظيم بقيادة الحاجب «حسام الدين لؤلؤ» لرد عدوان «أرناط»؛ فخرج الجيش ونجح فى هزيمة «أرناط» وإحراق أسطوله وإفشال حملته، وأُسِر عدد كبير من جنوده، فأمر «صلاح الدين» بقتل الأسرى من جنود «أرناط»؛ ليكونوا عبرة لكل من تسول له نفسه الاعتداء على حرم الله -تعالى- وحرم رسوله ﷺ .

стр. 608

كانت وفاة «صلاح الدين» سنة (٥٨٩هـ)، وكان تقسيم المملكة بين أبنائه وأخيه «العادل» بداية لتطورات جديدة فى العلاقات الأيوبية الحجازية، فقد ازداد تدخل الأيوبيين فى شئون «الحجاز» الداخلية؛ بسبب النزاع الذى نشب بين «مكثر» حاكم «مكة»، وأخيه «داود»، ولم ينته الصراع بينهما حتى مات «مكثر»، فخلفه «أبو عزيز قتادة بن إدريس الحسنى» المعروف بالنابغة، والذى كان يستوطن مع أهله «نهر العلقبة» من «وادى ينبع» وأصبحت له الرئاسة على قومه، وباتت فى يديه أزمَّة أمورهم، وبلغه ما صارت إليه حال الهواشم من خلافات، فزحف على «مكة»، ثم تطلع إلى زعامة «المدينة» التى كانت تتوارث بين أفراد الفرع الحسينى من الأسرة العلوية، فزحف إلى «المدينة»، إلا أنه لم يستطع دخولها؛ فعاد إلى «مكة» ثانية. عظم فى هذا الوقت أمر «بنى رسول» فى «اليمن» بعد وفاة السلطان «مسعود الأيوبى» سنة (٦٢٦هـ)، وحاولوا بسط نفوذهم على «مكة» و «المدينة»، وتمكنوا من السيطرة على «مكة» وظلت تحت أيديهم إلى سنة (٦٣٠هـ)، حتى جاء «الشريف راجع» وتمكن من استرجاعها منهم بشرط أن يظل تحت نفوذهم (نفوذ «آل رسول»). شهد تاريخ «مكة» و «المدينة» بعد وفاة «الكامل» فى سنة (٦٣٥هـ)، نزاعًا متصلا بين «آل رسول» والأيوبيين وظل الأمر على ذلك حتى وفاة «الشريف راجع»، فرأى «ابن رسول» أن يصرف نظره عن أبناء «راجع» الذين ولَّوْا «أبا نهى» بعد أبيه «الحسن بن قتادة» بالاشتراك مع عمه «إدريس»، فشغل «أبو نهى» وأولاده من بعده الشرافة فى «مكة» و «المدينة» قرنًا من الزمان تقريبًا. وهكذا كانت «الحجاز» مرتبطة بمصر ارتباطًا وثيقًا فى بداية عهد الدولة الأيوبية، وزاد من هذا الارتباط أن سلاطين الأيوبيين الأوائل لم يتدخلوا فى شئون «الحجاز» الداخلية، واكتفوا بتأمين حجاجها، وتوفير العدل والأمان لأهلها، إلا أن وفاة «صلاح الدين»، والصراع

стр. 609

الذى دار بين حكام «الحجاز» أنفسهم كانا من أسباب تدخل الأيوبيين المباشر فى شئون «الحجاز»، وظلوا على ذلك حتى دخلت المنطقة فى مرحلة جديدة تحت حكم المماليك. المماليك والحجاز: خلفت دولة المماليك الأولى دولة الأيوبيين فى ملكها الواسع ونفوذها العريض، وحملت لواء الجهاد من بعدها فى وجه الصليبيين والمغول، فلما تعاظمت قوة المماليك، وصارت «القاهرة» مقرا للخلافة العباسية تطلع المماليك إلى السيطرة على الحرمين الشريفين كمظهر مكمل لسيطرتهم على العالم الإسلامى، فأدرك «أبو نهى» حاكم «مكة» أن المماليك غدوا مركز الثقل فى المنطقة، فأعلن الولاء لهم، وبدأ عهد جديد فى علاقة «مصر» بالحجاز سياسيا واقتصاديا، ودينيا، واجتماعيا، وعلميا، إذ حرص «الظاهر بيبرس» عندما ذهب للحج فى سنة (٦٦٧هـ) على تثبيت سلطان المماليك فى «الحجاز»، وتقوية علاقتهم بها، فكان «أبو نهى» محور هذه العلاقات فترة طويلة، ثم من بعده أولاده وأحفاده الذين دخلوا فى سلسلة طويلة من المنازعات والخصومات، فكان سلاطين المماليك -دائمًا - يعملون على إيجاد الحلول لخصوماتهم، وتسليم السلطة فى «الحجاز» لمَنْ يثقون به منهم، ولكن هذا الوضع لم يستمر طويلا فى عهد المماليك الشراكسة، حيث ظهرت بالحجاز شخصيات قوية مثل «الحسن بن عجلان» الذى سيطر على الأمر فى «الحجاز»، وحاول المماليك التدخل، ولكنهم لم يستطيعوا - فى أواخر عهدهم - أن يغيروا من أوضاع «الحجاز» السياسية، وظل الأشراف مسيطرين على «الحجاز» طوال عهد المماليك، ومن بعدهم. أمَّن المماليك طرق التجارة بين «مصر» و «الحجاز»؛ فقد كانت تدر عليهم أموالا طائلة، وأصدروا أوامرهم بإلغاء المكوس التجارية فى الحرمين الشريفين، وأصدروا مراسيم تحدد مكوس التجارة الواردة إلى «جدة»، وكانوا يهبُّون إلى نجدة أهل الحرمين فى أزماتهم الاقتصادية، ويرسلون إليهم المعونات من الحبوب والمؤن.

стр. 610

ولقد بذل المماليك جهودًا كبيرة فى تأمين طرق الحج، والمحافظة على حجاج بيت الله الحرام من المعتدين وقطاع الطرق، وقام السلاطين بإصلاح طرق الحج، وحفر آبار جديدة لكى يأمن الحجاج من العطش أثناء رحلتهم لقضاء المناسك ذهابًا وإيابًا، وكان يصحب قافلة الحجاج المصريين كثير من الأمراء والقادة وتابعيهم للدلالة على قوة السلطنة المملوكية، وكانت هذه القافلة تحمل معها كسوة الكعبة التى صنعت فى «مصر»، والتى حرص السلاطين على إرسالها كل عام فى موكب مهيب، وأوقفوا عليها الأوقاف كى لا تنقطع، وكى تظل تأكيدًا على نفوذ المماليك فى «الحجاز»، وحينما حاول «شاه رخ» أن يكسو الكعبة فى عهد السلطان «برسباى» وطلب السماح له بذلك، رفض «برسباى» بشدة ومن ورائه الشعب والقضاة والعلماء، لأن كسوة الكعبة شرف يمثل أقوى الروابط الإسلامية فى نظرهم، ولا يمكنهم التخلى عنه. وقد حرص سلاطين المماليك على أداء فريضة الحج وزيارة الأراضى المقدسة بالحجاز؛ لكى يكونوا من بين حجاج بيت الله الحرام دون أية أبهة أو عظمة كسائر الناس. كانت الحياة الاجتماعية فى الحرمين فى عهد المماليك حياة هادئة باستثناء سنوات قليلة تعرضت فيها «الحجاز» للقحط، ولم يكن للمماليك يد فى ذلك، فقد أجروا السبل، وحفروا الآبار والعيون حفاظًا على مدن «الحجاز» خاصة الحرمين الشريفين. لم يقتصر دور المماليك فى «الحجاز» على الحرمين الشريفين؛ بل كانت لهم اليد الطولى فى إثراء الناحية الثقافية بالحجاز، وأقاموا المدارس، وبذلوا الأموال للمدرسين والدارسين معًا، وكثيرًا ما أرسلوا الكتب من «مصر» لكى تدرس فى الحرمين، ويُستفاد منها فى تلك المدارس التى ربطوا لها الأوقاف الكثيرة للإنفاق عليها؛ لذا كان عهدهم عهد ازدهار واستقرار للحرمين الشريفين وسكانهما، فقد كفاهم المماليك شرور الغزو، وتسلط الأعداء. وإنصافًا لحق سلاطين الدولة المملوكية لا يجب أن نلقى عليهم

стр. 611

باللائمة فيما حدث بالحجاز من أحداث داخلية حرمته استقراره حينًا من الوقت، لأن أمراء «الحجاز» أنفسهم هم المسئولون عن ذلك بما قام بينهم من منازعات وصراعات كانت السبب الرئيسى فى إشعال نار الفتن؛ التى كثيرًا ما كان يتدخل المماليك لإطفائها من أجل مصلحة سكان الحرمين الشريفين وما حولهما، إلا أن الضعف الذى دب فى أوصال الدولة المملوكية فى أواخر أيامها بعد اكتشاف طريق «رأس الرجاء الصالح» وتحول مسار التجارة العالمية عن «مصر»، كان سببًا جوهريا لدخول العلاقات بين «مصر» و «الحجاز» فى دور جديد فى عهد السلطان «الغورى»، وحُرمت «الحجاز» من مصدر مالى شديد الأهمية وتلا ذلك سقوط المماليك فى الشام فى معركة «مرج دابق» سنة (٩٢٢هـ)، ثم معركة «الريدانية» بمصر سنة (٩٢٣هـ)، فسقطت بذلك دولة المماليك وتوارت، وارتفع الستار عن الدولة العثمانية، القوة الجديدة فى العالم الإسلامى؛ فكان على «الحجاز» أن ينضوى تحت لوائها ويبدأ مرحلة جديدة فى تاريخ علاقاته.

стр. 612

الفصل الحادي عشر *عُمَان تقع «عُمَان» فى أقصى الجنوب الشرقى لشبه الجزيرة العربية، ممتدة شمالى «بحر العرب»، وعلى طول «خليج عمان» حتى إمارة «الفجيرة» (إحدى إمارات دولة «الإمارات العربية» الآن)، وتقع «اليمن» غرب «عمان»، وهى تطل على البحر من جهة، وعلى الصحراء من جهة أخرى، وبذلك يمكن تقسيم سكانها إلى طائفتين متميزتين هما: «الحضر»، و «البدو»، ويسكن «الحضر» على الساحل وبخاصة فى مسقط، وهم أخلاط ممتزجة من السكان. أما «البدو» فيعيشون فى المناطق الداخلية، وهم أكثر بساطة من «الحضر»، ويميلون إلى المحافظة على عاداتهم وتقاليدهم. وتبلغ مساحة «عمان» حوالى مائة وعشرين ألف ميل مربع، وعدد سكانها - الآن - نحو مليونى نسمة. عمان الإسلامية: بعث رسول الله ﷺ بالرسائل إلى الملوك ورؤساء القبائل فى الجزيرة العربية وخارجها، يدعوهم فيها إلى الإسلام، وكانت «عمان» آنذاك تحت حكم أسرة «الجُلَنْدِى الأزدى». وكان ملكها «جيفر» رجلا حكيمًا تميز بعدله وسيرته الحسنة بين الرعية، فبعث إلىه النبى ﷺ بعمرو بن العاص ومعه رسالة يدعوه فيها إلى الدخول فى دين الله، فأسلم «جيفر» وقومه ووجوه العشائر وبقية الناس، ولم يكتف «جيفر» بذلك، بل عمل على نشر الدين الإسلامى قدر استطاعته، وأرسل من قِبَله رسلا تحمل دعوة الإسلام إلى «مهرة» وغيرها من المناطق المجاورة لعمان، فكانت «عمان» بذلك من أولى البلاد التى دخلت فى الإسلام طواعية، وكان ملكها أحد الذين عملوا على نشر الإسلام فى أهله وجيرانه. عمان فى العهد الأموى: بعد موقعة «النهروان» التى دارت رحاها بين أمير المؤمنين «على بن أبى طالب» والخوارج، وبعد انقسام الخوارج على أنفسهم اتجهت الفئة المعتدلة منهم - التى كانت تعتنق «المذهب الإباضى» - إلى «عمان»، وقاموا بترويج مذهبهم ونشره بين أهل «عمان»؛ فلاقى هذا المذهب القبول بين أهل «عمان»، فلما آل أمر الخلافة إلى

стр. 613

الأمويين أصبحت «عمان» من مراكز المعارضة لهم، وأعلنت استقلالها عن الخلافة الأموية وساعد العمانيين فى ذلك بُعد بلادهم عن مركز الخلافة، وطبيعتهم الاجتماعية التى لا تقبل سيطرة خارجية، وطبيعة البلاد الجغرافية التى تجعل التوغل فيها أمرًا عسيرًا، وكذلك انشغال الخلفاء الأمويين عنهم، فلما تولى «عبدالملك بن مروان» الخلافة جعل «العراق» تحت سلطة «الحجاج بن يوسف الثقفى» الذى تطلع إلى السيطرة على أرض «عمان» و «الخليج»، وتم له ما أراد بعد صراع طويل بين جيشه وأهل هذه البلاد، ففرت أسرة «الجلندى» إلى «زنجبار» التى كانت «عمان» على صلة وثيقة بها، امتدت لتشمل ساحل إفريقيا الشرقى كله. وكان «الخيار بن حبر الجاشعى» أحد ولاة «عمان» فى عهد الخليفة الأموى «عبدالملك بن مروان». المذهب الإباضى فى عمان: عاش «الإباضية» من أتباع «عبدالله بن إباض» فى «عمان»، فكانوا يضمرون ثورتهم على نظام الخلافة حينًا، ويعلنونها أحيانًا، حتى ولى العباسيون الخلافة فاستعاد العمانيون سلطانهم كاملا. والمذهب الإباضى هو أقرب المذاهب إلى مذهب أهل السنة، وقد قام الإباضيون فى «عمان» بدور واسع فى الصراع العسكرى ضد الأمويين، فامتزجت حركة العمانيين الاستقلالية بالفكر الإباضى، ونتج عن ذلك فكر جديد ساد «عمان» منذ ذلك الحين، يرفضون فيه وصفهم بالخوارج، ويفضلون الارتباط بعبدالله بن إباض، وقد تناول أحد مؤرخى «عمان» فى كتابه «سلطنة عمان» الامتزاج الذى تم بين المذهب الإباضى والدم العمانى فقال: «كان المذهب الإباضى هو اللواء الذى عاش فى ظله العمانيون، ووحَّد بينهم فى كفاحهم لنيل استقلالهم، وكانوا يستبسلون فى الدفاع عن عقيدتهم وتقاليدهم». عمان فى العصر العباسى: لم تطل مدة ارتباط «عمان» بالخلافة العباسية؛ إذ سرعان ما استقل أهل «عمان» بشئونهم عن الخلافة العباسية، وكان «أبو جعفر المنصور» أول ولاة العباسيين على شئون «العراق» الجنوبى،

стр. 614

فاستعمل على «عمان» «جناح بن عباد بن قيس بن عمر الهنائى» صاحب المسجد المعروف باسمه بصحار، ثم عزله «المنصور» وولى ابنه «محمد بن جناح» الذى اتسم برزانة العقل وحكمة التفكير، فأدرك رغبة العمانيين فى أن يكون واليهم منهم، وأن يكون لهم حق انتخابه بأنفسهم، فسمح لهم بذلك ووافقهم عليه، فعقدوا الإمامة للجلندى بن مسعود بن جيفر بن جلندى، الذى بدأ به نظام الإمامة الإباضية فى «عمان» سنة (١٣٥هـ)، إلا أن العباسيين لم يوافقوا على ذلك، وأرسلوا جيشًا حارب العمانيين، وقتل إمامهم، وظلت «عمان» بدون إمامٍ حتى عادت إليها الإمامة ثانية فى سنة (١٤٥هـ). الأئمة الإباضية فى عمان: كان «جلندى بن مسعود» الذى تولى إمامة «عمان» فى سنة (١٣٥هـ) أول إمام على «عمان» من «الإباضية»، ولم يكن نظام الإمامة متوارثًا، بل كان يتم انتخاب الأئمة بالاختيار المباشر، كما كان يتم عزل بعض الأئمة أحيانًا. وأول أئمة عمان من الإباضية هو: «جلندى بن مسعود بن جيفر بن جلندى الأزدى» (١٣٥هـ). قتل بعد ذلك بعامين فى حرب ضد العباسيين، وعادت الإمامة إلى «عمان» مرة ثانية فى بداية سنة (١٤٥هـ)، فتولى الإمامة منذ ذلك الحين الأئمة: ١ - «محمد بن عفان الأزدى». (١٤٥هـ). ٢ - «الوارث بن كعب اليحمدى». (١٨٥هـ). ٣ - «غسان بن عبدالله». (١٩٢هـ). ٤ - «عبدالملك بن حميد الغسانى». (٢٠٨هـ). ٥ - «مهنا بن جعفر اليحمدى». (٢٢٦هـ). ٦ - «الصلت بن مالك الأزدى». (٢٣٧هـ). ٧ - «راشد بن نصر (أو ابن النظر)». (٢٧٣هـ). ٨ - «عزان بن تميم». (٢٧٧هـ). ٩ - «محمد بن الحسن». (٢٨٤هـ). ١٠ - «عزان بن خضر». (٢٨٥هـ). ١١ - «عبدالله بن محمد». (٢٨٦هـ). ٢١ - «الصلت بن القاسم». (٢٨٧هـ). ١٣ - محمد بن الحسن (للمرة الثانية). (٢٨٧هـ). ١٤ - «الحسن بن سعد» (٢٨٧هـ). لم يكن بعض هؤلاء الأئمة محمود السيرة، مثلما وُصِف «محمد بن عفان»، الذى عزله المسلمون حين ساءت سيرته، كما ساءت سيرة

стр. 615

«عزان بن تميم» وكثر تنازع العمانيين فيما بينهم فى عهده، فانفض الناس من حوله. عُمان حتى نهاية القرن الرابع الهجرى: عاشت «عمان» ابتداءً من القرن الثالث الهجرى فترة مضطربة؛ بسبب الخلافات والمنازعات التى خلَّفت دمارًا كبيرًا أثَّر على الأوضاع الاقتصادية فى «عمان»، التى شهدت خلال تلك الفترة صراعًا مريرًا بين «النزارية» و «اليمنية» وصل إلى قمته فى سنة (٢٧٨هـ) بهزيمة «النزارية»، ففتح هذا الصراع الباب على مصراعيه لصراع دام طويلا فى «عمان». ولقد شهدت «عمان» ومنطقة الخليج خلال هذه الفترة صراعًا فكريا عنيفًا أدى إلى التصادم الحربى فى معارك حربية، استلزمت جهودًا كبيرة، كانت أهمها تلك المعركة التى وقعت حين هبت ثورة القرامطة التى استنفدت جهود العباسيين وأموالهم، وقامت الحرب بين العباسيين والقرامطة، وامتد خط الصراع بينهما من «البحرين» إلى «عمان»، فاضطربت الأوضاع فى «عمان» نتيجة لسيطرة القرامطة عليها، وللحرب التى نشبت بين العباسيين والقرامطة. حاول الخليفة «المعتضد» (٢٧٩ - ٢٨٩هـ) بسط سلطانه على «عمان»، فولى عليها «محمد بن القاسم السلمى» الذى تمكن من تكوين دولة له فى «عمان» توارثها أبناؤه من بعده، وفى الوقت نفسه كانت توجد بعمان أسرة «بنى وجيه» وحكمت بعض مناطقها، ثم قويت شوكتها لدرجة أن ملوكها تطلعوا إلى السيطرة على البصرة. فى وسط هذه الصراعات عرفت «عمان» سلطتين متعارضتين؛ إذ كان بها ملك «سلطان» فى منطقة، وإمام فى المنطقة الأخرى، فأدى ذلك إلى حدوث الصراعات والاضطرابات. ملوك آل نبهان: ظهر ملوك «آل نبهان» ولاة للبويهيين على «عمان» فى القرن الرابع الهجرى الذى ساءت خلاله أحوال «عمان»؛ نتيجة الصراعات والاضطرابات الداخلية التى زادت بتولى «آل نبهان» حكم «عمان»؛ إذ استبدوا بأمورها، وأساءوا معاملة أهلها، ومع ذلك لم يكونوا وحدهم المسئولين عما ألمَّ بعمان من اضطرابات، فقد ساعدتهم فى

стр. 616

ذلك صراعات الأئمة التى شهدتها «عمان» خلال تلك الفترة، وظل «آل نبهان» يحكمون «عمان» حتى القرن التاسع الهجرى، ثم عادت إلى الأئمة قوتهم السياسية فى «عمان» من جديد. وكان أهم ملوك «آل نبهان» خلال هذه الفترة: «أبو عبدالله محمد بن عامر بن نبهان» وإخوته، ثم «الحسين أحمد» و «أبو محمد نبهان» وغيرهم. فلما زالت دولة «آل نبهان» بدأ الأئمة يستعيدون مجدهم وسلطتهم من جديد. الأئمة بعد آل نبهان: بعد زوال دولة «آل نبهان» ظهر الأئمة من جديد فى سلسلة متصلة تولوا خلالها أمور «عمان»، وأئمة «عمان» بعد النبهانيين هم: ١ - «أبو الحسن عبدالله خامس ابن عامر الأزدى». (٨٣٩هـ). ٢ - «عمر بن الخطاب بن محمد بن أحمد بن شاذان بن الصلت اليحمدى». (٨٥٥هـ). ٣ - «عمر الشريف». (٨٩٦هـ). ٤ - «أحمد بن محمد». (٨٩٧هـ). ٥ - «أبو الحسن بن عبدالسلام». (٩٠٥ هـ). ٦ - «محمد بن إسماعيل». (٩٠٦هـ). ٧ - «بركات بن محمد بن إسماعيل». (٩٣٦هـ). ٨ - «عبدالله بن الهنائى». (٩٦٧هـ). وكما أن الأئمة لم يسمحوا لآل نبهان بالتفرد بالسلطة فى «عمان»، فإن النبهانيين سعوا إلى سلب السلطة من الأئمة بعد أن استقرت فى أيديهم، وخرج «سليمان بن سليمان النبهانى» على الإمام «عمر ابن الخطاب اليحمدى» وحاربه فى سنة (٨٨٥هـ)، وتمكن الإمام «عمر» من السيطرة على الموقف وتم له النصر، فنشأ عن هذا الصراع المستمر على السلطة تمزق «عمان» وتقطيع أوصالها، وبات فيها - قبل قيام دولة اليعاربة - خمسة من صغار الملوك حكموا «الرستاق»، و «النخل»، و «سمائل»، و «سمد»، و «أبدا»، كما كانت بعض الحصون والمدن فى قبضة بعض رؤساء القبائل.

стр. 617

الفصل الثاني عشر *اليمن الإسلام فى اليمن: حين ظهر الإسلام فى شبه الجزيرة العربية كان الفرس مسيطرين على بعض البلاد العربية، ومنها «اليمن»، وكان عليها - آنذاك - «باذان» الذى ولاه «كسرى» إمبراطور الفرس، فلما وصل أمر الدعوة الإسلامية إلى «باذان» آمن بها وأعلن إسلامه، فأقره الرسول - صلى الله عليه وسلم - على «اليمن»، فوجد الإسلام طريقه للانتشار بنواحى «اليمن»، ووفد على الرسول فى العام التاسع للهجرة المعروف بعام الوفود؛ وفود متعددة قدمت من «اليمن» و «حضرموت» كانت منها وفود: «همدان»، و «خولان»، و «النخع»، و «الصرف»، و «عذرة»، و «جهينة»، و «مراد»، وغيرها، وكذلك وفد على الرسول من «اليمن»: «وائل بن حجر بن ربيعة» وكان من أبناء ملوك «اليمن»، فأدناه الرسول منه، وأجلسه على ردائه، وأقطعه أرضًا، وأرسل معه «معاوية بن أبى سفيان» ليسلمها له، وكان «أبو موسى الأشعرى» وأخوه «أبو بردة»، و «ياسر بن عمار العنسى» من أشهر المسلمين الذين وفدوا على الرسول ﷺ من «اليمن». بنو نجاح فى زبيد [٤٠٣ - ٥٥٥هـ): استتب الأمر للأمير «نجاح» فى «زبيد» و «تهامة»، فكتب إلى الخليفة العباسى فى «بغداد» معلنًا له ولاءه وطاعته للدولة العباسية، فأقره الخليفة عليها، ونعته بالمؤيد نصر الدين، وكان «نجاح» سمحًا يتبع المذهب الشافعى، فدانت له تهامة طيلة حياته، فلما وافته المنية فى سنة (٤٥٢هـ) دار صراع طويل بين أولاده وأحفاده من جانب ودولة «صليح» التى نشأت فى «صنعاء» سنة (٤٢٩هـ) من جانب آخر، واستقر الأمر لبنى نجاح - بعد معارك طويلة - فى عام (٤٧٢هـ) وبقى فيهم حتى سنة (٥٥٤هـ)، وأمراء «بنى نجاح» هم: ١ - الأمير «نجاح» (٤٠٣ - ٤٥٢هـ). ٢ - «سعيد بن نجاح» (٤٥٢ - ٤٨١هـ). ٣ - «جياش بن نجاح» (٤٨٣ - ٤٩٨هـ). ٤ - «فاتك بن جياش» (٤٩٨ - ٥٠٣هـ). ٥ - «منصور بن فاتك» (٥٠٣ - ٥٢١هـ). ٦ - «فاتك بن منصور» (٥٢١ - ٥٤٠هـ). ٧ - «فاتك بن محمد بن فاتك» (٥٤٠ - ٥٥٤هـ).

стр. 618

سقوط آل نجاح: جاء سقوط «بنى نجاح» على أيدى «بنى المهدى» الذين يعودون فى نسبهم إلى أسرة حميرية هالها تحكم «بنى نجاح» الأحباش فى «اليمن»، فجمع زعيمها «على بن مهدى» الجموع حوله وغزا مدينة «الكدراء» فى سنة (٥٣٨هـ)، وظل «بنو المهدى» من ذلك التاريخ يعملون للسيطرة على «زبيد»، وتحقق لهم ذلك فى سنة (٥٥٣هـ)، عندما عجز «آل نجاح» عن صدهم، ودخل المهديون «زبيد» واستقر لهم الأمر فيها. بنو المهدى الحميريون فى زبيد [٥٥٣ - ٥٦٩هـ]: يرجع الفضل فى تولية المهديين على «زبيد» إلى «على بن مهدى الحميرى» الذى ينحدر من أسرة «الأغلب بن أبى الفوارس بن ميمون الحميرى»، وقد عاش «آل المهدى» فى قرية «العنبرة» من سواحل «زبيد». نشأ «على بن المهدى» نشأة دينية، وحج البيت الحرام، ولقى العلماء وأخذ عنهم العلم، ونهل من المعارف حتى أصبح واعظًا بارعًا، وعالمًا فصيحًا، فاستمال القلوب حوله، وظهر أمره بساحل «زبيد»، فقربته «أم فاتك بن منصور»؛ لصلاحه وتقاه، وأغدقت عليه هو وأهله، حتى أصبحوا من الأثرياء، وباتوا قوة كبيرة التف حولها الناس من كل مكان، فى الوقت الذى ضعف فيه «آل نجاح»، ونظر إليهم اليمنيون على أنهم أحباش تحكموا فى بلادهم، فسعى «على بن المهدى» إلى طرد «آل نجاح» من السلطة، وعمل على تحقيق ذلك جاهدًا حتى تم له ما أراد فى سنة (٥٥٣هـ) بعد معارك طويلة، ثم أسس دولته التى سعد بها اليمنيون، لأن المهديين كانوا وطنيين امتاز مؤسس دولتهم بالعلم والخلق الطيب، فانضمت إليه جميع بلاد «اليمن» وذخائرها، إلا أن أمراء هذه الأسرة الذين جاءوا بعد «على بن المهدى» مؤسس دولتهم اتجهوا إلى معاملة الناس بالقسوة والشدة؛ وانحرفوا عن الطريق التى رسمها الأمير «على»، فتهيأ الجو لاستقبال أى فاتح يخلص «اليمن» منهم، فلم تدم دولتهم طويلا لدخول الأيوبيين «اليمن». وولاة أسرة «المهدى» هم: ١ - «على بن المهدى» (٥٥٣هـ). ٢ - «مهدى بن على» (٥٥٣ - ٥٥٨هـ).

стр. 619

٣ - «عبدالنبى بن على» (٥٥٨ - ٥٦٩هـ). صنعاء هى عاصمة «اليمن» الرئيسية، وأهم مدنها وأجملها، وكان اسمها «أوزال»، فلما وقعت «اليمن» تحت حكم الأحباش تغير اسمها إلى «صنعاء»، ومعناها: «حصينة». ظلت «صنعاء» عاصمة «اليمن الأولى» فى العصر الإسلامى، وإن قامت إلى جانبها عواصم أخرى للولايات المتعددة التى قامت باليمن، وقد عرفت «صنعاء» الحركات الانفصالية ببنى يعفر، مثل غيرها من المدن والولايات اليمنية فى ذلك العهد. دولة بنى يعفر بصنعاء [٢٢٥ - ٣٨٧هـ]: بدأ نفوذ «بنى يعفر» فى «شبام» بحضرموت سنة (٢٢٥هـ)، وامتد نفوذهم إلى «صنعاء» عن طريق «جعفر بن على الهاشمى» الذى وَلَّى «عبدالرحيم بن إبراهيم الحوالى الحميرى» اليمن نيابة عنه، فلما تُوفِّى «عبدالرحيم» قام ابنه «يعفر» مقامه، وصارع فى ميادين عديدة، كان من أهمها: صراعه ضد «حمير بن الحارث» والى «اليمن»، وصراعه ضد «ابن زياد» حاكم «زبيد»، فلما تُوفِّى «ابن زياد» فى سنة (٢٤٥هـ) استقر سلطان «يعفر» فى «صنعاء»، فبدأ بتأسيس دولته فيها، وتم له ذلك فى سنة (٢٤٧هـ)، فاعتبر المؤرخون هذه الدولة هى صاحبة الفضل فى تحقيق استقلال «اليمن»، إلا أنها اختلت اختلالا واسعًا فى عهد «محمد بن إبراهيم» نتيجة لاقتحام الأئمة والقرامطة البلاد، فعمت فيها الفوضى، وانتهت فى سنة (٣٨٧هـ). وأمراء «بنى يعفر» بصنعاء هم: ١ - «يعفر بن عبدالرحيم» [٢٤٧ - ٢٥٩هـ]. ٢ - «محمد بن يعفر» [٢٥٩ - ٢٧٩هـ]. ٣ - «إبراهيم بن محمد بن يعفر» [٢٧٩ - ٢٨٥هـ]. ٤ - «أسعد بن إبراهيم بن يعفر» [٢٨٦ - ٢٨٨هـ] وتولى مرة ثانية [٣٠٣ - ٣٣٢هـ]. ٥ - «محمد بن إبراهيم» [٣٣٢ - ٣٥٢هـ]. بنو صليح فى صنعاء [٤٢٩ - ٥٣٢هـ]: نجح «محمد بن على الصليحى» فى السيطرة على زمام الأمور فى «صنعاء»، وزاد موقفه رسوخًا عندما استطاع السيطرة على «زبيد»، ويكفيه أنه حقق وحدة «اليمن» فى عهده، ويقول عنه «تاج الدين

стр. 620

اليمانى» أحد مؤرخى «اليمن»: «إن الصليحى طوى اليمن طيا، سهله وجبله، وفى سنة (٤٥٥هـ) ملك الصليحى جميع اليمن إلى حضرموت، وولاه المستنصر الفاطمى أمر مكة، واتخذ صنعاء عاصمة له، وبنى فيها عدة قصور، وأحسن سيرته فى الرعية، وعلى الرغم من تشيعه فإنه سمح لأهل السنة بإظهار مذهبهم، وأسكن معهم ملوك اليمن الذين أزال ملكهم، وكان إذا حج اصطحبهم معه»، وأمراء الصليحيين هم: ١ - «على بن محمد» [٤٢٩ - ٤٥٩هـ]. ٢ - «المكرم أحمد بن على» [٤٥٩ - ٤٨٤هـ]. ٣ - «شمس المعالى سبأ الصليحى» [٤٨٤ - ٤٩٢هـ]. ٤ - السيدة «أروى بنت أحمد الصليحية» [٤٩٢ - ٥٣٢هـ]. نهاية دولة بنى صليح: بدأ انهيار دولة «بنى صليح» عقب وفاة «على بن محمد الصليحى» الأمير الأول، وقد بذل ابنه «المكرم» وزوجه «أروى» جهودًا كبيرة لاستعادة بناء الدولة إلا أن جهودهما لم تحقق الهدف المرجو منها، ولم تستطع «أروى» استعادة زمام الأمور بعد وفاة زوجها حتى ماتت سنة (٥٣٢هـ)، فتفككت المملكة الصليحية بعد أن حققت فترة استقرار وأمن لليمن كان فى حاجة إليها، وقد تميزت فترة الصليحيين بروح الود وبخاصة مع الدولة الفاطمية التى كان يجمعها مع الصليحيين المذهب الشيعى. بنو همدان فى صنعاء [٤٩٢ - ٥٩٦هـ]: عقب وفاة «سبأ الصليحى» سنة (٤٩٢هـ) مرت «صنعاء» بفترة اضطراب، وكان «حاتم الهمدانى» أول من تولاها بعد «سبأ» وكان رجلا ذكيا محبا للنهضة، كما كان ابنه «محمد» شجاعًا وجوادًا، فبقيت «صنعاء» فى أيدى «بنى حاتم» الهمدانيين حتى اضطربت أحوالها فى نهاية عهدهم، وعمتها الفوضى، فمهد ذلك الطريق للأيوبيين، فضموها إلى سلطانهم مع ما ضموه من «اليمن». وسلاطين الهمدانيين باليمن هم: ١ - «حاتم بن الغشم الهمدانى». ٢ - «هشام بن القبيب الهمدانى». ٣ - «حاتم بن أحمد بن عمران». ٤ - «عبدالله بن حاتم». ٥ - «حماس بن القبيب». ٦ - «على بن حاتم». ٧ - «معن بن حاتم». بنو زريع فى عدن [٤٧٦ - ٥٦٩هـ]:

стр. 621

عندما استولى «الصليحى» على «اليمن» مد سلطانه إلى «عدن»، فوجد بها «بنى معن» الحميريين؛ فأبقاهم عليها بعد أن أظهروا ولاءهم له، فلما استقر الأمر -بعد ذلك - للمكرم الصليحى فى «عدن» وما حولها جعل ولايتها «للعباس» و «مسعود» ابنى «المكرم الجشمى بن يام بن أصبى الزريعى» وجعل «العباس» على حصن «التعكر» وما يليه من البر، وجعل «مسعود» على حصن «الخضراء» وما يليه من البحر وله كذلك «عدن»، فعظم سلطان «بنى زريع» وأصبحوا شبه مستقلين فى هذه المناطق، وبخاصة بعد نهاية دولة الصليحيين. وسلاطين آل زريع هم: - فى حصن التعكر ١ - «العباس بن المكرم» [٤٧٠ - ٤٧٧هـ]. ٢ - «زريع بن العباس» [٤٧٧ - ٤٨٠هـ]. ٣ - «أبو السعود بن زريع» [٤٨٠ - ٤٩٤هـ]. - فى حصن الخضراء وعدن: ١ - «المسعود بن المكرم» [٤٧٠ - ٤٨٠هـ]. ٢ - «أبو الغازات بن مسعود» [٤٨٠ - ٤٨٥هـ]. ٣ - «محمد بن أبى الغازات» [٤٨٥ - ٤٨٨هـ]. ٤ - «على بن محمد» [٤٨٨ - ٤٨٩هـ]. الداعى سبأ بن أبى السعود على المنطقتين [٤٨٩ - ٥٣٣هـ]: كان «محمد بن سبأ بن أبى السعود بن زريع» رجلا شجاعًا عظيم الشخصية، فتمكن من ضم حصن «التعكر» إلى حصن «الخضراء» و «عدن» فى حياة أبيه، فلما ولى بعد أبيه دانت له المنطقة كلها، وقلده الخليفة الفاطمى بمصر أمر الدعوة الفاطمية فى بلاده، وأطلق عليه لقب «الداعى سبأ»؛ لما كانت بينهما من علاقة طيبة، وظل فى ملكه حتى مات سنة (٥٣٣هـ). فجاء من بعده «عمران بن محمد بن سبأ» [٥٥٠ - ٥٦٠هـ]، ثم «أبو الدُّر جوهر المعظَّمى» وصيا على أولاد «عمران» (٥٦٠ - ٥٦٩هـ)، ثم دخل الأيوبيون «اليمن» فى سنة (٥٦٩هـ). مصر واليمن فى العهد الفاطمى: دأب الفاطميون قبل أن يفتحوا «مصر» وينتقلوا بخلافتهم إليها على نشر دعوتهم الشيعية فى شمالى «إفريقيا»، وفى الأماكن القريبة من أضرحة أئمة آل البيت فى «النجف» و «كربلاء»، وكانت «اليمن» المكان الملائم لدعوتهم، فبعثوا إليها بدعاتهم الذين تمكنوا من

стр. 622

السيطرة عليها ونشر دعوتهم بها، فلما دخل الفاطميون «مصر» واستقرت أمور دولتهم بها لم ينسوا «اليمن»، وأقاموا معه علاقات وثيقة الصلة، ووجدوا فى «بنى صليح» وسيلتهم للسيطرة على «اليمن»، فساعدوهم ماديا وأدبيا حتى قامت دولتهم بصنعاء واتسعت فى أماكن أخرى، وزاد الترابط والصلة بين «مصر» و «اليمن»، وظلت هذه العلاقة قائمة حتى سقطت دولة الفاطميين. الأيوبيون فى اليمن [٥٦٩ - ٦٢٦هـ]: اتجه الأيوبيون عقب سيطرتهم على مقاليد الأمور فى «مصر» إلى توحيد صفوف العالم الإسلامى، فقد كان ذلك هدف «صلاح الدين الأيوبى» الذى سعى من أجل تحقيقه، فأرسل جيشًا بقيادة «توران شاه» إلى «اليمن» فى شوال من سنة (٥٦٩هـ)، فاتجه الجيش إلى «زبيد» وقضى على مقاومة «عبدالنبى بن المهدى»، ثم اتجه إلى «عدن» وقضى على «آل زريع» فيها، ثم غادرها إلى «ذى جبلة» حيث يحكم الصليحيون دعاة الفاطميين، فتمكن منهم وقضى على دعوة الفاطميين فيها، وامتد حكم الأيوبيين إلى «صنعاء» ومناطق كثيرة من «حضرموت» بسبب ضعف الزيديين فيها، وأحكم الأيوبيون سيطرتهم على بلاد «اليمن» واتخذ «توران شاه» من «تعز» عاصمة جديدة له. نهاية دولة بنى رسول: ظلت دولة «بنى رسول» فى بلاد «اليمن» أكثر من قرنين من الزمان، ثم تعرضت لعوامل الضعف التى ساعدت على انهيارها حين نشب الصراع بين الأمراء من «بنى رسول»، وكانت نهاية الدولة حين ذهب السلطان «مسعود» آخر سلاطين «بنى رسول» لزيارة «مصر»، فاستبد عبيده بالسلطة وأساءوا التصرف، وعاملوا الناس بغلظة، فلجأ الناس إلى «بنى طاهر» أبرز عمال «بنى رسول»؛ لينقذوهم من تسلط العبيد، فتقدم «بنو طاهر» وأزالوا سلطان العبيد وسيطروا لصالحهم على مقاليد السلطة، فسقطت بذلك دولة «بنى رسول». بنو طاهر فى اليمن [٨٥٨ - ٩٢٣هـ]: تمكن «عامر بن طاهر» من السيطرة على مقاليد السلطة فى «اليمن»، بعد أن أزال دولة «بنى رسول»، إلا أن الأمور لم تكن سهلة

стр. 623

- آنذاك - فقد كان نفوذ الأئمة قويا، ورأوا أنهم أحق بالسيطرة على «اليمن» كله من الطاهريين، فى حين طمع «بنو طاهر» فى أن يكون لهم ملك «بنى رسول» فى شمالى «اليمن» وجنوبيه، ونشب صراع مذهبى عنيف بين الفريقين، واستمر لفترة طويلة حتى تمكن الظافر الثانى «عامر بن عبدالوهاب بن طاهر» من هزيمة الأئمة، فدانت له «اليمن» شمالا وجنوبًا، واستكمل الطاهريون ما بدأه «آل رسول» فى بناء حضارة «اليمن»، فانتشرت فى عهدهم المدارس والمساجد، واختطوا مدينة «المقرانة» فى «رواع»، وشيدوا بها القصور العظيمة، وأقاموا الحدائق البديعة، وشهدت «اليمن» فى عهدهم نهضة علمية عظيمة، وبرز فيها العلماء والمؤرخون، وبلغت العلوم الرياضية والفلكية والبحرية والجغرافية فى عهدهم شأوًا كبيرًا، فكان «أحمد بن ماجد العدنى»، و «سليمان المهرى» من علماء هذا العصر، وتتلمذ على أيديهما البحارة والجغرافيون من البرتغاليين والأتراك، ولأحمد بن ماجد مؤلفات بلغ الموجود منها أربعين مؤلفًا فى الجغرافيا والملاحة وأحوال البحار وطرقها، وظل الطاهريون فى دأبهم من أجل بناء حضارة «اليمن» حتى جاءت نهايتهم على أيدى المماليك فى سنة (٩٤٥هـ) بحجة حماية طرق التجارة. وسلاطين بنى طاهر هم: ١ - الظافر (الأول) «عامر بن طاهر» [٨٥٧ - ٨٧٠هـ]. ٢ - «المجاهد على بن عمر» [٨٧٠ - ٨٨٣هـ]. ٣ - «المنصور عبدالوهاب بن طاهر» [٨٨٣ - ٨٩٤هـ]. ٤ - الظافر (الثانى) «عامر بن عبدالوهاب» [٨٩٤ - ٩٢٣هـ]. ٥ - «عامر بن داود بن طاهر» [٩٢٩ - ٩٤٥هـ] (احتفظ «عامر» بعدن حتى سنة ٩٤٥هـ). المماليك فى اليمن [٩٢٣ - ٩٤٥هـ]: ترك المماليك «اليمن» تحت حكم أبنائه من «بنى رسول» و «بنى طاهر»، وظل اسم سلطان المماليك واسم الخليفة العباسى يذكران فى الخطبة وينقشان على السكة باليمن حتى عهد المماليك الجراكسة، وذلك مظهر من مظاهر سيادة المماليك على بلاد «اليمن»، ثم استطاع البرتغاليون فى نهاية القرن الخامس عشر الميلادى أن

стр. 624

يجدوا طريقًا تجاريا إلى «الهند» و «الشرق الأقصى» بدون المرور على «البحر الأبيض» و «البحر الأحمر»، فكان هذا الاكتشاف الذى عرف بطريق رأس الرجاء الصالح ضربة قاصمة لسلطان المماليك فى «مصر» والشام، وحاول البرتغاليون تأمين طريقهم الجديد، فعمدوا إلى احتلال بعض المناطق المهمة، واحتلوا «جزيرة كمران» اليمنية وهاجموا «عدن» واحتلوها، ثم بسطوا نفوذهم على أجزاء كبيرة من «اليمن»، فاتجه المماليك بقيادة السلطان «الغورى» إلى محاولة استعادة نفوذهم، وقطع طريق البرتغاليين الجديد، وكان الصراع محتدمًا - وقتها - فى «اليمن» بين الأئمة والطاهريين، فدخل المماليك «اليمن» وقضوا على الطاهريين بعد أن رفضوا مساندتهم فى حربهم ضد البرتغاليين، فكان دخول المماليك «اليمن» لرد البرتغاليين عنه، ولحماية طرق تجارتهم، واستعاد المماليك «جزيرة كمران» التى احتلها البرتغاليون بيد أن الأمور لم تستقر لهم فى هذه البلاد؛ إذ كثرت مناهضة الأئمة الزيديين لهم، ودخل العثمانيون الشام و «مصر» بعد هزيمة المماليك فى موقعتى «مرج دابق» و «الريدانية»، فسقطت دولة المماليك، وبسط العثمانيون نفوذهم على «مصر»، ومن ثَمَّ مدوه على «اليمن» فدانت لهم فى سنة (٩٤٥هـ)، ودخل «اليمن» مرحلة جديدة من الحكم فى تاريخه تحت حكم العثمانيين.

стр. 625

الفصل الثالث عشر *البحرين كانت المناطق التى تقع على امتداد الساحل الغربى للخليج العربى تُسمَّى: «البحرين» أو «الإحساء» أو «هجر»، وذكر ذلك «ياقوت الحموى» بقوله: «البحرين اسم جامع للبلاد على ساحل الخليج بين البصرة وعمان، وتُسمَّى هذه المنطقة أيضًا هجر وقيل: إن هجر قصبة البحرين، فيها عيون ومياه وبلاد واسعة». الإسلام فى البحرين: بعث الرسول ﷺ بعلاء بن الحضرمى إلى «البحرين» ليدعو أهلها إلى الإسلام، وأرسل ﷺ كتابًا إلى «المنذر بن سلوى التميمى» حاكم «البحرين» يدعوه فيه إلى الإسلام، فأسلم من ساعته، فثبته النبى فى مكانه، فظل به حتى وفاته سنة (١١هـ) فتولى «البحرين» من بعده «العلاء بن الحضرمى» الذى تُوفِّى سنة (٢٠هـ)، فتولى من بعده عدد من كبار الصحابة والتابعين، ومنهم: «قدامة بن مظعون»، و «أبو هريرة»، و «عثمان بن أبى العاص»، و «مروان بن الحكم»، و «عبيدالله بن العباس»، و «المهاجر ابن عبدالله الكلابى»، وجدير بالذكر أن «عثمان بن أبى العاص» أحد ولاة «البحرين» كان أحد القادة الكبار فى عهد «عمر بن الخطاب»، وأسهم فى فتح بلاد فارس، وقد ترك أخاه «المغيرة بن أبى العاص» خليفة له على «البحرين» حين جهاده فى فتح فارس. البحرين فى عهد الخلفاء الراشدين: ظهرت الردة فى بعض قبائل «البحرين»، ووحدوا صفوفهم لمحاربة المسلمين، فأرسل إليهم «أبو بكر الصديق» جيشًا بقيادة «العلاء بن الحضرمى» تمكن من إخماد ردتهم، وإعادتهم إلى الإسلام ثانية، وتمكن «العلاء» من توجيه عدة ضربات إلى الفرس الذين يثيرون القلاقل فى المنطقة حتى استدعاه «عمر بن الخطاب» وولاه على «البصرة»، وظلت «البحرين» موضع عناية الخلفاء الراشدين. البحرين فى العهد الأموى: اهتم الأمويون بالبحرين؛ لصلتها ببلاد فارس التى كانت تثير القلاقل فى البلاد الإسلامية كلما سنحت لها الفرصة، وظلت «البحرين» موضع

стр. 626

عناية الأمويين حتى قامت ثورة «ابن الزبير» فانشغل بها «مروان بن الحكم»، و «عبدالملك بن مروان» من بعده عن منطقة الخليج؛ فضعفت الرقابة عليها، فانتهز الخوارج هذه الفرصة وأتخذوا من «البحرين» مستقرا لهم، فاجتمع حولهم عدد كبير، وحاربوا من وقف فى طريقهم، وزاد نشاطهم بصورة كبيرة، وأصبحت لهم شوكة قوية فى عهد «بنى أمية» وساعدهم فى ذلك الاضطرابات التى كانت فى المنطقة إضافة إلى انشغال الخلافة عن هذه البقعة، وظلت سيطرتهم فى «البحرين» قائمة قوية حتى تمكن الأمويون من كسر شوكتهم والقضاء عليهم فى سنة (١٠٥هـ)، وتعتبر فرقة «النجدات» من أشهر فرق الخوارج التى دخلت «البحرين» فى هذه الفترة، وينسبون إلى «نجدة بن عامر الحنفى» الذى جمعهم بالبحرين. البحرين فى العصر العباسى: شهدت منطقة الخليج استقرارًا ملحوظًا خلال العهد العباسى، باستثناء بعض الثورات المتفرقة، التى لم تؤثر على سياسة الدولة العباسية حتى نهاية العصر العباسى الأول فى سنة (٢٣٢هـ)، ثم انتقلت البلاد بعد ذلك إلى مرحلة تميزت بازدياد نفوذ الأتراك وتسلطهم، فجذبت منطقة «البحرين» كثيرًا من الحركات القوية المدمرة التى اتسمت بانحرافها الفكرى، مثل «حركة صاحب الزنج»، و «حركة القرامطة» التى استهدفت الإسلام، واستنزفت أموال المسلمين والخلافة العباسية وجهودهم، فخلَّف ذلك أضرارًا هائلة فى النواحى الاقتصادية والسياسية والاجتماعية للبلاد، حتى تمكن المسلمون من القضاء على «حركة الزنج» سنة (٢٧٠هـ)، ثم على القرامطة من بعدهم. العيونيون فى البحرين: «العيونيون» فرع من «بنى عبدالقيس»، وكانوا يسكنون على مشارف «العيون» بالإحساء، وكان منهم «عبدالله بن على العيونى» الذى ثار على القرامطة وقضى عليهم، ثم سيطر «العيونيون» على «البحرين» وبدأ حكمهم فيها فى عام (٤٦٧هـ)، وشمل «الإحساء»، و «البحرين»، و «القطيف»، فنعمت البلاد فى عهدهم بالاستقرار

стр. 627

والهدوء وانتعشت التجارة، واتسع ملكهم حتى شمل «نجد»، وتميز عهدهم بالحضارة العلمية الزاهرة، وظل الأمر مستقرا فى «البحرين» حتى نشبت الصراعات والخلافات الداخلية من جديد، فهيأ ذلك الفرصة أمام الفرس لدخولها. وأهم أمراء «العيونيين» هم: ١ - «الفضل بن عبدالله بن على». ٢ - «محمد بن الفضل». ٣ - «محمد بن أحمد بن عبدالله». الفرس فى البحرين: انتهز ملك فارس الخلاف الذى وقع بين أمراء «العيونيين»، وضعف البلاد، فدخل «جزيرة قيس» وأخلاها من العرب، ثم اجتاز بجنوده البحر إلى «البحرين»، واستولى عليها وعلى «الإحساء» و «قطيف» وغيرها من بلدان الخليج؛ فاضطر العرب إلى عقد الصلح معه، فكان ملك الفرس يولى على «البحرين» ولاة من العرب يحكمون باسمه، فأضعف ذلك حالة «البحرين» وبلاد الخليج عامة. المغول فى البحرين: بدأ الزحف المغولى على العالم الإسلامى فى القرن السابع الهجرى، فدمروا كل ما قابلهم من حضارة أقامها المسلمون بجهودهم وأموالهم فى فترات طويلة، وعاث المغول فى الأرض الفساد، وأراقوا دماء الآلاف من المسلمين، وخضعت «البحرين» لسيطرتهم، كما خضعت غيرها، وبقيت قوى الشر والفساد مسيطرة حتى كتب الله النصر للمسلمين عليهم فى «عين جالوت»، فخرجوا من العالم الإسلامى. المماليك فى البحرين: كان لانتصار المماليك على المغول أكبر الأثر فى توحيد صفوف المسلمين حولهم، فأقبلت الوفود على السلطان «بيبرس» من كل مكان لتعلن ولاءها لحكمه، وتعترف بدولته، وكان «آل عامر» بزعامة «محمد بن أحمد» فى طليعة الوفود التى وفدت إلى «مصر»، فأكرمهم السلطان «بيبرس»، وأغدق عليهم المنح والعطايا، وأقرهم على «البحرين»، فظلت «البحرين» منذ ذلك التاريخ تابعة لحكم المماليك حتى حل العثمانيون، فدخل العالم الإسلامى كله طورًا جديدًا فى تاريخه فى ظل الخلافة العثمانية.

стр. 628

- المراجع: * إبراهيم علي طرخان: مصر في عصر دولة المماليك الجراكسة - القاهرة - ١٩٦٠م * بن الأثير (عز الدين): الكامل في التاريخ - دار الكتب العلمية - بيروت الطبعة الأولي - ١٩٨٧م * بن إياس (محمد بن أحمد): بدائع الزهور في وقائع الدهور - الهيئة المصرية العامة للكتاب - القاهرة - الطبعة الثانية - ١٤٠٢هـ = ١٩٨٢م * بن تغري بردي: النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة - المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة - القاهرة - ١٩٦٣م * حكيم أمين عبد السيد: قيام دولة المماليك الثانية - الدار القومية للطباعة والنشر-القاهرة - ١٩٦٦م * بن خلدون (عبد الرحمن بن محمد): تاريخ ابن خلدون - مؤسسة جمال للطباعة والنشر - بيروت - ١٩٧٩م * بن خلكان (أحمد بن محمد): وفيات الأعيان - تحقيق إحسان عباس - دار صادر - بيروت - ١٣٩٨هـ = ١٩٧٨م * سعيد عبد الفتاح عاشور: العصر المماليكي في مصر والشام - دار النهضة العربية - القاهرة - الطبعة الأولي - ١٩٦٥م * السيد الباز العريني: مصرفي عصر الأيوبيين - القاهرة - ١٩٦٠م * أبو شامة (شهاب الدين عبد الرحمن): كتاب الروضتين في أخبار الدولتين - المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة والطباعة والنشر -القاهرة - ١٩٦٢م * الطبري (محمد بن جرير): تاريخ الطبري - تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم - دار المعارف - القاهرة - بدون تاريخ * بن القلانسي (حمزة بن أسد): ذيل تاريخ دمشق - مكتبة المتنبي -القاهرة - بدون تاريخ * القلقشندي (أحمد بن علي): صبح الأعشى في صناعة الإنشا - دار الكتب العلمية - بيروت - الطبعة الأولي - ١٩٨٧م * بن كثير (إسماعيل بن عمر): البداية والنهاية - دار الكتب العلمية - بيروت - الطبعة الرابعة - ١٩٨٧م * الكندي (أبو عمر محمد بن يوسف): كتاب الولاة والقضاء - نشر رفن جست - مطبعة الآباء اليسوعيين - بيروت-١٩٠٨م

стр. 629

* محمد جمال الدين سرور: النفوذ الفاطمي في بلاد الشام والعراق - دار الفكر العربي - القاهرة - ١٩٥٧م * محمد عبد الله عنان: الحاكم بأمر الله وأسرار الدعوة الفاطمية - لجنة التأليف والترجمة والنشر - القاهرة - الطبعة الثانية - ١٣٧٩هـ = ١٩٥٩م * محمد كرد علي: خطط الشام - دمشق - ١٩٢٥م * المقريزي (أحمد بن علي): السلوك لمعرفة دول الملوك - تحقيق محمد مصطفي زيادة وسعيد عبد الفتاح عاشور - القاهرة - ١٩٧٣: ١٩٥٦م * النويري (أحمد بن عبد الوهاب): نهاية الأرب في فنون الأدب - الهيئة المصرية العامة - القاهرة - تواريخ مختلفة * بن واصل الحموي: مفرج الكروب في أخبار بني أيوب - تحقيق محمد جمال الدين الشيال - القاهرة - ١٩٥٣م * ياقوت الحموي: معجم البلدان - دار إحياء التراث العربي - بيروت - ١٩٧٩م

стр. 630

الجزء السادس المغرب الإسلامي تأليف: أ. د. حسن علي حسن أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية بجامعة القاهرة الفصل الأول *المغرب الإسلامى يمثل «المغرب الإسلامى» الجناح الغربى لأقاليم الدولة الإسلامية؛ وقد أسهم منذ اعتناق أبنائه الإسلام فى بناء صرح الحضارة الإسلامية، ويمتد من «برقة» شرقًا حتى «المحيط الأطلسى» غربًا، ويطل على «البحر المتوسط» شمالا. وقد استخدم بعض المؤرخين لفظة «المغرب» بمعناها العام على المنطقة الواقعة غرب «مصر» والممتدة من «برقة» حتى «المحيط الأطلسى»، بينما أطلق آخرون لفظة «المغرب» على أقاليم بعينها، ولذا قسموا المغرب إلى ثلاثة أقاليم متميزة هى: ١ - المغرب الأدنى: (أى إفريقية) وكانت قاعدته فى صدر الإسلام مدينة «القيروان»، وقد اشتمل هذا الإقليم على عدة مدن منها: «باجة» و «بونة» و «بنزرت» و «قسطيلة» و «صفاقس» و «قفصة» و «تونس» و «سوسة»، وغيرها من المدن. ٢ - المغرب الأوسط: ويمتد من «بجاية» إلى «وادى ملوية»، وقاعدته مدينة «تلمسان»، ويشتمل على عدة مدن منها: «تنس» و «جيجل» و «القلعة» و «المسيلة» و «طبنة» و «مليلة»، وغيرها من المدن. ٣ - المغرب الأقصى: ويمتد من «وادى ملوية» و «جبال تازا» حتى «المحيط الأطلسى»، وقاعدته مدينة «فاس» ثم «مراكش»، ويشتمل على عدة مدن منها: «فاس» و «مكناسة» و «سلا» و «درعة». السطح: كان لمظاهر السطح فى بلاد «المغرب» دورًا أثر فى التاريخ السياسى للمنطقة، بما اشتمل عليه من سهول ساحلية، وأودية وجبال وصحراء ممتدة، وقد ظهر تأثير هذا فى عملية الفتح الإسلامى للمغرب؛ إذْ استغرق نحو سبعين سنة، وينقسم سطح المغرب إلى ثلاث مناطق متميزة هى: ١ - المنطقة الساحلية: وهى المنطقة المطلة على «البحر المتوسط» و «المحيط الأطلسى»، ويفصلها عن الداخل سلسلة «جبال أطلس»، التى تمتد من أقصى الغرب متجهة إلى الشرق. وتختلف المنطقة الساحلية ضيقًا واتساعًا؛ تبعًا لاقتراب الجبال من البحر أو بعدها عنه، فقامت تجمعات سكانية فى المناطق الساحلية الواسعة، وساعدتها الظروف الطبيعة والأرض الخصبة والمناخ المعتدل على

стр. 631

إقامة زراعة ناجحة، نتج عنها نمو اقتصادى، فأصبحت هذه المناطق مطمعًا للمستعمرين من «الرومان» و «الوندال» و «البيزنطيين»؛ حيث أقاموا فى هذه المناطق وأسسوا بها المدن والقواعد العسكرية. إلى جانب السهل الساحلى تُوجد منطقة سهول داخلية، تكونت حول مجارى الأنهار التى أسهمت إسهامًا بارزًا فى مدِّ السكان بما يلزمهم من المياه، وربطت إقليم الساحل بالمناطق الداخلية؛ ولعل أبرز هذه السهول: سهل «شادية» و «دكالة» بالمغرب الأقصى، وسهل «وادى شليف» بالمغرب الأوسط، وسهل «وادى مجردة» بالمغرب الأدنى. ٢ - منطقة الجبال: مثلت منطقة الجبال حاجزًا طبيعيا بين منطقة السهول ومنطقة الصحراء، وقد وصفها «ابن خلدون» بقوله: «بقاصية المغرب من أعظم جبال المعمورة بما أعرق فى الثرى أصلها. وذهبت فى السماء فروعها، ومدت فى الجو هياكلها. ومثلت سياجًا على ريف المغرب سطورها. وتبتدئ من ساحل البحر المحيط عند آسفى وما يليها، وتذهب فى المشرق إلى غير نهاية». وتبرز أهمية هذه الجبال فى الدور الذى لعبته فى تاريخ هذه البلاد؛ حيث وقفت سدا منيعًا فى وجه الطامعين من «الفينيقيين» و «الرومان» و «الوندال» وغيرهم. وقد حصرت جبال «أطلس التل» و «الأطلس الصحراوى» هضبة امتلأت بالمراعى، فاستغلها السكان فى تنمية ثرواتهم الحيوانية بالمغرب الأوسط، ويُطلق عليها: «منطقة الشطوط». ٣ - منطقة الصحراء: وتنقسم إلى عدة أجزاء، أولها: منطقة «الواحات»، وهى المنطقة التى تلى منطقة الجبال، وتمتد من «مصر» شرقًا حتى «وادى درعة» فى جنوب «المغرب الأقصى». وتعود أهمية هذه المنطقة إلى كونها حلقة الاتصال بين الأقاليم المختلفة بالمغرب، كما كانت طريق القوافل والحجاج، لتوفر آبار المياه بها، وتمتعها بالأمن الذى وفرته القبائل المقيمة بهذه المنطقة نظير بعض المال، وقِصَر المسافة التى تقطعها القوافل إذا قيست بطريق الساحل المحفوف بالمخاطر.

стр. 632

وتلى منطقةُ «القبلات» منطقة «الواحات» من الناحية الجنوبية، وهى آخر العمران فى الصحراء، وتضم: «فزان» فى «ليبيا»، و «بسكرة» فى «الجزائر»، و «سجلماسة» فى «المغرب الأقصى»، وتمتعت «القبلات» بمركز تجارى بارز؛ حيث كانت ملتقى قوافل التجارة الآتية من الشمال أو من جنوب الصحراء الكبرى. ثم تلت منطقةُ رمال الصحراء المعروفة بالعرق منطقة «القبلات»، وهى بداية الصحراء الكبرى التى تنعدم فيها الحياة، وتتخللها الهضاب المرتفعة المعروفة باسم: «الحمارات»، وقد أُطلق على هذه المنطقة اسم: «مناطق الموت»؛ نظرًا إلى انعدام مظاهر الحياة بها. سكان المغرب: عاش بالمغرب قبل الفتح الإسلامى ثلاثة أنماط من السكان، لكل منها سماته ومميزاته، هى: ١ - الروم: وهم الطبقة الحاكمة للشريط الساحلى للمغرب؛ إذ لم تمكنهم طبيعة البلاد وصعوبة الحياة بها من التوغل إلى داخلها، فضلا عن بغض القبائل لسلطة المستعمرين، واستقر بعض هؤلاء الروم هناك واشتغلوا بالتجارة وزرعوا الأرض، إلى جانب عملهم بالإدارة الحكومية. ٢ - الأفارقة: وهم خليط من بقايا الأمم التى احتلت بلاد المغرب من الرومان والوندال وغيرهم، وهم ليسوا من البربر، ولكنهم انصهروا فى حياتهم الجديدة بمدن المغرب واستقروا بها، واختلطوا بالمتحضرين من البربر، ولم تكن تجمعهم بأهالى البلاد إلا الحياة المشتركة، المرتبطة بأسباب المعيشة. ٣ - البربر: وهم الغالبية العظمى من سكان بلاد المغرب؛ وأصحاب البلاد الأصليون، وقد تصدوا للفتح الإسلامى - فى أول الأمر- ثم لم يلبثوا أن ساندوه، بعد أن اختلطوا بالمسلمين وعرفوا الدعوة الإسلامية ومبادئها السامية، فأقبلوا على الإسلام وآمنوا به، وحملوا رايته إلى «الأندلس»؛ مبشرين به ومدافعين عنه. المغرب قبل الفتح الإسلامى: تعرض إقليم المغرب قبل الفتح الإسلامى لموجات من الغزو الرومانى والوندالى والبيزنطى، وعاشت المنطقة فى ظل سلطة أجنبية حاولت

стр. 633

صبغها بحضارتها وأسلوبها فى الحياة على النحو الآتى: - الحكم الرومانى للمغرب: بدأ أول اتصال بين المغرب والرومان حين استولى الرومان على «إفريقية» فى سنة (١٤٦ ق. م)، ثم على «نوميديا» فى سنة (٤٦ ق. م)، واتجه الرومان منذ وطئت أقدامهم هذه البلاد إلى بناء المدن على السواحل وفى الداخل؛ لاتخاذها مراكز وقواعد لإقامة الحاميات الرومانية وحكام الولايات، وقد تضمنت هذه المدن بين جنباتها كثيرًا من المنشآت والمعابد والساحات والملاعب وغيرها، ويتضح ذلك فى مدينة وليلى التى بناها الرومان على رأس جبل، وجعلوا لها أبوابًا عالية واسعة، ويبلغ طول سورها نحو ستة أميال، وقد حوت هذه المدينة آثارًا وأنقاضًا كثيرة، ترسم صورة لمعالم الحضارة الرومانية التى كانت قائمة فى تلك المنطقة، وقد حاول الرومان نشر حضارتهم ولغتهم وديانتهم بين أهل المدن من البربر، وبخاصة الذين كانوا يعملون بمزارعهم وضياعهم، لكنهم لم يجدوا استجابة لمحاولاتهم، ولم تتمكن الحضارة الرومانية من فرض نفسها بصورة واضحة على البربر، خاصة فى الداخل، حيث تضعف السيطرة الرومانية. - الحكم الوندالى للمغرب: خلف الوندالُ الرومانَ فى احتلال بلاد المغرب سنة (٤٢٩هـ)، ولم يكونوا أهل حضارة بل كانوا شعبًا همجيا، عُرف بوحشيته وقسوته، فاهتم حكامه بفرض الضرائب التى أثقلت كاهل المغربيين وجمعها، فضلا عن ذلك فقد خرَّب القائد الوندالى «جنعديك» القلاع والحصون فى المدن المغربية باستثناء «قرطاجنة» العاصمة، حتى لا يتحصن بها البربر ويشقوا عصا الطاعة على الوندال، ومن ثَم لم يُخلف الوندال آثارًا حضارية بالمغرب، وكان حكمهم بمثابة سحابة سوداء جثمت قرنًا من الزمان على أرض المغرب. - الحكم البيزنطى للمغرب: قامت الإمبراطورية البيزنطية على أنقاض الإمبراطورية الرومانية، فاستعاد البيزنطيون الحكم فى بلاد المغرب فى سنة (٥٣٣م)، واهتموا بالعمارة وأنشئوا القصور والكنائس

стр. 634

والحصون، ذات الطابع البيزنطى، التى تأثر بها المسلمون فى إنشاء مساجدهم، واستخدموا ما تبقى من آثارهم فى تشييد أبنيتهم، ومع ذلك لم تختلف سياسة البيزنطيين عن سابقيهم، ففرضوا الضرائب، وتعسفوا فى جمعها، وانصرفت جهود حكامهم إلى جمع الأموال بكل السبل، فأدى ذلك إلى تخلى المزارعين عن أراضيهم، واضطر التجار إلى إغلاق متاجرهم، واتجه كثير من الناس إلى السلب والنهب، مما أدى إلى قيام العديد من الثورات ضد هذا الظلم. ولقد تركت هذه الأمم بصماتها على حياة البربر، وخاصة فى المدن والمناطق الساحلية، كما تأثر الشعب المغربى بحضاراتهم على مراحل متعاقبة من الزمن. ومما سبق نلمس تمركز الإدارة الأجنبية بقواتها فى منطقة الساحل، وحرص هذه الإدارة على الاستفادة بقدر ما تستطيع من خبرات البلاد، ولعل هذا يفسر مدى مقاومة المغاربة للعرب، الذين مكثوا سبعين سنة فى محاولات دائبة ومستمرة لفتحها، إذ عدُّوهم أجانب مثل غيرهم من الرومان والوندال فقاوموهم كل هذه الفترة مقاومة شديدة. الفتح الإسلامى للمغرب: بعد أن فتحت مصر على يد القائد «عمرو بن العاص» سنة (٢١هـ = ٦٤٢م)، كان من الطبيعى أن يمتد هذا الفتح تجاه المغرب فى «برقة» و «طرابلس» باعتبارهما الامتداد الجغرافى الطبيعى للمنطقة، وإلى رغبة المسلمين فى تخليص هذه الشعوب من قبضة المستعمرين، وإتاحة الفرصة أمامها لتعرُّف الدين الإسلامى للدخول فيه والإيمان به. وقد مرَّ الفتح الإسلامى لهذه البلاد بعدة مراحل هى: المرحلة الأولى وهى مرحلة الاستطلاع: وتبدأ من سنة (٢١هـ=٦٤٢م) إلى سنة (٤٩هـ= ٦٦٩م) وتشمل هذه المرحلة جهود ثلاثة من قادة الفتح الإسلامى وهم: - عمرو بن العاص: هو القائد العسكرى الخبير، والصحابى الجليل «عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم» الذى أعلن إسلامه فى العام الثامن الهجرى، وشارك بدور بارز فى النشاط العسكرى للمسلمين فى عهد النبى - صلى الله

стр. 635

عليه وسلم-، وعهد «أبى بكر الصديق»، فلما تولى «عمر بن الخطاب» أمور الخلافة أسند إليه بعض المهام العسكرية، ومنها فتح «مصر»، فلما فرغ من ذلك توجه بقواته إلى مدينة «برقة» فاستسلمت للقائد المسلم دون قتال، ووافقت على شروطه، ودخل بعض أبنائها فى الإسلام، وارتضى بعضها الآخر دفع الجزية مقابل الاحتفاظ بعقيدته. وكان أغلب سكان هذه المدينة من قبيلة «لواته» البترية. فلما اطمأن «عمرو» إلى استقرار الأوضاع ببرقة قسّم قواته إلى جزئين، وخرج على رأس أحدهما نحو «طرابلس»، وبعث بالجزء الثانى إلى «زويلة» و «الواحات الداخلية»، حتى لا يكون الفتح مقصورًا على الشريط الساحلى فحسب، ولكى يأمن الهجوم عليه من الخلف وقد دل عمرو بن العاص بذلك على براعة عسكرية وخبرة بفنون القيادة ومعرفة بأحوال المنطقة وطبيعتها. كانت «طرابلس» مدينة حصينة ذات أسوار عالية فحاصرها فترة ثم تمكن من فتحها بعد صدام لم يطل مع القوة البيزنطية الموجودة بالمدينة، ولم يمكث «عمرو» طويلا بعد أن تم له فتح «طرابلس»، وسارع بإرسال جزء من جيشه إلى مدينة «سبرت» لمفاجأتها قبل أن تستعد لملاقاته، وفوجئ أهلها بالمسلمين على أبواب مدينتهم، فسقطت دون عناء. وكان يمكن لعمرو بن العاص أن يمضى فى مسيرته ليفتح إفريقية، لكنه لم يكن ليفعل ذلك دون استئذان الخليفة «عمر بن الخطاب» ومشاورته، فبعث إليه برسالة جاء فيها: «إن الله قد فتح علينا طرابلس، وليس بينها وبين إفريقية إلا تسعة أيام، فإن رأى أمير المؤمنين أن يغزوها، ويفتحها الله على يديه فعل». ولكن الخليفة رفض رغبة «عمرو بن العاص» فى استمرار الفتح، لحرصه على حياة الجنود، وعدم الزَّجِّ بهم فى ميادين بعيدة عن مقر الخلافة، خاصة وأن الخليفة «عمر بن الخطاب» كان على علم ودراية بأحوال إفريقية، ولديه انطباع بأنها تمثل خطورة شديدة على الجيش الفاتح لكثرة ثوراتها واشتعال الفتن والقلاقل بها من حين إلى آخر، ولذا
следующие страницы →