Полный текст (3 483 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
إقامة زراعة ناجحة، نتج عنها نمو اقتصادى، فأصبحت هذه المناطق
مطمعًا للمستعمرين من «الرومان» و «الوندال» و «البيزنطيين»؛ حيث
أقاموا فى هذه المناطق وأسسوا بها المدن والقواعد العسكرية.
إلى جانب السهل الساحلى تُوجد منطقة سهول داخلية، تكونت حول
مجارى الأنهار التى أسهمت إسهامًا بارزًا فى مدِّ السكان بما يلزمهم
من المياه، وربطت إقليم الساحل بالمناطق الداخلية؛ ولعل أبرز هذه
السهول: سهل «شادية» و «دكالة» بالمغرب الأقصى، وسهل «وادى
شليف» بالمغرب الأوسط، وسهل «وادى مجردة» بالمغرب الأدنى.
٢ - منطقة الجبال: مثلت منطقة الجبال حاجزًا طبيعيا بين منطقة
السهول ومنطقة الصحراء، وقد وصفها «ابن خلدون» بقوله: «بقاصية
المغرب من أعظم جبال المعمورة بما أعرق فى الثرى أصلها. وذهبت
فى السماء فروعها، ومدت فى الجو هياكلها. ومثلت سياجًا على
ريف المغرب سطورها. وتبتدئ من ساحل البحر المحيط عند آسفى
وما يليها، وتذهب فى المشرق إلى غير نهاية».
وتبرز أهمية هذه الجبال فى الدور الذى لعبته فى تاريخ هذه البلاد؛
حيث وقفت سدا منيعًا فى وجه الطامعين من «الفينيقيين»
و «الرومان» و «الوندال» وغيرهم.
وقد حصرت جبال «أطلس التل» و «الأطلس الصحراوى» هضبة امتلأت
بالمراعى، فاستغلها السكان فى تنمية ثرواتهم الحيوانية بالمغرب
الأوسط، ويُطلق عليها: «منطقة الشطوط».
٣ - منطقة الصحراء: وتنقسم إلى عدة أجزاء، أولها: منطقة
«الواحات»، وهى المنطقة التى تلى منطقة الجبال، وتمتد من «مصر»
شرقًا حتى «وادى درعة» فى جنوب «المغرب الأقصى».
وتعود أهمية هذه المنطقة إلى كونها حلقة الاتصال بين الأقاليم
المختلفة بالمغرب، كما كانت طريق القوافل والحجاج، لتوفر آبار
المياه بها، وتمتعها بالأمن الذى وفرته القبائل المقيمة بهذه المنطقة
نظير بعض المال، وقِصَر المسافة التى تقطعها القوافل إذا قيست
بطريق الساحل المحفوف بالمخاطر.
стр. 632
وتلى منطقةُ «القبلات» منطقة «الواحات» من الناحية الجنوبية، وهى
آخر العمران فى الصحراء، وتضم: «فزان» فى «ليبيا»، و «بسكرة»
فى «الجزائر»، و «سجلماسة» فى «المغرب الأقصى»، وتمتعت
«القبلات» بمركز تجارى بارز؛ حيث كانت ملتقى قوافل التجارة
الآتية من الشمال أو من جنوب الصحراء الكبرى.
ثم تلت منطقةُ رمال الصحراء المعروفة بالعرق منطقة «القبلات»، وهى
بداية الصحراء الكبرى التى تنعدم فيها الحياة، وتتخللها الهضاب
المرتفعة المعروفة باسم: «الحمارات»، وقد أُطلق على هذه المنطقة
اسم: «مناطق الموت»؛ نظرًا إلى انعدام مظاهر الحياة بها.
سكان المغرب:
عاش بالمغرب قبل الفتح الإسلامى ثلاثة أنماط من السكان، لكل منها
سماته ومميزاته، هى:
١ - الروم: وهم الطبقة الحاكمة للشريط الساحلى للمغرب؛ إذ لم تمكنهم
طبيعة البلاد وصعوبة الحياة بها من التوغل إلى داخلها، فضلا عن
بغض القبائل لسلطة المستعمرين، واستقر بعض هؤلاء الروم هناك
واشتغلوا بالتجارة وزرعوا الأرض، إلى جانب عملهم بالإدارة
الحكومية.
٢ - الأفارقة: وهم خليط من بقايا الأمم التى احتلت بلاد المغرب من
الرومان والوندال وغيرهم، وهم ليسوا من البربر، ولكنهم انصهروا
فى حياتهم الجديدة بمدن المغرب واستقروا بها، واختلطوا
بالمتحضرين من البربر، ولم تكن تجمعهم بأهالى البلاد إلا الحياة
المشتركة، المرتبطة بأسباب المعيشة.
٣ - البربر: وهم الغالبية العظمى من سكان بلاد المغرب؛ وأصحاب
البلاد الأصليون، وقد تصدوا للفتح الإسلامى - فى أول الأمر- ثم لم
يلبثوا أن ساندوه، بعد أن اختلطوا بالمسلمين وعرفوا الدعوة
الإسلامية ومبادئها السامية، فأقبلوا على الإسلام وآمنوا به، وحملوا
رايته إلى «الأندلس»؛ مبشرين به ومدافعين عنه.
المغرب قبل الفتح الإسلامى:
تعرض إقليم المغرب قبل الفتح الإسلامى لموجات من الغزو الرومانى
والوندالى والبيزنطى، وعاشت المنطقة فى ظل سلطة أجنبية حاولت
стр. 633
صبغها بحضارتها وأسلوبها فى الحياة على النحو الآتى:
- الحكم الرومانى للمغرب: بدأ أول اتصال بين المغرب والرومان حين
استولى الرومان على «إفريقية» فى سنة (١٤٦ ق. م)، ثم على
«نوميديا» فى سنة (٤٦ ق. م)، واتجه الرومان منذ وطئت أقدامهم هذه
البلاد إلى بناء المدن على السواحل وفى الداخل؛ لاتخاذها مراكز
وقواعد لإقامة الحاميات الرومانية وحكام الولايات، وقد تضمنت هذه
المدن بين جنباتها كثيرًا من المنشآت والمعابد والساحات والملاعب
وغيرها، ويتضح ذلك فى مدينة وليلى التى بناها الرومان على رأس
جبل، وجعلوا لها أبوابًا عالية واسعة، ويبلغ طول سورها نحو ستة
أميال، وقد حوت هذه المدينة آثارًا وأنقاضًا كثيرة، ترسم صورة
لمعالم الحضارة الرومانية التى كانت قائمة فى تلك المنطقة، وقد
حاول الرومان نشر حضارتهم ولغتهم وديانتهم بين أهل المدن من
البربر، وبخاصة الذين كانوا يعملون بمزارعهم وضياعهم، لكنهم لم
يجدوا استجابة لمحاولاتهم، ولم تتمكن الحضارة الرومانية من فرض
نفسها بصورة واضحة على البربر، خاصة فى الداخل، حيث تضعف
السيطرة الرومانية.
- الحكم الوندالى للمغرب: خلف الوندالُ الرومانَ فى احتلال بلاد
المغرب سنة (٤٢٩هـ)، ولم يكونوا أهل حضارة بل كانوا شعبًا
همجيا، عُرف بوحشيته وقسوته، فاهتم حكامه بفرض الضرائب التى
أثقلت كاهل المغربيين وجمعها، فضلا عن ذلك فقد خرَّب القائد
الوندالى «جنعديك» القلاع والحصون فى المدن المغربية باستثناء
«قرطاجنة» العاصمة، حتى لا يتحصن بها البربر ويشقوا عصا الطاعة
على الوندال، ومن ثَم لم يُخلف الوندال آثارًا حضارية بالمغرب، وكان
حكمهم بمثابة سحابة سوداء جثمت قرنًا من الزمان على أرض
المغرب.
- الحكم البيزنطى للمغرب: قامت الإمبراطورية البيزنطية على أنقاض
الإمبراطورية الرومانية، فاستعاد البيزنطيون الحكم فى بلاد المغرب
فى سنة (٥٣٣م)، واهتموا بالعمارة وأنشئوا القصور والكنائس
стр. 634
والحصون، ذات الطابع البيزنطى، التى تأثر بها المسلمون فى إنشاء
مساجدهم، واستخدموا ما تبقى من آثارهم فى تشييد أبنيتهم، ومع
ذلك لم تختلف سياسة البيزنطيين عن سابقيهم، ففرضوا الضرائب،
وتعسفوا فى جمعها، وانصرفت جهود حكامهم إلى جمع الأموال بكل
السبل، فأدى ذلك إلى تخلى المزارعين عن أراضيهم، واضطر التجار
إلى إغلاق متاجرهم، واتجه كثير من الناس إلى السلب والنهب، مما
أدى إلى قيام العديد من الثورات ضد هذا الظلم.
ولقد تركت هذه الأمم بصماتها على حياة البربر، وخاصة فى المدن
والمناطق الساحلية، كما تأثر الشعب المغربى بحضاراتهم على
مراحل متعاقبة من الزمن. ومما سبق نلمس تمركز الإدارة الأجنبية
بقواتها فى منطقة الساحل، وحرص هذه الإدارة على الاستفادة بقدر
ما تستطيع من خبرات البلاد، ولعل هذا يفسر مدى مقاومة المغاربة
للعرب، الذين مكثوا سبعين سنة فى محاولات دائبة ومستمرة لفتحها،
إذ عدُّوهم أجانب مثل غيرهم من الرومان والوندال فقاوموهم كل هذه
الفترة مقاومة شديدة.
الفتح الإسلامى للمغرب:
بعد أن فتحت مصر على يد القائد «عمرو بن العاص» سنة (٢١هـ =
٦٤٢م)، كان من الطبيعى أن يمتد هذا الفتح تجاه المغرب فى «برقة»
و «طرابلس» باعتبارهما الامتداد الجغرافى الطبيعى للمنطقة، وإلى
رغبة المسلمين فى تخليص هذه الشعوب من قبضة المستعمرين،
وإتاحة الفرصة أمامها لتعرُّف الدين الإسلامى للدخول فيه والإيمان به.
وقد مرَّ الفتح الإسلامى لهذه البلاد بعدة مراحل هى:
المرحلة الأولى وهى مرحلة الاستطلاع:
وتبدأ من سنة (٢١هـ=٦٤٢م) إلى سنة (٤٩هـ= ٦٦٩م) وتشمل هذه
المرحلة جهود ثلاثة من قادة الفتح الإسلامى وهم:
- عمرو بن العاص:
هو القائد العسكرى الخبير، والصحابى الجليل «عمرو بن العاص بن
وائل بن هاشم» الذى أعلن إسلامه فى العام الثامن الهجرى، وشارك
بدور بارز فى النشاط العسكرى للمسلمين فى عهد النبى - صلى الله
стр. 635
عليه وسلم-، وعهد «أبى بكر الصديق»، فلما تولى «عمر بن
الخطاب» أمور الخلافة أسند إليه بعض المهام العسكرية، ومنها فتح
«مصر»، فلما فرغ من ذلك توجه بقواته إلى مدينة «برقة» فاستسلمت
للقائد المسلم دون قتال، ووافقت على شروطه، ودخل بعض أبنائها
فى الإسلام، وارتضى بعضها الآخر دفع الجزية مقابل الاحتفاظ
بعقيدته.
وكان أغلب سكان هذه المدينة من قبيلة «لواته» البترية. فلما اطمأن
«عمرو» إلى استقرار الأوضاع ببرقة قسّم قواته إلى جزئين، وخرج
على رأس أحدهما نحو «طرابلس»، وبعث بالجزء الثانى إلى «زويلة»
و «الواحات الداخلية»، حتى لا يكون الفتح مقصورًا على الشريط
الساحلى فحسب، ولكى يأمن الهجوم عليه من الخلف وقد دل عمرو
بن العاص بذلك على براعة عسكرية وخبرة بفنون القيادة ومعرفة
بأحوال المنطقة وطبيعتها.
كانت «طرابلس» مدينة حصينة ذات أسوار عالية فحاصرها فترة ثم
تمكن من فتحها بعد صدام لم يطل مع القوة البيزنطية الموجودة
بالمدينة، ولم يمكث «عمرو» طويلا بعد أن تم له فتح «طرابلس»،
وسارع بإرسال جزء من جيشه إلى مدينة «سبرت» لمفاجأتها قبل
أن تستعد لملاقاته، وفوجئ أهلها بالمسلمين على أبواب مدينتهم،
فسقطت دون عناء.
وكان يمكن لعمرو بن العاص أن يمضى فى مسيرته ليفتح إفريقية،
لكنه لم يكن ليفعل ذلك دون استئذان الخليفة «عمر بن الخطاب»
ومشاورته، فبعث إليه برسالة جاء فيها: «إن الله قد فتح علينا
طرابلس، وليس بينها وبين إفريقية إلا تسعة أيام، فإن رأى أمير
المؤمنين أن يغزوها، ويفتحها الله على يديه فعل». ولكن الخليفة
رفض رغبة «عمرو بن العاص» فى استمرار الفتح، لحرصه على حياة
الجنود، وعدم الزَّجِّ بهم فى ميادين بعيدة عن مقر الخلافة، خاصة
وأن الخليفة «عمر بن الخطاب» كان على علم ودراية بأحوال
إفريقية، ولديه انطباع بأنها تمثل خطورة شديدة على الجيش الفاتح
لكثرة ثوراتها واشتعال الفتن والقلاقل بها من حين إلى آخر، ولذا
стр. 636
توقف الفتح ورجع «عمرو بن العاص» إلى «مصر» قبل منتصف سنة
(٢٣هـ = ٦٤٤م)، بعد أن مهَّد الطريق لمن سيأتى بعده.
عبدالله بن سعد بن أبى السرح:
أحد صحابة رسول الله ﷺ أسلم قبل الفتح
الإسلامى بمكة، وتولى إمارة «مصر» فى سنة (٢٥هـ = ٦٤٦م)، خلفًا
لعمرو بن العاص، فأخذ يصرف أمورها ويدبر شئونها، ويبعث
بالسرايا للإغارة على أطراف إفريقية، ولكنه شعر أن هذه السرايا لم
تعد كافية لتأمين الحدود الغربية لمصر، فبعث إلى الخليفة «عثمان
بن عفان» يستأذنه فى الخروج على رأس حملة عسكرية تجاه
إفريقية لتأمين «مصر» والمسلمين من الخطر البيزنطى المسيطر على
إفريقية، فتشاور الخليفة مع مَن حوله، ووافق على مطلب «ابن أبى
السرح»، وأمده بجيش كبير، ضم نخبة من الصحابة والتابعين بقيادة
«الحرث بن الحكم»، فلما وصل «مصر» انضم إلى قوات عبدالله بن
أبى السرح فصارت نحو عشرين ألفًا، وانطلق بها إلى إفريقية التى
كانت تحت حكم القائد البيزنطى «جريجوريوس» المعروف باسم
«جرجير» فى المصادر العربية.
استعد هذا القائد استعدادًا جيدًا لملاقاة المسلمين، وتحصن فى مدينة
«سبيطلة»، وعسكر المسلمون فى بلدة «قمونية» التى تبعد بضعة
أميال عن مدينة «سبيطلة»، ثم بدأت المفاوضات بين الطرفين،
وعرض المسلمون شروطهم كما أمر الإسلام، وهى: الإسلام، أو
الجزية، أو القتال، ولكن المفاوضات فشلت، وفشل معها الحل
السلمى، وبدأت المناوشات العسكرية بين الطرفين، وشعر المسلمون
بقوة البيزنطيين؛ لقوة تحصيناتهم وكثرة عدد جنودهم، وحين ظنوا
أن النصر لن يحالفهم أقبل عليهم «عبدالله بن الزبير» بمدد من
«المدينة» كان له أثر فى تحقيق النصر للمسلمين، ففتحوا مدينة
«سبيطلة» وقتلوا القائد البيزنطى «جُرجير»، وتمكنوا من الاستيلاء
على المعاقل والحصون، وجمعوا مغانم كثيرة، حتى إن سهم الفارس
بلغ ثلاثة آلاف دينار (للفرس ألفا دينار، ولفارسه ألف) وللراجل ألف
стр. 637
وكان من المتوقع بعد هذا النصر العظيم أن يواصل المسلمون زحفهم
صوب «المغرب الأوسط»، إلا أن «عبدالله بن أبى السرح» قرر فجأة
العودة بجنده إلى «مصر»، ولعل الذى دعاه إلى ذلك ما علمه من
تأهب البيزنطيين واستعدادهم لخوض معركة شرسة ضد المسلمين
انتقامًا لمقتل «جرجير» وسقوط «سبيطلة»، فآثر عدم المخاطرة
بجنوده، واكتفى بما حقق، خاصة أن المسلمين لم تكن لهم قاعدة
عسكرية قريبة يلجأون إليها عند الحاجة، ولذا عاد بجيشه إلى
«مصر».
ثم توقف النشاط العسكرى فى إفريقية بعد ذلك لتوالى الأحداث
وتلاحقها فى المشرق، حيث ثار بعض الخارجين على الخليفة «عثمان
بن عفان»، وانتهى الأمر باستشهاده، فخلفه الإمام «على بن أبى
طالب»، ولم يلبث أن استشهد هو أيضًا، فتولى «معاوية بن أبى
سفيان» خلافة المسلمين.
معاوية بن حديج:
أدرك «معاوية بن أبى سفيان» أهمية إفريقية من الناحية
الاقتصادية، ودورها المؤثر فى البحر المتوسط، فضلا عن موقعها
المجاور لمصر الإسلامية، فأرسل «معاوية بن حديج» على رأس جيش
لمتابعة الجهاد فى إفريقية، فخرج إليها سنة (٤٥هـ=٦٦٥م)، والتقى
بالبيزنطيين عند «قمونية»، ودار قتال مرير بينهما أسفر عن انتصار
كبير للمسلمين، وقتل كثير من البيزنطيين، ثم مضى المسلمون نحو
«جلولاء» واستولوا عليها بعد قتال شديد.
وإلى هنا تنتهى المرحلة الأولى من مراحل الفتح التى أُطلق عليها:
«مرحلة الاستطلاع»، وترجع أهميتها إلى أنها مكنت المسلمين من
الاحتكاك بالبربر على أرض «المغرب»، ومعرفة أحوال هذه البلاد،
مما كان له أثر فى إقبال بعض سكان المنطقة من البربر -وبخاصة
فى «برقة» - على الإسلام.
المرحلة الثانية:
وهى مرحلة الارتكاز والانتشار، وتمتد من سنة (٥٠هـ=٦٧٠م) إلى سنة
(٦٤هـ= ٦٨٤م)، وتتضمن ولايتى: «عقبة بن نافع» الأولى والثانية،
وولاية: «أبى المهاجر دينار».
عقبة بن نافع:
تولى «عقبة بن نافع» إمرة الجيش فى سنة (٥٠هـ=٦٧٠م) وتوجه إلى
стр. 638
إفريقية، ولم تكن هذه هى المرة الأولى التى يتوجه فيها إلى
إفريقية؛ إذ إنه اشترك من قبل فى حملة «عمرو بن العاص» على
«برقة»، وتولى فتح المناطق الداخلية بها، وأقام فيها فترة، ونشر
الإسلام بين سكانها، فأكسبه ذلك خبرة ومعرفة بأوضاع البلاد
وحالة سكانها.
انطلق «عقبة» على رأس قواته التى بلغت عشرة آلاف مقاتل إلى
إفريقية، متخذًا الطريق الداخلى، ومبتعدًا عن الطريق الساحلى؛
لكثرة القلاع والحصون البيزنطية على الساحل، ولرغبته فى استخدام
عنصر المفاجأة مع سكان الواحات، لتحقيق نصر سريع فتحقق له ما
أراد، واستولى على كثير من المدن والقلاع والحصون مثل: «ودن»،
و «جرمة» و «قصور فزان»، و «خادار»، و «غدامس»، كما استولى
على مدينتى «قنصة» و «قصطيلية».
رأى «عقبة» أن أفضل طريقة لتثبيت الفتح الإسلامى فى هذه
المنطقة هو بناء مدينة يسكنها الناس تصبح قاعدة عسكرية، وتكون
مركزًا لأعمال الفتح القادمة، فوقع اختياره على مكان مدينة
«القيروان»، وكان واديًا كثير الشجر، تأوى إليه السباع والوحوش
والهوام، فأعده هو ومَن معه من المسلمين وبنى به مسجدًا ودارًا
للإمارة، ثم بنى الناس دورهم حول المسجد، وظلت عمليات البناء هذه
حتى سنة (٥٥هـ=٦٧٥م).
وتجلَّت عبقرية «عقبة» فى حسن اختياره لمكان المدينة؛ إذ توافر
فيه البعد الكافى عن شواطئ البحر المتوسط، ليأمن المسلمون
غارات الأسطول البيزنطى المتكررة، والقرب من قبائل البربر ووسط
معاقلهم، وهى خطوة عملية فى سبيل اجتذابهم إلى الدين
الإسلامى، واندماجهم مع العرب الفاتحين، يضاف إلى ذلك أن موقع
«القيروان» كان على الطرق الموصلة إلى «مصر»، وبذلك ضمن
«عقبة» سلامة خطوط إمداده من «مصر»، ولكنه لم يستمر ليجنى
ثمرة جهوده، إذ تم عزله، وتولى «أبو المهاجر دينار» إمارة الجيوش
وولاية المغرب بدلا منه.
أبو المهاجر دينار:
أقبل «أبو المهاجر» على «القيروان»، وكره المقام فيها، فاختط
стр. 639
لجنوده معسكرًا يبعد عنها نحو ميلين، ثم أقام به، وأخذ يوجه
نشاطه الدينى والعسكرى منه، ويروى أنه خرج على رأس حملة
كبيرة وصلت إلى مدينة «تلمسان»، كما فتح «جزيرة شريك»،
وعامل البربر بمودة وعرفهم بحقيقة الدين الإسلامى وعمل على
نشره بينهم، ولم يستمر «أبو المهاجر» طويلا؛ إذ تم عزله، وعودة
«عقبة ابن نافع» مرة ثانية.
عقبة بن نافع:
عاد «عقبة» إلى المغرب ثانية فى سنة (٦٢هـ=٦٨٢م)، بقرار من
الخليفة «يزيد بن معاوية بن أبى سفيان»، وقد اختلفت ولايته الثانية
عن سابقتها؛ إذ بينما تميزت ولايته الأولى ببعض الأعمال العسكرية
الداخلية فى «إقليم الواحات»، وقضاء الشطر الأكبر منها فى تأسيس
مدينة «القيروان» وتعميرها، نراه فى ولايته الثانية يقوم بغزوة
كبرى، يصل فيها إلى شواطئ «المحيط الأطلسى»، وقد انطلق عبر
الطريق الداخلى بعيدًا عن الساحل، ودخل فى معارك عنيفة مع الروم
حتى أجبرهم على الفرار، وتمكن من فتح أمنع حصونهم مثل:
«لميس»، و «باغاية»، ثم فتح «أذنة» قاعدة «الزاب»، واستولى على
مغانم كثيرة منها، بعد معارك ضارية مع أهلها، ثم اتخذ طريق
الساحل ليطرق أبواب «المغرب الأقصى»، وتم له ذلك، فكان أول
فاتح عربى تطأ قدماه هذا الإقليم، فبادر «بطنجة» أهم مدن الإقليم،
فأسرع حاكمها «يليان»، وقدم فروض الطاعة لعقبة مع كثير من
الهدايا والتحف، فانطلق «عقبة» عقب ذلك إلى مدينة «وليلى» ومنها
إلى بلاد «درعة» و «السوس» والتقى هناك مع جموع البربر فى
معركة حامية، وتمكن من هزيمتهم، وواصل مسيرته حتى بلغ المحيط.
ولم ينس خلال كل هذه الأحداث الهدف الأسمى الذى خرج من أجل
تحقيقه، فبنى مسجدًا بالسوس وآخر بدرعة وجعل بهما بعض فقهاء
المسلمين ودعاتهم، لتعليم سكان هذه البلاد قواعد الدين الجديد، ثم
أذن «عقبة» لجزء كبير من قواته بالعودة إلى «القيروان» لطمأنة
أهاليهم، بعد غياب استمر ما يقرب من عام، وبقى «عقبة» مع الجزء
стр. 640
المتبقى من الجيش، وكان عدده نحو خمسة آلاف مقاتل.
استعان «كسيلة» زعيم البربر بالروم على العرب الفاتحين، وأعد كل
منهما عدته وجنوده لملاقاتهم، ثم قطعوا خط الرجعة على «عقبة»
ومَن معه عند «سهل تهودة»، فاقتتل الفريقان قتالا شديدًا،
واستشهد «عقبة» وعدد كبير ممن كانوا معه، ودخل «كسيلة» زعيم
البربر مدينة «القيروان»، فانتهت بذلك المرحلة الثانية من مراحل
الفتح.
المرحلة الثالثة:
وهى مرحلة إتمام الفتح، وتمتد من سنة (٦٩هـ=٦٨٨م) إلى سنة
(٩٠هـ=٧٠٩م)، وتشمل جهود ثلاثة من القادة الفاتحين، وهم: «زهير بن
قيس»، و «حسان بن النعمان»، و «موسى بن نصير».
- زهير بن قيس البلوى:
أحدث استشهاد القائد «عقبة بن نافع» ومن معه من أبطال المسلمين
أثرًا سيئًا فى نفوس المسلمين المقيمين بالقيروان، وضاعت جهودهم
فى الإقامة بالمنطقة؛ حيث زحف «كسيلة» وجنوده على «القيروان»،
وبذل «زهير بن قيس» - الذى خلف «عقبة» فى إدارة شئون البلاد- كل
جهوده فى بث الحماسة والحمية فى نفوس المقيمين بها، وحثهم
على الثبات بقوله: «يا معشر المسلمين، إن أصحابكم قد دخلوا الجنة،
وقد منَّ الله عليهم بالشهادة، فاسلكوا سبيلهم، ويفتح الله لكم دون
ذلك». ولكن الخوف كان قد سيطر على نفوس الناس، فآثروا الرحيل
على الإقامة، وذهبت كل جهود «زهير» سدىً، واضطر إلى التخلى
عن «القيروان»، وتوجه إلى «برقة» مع من استطاع الرحيل من
المسلمين، وظل بعض المسلمين - ذوى الظروف الخاصة- بالقيروان،
وطلبوا الأمان من «كسيلة» فمنحهم إياه، وأعلن نفسه أميرًا على
المدينة.
توقف النشاط العسكرى بالمغرب مدة خمس سنوات تقريبًا، بسبب
الأحداث التى واجهتها الخلافة الأموية فى دمشق، حيث توفى الخليفة
«يزيد بن معاوية» فاضطرب البيت الأموى نتيجة لذلك، ثم تولى
«مروان بن الحكم» الخلافة، وقامت ثورة «عبدالله بن الزبير» بمكة،
فاستنزفت هذه الثورة وقت وجهد «مروان بن الحكم» وابنه
«عبدالملك» من بعده.
стр. 641
ثم تولى «عبدالملك بن مروان» الخلافة بدمشق فى سنة (٦٥هـ=
٦٨٥م)، فواجهته المشاكل والثورات العديدة، ولكن ذلك لم يمنعه من
التفكير فى أوضاع إفريقية، وضرورة استعادة نفوذ المسلمين بها،
واستشار من حوله فى ذلك، واستقر الرأى على ضرورة تجهيز حملة
جديدة، يكون على رأسها «زهير بن قيس»؛ لمعرفته بطبيعة المنطقة
وأحوال الناس هناك، فضلا عن شجاعته وحبه للجهاد، فأرسل
الخليفة بذلك إلى «زهير» ببرقة، وأمده بما تحتاج إليه هذه الحملة،
وحشد إليه وجوه العرب، ووفر له المال اللازم، فرتب «زهير» أموره،
وخرج للقاء «كسيلة» وجموع البربر والروم، فعلم «كسيلة» بتحركات
«زهير» وفضَّل الخروج لملاقاته خارج «القيروان». خشية أن ينضم
المسلمون المقيمون بها إلى جيش «زهير»، واختار منطقة «ممس»
التى تبعد مسافة يوم عن «القيروان»، لتكون معسكرًا لجنوده،
لوفرة المياه بها وقربها من الجبال، التى يمكن الاحتماء بها، أو
الهروب إليها إذا ما حلَّت الهزيمة بجنوده.
وصل «زهير» على رأس قواته إلى «القيروان»، واستراح خارجها
عدة أيام عبأ فيها قواته، وتجهز للمعركة، ثم انطلق للقاء «كسيلة»
وجموعه من البربر والروم عند «ممس»، ودارت بين الفريقين معركة
حامية؛ حمى فيها الوطيس، وكثر عدد القتلى من الفريقين، ولكن
المسلمين صمدوا، وتمكنوا من قتل «كسيلة»، فدبَّ الضعف والوهن
فى جموع البربر والروم، وتكاثر عليهم المسلمون من كل مكان،
وقتلوا منهم عددًا كبيرًا، وتتبعوهم حتى فروا من أرض المعركة؛
يجرون وراءهم أذيال الهزيمة المنكرة.
انتهز الروم فرصة رحيل الجيش الإسلامى من «برقة» إلى «القيروان»،
وقرروا مباغتة مدينة «برقة»، مستعينين ببعض قطع أسطولهم
الراسية على شواطئ «صقلية»، وانطلقوا بها صوب «برقة»، فلم
تستطع المدينة مقاومتهم وسقطت بين أيديهم، فألحقوا بها الدمار
واستولوا على ما فيها من أموال، فضلا عن السبايا والأسرى، ولما
стр. 642
بلغت هذه الأنباء المؤلمة مسامع «زهير» أسرع بمن معه من الجنود
-وكانوا قلة- لنجدة المدينة، ولكن الروم كانوا كثرة، فخرجوا عليه
وعلى جنوده من كل مكان، وأسفر ذلك عن هزيمة المسلمين
واستشهاد «زهير».
- حسان بن النعمان:
لم يستطع الخليفة «عبدالملك بن مروان» اتخاذ موقف حاسم إزاء
الكارثة التى حلت بالمسلمين بإفريقية، نظرًا لانشغاله بثورة «عبدالله
بن الزبير»، فلما قضى عليها، عاوده التفكير ثانية فى إفريقية،
وكيفية معالجة أوضاعها، وبدأ فى البحث عن قائد جديد يتولى
مهمة قيادة حملة جديدة على إفريقية، ووقع اختياره على القائد
«حسان بن النعمان». الذى كانت له مكانة مرموقة لدى بنى أمية،
وحرصت الخلافة على أن تهيىء له عوامل النصر، فحشدت له أعدادًا
غفيرة من الجنود، ووفرت له العدة والعتاد اللازمين فانطلق «حسان»
إلى إفريقية على رأس جيش تعداده أربعون ألف مقاتل، وعزم على
القضاء على قوة الروم، وخطورتهم على التواجد الإسلامى بهذه
البلاد، وما إن وصل بجيشه إلى «القيروان» - على أرجح الآراء - فى
سنة (٧٤هـ= ٦٩٣م) حتى أخذ يستفسر ويسأل عن أماكن تجمعات
الروم، وعدد جنودهم، وأنواع معداتهم، فعلم أن «قرطاجنة» هى
مركز تجمعات الروم وعاصمتهم بإفريقية، فانطلق بقواته نحوها، ثم
حاصرها. وقد كانت مدينة حصينة وتضم أعدادًا كبيرة من الروم،
وكتب الله له شرف اقتحامها وفتحها بعد مشقة وجهد كبيرين، ثم
مضى نحو «صطفورة» وقضى على من بها من جنود الروم والبربر،
ثم توجه إلى «بنزرت» وفتحها؛ وقضى على معاقل الروم بها، ثم
عاد إلى «القيروان» لكى يرتاح الجند، ويستعدوا للمواجهة القادمة.
وبعث «حسان» بالعيون لمعرفة إمكانات «البربر» وأماكن
تجمعاتهم، وأخذ يسأل من حوله عنهم وعن زعمائهم، فعرف أن
هناك كاهنة تدعى «داهيا» من قبيلة «جرادة» البربرية، تمكنت
بادعاءاتها وكهانتها من السيطرة على معظم قبائل البربر، وبسطت
стр. 643
نفوذها عليهم منذ ما يقرب من خمسة وثلاثين عامًا، وهى تقيم فوق
جبل «أوراس»، وقد اتخذته هى وأعوانها معقلاً وحصنًا.
وانطلق «حسان» بجنوده صوب معقل الكاهنة وجموعها من البربر،
والتقى الفريقان فى وادى «مسكيانة»، ودارت بينهما معركة
طاحنة، انتهت بهزيمة المسلمين، وانسحاب «حسان» بمن معه منها،
وعادوا إلى «برقة»، ثم بعث «حسان» بما حدث إلى الخليفة
«عبدالملك»، موضحًا له عوامل الهزيمة، ومدى قوة الكاهنة بمن معها
من حشود البربر، فبعث إليه الخليفة بأن يقيم بجنوده فى مكانه حتى
تعدّ الخلافة الإمدادات اللازمة لجولة أخرى، وامتثل «حسان» لقرار
الخليفة، وشيد هو ومَن معه مساكن للإقامة بها.
وكانت الكاهنة قد أسرت جماعة من المسلمين، وأبقت على حياتهم
لتعرف منهم أخبار المسلمين وإمكاناتهم، وقد استأثرت بخالد ابن
يزيد - أحد الأسرى -ومنحته عطفها، وجعلته فى منزلة ابنها،
فاستغل هذه الفرصة وأمدَّ قائده-سرًّا - بالمعلومات عن أوضاع
الكاهنة وأخبار معاونيها، ومن معها من البربر، فى الوقت نفسه
ظنت الكاهنة أن المسلمين مثلهم مثل بقية الغزاة الذين جاءوا إلى
هذه البلاد بغية الاستيلاء على أموالها وثرواتها وخيراتها، ولذا أمرت
أعوانها بتخريب البلاد وهدم حصونها ونهب أموالها، راجية من وراء
ذلك أن يرحل المسلمون عن هذه المنطقة لانعدام السبب الذى جاءوا
من أجله. ولاشك أن هذا تصور خاطئ، وظن ليس فى محله، لأن هدف
المسلمين الأوحد هو إتاحة الفرصة للشعوب لتعرُّف الإسلام، ونشر
العدل والمساواة بين الناس، وقد جاءت خطوة التخريب التى قام بها
أعوان الكاهنة بعكس ما كان متوقعًا، فضلا عن تدهور اقتصاد
البلاد، وسارع سكان هذه المدن باللجوء إلى المسلمين والاحتماء
بهم، مطالبين بإنقاذهم مما حل بهم على أيدى الكاهنة وأعوانها،
فكان لذلك أثره فى دعم قوة المسلمين. خاصة وأن أهل «قابس»
و «قفصة» وغيرهم، أمدوهم بالمال وأعلنوا لهم الطاعة.
стр. 644
انطلق «حسان» بقواته لملاقاة الكاهنة، ودارت بينهما معركة عنيفة؛
أسفرت عن مقتل أعداد كثيرة من أتباع الكاهنة، ثم مقتل الكاهنة
نفسها عند بئر، عرف فيما بعد باسم: «بئر الكاهنة».
وهكذا استطاع «حسان» أن يقضى على مقاومة البربر مثلما قضى
من قبل على جحافل الروم، وعمد إلى تثبيت أقدام المسلمين فى
«إفريقية» و «المغرب الأوسط»، وقام ببعض الأعمال المهمة، التى من
شأنها تثبيت عملية الفتح فى المنطقة، فعمَّر مدينة «ترشيش»، وهى
تبعد نحو (١٢) ميلا عن شرقى «قرطاجنة»، لتكون ميناء عربيا
إسلاميا، بدلا من «قرطاجنة» البيزنطية التى تم هدمها فى المعارك،
ثم أنشأ بها دارًا لصناعة السفن، ليكفل حماية شواطئ المغرب
الإسلامية من تطلعات البيزنطيين وغاراتهم، واتبع «حسان» سياسة
جديدة فى إدارة شئون هذه البلاد، ووضع الأسس التى تجعل من
«المغرب» ولاية عربية؛ تعتمد على مواردها، دون الاعتماد على
غيرها فى شىء، ومن هذه الأسس:
أولاً: أنشأ إدارة حكومية، واعتبر أرض المغرب مفتوحة صلحًا لا عنوة
مع الذين أسلموا من أهلها، ومعنى ذلك أن يؤدوا عنها ضريبة
العشر، أما الأراضى التى كانت ملكًا للبيزنطيين ومَن قاوم الفتح من
الأفارقة وغيرهم، فقد اعتبرها «حسان» مفتوحة عنوة، ولذا اعتبرها
من أملاك المسلمين، واعتبر مَن وجدهم عليها موالى لهم، فكان لهذه
الناحية الاقتصادية المهمة أثر بالغ فى نفوس البربر.
ثانيًا: عمد إلى إشراك البربر بجيشه، ورغبهم بالغنائم، وعاملهم
معاملة الجند العرب فى الحقوق والواجبات، وأدى ذلك إلى مزيد من
الاحتكاك بين المسلمين والبربر، مما دفع الكثيرين منهم إلى الدخول
فى الإسلام.
ثالثًا: وزع مسئولية الحكم على القبائل المختلفة، واختص كل قبيلة
بناحية معينة تمشيا مع طبيعة البلاد.
ولهذه السياسة التى رسمها «حسَّان بن النعمان» وأرسى قواعدها
أعظم الأثر فى نفسية البربر، وفى علاقتهم بالعرب الفاتحين،
стр. 645
وازدادت معرفتهم بالدين الجديد الوافد عليهم، ودخله الكثيرون منهم،
ودخل «المغرب» فى طور جديد من التنظيم السياسى، ثم عُزل
«حسان»، وعُيِّن «موسى بن نصير» مكانه.
- موسى بن نصير:
وصل الوالى الجديد «موسى بن نصير» إلى «القيروان»، سنة (٨٦هـ=
٧٠٥م)، فألقى على الناس فور وصوله خطبة، أعلن لهم فيها سياسته
التى سينتهجها لفتح بقية أقاليم المغرب، ثم انطلق موسى على رأس
قواته إلى قلعة «زغوان» التى على مسيرة يوم من «القيروان»،
واستولى عليها، فى الوقت الذى أرسل فيه أبناءه على رأس
مجموعات من الجند لإخضاع المناطق المحيطة بالقيروان، وقد نجحوا
فى تحقيق ما خرجوا من أجله، وكان هدف «موسى» من ذلك تأمين
خطوطه الخلفية إذا ما خرج للجهاد بالمغربين الأوسط والأقصى، فلما
تحقق له ما أراد، انطلق إلى «المغرب الأوسط» وأخضع قبائله، وفتح
قلاعه وحصونه، ثم انطلق إلى «المغرب الأقصى»، متَّبعًا سياسته
التى سار عليها فى جميع حملاته العسكرية، وتتمثل فى توزيع
نشاطه العسكرى فى شتى الاتجاهات فى آنٍ واحد، لبث الرعب فى
قلوب الأعداء، فأُجبر البربر على الفرار إلى المناطق البعيدة، ونجح
فى بسط نفوذ المسلمين على «المغرب الأقصى» حتى بلاد «درعة»،
ثم استولى بعد ذلك على «طنجة»، وكان أول مَن نزلها، واختط فيها
للمسلمين، وجعل عليها مولاه «طارق بن زياد».
وقد اتبع «موسى بن نصير» سياسة من سبقه من الولاة فى نشر
الدين الإسلامى بين صفوف «البربر»، وترك الدعاة يحفظون الناس
القرآن الكريم، ويعلمونهم تعاليم الدين، وكذلك بنى المساجد،
وأشرك البربر -مثلما فعل «حسان» من قبل- فى حكم البلاد. ويتضح
ذلك فى توليته «طارق بن زياد» -الذى يرجع نسبه إلى البربر- شئون
«طنجة» عاصمة «المغرب الأقصى» وأهم مدنه - آنذاك- وقد قاد طارق
-فيما بعد- جيشًا كبيرًا من البربر لفتح بلاد «الأندلس».
ثم صدرت الأوامر من قِبَل الخلافة باستدعاء «موسى»، فأسرع بتنفيذ
стр. 646
الأمر، وترك ابنه «عبدالله» بالقيروان، خلفًا له فى إدارة «المغرب»،
وانطلق صوب المشرق فى سنة (٩٦هـ= ٧١٥م)، فانتهت بعودته إلى
المشرق أعمال الفتح المختلفة؛ وبدأ بالمغرب عصر جديد؛ هو عصر
الولاة.
لقد استمرت أعمال فتح «بلاد المغرب» نحو سبعين سنة، وأخذ ذلك
جهدًا كبيرًا؛ بذلت فيه الخلافة الإسلامية كثيرًا من الرجال والأموال،
وهذا يغاير بصورة واضحة أعمال الفتح الأخرى التى قام بها
المسلمون فى الأقاليم الأخرى، مثل: «الشام» و «مصر»، وكان لذلك
أسبابه، مما أخَّرَ عملية الفتح.
أولاً - طبيعة المكان:
لعل من أبرز أسباب تأخر فتح «بلاد المغرب» هو بُعْد هذه المنطقة
عن مقر الخلافة الإسلامية، فضلاً عن طبيعة منطقة القتال، وهى
ساحل ضيق، تركزت فيه مقاومة البيزنطيين، وتجاورها جبال
شاهقة، لجأت إليها جموع البربر واعتصمت بها، يضاف إلى ذلك
وجود صحراء واسعة يشق على المحارب اجتيازها.
ثانيًا - البيزنطيون:
وهم الذين استعمروا هذه المنطقة منذ زمن بعيد، ولذلك عرفوا
أهميتها، ومقدار خيراتها وثرواتها، فدافعوا عنها بكل ما يملكون
رغبة منهم فى إبقاء هذا المورد الثَّرِّ، الذى يدعمون بما يحصلون عليه
منه اقتصاد بلادهم وبقاء حضارتهم، وقد عمد البيزنطيون إلى محاربة
المسلمين، فضلا عن تأليب جموع البربر عليهم، كما حدث فى علاقة
«كسيلة» معهم.
ثالثًا - سكان البلاد (البربر):
بات «البربر» لا يرحبون بأى قادم نحوهم، دفاعًا عن حريتهم
وأرضهم، وذلك ناتج عن القهر والذل والهوان الذى سيطر عليهم
أعوامًا طويلة على يد الاستعمار الأجنبى لبلادهم، وكانت المقاومة
أشد وأعنف من قبل هؤلاء الذين نالوا حظا من الحضارة، حيث كانوا
ملاصقين للبيزنطيين، ومتأثرين بدعايتهم.
رابعًا - المسلمون الفاتحون:
لعل الأحداث السياسية التى كان يمر بها المشرق الإسلامى، فضلا عن
الفتن والثورات التى انشغلت بها الخلافة الإسلامية - آنذاك - من بين
أسباب تأخر فتح «بلاد المغرب».
стр. 647
الفصل الثاني
*عصر الولاة
- الولاة فى العصر الأموى:
تعد فترة تبعية المغرب للخلافة (عصر الولاة) - والتى تمتد من سنة
(٩٦هـ = ٧١٥م) إلى سنة (١٨٤هـ =٨٠٠م) - من أهم الفترات وأخطرها
فى تاريخ المغرب الإسلامى، وقد اختلفت هذه الفترة عن سابقاتها،
لأن فترة الفتح كان يغلب عليها النشاط العسكرى، واتسمت بالامتداد
والانحسار، والخوف والاضطراب، ولم يعرف المسلمون شيئًا من
الاستقرار بالمغرب إلا بعد تأسيس مدينة «القيروان» على يد «عقبة بن
نافع»، ثم تمَّ لهم الاستقرار بفضل جهود: «زهير بن قيس»، و «حسان
بن النعمان»، و «موسى بن نصير».
وقد اتسم عصر الولاة بسمات وصفات معينة؛ فهو عصر الاستقرار
العربى على أرض «المغرب»، ووضح فيه موقف الخلافة من المنطقة،
وما ترتب على ذلك من علاقة بين الخلافة والولاة، فضلا عن علاقة
الولاة بسكان هذه البلاد، يضاف إلى ذلك الأوضاع السياسية المختلفة
التى ترتبت على هذه العلاقات؛ حيث ثار «المغرب الأقصى» وانفصل
عن «الخلافة الأموية»، ثم انتقلت عدوى الثورة إلى المغربين الأوسط
والأدنى، وبذلت «الخلافة العباسية» جهودًا كبيرة، وأموالا طائلة،
ورجالا كثيرين، فى سبيل الحفاظ على هذه الأقاليم، ولكن الأمور
أسفرت عن مجرد سلطة اسمية للخلافة العباسية على «المغرب
الأدنى» مُمثَّلة فى قيام «دولة الأغالبة»، وقامت دويلات مستقلة
بالمغربين الأوسط والأقصى.
وسوف نعرض تاريخ هذا العصر، ونستعرض تاريخ ولاته، وهم:
- محمد بن يزيد:
استشار الخليفة «سليمان بن عبدالملك» فيمن يصلح لولاية إقليم
المغرب، فأشار عليه المحيطون به بمحمد بن يزيد مولى قريش، لما
يتمتع به من صفات الفضل والحزم، فوقع عليه اختيار الخليفة
«سليمان بن عبد الملك»، ومنحه ولاية «المغرب» وأوصاه بقوله: «يا
محمد بن يزيد اتق الله وحده لاشريك له، وقم فيمن وليتك بالحق
والعدل. اللهم اشهد عليه»، فعمل «محمد» بهذه الوصية منذ تولى
стр. 648
مقاليد البلاد، واستقر بالقيروان، فأقام سياسة العدل بين سكان هذه
البلاد، وسار فيهم بأحسن سيرة، ثم عمد إلى تجديد النشاط
العسكرى، وأرسل السرايا والبعوث إلى أماكن متفرقة من أرض
المغرب، فحققت نجاحًا ملحوظًا فيما ذهبت من أجله، وعادت بالمغانم
الكثيرة والنصر المظفر. وظل «محمد بن يزيد» واليًا على «المغرب»
حتى وفاة «سليمان بن عبدالملك»، فعزل من ولايته بعد أن قضى
بها سنتين وعدة أشهر.
- إسماعيل بن عبدالله (١٠٠ - ١٠١هـ= ٧١٨ - ٧١٩م):
اختاره الخليفة «عمر بن عبدالعزيز» لصفاته الحسنة وسمعته الطيبة،
لتولى هذا المنصب فى سنة (١٠٠هـ=٧١٨م)، وبعث معه مجموعة من
التابعين، منهم: «سعد بن مسعود التجيبى»، لمعاونته فى نشر
الإسلام، وتعليم الناس قواعده، وقد أثمرت سياسة «إسماعيل»
الطيبة بين الرعية، فى إقبال البربر على اعتناق الدين الإسلامى،
وأسلم جميع البربر فى أيامه كما ذكر «ابن خلدون».
ولاشك أن سياسة الدولة الإسلامية عامة، التى انتهجها الخليفة
العادل «عمر بن عبدالعزيز»، كان لها أثرها الواضح على كل أقاليم
الدولة، خاصة وأن الخليفة قد حرص على اختيار ولاة أكفاء؛
يتخلقون بأخلاق الإسلام، لذا أشار كثير من المؤرخين إلى الدور
الإيجابى الذى قام به «إسماعيل بن عبدالله» فى تعليم «البربر»
القرآن، وقواعد الحلال والحرام، وقد عُزل «إسماعيل» من منصبه
عقب وفاة الخليفة «عمر بن عبدالعزيز» فى سنة (١٠١هـ= ٧٢٠م)،
فتولى «يزيد بن أبى مسلم» ولاية «المغرب» خلفًا له.
- يزيد بن أبى مسلم:
لم يُقر الخليفة «يزيد بن عبدالملك» -الذى تولى الخلافة خلفًا لعمر بن
عبدالعزيز فى سنة (١٠١هـ = ٧٢٠م) - سياسة اللين والتسامح التى
انتهجها الخليفة السابق «عمر»، واستوجب ذلك تغييرًا عاما فى
سياسة الدولة، فعزل جميع الولاة، وعين آخرون مكانهم. وكان «يزيد
بن أبى مسلم» من بين الولاة الجدد.
أقبل «يزيد» إلى «القيروان» فى سنة (١٠١هـ=٧٢٠م)، وتولى مقاليد
стр. 649
الأمور فيها، واتبع سياسة الشدة والحزم تجاه أهل «المغرب» مثلما
اتبعها مع أهل «العراق» من قبل، وفرض الجزية على مَن أسلم من
أهل الذمة ليزداد الدخل المالى فى خزينة الدولة، كما أنه خصَّ طائفة
من قبيلة «البتر» البربرية بحراسته دون غيرها، وأساء إلى آل
«موسى بن نصير» وبعض الشخصيات العربية المقيمة بالقيروان،
فأثار عليه ذلك حفيظة بعض حرسه من غير «البتر» وقتلوه.
- بشر بن صفوان:
تحرك «بشر» تجاه «المغرب» فى أواخر سنة (١٠٢هـ=٧٢١م)، وقد بدأ
أعماله بالتحقيق فى مقتل «ابن أبى مسلم»، واكتشف أن هناك
بعض المحرضين للجند على فعل ذلك لإشعال الفتنة، فأمر بإعدامهم
كما أمر بعزل «الحسن بن عبدالرحمن» والى «الأندلس» من منصبه،
وولى مكانه «عبدالله بن سحيم الكلبى»، ثم قام فى سنة (١٠٩هـ=
٧٢٧م) بحملة بحرية على «جزيرة صقلية»، وعاد منتصرًا ومحملا بكثير
من المغانم والأسلاب، ثم مرض عقب عودته من هذه الغزوة، ومات فى
العام نفسه.
- عبيدة بن عبدالرحمن السلمى:
وصل القيروان فى سنة (١١٠هـ=٧٢٨م)، فأرسل «المستنير بن
الحبحاب الحرشى» أحد القادة العسكريين على رأس حملة بحرية إلى
«صقلية»، ولكن هذه الحملة لم تحقق نجاحًا، وغرقت معظم سفنها.
وقد عين «عبيدة» بعض الولاة من قِبله على «الأندلس» فى سنة
(١١٤هـ=٧٣٢م)، ثم توجه إلى مقر الخلافة بدمشق، وطلب إعفاءه من
منصبه، فأُجيب إلى مطلبه.
- عبيدالله بن الحبحاب:
وصل «عبيدالله» إلى «المغرب» فى سنة (١١٦هـ=٧٣٤م)، وبدأ ولايته
بتجهيز حملة بقيادة «حبيب بن أبى عبيدة بن عقبة بن نافع»، وبعث
بها لفتح بعض المناطق؛ لتأمين الأقاليم الإسلامية بالمغرب، فتوغلت
هذه الحملة حتى وصلت إلى «السوس الأقصى»، وأرض «السودان»،
وحققت الأهداف التى خرجت من أجلها.
وقد انتهج «عبيدالله» سياسة مغايرة لسابقيه، فأسرف فى جمع
الأموال مستخدمًا القسوة والقوة وشرع فى تخميس البربر، أى اعتبر
стр. 650
من أسلم منهم ومن لم يسلم فيئًا للمسلمين، بخلاف ما اعتاد عليه
هؤلاء البربر حيث منح الولاة من أسلم منهم نفس الحقوق والواجبات
الخاصة بالمسلمين كما أنه أزكى نار العصبيات القبلية، حيث حابى
أبناء قبيلته من القيسية وأساء معاملة اليمنية وغيرهم، فكانت
النتيجة أن قامت الثورات المدمرة فى أقاليم «المغرب»، ودخل البربر
فى صراع مسلح مع ولاتهم من العرب، وترتب على ذلك انفصال
«المغرب الأقصى» عن سلطة الخلافة بدمشق.
كلثوم بن عياض القشيرى:
وقع اختيار الخلافة عليه، لتولى مقاليد الأمور بالمغرب، ومواجهة
الأحداث الخطيرة التى نشبت على أرضه، وتوجه على رأس جيش كبير
تعداده سبعون ألف مقاتل إلى هذه البلاد، ودعمته الخلافة بكل ما
يحتاج إليه، ووصل على رأس جيشه إلى «بقدورة» بالمغرب
الأقصى، ودخل فى معركة شرسة مع جحافل البربر، وقد انتهت هذه
المعركة بهزيمة جيش العرب، فضلا عن مقتل «كلثوم» نفسه ومعه
كثير من زعماء الجيش، وفرَّ الباقى إلى «طنجة» ومنها إلى
«الأندلس».
- حنظلة بن صفوان الكلبى:
كان «حنظلة» واليًا على «مصر»، وكان ذا كفاءة عالية وخبرة
كبيرة، فضلا عن إلمامه بأخبار «المغرب» وأوضاعه بحكم الجوار بين
«مصر» و «المغرب»، فوقع عليه اختيار الخليفة «هشام بن عبدالملك»
لتولى شئون «المغرب»، وأمره بالتوجه إليها فى سنة (١٢٤هـ=
٧٤٢م)، فخرج على رأس جيش بلغ تعداده ثلاثين ألف مقاتل، قاصدًا
«القيروان»؛ لمواجهة أحداث المغرب.
ووصلت الأخبار إلى «حنظلة» بمسير البربر إليه فى جيشين كبيرين،
أحدهما بقيادة «عكاشة الصفرى الخارجى»، والآخر بقيادة
«عبدالواحد بن يزيد الهوارى»، وقد سار الجيشان فى طريقين
مختلفين، فاضطر «حنظلة» إلى لقاء كل جيش على حدة، وبدأ
بمحاربة جيش «عكاشة» وأنزل به هزيمة كبيرة؛ أعادت الثقة إلى
نفوس جيشه، ثم كان اللقاء الثانى بجيش «عبدالواحد» عند «باجة»،
ودارت بين الفريقين معركة عنيفة، انتهت بهزيمة جيش الخلافة،
стр. 651
وعودة ما تبقى منه إلى «القيروان» استعدادًا لمحاولة ثانية. ثم حشد
«حنظلة» كل ما استطاع من قوة، وخرج للقاء البربر، ودارت بينهما
معركة، أثبت جيش «حنظلة» فيها كفاءة عالية وصبرًا على القتال،
فانتصر جيش الخلافة وقُتل «عبدالواحد» قائد البربر، فضلا عن مقتل
عدد كبير من جنوده، فمكن هذا النصر للأمويين فى البلاد، ودعم
وجودهم فيها، وعمد «حنظلة» إلى إقرار الأمن والطمأنينة فى
النفوس، ثم بعث بأخبار هذا النصر إلى مركز الخلافة «بدمشق» فى
شعبان سنة (١٢٥هـ= يونيو ٧٤٣م)، فتوافق هذا الوقت مع وفاة
الخليفة «هشام بن عبدالملك»، وتولى «الوليد الثانى بن يزيد» خلفًا
له.
واجه «حنظلة» مشكلة كبيرة، تمثلت فى نزول «عبدالرحمن بن
حبيب» أحد زعماء العرب على شواطئ «تونس» قادمًا من «الأندلس»،
وقد استغل هذا الرجل اضطراب الأوضاع فى «دمشق»، وضعف والى
«القيروان» بسبب الحروب الكثيرة التى خاضها مع البربر، وسعى
إلى جمع عناصر من العرب والأفارقة والبربر حوله، ثم نزل بهم منطقة
«سمنجة» فى سنة (١٢٧هـ=٧٤٥م)، استعدادًا للاستيلاء على
«القيروان» وعلى مركز السلطة فيها.
وحاول «حنظلة» معالجة الأمور بطريقة ودية، فاختار خمسين من
فقهاء «القيروان» وزعمائها، وأرسلهم إلى «عبدالرحمن» للتفاوض
معه، فألقى القبض عليهم وهدَّد بقتلهم إن لم يتخلَّ «حنظلة» عن
الإمارة، ويترك «القيروان» خلال ثلاثة أيام، وألا يأخذ من بيت المال
إلا ما يكفيه مئونة السفر، فوافق «حنظلة» على مطالب «عبدالرحمن»
حفاظًا على أرواح مَن بعث بهم إليه، وترك «القيروان» فى جمادى
الآخرة سنة (١٢٧هـ= مارس٧٤٥م) فدخلها «عبدالرحمن».
ثم وافقت الخلافة على تعيينه واليًا على بلاد «المغرب».
الولاة فى العصر العباسى:
استقر «عبدالرحمن بن حبيب» بالقيروان فى سنة (١٢٧هـ)، وعمل
على الاستقلال بالمغرب، فواجه العديد من ثورات البربر، ولكنه تمكن
стр. 652
من التغلب عليها، وهاجم معاقلهم، وقضى على تجمعاتهم، ثم أرسل
حملتين عسكريتين فى سنة (١٣٥هـ= ٧٥٢م) إلى جزيرتى «صقلية»
و «سردانية»، فحققت الحملتان أهدافهما، وعادتا منتصرتين.
فلما قامت الدولة العباسية، أسرع «عبدالرحمن بن حبيب» بالخطبة
للعباسيين على المنابر، وأرسل لهم مبايعته وطاعته، فرحب به
الخليفة العباسى «أبو العباس السفاح» وأقرَّه على ولايته، ولكن
الأمور تغيرت فى عهد «أبى جعفر المنصور»، الذى تولى الخلافة
فى ذى الحجة سنة (١٣٦هـ= مايو ٧٥٤م)، حيث أقر «عبدالرحمن»
على «المغرب» فى البداية، ثم توترت بينهما العلاقات، فخلع
«عبدالرحمن» طاعة العباسيين واستقل بحكم إقليم «المغرب الأدنى».
ولقد حاول «عبدالرحمن بن حبيب» نقل ولاية العهد من أخيه «إلياس»
إلى ابنه «حبيب»، فدبر له «إلياس» مؤامرة انتهت بقتله فى سنة
(١٣٧هـ=٧٥٤م) بعد أن قضى نحو عشر سنوات بالحكم، أمضاها فى
معارك متصلة ضد الثائرين والخارجين، ومن ثَم ثارت جموع البربر،
وعادت الاضطرابات إلى المنطقة ثانية، وتمكن «إلياس» من إحكام
سيطرته على «القيروان»، إلا أن «حبيب بن عبدالرحمن» دخل فى
صراع طويل معه، وانتهى الأمر بمقتل إلياس فى سنة (١٣٨هـ= ٧٥٥م)،
وتولى «حبيب» مقاليد الحكم بالقيروان، ولجأ عدد من أفراد أسرته
إلى قبيلة «درفجومة» البربرية، وكان زعيمها «عاصم بن جميل
كاهنًا» يدعى النبوة، فدخل «حبيب» فى حروب مع هذه القبيلة،
ولكنهم هزموه، فاضطر إلى الفرار، ودخل «عاصم» «القيروان»
واستحل حرماتها وخرَّب مساجدها وقضى على مظاهر حضارتها.
وهكذا سقطت «القيروان» فى قبضة هذه القبيلة التى أساءت معاملة
الناس، فاضطر بعضهم إلى اللجوء والاستنجاد بالخلافة العباسية،
ولجأ آخرون إلى «أبى الخطاب عبدالأعلى بن السمح المعافرى»
وكان أحد وجوه العرب، ويعتنق المذهب الإباضى، فهبَّ لنجدتهم،
وجمع مَن حوله من البربر المعتنقين لآراء الخوارج، وأثار فيهم
стр. 653
الحمية، ثم خرج بهم لملاقاة قبيلة «درفجومة»، فاستولى على
«طرابلس»، ثم قصد «القيروان» فى سنة (١٤١هـ= ٧٥٨م)، وتمكن من
قتل «عاصم بن جميل» وعدد كبير من أتباعه، ودخل مدينة
«القيروان».
وحين علم الخليفة العباسى «أبو جعفر المنصور» بما حدث ببلاد
المغرب، عين «محمد بن الأشعث بن عقبة الخزاعى» على ولاية
«مصر»، وأمره بمعالجة الأمور بالمغرب، فاضطر «ابن الأشعث» بعد
فترة إلى الخروج بنفسه على رأس الجيش إلى «المغرب» للقضاء
على نفوذ الإباضية فيها، وقد تمكن من ذلك بعد عدة حروب، وقتل
«أبا الخطاب» وأتباعه، ثم دخل مدينة «القيروان» فى سنة (١٤٤هـ=
٧٦١م)، وتولى مقاليد الأمور بها، وبنى حولها سورًا كبيرًا لحمايتها،
ثم هاجم معاقل البربر، وقضى على تجمعاتهم، ولكنه أساء معاملة
جنده، فثاروا عليه، وأجبروه على التخلى عن الولاية، والعودة إلى
المشرق فى ربيع الأول سنة (١٤٨هـ= إبريل ٧٦٥م).
- الأغلب بن سالم التميمى:
وقع اختيار الخلافة عليه لتولى إفريقية، لحزمه وشجاعته وسداد
رأيه، فدخل «القيروان» فى جمادى الآخرة سنة (١٤٨هـ= يوليو
٧٦٥م)، وبلغه احتشاد البربر بقيادة «أبى قرة بن دوناس» الخارجى
فى «تلمسان» للتوجه إلى «القيروان»، فخرج «الأغلب» بجنوده
لملاقاتهم، ولكنهم انسحبوا إلى «المغرب الأقصى» دون قتال،
فانتهز «الحسن بن حرب الكندى» فرصة خروج الجيش من «القيروان»
واحتلها، فلما علم «الأغلب» بذلك دخل مدينة «قابس» استعدادًا لطرد
هذا المحتل، ثم دخل معه فى معركة حامية، واستشهد «الأغلب»،
وصمد جيشه، وتمكن من قتل «الحسن بن حرب» وهزيمة جيشه.
- عمر بن حفص:
وقع عليه اختيار الخلافة لتولى مهام إقليم «المغرب» عقب استشهاد
«الأغلب بن سالم التميمى»، وكان «عمر» رجلاً شجاعًا، ذا شخصية
قوية، فدخل مدينة «القيروان» فى سنة (١٥١هـ= ٧٦٨م)، وانتهج
سياسة جديدة تجاه أهلها وعاملهم بالحسنى، وتودد إلى زعمائها
стр. 654
وأنزلهم منازلهم، فاستقرت له الأوضاع، وهدأت الأمور، ثم خرج إلى
مدينة «طبنة» لإصلاح أحوالها، وبناء سورها، ففاجأته جموع البربر،
وحاصرت مدينة «القيروان»، كما حاصرته مع جنوده بمدينة «طبنة»،
فلجأ إلى استعمال الحيلة، وأغدق بالأموال على الجيش المحاصر
لطبنة، فانصرف عدد كبير من جنود البربر عن المدينة، وتمكن «عمر»
من هزيمة الجزء المتبقى منهم، ثم دخل «القيروان» بالحيلة والتمويه،
وتولى مهمة الدفاع عنها، ولكن «إباضية» «طرابلس» بزعامة «أبى
حاتم» كانوا قد أحكموا حصارهم وسيطرتهم على «القيروان»، وظلوا
كذلك ثمانية أشهر، فساءت الأوضاع داخل المدينة، واضطر الناس
إلى أكل دوابهم وخيولهم، وفشلت كل محاولات «ابن حفص» لفك
الحصار عن المدينة، فخرج على رأس قواته، ودخل فى معركة
شديدة مع المحاصرين، فاستشهد هو وكثير من رجاله فى سنة
(١٥٤هـ = ٧٧١م) ودخل «الإباضية» بقيادة «أبى حاتم» المدينة.
- يزيد بن حاتم:
تولى «يزيد بن حاتم» إمرة «مصر» فى عهد الخليفة «أبى جعفر
المنصور» فى سنة (١٤٤هـ=٧٦١م)، وأثبت فيها كفاءة عالية، فوقع
عليه اختيار الخلافة ليكون واليًا على «المغرب»، وجهز له الخليفة
جيشًا كبيرًا، ضم تسعين ألف مقاتل، وتم تجهيزه بثلاثة ملايين درهم،
وخرج «يزيد» على رأس الجيش قاصدًا إفريقية، ووصلها فى سنة
(١٥٤هـ= ٧٧١م)، فانضمت إليه فلول الجند المنهزمة أمام «أبى حاتم»،
وتم اللقاء بين الجيش العباسى وجيش الخوارج بقيادة «أبى حاتم»
فى شهر ربيع الأول سنة (١٥٥هـ= فبراير ٧٧٢م)، فكانت المعركة
حاسمة، وهُزم جيش الخوارج، وقتل قائده «أبو حاتم»، وبعث «يزيد»
بجنوده لاستئصال شأفة الخوارج ثم دخل «القيروان» رافعًا أعلام
العباسيين، وبث الطمأنينة فى نفوس أهلها، ومات «يزيد بن حاتم»
بالقيروان فى سنة (١٧٠هـ= ٧٨٦م)، فخلفه ابنه «داود» فى الولاية.
- داود بن يزيد بن حاتم:
تولى «داود» مقاليد الأمور خلال فترة مرض والده كمعاون له، فلما
стр. 655
مات والده، تولى إدارة البلاد ريثما تتخذ الخلافة قرارها، وواجه ثورة
الإباضية بحزم، وحافظ على ما حققه والده من انتصارات ومكاسب،
ولم يستمر فى الحكم سوى تسعة أشهر، ثم سلم مقاليد الأمور إلى
عمه «روح ابن حاتم»، وعاد إلى المشرق.
- روح بن حاتم:
اختاره الخليفة «هارون الرشيد» خلفًا لأخيه «يزيد» فقدم إلى إفريقية
فى سنة (١٧٠هـ=٧٨٧م)، وتولى مقاليد أمورها، وأحدث تغييرات فى
إدارتها، وقضى على ثورات ما تبقى من البربر بها، فهدأت
أوضاعها، واستقر أمنها ثم مات «روح» فى رمضان سنة (١٧٤هـ=
يناير ٧٩١م).
- نصر بن حبيب:
اقتفى «نصر» سياسة الوالى السابق، وعدل بين الناس وحسنت
سيرته بينهم، ولكنه لم يستمر طويلا فى الولاية، حيث تم عزله بعد
سنتين وثلاثة أشهر قضاها فى الحكم.
- الفضل بن روح بن حاتم:
اختاره «الرشيد» بدلا من «نصر ابن حبيب»، فوصل إلى مدينة
«القيروان» فى سنة (١٧٧هـ= ٧٩٣م)، وجعل ابن أخيه «المغيرة ابن
بشير بن روح» على مدينة «تونس»، وكان «المغيرة» غِرا تنقصه
التجارب والكياسة، فأساء معاملة الجند، وفرق بينهم فى المعاملة،
فثاروا عليه بقيادة «ابن الجارود» المعروف بابن عبدويه، وعزلوه
عن «تونس»، وأجبروه على تركها، فأدرك «الفضل بن روح»
خطورة الموقف، وأرسل «عبدالله بن يزيد» واليًا جديدًا على «تونس»
لتهدئة الموقف، ولكن الثوار قتلوه على أبواب المدينة، وشرعوا فى
استمالة قادة الجيش بالقيروان وزعماء الجند إليهم للتخلص من
«الفضل»، وقد نجحوا فى ذلك، وحاصروا مدينة «القيروان»، ثم
دخلوها، وأرغموا «الفضل» على تركها مع بعض أفراد أسرته، ولكن
«ابن الجارود» أرسل خلفه مَن يأت به إلى «القيروان» ثانية، وأودعه
السجن فترة، ثم قتله فى شعبان سنة (١٧٨هـ= نوفمبر ٧٩٤م)، فلما
بلغ «الرشيد» ذلك بعث بيحيى بن موسى إلى «تونس» برسالة
ليُهدِّىء النفوس، ويدعو «ابن الجارود» إلى «بغداد»، فامتثل «ابن
стр. 656
الجارود» للأمر، وهدأت الثورة، وعين الخليفة «الرشيد» «هرثمة بن
أعين» على إفريقية.
- هرثمة بن أعين:
تسلم «هرثمة» مهام منصبه بالقيروان فى ربيع الآخر سنة (١٧٩هـ=
يونيو ٧٩٥م)، فنهج سياسة حسنة فى رعاياه، وأعاد إليهم
استقرارهم وأمنهم، ثم شرع فى العمران والبناء، فأنشأ سورًا حول
«طرابلس»، وبنى القصر الكبير بالمنستير، ولم تحدث فى عهده
ثورات ذات أهمية، سوى ثورة «عياض بن وهب الهوارى»، إلا أن
«هرثمة» استطاع القضاء عليها فى مهدها.
ظل «هرثمة» بإفريقية نحو سنتين ونصف السنة، ثم ألح على الخلافة
فى أن تعفيه من منصبه، فأجابه الخليفة إلى طلبه، وعاد «هرثمة»
إلى المشرق.
- محمد بن مقاتل العكى:
اختاره «الرشيد» لتولى إمرة بلاد «المغرب الأدنى»، فوصلها فى
رمضان سنة (١٨١هـ= أكتوبر ٧٩٧م)، ويبدو أنه لم يكن على دراية
بأوضاعها، وظروف الجند بها، فوقع فى عدة أخطاء، وقطع أرزاق
الجند، وأساء معاملة وجوه القوم وزعمائهم، فثاروا عليه بقيادة
«تمام بن تميم التميمى» ثم توجه بها إلى «القيروان» وحاصرها، ثم
دخل مع «العكى» فى معركة وهزمه فيها، ولكن «إبراهيم بن
الأغلب» والى «الزاب» من قبل «العكى» كانت له طموحات فى هذه
المنطقة، فأسرع إلى نجدته بقواته، وقضى على جموع الثائرين.
وعمد «إبراهيم بن الأغلب» إلى التقرب إلى أهالى «القيروان»
لتحقيق أهدافه ومطامعه بالمنطقة، وظهر بمظهر المدافع عن سلطة
الخلافة وممتلكاتها، وقد ساعدته كراهية الناس لابن مقاتل العكى
فى تحقيق مبتغاه، وطلب منه وجهاء القوم مراسلة «الرشيد» وإعلامه
بمسلك «العكى» العدائى تجاه السكان، ومطالبة الرعية بعزله،
فاستجاب لمطلبهم، وبعث إلى «الرشيد» برسالة وضح له فيها هذه
الأمور، فعينه «الرشيد» على هذه الولاية، ودخل «المغرب الأدنى»
فى مرحلة سياسية جديدة عقب تولية «إبراهيم بن الأغلب» عليه،
الذى سعى إلى تحقيق أهدافه، والاستقلال بحكم المنطقة عن
стр. 657
الخلافة، وباتت السلطة الحقيقية فى يده، وأورثها من بعده أبناءه،
ولم تعد المنطقة مرتبطة بالخلافة سوى بالدعاء للخليفة على المنابر.
وهكذا انتهى عصر الولاة بالمغرب الأدنى وبدأ عصر الاستقلال
الذاتى وظل الحكم إرثًا فى «بنى الأغلب» بالمنطقة طيلة قرن من
الزمان حتى سقطت هذه الأسرة على أيدى الفاطميين فى سنة
(٢٩٦هـ=٩٠٩م).
стр. 658
الفصل الثالث
*دولة الأغالبة
[١٨٤ - ٢٩٦هـ=٨٠٠ - ٩٠٩م]:
قامت أربع دول إقليمية ببلاد المغرب فى الفترة من سنة (١٤٠هـ=
٧٥٧م) إلى سنة (٢٩٦هـ=٩٠٩م)، وسوف نعرض لهذه الدول وفقًا
لأماكن تواجدها على خريطة «المغرب» دون التقيُّد بالزمن الذى قامت
خلاله هذه الدول، ونبدأ من ناحية الشرق بدولة الأغالبة، التى
تأسست بالمغرب الأدنى (ليبيا وتونس) فى سنة (١٨٤هـ= ٨٠٠م) ثم
«الدولة الرستمية» بالمغرب الأوسط (الجزائر) فى سنة (١٦١هـ=٧٧٨م)،
ثم دولة «الأدارسة» بالمغرب الأقصى فى سنة (١٧٢هـ=٧٨٨م)، وأيضًا
دولة «بنى مدرار» فى «سجلماسة» بجنوب «المغرب الأقصى» فى
سنة (١٤٠هـ=٧٥٧م).
ينسب الأغالبة إلى «الأغلب بن سالم التميمى»، وهو عربى من قبيلة
«تميم»، التى شاركت فى القضاء على «الأمويين»، وإقامة «الدولة
العباسية»، وقد تولى «الأغلب» إفريقية فى سنة (١٤٨هـ=٧٦٥م)، ثم
استشهد بها فى حربه ضد الطامعين بقيادة «الحسن بن حرب
الكندى».
إبراهيم بن الأغلب [١٨٤هـ=٨٠٠م]:
تلقى «إبراهيم بن الأغلب» - فى نشأته الأولى - دروسه الدينية
بمسجد الفسطاط على يد الإمام «الليث بن سعد»، فلما بلغ مبلغ
الشباب التحق بالجندية، ثم جاء إلى «المغرب» وشارك فى أحداثها،
ثم ظهر على مسرح الأحداث فى إفريقية - كما سبقت الإشارة إليه -
فى عهد «محمد بن مقاتل العكى».
استقل «إبراهيم» بحكم «المغرب الأدنى» عن الخلافة، وعمد إلى
إقرار الأمن والاستقرار بهذا الإقليم، فضلاً عن تعريبه، واستكمال
نظامه الإدارى، وتنمية اقتصاده، فباتت «القيروان» مركزًا من مراكز
العلم والحضارة بالدولة الإسلامية، وظهرت أهمية المدن التابعة لها.
مثل: «تونس»، و «سوسة»، و «قابس»، و «قفصة»، و «توزر»،
و «نفطة»، و «طبنة»، و «المسيلة»، و «بجاية»، وغيرها. ولكن ذلك لم
يمنع من وقوع بعض الثورات بالمنطقة، مثل ثورة «عمران بن مجالد
الربيعى» الذى جمع حوله أهل «القيروان» فى محاولة للقضاء على
стр. 659
حكم «الأغالبة»، ولكن محاولتهم باءت بالفشل، حيث تصدى لهم
«إبراهيم بن الأغلب» بحزم وشدة، واستمر فى منصبه حتى وافته
منيته فى شوال سنة (١٩٦هـ= يونيو ٨١٢م)، فذكره المؤرخون بأنه
كان أحسن الولاة سيرة، وأفضلهم سياسة، وأوفاهم بالعهد،
وأرعاهم للحرمة، وأرفقهم بالرعية، وأخلصهم لأداء واجبه.
أبو العباس عبدالله بن إبراهيم بن الأغلب [١٩٦هـ=٨١٢م]:
تولى «أبو العباس» «المغرب» خلفًا لوالده، فاستقامت له الأمور
واستقرت، ولكنه انتهج سياسة ضريبية سيئة، أسفرت عن سخط
الناس عليه، وظل «أبو العباس» بالحكم مدة خمس سنوات ثم مات من
جرَّاء قرحة أصابته تحت أذنه.
زيادة الله بن إبراهيم بن الأغلب [٢٠١هـ=٨١٦م]:
تولى «زيادة» مقاليد الحكم بالمغرب خلفًا لأخيه «أبى العباس»
واستمر فى هذه الإمارة حتى سنة (٢٢٣هـ= ٨٣٨م)، فتمتعت البلاد فى
عهده بالرخاء والازدهار، فضلا عن التشييد والعمران بالمدن
المغربية، مثل: «القيروان»، و «العباسية»، و «تونس»، و «سوسة»
وقد وجه «زيادة» قدراته العسكرية للقضاء على الثورات التى قامت
بالمنطقة، ومنها: ثورة «زياد بن سهل» المعروف بابن الصقلبية فى
سنة (٢٠٧هـ=٨٢٢م)، وثورة «عمرو بن معاوية العيشى» فى سنة
(٢٠٨هـ=٨٢٣م)، وثورة «منصور الطنبذى» فى سنة (٢٠٩هـ=٨٢٤م)،
وكذلك وجه «زيادة» كفاءته الحربية فى العناية بالأسطول
الإسلامى، ثم توجيهه لغزو بعض الجزر القريبة من «تونس»، وإليه
يرجع الفضل فى إعداد حملة بحرية كبيرة بقيادة «أسد بن الفرات»
لغزو الجزر القريبة من «تونس»، ثم تُوفى فى سنة (٢٢٣هـ=٨٣٨م).
أبو عقال الأغلب بن إبراهيم بن الأغلب [٢٢٣هـ=٨٣٨م):
تولى الإمارة خلفًا لأخيه «زيادة» فى سنة (٢٢٣هـ=٨٣٨م)، ومكث بها
ما يقرب من ثلاث سنوات؛ نعمت البلاد خلالها بالهدوء والاستقرار،
وحرَّم «أبو عقال» صنع الخمور بالقيروان، وعاقب على بيعها
وشربها، فكان لذلك صداه الطيب فى نفوس الناس عامة، فضلا عن
стр. 660
الفقهاء والعلماء، ومات «أبو عقال» بالقيروان فى سنة
(٢٢٦هـ=٨٤١م).
أبو العباس محمد بن الأغلب [٢٢٦هـ=٨٤١م]:
تولى الإمارة خلفًا لأبيه «الأغلب»، وظل بها أكثر من خمسة عشر
عامًا، اتسمت بالخلافات بين أبناء «الأسرة الأغلبية»، فضلا عن
محاولة أخيه «أحمد» الفاشلة للإطاحة به والوصول إلى الحكم، يضاف
إلى ذلك انتفاضات الجند التى لم يكتب لها النجاح بمنطقتى «الزاب»،
و «تونس»، وقد تُوفى «أبو العباس» فى سنة (٢٤٢هـ) بالقيروان.
أبو إبراهيم أحمد بن محمد [٢٤٢هـ=٨٥٦م]:
تولى خلفًا لأبيه عقب وفاته فى سنة (٢٤٢هـ)، وتميزت فترة حكمه
بالهدوء والاستقرار، وقد غلب الطابع الدينى على سلوكه، فكان
يخرج فى شهرى شعبان ورمضان من مقر إقامته ليوزع الأموال على
الفقراء والمساكين بالقيروان، واهتم «أبو إبراهيم» بالبناء والتعمير،
وزاد فى «مسجد القيروان»، وجدد «المسجد الجامع» بتونس، وحصَّن
مدينة «سوسة» وبنى سورها، كما اهتم بإمداد سكان المدن بمياه
الشرب، وقد تُوفى فى سنة (٢٤٩هـ=٨٦٣م).
أبو محمد زيادة الله الثانى [٢٤٩هـ=٨٦٣م]:
تولى «أبو محمد» خلفًا لأخيه «أبى إبراهيم أحمد»، ولم يستمر فى
منصبه سوى عام واحد، ثم تُوفى فى سنة (٢٥٠هـ=٨٦٤م).
أبو عبد الله محمد بن أحمد [٢٥٠هـ=٨٦٤م]:
خلف عمه «أبا محمد زيادة» فى الإمارة فى سنة (٢٥٠هـ=٨٦٤م). وقد
اشتهر «أبو عبدالله» بأبى الغرانيق؛ لولعه بصيد «الغرانيق»، وبنى
لذلك قصرًا كبيرًا، أنفق عليه أموالا كثيرةً، كما شاد الحصون
والمحارس الكثيرة على سواحل البحر المتوسط وتوفى «أبو
الغرانيق» فى سنة (٢٦١هـ).
إبراهيم بن أحمد [٢٦١هـ=٨٧٥م]:
ولى أمور الحكم عقب وفاة أخيه «أبى الغرانيق» فى سنة
(٢٦١هـ=٨٧٥م)، وامتد عهده أكثر من ثمانية وعشرين عامًا؛ ظهر
خلالها «أبو عبدالله الشيعى»، الذى استقطب إلى دعوته الشيعية
عددًا من القبائل، وقد اختلف المؤرخون فى تقييم شخصية «إبراهيم
стр. 661
بن أحمد»، فذكر بعضهم أن عهده كان عهد استقرار وهدوء، وإقرار
للعدل، وتأمين للسبل، فضلا عن قيامه بإتمام بناء المسجد بتونس،
وبناء الحصون والمحارس على سواحل البحر، يضاف إلى ذلك
تأسيسه مدينة «رقادة»، وبناؤه جامعًا بها، فى حين يصفه «ابن
خلدون» بقوله: «وذكر أنه كان جائرًا، ظلومًا ويُؤخذ أنه أسرف فى
معاقبة المعارضين له بالقتل والتدمير، لكنه حاول فى أخريات أيامه
إصلاح ما أفسده، وبخاصة بعد ظهور داعية الشيعة «أبى عبدالله»
وانضمام كثير من الناس إلى دعوته، فأسقط المغارم، ورفع المظالم
عن طبقات الشعب الكادحة، كما تجاوز عن ضريبة سنة بالنسبة إلى
أهل الضياع، ووزع الأموال على الفقراء والمحتاجين، وختم حياته
بالجهاد فى «صقلية»، حيث مرض أثناء حصاره لإحدى المدن، ومات
ليُحمل ويدفن فى مدينة «بلرم» فى سنة (٢٨٩هـ=٩٠٢م)، وذكر «ابن
الأثير» أنه حُمل فى تابوت ودفن بالقيروان.
أبو العباس عبدالله بن إبراهيم [٢٨٩هـ=٩٠٢م]:
تولى الإمارة فى سنة (٢٨٩هـ=٩٠٢م)، ولم يستمر بها سوى عام
ونصف العام، حيثُ قُتل على يد ابنه «زيادة الله»، وكانت فترة حكمه
امتدادًا لسياسة والده «إبراهيم بن أحمد» فى الحكم، فبدأت عوامل
الضعف والوهن تدب فى أوصال دولة الأغالبة.
زيادة الله بن أبى العباس عبدالله [٢٩٠هـ=٩٠٣م]:
تولى «زيادة» الحكم عقب مقتل أبيه، وانتهج سياسة أبيه وجده،
وتتبع أفراد أسرته بالقتل، فى الوقت الذى نشط فيه «أبو عبدالله
الشيعى» وأحرز الانتصارات تلو الأخرى، واستولى على كثير من
المدن الأغلبية، ولم تفلح جيوش «زيادة» فى صده أو إيقاف زحفه،
فوجد «زيادة» نفسه عاجزًا عن الحفاظ على ملك آبائه وأجداده،
فآثر الهرب إلى «مصر»، وحمل معه كل ما استطاع حمله من مال
وعتاد، ورحل من «رقادة» فى (٢٦من جمادى الآخرة عام ٢٩٦هـ=
مارس ٩٠٩م)، فباتت المدينة سهلة المنال «لأبى عبدالله الشيعى»،
فبعث «عروبة بن يوسف» أحد قادته للاستيلاء عليها، فدخلها دون
стр. 662
قتال، وطويت بذلك صفحة «الأغالبة».
стр. 663
الفصل الرابع
*الدولة الرستمية
[١٦١ - ٢٩٦هـ = ٧٧٨ - ٩٠٩م]:
عبدالرحمن بن رستم [١٦٢هـ=٧٧٩م]:
بويع «عبدالرحمن» ليكون أول إمام للدولة الإباضية الناشئة فى ربوع
«المغرب الأوسط»، وقد كان أحد طلاب العلم، ودرس على يد «أبى
عبيدة مسلم ابن أبى كريمة»، فلما أتم تعليمه عمل على نشر
«المذهب الإباضى» ودعمه، ثم عينه «أبو الخطاب» نائبًا له على
«مدينة القيروان»، فاكتسب الخبرة الإدارية، وعرف طبائع الناس
وظروفهم، ولم يدخر جهدًا فى محاربة الولاة العباسيين، وجَمْع شمل
«الإباضية»، خاصة بعد مقتل «أبى الخطاب».
كان «عبدالرحمن» رجلاً زاهدًا، وذا صبر على الشدائد، وملتزمًا بكتاب
الله وسنة نبيه، واشترط على الناس حين وقع اختيارهم عليه للإمامة
أن يسمعوا له ويطيعوا ما لم يحد عن الحق، ثم اختط مدينة «تهيرت»،
ودخل فى طاعته العديد من القبائل مثل: «لماية»، و «سدرانة»،
و «مزاتة»، و «لواتة»، و «مكناسة»، و «غمارة»، و «أزداجة»،
و «هوارة»، و «نفوسة»، وقد افترشت هذه القبائل مساحات واسعة،
امتدت من «تلمسان» غربًا حتى «طرابلس» شرقًا.
ومضى «عبدالرحمن» فى حكم البلاد بالعدل، منتهجًا سياسة شرعية
فى إدارتها، مما أشاع الاستقرار والأمن بين الناس، فلما شعر بدنو
أجله اختار مجلسًا للشورى، ليُختار من بين أفراده مَن يصلح للإمامة
من بعده، واختار ابنه «عبدالوهاب» ضمن أفراد هذا المجلس، ثم مات
فى سنة (١٦٨هـ= ٧٨٤م).
عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم [١٦٨هـ=٧٨٤م]:
اختاره مجلس الشورى ليكون خلفًا لأبيه فى الإمامة، واتسم عهده
ببعض الاضطرابات والقلاقل، وواجه العديد من الثورات التى اتخذ
بعضها طابعًا مذهبيا، وبعضها الآخر طابعًا قبليا، فأثَّرت إلى حد
بعيد على «الدولة الرستمية»، وعلى رمزها الدينى المتمثل فى
الإمام. ومات «عبد الوهاب» فى سنة (١٩٨هـ=٨١٤م).
أفلح بن عبدالوهاب [١٩٨هـ= ٨١٤م]:
بويع الإمام «أفلح» خلفًا لأبيه، وكان ذا صفات طيبة، وجاءت مبايعته
стр. 664
على عكس ما نهجه الخوارج فى تعيين الإمام، إذ اختاره أبوه للإمامة
قبل وفاته، وربما يرجع ذلك إلى طبيعة الظروف التى ألمت بالبلاد،
حيث أحاط الأعداء بمدينة «تهيرت»، وكان لابد من اختيار رجل شجاع
يتمكن من مواجهة الأعداء.
وقد اتسم عهد «أفلح» بالهدوء والاستقرار، وبلغت الدولة فى عهده
أوج ازدهارها، ونشطت التجارة، وأقبل الناس من كل مكان قاصدين
العاصمة «تهيرت»، وتُوفِّى الإمام «أفلح» فى سنة (٢٤٠هـ)، إثر
حزنه الشديد على وقوع ابنه «أبى اليقظان» فى أيدى العباسيين.
أبو بكر بن أفلح بن عبدالوهاب [٢٤٠هـ=٨٥٤م]:
كان «أبو اليقظان» مرشحًا لمنصب الإمامة، ولكن وقوعه فى أيدى
العباسيين حال دون ذلك، وتولاها أخوه «أبو بكر» الذى لم يكن فى
شدة آبائه وأجداده وحزمهم، فضلا عن انغماسه فى الترف والنعيم
وميله إلى الراحة، وقد تفرغ لراحته وملذاته حين خرج أخوه «أبو
اليقظان» من سجن العباسيين وشاركه الحكم، ولكن «أبا بكر» دبر
مقتل «محمد بن عرفة» وهو من الشخصيات البارزة بالعاصمة،
ليتخلص من نفوذه، فكان ذلك سببًا فى نشوب الصراع بين طوائف
الدولة الرستمية، وحاولت كل طائفة تحقيق أهدافها من خلال المعارك
الطاحنة، التى أسفرت عن هزيمة حكام البيت الرستمى، واعتزال
«أبى بكر» منصب الإمامة.
أبو اليقظان محمد بن أفلح بن عبدالوهاب [٢٦٨هـ= ٨٨١م]:
شهدت العاصمة «تهيرت» فترة من القلاقل والاضطرابات، ثم نجح
«أبو اليقظان» فى تهدئة الأوضاع ودخول العاصمة «تهيرت» فى
سنة (٢٦٨هـ=٨٨١م)، فتولى منصب الإمامة، وتجنب سياسة التعصب
وتفضيل قبيلة بعينها على غيرها، وجلس لبحث شكاوى رعاياه
والبت فيها بنفسه، واستعان بمجلس الشورى الذى ضم إليه شيوخ
القبائل ووجهاءها، فاستقرت الأوضاع، وهدأت النفوس، وظل «أبو
اليقظان» يدير دفة الأمور فى دولته حتى وفاته فى سنة
(٢٨١هـ=٨٩٤م).
أبو حاتم يوسف بن محمد [٢٨١هـ=٨٩٤م]:
стр. 665
تولى «أبو حاتم» الإمامة عقب وفاة والده «أبى اليقظان»، لأن أخاه
الأكبر «يقظان» كان غائبًا فى موسم الحج، وقد لعب العامة -بزعامة
«محمد بن رباح» و «محمد بن حماد» المعروفين بالشجاعة والنجدة-
دورًا بارزًا فى المطالبة ببيعة «أبى حاتم» بالإمامة لسخائه وكرمه،
ولكن هذا الدور الذى لعبه العامة أطمعهم فى التدخل فى شئون
الحكم وتحقيق المكاسب، فرفض «أبو حاتم» ذلك وضرب على أيديهم
وطردهم من المدينة، فعمدوا إلى تأليب القبائل ضده، ونجحوا فى
طرده من العاصمة «تهيرت»، وبايعوا عمه «يعقوب بن أفلح»
بالإمامة، فصار هناك إمامان من بيت واحد، يقفان وجهًا لوجه فى
صراعٍ دامٍ على السلطة، ولكن أحدهما لم يحقق نجاحًا ملموسًا على
الآخر، فاحتكما وعقدا هدنة، وعاد «أبو حاتم» إلى العاصمة إمامًا
على البلاد، وانسحب عمه «يعقوب» بعد أن حكم العاصمة «أربع
سنوات».
وقد حاول «أبو حاتم» إصلاح ما أفسدته الحروب داخل العاصمة
«تهيرت»، وكوَّن مجلسًا استشاريًا من زعماء القبائل ومشايخها
للاستعانة بهم فى إدارة البلاد، ولكن محاولاته الإصلاحية كانت
بمثابة صحوة الموت للبيت الرستمى، خاصة بعد أن ضعفت قوتهم
العسكرية فى محاولة لإنهاء الصراع الذى وقع حول مدينة
«طرابلس». وقد تآمر أفراد البيت الرستمى أنفسهم على حياة إمامهم
«أبى حاتم»، وقتلوه فى سنة (٢٩٤هـ=٩٠٧م).
اليقظان بن أبى اليقظان [٢٩٤هـ=٩٠٧م]:
بويع بالإمامة عقب مقتل أخيه فى سنة (٢٩٤هـ=٩٠٧م)، واتسم عهده
بالفتن والقلاقل، وتطلع مختلف القبائل والطوائف إلى الاستئثار
بالحكم، كما دبرت المؤامرات من داخل البيت الرستمى على يد
«دوسر» ابنة «أبى حاتم»، وتكاتفت فرق الخوارج مثل: «المالكية»
و «الواصلية» و «الشيعة» لإحباك الفتن والمؤامرات للإطاحة بالإمام،
وقد نجح «اليقظان» إلى حد بعيد فى كبح جماح هذه الطوائف والحد
من نشاطها، فهربت «دوسر»، ولجأت إلى «أبى عبدالله الشيعى»
стр. 666
الذى نجح فى بسط نفوذه على مساحات كبيرة من أرض «المغرب»،
واستنجدت به للثأر لأبيها، فاستجاب لها، واتجه إلى «تهيرت»،
فخرجت لمقابلته وجوه أهل «تهيرت» ورحبوا بمقدمه، واستسلم
«اليقظان» لمصيره، وخرج مع بنيه إلى «أبى عبدالله»، فأمر بقتلهم
ودخل العاصمة فى سنة (٢٩٧هـ= ٩١٠م)، واستولى على ما بها من
أموال ومغانم، فطويت صفحة «الدولة الرستمية».
стр. 667
الفصل الخامس
*دولة الأدارسة
[١٧٢ - ٣٠٠هـ = ٧٨٨ - ٩١٣م]:
إدريس بن عبدالله (١٧٢هـ= ٧٨٨م):
اضطهد العباسيون منذ اللحظة الأولى لقيام دولتهم أبناء عمومتهم من
العلويين، وأسرف بعض الخلفاء العباسيين فى ذلك، فأسفر الأمر عن
قيام عدة ثورات، كانت آخرها ثورة «الحسين بن على بن الحسن بن
الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب» على والى «المدينة» فى
سنة (١٦٩هـ=٧٨٥م)، ولكن العباسيين استطاعوا قمعها، وقتلوا
زعيمها ومجموعة من أهل بيته.
وكان «إدريس بن عبدالله» ومولاه «راشد» ممن فرَّ من أرض المعركة،
واتجها إلى «مصر»، ومنها إلى «المغرب الأقصى»، ونزلا مدينة
«وليلى» عاصمة هذا الإقليم، ثم توجها إلى أميرها وزعيمها
«إسحاق بن محمد بن عبدالحميد الأوربى»، زعيم قبيلة «أوربة» التى
فرضت نفوذها وسيطرتها على مدينة «وليلى» وما حولها، وعرفه
«إدريس» بنفسه، وأعلمه بسبب فراره من موطنه «الحجاز»، ولجوئه
إلى بلاده، فرحب به «إسحاق» وآمن بدعوته، وبايعه بالإمامة،
وكذلك بايعته قبيلته «أوربة»، ومعها بقية القبائل فى رمضان سنة
(١٧٢هـ=٧٨٨م)، ومن ثَم نجح «إدريس» فى تأسيس دولة حملت اسمه
بالمغرب الأقصى.
لكن ذلك أقلق الخلافة العباسية، خاصة بعد أن مدَّ «إدريس» نفوذه
إلى مدينة «تلمسان» بالمغرب الأوسط.
عمد الخليفة العباسى «الرشيد» إلى الحيلة للقضاء على نفوذ
«الأدارسة»، فقيل إنه بعث برجل يدعى «الشماخ» إلى «إدريس»،
فتظاهر بحبه لآل البيت، وفراره من بطش العباسيين، ولازم «إدريس»
فترة ثم اغتاله حين سنحت له الفرصة، وهكذا نجحت الخلافة العباسية
فى التخلص من «إدريس» أبرز المناوئين لها، وفقدت «دولة الأدارسة»
مؤسسها فى سنة (١٧٥هـ=٧٩١م) بعد ثلاث سنوات ونصف فقط من
قيامها.
إدريس بن إدريس بن عبد الله: [١٧٥ - ٢١٣هـ = ٧٩١ - ٨٢٨م]:
بات مقعد الإمامة شاغرًا عقب اغتيال «إدريس»، والتف البربر حول
مولاه «راشد»، وانتظروا مولود «كنزة» جارية «إدريس بن عبدالله»،
стр. 668
فلما وضعت حملها أسموه «إدريس» تبركًا باسم والده، وتعهده
«راشد» بالتربية والرعاية، ونشَّأه تنشأة دينية، حتى إذا بلغ الحادية
عشرة من عمره أقبلت القبائل على مبايعته بالإمامة، فدعا ذلك
الخلافة العباسية إلى التحرك ثانية للقضاء على هذه الدولة، وأوكلت
هذه المهمة إلى والى «المغرب الأدنى» «إبراهيم بن الأغلب» الذى
نجح فى استمالة مجموعة من البربر بأمواله وهداياه، ثم أوكل إليهم
مهمة قتل «راشد»، فقاموا بتنفيذها فى سنة (١٨٦هـ= ٨٠٢م)، لكن
«الدولة الإدريسية» واصلت مسيرتها، وانتقلت كفالة «إدريس»
والوصاية عليه إلى «أبى خالد بن يزيد بن إلياس العبدى»، وجُدِّدت له
البيعة فى سنة (١٨٨هـ= ٨٠٤م)، حين بلغ الثالثة عشرة من عمره،
وأصبح فى سن تؤهله لخلع الوصاية، وإدارة البلاد، وعزز مركزه
إقبال الوفود العربية من «القيروان» و «الأندلس» للعيش فى كنف
دولته فرارًا من بطش الحكام، فدعم بهم نفوذه، واتخذ منهم الوزراء
والكتاب والقضاة، وجعلهم بطانته وحاشيته، وقد شجعه هؤلاء على
بناء عاصمة جديدة لدولته، فبنى مدينة «فاس»، ثم استقر بها.
وفى سنة (١٩٧هـ= ٨١٣م) خرج «إدريس الثانى» على رأس قواته
لإخضاع «قبائل المصامدة» التى هددت أمن بلاده، ونجح فى ذلك
نجاحًا كبيرًا، وامتد نشاطه حتى منطقة «السوس الأقصى»، ودخل
مدينة «نفيس» ثم عاد إلى عاصمته «فاس»، وخرج فى العام التالى
صوب الشرق لتأمين حدود دولته، ودخل مدينة «تلمسان»، وأقام بها
ثلاث سنوات، يرتب أمورها، ويرمم مسجدها، ثم عاد إلى «فاس» فى
سنة (٢٠١هـ)، وظل فى الحكم حتى وافته المنية فى سنة
(٢١٣هـ=٨٢٨م).
محمد بن إدريس بن إدريس (٢١٣ - ٢٣٤هـ= ٨٢٨ - ٨٤٨م):
تولى «محمد» أكبر أبناء «إدريس الثانى» الإمامة فى سنة
(٢١٣هـ=٨٢٨م)، فنفذ وصية جدته «كنزة» بتقسيم أقاليم الدولة بين
إخوته، فكان لذلك أثره السيئ على وحدة دولة «الأدارسة»، ولما
يمضِ على قيامها أربعون سنة بعد، وطمع كل أخٍ فى الاستقلال
стр. 669
بإقليمه، وشقََّ عصا الطاعة على السلطة المركزية. ولكن «محمد بن
إدريس» تصدى لإخوته وضم ممتلكات أخويه «عيسى» و «القاسم»
بعد هزيمتهما إلى أخيه «عمر».
ولم تشهد البلاد بعد هذا التقسيم استقرارًا إلا فى بعض الفترات مثل:
عهد «يحيى بن محمد» الذى تولى الإمامة فى سنة (٢٣٤هـ=٨٤٨م)،
فازدهرت فى عهده مدينة «فاس» وشهدت تطورًا ملحوظًا فى
أنشطتها، ثم عهد «يحيى بن إدريس بن عمر بن إدريس» عام (٢٩٢هـ=
٩٠٥م)، الذى وصفه المؤرخون بأنه كان أعظم ملوك «الأدارسة» قوة
وسلطانًا وصلاحًا وورعًا وفقهًا ودينًا، وقد ظل بالحكم حتى سنة
(٣٠٥هـ = ٩١٧م) حتى طرق «مصالة بن حيوس» أبواب مدن «المغرب
الأقصى»، فأطاعه «يحيى بن إدريس»، وبايع «أبا عبيد الله
المهدى»، فدخلت دولة «الأدارسة» منذ ذلك الحين فى طور التبعية
للفاطميين تارة، وللحكم الأموى بالأندلس تارة أخرى.
стр. 670
الفصل السادس
*دولة بنى مدرار فى سجلماسة
[١٢٢ - ٣٥٤ هـ = ٧٤٠ - ٩٦٥م]:
ساهمت الظروف السياسية التى مر بها إقليم «المغرب» عقب نجاح
الثورة التى قادها «ميسرة المضفرى الصفرى» ضد الدولة الأموية
فى سنة (١٢٢هـ=٧٤٠م) فى استقلال «المغرب الأقصى» وانفصاله عن
الحكم الأموى، فأسهم ذلك -إلى جانب اضطراب الأوضاع فى إقليمى
«المغرب الأوسط» و «الأدنى» - فى قيام تجمع مذهبى فى جنوب
«المغرب الأقصى»؛ هو تجمع «الصفريين» الذين وجدوا بمنطقة
«سجلماسة» المجال المناسب لإقامتهم، ثم أسسوا مدينة تحمل اسم
المنطقة، لتكون نواة لدولة صفرية، وبايعوا «عيسى بن يزيد بن
الأسود» إمامًا لهم، وسانده «أبو القاسم سمكو» زعيم قبيلة
«مكناسة» بمبايعة قبيلته له، ولكن جماعة «الصفرية» - بعد خمس
عشرة سنة- أخذوا عليه بعض المآخذ، وأنكروا عليه بعض الأمور،
وقتلوه فى سنة (١٥٥هـ= ٧٧٢م)، وقد تولى «أبو القاسم بن سمنون
بن واسول المكناسى بن مدرار» الحكم خلفًا لعيسى، وجعل الحكم
متوارثا فى أفراد «الأسرة المدرارية» حتى سقوط المدينة فى أيدى
الفاطميين، وقد توالى الأئمة بعد وفاة «مدرار»، حتى جاءت سنة
(١٧٤هـ= ٧٩٠م) فتولى «اليسع بن أبى القاسم» الملقب بأبى منصور
شئون الحكم، وظل فى مقعد الإمامة حتى سنة (٢٠٨هـ=٨٢٣م)،
وشهدت المدينة فى عهده ازدهارًا اقتصاديا، ونفوذًا سياسيا كبيرًا،
لذا يعد «اليسع» المؤسس الحقيقى لدولة «بنى واسول» المعروفة
بدولة «بنى مدرار»، وامتد نجاح «اليسع» إلى تعمير العاصمة
«سجلماسة»، فشهدت فى عهده تطورًا واتساعًا، ومات «اليسع»
فى سنة (٢٠٨هـ= ٨٢٣م).
وتولى «مدرار» خلفًا لوالده فى سنة (٢٠٨هـ= ٨٢٣م)، ولقب نفسه
بالمنتصر، وظل بالحكم حتى سنة (٢٢٣هـ=٨٣٨م)، ونشب النزاع- خلال
هذه الفترة - بين أبناء «مدرار»، مما أضعف نفوذهم، وفكَّكَ وحدة
بيتهم.
وخلفه «محمد بن ميمون بن مدرار»، ووافاه أجله فى سنة (٢٧٠هـ=
٨٨٣م)، فتولى من بعده عمه «اليسع بن مدرار»، ودخل «عبيدالله
следующие страницы →