Полный текст (3 483 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
الذى نجح فى بسط نفوذه على مساحات كبيرة من أرض «المغرب»،
واستنجدت به للثأر لأبيها، فاستجاب لها، واتجه إلى «تهيرت»،
فخرجت لمقابلته وجوه أهل «تهيرت» ورحبوا بمقدمه، واستسلم
«اليقظان» لمصيره، وخرج مع بنيه إلى «أبى عبدالله»، فأمر بقتلهم
ودخل العاصمة فى سنة (٢٩٧هـ= ٩١٠م)، واستولى على ما بها من
أموال ومغانم، فطويت صفحة «الدولة الرستمية».
стр. 667
الفصل الخامس
*دولة الأدارسة
[١٧٢ - ٣٠٠هـ = ٧٨٨ - ٩١٣م]:
إدريس بن عبدالله (١٧٢هـ= ٧٨٨م):
اضطهد العباسيون منذ اللحظة الأولى لقيام دولتهم أبناء عمومتهم من
العلويين، وأسرف بعض الخلفاء العباسيين فى ذلك، فأسفر الأمر عن
قيام عدة ثورات، كانت آخرها ثورة «الحسين بن على بن الحسن بن
الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب» على والى «المدينة» فى
سنة (١٦٩هـ=٧٨٥م)، ولكن العباسيين استطاعوا قمعها، وقتلوا
زعيمها ومجموعة من أهل بيته.
وكان «إدريس بن عبدالله» ومولاه «راشد» ممن فرَّ من أرض المعركة،
واتجها إلى «مصر»، ومنها إلى «المغرب الأقصى»، ونزلا مدينة
«وليلى» عاصمة هذا الإقليم، ثم توجها إلى أميرها وزعيمها
«إسحاق بن محمد بن عبدالحميد الأوربى»، زعيم قبيلة «أوربة» التى
فرضت نفوذها وسيطرتها على مدينة «وليلى» وما حولها، وعرفه
«إدريس» بنفسه، وأعلمه بسبب فراره من موطنه «الحجاز»، ولجوئه
إلى بلاده، فرحب به «إسحاق» وآمن بدعوته، وبايعه بالإمامة،
وكذلك بايعته قبيلته «أوربة»، ومعها بقية القبائل فى رمضان سنة
(١٧٢هـ=٧٨٨م)، ومن ثَم نجح «إدريس» فى تأسيس دولة حملت اسمه
بالمغرب الأقصى.
لكن ذلك أقلق الخلافة العباسية، خاصة بعد أن مدَّ «إدريس» نفوذه
إلى مدينة «تلمسان» بالمغرب الأوسط.
عمد الخليفة العباسى «الرشيد» إلى الحيلة للقضاء على نفوذ
«الأدارسة»، فقيل إنه بعث برجل يدعى «الشماخ» إلى «إدريس»،
فتظاهر بحبه لآل البيت، وفراره من بطش العباسيين، ولازم «إدريس»
فترة ثم اغتاله حين سنحت له الفرصة، وهكذا نجحت الخلافة العباسية
فى التخلص من «إدريس» أبرز المناوئين لها، وفقدت «دولة الأدارسة»
مؤسسها فى سنة (١٧٥هـ=٧٩١م) بعد ثلاث سنوات ونصف فقط من
قيامها.
إدريس بن إدريس بن عبد الله: [١٧٥ - ٢١٣هـ = ٧٩١ - ٨٢٨م]:
بات مقعد الإمامة شاغرًا عقب اغتيال «إدريس»، والتف البربر حول
مولاه «راشد»، وانتظروا مولود «كنزة» جارية «إدريس بن عبدالله»،
стр. 668
فلما وضعت حملها أسموه «إدريس» تبركًا باسم والده، وتعهده
«راشد» بالتربية والرعاية، ونشَّأه تنشأة دينية، حتى إذا بلغ الحادية
عشرة من عمره أقبلت القبائل على مبايعته بالإمامة، فدعا ذلك
الخلافة العباسية إلى التحرك ثانية للقضاء على هذه الدولة، وأوكلت
هذه المهمة إلى والى «المغرب الأدنى» «إبراهيم بن الأغلب» الذى
نجح فى استمالة مجموعة من البربر بأمواله وهداياه، ثم أوكل إليهم
مهمة قتل «راشد»، فقاموا بتنفيذها فى سنة (١٨٦هـ= ٨٠٢م)، لكن
«الدولة الإدريسية» واصلت مسيرتها، وانتقلت كفالة «إدريس»
والوصاية عليه إلى «أبى خالد بن يزيد بن إلياس العبدى»، وجُدِّدت له
البيعة فى سنة (١٨٨هـ= ٨٠٤م)، حين بلغ الثالثة عشرة من عمره،
وأصبح فى سن تؤهله لخلع الوصاية، وإدارة البلاد، وعزز مركزه
إقبال الوفود العربية من «القيروان» و «الأندلس» للعيش فى كنف
دولته فرارًا من بطش الحكام، فدعم بهم نفوذه، واتخذ منهم الوزراء
والكتاب والقضاة، وجعلهم بطانته وحاشيته، وقد شجعه هؤلاء على
بناء عاصمة جديدة لدولته، فبنى مدينة «فاس»، ثم استقر بها.
وفى سنة (١٩٧هـ= ٨١٣م) خرج «إدريس الثانى» على رأس قواته
لإخضاع «قبائل المصامدة» التى هددت أمن بلاده، ونجح فى ذلك
نجاحًا كبيرًا، وامتد نشاطه حتى منطقة «السوس الأقصى»، ودخل
مدينة «نفيس» ثم عاد إلى عاصمته «فاس»، وخرج فى العام التالى
صوب الشرق لتأمين حدود دولته، ودخل مدينة «تلمسان»، وأقام بها
ثلاث سنوات، يرتب أمورها، ويرمم مسجدها، ثم عاد إلى «فاس» فى
سنة (٢٠١هـ)، وظل فى الحكم حتى وافته المنية فى سنة
(٢١٣هـ=٨٢٨م).
محمد بن إدريس بن إدريس (٢١٣ - ٢٣٤هـ= ٨٢٨ - ٨٤٨م):
تولى «محمد» أكبر أبناء «إدريس الثانى» الإمامة فى سنة
(٢١٣هـ=٨٢٨م)، فنفذ وصية جدته «كنزة» بتقسيم أقاليم الدولة بين
إخوته، فكان لذلك أثره السيئ على وحدة دولة «الأدارسة»، ولما
يمضِ على قيامها أربعون سنة بعد، وطمع كل أخٍ فى الاستقلال
стр. 669
بإقليمه، وشقََّ عصا الطاعة على السلطة المركزية. ولكن «محمد بن
إدريس» تصدى لإخوته وضم ممتلكات أخويه «عيسى» و «القاسم»
بعد هزيمتهما إلى أخيه «عمر».
ولم تشهد البلاد بعد هذا التقسيم استقرارًا إلا فى بعض الفترات مثل:
عهد «يحيى بن محمد» الذى تولى الإمامة فى سنة (٢٣٤هـ=٨٤٨م)،
فازدهرت فى عهده مدينة «فاس» وشهدت تطورًا ملحوظًا فى
أنشطتها، ثم عهد «يحيى بن إدريس بن عمر بن إدريس» عام (٢٩٢هـ=
٩٠٥م)، الذى وصفه المؤرخون بأنه كان أعظم ملوك «الأدارسة» قوة
وسلطانًا وصلاحًا وورعًا وفقهًا ودينًا، وقد ظل بالحكم حتى سنة
(٣٠٥هـ = ٩١٧م) حتى طرق «مصالة بن حيوس» أبواب مدن «المغرب
الأقصى»، فأطاعه «يحيى بن إدريس»، وبايع «أبا عبيد الله
المهدى»، فدخلت دولة «الأدارسة» منذ ذلك الحين فى طور التبعية
للفاطميين تارة، وللحكم الأموى بالأندلس تارة أخرى.
стр. 670
الفصل السادس
*دولة بنى مدرار فى سجلماسة
[١٢٢ - ٣٥٤ هـ = ٧٤٠ - ٩٦٥م]:
ساهمت الظروف السياسية التى مر بها إقليم «المغرب» عقب نجاح
الثورة التى قادها «ميسرة المضفرى الصفرى» ضد الدولة الأموية
فى سنة (١٢٢هـ=٧٤٠م) فى استقلال «المغرب الأقصى» وانفصاله عن
الحكم الأموى، فأسهم ذلك -إلى جانب اضطراب الأوضاع فى إقليمى
«المغرب الأوسط» و «الأدنى» - فى قيام تجمع مذهبى فى جنوب
«المغرب الأقصى»؛ هو تجمع «الصفريين» الذين وجدوا بمنطقة
«سجلماسة» المجال المناسب لإقامتهم، ثم أسسوا مدينة تحمل اسم
المنطقة، لتكون نواة لدولة صفرية، وبايعوا «عيسى بن يزيد بن
الأسود» إمامًا لهم، وسانده «أبو القاسم سمكو» زعيم قبيلة
«مكناسة» بمبايعة قبيلته له، ولكن جماعة «الصفرية» - بعد خمس
عشرة سنة- أخذوا عليه بعض المآخذ، وأنكروا عليه بعض الأمور،
وقتلوه فى سنة (١٥٥هـ= ٧٧٢م)، وقد تولى «أبو القاسم بن سمنون
بن واسول المكناسى بن مدرار» الحكم خلفًا لعيسى، وجعل الحكم
متوارثا فى أفراد «الأسرة المدرارية» حتى سقوط المدينة فى أيدى
الفاطميين، وقد توالى الأئمة بعد وفاة «مدرار»، حتى جاءت سنة
(١٧٤هـ= ٧٩٠م) فتولى «اليسع بن أبى القاسم» الملقب بأبى منصور
شئون الحكم، وظل فى مقعد الإمامة حتى سنة (٢٠٨هـ=٨٢٣م)،
وشهدت المدينة فى عهده ازدهارًا اقتصاديا، ونفوذًا سياسيا كبيرًا،
لذا يعد «اليسع» المؤسس الحقيقى لدولة «بنى واسول» المعروفة
بدولة «بنى مدرار»، وامتد نجاح «اليسع» إلى تعمير العاصمة
«سجلماسة»، فشهدت فى عهده تطورًا واتساعًا، ومات «اليسع»
فى سنة (٢٠٨هـ= ٨٢٣م).
وتولى «مدرار» خلفًا لوالده فى سنة (٢٠٨هـ= ٨٢٣م)، ولقب نفسه
بالمنتصر، وظل بالحكم حتى سنة (٢٢٣هـ=٨٣٨م)، ونشب النزاع- خلال
هذه الفترة - بين أبناء «مدرار»، مما أضعف نفوذهم، وفكَّكَ وحدة
بيتهم.
وخلفه «محمد بن ميمون بن مدرار»، ووافاه أجله فى سنة (٢٧٠هـ=
٨٨٣م)، فتولى من بعده عمه «اليسع بن مدرار»، ودخل «عبيدالله
стр. 671
المهدى» وابنه «القاسم» إلى «سجلماسة» فى عهده، فلما اكتشف
حقيقة أمرهما، قبض عليهما، وأودعهما السجن، فظلا به حتى أقبل
«أبو عبدالله الشيعى» على رأس قواته وخلصهما، ثم استولى على
المدينة فى سنة (٢٩٦هـ=٩٠٩م)، وحاول بعض أفراد البيت المدرارى
استرداد مدينتهم واستعادة حكمهم من قبضة الفاطميين، وقد حققوا
نجاحًا نسبيا فى ذلك، ولكن «جوهر الصقلى» تمكن من القضاء على
مُلكهم فى سنة (٣٤٧هـ=٩٥٨م)، وقبض على «الشاكر بالله» آخر
أمرائهم، وأودعه سجن مدينة «رقادة»، فمات به فى سنة (٣٥٤هـ=
٩٦٥م). وطويت صفحة التاريخ السياسى لمدينة «سجلماسة» فى
القرن الثالث الهجرى.
стр. 672
الفصل السابع
*العلاقات الخارجية والأوضاع الحضارية للدول الأربعة
شهد المسرح الجغرافى لمنطقة «المغرب» فى الفترة من سنة (١٤٠هـ
=٧٥٧م) إلى سنة (٢٩٦هـ= ٩٠٩م) قيام أربع دول على أرضه هى:
«دولة الأغالبة» بالمغرب الأدنى [١٨٤ - ٢٩٦هـ= ٨٠٠ - ٩٠٩م)، و «الدولة
الرستمية» بالمغرب الأوسط (١٦٠ - ٢٩٦هـ= ٧٧٧ - ٩٠٩م)، و «دولة
الأدارسة» بالمغرب الأقصى (١٧٢ - ٣٠٠هـ = ٧٨٨ - ٩١٢م)، و «دولة
بنى مدرار» بجنوب «المغرب الأقصى» (١٤٠ - ٢٩٦هـ = ٧٥٧ - ٩٠٩م).
وقد سبقت الإشارة إلى أن تولية «إبراهيم بن الأغلب» إدارة «المغرب
الأدنى»، واستقلاله بها عن سلطة الخلافة، وتوريثه حكمها لأبنائه من
بعده؛ قد غيرت فى الوضع السياسى للمنطقة، إلا أن ذلك لم يمنع
الأمراء الأغالبة من استمداد سلطانهم مباشرة من الخليفة، والخطبة له
على المنابر، وكان كل خليفة جديد يجدد البيعة للأمير الأغلبى، كما
كان الأمير يجدد البيعة بدوره للخليفة، ويحلف له يمين الولاء
والإخلاص، ومعنى ذلك أنهم كانوا يستمدون شرعية حكمهم من
بيعتهم للخلافة، ومبايعتها لهم.
ولم يمنع استقلال الأغالبة بالمغرب الأدنى من تدخل الخلافة أحيانًا
فى بعض شئونهم، مثلما فعل الخليفة المعتضد مع «إبراهيم الثانى
بن أحمد» حين استبد بالرعية، وأنزل عقوبات غاشمة بثوار «تونس»
فى سنة (٢٨٣هـ= ٨٩٦م)، حيث عنفه الخليفة، وهدده بالخلع.
وهكذا حرص «الأغالبة» على إظهار ولائهم وارتباطهم بالخلافة
العباسية فى بغداد، وكانت انتصاراتهم تصل إلى بغداد أولا بأول،
وكان للخليفة نصيبه من المغانم والسبى فى بعض الأحيان، فضلا عن
الهدايا التى حرص الأمراء الأغالبة على إرسالها إلى الخلافة ببغداد.
أما «الدولة الرستمية» بالمغرب الأوسط، فكانت على خلاف مع
الخلافة العباسية؛ حيث عد العباسيون «إقليم المغرب» تابعًا لدولتهم
بعد سقوط «الدولة الأموية»، وعدوا الرستميين مقتطعين لجزء من
стр. 673
الدولة العباسية؛ فنظروا إليهم نظرة عداء؛ كان لها أثر فى العلاقة
بينهما، فضلا عما بينهم من اختلافات مذهبية؛ حيث كان مذهب
العباسيين الرسمى هو مذهب أهل السنة، على حين اتخذ الرستميون
المذهب الإباضى مذهبًا رسميا لدولتهم.
وقد سبق قيام الدولة الرستمية عدة معارك بين جموع الإباضية وجنود
الخلافة؛ أسفرت عن مقتل «أبى الخطاب» زعيم الإباضية، وانتقال
«عبدالرحمن ابن رستم» نائب أبى الخطاب على القيروان إلى قبيلة
«لماية» التى ناصرته وساندته حتى بويع بالإمامة.
وتنوعت العلاقات بين الرستميين والعباسيين، فتارة تكون هادئة
مستقرة، كما حدث فى عهد «عبدالرحمن بن رستم» وابنه
«عبدالوهاب»، وتارة يشوبها التوتر والعداء كما حدث فى عهد
«أفلح بن عبدالوهاب»؛ حيث احتوت الخلافة الخارجين عليه، ورحبت
بهم فى «بغداد»، ثم بلغت العلاقة بينهما قمة العداء حين قبض
الخليفة «الواثق» على «أبى اليقظان محمد ابن أفلح»، وأودعه
السجن، وهو فى طريقه لأداء فريضة الحج، ولكن الأوضاع تحسنت
بينهما ثانية بعد أن أطلق الخليفة «المتوكل» سراح «أبى اليقظان»
وأكرمه، وسمح له بالعودة إلى بلاده.
وأما «دولة الأدارسة» فقد اتسمت علاقتها بالدولة العباسية بالعداء؛
حيث شكل قيام الأدارسة بالمغرب الأقصى خطرًا على ممتلكات الدولة
العباسية بالمغرب الأدنى (إفريقية)، وزادت خطورة «الأدارسة» بعد
أن أخضع «إدريس ابن عبدالله» «تلمسان» إلى سلطانه، وبنى بها
مسجدًا، ومعنى ذلك أنه تطلع إلى فصل «المغرب» عن بقية العالم
الإسلامى، وتوحيده تحت قيادته.
وقد استعانت الدولة العباسية بإبراهيم بن الأغلب والى إفريقية
للقضاء على «دولة الأدارسة» بالمغرب الأقصى لكنها لم تنجح فى
ذلك.
وقد وقفت «دولة بنى مدرار» موقفًا وسطًا بين القوى المتصارعة
بالمغرب، ولم تتخذ موقفًا عدائيا من الخلافة العباسية، بل اعترف
«المدراريون» بسلطان الخلافة وعملوا على مداراة «الأغالبة»،
стр. 674
وتوثيق صلتهم بالرستميين، على الرغم من الاختلافات المذهبية بينهم.
ولم تنجح «سجلماسة» رغم اعتصامها بصحراء المغرب
الجنوبية، وموازنة سياستها مع «تهيرت» و «القيروان»، فى النجاة
مما آلت إليه على أيدى الفاطميين.
الأوضاع الحضارية:
شهدت منطقة «المغرب» خلال القرنين الثانى والثالث الهجريين قيام
عدة عواصم رئيسية هى: «القيروان»، و «تهيرت»، و «فاس»،
و «سجلماسة»، وقد لعبت هذه العواصم دورًا بارزًا ورئيسيا فى
مضمار الحضارة بالمنطقة على النحو الآتى:
أ - القيروان:
بناها «عقبة بن نافع» وأطلق عليها «القيروان» ومعناها فى
العربية: موضع اجتماع الناس والجيش، وقد شهدت هذه المدينة تطورًا
كبيرًا فى ظل «الأغالبة»، واستمرت عمليات البناء والتعمير على
أيديهم بها، وباتت مقر الولاة ومركز الحكم، وظلت محتفظة بمنزلتها
ومكانتها لدى «الأغالبة»، على الرغم من اتخاذهم عواصم جديدة
كالعباسة و «رقادة».
وقد تميزت هذه المدينة بالهدوء والاستقرار فى عهد «الأغالبة»،
على الرغم من الثورات المتعددة التى اندلعت هنا وهناك بالمنطقة،
وقد ساعد هذا الاستقرار على إيجاد نوع من التعاون بين فئات
الشعب على اختلاف أصولهم؛ حيث كان هناك العرب الذين مثلوا
الطبقة الحاكمة، وعاشوا بالقيروان منذ تأسيسها، فاكتسبوا مكانة
خاصة، واشتغلوا بالتجارة وغيرها، وعاش إلى جوارهم سكان البلاد
الأصليون من «البربر»، واختلطوا بهم، وعملوا بالزراعة والتجارة،
فضلا عن الأفارقة؛ وهم بقايا المسيحيين البيزنطيين واليهود، وقد
عاشوا يمارسون حياتهم فى ظل الحكم الأغلبى.
وقد شهدت «القيروان» ازدهارًا اقتصادياًّ كبيرًا، تمثل فى علاقاتها
المتعددة مع مَن حولها من المدن المغربية، وقصدتها القوافل التجارية
من كل أنحاء «المغرب»، كما خرجت منها القوافل قاصدة المدن
الأخرى، فانعكس هذا الرواج على أمراء البلاد وعامة الشعب.
ب - تهيرت:
جاء تخطيط هذه المدينة وبناؤها فى سنة (١٦١هـ= ٧٧٨م)، تلبية
стр. 675
لاحتياجات جموع «الإباضية» التى استقرت بالمغرب الأوسط، وقد
توافرت لهذه المدينة أسباب الأمن والحماية؛ فهى منطقة داخلية
يتخللها نهران هما: «نهر مينة» الذى يجرى فى جنوبها مارا
بالبطحاء، ونهر آخر بشرقها يجرى من «عيون تاتش»، ومنه شرب
أهلها، ورووا بساتينهم وزراعاتهم، فتمتعت بالمراعى الواسعة،
والأراضى الزراعية المتنوعة، التى أسهمت فى ازدهار اقتصادها،
ورخاء أهلها الذين قامت على أكتافهم «الدولة الرستمية»؛ لأنهم من
القبائل التى كانت تدين بالمذهب الإباضى فى هذه المنطقة.
ولاشك أن وقوع العاصمة الرستمية «تهيرت» وسط معاقل «الإباضية»
المؤيدين لها ولمذهبها، كان له أكبر الأثر فى حمايتها واستقرارها،
ومنحها الفرصة كاملة لأداء دورها السياسى والحضارى بالمنطقة،
وانفرادها بحكم نفسها فى ظل زعامة إباضية، بعد أن تخلصت من
سيطرة الأمويين، ثم العباسيين من بعدهم.
وقد أحيطت المدينة بسور عظيم تتخلله مجموعة من الأبواب، لحمايتها
من هجمات أعدائها، وأنشئت بالقرب منها عدة حصون دفاعية، فضلا
عما أنشىء بداخلها من مساجد ودور وقصور، وأسواق عامرة،
حفلت بها، حيث إنها كانت ملتقى القوافل التجارية القادمة من جنوب
الصحراء، والمتجهة إليها، كما كانت ملتقى تجار الشرق والغرب،
وقد وفرت لها مراعيها الشاسعة ثروة حيوانية كبيرة؛ فضلا عن
الصناعة التى قامت بها على بعض المعادن التى استُخرجت من
باطنها، فأحدث ذلك كله رواجًا اقتصاديا، وانتعاشًا انعكست آثاره
على رفاهية السكان.
ج - فاس:
هى عاصمة «دولة الأدارسة»، وقد بدأ «الإمام إدريس» بناءها على
الجانب الشرقى لنهر «فاس» فى سنة (١٩٢هـ= ٨٠٨م)، لازدحام
العاصمة القديمة «وليلى» بالوفود العربية التى قدمت من «القيروان»
و «الأندلس»، فضلا عن خوف «إدريس» من نوايا بعض جموع البربر
المحيطين به، وكان اختيار هذا المكان عاصمة لدولتهم صائبًا؛ فهو
فسيح تحيط به الأشجار والحشائش، وتنفجر المياه فيه من عيون
стр. 676
«نهر سبو» وروافده، وقد دعا الإمام «إدريس» - حين وضع أساس
هذه المدينة - بقوله: اللهم اجعلها دار علم وفقه، يتلى فيها كتاب الله،
وتقام بها حدوده، وأن يُجعل أهلها متمسكين دائمًا بكتاب الله.
وقد قُسِّمت المدينة إلى قسمين هما: عدوة الأندلسيين، وعدوة
القرويين، واتخذت قبائل البربر مواضعها كما أقام الوافدون، فى
أماكن حددت لهم، وهكذا استطاع الأدارسة تدعيم سلطتهم بالمغرب
الأقصى، وباتت لمدينة «فاس» آثارها الدينية والاقتصادية بالمنطقة،
بعد أن حُرمت منها منذ انقضاء عهد «الرومان»، ومازالت هذه المدينة
تحتفظ بآثارها الحضارية - حتى الآن - على عكس «تهيرت»
و «سجلماسة» اللتين فقدتا ازدهارهما منذ أمد بعيد.
د - سجلماسة:
رأى «الصفريون» أن تكون لهم مدينة، بعد أن ازداد عددهم بالمغرب
الأقصى، تصبح نواة لدولة صفرية مستقلة بجنوب «المغرب الأقصى»،
فوقع اختيار «أبى القاسم سمكو بن واسول المكناسى» على منطقة
«سجلماسة»، التى كانت نقطة التقاء البربر المقيمين بها وحولها،
لتبادل السلع والبضائع.
وقد نجح المؤسسون لهذه المدينة فى اختيار البقعة المناسبة لها؛ إذ
تقع فى منطقة «تافللت» على طرف الصحراء، وبينها وبين جنوب
مدينة «فاس» مسيرة عشرة أيام، ومعنى ذلك أنها تقع فى منطقة
نائية، فأعطاها هذا البعد سياج أمن وأمان لها ولساكنيها.
وبدأ تخطيط «سجلماسة» فى سنة (١٤٠هـ=٧٥٧م)، بصورة بسيطة،
حيث أسس «الصفريون» بها حصنًا فى وسط الساحة، سموه
«العسكر»، ثم أسسوا المسجد الجامع، ودار الإمارة، وشرع الناس
بعد ذلك فى إقامة دورهم، وقد ساهمت طوائف البربر من قبائل
«مكناسة» و «صنهاجة» و «زناتة» فى تأسيس هذه المدينة
وتعميرها، ثم تطورت بعد ذلك واتسعت، وأحيطت فى عهد «اليسع
بن مدرار» (٢٠٨هـ= ٨٢٣م) بسور كبير لحمايتها. وقد وصفها «ابن
حوقل» بقوله: «كانت القوافل تجتاز المغرب إلى سجلماسة، وسكنها
стр. 677
أهل العراق، وتجار البصرة والكوفة والبغداديون الذين كانوا
يقطعون الطريق؛ فهم وأولادهم وتجاراتهم دائرة، ومفرداتهم دائمة،
وقوافلهم غير منقطعة إلى أرباح عظيمة وفوائد جسيمة ونعم
سابغة، قلَّ ما يدانيها فى بلاد الإسلام سعة حال».
ولقد تضافرت جهود القادة والولاة والدعاة فى القرن الأول الهجرى
على نشر الإسلام بين سكان «المغرب»، فأقبل البربر على اعتناقه،
وتعلمه وتفهمه دون الانخراط فى فرقة بعينها، أو الانضمام إلى
مذهب محدد، وكان الكتاب والسنة هما مصدر التشريع الأوحد فى
هذه المنطقة، فلما أقبل القرن الثانى الهجرى، تطورت مسيرة
الإسلام، نظرًا للتغيرات السياسية والمذهبية التى عاشتها «بلاد
المغرب»؛ حيث وضحت تيارات المذاهب، وتحددت ملامح الفرق، ومثل
المذهب المالكى والمذهب الحنفى القاعدة الشعبية العريضة لسكان
«المغرب»، وباتت «القيروان» مركز أهل السنة من المالكية، وظهرت
بها مجموعة من العلماء أمثال: «البهلول بن راشد» و «رباح بن يزيد»،
و «عبدالله بن فروخ»، و «ابن غانم الرعيثى»، و «أسد بن الفرات»،
وغيرهم، ومن ثم انتشر هذا المذهب عن طريقهم إلى بقية المدن
المغربية، بعد أن أرسوا قواعده بها.
وشاركت مدينة «فاس» التى أسسها «الأدارسة» أختها «القيروان»
فى الأخذ بهذا المذهب عن طريق الهجرات العربية الوافدة إليها عبر
المضيق من «الأندلس»، ثم انتشر هذا المذهب فى كل من: «تلمسان»
و «تونس» و «سوسة» و «صفاقس»، وغيرها من المدن المغربية.
ولقد شهد «المغرب» التيار الخارجى بشقيه «الصفرى» و «الإباضى»
فى العقد الثالث من القرن الثانى الهجرى، ونجح «الصفرية» فى
تأسيس «سجلماسة» فى سنة (١٤٠هـ)، كما نجح «الإباضية» فى
تأسيس «تهيرت» فى سنة (١٦١هـ= ٧٧٨م)، واعتنقت القبائل البربرية
مذهبيهما، وقامت على أكتافهم دولتاهما.
ثم وجد الشيعة والمعتزلة والمرجئة طريقهم إلى هذه البلاد، إلا أن
стр. 678
صَوْتَى «المعتزلة» و «المرجئة» كانا خافتين، ولم يجدا صدىً يُذكر
لأفكارهما ودعوتيهما.
وتجدر الإشارة إلى أن المذهب المالكى قد لعب دورًا كبيرًا فى حياة
سكان «بلاد المغرب» السياسية والحضارية منذ القرن الثانى الهجرى
حتى وقتنا الحاضر، وصار الإمام مالك هو القدوة والمثل الأعلى
لأفعال وتصرفات المالكيين بالمغرب، وقلدوه فى معاشه وملبسه
وكيفية جلوسه للتدريس، وطريقته فى الحديث، كما تبوأ تلامذته
مكانة مرموقة بالمغرب.
ولم تقف الاختلافات المذهبية بالمغرب فى سبيل علاقاتها واتصالاتها
الفكرية بالعواصم والمدن الإسلامية بالمشرق، بل كانت اتصالاتها
مستمرة، وعلاقاتها وثيقة، وظهرت آثار احتكاك طلابها بعلماء
المشرق واضحة فى الحياة الدينية التى عاشتها المنطقة خلال القرن
الثالث الهجرى، وتوجَّه أبناء «تهيرت» و «فاس» و «سجلماسة» إلى
مدينة «القيروان»؛ لتحصيل العلم على أيدى علمائها، كما أَمَّ أبناء
«القيروان» مدن «تونس» و «سوسة» وغيرهما، لطلب العلم هناك،
ونهل جميعهم من معين الإسلام الذى لا ينضب، ودرسوا الفقه والأصول
والحديث والتفسير، وغيرها من العلوم.
وكان لكل من «القيروان» و «تهيرت» أثر سياسى وثقافى بارز فى
بلاد المغرب، وشهدتا ازدهارًا فكريا، ونهضة حضارية، واقتصادًا
قويا، وزخرًا بالفقهاء والعلماء، وأصبحتا مقصد طلاب العلم من كل
مكان، حتى نافستا العواصم الشرقية الكبيرة بالسماحة، وسعة
الأفق، ومناظرات العلماء. وقد شاركت مدينة «فاس» فى هذا الدور
بنهضتها الفكرية وازدهارها الحضارى، وأسهمت كذلك فى نشر
الإسلام والثقافة العربية.
стр. 679
الفصل الثامن
*الدولة الفاطمية بالمغرب
[٢٩٦ - ٣٦٢هـ = ٩٠٨ - ٩٧٣م]
قامت «الدولة الفاطمية» ببلاد «المغرب» - وفق خطة مرسومة من قِبل
دعاة الشيعة - على أكتاف قبيلة «كتامة»، التى تنتمى إلى بربر
«البرانس»، وتميزت عن غيرها من القبائل بكثرة عددها، ومنعة
منطقة سكناها بجبال «الأوراس» بين مدينتى «بجاية»
و «قسنطينة»، فضلا عن عدم خضوعها لسلطة الولاة اعتزازًا بمنعتها
وقوة بأسها.
وقد وقف زعماء الشيعة على ما اتصفت به هذه القبيلة، واختار «ابن
حوشب» رئيس مركز الدعوة الشيعية باليمن «أبا عبدالله الحسين بن
أحمد الشيعى» للاتصال بوفد «كتامة» بموسم الحج، لنشر الدعوة
الشيعية بالمغرب، وإقامة الدولة المرتقبة هناك.
وقد تم لقاء «أبى عبدالله» بوفد «كتامة» بمكة، وجعله هذا الشيعى
يبدو كأنه جاء مصادفة، وبدأ يتعرَّف أحوالهم وميولهم المذهبية، ولم
يفصح عما أضمره وما جاء من أجله، ونجح فى استمالتهم والسيطرة
على قلوبهم بمكره ودهائه وعلمه وجدله، ثم تظاهر بعد انقضاء
موسم الحج برغبته فى السفر معهم إلى «مصر»، للتدريس لأبنائها،
فاصطحبوه معهم، فلما وصلوها، ألحوا عليه بمصاحبتهم إلى بلادهم،
فوافقهم، وذهب معهم إلى المغرب فى سنة (٢٨٩هـ= ٩٠٢م)، واتخذ
من «إيكجان» مستقرا له، لأنها نقطة التقاء حجاج «الأندلس»
و «المغرب الأقصى»، والمتوجهين لأداء فريضة الحج.
وبدأ «أبو عبدالله» فى تنفيذ خطته، وتظاهر بتعليم الصبية، وإلقاء
دروسه عليهم، فزاده ذلك مكانة ومنزلة بين أبناء «كتامة»، وذاع
صيته بين القبائل، وقصده البربر من أماكن متفرقة، لينهلوا من علمه،
ويستفيدوا من نصائحه، ثم عمد «أبو عبدالله» إلى مصارحة بعضهم -
بعد أن اطمأن إليهم- بحقيقة أمره، ورغبته فى إقامة دولة لآل البيت
تقوم على أكتاف قبيلة «كتامة»، لأن الروايات - كما ادَّعى لهم -
جاءت بذلك، وأخبرت عما ينتظرهم من عز الدنيا وثواب الآخرة.
وأخذ «أبو عبدالله» على عاتقه تنظيم صفوف أبناء «كتامة» وبعض
стр. 680
أبناء القبائل الأخرى، وقسَّمهم إلى سبعة أقسام، وجعل على رأس
كل قسم منها داعية يطمئن إليه، فاستطاع بهذا الأسلوب العملى
إقامة مجتمع يدين بفكرة واحدة؛ هى إقامة الدولة المثالية التى
يحكمها إمام من آل البيت.
وقد اتخذ «أبو عبدالله الشيعى» من أبناء «كتامة» جندًا يدافعون
عن الدعوة، ويهاجمون القوى السياسية الموجودة بالمنطقة، وهى:
«الأغالبة» بالمغرب الأدنى، و «الرستميون» بالمغرب الأوسط، و «بنو
مدرار» بسجلماسة بجنوب «المغرب الأقصى» وبقايا «الأدارسة» بمدن
«المغرب الأقصى»، وترتَّب على ذلك دخول «أبى عبدالله الشيعى»
فى عدة معارك مع هذه القوى، كانت أشهرها معركة «كنيونة»،
التى انتصر فيها على «الأغالبة» فى سنة (٢٩٣هـ= ٩٠٦م)، ثم توالت
انتصاراته بعد ذلك، ودخل مدينة «رقادة» وقضى على نفوذ
«الأغالبة»، ثم دعا «المهدى الفاطمى» إلى «المغرب» لتسلم مقاليد
الأمور؛ فلبى الدعوة، وتخفَّى فى زى التجار حتى لا يقع فى قبضة
العباسيين، ودخل مدينة «رقادة» فى سنة (٢٩٧هـ= ٩٠٩م)، ثم بويع
بالإمامة.
الخلفاء الفاطميون بالمغرب:
حكم أربعة خلفاء فاطميين بلاد «المغرب» فى الفترة من سنة
(٢٩٧هـ=٩٠٩م) إلى سنة (٣٦٥هـ= ٩٧٥م)، وكان «المعز لدين الله
الفاطمى» هو آخر هؤلاء الخلفاء، حيث انتقل بالخلافة إلى
«القاهرة» التى اتخذها عاصمة جديدة للفاطميين، بعد أن تم له فتح
«مصر» على يد قائده «جوهر الصقلى» فى سنة (٣٥٨هـ= ٩٦٩م)،
والخلفاء الأربعة هم:
١ - المهدى: عبيد الله أبو محمد [٢٩٧ - ٣٢٢هـ= ٩٠٩ - ٩٣٤م].
٢ - القائم: محمد أبو القاسم [٣٢٢ - ٣٣٤ هـ = ٩٣٤ - ٩٤٥م].
٣ - المنصور: إسماعيل أبو طاهر [٣٣٤ - ٣٤١هـ= ٩٤٥ - ٩٥٢م].
٤ - المعز: معدّ أبو تميم [٣٤١ - ٣٦٥ هـ = ٩٥٢ - ٩٧٥م].
وقد وُلد «المهدى» أول الخلفاء بالعراق فى سنة (٢٦٦هـ = ٨٨٠م)،
وتوفى بالمهدية فى سنة (٣٢٢هـ = ٩٣٤م)، ثم تلاه ابنه «محمد»
الذى ولد «بسَلَمْيه» فى المحرم سنة (٢٧٨هـ = أبريل ٨٩١م)، ورحل
стр. 681
مع أبيه إلى «المغرب»، وتولى الإمامة من بعده، ومات فى سنة
(٣٣٤هـ= ٩٤٥م)، فجاء من بعده ابنه «إسماعيل» الذى وُلد «بالمهدية»
فى الليلة الأولى من جمادى الآخرة فى سنة (٣٠٣هـ= ديسمبر ٩١٥م)،
وبويع له فى شوال سنة (٣٣٤هـ= ٩٤٥م) وتوفى يوم الأحد فى الثالث
والعشرين من شوال سنة (٣٤١هـ= فبراير٩٥٣م)، وكان فصيحًا بليغًا،
خطيبًا حاد الذهن، حاضر الجواب، ثم جاء «المعز» آخر الخلفاء
الفاطميين، فتولى الأمر بعد أبيه فى شوال من العام نفسه، وكان
عمره أربعًا وعشرين عامًا، وقد وُلد بالمحمدية فى يوم الاثنين ١٠ من
رمضان سنة (٣١٩هـ)، وكان أول الخلفاء الفاطميين الذين دخلوا
«مصر» وانتقلوا بالخلافة إليها، ومكث بها عامين وتسعة أشهر.
بعض المشكلات الداخلية:
حين قدم «المهدى» إلى بلاد «المغرب»، وجد أن داعيته «أبا عبدالله
الشيعى» قد استحوذ على قلوب الناس فيها، وأصبح ذا نفوذ وسلطة
كبيرين بالمنطقة، فأراد «المهدى» أن يحد من سلطاته ونفوذه،
فأنقلب عليه «أبو عبدالله» وتآمر ضده، وجمع زعماء «كتامة»
وأخبرهم بتشككه فى شخص «المهدى» وأنه ربما يكون شخصًا آخر
غير الذى دعا إليه، فبلغ هذا الأمر «المهدى»، فتخلص منه بالقتل،
فسخط الكتاميون وثاروا، وأتوا بطفل صغير وقالوا: إنه «المهدى»،
فحاربهم «المهدى الفاطمى» وقتل هذا الطفل.
ثم تعرضت «المغرب» فى عهد «القائم بالله» وابنه «أبى العباس» من
بعده لثورة «أبى يزيد مخلد بن كيداد اليغرنى»، الذى ينتمى إلى
قبيلة «يغرن» الزناتية، وقد ولد بالسودان، ونشأ بتوروز وتعلم بها،
ثم اتصل بالإباضية، ومن ثَم هاجم ما استحدثه المذهب الشيعى على
المجتمع المغربى، واجتمع الناس حوله، ورحل إلى «جبل أوراس»
عقب وفاة المهدى فانضمت إليه جموع القبائل، فقام بثورته
واستولى على العديد من المدن، واستغرقت ثورته نحو أربعة عشر
عامًا، فشملت عهد «القائم بالله» كله، وعامين من عهد «أبى
стр. 682
العباس»، الذى تصدى لها وتمكن من القضاء عليها وعلى زعيمها
«أبى يزيد»، وسجل انتصاره هذا بإنشاء مدينة «المنصورية» فى
سنة (٣٣٧هـ).
العلاقات الخارجية:
قام الفاطميون بحملات متكررة على «مصر» للاستيلاء عليها، ففشلت
جميعها، إلا حملة «جوهر الصقلى» الذى نجح فى دخول «مصر» فى
سنة (٣٥٨هـ=٩٦٩م) ثم أسس بها مدينة «القاهرة»؛ لتصبح عاصمة
الفاطميين، فانتقلت إليها الأسرة الفاطمية، وباتت «القاهرة»
عاصمتهم حتى سقوط دولتهم.
وقد سعى الفاطميون إلى بسط نفوذهم على بلاد الأندلس، بالدعوة
تارة، وبالحروب أخرى، ولكن جهودهم ضاعت هباءً، ولم تجد
دعوتهم صدى فى نفوس الأندلسيين من أهل السنة، فضلا عن أن
حكام الأندلس وقفوا لهم بالمرصاد وحصنوا بلادهم، وعززوا
أسطولهم، فتراجع الفاطميون عن ذلك، واتجهوا إلى «مصر».
واستهدف الفاطميون من اتخاذ «مصر» قاعدة لحكمهم تحقيق الأمن
والاستقرار لوجودهم، خاصة بعد أن اشتعلت فى وجوههم الثورات
الخطيرة التى كادت تودى بكيانهم على أرض «المغرب»، فضلا عن
أملهم فى تحقيق أهداف سياسية واقتصادية فى «مصر»؛ إذ إنها
بموقعها وثرواتها وإمكاناتها تحقق لهم ما يريدون من مال وثروات
وازدهار اقتصادى، كما أن الاستيلاء عليها يعد ضربة قاصمة
للعباسيين الذين قتلوا كثيرًا من أبناء البيت العلوى ولذا أرادوا
الانتقام منهم والثأر لأنفسهم.
النظم الفاطمية:
- الخلافة:
قامت الخلافة الفاطمية على أساس فكرة عصمة الإمام، وأسس
خلفاؤها لهذا الغرض مدارس خاصة لتعليم عقائد مذهبهم الذى يقوم
على تقديس الأئمة، وحاولوا نشرها فى «مصر» و «اليمن» و «بلاد
فارس» و «الهند» وفى غيرها من أنحاء العالم الإسلامى.
وقد تلقَّب الخلفاء بألقاب كثيرة منها: «الخليفة الفاطمى»، و «الخليفة
العلوى»، و «أمير المؤمنين»، و «الإمام»، و «صاحب الزمان»،
و «الشريف القاضى»، وساروا على نهج الأمويين والعباسيين فى
стр. 683
تولية أبنائهم ولاية العهد؛ فكان الخليفة إذا شعر بدنو أجله، يعهد
بالخلافة إلى أحد أبنائه، ثم تتجدد هذه البيعة بعد وفاته، فلما
تسرب الضعف إلى الخلافة الفاطمية فى عهد «المستنصر»، أصبح
اختيار الخليفة بيد القادة وكبار رجال الدولة.
- الوزارة:
كانت الوزارة فى العصر الفاطمى الأول (٣٠٨ - ٤٦٥هـ= ٩٢٠ - ١٠٧٣م)
وزارة تنفيذ، لأن الخلفاء كانوا أقوياء، ويديرون أمور الدولة
بأنفسهم، ثم تحولت بمصر فى سنة (٤٦٦هـ=١٠٧٤م) إلى وزارة
تفويض، وبات الخلفاء منذ ذلك العهد - نظرًا لضعفهم- تحت نفوذ
الوزراء وسيطرتهم.
- الكتابة:
كانت الكتابة تلى الوزارة فى الرتبة فى عهد الفاطميين، وكان
الخلفاء يسندونها إلى مَن أنسوا فيهم الكفاءة والقدرة على معالجة
الأمور، وعُنى الفاطميون عناية فائقة بالشعراء والكتاب وغيرهم من
رجال الأدب، لنشر مذهبهم وإذاعة أبهتهم، وكان اختيار الكاتب يتم -
عادة - من بين مَن اشتهروا بسعة الاطلاع وجودة الأدب، وامتازوا
بدقتهم ومقدرتهم فى فن الإنشاء.
- الدواوين:
كانت هناك عدة دواوين، على رأس كل منها موظف كبير، ومنها:
«ديوان الجيش»: وكانت تعرض على صاحبه شئون الأجناد وخيولهم،
وما إلى ذلك.
و «ديوان الكسوة والطراز»: ويتولاه أحد كبار الموظفين من أرباب
الأقلام.
و «ديوان الأحباس»: وهو يشبه وزارة الأوقاف حاليا.
و «ديوان الرواتب»: ويشبه وزارة المالية الآن.
بناء المهدية:
حين بويع «المهدى» بالخلافة بالمغرب اتخذ من مدينة «رقّادة»
عاصمة له، إلا أن الظروف التى أحاطت به فى بداية عهده، جعلته
يفكر جديا فى اتخاذ عاصمة جديدة لدولته الوليدة، ليتحصن بها من
مؤامرات أعدائه، فنجح فى اختيار منطقة تبعد عن «القيروان» ستين
ميلا تقريبًا، يحيط بها البحر من جهات ثلاث، وهى على شكل يد
متصلة بزند، فأطلق عليها اسم: «المهدية»، وشرع فى تخطيطها
وتشييد مبانيها، وجعل لها بابين من الحديد، وأقام بها ثلاثة وستين
стр. 684
صهريجًا، لتزويد المدينة بالمياه اللازمة، وبنى بها دارًا لصناعة
السفن، فصارت مرفأ مهما وسوقًا رائجة للسلع التى كانت تحملها
السفن إليها من «الإسكندرية»، وقد فرغ من بنائها فى سنة (٣٠٥هـ=
٩١٧م)، ثم انتقل «المهدى» للإقامة بها فى سنة (٣٠٨هـ= ٩٢٠م)،
فاتسعت جنباتها، وزادت أسواقها، وازدهرت التجارة بها، وظلت
عامرة، وآهلة بالسكان، حتى استولى عليها خليفة الموحدين
«عبدالمؤمن بن على» فى سنة (٥٥٥هـ=١١٦٠م).
النشاط المذهبى للفاطميين ببلاد المغرب:
شهدت المنطقة طوال عهود الخلفاء الفاطميين فى المغرب صراعًا
مذهبيا بين المالكية - غالبية أهل السنة - وبين الشيعة، الذين
استخدموا كل الوسائل الممكنة، لنشر مذهبهم وطمس معالم المذاهب
الأخرى، وجعلوا الوظائف قاصرة على الشيعة، واستبدلوا قواعد
مذهبهم بأحكام المذهب السنى، وعقدوا المجالس والمناظرات لإقناع
أهل البلاد بصحة مبادئهم، ثم لجئوا إلى العنف والرعب والاضطهاد
حين فشلت وسائلهم فى إدخال سكان البلاد فى مذهبهم، ففشلت
هذه الوسائل أيضًا، حتى عاد المذهب السنى مذهبًا رسمياً للبلاد فى
عهد «المعز ابن باديس».
стр. 685
الفصل التاسع
*بنو زيرى بالمغرب
يرجع نسب «بنى زيرى» إلى قبيلة «صنهاجة» البربرية؛ التى تنتمى
إلى فرع من «البرانس»، ولم تكن «صنهاجة» مجرد قبيلة؛ بل كانت
شعبًا عظيمًا، لا يكاد يخلو قطر من أقطار «المغرب» من بطونه
وأفراده، مما دفع «ابن خلدون» إلى القول بأنهم يمثلون ثلث البربر.
وقد سكنت «صنهاجة» فى مساحات شاسعة؛ امتدت من «نول لمطة»
فى جنوب «المغرب الأقصى» إلى «القيروان» بإفريقية، وهى منطقة
صحراوية، آثروا السكنة فيها على غيرها من المدن الآهلة، لأنها- كما
علل «ابن خلدون» - تتوافق مع طباعهم، ورغبتهم فى الابتعاد عن
الاختلاط بالناس، والفرار من الغلبة والقهر.
وظهرت أسرة «بنى زيرى» -فى أول أمرها- فى طاعة الفاطميين،
وتعاونت معهم فى صد الأخطار التى تعرضت لها دولتهم بالمغرب،
وكان أول اتصال بينهما فى عهد «المنصور الفاطمى»، حين قدم
«زيرى بن مناد» وأهل بيته وقبيلته لمحاربة «أبى يزيد الخارجى»
فى سنة (٣٣٥هـ=٩٤٦م)، فخلع عليه «المنصور»، ووصله، وعقد له
على أهل بيته وأتباعه وقبيلته، فعظم شأنه، وصار «بنو زيرى»
أعوانًا وأتباعًا للفاطميين، ومن ثَم نشب الصراع بين الصنهاجيين،
وقبائل «زناتة»، لأن «زناتة» كانت دائمة الإغارة على ممتلكات
«الدولة الفاطمية».
وحين عزم «المعز» على الرحيل إلى «مصر» فى سنة (٣٦١هـ= ٩٧٢م)
للانتقال إليها بخلافته، وقع اختياره على «يوسف بُلكِّين ابن زيرى
بن مناد الصنهاجى» ليتولى الإمارة بالمغرب خلفًا للفاطميين.
١ - يوسف بُلكِّين بن زيرى بن مناد الصنهاجى [٣٦٢ - ٣٧٣هـ= ٩٧٣ -
٩٨٣م]:
عينه «المعز» على ولاية «المغرب»، واستثنى من ذلك «طرابلس
المغرب»، و «أجدابية» و «سرت»، وعين معه «زيادة الله ابن القديم»
على جباية الأموال، وجعل «عبدالجبار الخراسانى» و «حسين بن
خلف» على الخراج، وأمرهما بالانقياد ليوسف بن زيرى.
واجه «يوسف» عدة ثورات واضطرابات بالمغرب، كان منها عصيان
стр. 686
أهل «تهيرت»، ثم سيطرة قبيلة «زناتة» على مدينة «تلمسان»، وقد
توجه إلى «تهيرت» بجنوده وأعادها إلى طاعته، كما توجه إلى
«تلمسان» وأعادها إلى حكمه فى سنة (٣٦٥هـ= ٩٧٦م).
وفى سنة (٣٧٣هـ=٩٨٤م) خرج الأمير «يوسف» على رأس جيوشه
لاستعادة «سجلماسة» من أيدى بعض الثوار الذين استولوا عليها،
ولكنه أصيب بمرض أودى بحياته فى شهر ذى الحجة سنة (٣٧٣هـ=
مايو ٩٨٤م).
٢ - المنصور بن يوسف بُلكِّين بن زيرى [٣٧٣ - ٣٨٦هـ= ٩٨٤ - ٩٩٦م]:
أوصى الأمير «يوسف بلكين» قبل وفاته بالإمارة من بعده لابنه
«المنصور» الذى كان بمدينة «أشير» حين بلغه خبر وفاة والده،
وأقبل عليه أهل «القيروان» وغيرها من المدن، لتعزيته، وتهنئته
بالولاية، فأحسن إليهم وقال لهم: «إن أبى يوسف وجدى زيرى،
كانا يأخذان الناس بالسيف، وأنا لا آخذهم إلا بالإحسان، ولست ممن
يُولَّى بكتاب، ويُعزل بكتاب»، وقصد «المنصور» من ذلك أن الخليفة
الفاطمى بمصر لا يقدر على عزله بكتاب.
وقد واجهت «المنصور» عدة مشاكل، كانت منها غارات قبائل
«زناتة» المستمرة على المدن المغربية فى سنة (٣٧٤هـ = ٩٨٥م)،
واستيلاء «زيرى بن عطية الزناتى» على مدينتى «فاس»
و «سجلماسة»، مما دفع «المنصور» إلى إرسال أخيه «يطوفت» على
رأس جيش كبير لمواجهة هذه القبائل، ودارت معركة كبيرة بين جموع
الفريقين، أسفرت عن هزيمة الصنهاجيين، وعودتهم إلى «أشير».
ثم تصدى الأمير «المنصور» فى سنة (٣٧٦هـ= ٩٨٦م) لعمه «أبى
البهار» الذى نهب مدينة «تهيرت»، ففر «أبو البهار» أمامه، ودخل
«المنصور» المدينة، وأعاد إلى أهلها الأمن والهدوء.
ثم تُوفى فى يوم الخميس (٣ من ربيع الأول سنة ٣٨٦هـ= مارس ٩٩٦م)،
ودُفن بقصره.
٣ - باديس بن المنصور [٣٨٦ - ٤٠٦هـ= ٩٩٦ - ١٠١٥م]:
وُلد «باديس» فى سنة (٣٧٤هـ=٩٨٥م)، وتكنى بأبى مناد، وخلف أباه
على «المغرب» فى سنة (٣٨٦هـ=٩٩٦م)، وأتته الخلع والعهد بالولاية
стр. 687
من «الحاكم بأمر الله الفاطمى» من «مصر»، وبايع للحاكم، وأعلن
تبعية بلاده لخلافته، ثم أقطع عمه «حماد بن يوسف» مدينة «أشير»،
وولاه عليها، وأعطاه خيلا وسلاحًا، وجندًا كثيرًا، فكانت هذه هى
نقطة البداية لانقسام «بنى زيرى» إلى أسرتين:
تحكم إحداهما بالمغرب الأدنى فى «ليبيا» و «تونس»، وتحكم الأخرى
- أسرة «بنى حماد» - فى «الجزائر»، متخذة من قلعة «بنى حماد»
مقرا للحكم. وانفرد «بنو حماد» بإقليم «الجزائر»، نظرًا لضعف قبضة
الأمير «باديس» على البلاد.
وقد واصل «باديس» مطاردة «زناتة، وأُخبر فى سنة (٣٨٧هـ= ٩٩٧م)
بأن «زيرى بن عطية الزناتى» قد اعتدى على مدينة «أشير»، فبعث
إليه بجيشه لمواجهته، ولكن الجيش هُزم على أيدى الزناتيين،
فاضطر الأمير «باديس» إلى الخروج بنفسه لمواجهتهم فى «أشير»،
فلما علم الزناتيون بذلك انطلقوا إلى الصحراء، وتركوا المدينة،
فدخلها «باديس»، وأقر الأمور بها، ثم مات فى سنة (٤٠٦هـ= ١٠١٥م).
٤ - المعز بن باديس [٤٠٦ - ٤٥٣هـ= ١٠١٥ - ١٠٦١م]:
أُخذت البيعة للمعز بمدينة «المحمدية»، وتولى الأمر يوم وفاة أبيه
وفرح الناس بتوليته لما رأوا فيه من كرم ورجاحة عقل، فضلا عن
تواضعه، ورقة قلبه، وكثير عطائه، على الرغم من حداثة سِنه.
وقد حدثت فى عهده بعض التطورات، حيث ألغى المذهب الشيعى،
وخلع طاعة الفاطميين، ودعا على منابره للعباسيين، وتصالح مع
أبناء عمومته الحماديين سنة (٤٠٨هـ= ١٠١٧م)، وواصل مطاردة
«قبائل زناتة» جهة «طرابلس»، فى أبناء «حماد».
ثم أُصيب «المعز بن باديس» بمرض فى كبده أودى بحياته فى سنة
(٤٥٣هـ= ١٠٦١م)، بعد حكم دام سبعًا وأربعين سنة.
٥ - تميم بن المعز بن باديس [٤٥٣ - ٥٠١ هـ = ١٠٦١ - ١١٠٨م]:
وُلد بالمنصورية فى منتصف رجب سنة (٤٢٢هـ= يونيو ١٠٣١م)، ثم
تولى إمرة «المهدية» فى عهد والده «المعز» فى سنة
(٤٤٥هـ=١٠٥٣م)، ثم خلف والده فى الإمارة فى سنة (٤٥٣هـ= ١٠٦١م)،
стр. 688
فواجه عددًا من الاضطرابات والقلاقل، حيث سيطر العرب الهلاليون
على كثير من مناطق «إفريقية»، وثار عليه أهل «تونس» وخرجوا
عن طاعته، فأرسل إلى «تونس» جيشًا، حاصرها سنة وشهرين،
فلما اشتد الحصار على الناس، طلبوا الصلح، وعاد جيش «تميم» إلى
«المهدية»،ثم ثارت عليه مدينة «سوسة» فحاصرها وفتحها عنوة،
وأمن أهلها على حياتهم.
وقد تعرضت «المهدية» فى عهده لهجمات الهلالية، لكنه تمكن من
صدهم، ثم حاصر «قابس» و «صفاقس»، واستولى عليهما من أيدى
الهلالية الذين كانوا يحتلونهما. وعمد إلى مهادنة أبناء عمومته فى
«الجزائر»، وزوج ابنته للناصر بن علناس أمير «الجزائر»، وأرسلها
إليه فى موكب عظيم، محملة بالأموال والهدايا. ثم تُوفى فى سنة
(٥٠١هـ= ١١٠٧م).
٦ - يحيى بن تميم بن المعز بن باديس [٥٠١ - ٥٠٩هـ= ١١٠٧ - ١١١٥م]:
ولد بالمهدية فى (٢٦ من ذى الحجة سنة ٤٥٧هـ)، وولى الإمارة
وعمره ثلاث وأربعون سنة وستة أشهر وعشرون يومًا، فوزَّع أموالا
كثيرة، وأحسن السيرة فى الرعية، ثم فتح قلعة «أقليبية» التى
استعصى على أبيه من قبل فتحها، كما جهز أسطولاً كبيرًا، كان
دائم الإغارة على الجزر التابعة لدولة الروم فى البحر المتوسط، ومات
فجأة فى يوم عيد الأضحى سنة (٥٠٩هـ - ١١١٥م).
٧ - على بن يحيى بن تميم [٥٠٩ - ٥١٥ هـ = ١١١٥ - ١١٢١م]:
لم يكن الأمير «على» حاضرًا بالمهدية - التى وُلد بها - حين وفاة
والده، فلما وصل إليه الخبر، حضر مسرعًا، ودفن والده، وتولى
الإمارة خلفًا له، ثم جهز أسطولاً كبيرًا لمهاجمة جزيرة «جَرْبَة»، لأن
أهلها قطعوا الطريق على التجار، وتمكن الأسطول من إخضاع
الجزيرة، وأمَّن الأمير أهلها وعفا عنهم، ثم قضى على عصيان
«رافع» عامله على «قابس»، الذى سعى إلى شق عصا الطاعة
وحشد الجموع لمهاجمة «المهدية». وقد تُوفى الأمير «على» فى
العشر الأواخر من شهر ربيع الآخر سنة (٥١٥هـ= يونيو ١١٢١م).
стр. 689
٨ - الحسن بن على بن يحيى [٥١٥ - ٥٤٣هـ= ١١٢١ - ١١٤٨م]:
ولى الإمارة عقب وفاة والده الأمير «على»، وكان عمره آنذاك اثنتى
عشرة سنة، فقام «صندل الخصىّ» بإدارة شئون الحكم، إلا أنه
تُوفى بعد فترة قصيرة، فتولى القائد «أبو عزيز موفق» الإشراف
على أمور البلاد، وتمكن من صد الأسطول الرومى الذى هاجم بعض
حصون الزيريين فى سنة (٥١٧هـ= ١١٢٣م)، وكذلك ألحق الأمير
«الحسن» الهزيمة بجيش «يحيى بن عبدالعزيز بن حماد» أمير
«بجاية» الذى جاء لمهاجمة «المهدية» والاستيلاء عليها فى سنة
(٥٢٩هـ= ١١٣٥م).
وفى سنة (٥٣٧ - ٥٤٣هـ= ١١٤٢ - ١١٤٨م) حل القحط بإفريقية واستغل
ملك «صقلية» ذلك وجهز أسطولاً كبيرًا، وتوجه به قاصدًا «المهدية»،
ولم يستطع «الحسن» الدفاع عنها، وهرب بأهله ومتاعه إلى أبناء
عمومته من «بنى حماد»، فوضعوه وأهله تحت الحراسة، ومنعوه من
التصرف فى شىء من أمواله، ودخل الروم مدينة «المهدية» دون
قتال أو ممانعة، فسقط حكم «بنى زيرى»، وسقطت إمارتهم، وكان
«الحسن بن على» آخر أمراء «الدولة الزيرية».
العلاقات الزيرية الفاطمية:
شكلت العلاقات الزيرية الفاطمية حجر الزاوية فى وضع «بنى زيرى»
بالمغرب؛ إذ أسفرت هذه العلاقات عن هجوم القبائل الهلالية على
أقاليم «الدولة الزيرية»، بمساعدة الفاطميين فى «مصر» وتوجيههم،
وكان ذلك سببًا رئيسيا فى سقوط «بنى زيرى» وانتهاء دولتهم،
كما اتخذ «المعز بن باديس» خطوات جريئة فى سبيل الاستقلال
بإمارته عن الخلافة الفاطمية، حين قاطع أهل «إفريقية» صلاة
الجمعة بالمساجد لأنها تمثل المذهب الشيعى، فضلا عن نبذ الرعية
للمذهب الشيعى وتمسكهم بالمذهب المالكى، وبدأ «المعز» فى
السعى إلى الاستقلال عن الفاطميين وراسل الخلافة العباسية فى
سنة (٤٣٥هـ= ١٠٤٤م)، وبعث رسولاً من قِبله إلى «بغداد» ليأتيه
بالعهد واللواء، ورحب «العباسيون» بذلك، للانتقام من الفاطميين،
стр. 690
واسترجاع بعض مظاهر سيادتهم على هذه المناطق التى انفصلت
عنهم منذ زمن بعيد، وبعثوا بالعهد واللواء مع «غالب الشيرازى» أحد
رجالهم، ولكن «غالب» وقع فى قبضة الروم، وأرسلوه إلى
أصدقائهم الفاطميين بمصر، فأحرق الفاطميون العهد واللواء،
وطافوا بالرجل فى شوارع «القاهرة»، فقطع «بنو زيرى» علاقتهم
بالفاطميين، وعادوهم ولعنوهم على المنابر، ودعوا للعباسيين، ثم
دعموا استقلالهم وارتباطهم بالعباسيين، وهدموا دار «الإسماعيلية»؛
مركز نشر الدعوة الفاطمية بالبلاد، وغَيَّروا العملة، واتخذوا اللون
الأسود شعار العباسيين رمزًا لهم.
وقد حاولت الخلافة الفاطمية إرجاع العلاقات إلى ما كانت عليه
بالترغيب والترهيب حتى وصل «اليازورى» إلى منصب الوزارة وقبض
على مقاليد الأمور بالخلافة، فعمد إلى تشجيع القبائل الهلالية على
التوجه إلى «القيروان» وأطلق لها العنان فى التدمير والتخريب،
وامتلاك كل ما يقع تحت سيطرتها.
ويرجع تشجيع الوزير الفاطمى لهذه القبائل لعدة أمور، منها: رغبته
فى الانتقام من «المعز بن باديس»، وتوفير الأموال الطائلة التى
ستنفقها الجيوش إذا ما خرجت إلى المغرب لمحاربة «بنى زيرى»،
فضلاً عن أمله فى التخلص من القبائل الهلالية ذاتها؛ لأنها تشكل
مصدر إزعاج وقلق للسلطة الحاكمة بالقاهرة.
وقد فرض الوزير الفاطمى «اليازورى» دينارًا وبعيرًا لكل رجل من
«الهلالية»، فخرجت هذه القبائل قاصدة «القيروان» واستولت على
مدينة «برقة» دون مقاومة، وتقاسمت فيما بينها المناطق الشرقية،
واستأثرت بعض قبائل «بنى هلال» بالمناطق الغربية، واتجهت جموع
«دياب» و «عُرف» و «زغب». وبقية البطون الهلالية إلى «إفريقية»،
واستولوا على «سرت» و «أجدابية» ودمروها، كما دمَّروا بقية المدن
والقرى فى طريقهم إلى «القيروان».
وخرج «المعز بن باديس» بجيشه وجموع «زناتة» و «صنهاجة»
و «عبيدة» لملاقاة الهلاليين، ولكنهم تغلبوا عليه وهزموه على الرغم
стр. 691
من أن عددهم كان لا يتجاوز ثلاثة آلاف فارس، فى حين بلغ تعداد
جيش «المعز» ثلاثين ألف مقاتل، وأسرع المعز إلى «القيروان» وأقام
حولها سورًا لحمايتها فى سنة (٤٤٦هـ= ١٠٥٤م)، ثم أمر السكان من
النساء والأطفال والشيوخ بالانتقال إلى مدينة «المهدية» الحصينة
للاحتماء بها، فلما يئس من حماية «القيروان»، انتقل برجال دولته
وحاشيته إلى «المهدية»، فدخلها الهلاليون فى سنة (٤٤٩هـ=
١٠٥٧م).
ولم يمكث «المعز» طويلا بعد سقوط «القيروان» والكثير من مدن
دولته، وتوفى بالمهدية فى سنة (٤٥٣هـ= ١٠٦١م)، ومن ثَم انهار
الحكم الزيرى بالمنطقة، وتحكمت فيها القبائل الهلالية، وامتد
تأثيرهم السياسى حتى وصل إلى «المغرب الأوسط»، وهادنهم «بنو
حماد»، وأعطوهم نصف غلات بلادهم اتقاء لشرهم، ودفعًا لأذاهم
وخطرهم.
بعض المظاهر الحضارية لدولة بنى زيرى بالمغرب:
كانت الزراعة هى دعامة الحياة الاقتصادية فى المنطقة، التى تمتعت
بالهدوء والاستقرار فى ظل الحكم الزيرى فيما عدا الفترة التى
شهدت هجوم العرب الهلالية على البلاد، وقد ساعد تطور نظام الرى
على تطور الزراعة، فعرفت المنطقة زراعة «القطن» و «قصب السكر»
و «الشعير» وازدهرت زراعة «التمر» و «العنب» و «الموز»، ولعبت
تربية الأغنام دورًا مهما فى حياة الفلاح المغربى.
وقامت الأسواق المنتشرة بالمدن المغربية بدور مهم فى تنشيط
الحركة التجارية؛ حيث كانت هناك أسواق: البزازين، والجزارين،
والزجاجين، وسوق الدجاج، وسوق الغزل، وغيرها من الأسواق التى
ساعدت على ازدهار التجارة، وبخاصة فى مدينة «القيروان»،
فأصبحت «المغرب» بلدًا غنيا، وباتت قبلة تجار الشرق والغرب.
ونشطت حركة التصدير والاستيراد بها، واشتهرت مدينة «باجة»
بتصدير كميات كبيرة من «القمح»، كما صُدِّر «زيت الزيتون» عن
طريق ميناءى «سوسة» و «صفاقس» إلى بلدان المشرق، وبلاد
«أوربا»، فأدى هذا الازدهار إلى تطور الصناعات، وعرفت المدن
стр. 692
المغربية صناعات «النسيج» و «الجلود»، و «الأوانى الفخارية»،
وغيرها من الصناعات المتنوعة.
أما الناحية الفكرية: فقد شهدت ازدهارًا كبيرًا وتطورًا ملحوظًا،
وبخاصة فى مدينة «القيروان» التى أصبحت فى طليعة العواصم
الإسلامية ذات الأثر فى تاريخ الفكر الإسلامى، وشهدت مساجد
المغرب المناظرات الفقهية والكلامية بين الشيعة، والمالكيين من أهل
السنة، وصمد علماء المذهب المالكى وفقهاؤه رغم ما لاقوه من سجن
وتعذيب على أيدى الشيعة الفاطميين، وتعلق السكان بهذا المذهب،
وأصبح مذهبهم الرسمى منذ ذلك الوقت حتى الآن.
وتطورت الحركة الأدبية فى عهد «المعز بن باديس» الذى اشتهر
بتشجيع أهل الأدب والعلم، وأحسن معاملتهم، مثلما أخبرعنه
«ياقوت» بقوله: وكانت «القيروان» فى عهده وجهة العلماء
والأدباء، يشدون إليها الرحال من كل فجّ، لما يرونه من إقبال
«المعز» على أهل العلم والأدب وعنايته بهم.
ثم كان لاختلاط الهلاليين بسكان «المغرب» أثره الكبير فى تعريب
جزء من هؤلاء السكان، حيث امتزج المغاربة بالعرب الهلاليين على مر
الأيام، وتزاوجا، فاختلطت الدماء، وتعلم سكان البلاد الأصليون لغة
الوافدين العرب، فانتشرت اللغة العربية فى مناطق كثيرة من
المغرب، ومن ثم انتشرت الثقافة العربية بهذه البلاد.
стр. 693
الفصل العاشر
*دولة المرابطين
تمهيد:
شهد «المغرب الأقصى» خلال القرنين الخامس والسادس الهجريين
فترة مزدهرة؛ عُدَّت من أخصب فترات حياته؛ حيث قامت على أرضه
أكبر دولتين عرفتهما المنطقة فى هذا الوقت، هما: «دولة
المرابطين»، و «دولة الموحدين»، اللتان أبرزتا شخصية «المغرب
الأقصى» باعتبارها دولاً مستقلة؛ قامت على أكتاف أبنائها،
وبسطت نفوذها على مناطق شاسعة بالشمال الإفريقى، فضلا عن
«الأندلس»، وشاركت مع غيرها فى إرساء قواعد الحضارة الإسلامية
فى غربى العالم الإسلامى، بنظمها، وحضارتها واقتصادها المزدهر،
ومبانيها، فضلا عن ثقافتها، وعلمائها ومفكريها.
- الأوضاع السياسية فى بلاد المغرب الأقصى قبل قيام دولة
المرابطين:
أصيبت «دولة الأدارسة» التى أسسها «إدريس بن عبدالله» بالمغرب
الأقصى فى سنة (١٧٢هـ = ٧٨٨م) بالضعف والاضمحلال بعد دخول
جيوش «أبى عبدالله الشيعى» بقيادة «مصالة بن حيُّوس المكناسى»
إلى هذه المنطقة فى سنة (٣٠٥هـ= ٩١٧م)، ومن ثَم مرت المنطقة بفترة
حالكة فى تاريخها، وباتت تدعو على منابرها للفاطميين تارة،
ولحكام «الأندلس» تارة أخرى، وخيَّمت عليها المنازعات القبلية
والحروب الطاحنة وتوزعت المنطقة بين القبائل المختلفة والأسر
المتناحرة، وانقسمت الخريطة السياسية للمغرب الأقصى إلى أربعة
تجمعات، هى:
١ - منطقة «فاس» وما حولها، وهى خاضعة لأمراء «مغرادة».
٢ - منطقة «سلاوتادلا»، وكانت خاضعة لبنى يغرن.
٣ - منطقة «سجلماسة» و «درعة»، وكانت خاضعة لبنى خزردن.
٤ - إمارة «برغواطة» فى سهول «تامسنا».
أما «فاس»؛ فكانت خاضعة لأمراء «مغرادة»، وقد دخلها «زيرى بن
عطية» أول هؤلاء الأمراء فى سنة (٣٧٧هـ= ٩٨٧م)، واستوطن بها، ثم
جعلها قاعدة إمارته، ودخل فى عدة حروب مع «بنى يغرن»، ومع
جيوش «الدولة الأموية» التى كان خاضعًا لها، وقد انتهت هذه
الحروب بوفاة «زيرى» متأثرًا بجراحه فى سنة (٣٩١هـ= ١٠٠١م)،
стр. 694
فلما ولى ابنه «المعز» الإمارة أصلح علاقته بالدولة الأموية فى
«الأندلس»، ثم توالى الأمراء على «فاس»، واتسمت فترة حكمهم
بكثرة الحروب، وكان «تميم بن معتصر بن حماد» الذى تولى فى
سنة (٤٦٠هـ= ١٠٦٨م) هو آخر الأمراء، وقد دخل فى صراع طويل مع
«المرابطين»، ولكنهم نجحوا فى دخول فاس فى سنة (٤٦٢هـ=
١٠٧٠م)، وقتل «تميم»، وطويت صفحة أمراء «مغرادة»، وتولى
المرابطون السلطة.
أما منطقة «سلاوتادلا»، فكانت خاضعة لأمراء «بنى يغرن»، الذين
دخلوا فى صراع مع أبناء عمومتهم من أمراء «مغرادة»، وكان آخر
أمرائهم هو «محمد بن تميم بن زيرى» الذى تولى الإمارة فى سنة
(٤٤٨هـ= ١٠٥٦م)، وقتل على أيدى المرابطين فى سنة (٤٦٢هـ=
١٠٧٠م).
أما «سجلماسة» و «درعة» فقد تولى حكمها «بنو خزردن» فى سنة
(٣٦٦هـ= ٩٧٦م)، واستمروا فى الحكم حتى أسقطهم المرابطون فى
سنة (٤٧٧هـ= ١٠٨٤م).
أما إمارة «برغواطة» - التى احتلت المناطق الساحلية جنوبى
«طنجة» إلى «آصيلا» واشتملت على مناطق «تامسنا» - التى أقامت
بها عدة قبائل من «زناتة»، فقد دخلت هذه الإمارة فى صراع مع
«بنى يغرن»، و «الأدارسة»، ثم مع المرابطين الذين قضوا على الحكم
فيها، وغيروا سياستها ونظمها.
قيام دولة المرابطين:
قامت «دولة المرابطين» على أساس دعوة دينية، نمت وازدهرت فى
«ديار الملثمين» بجنوب «المغرب الأقصى» بفضل جهود الفقيه
المالكى «عبدالله ابن ياسين»، الذى تمتع إلى جانب علمه وفقهه
ببعد النظر ونفاذ البصيرة، وتوجه إلى قبيلة «جدالة» بصحبة زعيمها
«يحيى بن إبراهيم»، ففرحت بمقدمه، ثم ما لبث هذا الفرح طويلا
حتى تحول إلى جفوة وإعراض حين بدأ «ابن ياسين» فى تغيير ما
ألفوه من عادات وملذات تخالف أحكام الدين، وحسبه الزعماء
والنبلاء ينتقص من حقوقهم، ويُسوِّى بينهم وبين مواليهم، وساءت
العلاقة بينهم وبين «ابن ياسين» ونهبوا داره وهدموها، واضطر هذا
الفقيه إلى الرحيل بمن تبعه إلى جزيرة منعزلة بالسنغال.
стр. 695
وبدأ «ابن ياسين» فى هذه الجزيرة بإعداد التلاميذ ونشر الدعوة،
فذاع صيته، وكثر عدد أتباعه، فأطلق عليهم لقب: «المرابطين»،
ومضوا فى تنفيذ ما أمر به.
وقد بدأ المرابطون نشر دعوتهم بين قبيلة «جدالة» التى تمردت على
«ابن ياسين» من قبل، فقصدوا قبيلتى «لمتونة» و «سوقة» ونجحوا
فى نشر دعوتهم بينهما، فكان ذلك مدعاة لانضواء بقية القبائل تحت
لوائهم.
انتقال السلطة إلى قبيلة لمتونة:
تُوفِّى الأمير «يحيى بن إبراهيم الجدالى» فى سنة (٤٤٧هـ= ١٠٥٥م)،
فاختار «ابن ياسين» «يحيى بن محلاكاكين اللمتونى» قائدًا لجند
المرابطين، فنقل بذلك السلطة العسكرية من «جدالة» إلى «لمتونة»
التى كانت تتمتع بمكانة مرموقة بين بقية «قبائل الملثمين»، فضلا
عن سيطرتها على طرق التجارة الساحلية، وهكذا ظهرت قبيلة
«لمتونة» على مسرح الأحداث، وتتابع أبناؤها فى السلطة حتى
نهاية حكم المرابطين.
وفى سنة (٤٤٧هـ= ١٠٥٥م) استغاث فقهاء «درعة» و «سجلماسة»
بعبدالله بن ياسين لإنقاذ بلادهم من الفساد والظلم، فاستجاب لهذه
الدعوة، وخرج بجيشه متوجهًا إلى «درعة» و «سجلماسة»، وتمكن
من القضاء على أمراء «مغرادة»، وولى المرابطون عمالا تابعين لهم
على هذه البلاد.
ولم يستمر الهدوء طويلاً بمدينة «سجلماسة» وقامت بها ثورة؛
اضطرت المرابطين بقيادة «يحيى بن محلاكاكين» إلى العودة إليها،
ونجحوا فى إخماد ثورتها، إلا أن قائدهم «يحيى اللمتونى» استشهد
فى المعركة، فوقع اختيار «ابن ياسين» على الأمير «أبى بكر بن
عمر» فى سنة (٤٤٨هـ= ١٠٥٦م) لقيادة الجيوش، فانتقل «أبو بكر»
بالدعوة من مرحلة تلبية نداء المعونة لسجلماسة و «درعة» إلى مرحلة
الغزو المسلح للمغرب الأقصى، ودخل مع قبائل «برغواطة» التى
اعتنقت المجوسية فى عدة معارك، فأصيب الداعية «ابن ياسين» فى
إحداها بإصابات قاتلة أودت بحياته فى سنة (٤٥١هـ= ١٠٥٩م).
وواصل «أبو بكر» جهاده، وفرَّق جموع «برغواطة»، واستأصل
стр. 696
شأفتهم، ثم رجع إلى مدينة «أغمات» التى اتخذها عاصمة له. وقد
شاركه فى نشاطه المسلح ابن عمه «يوسف بن تاشفين الصنهاجى
اللمتونى»، الذى أثبت كفاءة عالية، ومقدرة فائقة، وحقق نجاحًا
بارزًا؛ غير أن أحداثًا ما وقعت بالصحراء، جعلت «أبا بكر» يتوجه
إلى الجنوب تاركًا قيادة بقية المرابطين لابن عمه «يوسف».
يوسف بن تاشفين:
يعد «ابن تاشفين» المؤسس الحقيقى لدولة المرابطين بالمغرب
الأقصى، وقد تجمعت فيه صفات الزعامة والشجاعة والقيادة والحزم،
والتفت حوله قلوب المرابطين، وشرع فى بناء مدينة «مراكش»
عاصمته الجديدة فى سنة (٤٥٤هـ= ١٠٦٢م) ونجح فى بسط نفوذه
على «المغرب الأقصى» فى سنة (٤٦٧هـ= ١٠٧٤م).
وقد نجح ابن «تاشفين» إلى جانب توحيد «المغرب الأقصى» فى
وقف الزحف النصرانى على «الأندلس»، وضمَّها إلى «دولة المرابطين»
التى اتسعت أطرافها وزادت خيراتها، وتمتعت بالازدهار والرقى فى
مختلف المجالات، ثم مرض «يوسف» فى سنة (٤٩٨هـ= ١١٠٤م)، ثم
أسلم روحه فى سنة (٥٠٠هـ= ١١٠٦م) ودفن بمدينة «مراكش».
على بن يوسف بن تاشفين:
ولى الأمير «على» الحكم واقتفى سياسة والده، وسار بين الناس
بالحكمة والعدل، واستعان بالفقهاء والعلماء فى حكم البلاد، فتبوأ
مكانة طيبة فى نفوس رعيته.
ومضى «على بن يوسف» فى استكمال الجهود الحربية التى بدأها
والده بالأندلس، وعبر إليها بنفسه أربع مرات؛ لتثبيت سلطان
المرابطين، ومواجهة الهجمات المتكررة للمسيحيين، فأحرز انتصارات
كبيرة، ونال رضا الخلافة العباسية.
تاشفين بن على:
تُوفِّى الأمير «على» فى سنة (٥٣٧هـ= ١١٤٢م)، فتولى ابنُه
«تاشفين» الحكم من بعده، فدخل فى صراع مع دولة «الموحدين»،
ولم تفلح جهوده فى صد موجاتهم المتتابعة، وانتهى به الأمر إلى
«وهران»؛ حيث قُتل فى سنة (٥٣٩هـ= ١١٤٤م)، فَفَتَّ ذلك فى عضد
الدولة، وسقطت أجزاء كثيرة منها فى أيدى الموحدين.
إسحاق بن على:
стр. 697
حاول المرابطون الاحتفاظ بكيانهم المتداعى، وأمَّروا عليهم «إبراهيم
بن تاشفين» إلا أنه لم ينعم بالسلطة طويلا، حيث نازعه عليها عمه
«إسحاق بن على ابن تاشفين»، وتولى مكانه، ولكنه لم يستطع أن
يدفع حصار الموحدين بقيادة «عبدالمؤمن» خليفة «ابن تومرت» حول
العاصمة «مراكش» فى سنة (٥٤١هـ= ١١٤٦م)، فسقطت «مراكش» فى
يد «عبدالمؤمن» الذى أعمل فيها السيف وقضى على كثير من
أهلها، وترتب على ذلك سقوط «دولة المرابطين».
عوامل سقوط دولة المرابطين:
ضعفت القيادة العليا للمرابطين منذ تولى «على بن يوسف» حكم
البلاد، واستبد كثير من الأمراء بالأمر، ثم جاء الخلاف الخطير بين
«إبراهيم بن تاشفين» وعمه «إسحاق بن على» على السلطة، فى
الوقت الذى كان يزحف فيه الموحدون نحو العاصمة «مراكش».
يضاف إلى ذلك تخاذل الجند، فضلا عن الحروب المستمرة التى
خاضوها بالأندلس، فاستنزفت قواهم واقتصاد بلادهم، وظهور
شخصية «ابن تومرت» الذى نجح فى جذب أعداد كبيرة إليه.
فكان ذلك كله من أسباب سقوط «دولة المرابطين» وقيام «دولة
الموحدين».
العلاقات الخارجية لدولة المرابطين:
تركزت علاقات المرابطين فى جبهتى «الأندلس» و «الدولة العباسية»؛
حيث هبوا لنجدة «الأندلس» من النصارى الإفرنج، ثم قرروا -بعد عدة
معارك- ضمها إلى دولتهم، وظلت المعارك هى الطابع المميز لعلاقة
المرابطين بالممالك الإفرنجية فى الشمال الأندلسى.
أما علاقتهم بالعباسيين فقد بدأت بعد أن قاموا بنشر دعوتهم
بأرجاء «المغرب الأقصى»، ومن ثم اتصلوا بالخلافة واعترفوا بسلطة
الخليفة الروحية فى العالم الإسلامى، وطلبًا لتأييد «الخلافة
العباسية» لهم، وفى ذلك دعم لدعوتهم التى تأسست عليها دولتهم،
وكان الترحيب والاستجابة سمة العلاقة بين الجانبين.
الأوضاع الحضارية فى دولة المرابطين:
- الوزارة:
بعد أن وطَّد «يوسف بن تاشفين» دعائم دولته، وأخضع «الأندلس»
стр. 698
لسلطته، اتخذ صهره «سير بن أبى بكر» وزيرًا له؛ حيث كان من أبرز
زعماء «لمتونة» وقادتها، وقد أسند «ابن تاشفين» إليه مهمة
الاستيلاء على مدن «الأندلس».
وإلى جانب الوزارة العسكرية، كانت هناك وزارة مدنية؛ اُختير معظم
مَن تقلدوها من الفقهاء الذين نالوا حظًّا كبيرًا من الثقافة العربية،
أمثال «مالك بن وهب» وزير «على بن يوسف».
وقد انقسم الوزراء من حيث إقامتهم إلى وزراء مركزيين، يقيمون
بمراكش بوصفها عاصمة البلاد، ووزراء إقليميين، تابعين للأمراء
المحليين. وتنوعت اختصاصات الوزراء وسلطانهم بالإشراف على
الشئون المالية، أو الاختصاص بالكتابة، أو بشئون العمال
والمتصرفين فى أموال الدولة، ذلك فضلا عن الوزير المختص بشئون
الحرب والفنون العسكرية.
- أمراء الأقاليم:
شمل إقليم «المغرب الأقصى» ست ولايات عدا العاصمة «مراكش»
وهذه الولايات هى: «فاس» و «سجلماسة» و «السوس» و «تلمسان»،
أما الصحراء و «سبتة» و «طنجة» فكانت إقليمًا واحدًا، ويتم اختيار
الولاة من الأسرة الحاكمة بمراكش أو من ذوى قرباهم، أو من القبائل
المؤسسة للدولة.
وقد تمتع ولاة «المغرب الأقصى» فى ظل «دولة المرابطين» بسلطات
واسعة، وكان من حقهم عزل وتعيين من دونهم من الولاة المحليين،
والقيام بتحركات عسكرية داخل مناطق نفوذهم، ولذا أشرف أمراء
المرابطين عليهم، ورسموا لهم السياسات وتابعوا تطبيقها، وحاسبوا
وعاقبوا على التقصير فيها.
- الدواوين:
عمل «يوسف بن تاشفين» بنظام الدواوين فى سنة (٤٦٤هـ= ١٠٧٢م)،
فأنشأ «ديوان الرسائل» (الإنشاء) وجعل عليه موظفًا كبيرًا عُرف
باسم: «الكاتب»، وأقام أربعة دواوين على مالية الدولة، وهى:
١ - «ديوان الغنائم ونفقات الجند».
٢ - «ديوان الضرائب».
٣ - «ديوان الجباية».
٤ - «ديوان مراقبة الدخل والخرج».
- الشرطة:
اتخذ أمراء المرابطين الشرطة للمحافظة على أرواح الناس، وحماية
ممتلكاتهم، وصيانة حقوقهم، وقد أُطلق على صاحب الشرطة بالمغرب
стр. 699
الأقصى لقب: «العريف» أو «صاحب الليل» لما يقوم به من الحراسة
ليلاً.
وكان على صاحب الشرطة معاونة الحكام وأصحاب المظالم وإقامة
الحدود والتعازير، وإشخاص الناس لذلك، فضلاً عن مراقبة أبواب
المدينة وتحصيناتها.
النظام القضائى:
أقام المرابطون نظامهم القضائى على الأسس القضائية التى أحكمها
الأمويون بالأندلس؛ إذ فصلوا بين السلطتين الإدارية والقضائية،
واستعان المرابطون بكثير من القضاة من مختلف المناطق مثل:
«موسى بن حماد الصنهاجى» الذى تولى القضاء بمراكش فى عهد
«على بن يوسف بن تاشفين»، وتُوفى فى سنة (٥٣٥هـ=١١٤٠م)،
والقاضى «ابن ملجوم»، من «فاس»، وتولى القضاء بفاس ومات فى
سنة (٥٤٣هـ= ١١٤٨م)، والقاضى «عياض بن موسى بن عياض
اليحصبى» من «سبتة»، وقد تولى القضاء بسبتة، وتُوفى بمراكش
فى سنة (٥٤٤هـ= ١١٤٩م).
واشتُرِط فى القاضى أن يكون رجلا عاقلا حرا مسلمًا عادلاً، مع
السلامة فى السمع والبصر، وأن يكون عالمًا بالأحكام الشرعية، وأن
تكون مصادره فى القضاء الكتاب والسنة وما وقع عليه إجماع الأمة
والاجتهاد، والمتكلَّم به عند الفقهاء.
الحياة الاقتصادية فى دولة المرابطين:
شهد «المغرب الأقصى» فى عهد «دولة المرابطين» ازدهارًا اقتصادياً
ورخاءً فى مناحى الحياة كافة؛ حيث حرص المرابطون على النهوض
بالزراعة والصناعة والتجارة، واهتموا بالنظام المالى وإدارته وكيفية
جمعه وإنفاقه، واتخذ «يوسف بن تاشفين» حصنًا صغيرًا لحفظ
الأموال والسلاح، ثم دَوَّن لذلك الدواوين حين اتسعت أعمال دولته
واستقرت أوضاعها فجعل للمالية دواوين: «الغنائم»، و «نفقات
الجند»، و «الضرائب»، و «الجباية»، و «مراقبة الدخل والخرج»، وكان
الكتَّاب يقومون بتدوين النواحى المالية المختلفة، والعمال الذين
يقومون بجبايتها، وكان جمع أموال الزكاة والجزية المفروضة على
أهل الذمة يتم كل عام، أما غير ذلك من مصادر المال كالغنيمة
والعشور، فإنها كانت مرتبطة بظروفها.
стр. 700
وكان المشتغلون بمالية الدولة -دائمًا- تحت المراقبة الشديدة،
والحساب المستمر، والعقاب السريع فى حالة التقصير.
وتأتى الزكاة فى مقدمة مصادر الدخل المالى لهذه الدولة، ثم تليها
الجزية المفروضة على أهل الكتاب نظير ما يتمتعون به من أمن
وحماية، وقد فُرضت الجزية على الرجال الأحرار العقلاء، ولم تُؤخذ من
النساء، ولا من الصبية والمجانين والعبيد، وكان مقدارها موكولاً إلى
ولاة الأمر واجتهادهم. أما فيما يتعلق بالضرائب، فإن المرابطين فى
بداية عهدهم التزموا بأحكام الشرع، ولم يفرضوا إلا ما جاء بالكتاب
والسنة، وألغوا ما عدا ذلك من الضرائب بالمغرب والأندلس، وشكلت
الغنيمة مصدرًا مهما من مصادر الدخل للدولة، نظرًا للمعارك الكثيرة
التى خاضها المرابطون ضد الإفرنج.
وقد ساهمت المصادر المالية المتنوعة فى الإنفاق على تجهيز
الحملات العسكرية المتكررة، وإقامة المنشآت، والإنفاق على أوجه
الإصلاح والتعمير، فضلا عن المرتبات والأرزاق، وأصدر المرابطون
العملات النقدية لتأكيد سلطانهم الاقتصادى.
واهتموا بالزراعة وما يتعلق بها، فشيد «على بن يوسف» قنطرة
على نهر «تانسيفت» لتوزيع المياه اللازمة للزراعة، فشهدت البلاد -
لخصوبة أرضها- وفرة فى المزروعات، وكذلك فى الغابات التى
نبتت فى أجزاء متفرقة من البلاد. فأمدت البلاد بكميات وفيرة من
الأخشاب التى استخدمت فى كثير من الصناعات مثل صناعة السفن.
وكان للصناعة دور بارز فى ازدهار اقتصاد «دولة المرابطين»؛ حيث
ازدهرت صناعات كثيرة ومتنوعة نتيجة استقرار الأوضاع، وتوافر
المواد الخام، ووجود الخبرة الصناعية المتمثلة فى الأيدى العاملة
التى حركت عجلة التصنيع، ودفعتها إلى الأمام.
وقد ظهرت عدة صناعات منها: صناعة السفن والزجاج، وأدوات
النحاس والحديد، واستخراج الزيوت من الزيتون، والسكر من القصب،
وكذلك صناعة الملابس من القطن والصوف، وصناعة دبغ الجلود.
стр. 701
وشاركت التجارة فى دفع عجلة الاقتصاد بدولة المرابطين منذ
تأسيسها؛ حيث وجه أمراء هذه الدولة اهتمامهم إلى التجارة،
وعملوا على تنشيطها؛ بتشجيع التجار على ارتياد البلاد، ووفروا لهم
سبل الإقامة، وأنشأوا لهم الفنادق، مثلما فعل «يوسف بن تاشفين»
حين دخل مدينة «فاس» فى سنة (٤٦٢هـ= ١٠٦٩م).
وقد وُجدت المراكز التجارية فى أنحاء دولة المرابطين، وبخاصة فى
العاصمة «مراكش» التى حظيت باهتمام التجار، وصارت مركزًا للتجارة
الداخلية بين مدن الشمال والجنوب، كما كانت مدينة «فاس» مركزًا
تجارياًّ مهماًّ، لموقعها الممتاز فى قلب البلاد، وتوافر المحاصيل
الزراعية والصناعات المختلفة بها.
وارتبطت مراكز التجارة الخارجية بالمغرب الأقصى فى عهد
المرابطين، بعدة طرق برية يضاف إليها الطريق الملاحى الذى تنقل
التجارة بواسطته من هذه البلاد وإليها، وكانت أهم الطرق البرية
هى: الطريق الذى كان يربط البلاد بمنطقة «السنغال» و «النيجر»؛ إذ
كان يمر بسجلماسة «ودرعة» ومدن «المغرب الأقصى»، متجهًا إلى
«أودغشت»، ثم إلى منحنى «النيجر»، وهناك طريق الساحل الذى
يربط «دولة المرابطين» بالشرق حتى «مصر»، إلى جانب طريق آخر
من «أودغشت» و «سجلماسة»، تسير فيه القوافل بالصحراء حتى
«الواحات الداخلة» بمصر.
وكان للموانى المنتشرة على ساحل «البحر المتوسط» و «المحيط
الأطلسى» أثر كبير فى تنشيط حركة التجارة، فتنوعت صادرات
البلاد، وشملت: القطن، والقمح، والسكر، والزيتون، والزيت
المستخرج من الأسماك، والنحاس المسبوك، وغيرها من الصادرات.
أما أهم وارداتها، فكانت: الذهب، والزئبق، وبعض أنواع النسيج
البلنسى، والعطر الهندى، وبعض الواردات الأخرى.
الحياة الاجتماعية فى دولة المرابطين:
شكل البربر الغالبية العظمى من سكان «بلاد المغرب» الذين تأسست
على أيديهم دولة المرابطين، وقد شاركهم العرب فى الإقامة بالمنطقة
стр. 702
منذ بدأت فتوح المسلمين لهذه البلاد، ثم جاءت القبائل العربية
الهلالية بعد ذلك إليها، وشاركهم السودانيون الذين انضموا إلى
جيوش المرابطين، فضلاً عن تواجد عنصر الروم والصقالبة الذين
عاشوا فى ظل المرابطين، واتخذ منهم بعض الأمراء حرسه الخاص،
كما استخدمهم بعض الأمراء فى جباية الأموال.
وقد تبوأت المرأة مكانة مرموقة فى المجتمع المرابطى، وتمتعت
بوضع كريم فى القبيلة الصنهاجية؛ إذ كانت تشترك فى مجلس
القبيلة، وتشارك فى الأمور المهمة. وبلغ احترام المرابطين للمرأة حدا
جعل القادة والأمراء يُلقبون أنفسهم بأسماء أمهاتهم، تقديرًا لدور
المرأة فى المجتمع، فنجد «ابن عائشة»، و «عبدالله بن فاطمة»،
وهما من أبرز قادة المرابطين.
وعاش أهل الذمة فى بلاد المرابطين إلى جانب غيرهم من طبقات
المجتمع وفئاته فى ظل حماية القيادة العليا للبلاد، وأصبحت طائفة
اليهود على قدر كبير من الثراء، ولكن بعض أهل الذمة عمدوا إلى
مساعدة أعداء البلاد، وتحريضهم على غزوها، فكان رد فعل أمراء
المرابطين هو نفى عدد كبير من هؤلاء، ومنْع اليهود من المبيت
بالعاصمة «مراكش»، والسماح لهم بالعمل نهارًا، والانصراف منها
ليلاً؛ وهو إجراء وقائى للحفاظ على العاصمة من المؤامرات
والدسائس والفتن، وبها ما بها من تجمعات الجند وقادة الجيوش،
وإدارة البلاد، فضلا عن كونها مقر أمير البلاد وأسرته وأعوانه
وحاشيته.
البناء والتعمير:
انتعشت حركة البناء والتعمير فى «دولة المرابطين»، وقد بدأها
الأمير «يوسف بن تاشفين» بتأسيس مدينة «مراكش» وبنائها،
وغيرها من المنشآت، وتبعه فى ذلك ابنه «على» والأمراء من بعده،
وامتازت مبانى المرابطين بالضخامة والقوة والاتساع، والاقتصاد فى
الزخرفة تمشيًا مع بساطتهم.
وتعد «مراكش» من أبرز أعمال المرابطين، وكان سبب بنائها، ازدحام
مدينة «أغمات» بقبائل المرابطين القادمين من الجنوب، يضاف إلى
стр. 703
ذلك موقعها الاستراتيجى فى مفترق طرق الأطلس والصحراء، وقربها
من مواطن المصامدة الذين يشكلون غالبية السكان، وكذلك قربها من
صحراء المرابطين ومواطن «لمتونة»؛ حيث توجد الإمدادات العسكرية،
وتأسست «مراكش» على أرجح الآراء فى سنة (٤٥٤هـ= ١٠٦٢م)،
وشارك الأمير «يوسف» فى البناء لتشجيع من حوله فى المساهمة،
ثم بنى فيها ابنه الأمير «على» قصره المعروف بدار الحجر، وأحاطه
بالأسوار.
الحياة الفكرية:
عاشت «دولة المرابطين» نهضة فكرية مزدهرة، ازدهرت فيها علوم
الأدب واللغة والعلوم والفلسفة والطب، ووفد طلاب العلم على المدن
المغربية من كل مكان، وقد ساعد على ذلك تشجيع الأمراء المرابطين
للعلماء وطالبى العلم، فقصد العلماء العاصمة «مراكش»، وانتظم
الطلاب فى دراساتهم، واجتهد كل ذى موهبة فى إبراز ما لديه،
ورغب كثير من أبناء «المغرب» فى طلب العلم، لأن مناصب الدولة
ووظائفها كانت مقصورة على المتعلمين والمثقفين.
وأصبحت «مراكش» تضاهى «بغداد» فى ازدهار العلوم وكثرة
العلماء وشاركتها مدينة «فاس» التى أسسها «إدريس بن عبدالله»
فى المكانة، وظل مسجدها الكبير (جامع القرويين) مركز إشعاع
علمى يقصده طلاب العلم من كل مكان.
العلوم الدينية:
أسهمت الروح الدينية التى سادت «بلاد المغرب» منذ قيام «دولة
المرابطين» فى ازدهار العلوم الشرعية؛ مثل: علوم التفسير والحديث
والفقه والكلام، ووفود كثير من علماء الأندلس على مراكش وغيرها
فأسهموا فى دفع حركة التأليف، وشاركهم أبناء المغرب الذين
أقبلوا على الدراسة والبحث فى دفع هذه الحركة، فنبغ عدد كبير
من العلماء.
وعنى المغاربة بكتاب «الوجيز» فى التفسير لعبدالحق بن غالب بن
عطية المحاربى، المتوفى فى سنة (٥٤١هـ= ١١٤٦م)؛ حيث جمع فيه
«ابن غالب» خلاصة التفاسير كلها، وتحرَّى منها ما هو أقرب إلى
الصحة.
ونال علم الحديث عناية فائقة من ولاة الأمر، وكان «موطأ» الإمام
стр. 704
«مالك» مدار الدراسات فى الدولة، وكذلك نشط علم الفقه، ولم ينل
علم الكلام الرعاية والعناية خلال حكم المرابطين، لأنهم نهجوا طريق
السلف، ولم يميلوا إلى الخوض فى هذا العلم.
الحياة الأدبية والعلمية:
ازدهر الأدب بنوعيه الشعر والنثر فى هذه الفترة باعتباره مظهرًا من
مظاهر الحركة الفكرية بالبلاد، وحظى الأدباء برعاية الولاة، وكان
بالبلاط المرابطى بعض كبار الكتاب والأدباء الأندلسيين، أمثال:
«أبى القاسم بن الجد»، و «ابن القبطرنة»، و «أبى عبدالله بن أبى
الخصال»، و «ابن خلدون» وغيرهم.
وقد أثر المذهب المالكى وعلماؤه وفقهاؤه فى توجيه الأدب
المغربى وجهة تميزت بالبساطة والوضوح، وبعدت عن الزخرف
والصنعة وبعدته عن تناول بعض الأغراض التى تناولها أدباء المشرق
مثل: «الخمريات»، التى تتنافى مع الجو الدينى الذى ساد البلاد.
المكتبات:
كثر عدد المكتبات التى ازدحمت بالمؤلفات فى عهد المرابطين، نظرًا
لكثرة العلماء والمؤلفين والكتاب، واهتمام ولاة الأمر بهم وتكريمهم
لهم، وقد ساعد ذلك على ازدهار الحركة الفكرية للبلاد.
ولم تكن الرغبة فى جمع الكتب مقصورة على ولاة الأمر، بل تعدتها
إلى أبناء الشعب، ودفع الكثير منهم مبالغ كبيرة لشراء مرجع أو
اقتناء كتاب. مثلما فعل القاضى: «عيسى بن أبى حجاج بن
الملجوم» الذى اشترى من «أبى على الغسانى» نسخة من «سنن
أبى داود» بخمسة آلاف دينار.
وكان منصب «أمين مكتبة الخزانة العلية» من المناصب الرفيعة فى
الدولة، ولا يتولاه إلا أحد أكابر العلماء المشهورين بالثقافة
والكفاءة ودقة التصنيف.
وقد تحددت أماكن كثيرة لبيع الكتب بدولة المرابطين، ففى
«مراكش» كانت متاجر بيع الكتب المخطوطة إلى جوار جامع
الكتبيين، وكانت فى «تلمسان» سوق لبيع الكتب. وهكذا ساهمت
المكتبات فى دفع تيار الثقافة بالبلاد، وتزويدها بما تحتاجه من
مختلف فروع العلم والمعرفة.
стр. 705
الفصل الحادي عشر
*دولة الموحدين
ظهور المهدى بن تومرت:
لم تنعم «دولة المرابطين» بالهدوء والاستقرار منذ ظهور الداعية
«محمد ابن تومرت» على مسرح الأحداث، وقد نشأ «ابن تومرت»
نشأة دينية بقبيلة «هرنمة» إحدى قبائل المصامدة، ولكن ما تلقاه
من علوم فى وطنه لم يَرْوِ ظمأه، فسافر إلى المراكز الثقافية
المشهورة بالعالم الإسلامى، وبدأ رحلاته إلى «الأندلس» فى مطلع
القرن السادس الهجرى، ثم إلى المشرق مارَّا بالإسكندرية، ومنها إلى
«مكة» ثم إلى «بغداد» حيث التقى هناك بأكابر العلماء أمثال «أبى
بكر الطرطوشى»، واستغرقت رحلته فى طلب العلم نحو خمسة عشر
عامًا مكنته من التزود بقدر كبير من الثقافة والمعرفة، وتعرُّف أحوال
العالم الإسلامى، ومدى انقسام المسلمين وفرقتهم بالمشرق.
وبعد أن عاد إلى «المغرب» بدأ دعوته بمدن المغرب محاولاً إصلاح
الأوضاع الفاسدة وتغييرها. فوجدت دعوته قبولاً وترحيبًا من
الجماهير، ورفضًا شديدًا من الحكام؛ إذ رأوها خطرًا يهدد مصالحهم
ومراكزهم.
والتقى «ابن تومرت» خلال هذه الرحلة بعبد المؤمن بن على الذى
أصبح من أخلص تلاميذه، وصاحبه فى كل مكان يذهب إليه، ثم دخل
«ابن تومرت» العاصمة «مراكش» فى منتصف ربيع الأول سنة (٥١٥هـ=
١١٢١م)، وقام بدوره فى الوعظ والإرشاد، واعترض على سياسة
الدولة فى بعض الأمور، فوصل خبره إلى الأمير «على بن يوسف»
الذى استدعاه، وجمع كبار العلماء والفقهاء لمناظرته.
وانتهى الأمر بطرده من العاصمة خشية التأثير على العامة وإضعاف
مراكز الفقهاء. وكانت الحصافة السياسية تقتضى سجن هذا الداعية
أو التحفظ عليه لخطورته على الدولة، وهو ما تحقق عقب مغادرة
«ابن تومرت» «مراكش»، إذ أعلن عن نياته فى مواجهة السلطة
الحاكمة، وخلعه الأمير «على بن يوسف»، وبايعه مَن حوله إمامًا
للدعوة الجديدة فى سنة (٥١٥هـ= ١١٢١م)، واتخذ من مدينة «تينملل»
مقرا له، ومركزًا لدعوته، وشرع فى تحقيق أهدافه السياسية
следующие страницы →