Полный текст (3 483 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
العصور الوسطى، وتعد من أكبر الكوارث فى التاريخ التركى، حيث
أخرت نمو العثمانيين وفتوحاتهم نصف قرن، وأطالت عمر الدولة
البيزنطية المدة نفسها، وعطَّلت وحدة «الأناضول» سبعين سنة.
عاش السلطان «بايزيد» فى أسر «تيمورلنك» سبعة أشهر واثنى
عشر يومًا، ومات فى «آق شهر» قرب «قونية» سنة (٨٠٦هـ =
١٤٠٣م) وأرسل جثمانه إلى «بورصة» ثم أطلق «تيمور» عقب وفاة
«بايزيد» سراح ابنيه اللذين أسرا معه.
العثمانيون يعيدون تكوين دولتهم:
عاش العثمانيون عقب معركة «أنقرة» فترة أطلق عليها المؤرخون
عهد الفتنة أو دور الفوضى، وكانت مدتها عشر سنوات، وأحد عشر
شهرًا وثمانية أيام، وهى فترة الصراع بين أبناء «بايزيد» على
العرش العثمانى، حتى نجح أحدهم وهو «محمد بن بايزيد» الملقب
بمحمد ُلبى فى تولى السلطنة والقضاء على الفوضى والفتن، والبدء
فى إعادة البناء وتعمير الدولة وتنظيم أمورها، حتى عده المؤرخون
المؤسس الثانى للدولة العثمانية.
وتوفى «محمد الأول» سنة (٨٢٤هـ=١٤١٢م) عن (٣٩) عامًا فى مدينة
«أدرنة».
السلطان مراد الثانى:
تولى «مراد بن محمد» عرش السلطنة وعمره (١٧) سنة، وبدأ عهده
بعقد هدنة مع ملك «المجر» لمدة خمس سنوات حتى يتفرغ للأناضول،
وبعقد صلح مع أمير «قرمان»، ثم اتجه «مراد» إلى محاصرة مدينة
«القسطنطينية» سنة (٨٢٥هـ = ١٤٢٢م)، ودام الحصار (٦٤) يومًا،
وكان بحريا وبريا، بجيش قوامه ثلاثون ألف جندى، وكان احتمال
سقوط العاصمة البيزنطية كبيرًا، بعد أن أحدثت القوات العثمانية
أضرارًا بالغة بسور المدينة، غير أن السلطان «مراد» اضطر إلى رفع
الحصار بعد أن جاءته أنباء حدوث فتنة فى «الأناضول» وعقد الصلح
مع «بيزنطة» مقابل أن تدفع جزية كبيرة سنوية.
ثم اتجه «مراد الثانى» إلى تأديب إمارات «الأناضول» التى تمردت
عليه أثناء انشغاله بمحاربة «بيزنطة» فقضى بصورة نهائية على
إمارات «منتشة» و «أيدين»، و «تسكا» وقلَّص حدود إمارة «جاندار».
стр. 877
وفى سنة (٨٢٩ هـ = ١٤٢٦م) اجتاز السلطان «مراد الثانى» على رأس
جيشه «نهر الدانوب» والتقى مع الجيش المجرى، وانتصر عليه، وعقد
مع ملك «المجر» معاهدة تنازل بمقتضاها عن أملاكه فى الضفة
اليمنى لنهر الدانوب، الذى أصبح فاصلا بين أملاك الدولة العثمانية
و «المجر»، ثم فتح «مراد» «سلانيك»، و «يانيا» ونجح فى إلغاء
إمارة «الصرب» تمامًا وأطلق عليها لواء «سمندرة» كما خضعت
«ألبانيا» للدولة العثمانية بعد حروب يسيرة، وعقدت «البندقية»
صلحًا معها.
وفى عهد «مراد الثانى» توترت العلاقات بين المماليك والعثمانيين
بسبب إمارتى «قرامان» و «دلقادر» غير أنه لم يهتم بهذا الأمر بسبب
إعلان البابا «أوجينيوس الرابع» سنة (٨٤٣هـ=١٤٣٩م) عن حملة صليبية
ضد الدولة العثمانية بقيادة القائد المجرى «هونيادى» الذى اتخذ من
إخراج العثمانيين من «البلقان» هدفًا لحياته.
وقد تمكن هذا القائد المجرى من هزيمة عدة جيوش عثمانية، مما
اضطر السلطان إلى محاربته بنفسه، ثم عقد صلحًا مع «المجر» سنة
(٨٤٨هـ = ١٤٤٤م)، أعيد بمقتضاه تأسيس إمارة «الصرب» على أن
تكون تابعة للدولة العثمانية، ومنطقة عازلة بينها وبين «المجر».
ولما شعر السلطان «مراد الثانى» بالتعب تخلى عن عرشه لابنه
«محمد الثانى» الذى عرف فيما بعد بمحمد الفاتح، وكان عمره آنذاك
(٢١) عامًا، فشكل الأوربيون على الفور حملة عسكرية على الدولة
العثمانية، وشاركت فيها قوات من «المجر» و «قولونية» و «ألمانيا»،
و «فرنسا» و «البندقية» و «بيزنطة» و «بيرجوذريا» وكانت تلك الحملة
بقيادة «هونيادى»، واختير الملك المجرى «لاديسلاس» قائدًا شرفيا
للحملة، وقد نهبت هذه الحملة وهى فى طريقها كل شىء، حتى
الكنائس الأرثوذكسية لم تسلم من أيديهم.
وإزاء هذه التطورات اجتمع مجلس شورى السلطنة العثمانية، وطلب
عودة «مراد الثانى» إلى الحكم مرة أخرى، فعاد وبدأ فى إعداد
جيشه للقاء تلك الحملة الصليبية، فتحرك على رأس جيشه الضخم الذى
стр. 878
بلغ أربعين ألف جندى، والتقى مع تلك الحملة فى «فارنا» وهى
مدينة بلغارية تقع على شاطئ «البحر الأسود»، ودارت بينهما معركة
هائلة عرفت باسم «معركة فارنا» فى (٢٨ من رجب ٨٤٨ هـ = ١٠ من
نوفمبر ١٤٤٤م)، وفيها حقق العثمانيون نصرًا غاليًا، وقتل الملك
«لاديسلاس»، وهرب «هونيادى» من المعركة، وبهذا النصر أيقن
الأوربيون صعوبة طرد العثمانيين من منطقة «البلقان».
وقد فرح العالم الإسلامى بهذا النصر فرحًا شديدًا حتى إن السلطان
«جقمق» المملوكى أمر أن يذكر اسم السلطان «مراد الثانى» مجاملة
بعد اسم الخليفة العباسى فى «القاهرة».
لم تستسلم «أوربا» لهذه الهزيمة فجهزت حملة صليبية أخرى ضمت
نحو مائة ألف جندى بقيادة «هونيادى» والتقت بالعثمانيين بقيادة
السلطان «مراد الثانى» فى صحراء «قوصوه» فى (١٨ من شعبان
٨٥٢هـ=١٧ من أكتوبر ١٤٤٨م)، وانتصر العثمانيون فى هذا اليوم
انتصارًا عظيمًا.
السلطان محمد الفاتح:
ولد السلطان «محمد» فى (٢٧ من رجب ٨٣٥هـ = ٣٠ من مارس ١٤٣٢م)
وتولى عرش السلطنة بعد وفاة أبيه فى (٥ من المحرم ٨٥٥هـ = ٧ من
فبراير ١٤٥١م) بعد أن بايعه أهل الحل والعقد فى الدولة العثمانية.
إعداد محمد الفاتح:
خضع السلطان «محمد» - شأنه فى ذلك شأن كل أمير عثمانى -
لنظام تربوى صارم تحت إشراف مجموعة من علماء عصره المعروفين.
وهو ما يزال غضا، فتعلم القرآن الكريم والحديث والفقه والعلوم
العصرية - آنذاك - من رياضيات وفلك وتاريخ ودراسات عسكرية
نظرية وتطبيقية، كما كان السلطان «محمد» يشترك فى الحروب التى
كان يشنها والده السلطان «مراد الثانى» ضد «أوربا» أو التى كان
يصد فيها اعتداءاتهم.
وكعادة «آل عثمان» فى إسناد إدارة ولاية لكل أمير وهو صغير
حتى يؤهل لقيادة الدولة بعد ذلك، قضى «محمد» فترة إمارته فى
«مغنيسيا» تحت إشراف مجموعة من أساطين علماء العصر، وفى
مقدمتهم: الشيخ «آق شمس الدين» والملا «الكورانى».
стр. 879
وقد أثرت هذه المجموعة من العلماء فى تكوين الأمير الصغير
وتشكيل اتجاهاته الثقافية والسياسية والعسكرية، وكان الشيخ «آق
شمس الدين» صارمًا مع الأمير حتى إن السلطان «محمد» وهو سلطان
قال لأحد وزرائه عن شيخه هذا: «إن احترامى لهذا الشيخ احترام يأخذ
بمجامع نفسى وأنا ماثل فى حضرته مضطربًا ويداى ترتعشان».
ثقافة محمد الفاتح:
درس السلطان «محمد» إلى جانب دراسته الأكاديمية المنظمة اللغات
الإسلامية الثلاثة التى لم يكن يستغنى عنها مثقف عصرى آنذاك
وهى: العربية والفارسية والتركية، وعنى بالأدب والشعر خاصة،
فكان شاعرًا له ديوان بالتركية، وله بيت مشهور يقول فيه:
نيتى هى الامتثال للأمر الإلهى «جاهدوا فى سبيل الله».
وحماسى إنما هو حماس فى سبيل دين الله.
وتعلم السلطان «محمد» أيضًا اللغات: اللاتينية واليونانية والصربية،
ولاتخفى أهمية هذه اللغات لأمير فى طريقه إلى تولى الدولة
العثمانية.
وقد أثرت فترة إمارة «محمد» فى شخصيته فجعلته - بفضل توعية
أساتذته - أكثر الأمراء العثمانيين وعيًا فى دراسة علوم التاريخ
والجغرافيا والعلوم العسكرية، وبخاصة أن أساتذته وجهوا اهتمامه
إلى دراسة الشخصيات الكبيرة، التى أثرت فى مجرى التاريخ،
وأبانوا له عن جوانب العظمة فى تلك الشخصيات، كما وضحوا له
نقاط الضعف فيها، أملا أن يكون أميرهم ذات يومٍ من أكثر الحكام
خبرة وحكمة وعبقرية.
ولا شك أن الشيخ «آق شمس الدين» استطاع أن يلعب دورًا كبيرًا فى
تكوين شخصية «محمد» وأن يبث فيه منذ صغره أمرين، جعلا منه
فاتحًا، وهما:
- مضاعفة حركة الجهاد العثمانية.
- الإيحاء دومًا لمحمد منذ صغره بأنه هو الأمير المقصود بالحديث
النبوى، «لتفتحن القسطنطينية فلنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك
الجيش».
وقد استغرق تحقيق النقطة الأولى فترة تاريخية من حياة السلطان
«محمد» - بعد أن أصبح سلطانًا للدولة - لنرى فيه حملاته العسكرية،
стр. 880
ونكتفى هنا بذكر حروبه البرية على الجبهة الأوربية. ففى عام
(٨٥٧هـ=١٤٥٣م) فتح «القسطنطينية»، وفى عام (٨٦٣هـ= ١٤٥٩م) فتح
«بلاد الصرب»، وفى عام (٥٦٨هـ = ٠٦٤١م) فتح «بلاد المورة»، وفى
عام (٨٦٦هـ = ١٤٦٢م) ضم «بلاد الأفلاق»، وبين عامى (٨٦٧ - ٨٨٤هـ =
١٤٦٢ - ١٤٧٩م) فتح بلاد «ألبانيا»، وبين عامى (٨٦٧ - ٨٧٠هـ =
١٤٦٢ - ١٤٦٥م) فتح بلاد «البوسنة والهرسك»، وفى عام (٨٨١هـ =
١٤٧٦م) وقعت حرب «المجر».
ومنذ حرب بلاد «المجر» وحتى وفاة الفاتح عام (٨٨٦هـ = ١٤٨١م)
دخلت الدولة العثمانية فى حروب بحرية كثيرة منها: ضم الجزر
اليونانية عام (٨٨٤هـ = ١٤٧٩م) وضم «أوترانتو» عام (٨٨٥هـ=١٤٨٠م)
ومعلوم أنه كان قد أعد بالفعل جيوشه وتحرك على رأسها لمحاربة
المماليك إلا أن الموت عاجله.
فتح القسطنطينية:
رأى السلطان «محمدالفاتح» أن فتح «القسطنطينية» كما أنه يحقق
أملا عقائديا عنده فإنه أيضًا يسهل للدولة العثمانية فتوحاتها فى
منطقة «البلقان» ويجعل بلاده متصلة لايتخللها عدو، وكانت
«القسطنطينية» تمثل الأرض التى تعترض طريق الفتوحات فى
«أوربا»، فبدأ فى عاصمته «أدرنة» الاستعداد لعملية فتح
«القسطنطينية»، ومن ذلك: صب المدافع خاصة الضخم منها،
والاستعداد لنقل هذه المدافع إلى أسوار مدينة «القسطنطينية».
ثم رأى السلطان «محمد» أن جده «بايزيد الصاعقة» كان قد بنى -
أثناء محاولته فتح «القسطنطينية» - قلعة على الضفة الآسيوية من
«البوسفور» سماها «أناضولو حصارى» أى «قلعة الأناضول».كانت
تقوم على أضيق نقطة من «مضيق البوسفور»، فقرر «محمد» أن
يبنى فى مواجهة هذه القلعة على الجانب الأوربى من «البوسفور»
قلعة سماها «روملى حصارى» أى «قلعة منطقة الروم» (يطلق
الأتراك على الجانب الأوربى من تركيا والمنطقة الملاصقة له
والمعروفة الآن باسم «البلقان» اسم «روم إيلى» أى منطقة الروم)،
وكان القصد من هذا هو التحكم فى «البوسفور» تمامًا، وكان
стр. 881
السلطان «محمد» هو الذى وضع بنفسه تخطيط هذه القلعة، ونفذها
المعمارى «مصلح الدين آغا» ومعه (٧٠٠٠) عامل أنهوا مهمتهم فى
أربعة أشهر كاملة.
وبعد أن تم البناء خرج بعض الجنود العثمانيين لرؤية «القسطنطينية»
فما لبث أن وقع بينهم وبين البيزنطيين المجاورين لأسوار المدينة
بعض حوادث شغب، كان لها رد فعل عند السلطان «محمد» فأصدر
أوامره بإبعاد البيزنطيين المجاورين للأسوار والقرويين المجاورين
للمدينة، فقام إمبراطور «بيزنطة» «قسطنطين دركازيز» بإخلاء
القرى المجاورة، وسحب سكانها إلى داخل المدينة، ثم أمر
الإمبراطور بإغلاق أبواب «القسطنطينية» وإحكام رتاجها.
وبينما الاستعدادات العثمانية تجرى على قدم وساق فى «أدرنة»
لفتح «القسطنطينية» كان الوضع فى المدينة غاية فى الاضطراب،
فقد طلب الإمبراطور «قسطنطين» معونة عاجلة من البابا «نيقولا
الخامس» فاستجاب البابا وأرسل الكاردينال «ايزودور»
إلى «القسطنطينية» فتوجه هذا الكاردينال وهو كاثوليكى - إلى
«كنيسة آياصوفيا» وأقام فيها المراسم الكنسية على الأصول
الكاثوليكية مخالفًا بذلك بل ومتحديًا مشاعر شعب «القسطنطينية»
الأرثوذكسى.
وقف الشعب ينظر إلى الكاردينال المنقذ باشمئزاز بالغ، وكان
إمبراطور «القسطنطينية» يميل إلى فكرة اتحاد الكنيستين
الأرثوذكسية والكاثوليكية، أما رئيس الحكومة «لوكاس نوتاراس»
و «جناديوس» (الذى صار بطريقًا بعد الفتح) فقد عارضا بشدة هذا
الاتحاد خوفًا على الأرثوذكسية من الفناء، وقال «نوتاراس» قولته
الشهيرة: «إنى أفضل رؤية العمامة التركية فى القسطنطينية على
رؤية القبعة اللاتينية» ولم يكن البيزنطيون قد نسوا الأعمال الوحشية
التى قام بها «اللاتين» عندما احتلوا «القسطنطينية» عام (٦٠١هـ =
١٢٠٤م) ومع ذلك فإن الكنيسة اللاتينية لم تتوانَ عن إرسال موجات
المتطوعين إلى «القسطنطينية» بناء على طلب إمبراطورها، لكن
стр. 882
مجىء «ايزودور» لم يحقق أدنى نتيجة فى مسألة اتحاد الكنيستين.
الحصار والفتح:
حاصر العثمانيون «القسطنطينية» برا وبحرًا فى سنة (٨٥٧هـ =
١٤٥٣م) واشترك فى الحصار من الجنود البحرية (٢٠٠٠٠) جندى على
(٤٠٠) سفينة، أما القوات البرية فكانت (٨٠٠٠٠) جندى، والمدفعية
(٢٠٠) مدفع.
وقفت القوات البحرية العثمانية بقيادة «بلطة أوغلو سليمان بك» على
مدخل «الخليج الذهبى» وكان عليه تدمير الأسطول البيزنطى المكلف
بحماية مدخل الخليج وكان البيزنطيون قد أغلقوا - قبل الحصار -
الخليج بسلسلة حديدية طويلة يصعب من جرائها دخول أى سفينة إلى
الخليج، مما شكل أكبر معضلة أمام العثمانيين، لأن سفنهم كان
عليها أن تحمل الجنود وتدخل الخليج لإنزالهم لكى يضربوا
«القسطنطينية».
ثم جاءت ثلاث سفن جنوية، وسفينة بيزنطية بقيادة القائد الشهير
«جوستنيانى» أرسلها البابا للدفاع عن «القسطنطينية» ولنقل
الإمدادات إليها، جاءت هذه السفن ولم تستطع البحرية العثمانية
منعها، فبعد معركة عنيفة مع البحرية العثمانية تغلب «جوستنيانى»
ومضى بسفنه إلى الخليج، ففتح لها أهل «القسطنطينية» السلسلة
الحديدية وأدخلوها، وكانت هذه الحادثة دافعًا لكى يفكر السلطان
«محمد» فى خطة عسكرية شهد لها القواد العسكريون بالبراعة.
كانت هذه الخطة تقضى بنقل (٦٧) سفينة من السفن الخفيفة عبر البر
من منطقة «غلطة» إلى داخل الخليج لتفادى السلسلة، وتمت هذه
العملية بوضع أخشاب مطلية بالزيوت على طول المنطقة المذكورة، ثم
دفعت السفن لتنزلق على هذه الأخشاب فى جنح الظلام، بعد أن
استطاعت المدفعية العثمانية بإطلاقها مدافع الهاون أن تشد انتباه
البيزنطيين إليها، ومن ثم لم يلتفت أحد لعملية نقل السفن إلى الخليج.
نقلت السفن وأنزلت إلى الخليج ووضعت الواحدة تلو الأخرى على
شكل جسر على عرض الخليج، حتى استطاع الجنود الانتقال عليها
وصولا إلى بر «القسطنطينية» وما إن جاء الصباح إلا وتملكت الدهشة
стр. 883
أهل «القسطنطينية»، ويصف المؤرخ «دوكاس» وهو بيزنطى عاصر
الحادثة دهشته من هذه العملية قائلا: «إنها لمعجزة لم يسمع أحد
بمثلها من قبل ولم ير أحد مثلها من قبل».
وبعد أن فشلت البحرية العثمانية فى إحباط محاولة «جوستنيانى»
دخول الخليج، لم يملك السلطان «محمد» إلا الأمر بالهجوم العام الذى
اشتركت فيه كل القوات العثمانية مرة واحدة، وقبل هذا مباشرة
أرسل السلطان «محمد» إلى الإمبراطور للمرة الثانية - يطلب منه
تسليم المدينة سلمًا حقنًا للدماء، وللإمبراطور أن ينسحب إلى أى
مكان يريده بكل أمواله وخزائنه، وتعهد السلطان «محمد» بتأمين
أهل «القسطنطينية» - فى هذه الحالة - على أموالهم وأرواحهم
وممتلكاتهم، لكن الإمبراطور - بتحريض من الجنويين - رفض هذا
العرض.
وفى (١٦من ربيع الأول ٨٥٧ هـ= ٢٦ من مايو ١٤٥٣م) أراد ملك
«المجر» أن يضغط على السلطان «محمد» فى هذا الوقت الحرج،
فأرسل يقول له: «إنه فى حالة عدم توصل العثمانيين إلى اتفاق مع
إمبراطور «القسطنطينية» فإنه (أى ملك المجر) سيقود حملة أوربية
لسحق العثمانيين، ولم تغير هذه الرسالة شيئًا.
مضى نهار يوم (٢٨ من مايو) هادئًا، وعند الفجر وبعد الصلاة
مباشرة، اتجه السلطان «محمد» إلى مكان الهجوم ومع دوىّ المدافع
الضخمة الذى بدأ، صدر الأمر السلطانى بإخراج العلم العثمانى من
محفظته، وهذا يعنى عند الأتراك الأمر ببداية الهجوم العام.
واستطاعت المدافع أثناء ذلك إحداث فتحة فى الأسوار، ثم اجتاز
الجنود العثمانيون الخنادق المحفورة حول «القسطنطينية» واعتلوا
سلالم الأسوار، وبدأ الجنود يتدفقون على ثلاث موجات، اشتركت
«الإنكشارية» فى الثالثة منها، فاضطر «قسطنطين» أن يدفع بقواته
الاحتياطية التى كانت مرابطة بجوار كنيسة الحواريين «سانت
أبوترس» (مكان جامع الفاتح بعد ذلك) لتدخل المعركة، وما لبث أن
أطلق جندى عثمانى سهمه فأصاب القائد «جوستنيانى» إصابة
стр. 884
بالغة فانسحب «جوستنيانى» من ميدان المعركة رغم توسلات
الإمبراطور له، لأن «جوستنيانى» كان له دور كبير فى الدفاع عن
المدينة.
وكان أول شهداء العثمانيين هو الأمير «ولى الدين سليمان» الذى
أقام العلم العثمانى على أسوار المدينة البيزنطية العريقة، وعند
استشهاده أسرع (١٨) جنديا عثمانيا إليه لحماية العلم من السقوط
واستطاعوا حمايته حتى واصل بقية الجنود تدافعهم على الأسوار،
وثبت العلم تمامًا على الأسوار بعد أن استشهد أيضًا هؤلاء الثمانية
عشر جنديا، أثناء ذلك كان العثمانيون يواصلون تدفقهم إلى
المدينة، عن طريق الفتحات التى أحدثتها المدفعية فى الأسوار، ثم
عن طريق تسلق السلالم التى أقاموها على أسوار المدينة، وتمكن
جنود من فرق الهجوم العثمانية من فتح بعض أبواب «القسطنطينية»
ونجح آخرون فى رفع السلاسل الحديدية التى وضعت فى مدخل
الخليج لمنع السفن العثمانية من الوصول إليها، فتدفق الأسطول
العثمانى إلى الخليج وبعد ذلك إلى المدينة نفسها، وساد الذعر
البيزنطيين وكان قد قتل منهم من قتل، وهرب من استطاع إلى ذلك
سبيلا.
الفاتح يعطى الأمان:
عندما دخل «محمد الفاتح» المدينة أمر بإحراق جثث القتلى تفاديًا
للأمراض، وسار على ظهر جواده إلى كنيسة «آيا صوفيا» حيث تجمع
الشعب البيزنطى ورهبانه، وما إن علموا بوصول السلطان الفاتح
حتى خروا سجدًا راكعين بين أنين وبكاء وعويل، ولما وصل الفاتح،
نزل من على ظهر حصانه وصلى ركعتين شكرًا لله على توفيقه له
بالفتح، ثم سار يقصد شعب بيزنطة ورهبانه، ولما وجدهم على هذه
الحالة من السجود انزعج وتوجه إلى رهبانهم قائلا: «قفوا استقيموا
فأنا السلطان محمد، أقول لكم ولجميع إخوانكم ولكل الموجودين
هنا، إنكم منذ اليوم فى أمان فى حياتكم وحرياتكم»، وهذا ما سجله
مؤرخ بولونى كان معاصرًا.
وكان لهذا التصرف من الفاتح أثر كبير فى عودة المهاجرين النصارى
стр. 885
الذين كانوا قد فروا من المدينة، وأمر الفاتح قواده وجنوده بعدم
التعرض للشعب البيزنطى بأذى، ثم طلب من الناس العودة إلى ديارهم
بسلام، وحول «آيا صوفيا» إلى جامع، على أن تصلى فيه أول
جمعة بعد الفتح (كان الفتح يوم ثلاثاء) وكانت «آيا صوفيا» أكبر
كنيسة فى العالم وأقدم مبنى فى أوربا كلها، وسميت المدينة
«إسلامبول» أى مدينة الإسلام.
كان سلوك الفاتح عندما دخل «القسطنطينية» ظافرًا؛ سلوكًا مختلفًا
تمامًا عما تقول به شريعة الحرب فى العصور الوسطى، وهو نفى
شعب المدينة المفتوحة إلى مكان آخر أو بيعه فى أسواق النخاسة،
لكن الفاتح قام بما عجز عن فهمه الفكر الغربى المعاصر له من
تسامح ورحمة، فقد قام بالآتى:
- أطلق سراح الأسرى فورًا نظير مقابل مادى قليل يسدد على
أقساط طويلة المدى.
- وأسكن الأسرى الذين كانوا من نصيبه فى المغانم فى المنازل
الواقعة على ساحل الخليج.
- وعندما أبيحت «القسطنطينية» للجنود ثلاثة أيام عقب الفتح، كان
هذا الإذن مقتصرًا على الأشياء غير المعنوية، فلم تُغتصب امرأة ولم
يُمسَّ شيخ ولا عجوز ولا طفل ولا راهب بأذى، ولم تهدم كنيسة ولا
صومعة ولا دير ولا بيعة، مع أن المدينة أُخذت بالحرب ورَفضت
التسليم.
- وكان من حق الفاتح قانونًا - ما دامت المدينة قد أخذت عنوة- أن
يكون هو نيابة عن الجيش الفاتح مالكًا لكل ما فى المدينة، وأن
يحول نصف الكنائس والبيع على مدى زمنى طويل إلى جوامع
ومساجد، وأن يترك النصف الآخر لشعب المدينة على ما هو عليه،
وفى وقفيات السلطان «محمد الفاتح» بنود كثيرة على بقاء أديرة
«جوكاليجا» و «آيا» و «ليبس» و «كيرا ماتو» و «الكس» فى يد
البيزنطيين.
- واعترف لليهود بملكيتهم لبيعهم كاملة، وأنعم بالعطايا على
الحاخام «موسى كابسالى».
- وعين فى سنة (٨٦٥هـ= ١٤٦١م) للجماعات الأرمنية بطريقًا يدعى
«يواكيم» ليشرف على مصالح الأرمن ويوحد صفوفهم.
стр. 886
- وبدأ فى أعمال تعمير المدينة ابتداء من (٢٣ من ربيع الأول ٨٥٧هـ =
١٢ من يونية ١٤٥٣م) (كان الفتح يوم ٢٩ من مايو من العام نفسهـ)
وأمر بنقل جماعات كثيرة من مختلف أنحاء الدولة إلى
«القسطنطينية» للإسهام فى إعادة إنعاشها.
- وأعاد للأرثوذكس كرامتهم التى أهدرها اللاتين الكاثوليك بأن
أعطاهم حق انتخاب رئيس لهم، يمثلهم ويشرف على شئونهم، وأصبح
«سكولا ريوس» (جناديوس) أول بطريق لهم بعد الفتح العثمانى
للقسطنطينية، وبذلك أنقذ الفاتح إيمان الأمة التى فتح ديارها،
وأحيا الأرثوذكية بعد أن أخذت تخفت.
- وجعل الفاتح مسائل الأحوال الشخصية مثل: الزواج والطلاق
والميراث وأمور الوفاة الخاصة بأهل المدينة المفتوحة من حق
الجماعات الدينية المختصة، وكان هذا امتيازًا منعدم النظير فى
«أوربا» فى ذلك الوقت.
الفاتح وحكام عصره:
كان تصرف «الفاتح» تصرفًا حضاريا فى الوقت الذى كان الحكام من
الشرق والغرب يتلذذون بسفك الدماء وبقتل الناس بالآلاف، ويتلذذون
وهم على موائد الطعام بمنظر الأسرى وقد اخترقت بطونهم أسنة
رماح الجنود، وبرفع الأسرى على الخوازيق وبخلط دمائهم بأنواع
الشراب، كما فعل «جنكيزخان» و «تيمورلنك» فى الشرق، و «فلال»
و «هونيادى» فى الغرب.
إن دولة «بيزنطة» هدمت حى المسلمين فى «القسطنطينية» وأبادت
سكانه بعد أن علم الإمبراطور بانتصار «تيمورلنك» على السلطان
العثمانى «بايزيد الصاعقة» فى واقعة أنقرة عام (٨٠٥هـ = ١٤٠٢م).
وأزهقت الجيوش الصليبية فى عملية احتلال القدس أرواح (٧٠٠٠٠)
برىء، يقول «هـ. ج. ويلز» فى ذلك: «كانت المذبحة التى دارت فى
بيت المقدس رهيبة وكان الراكب على جواده يصيبه رشاش الدم الذى
سال فى الشوارع .. » ويقول المؤرخ نفسه عن «هولاكو»: «كان
هولاكو يفتح فارس وسوريا وأظهر المغول فى ذلك الزمان عداوة
مريرة للإسلام، ولم يكتفوا بتذبيح سكان بغداد .. بل وقد صارت أرض
стр. 887
الجزيرة منذ تلك اللحظة التعسة يبابًا من الخرائب والأطلال لا تتسع إلا
للعدد القليل من السكان».
وتقول «سامحة آى ويردى»: «إن الجيوش الصليبية التى تدفقت على
القسطنطينية عام (٦٠٣هـ = ١٢٠٦م) قامت بتحويل المدينة إلى خرابة
بائسة فقيرة معدمة بعد أن كانت غنية معمورة يسودها الرخاء».
وعندما دخل «شارل الخامس» «تونس» عام (٩٤٧هـ = ١٥٤٠م) لم يترك
حيا أمامه إلا قتله ولم تسلم من وحشيته حتى الجمال والقطط، وهذا
ما ذكره «شهاب الدين تكين داغ» فى مذكراته عن الدولة العثمانية.
إن هذه الأمثلة إذا ما قارناها بموقف «الفاتح» الحضارى من
«القسطنطينية» وأهلها، نرى «الفاتح» قائدًا منعدم النظير بين
أقرانه من أباطرة الشرق وحكام الغرب، ولو كان «الفاتح» قد اتبع
ما كان يجرى على الجانب الغربى من البحر المتوسط من فظائع
الإسبان فى «الأندلس» وما فعلوه بالمسلمين وبالعرب ما أصبح هناك
مسيحى واحد فى «القسطنطينية».
دور المدفعية العثمانية:
كان المدفع اختراعًا حديثًا مروعًا غيّر مجرى التاريخ، وكان «مدفع
الهاون» اختراعًا عثمانيا عرفه العالم لأول مرة أثناء حصار
العثمانيين للقسطنطينية كما كان المدفع الضخم خاصة مدفع الهاون
أكبر عامل فى فتح المدينة.
كان المدفع الضخم من اختراع اثنين هما: «مصلح الدين» و «أوربان» -
و «أوربان» هذا مختلف فى أصله هل هو مجرى أو رومانى - وكان
المدفع ضخمًا جدا، وكانت تُسمع طلقاته من مسافة (٢٥ميلا) وقذيفته
من الحجر والبارود تبلغ زنة القذيفة الواحدة (١٥٠٠) كيلو جرام، يصل
مداها إلى مسافة ميل. يقول «أدارى مونتالدو»: «إن عدد المدافع
التى صبها كل من مصلح الدين وأوربان قد بلغ ٢٠٠ مدفع».
وعندما كان المدفع ينقل من «أدرنة» العاصمة إلى «القسطنطينية»
ليستقر أمام أسوارها كان لزامًا على العثمانيين توسعة طريق
«أدرنة - القسطنطينية» وقام بهذه العملية (٥٠) مهندسًا ومائتا عامل،
стр. 888
وكان يجر المدفع (٦٠) جاموسة، ويسند المدفع من على جانبيه (٤٠٠)
رجل قوى، (٢٠٠) على كل جانب، وذلك حتى لا ينزلق المدفع يمنة أو
يسرة أثناء مروره.
ولقد لعبت مدافع الهاون دورًا ملحوظًا فى الحصار سواء فى الضرب
أو فى عمليات التمويه، وبسبب هذه المدافع حدث التحول الكبير فى
«أوربا».
السلطان بايزيد الثانى:
انفرد «بايزيد الثانى بن محمد الفاتح» بالسلطة بعد نزاع بينه وبين
أخيه «جم»، وكان الأخوان قد اختلفا بعد وفاة والدهما فى (٤ من
ربيع الأول سنة ٨٨٦هـ= ٣ من مايو سنة ١٤٨١م)، وانتهى الصراع
بينهما لصالح «بايزيد»،وفر «جم» إلى «القاهرة»، ثم إلى
«فرنسا»، ثم إلى «إيطاليا»، وقد تكفل أخوه «بايزيد» بالإنفاق
عليه فى كل مكان ذهب إليه، وقد حاول بابا روما استخدام الأمير
«جم» أداة ضغط على الدولة العثمانية، لكنه لم يعش طويلاً.
عُرف «بايزيد» بلقب الولى أو الصوفى، لأن حروبه ضد «أوربا» لم
تكن فى مستوى من سبقوه فى حكم الدولة العثمانية، لكن كانت له
حملات على «المجر» و «البغدان» و «بلجراد»، كما كانت له معارك فى
«الأناضول»، وصدام مع المماليك، لكن «يحيى الثالث» سلطان
«تونس» قام بالوساطة بين الدولتين.
وقامت فى عهده أول حملة عثمانية فى غربى «البحر المتوسط»،
بهدف مساعدة المسلمين فى «الأندلس»، ودخلت هذه الحملة المياه
الإسبانية، واستولت على ميناء «مالقة» الذى كان الإسبان قد
استولوا عليه من مسلمى «الأندلس» قبل أشهر.
وبعد سقوط «غرناطة» فى أيدى الإسبان سنة (٨٩٧هـ= ١٤٩٢م)
انتشر نحو (٣٠٠) ألف مسلم على سواحل «إسبانيا»، وقد قامت
السفن العثمانية بنقل هؤلاء إلى «فاس» و «الجزائر»، وأنقذتهم من
المصير المؤلم الذى تعرَّض له المسلمون بالداخل، وظلَّت هذه الحملات
تتتابع، وقاد أغلبها «كمال رئيس» نحو (٢٣) سنة حتى استشهد
أثناء عودته من حملة على «إسبانيا» سنة (٩١٧هـ= ١٥١١م).
عقد «بايزيد الثانى» صلحًا مع «أوربا» لمدة عشرين سنة تقريبًا،
стр. 889
وكان السبب فى ذلك انشغال الدولة العثمانية بتحركات الشاه
«إسماعيل الصفوى»، الذى جعل «إيران» دولة شيعية، وكوَّن جيشًا
قويا، ووسع حدوده، وتفوق على المماليك عسكريا واقتصاديا،
وعمل على التوسع على حساب الدولة العثمانية، والتحالف مع
«أوربا» ضد العثمانيين، وحاول التحالف مع «مصر» ضد الدولة
العثمانية، لكن المماليك فى «مصر» رفضوا ذلك.
حدثت مناوشات بين الشاه «إسماعيل الصفوى» وبين «سليم ابن
السلطان بايزيد» والى «طرابزون»، كان النصر فيها حليف «سليم بن
بايزيد»، فأثار ذلك حفيظة الشاه، فاشتكى إلى السلطان «بايزيد»
من ابنه، فأمر بإعادة الأراضى التى استولى عليها إلى الصفويين.
وقد أدَّى هذا التصرف إلى استياء «سليم بن بايزيد» من والده،
وشكه فى مقدرة والده على التصدى للدولة الصفوية، فقام بانقلاب
على والده، بمساعدة الجنود الإنكشارية، التى سارت بالأمير «سليم»
إلى «إستانبول»، وطلبوا من السلطان «بايزيد» التنازل عن عرش
السلطنة لابنه «سليم»، فقبل واستقال فى يوم (٨ من صفر سنة ٩١٨
هـ= ٢٥ من أبريل سنة ١٥١٢م).
نظام الحكم:
كانت سلطة اتخاذ القرار فى الفترة الأولى من تاريخ الدولة العثمانية
تتمثل فى الديوان الهمايونى فى العاصمة، وفى الديوان فى
الولايات.
والديوان الهمايونى ( Divan imeperiel) اسم أطلق على الديوان
الذى يجتمع برئاسة السلطان، لينظر فى أمور الدولة ذات الأهمية الأولى،
وهو امتداد حضارى لهذه المؤسسة منذ عهد السلاجقة ثم الإيلخانيين
والدول التركية الأخرى، ومثله فى ذلك مثل الديوان العالى عند السلاجقة
والديوان الكبير عند الإيلخانيين والديوان السلطانى عند المماليك.
كانت مهمة الديوان الهمايونى دراسة أمور الدولة السياسية والإدارية
والعسكرية والعرفية والشرعية والعدلية والمالية، كما كانت مهمته
النظر فى الشكاوى والقضايا، واتخاذ القرار بشأنها، وكان الديوان
стр. 890
مفتوحًا لكل من يتمتع بحماية الدولة العثمانية مهما يكن دينه أو ملته،
ومهما يكن عرقه أو مكان موطنه فى الدولة، ومهما تكن مهنته أو
الطبقة الاجتماعية التى ينتمى إليها، كما كان الديوان مفتوحًا لكل
رجل أو امرأة يتعرض للظلم، أو لمن صدر حكم من القضاة المحليين
ضده ويرى خطأ هذا الحكم، أو لمن يشكو الولاة أو الجنود أو
الضباط، أو لمن وقع عليه ظلم القائمين على الأوقاف.
وكانت الشئون الإدارية والعرفية فى الديوان من اختصاص «الوزير
الأعظم»، أما الشئون الخاصة بالأراضى فكانت من اختصاص
«النشانجى» (التوقيعى)، أما الشئون الشرعية والقانونية فكانت من
اختصاص «قاضيى عسكر»، أما الشئون المالية فكانت من نصيب
«الدفتردار»، وكانت القرارات التى يتخذها والأمور التى ينظرها
تسجل بدفاتر تسمى «مهمة دفترى» و «رءوس دفترى» و «نامه»
و «عهد نامه» ثم تُمهر بخاتم السلطان الذى يكون عادة فى عهدة
الوزير الأعظم، ثم تودع فى «الدفترخانة».
ويتشكل الديوان الهمايونى من أعضاء دائمين (الأعضاء الطبيعيين)،
وأعضاء مؤقتين.
الأعضاء الدائمون:
هم السلطان والصدر الأعظم أو الوزير الأعظم وقاضيا العسكر
والنشانجى (وهو التوقيعى أو الطغرائى) والدفتردار.
الأعضاء المؤقتون:
هم أمير أمراء الروملى (إذا كان موجودًا فى العاصمة)، وأغا
الإنكشارية، وقائد الأسطول (إذا كان حائزًا على رتبة الوزير فيكون
عضوًا دائمًا)، وشيخ الإسلام (إذا دعى للحضور).
هذا بالإضافة إلى المساعد (الكادر) وأهمهم رئيس الكُتاب والتذكرجى
وجاووش باشى والكُتاب.
ويستطيع السلطان استخدام سلطاته أو إحالتها إلى الوزير الأعظم.
سلطات الديوان الهمايونى:
١ - السياسية:
يتمتع «الديوان الهمايونى» بأعلى سلطة فى الدولة بعد السلطان،
ومهمته المحافظة على نظام الحكم وضمان ملائمة جميع أجهزة الدولة
لهذه السلطة، ومنع القيام ضدها، وهوصاحب المسئولية فى اتخاذ ما
стр. 891
يراه كفيلا للقيام بمهمته، خاصة أن هذا الديوان يمثل قوى رأس
الدولة كلها.
وتنقسم سلطة الديوان الهمايونى السياسية إلى قسمين: داخلية
وخارجية:
أ - السياسة الداخلية:
السلطة السياسية الداخلية التى يمارسها الديوان الهمايونى هى
حماية الشريعة الإسلامية، وإعلاء الإسلام، وسحق كل حركة تقوم
ضده، واستقبال من أسلم حديثًا، وإقرار رواتب لهم من الدولة، كل
حسب وضعه الاجتماعى، وتقديم هدايا مناسبة لهم وحمايتهم من
تدخل سفراء الدول التابعين لها، وعدم تسليمهم لهم عند مطالبة
هؤلاء السفراء بتسليم المهتدين حديثًا إلى الإسلام لهم، فى حالة ما
إذا كان هذا المسلم حديثًا من مواطنى دولة أخرى، أما إذا كان من
مواطنى الدولة العثمانية فالديوان يستقبلهم ويوزع عليهم هدايا
ويربطهم برواتب منتظمة من الدولة، كما كان يتخذ تدابير شديدة ضد
من يرتد عن دينه من المسلمين.
ب - السياسة الخارجية:
كانت السياسة الخارجية العثمانية التى ينفذها الديوان الهمايونى
تتلخص فى الآتي: نشر الإسلام بكل ما تستطيعه الدولة من إمكانات
وبتعبير آخر: «تحويل دار الحرب إلى دار إسلام»، وكان هذا أحد أهم
الأهداف السياسية الخارجية العثمانية التى يتولى تنفيذها الديوان
الهمايونى. وقد نجحت هذه السياسة الخارجية نتيجة توسيع حدود
الدولة العثمانية، وهذا يعنى نشرها للإسلام، ولم تتوقف حروب الفتح
إلا منذ أواخر القرن السادس عشر الميلادى، ومنذ ذلك الحين جعل
الديوان الهمايونى هدفه فى السياسة الخارجية حماية الأراضى
المفتوحة والدفاع عنها.
ومع تداخلات الدول الأوربية فى السياسة الخارجية العثمانية وإرسال
هذه الدول سفراء مؤقتين ثم سفراء دائمين لها فى إستانبول أصبح
السفراء يقدمون رسائلهم إلى الديوان الهمايونى، ويحصلون على
أجوبتها فى مراسم رسمية يوضحها «قوجى بك» فى رسالته
المشهورة، وكان للسفراء الأجانب أن يقدموا شكاوى للديوان
стр. 892
الهمايونى إذا حدث إخلال بالاتفاقات المعقودة بين بلادهم وبين
الدولة العثمانية التى تسمى فى «عهد نامه»، وكان الديوان يحقق
فيها ويعدل. وكان لهذا الديوان حق تعيين العثمانيين فى المناصب
الدبلوماسية، وكانوا غالبًا من البيروقراطيين العاملين فيه.
أما أهم سلطات الديوان الهمايونى فكان إعلان الحرب، وكان المعتاد
أن يحيل السلطان قرار الحرب إلى الديوان الهمايونى لدراسته واتخاذ
اللازم لتنفيذه، وكان هذا القرار أحيانًا يُتخذ فى الديوان الهمايونى.
٢ - الإدارية:
كان التفتيش على جميع الأعمال الإدارية فى البلاد من سلطات الديوان
الهمايونى وهو فى ذلك - بعد السلطان - السلطة الأولى فى البلاد
وعليه محاكمة الموظفين إذا لزم الأمر.
وإن كان توجيه المناصب إلى حدّ معين من اختصاص الجهات الإدارية
الأخرى، مثل: تعيين القضاة الذى هو من اختصاص قاضى العسكر؛
فإن التعيين فى بعض المناصب مثل منصب «صوبا شى» المدن
الكبرى من اختصاص الديوان الهمايونى. وإذا صدر قرار بتعيين
شخص فى منصب وتظلَّم من هذا التعيين أو النقل فمن حقه مراجعة
الديوان الهمايونى، وللديوان فى هذه الحالة الأمر بإجراء التحقيقات
وعمل اللازم.
ومن السلطات الإدارية لهذا الديوان أيضًا حماية أهل الذمة فى البلاد
من تعديات الإداريين وإعادة الحق إليهم ومعاقبة المسئولين عن ذلك.
وكانت خيوط المركزية الإدارية فى الدولة تتجمع فى هذا الديوان،
مثال ذلك: أن الديوان طلب من أجهزة الدولة المسئولة عمل قوائم بكل
الموجودين داخل حدود الدولة العثمانية وتسليمها إلى الديوان
الهمايونى وتجديدها كل ثلاثين عامًا، وأن على المسئولين عن هذا
تسجيل الوفيات والمواليد خلال هذه الأعوام الثلاثين، وهو ما يعرف
اليوم بالإحصاء العام.
٣ - المالية والاقتصادية:
والديوان الهمايونى هو سلطة الفصل العليا فى الأمور الاقتصادية
والمالية على أعلى مستوياتها فى الدولة، فالوزير الأعظم
стр. 893
والدفتردار عضوا الديوان الطبيعيان، وهما صاحبا السلطة الأولى فى
الدولة - بعد السلطان - فى التصرف فى الأمور المالية، ومن مهام
الديوان الطبيعية الضرائب والاقتصاد والمال.
أما عن الضرائب: فمهمة الديوان تحرير موارد البلاد المفتوحة بدقة
وعناية فائقتين، والإشراف المباشر سنويا على الضرائب التى من حق
الخزينة العامة، وتسلم دفاتر الضرائب التى تُحصَّل سنويا من جميع
أرجاء البلاد، ويكتب منها نسختان: نسخة فى مركز الولاية، ونسخة
أخرى ترسل إلى «إستانبول» لتسلَّم إلى الديوان الهمايونى.
والقوانين التى تسن لجمع الضرائب تعد فى الديوان الهمايونى ويقوم
بإعدادها التوقيعى (النشانجى) ومجموعة مساعديه، وينظر الديوان
فى مدى مطابقة هذه الضرائب للعدالة الضريبية بناءً على مدى
مطابقتها للشرع الإسلامى.
ويتساوى فى هذا جميع أنواع الضرائب، ومن أهمها ضرائب الجمارك
التى يتابعها الديوان بدقته المعهودة، حتى إنه يتدخل فورًا إذا قدمت
له شكوى تخص تحصيل هذه الضرائب بغير وجه حق إلى أبسط أنواع
الضرائب وأخفها.
وعلى الديوان الهمايونى ضمان عدم تحصيل الضرائب من الذين لا
تحصل منهم مثل: رجال الدين الذميين، ومجازاة المرتشين - إذا وجدوا
- فى عمليات جمع الضرائب، والعمل على عدم إهدار المال العام
واتخاذ التدابير الصارمة فى هذا السبيل، واتخاذ الإجراءات الضرورية
لحماية البائع والمستهلك على حد سواء، ومراقبة أعمال قطع
الأشجار وأعمال المحافظة على الخضرة.
ومن مهام الديوان الهمايونى أيضًا اتخاذ التدابير الضرورية لتطور
اقتصاد البلاد، والعمل على عدم سيطرة تجار معينين على تجارة
البلاد واحتكارهم لها، وعدم تخزين البضائع والمواد الضرورية فى
الوقت المناسب ثم بيعها بعد ذلك بأسعار باهظة، والقضاء على
التهريب وحصر ثروة السلطان إذا توفى وغير ذلك.
أعضاء الديوان الهمايونى الطبيعيون (غير السلطان) هم:
- الوزير الأعظم:
стр. 894
وتتلخص سلطاته فى أنه وكيل السلطان وحامل خاتمه، وكان يعين
فى أوائل الحكم العثمانى من طبقة العلماء، ومنذ عهد «مراد الأول»
(٧٩١ - ٧٩٤ هـ = ١٣٨٩ - ١٣٩٢م) كثر عدد الوزراء، ولذلك سمى أولهم
الوزير الأعظم، وكانت له رئاسة الديوان الهمايونى نيابة عن السلطان
فى حالة عدم وجوده، وسلطة تعيين العلماء ومن على شاكلتهم
وعزلهم وترقيتهم، وله فى أوقات الحرب سلطة السلطان فى كثير
من الأمور.
ولابد أن يشترك مع السلطان فى الحرب، فإذا ترك السلطان الحرب
لسبب أو لآخر يتولى الوزير الأعظم قيادة الجيش نيابة عن السلطان،
وفى أثناء ذلك يحمل لقب «السردار الأكرم»، ويترك فى حالة الحرب
فى مكانه موظفًا فى البلاد يسمى «قائمقام الصدارة» أو «قائمقام
الركاب الهمايونى» يرأس الديوان الهمايونى فى العاصمة بدلا من
الوزير الأعظم بمقتضى بنود القانون.
- قاضيا العسكر:
وموقعهما فى البروتوكول خلف الوزير الأعظم مباشرة، وهما اثنان:
قاضى عسكر الأناضول وقاضى عسكر الروملى (البلقان)، وكانا
يستمعان إلى الشكاوى، ويجلسان على يسار الوزير الأعظم فى
الوقت الذى يكون فيه بقية الوزراء على يمينه، وكان عليهما حل
المسائل الشرعية، ويمثلان العلماء؛ إذ إن شيخ الإسلام لم يكن عضوًا
بالديوان الهمايونى. وأهم عمل لهما فى الديوان الاستماع إلى
القضايا المعروضة.
- النشانجى:
ويسمى بالتوقيعى وأحيانًا بالطغرائى والمعنى الحرفى لعمله: «هو
الشخص الذى يختم الفرمانات السلطانية بالطغراء»، لكن سلطاته
كانت أوسع من ذلك، فهو الذى يعد الفرمانات من حيث صياغتها،
ويكتب بنفسه أهم الفرمانات، وعليه تثبيت قواعد الحقوق العرفية
الواجب وضعها أو تغييرها، والمراجعة الأخيرة لما يعده الدفتردار من
وثائق.
ونظرًا لأهميته فى الديوان فقد كان اختياره من العلماء ثم من بعد
ذلك من الكتّاب البارزين، ولم يكن لشيخ الإسلام ولا لقاضى العسكر
دخل فى اختيار النشانجى أو تعيينه.
- الدفتردار:
стр. 895
وله سلطة خاصة وهو وكيل السلطان فى مال الدولة، وميدان عمله
الأمور المالية فى الدولة، ومن واجباته فتح الدفترخانة والخزانة،
ويعرض على السلطان مسائله عقب اجتماع الديوان فى أيام الثلاثاء.
القوة العسكرية ومدى تفوقها:
منذ بداية نشأة الدولة العثمانية بدأ الاهتمام بالجيش، وقد كون
السلطان «أورخان» ثانى السلاطين العثمانيين «العسكر الجديد»، أو
ما عرف فيما بعد بالإنكشارية، وتعد أشجع فرق الجيش العثمانى، إذ
كان جنودها يربون تربية خاصة منذ صباهم، وقد اهتم السلاطين
العثمانيون بتطوير الجيش وأخذه بأحدث أساليب القتال، وكونت فرق
الطوبجية (المدفعية) وفرق الفرسان المهاجمة، وغيرها.
ولتفوق العثمانيين فى المدفعية كان لهم النصر فى كثير من المعارك
التى خاضوها ضد أعدائهم. وكان أكثر السلاطين العثمانيين اهتمامًا
بالجيش وأكثرهم تطويرًا له السلطان «محمد الفاتح» - طيب الله ثراه -
فقد أنشأ مصانع الذخيرة، وأدخل إصلاحات جديدة فى الجيش،
ويمتاز السلطان «محمد الفاتح» عمن سبقه من السلاطين أنه إلى
جانب اهتمامه وعنايته بتنظيم وتنمية قوات الجيش البرى أولى
اهتمامًا كبيرًا وعناية عظيمة للقوة البحرية، وقد حثه على تنمية
الأسطول العثمانى ما رأى عليه دولة «البندقية» (فينسيا)، من قوة
وثراء، بفضل أسطولها البحرى، ولذلك لم يدخر السلطان «محمد
الفاتح» وسعًا فى سبيل تنمية القوة البحرية وإدخال أسباب
التحسين عليها؛ فأمر باتخاذ سفن «البندقية» و «جنوة» - أكبر الدول
البحرية فى ذلك العهد - نماذج تبنى على مثالها السفن العثمانية،
وقد رأينا -فيما سبق - أن هذا الأسطول ساعد «محمداً الفاتح» فى
فتح «القسطنطينية» وفى فتوحاته البحرية فى بحر «إيجة»،وكذلك
فى إنزاله جيشه فى جنوب «إيطاليا».
وقد بلغ الجيش العثمانى بقسميه البرى والبحرى أقصى قوة له فى
القرن العاشر الهجرى، وذلك فى عهد الخليفة السلطان «سليمان
стр. 896
القانونى» حتى غدا الجيش البرى أقوى جيش على الساحة الأوربية،
كما أن الأسطول العثمانى كان يتكون فى عهده مما يزيد على ألفى
مركب حربى وكان الأسطول العثمانى مهيمنًا على معظم «البحر
المتوسط»؛ إذ كان يستطيع النزول فى أى شاطئ من شواطئه،
ولذلك فتح العثمانيون «نيس» على شاطئ «فرنسا» ونزلوا عدة
مرات فى شواطئ «إيطاليا»، وأغاروا على شواطئ «الأندلس»
(إسبانية) منقذين كثيرًا من مسلميها الفارين بدينهم من محاكم التفتيش
النصرانية، وقد حاول الأوربيون تدمير هذا الأسطول، فاجتمعت سفن
البابا و «البندقية» و «إسبانيا» عليه لكنهم فشلوا، أما الجيش البرى
فقد بلغ سور «فيينا» واستولى على كثير من مدن وقلاع «البلقان»
كتيمسوالا (غرب رومانيا حاليا) و «بودا» عاصمة «المجر»،و «أنجرا»
فى شمال «المجر» وغيرها.
стр. 897
الفصل الثالث
*تحول السلطنة إلى خلافة
أسباب تحول العثمانيين من التوسع فى أوربا إلى الأراضى
الإسلامية:
يتساءل المؤرخون العرب عن السبب الذى جعل العثمانيين يتركون
جهادهم فى الميدان الأوربى، ويتجهون إلى ميدان الشرق الإسلامى
ليحاربوا فيه ويفرضوا عليه سلطانهم، وكان الأولى بهم الحرب فى
«أوربا» حيث التكتل الصليبى ضد العثمانيين المسلمين، ويمكن
إجمال السبب فى ذلك فى شقين:
أ - ازدياد النمو الشيعى فى «إيران» و «العراق»، وتهديد الدولة
الصفوية للعثمانيين، وضربها لدولتهم من الخلف أثناء انطلاقاتها فى
«أوربا».
ب - تنامى الخطر البرتغالى فى الخليج العربى وتهديدهم للأراضى
المقدسة فى الجزيرة العربية، وعجز المماليك عن مواجهتهم.
علاقة السلطان سليم بالدولة الصفوية:
أرسل الشاه «إسماعيل الصفوى» دعاته لنشر المذهب الشيعى فى
«الأناضول»، وما لبثوا أن وجدوا بعض المؤيدين، ثم قامت جماعة
«القيزيل باش» أى العلويين فى منطقة «إنطاكية» العثمانية بالتمرد
على سلطة الدولة العثمانية، استجابة لأوامر من الشاه «إسماعيل»
نفسه، وقاد هذا التمرد شخص عرف باسم «شاه قولو» أى «عبد
الشاه»، وكان هذا التمرد رهيبًا، استخدم العثمانيون فيه كل قوتهم
حتى نجحوا فى إخماده بقيادة «سليم بن السلطان بايزيد» والى
إمارة «طرابزون» القريبة من «إيران».
وحدث الصدام الأول بين «سليم بن بايزيد» والصفويين، عندما احتل
«سليم» أربع مدن من مخلفات إمبراطورية «الآق قوينلو»، وأرسل
الشاه «إسماعيل» الذى يدعى أنه وريث تلك الإمبراطورية المنهارة
أخاه «إبراهيم ميرزا» على رأس جيش لاستعادة تلك المدن، لكنه هزم
أمام «سليم» الذى دمَّر جيشه وأوقعه فى الأسر.
وأدَّت انتصارات «سليم» إلى إكسابه مكانة كبيرة وتقديرًا وإعجابًا
فى نفوس الناس، حتى نظمت فيه قصائد شعبية، غير أن السلطان
«بايزيد» أمر ابنه «سليمًا» أن يطلق سراح أخى الشاه، ويترك المدن
стр. 898
الكبرى التى استولى عليها، بناءً على شكوى من الشاه
«إسماعيل»، ولم يلقَ هذا التصرف قبولاً لدى الجيش أو الشعب، ثم
تطورت الأمور، وأجبر الجيش السلطان «بايزيد الثانى» على التخلى
عن العرش لابنه «سليم الأول».
ولما تولَّى «سليم الأول» الحكم سنة (٩١٨هـ= ١٥١٢م)، جاءته الرسل
من كل الأنحاء لتهنئته، ولم يحضر أحد من «إيران» الصفوية، فزاد
ذلك من شقة الخلاف بين الدولتين، وتطور الأمر بينهما إلى الاحتكام
إلى السيف، فالتقى العثمانيون مع الصفويين فى (٢ من رجب ٩٢٠هـ=
٢٣ من أغسطس سنة ١٥١٤م) فى معركة «جالديران»، فانتصر
«سليم»، وهزم الشاه «إسماعيل»، الذى هرب ناجيًا بحياته، وترك
زوجته فى الميدان، ودخل «سليم» العاصمة الإيرانية «تبريز».
وفى طريق العودة ضم «سليم» إلى دولته أراضى «ذى القادر»؛ لأن
حاكمها «علاء الدين»، التابع لدولة المماليك رفض مساعدة «سليم»
عندما كان فى طريقه لمحاربة الصفويين، مما وتّر العلاقة بين
العثمانيين ودولة المماليك، وقام بينهما عداء سافر، ساعد فيه
الاتفاق بين دولة المماليك فى «مصر» و «الشام» وبين الصفويين ضد
العثمانيين، وزاد الأمر تعقيدًا عثور العثمانيين على خطاب يؤكد
العلاقة الخفية بين المماليك والصفويين، وهذا الخطاب محفوظ الآن
فى أرشيف متحف «طوب قابو» فى «إستانبول».
علاقة السلطان سليم بالمماليك:
برزت أمام السلطان «سليم الأول» عدة أسباب استراتيجية، جعلت
الصدام مع المماليك أمرًا ضروريا، فأى اتفاق بين المماليك و «أوربا»
سيفتح الباب أمام حملة صليبية جديدة، ويضع الدولة العثمانية فى
مأزق، كما أن البرتغاليين بعد معركة «ديو» سنة (٩١٥هـ= ١٥٠٩م)
أصبحوا هم أصحاب السيادة على المياه الإسلامية الجنوبية، حتى
إنهم أعلنوا عن عزمهم على قصف «مكة» و «المدينة»، وفى الوقت
نفسه كانت حالة دولة المماليك الاقتصادية والسياسية والعسكرية
سيئة، لا تسمح لهم بحماية المقدسات الإسلامية.
стр. 899
ولم يغب عن ذهن السلطان «سليم الأول» أن انتقال الخلافة إلى
«بنى عثمان» يجعل منهم قوة معنوية كبيرة عند المسلمين، ويحد من
أطماع «أوربا» المسيحية فى الدولة العثمانية، ويقضى على الخطر
البرتغالى فى جنوب «البحر الأحمر».
وقد أدَّى وقوع الرسائل بين «قانصوه الغورى» سلطان المماليك،
والشاه «إسماعيل الصفوى» إلى زيادة هوة الخلاف بين «الغورى»
و «سليم» وقطع أى محاولة للحل السلمى بين المماليك والعثمانيين.
موقعة مرج دابق وآثارها:
أدرك «الغورى» أن الحرب بينه وبين العثمانيين واقعة لا محالة،
فلجأ إلى تحريض أهل «دمشق» ليشتركوا معه فى حربه ضد
العثمانيين، الذين اتهمهم بخيانة فكرة الجهاد الإسلامى فى
«أوربا»، وأشاع أن السلطان العثمانى قد استعان بجنود من
النصارى والأرمن؛ ليحارب بهم جند الله المجاهدين ضد البرتغاليين،
ولكن يبدو أن هذا الأسلوب لم يلق نجاحًا كبيرًا بين أهل «دمشق»،
لاقتناعهم بأن العثمانيين منذ قرون وهم يجاهدون فى الميدان
الأوربى، ولم يتخلفوا عن إمداد المماليك أنفسهم بما يلزمهم لقتال
البرتغاليين، مثلما حدث فى عهد السلطان «بايزيد الثانى».
والتقى الجمعان على مشارف «حلب» فى «مرج دابق» سنة (٩٢٣هـ=
١٥١٧م)، وحقق العثمانيون النصر، وقُتل السلطان «الغورى»،ودخل
«سليم الأول» «حلب» ثم «دمشق» ودُعى له فى المساجد، وفتحت
كثير من المدن الشامية أبوابها للعثمانيين دون مقاومة تذكر.
وأرسل السلطان «سليم الأول» رسالة إلى «طومان باى» الذى خلف
السلطان «الغورى» فى «مصر»، يعرض عليه فيها حقن الدماء،
شريطة أن تكون «غزة» و «مصر» تابعتين للدولة العثمانية، ويحكمهما
هو باسمها، ويدفع نظير ذلك خراجًا سنويا، لكن المماليك قتلوا
رسول «سليم»، فلم يكن هناك بدٌّ من الحرب، وعزم «سليم» على
اللقاء، فالتقى مع المماليك فى «غزة» و «الريدانية» وكان النصر
فيهما حليفه، وأدى انتصار العثمانيين فى معركتى «مرج دابق»
стр. 900
و «الريدانية» إلى وقوع «مصر» و «الشام» و «الحجاز» و «اليمن» تحت
حكم الدولة العثمانية.
ويعود انتصار العثمانيين على المماليك إلى مجموعة من الأسباب،
منها:
- تفوق العثمانيين التكنولوجى، فسلاح المدفعية المملوكى كان
يعتمد على مدافع ضخمة ثابتة لا تتحرك، على حين اعتمد سلاح
المدفعية العثمانى على مدافع خفيفة يمكن تحريكها فى كل
الاتجاهات.
- سلامة الخطط العسكرية العثمانية ومرونتها، من ذلك استدارة القوات
العثمانية من خلف مدافع المماليك الثقيلة الحركة، ودخولها «القاهرة»
عن طريق المقطم، مما شل دور المدفعية المملوكية، وأحدث اضطرابًا
فى صفوف الجيش المملوكى؛ لتدافعهم بلا انتظام خلف العثمانيين.
- ارتفاع معنويات الجيش العثمانى.
ودخل «سليم الأول» «القاهرة»، ونودى به سلطانًا وخليفة للمسلمين،
وخادمًا للحرمين الشريفين، بعد أن تسلّم مفاتيح «مكة» و «المدينة»،
وكان «سليم» كريمًا مع ابن أمير «مكة» «الشريف بركات»، الذى
جاء يعلن خضوع «الحجاز» للدولة العثمانية، وفى «مصر» أعاد
«سليم» تنظيم البلاد، وأصدر قانون «نامه مصر» لهذا الغرض.
مسألة انتقال الخلافة إلى العثمانيين:
عندما انتصر السلطان «سليم» فى موقعة «مرج دابق» أسر الخليفة
العباسى «المتوكل على الله محمد بن المستمسك بالله» وكان فى
صفوف جيش السلطان «الغورى»، وفى أول صلاة جمعة صلاها
السلطان «سليم» فى الجامع الكبير بحلب، عُدَّ خليفة، وخطب له فى
«سوريا» باعتباره خليفة للمسلمين، وسكت العملة باسمه.
وتقول إحدى الروايات التاريخية: إن الخليفة المتوكل تنازل عن
الخلافة لبنى عثمان فى مراسم جرت فى «آيا صوفيا» بعد عودته مع
السلطان «سليم» إلى «إستانبول»، ويقول بعضها الآخر: إن الخليفة
«المتوكل» قلد السلطان «سليماً» السيف وألبسه الخلعة فى «جامع
أبى أيوب الأنصارى» بعد مراسم «آيا صوفيا»، وأنه اشترك فى
هذه المراسم علماء الأزهر الذين سافروا إلى «إستانبول»، وعلماء
стр. 901
الدولة العثمانية، وأن الخلافة انتقلت إلى «بنى عثمان» بقرار هذا
المجلس.
اتسعت رقعة الدولة العثمانية فى عهد «سليم الأول» بعد أن ضمَّ إليها
«مصر» و «الشام» و «الجزيرة العربية»، وبعد عودته إلى العاصمة
«إستانبول» وجد فتنة شيعية قد اشتعلت فى منطقة «طوقاد»
الأناضولية سنة (٩٢٥هـ= ١٥١٩م)، فأرسل إليها أحد قواده فنجح فى
إخمادها والقضاء عليها، وأعاد السكون إلى تلك المنطقة.
وفى سنة (٩٢٦هـ= ١٥٢٠م) تُوفِّى «سليم الأول» من جرّاء خراج صغير
فى ظهره.
السلطان سليمان القانونى:
تولى السلطان «سليمان القانونى» عرش الدولة العثمانية بعد موت
والده السلطان «سليم الأول» عام (٩٢٦هـ= ١٥٢٠م) وحكم الدولة
العثمانية مدة ست وأربعين سنة وهى أطول مدة حكم فيها سلطان
عثمانى.
كان عهد «القانونى» قمة العهود العثمانية سواء فى الحركة
الجهادية أم فى الناحية المعمارية أو العلمية أو الأدبية أو العسكرية،
وكان هذا السلطان يؤثر فى السياسة الأوربية تأثيرًا عظيمًا؛ حيث
كانت الدولة العثمانية هى القوة العظمى دوليا فى زمنه، ونعمت
بالرخاء والطمأنينة.
بداية عهد القانونى:
ابتلى «سليمان» فى السنوات الأولى من عهده بأربعة تمردات شغلته
عن حركة الجهاد؛ إذ إن موت «سليم الأول» ثم جلوس ابنه على العرش
وهو صغير السن أتاحا الفرصة لكى يظن الولاة الطموحون إلى
الاستقلال أنهم قادرون على ذلك. فلما وصل خبر تولية «سليمان»
العرش، إلى «الشام» وكان «جان بردى الغزالى» واليًا عليها من قبل
الدولة العثمانية، تمرد وأشهر العصيان على الدولة.
و «جان بردى الغزالى» هذا، قائد مملوكى، تعاون مع «سليم الأول»
فى حربه ضد المماليك وكان أميرًا طموحًا وأودى به طموحه إلى أن
ينقلب على المماليك ويتعاون مع «سليم»، فلما تولى «سليمان»
أرسل «الغزالى» من «الشام» رسالة إلى «خاير بك» النائب العثمانى
على مصر أوضح فيها الأول للثانى أن الوقت قد حان لإعادة الدولة
стр. 902
المملوكية وبعثها من جديد، إلا أن والى «مصر» العثمانى أرسل
الرسالة هذه إلى العاصمة العثمانية ليطلع عليها السلطان «سليمان»،
وهذه الرسالة موجودة الآن فى قسم الأرشيف بمتحف «طوب قابو
سرابى».
فأمر السلطان «سليمان» بقمع الفتنة فقمعت وأرسل رأس الثائر إلى
«إستانبول» دلالة على انتهاء التمرد.
أما التمرد الثانى: فقام به «أحمد باشا» الخائن فى «مصر» فى عام
(٩٣٠هـ= ١٥٢٤م)، وكان يطمح إلى أن يشغل منصب الصدر الأعظم ولم
يفلح فى هذا، لذلك طلب إلى السلطان أن يعينه واليًا على «مصر»
فقبل السلطان. وما إن وصل «مصر» حتى حاول استمالة الناس،
وأعلن نفسه سلطانًا مستقلا، لكن أهل الشرع فى «مصر» وكذلك
جنود الإنكشارية لا يعرفون إلا سلطانًا واحدًا خليفة لكل المسلمين هو
السلطان «سليمان القانونى»، لذلك ثاروا ضد هذا الوالى المتمرد
وقتلوه وظل اسمه فى كتب التاريخ مقرونًا باسم الخائن.
والتمرد الثالث ضد خليفة المسلمين تمرد شيعى علوى قام به «بابا ذو
النون» عام (٩٣٢هـ= ١٥٢٦م) فى منطقة الأناضول؛ حيث جمع ما بين
ثلاثة آلاف وأربعة آلاف ثائر، وفرض الخراج على المنطقة، وقويت
حركته حتى إنه استطاع هزيمة بعض القواد العثمانيين الذين توجهوا
لقمع حركته، وانتهت فتنة الشيعة هذه بهزيمة «بابا ذو النون»
وأرسلت رأسه إلى «إستانبول».
والتمرد الرابع ضد الدولة العثمانية فى عهد «سليمان القانونى» كان
تمردًا شيعيا علويا أيضًا وكان على رأسه «قلندر جلبى» فى
منطقتى «قونية» و «مرعش»، وكان عدد أتباعه (٣٠.٠٠٠) شيعى
قاموا بقتل المسلمين السنيين فى هاتين المنطقتين.
توجه «بهرام باشا» لقمع هذا العصيان فقتله العصاة، ثم نجحت الحيلة
معهم؛ إذ إن الصدر الأعظم «إبراهيم باشا» قد استمال بعض رجال
«قلندر جلبى»، فقلت قواته وهزم وقتل.
الجهاد فى أوربا:
بعد هذا هدأت الأحوال فى الدولة العثمانية وبدأ السلطان «سليمان»
فى التخطيط لسياسة الجهاد فى «أوربا».
стр. 903
بدأ العثمانيون فى عصر «سليمان» فتوحاتهم فى «أوربا» بفتح
أهم مدن «البلقان» وهى: «بلجراد»، التى كان المجريون يتولون
حمايتها، وكانت علاقة العثمانيين بالمجريين فى هذا الوقت متوترة؛
إذ كان «سليمان» قد أرسل إلى ملك «المجر» رسولا يعلنه بتولى
«سليمان» عرش العثمانيين، فقتل الملك المجرى رسول «سليمان»
ويدعى «بهرام جاووش»، فأعلن السلطان العثمانى الحرب على
«المجر»، وحاصرت القوات العثمانية «بلجراد» من البر ومن النهر
وسلّمت «بلجراد» بعد شهر واحد من الحصار عام (٩٢٧هـ= ١٥٢١م)،
واتخذها العثمانيون قاعدة حربية تنطلق منها قواتهم فى فتوحاتهم
الأوربية. وأثناء حرب «بلجراد» هذه استولى العثمانيون أيضًا على
قلاع مهمة فى منطقة «بلجراد» مثل: «صاباج» و «سلانكامن»
و «زملين».
وبعد خمس سنوات من استيلاء العثمانيين على «بلجراد»، أخذ ملك
«المجر» «لايوش» يجمع القوى الأوربية لمحاربة العثمانيين، وكتب
إلى كل من «شرلكان» الإمبراطور الألمانى، و «فرديناند» الأرشيدوق
النمساوى يطلب منهما التحالف معه ضد العثمانيين.
وفى الوقت نفسه كان السلطان «سليمان القانونى» يستعد لمحاربة
«المجر»، فتحرك بجيشه فى سنة (٩٣٢هـ= ١٥٢٦م) فى أكثر من (٦٠)
ألف جندى حتى وصل إلى «صحراء موهاج» المجرية، وهناك دارت
معركة ضخمة من معارك الإسلام فى يوم (٢١ من ذى القعدة ٩٣٢هـ=
٢٩ من أغسطس ١٥٢٦م)، هزم فيها العثمانيون الجيش المجرى، وكان
من أرقى الجيوش الأوربية، ومعروف بفرسانه المدرعين، ولعبت
المدفعية العثمانية دورها فى هذا النصر السريع الذى أحرزه الجيش
العثمانى فى ساعتين، على الرغم من قطعه مسافات طويلة، حتى
وصل إلى أرض المعركة.
وقد تكبَّد الجيش المجرى خسائر هائلة فلم تقم له قائمة، فقد أسر
العثمانيون حوالى (٢٥) ألف جندى، وتعرض نحو (٧٥) ألفًا للقتل أو
للغرق فى مستنقعات «موهاج»، وكان الملك المجرى «لايوش» ممن
مات غرقًا فى هذه المستنقعات.
стр. 904
وقد رفعت الرايات العثمانية فوق العاصمة المجرية «بشت»، ولم تكن
قد عرفت باسمها الآن «بودابست»، وأعلن منها السلطان «سليمان
القانونى» خضوع «مملكة المجر» للحماية العثمانية، وأصدر أمرًا
بتعيين «جون زابوليا» أمير منطقة «أردل» المجرية ملكًا على
«المجر»، وهو الذى تعرفه المصادر الشرقية باسم الملك «يانوش»،
وعاد «سليمان» إلى «إستانبول» بجيوشه.
بعد ثلاث سنوات من الحملة العثمانية لفرض الحماية الإسلامية على
«مملكة المجر»، جاءت رسالة إلى «سليمان» من «يانوش» ملك
«المجر» يقول فيها بأن أرشيدوق «النمسا» «فرديناند» يستعد لأخذ
«المجر» منه، بعد أن قام الكثير من أمراء «المجر» بتأييده ملكًا على
«المجر» بدلا من «يانوش»، واستولى «فرديناند» بالفعل على مدينة
«بودين» من الملك المجرى التابع للعثمانيين.
وفى (رمضان ٩٣٥هـ= مايو ١٥٢٩م) تحركت الجيوش العثمانية من
«إستانبول» إلى «المجر» واستعاد «سليمان القانونى» مدينة
«بودين» مرة أخرى، وفى احتفال مهيب توّج «القانونى» «جون
زابوليا» ملكًا على «المجر».
ثم أصر السلطان «سليمان القانونى» على محاربة «فرديناند»،
فحاصرت القوات العثمانية فى (المحرم ٩٣٦هـ= سبتمبر ١٥٢٩م) مدينة
«فيينا» عاصمة «النمسا»، واشترك فى الحصار مائة وعشرون ألف
جندى وثلاثمائة مدفع، وقبل الحصار خرج ملك «النمسا» من عاصمته
وانسحب بعيدًا عنها، وقامت معارك كبيرة أمام أسوار «فيينا» لكن
الجيش العثمانى لم يتمكن من فتحها، إذ جاء الشتاء وبدأت المواد
الغذائية تنقص، وعادت القوات العثمانية جميعًا دون التمكن من فتح
«فيينا».
وبعد ثلاث سنوات من بداية الحملة على «المجر» وحصار «فيينا»، قام
السلطان «سليمان القانونى» بمحاربة «ألمانيا» (٩٣٩هـ= ١٥٣٢م)
بسبب قيام أرشيدوق «النمسا» «فرديناند» بإرسال سفير إلى
السلطان العثمانى يطلب منه الاعتراف به ملكًا على «المجر»، ولم
يكتف «فرديناند» بذلك بل جرّد حملة وحاصر بها مدينة «بودين».
стр. 905
وقامت الحامية العثمانية فى هذه المدينة مع القوات المجرية المحلية
بالدفاع عن المدينة.
وصل السلطان العثمانى إلى «النمسا» مارا بيوغوسلافيا و «المجر»،
وكانت القوات العثمانية المشتركة فى هذه الحملة تقدر بمائتى ألف،
ولم يحاصر العثمانيون «فيينا» هذه المرة بل توجهوا لتأديب أسرة
«هابسبرج» العريقة، لكن «آل هابسبرج» وقوادهم خافوا مواجهة
السلطان «سليمان» العثمانى عندما علموا بوصوله، ولما لم يتحركوا
للحرب أرسل «سليمان» إلى «فرديناند» رسالة كلها احتقار دفعًا
لحماسه إلى الحرب، لكن «آل هابسبرج» لم يتحركوا وصدرت
للمغيرين أوامر بالقيام بعمليات عسكرية سريعة فى داخل «ألمانيا»
غنموا فيها وأسروا وانتصروا، وعندما حل الشتاء عادت الحملة
العثمانية بأكملها إلى «إستانبول».
أسفرت الحملة العثمانية على «ألمانيا» عن خوف «فرديناند» وإيمانه
بأن لا قوة فى «أوربا» تستطيع التصدى لسليمان العثمانى، فاضطر
«فرديناند» إلى طلب الصلح، فوافق السلطان بشرط أن يعترف بأن
«بيانوش» ملك على «المجر» تحت الحماية العثمانية، وأن يدفع
(٣٠.٠٠٠) دوقة ذهبية؛ جزية للدولة العثمانية.
وفى الجبهة الأوربية، مات «يانوش» عام (٩٤٧هـ= ١٥٤٠م)، ولم يكن
له إلا طفل صغير، فقامت الملكة «إيزابيلا» بالكتابة إلى السلطان
العثمانى، تقول له: إنها تريد أن يكون ابنها هو الملك، وكانت تدرك
أن «فرديناند» أرشيدوق «النمسا» يطمع فى ملك «المجر»، بل
وتحرك وحاصر «بودين» فعلاً، وسريعًا ما تحرك جيش العثمانيين
بقيادة السلطان «سليمان القانونى» نحو «بودين»، وما إن سمع
النمساويون بقرب القوات العثمانية حتى تركوا حصار المدينة وهربوا،
وعند انسحابهم كانت بعض وحدات العثمانيين بقيادة الوزير «محمد
باشا» تلحق بهم الخسائر الفادحة أثناء انسحابهم.
وفى عام (٩٤٨هـ= ١٥٤١م) دخل السلطان «بودين» وأمر بتحويل
أضخم كنائسها إلى جامع للمسلمين، كما أمر بإلحاق هذه المنطقة
стр. 906
المهمة من «المجر» بالدولة العثمانية تحت اسم «ولاية بودين»، وأمر
بتعيين «سيجموند» الابن الطفل لملك «المجر» «يانوش»، أميرًا على
إمارة «أردل» التى كان يحكمها أبوه قبل أن يصبح ملكًا على
«المجر»، ثم عاد السلطان إلى العاصمة.
لكن «فرديناند» لم يسكت، فقد أقنع البابا «بول الثالث» بضرورة
تكوين حملة صليبية قوية لكى تستريح «أوربا» من العثمانيين
بالتخلص منهم والقضاء عليهم، فتحركت هذه الحملة إلى «بودين»
عام (٩٤٩ هـ = ١٥٤٢م)، وحاصرتها حصارًا محكمًا، لكنها فشلت فى
الاستيلاء عليها، ولما وصلت أخبار هذه الحملة إلى السلطان
«سليمان»، تحرك مرة أخرى عام (٩٥٠هـ= ١٥٤٣م) إلى
«أوربا»،واستولى على أهم القلاع المجرية التى كانت فى يد
النمساويين، وهما «استركون»، و «استولنى بلجراد».
سليمان القانونى والدولة الصفوية:
أما فى جبهة الدولة العثمانية مع عدوها الدولة الصفوية فنذكر ما
يلى:
فى عام (٩٣٠هـ= ١٥٢٤م) تولى الحكم فى الدولة الصفوية الشاه
«طهماسب» ابن الشاه «إسماعيل»، وكان «طهماسب» عدوا
للعثمانيين؛ فرغب فى التحالف مع القوى الأوربية لحصر العثمانيين
بين القوتين والقضاء على دولتهم، فأرسل «طهماسب» إلى
«شرلكان» سفيرًا يطلب منه التحالف معه، وكانت البداية الحقيقية
للنزاع - هذه المرة - بين العثمانيين والصفويين، حين طلب «ذو الفقار
خان» حاكم «بغداد» الدخول تحت الحماية العثمانية فأرسل له الشاه
من يقتله عام (٩٣٥هـ= ١٥٢٩م)، ودخلت القوات الصفوية «بغداد».
وعلى الجانب الآخر قام «شرف خان» حاكم «بتليس» بخيانة
العثمانيين، وتحالف مع الصفويين، عندئذٍ أعلنت الدولة العثمانية
الحرب على الصفويين، وتحرك الصدر الأعظم «إبراهيم باشا» فدخل
«تبريز» دون مقاومة تذكر، ومن خلفه كان السلطان «سليمان
القانونى» يقود الجيوش العثمانية إلى الهدف نفسه، ودخل «تبريز»
عام (٩٤١هـ= ١٥٣٤م)، ثم اتجه إلى «بغداد» فسلّمت القوات الصفوية
стр. 907
عام (٩٤١هـ= ١٥٣٤م)، وكان «سليمان» قد استولى على
«أذربيجان»، وعبر جبال «زاغروس» الإيرانية، ومنها إلى «بغداد»،
وسميت هذه الحملة حملة العراقَيْن، أى «العراق العجمى» وهو
«أذربيجان» و «العراق العربى». وبهذه الحملة دخلت «العراق» فى
كنف الدولة العثمانية.
وعندما انسحب العثمانيون استرجع الصفويون المنطقة؛ مما جعل
السلطان يعزم على تأديب الصفويين مرة أخرى، وهذا ما سمى باسم
الحملة الثانية على «إيران»، وكانت عام (٩٥٥هـ= ١٥٤٨م)، واسترجع
فيها «تبريز»، وأضاف إليها قلعتى «وان» و «أريوان»، لكن انسحاب
العثمانيين وعودتهم جعل الإيرانيين ينتهزون فرصة انشغال الدولة
فى «أوربا»، ويعودون مرة أخرى، فقام «سليمان» بحملته الثالثة،
ولم يحصل على نتيجة مباشرة؛ إذ إن «طهماسب» خاف من مجابهة
الجيوش العثمانية، فلما عاد «سليمان» إلى بلاده وعند وصوله إلى
«أماسيا» وصلت إليه رسل «طهماسب» للصلح، فقبل السلطان توقيع
معاهدة «أماسيا» عام (٩٦٣هـ - ١٥٥٥م) وبموجبها تقررت أحقية
الدولة العثمانية فى كل من «أريوان» و «تبريز» و «شرق الأناضول».
سليمان القانونى وفرنسا:
أما ما كان من أمر السلطان مع «فرنسا» فقد بدأ أول ما بدأ أثناء
حروب «القانونى» فى «المجر»، فقد لبى السلطان طلب الدعم الذى
تقدم به «فرانسوا الأول» ملك «فرنسا» وأمه، وأنقذه من ضغوط
«شرلكان» عليه.
أما لماذا قبل السلطان «سليمان القانونى» أن يساعد «فرنسا»؛
فذلك لأن الأوربيين كانوا ينظمون حملات صليبية على الدولة
العثمانية، وعلى العالم الإسلامى، ولا يكلّون من هذا رغم هزائمهم
المتكررة، فانتهز «القانونى» فرصة النزاع بين «شرلكان»
و «فرانسوا» ملك «المجر» وفكر فى تحييد «فرنسا» وإبعادها عن
المعسكر المسيحى واتخاذها مانعًا أوربيا ضد أى تجمع صليبى
يستهدف العثمانيين.
وبعد عودة السلطان «سليمان» من حملته البغدادية منتصرًا وقع مع
«فرنسا» معاهدة عام (٩٤٢هـ= ١٥٣٥م)، منح بموجبها السلطان
стр. 908
لفرنسا بعض الامتيازات التجارية، مثل: إعطاء تخفيض جمركى خاص
للسفن الفرنسية التى تصل إلى الموانئ العثمانية، وتم الاتفاق على
أن هذه المعاهدة تسرى ما دام الحاكمون على قيد الحياة، لكن
الفرنسيين نجحوا فى تجديدها كلما جدّ سلطان جديد حتى وصل الأمر
إلى تثبيت هذه الامتيازات رسميا عام (١١٥٣هـ= ١٧٤٠م).
كان «القانونى» معوانًا لفرنسا، فقد أمدها بمعونات عسكرية،
وأرسل قباطنته العظام مثل: «خير الدين بارباروس»، و «طورغود
رئيس»، وتحت إمرتهما الأساطيل العثمانية إلى «فرنسا» لمؤازرتها.
وفى عهد «القانونى» تم فتح «جزيرة رودوس» عام (٩٢٨هـ=
١٥٢٢م)، و «رودوس» ذات موقع استراتيجى مهم بالنسبة إلى
الأناضول والدولة العثمانية، وكانت تضرب السفن التى تسير فى
شرق «البحر المتوسط» بين «الأناضول» و «مصر» و «سوريا»، وسبق
أن حاصرها السلطان «محمد الفاتح» ثلاث مرات فلم ينجح فى
فتحها، وكان انتصار العثمانيين على فرسان القديس «يوحنا» الذين
يحكمون الجزيرة انتصارًا هائلاً، حيث كانت «رودوس» أقوى قلعة
بحرية فى ذلك الوقت.
وبعدها سمح السلطان للفرسان المقاتلين بالخروج من «رودوس» بكل
ما يستطيعون حمله فى سماحة وكرم.
خير الدين بارباروس والدولة العثمانية:
«خير الدين بارباروس» أحد أربعة أخوة اشتهروا فى التاريخ
الإسلامى، وكانوا يعملون فى «البحر المتوسط»، وفى إحدى
أسفارهم قتل فرسان «رودوس» أخاهم «إلياس»، وأسروا «أوروج»
الذى استطاع الهرب، وراح يتنقل بين الموانئ، حتى استقر بجزيرة
«جربة» الواقعة بين «تونس» و «ليبيا» سنة (٩١٩هـ= ١٥١٣م).
وبمجيئه هو وأخيه «خير الدين» تغير سير تاريخ الشمال الإفريقى
كله، حيث استطاعا أن يشتريا قسمًا من الساحل التونسى، ويؤسسا
قاعدة للحملات ضد الصليبيين، وأقاما علاقات حسنة مع «قانصوه
الغورى» سلطان «مصر»، و «أبى عبد الله الخامس» سلطان «تونس»،
الذى وافق على إعطائهما قلعة «حلق الوادى»، وكانت ميناء
стр. 909
متحكمًا فى «خليج تونس»، مقابل إعطاء السلطان خمس الغنائم.
ولما بدأت القوة البحرية للأخوين فى الاتساع أخذت تضرب السفن
الصليبية على نطاق واسع، ونجحت فى الاستيلاء على مدينة
«بجاية» سنة (٩٢٢هـ= ١٥١٦م)، واتخذتها قاعدة بحرية للصراع مع
قوة «إسبانيا» البحرية.
وبعد استشهاد «أوروج»، المعروف فى المصادر التاريخية العربية
باسم «عروج» فى إحدى معاركه، طلب أخوه «خير الدين» المعروف
فى المصادر الأوربية باسم «بارباروس» أى «ذى اللحية الحمراء»
مساعدة العثمانيين بعد استيلاء السلطان «سليم» على «مصر»، وقد
أذن له السلطان بالحصول على ما يحتاج إليه من سواحل
«الأناضول»، فى مقابل سيطرة الدولة العثمانية على «الجزائر»،
وقيام «خير الدين» بحكمها نيابة عن السلطان.
ولم تتمكن الدولة العثمانية من تنفيذ هذا الاتفاق بسبب انشغالها بغزو
«جزيرة رودوس» وكان قراصنتها يأسرون أعدادًا كبيرة من السفن
التى كانت تجلب الغلال والذهب من الولايات العربية وتنقل الحجاج
إلى الأماكن المقدسة، وبغزو «المجر»، ومواجهة الصفويين، وبناء
أسطول جديد يمكنه مواجهة البرتغاليين؛ لهذا آثر البحارة المسلمون
فى الشمال الإفريقى الاعتماد على أنفسهم، إلى أن تتمكن الدولة
العثمانية من مدّ يد المساعدة لهم.
وقد قام «خير الدين» بسلسلة من الغارات على الأسطول الإسبانى،
كما قام فى الوقت نفسه بسبع رحلات من «الجزائر» إلى ساحل
«الأندلس»، تمكن خلالها من نقل (٧٠) ألف مسلم أندلسى، فأنقذهم
بذلك من الموت حرقًا باسم «محاكم التفتيش».
اهتم السلطان «سليمان القانونى»، برفع نظام «الجزائر» من نظام
اللواء العثمانى إلى نظام الإيالة (أى إقليم شبه مستقل)، وولَّى
عليها «خير الدين بارباروس» سنة (٩٢٥هـ= ١٥١٩م)، ووكّل إليه قيادة
حملات غرب «البحر المتوسط».
وقد حاول الملك الإسبانى القضاء على أسطول «خير الدين»، لكنه
كان يتكبَّد فى كل مرة خسائر فادحة، ولعل أعظم انتصاراته البحرية
стр. 910
فى «البحر المتوسط» يتمثل فى موقعة «بروزة» سنة (٩٤٥هـ=
١٥٣٨م)، التى تعد من المعارك البحرية الخالدة فى التاريخ الإسلامى
الحديث، فقد دعا البابا «بول الثالث» الجيوش الأوربية إلى الاتحاد ضد
العثمانيين، وتكوَّن منهم تحالف بحرى ضمَّ أكثر من (٦٠٠) سفينة
و (٦٠) ألف جندى، يقودها «أندريا دوريا»، وهو من أمهر القادة
البحرية فى ذلك الوقت.
وتكوَّن الأسطول الإسلامى من (١٢٢) قطعة بحرية، و (٢٢) ألف
جندى، والتقى الأسطولان فى (٤ من جمادى الأولى٩٤٥هـ= ٢٨ من
سبتمبر ١٥٣٨م) أمام «بروزة»، ولم تستمر المعركة أكثر من خمس
ساعات تمكَّن فى نهايتها «خير الدين» من حسم المعركة
لصالحه، وفر القائد «أندريا دوريا» هربًا بحياته.
ونظرًا لجهود «خير الدين» وانتصاراته التى حققها قام السلطان
«سليمان القانونى» بتعيينه فى القيادة العامة للقوة البحرية
العثمانية وناظرًا للحربية، واستقدمه إلى «إستانبول» مع طاقمه
المكون من تسعة عشر أميرلاى.
وتُوفى «خير الدين» فى «إستانبول» سنة (٩٥٣هـ= ١٥٤٦م)، تاركًا
أسطوله الذى بناه بأمواله للدولة، وترك أموالا وفيرة أوقفها لأعمال
الخير، واستطاع خلفاء «خير الدين» من بعده أن ينتزعوا من الإسبان
ما احتلوه من «الجزائر» باستثناء «وهران» التى بقيت فى أيديهم
حتى القرن الثامن عشر.
فتح ليبيا:
كانت «طرابلس الغرب» فى تلك الفترة تحت حكم فرسان «مالطة»
المسيحيين، فأصدر السلطان «سليمان القانونى» أوامره إلى قبطان
«البحر العثمانى» «طورغود رئيس» بتخليص «طرابلس الغرب» من
النفوذ المسيحى، فقام بمحاصرة «طرابلس الغرب» بأسطوله حصارًا
شديدًا فاضطرت حاميتها المسيحية إلى التسليم فى سنة (٩٥٩هـ=
١٥٥٢م)، وعين السلطان القبطان «طورغود رئيس» واليًا على
«طرابلس الغرب».
الحملات البحرية العثمانية فى الخليج العربى والمحيط الهندى:
واجه العثمانيون نفوذ البرتغاليين فى «المحيط الهندى» و «الخليج
стр. 911
العربى»، وكانت تلك المواجهة أحد الأسس الثابتة فى السياسة
الحربية للعثمانيين، فاستولى «أويس باشا» والى «اليمن» على
«قلعة تعز» سنة (٩٥٣هـ= ١٥٤٦م)، ثم نجح فى ضم صنعاء، وفى
الوقت نفسه حاصر «بيرى رئيس» «قلعة هرمز» التى كان يسيطر
عليها البرتغاليون، لكنه لم ينجح فى الاستيلاء عليها، فدخل ميناء
«بندر عباس» الإيرانى، واعترفت إمارات «عمان» و «قطر»
و «البحرين» بتبعيتهم للدولة العثمانية، على حين ظلَّت مسقط تنتقل
من السيطرة العثمانية إلى الاحتلال البرتغالى، حتى نجح العثمانيون
فى إخراج البرتغاليين منها نهائيا فى سنة (١٠٦٠هـ= ١٦٥٠م).
وقد أدت هذه السياسة فى مواجهة البرتغاليين إلى الحد من عربدتهم
فى المياه الإسلامية، ولم يعد ممكنًا أن يجتاز البرتغاليون «باب
المندب» وسط السيطرة العثمانية.
وفاة السلطان سليمان القانونى:
وفى (صفر ٩٧٤هـ= سبتمبر ١٥٦٦م) اشتد المرض بالسلطان «سليمان»
وهو يحاصر مدينة «سيكتوار» المجرية، ثم تُوفى فى (٢٠ من صفر
سنة ٩٧٤هـ= ٥ من سبتمبر سنة ١٥٦٦م) بعد أن قضى فى الحكم ٤٦
عامًا قضاها فى توسيع دولته وإعلاء شأنها، حتى بلغت فى أيامه
أعلى درجات القوة والكمال، وفى وضع النظم الداخلية للدولة حتى
اشتهر بلقب «القانونى».
نظام الإقطاع:
لم يكن نظام الإقطاع الحربى أسلوبًا جديدًا ابتكرته العقلية
العثمانية، ولم تكن أول من يستخدمه، بل إن المتصفح لصفحات
التاريخ يجد أن هذا النظام عُرف على عهد الدولة السلجوقية التى
كانت تحكم قبل الدولة العثمانية، كما أنه عُرف فى «مصر» على
عهد الناصر «صلاح الدين الأيوبى» الذى نقله من «الدولة الزنكية»
فى «الموصل» و «حلب»، ولكن الفرق بين النظام الإقطاعى فى
«مصر» وفى الدولة العثمانية هو: أن «صلاح الدين الأيوبى» نجح
إلى حد بعيد فى حماية الفلاحين الذين يخضعون لهذا النظام، فحدد
الإيجارات والجبايات التى يدفعها من يعطى له الإقطاع، وكان يراقب
стр. 912
هذا مراقبة شديدة؛ منعًا لاستغلال العسكريين للفلاحين ولذلك أطلقت
العبارة المشهورة:
«إن السادة الإقطاعيين العسكريين فى العصر الأيوبى كانوا فى
نعمة محدودة».
كما أن هذا النظام ظل معمولا به على عهد دولة المماليك فى
«مصر»، حتى إنه أطلق على ديوان الجيش اسم «ديوان الإقطاع».
الإقطاع الحربى فى الدولة العثمانية:
كان السلطان يمنح أرضًا زراعية لأفراد من سلاح الخيالة (الفرسان)
يستقرون فيها، ويشرفون على زراعتها بمساعدة الفلاحين، الذين
كانوا يتولون زراعتها بصفتهم مستأجرين، وذلك مقابل أن ينضموا
إلى الجيش بخيولهم وأسلحتهم عند نشوب أى حرب، وكان على كل
فارس من هؤلاء الفرسان أن يقدم إلى الجيش وقت الحرب عددًا من
الفرسان، يتراوح بين اثنين وأربعة، بخيولهم وأسلحتهم، وكان عدد
هؤلاء الفرسان الإقطاعيين يتناسب تناسبًا طرديا مع مساحة الإقطاع
الحربى، ومع الإيراد الذى تغله هذه الأرض الإقطاعية، وكانت هذه
الأراضى تسمى إقطاعات، وكان يطلق على من يحصل عليها عن
طريق الإقطاع الحربى اسم «السباهية الإقطاعية»، وكان هؤلاء لا
يتقاضون مرتبات نقدية من الحكومة، بل كانوا يعتمدون فى معيشتهم
على المحاصيل الزراعية التى تغلها لهم الإقطاعات الممنوحة؛ ولذلك
كانوا يمدون الفلاحين عادة بالماشية والبذور فى مقابل حصولهم
على نصف المحصول، كما كانوا يعتمدون على حصيلة العشور
وغيرها من الضرائب المقررة على الفلاحين - الأرض أو المحاصيل -
ويقومون بجبايتها منهم لحسابهم، وكانت الإيرادات التى يستولون
عليها يطلق عليها بالمصطلح التركى (ماله مقاتلهـ) بمعنى مال
المقاتلة.
وكانت الأراضى الإقطاعية تنقسم إلى:
١ - إقطاعات صغيرة نسبيا، وتسمى (تيمار)، وتحقق لصاحبها إيرادًا
يبلغ ثلاثة آلاف أقجة، وهى عملة عثمانية من الفضة.
٢ - إقطاعات أكبر مساحة من الأولى وتسمى (زعامت)، يمنحها
السلطان للفارس إذا أظهر كفاية قتالية، وكان يطلق على صاحبها
стр. 913
(زعيم)، وكان هذا الإقطاع يدر ربحًا على صاحبه يصل إلى مائة ألف
أقجة، وذلك مقابل أن يقدم للجيش وقت الحرب عددًا من الفرسان
بخيولهم وأسلحتهم، وكان هذا العدد يتحدد بنسبة فارس عن كل
خمسة آلاف أقجة.
وكان هذان النوعان من الإقطاع الحربى يخضعان لنظام التفتيش الذى
يقوم به موظفو الحكومة المختصون، ويسمون (الدفترداريين)، وكانت
تربية الخيول والعناية بها وتدريبها تدريبًا متواصلاً أمورًا تعد فى
مقدمة واجبات صاحب الإقطاع الحربى، فإذا تبين لموظفى الحكومة
فى أثناء دوراتهم التفتيشية على الإقطاعات الحربية إهمال أو تراخٍ
من صاحب الإقطاع فى تربية الخيول، كان هذا الإهمال أو التراخى
سببًا كافيًا لانتزاع الإقطاع منه.
وكانت الإقطاعات التى من نوع (تيمارات) و (زعامات) توجد فى
ولايات الدولة المحكومة من «إستانبول» رأسًا، سواء فى «أوربا»
أو فى «آسيا»، ومع ذلك فلم تطبق الدولة هذا النظام على جميع تلك
الولايات، ومن الأقاليم التى طبق فيها نظام الإقطاع الحربى:
«الروملى»، «بودا» (بودابست)، «البوسنة»، «طمسفار»، «ديار
بكر»، «أرضروم»، «دمشق»، «حلب»، «بغداد»، «شهر زور»،
«إيالات الأناضول»، «جزر الأرخبيل»، «فرمان»، «مرعش»،
«سيواس».
٣ - إقطاع أكبر مساحة من النوعين الأولين ويسمى (خاصا) وكان هذا
الإقطاع يُمنح للولاة الذين فى الخدمة الحكومية، فإذا ما تركوا
مناصبهم نتيجة الوفاة أو العزل أو الترقية إلى منصب آخر، نزع منهم
الإقطاع (الخاص). وجدير بالذكر أن بعض (التيمارات) و (الزعامات)
كانت تُمنح لبعض شاغلى المناصب الكبرى فى الدولة، فكانت تشبه
الإقطاع (الخاص) الذى كان يرتبط بالمناصب.
٤ - الإقطاعات السلطانية الخاصة: وكان يطلق على هذه الإقطاعات
اسم (خواص همايون)،وكانت أكبر وأهم الإقطاعات جميعًا من حيث
المساحة وجودة الأرض، وكان السلطان يمنح أجزاء منها لبعض
أعضاء الأسرة الحاكمة من أميرات وسيدات من حريمه.
стр. 914
٥ - إقطاعات اقتصادية: وكانت تخصص للإنفاق العسكرى على أفراد
حرس الحصون، والسلاح البحرى، والحاميات المحلية وغيرها، وكان
يطلق على هذا الإقطاع اسم (أوجاقلقات).
كيفية توزيع الإقطاعات الحربية:
- خمس مساحة الإقطاع على القسم الأول (التيمارات).
- عشر مساحة الإقطاع على القسم الثانى (الزعامات).
- خمس مساحة الإقطاع على القسم الثالث (الخواص).
- عشر مساحة الإقطاع على القسم الرابع (الأجاقلقات).
- خمس أوقاف.
أهمية النظام الإقطاعى:
ساعد هذا النظام على التوسع فى زراعة مساحات شاسعة من
الأراضى داخل الأقاليم العثمانية فى «أوربا» وفى «آسيا»، وأدى
إلى اطمئنان الدولة العثمانية؛ بسبب حرص أصحاب هذه الإقطاعات
على بذل أقصى ما لديهم من جهد فى سبيل زراعة هذه المساحات،
وحصول الدولة العثمانية على عدد كبير من الفرسان دون أى تكلفة
تذكر، فقد كان كل صاحب إقطاع يجهز عددًا من الفرسان بتجهيزاتهم
وأسلحتهم.
النظام المالى:
انقسم النظام المالى فى عهد الدولة العثمانية إلى قسمين، هما:
١ - ميرى، أى الدخل والمنصرف العام، ويتكون من: دخل الأرض
الزراعية، والجزية، ورسوم التجارة، ويديره «دفتردار».
٢ - خزنة، أى مخصصات السلطان، ويديرها «خزنة وكيلى»، ويتجمع
دخلها فى «آل خزنة»، ويديرها موظفو السلطان الخصوصيون.
ويضاف إلى النوع الأول ما كان يتبقى من مال الوقف و «الجزية»
وكان يدفعها أميرا الأفلاق والبغدان.
وكانت الأقاليم المشهورة بالخصب والحبوب مثل «مصر» ترسل هبة
من القمح تمثل (١٢/ ١) من المحصول، وفى أغلب الأحيان لم يكن فى
وسع الزراع تصدير القمح أو نقله إلى خارج حدود الإقليم، بل كانوا
يجبرون على بيع الفائض عنهم للحكومة نظير ثمن محدد.
وكانت تقع مصروفات القضاء على المتقاضين؛ إذ كان القضاة
يأخذون رسمًا لأنفسهم بدلا من أخذهم رواتب من الدولة.
стр. 915
الفصل الرابع
*العثمانيون فى عهدهم الثانى
-الإصلاح عن طريق إحياء الإسلام:
كانت الدولة العثمانية ملء السمع والبصر، وكانت القوة الدولية
العظمى التى تؤثر فى مجرى الأحداث العالمية، وضمَّت بين جوانحها
أقوامًا من مختلف الأجناس والأعراق واللغات، وامتد عمرها فى
التاريخ قرونًا طويلة، وأثمرت حضارة مزدهرة، كانت خلاصة المدنية
الإسلامية على مدى القرون التى سبقتها، ثم أتى على الدولة حين
من الدهر وجدت نفسها لا تستطيع التقدم والفتح ومواصلة المد
الإسلامى، بعد أن توغلت فى «أوربا»، فقد توقف السيل العثمانى
أمام أسوار «فيينا» عاصمة «النمسا»، وعندئذٍ نظر العثمانيون إلى
أنفسهم، وأيقنوا أن هناك خطأ يستوجب الإصلاح.
وقد لاحظ علماء الدولة العثمانية ومصلحوها، ابتداءً من عهد السلطان
«مراد الثالث» أن الفساد قد استشرى فى أجهزة الدولة، وكثر التمرد
فى الأقاليم التابعة لها، وما صاحب ذلك من ثورة وفوضى وفتنة، بل
وظهر التمرد والثورة فى عاصمة الخلافة نفسها، مما أحدث الخوف
على سلامة الدولة ووحدتها السياسية، ولذا أصبحت هناك حاجة
ماسة إلى الإصلاح، وضرورة ملحة لعلاج الخلل الذى بدأ يطل برأسه،
ويكاد يعصف بالدولة ويعرض مكانتها وهيبتها للاهتزاز، وأصبحت
هذه الحاجة هى الشغل الشاغل لجهاز الحكم فى عهد الخليفتين
«عثمان الثانى»، و «مراد الرابع».
واستند الفكر الإصلاحى فى بادئ الأمر إلى استلهام الإسلام ومبادئه
ونظمه فى عملية إصلاح الخلل، وأيقن المصلحون العثمانيون أن
تطبيق الشريعة الإسلامية فى مختلف مؤسسات الدولة سوف يعيد لها
قدرتها، ويجدد شبابها ويبعث القوة والحيوية فى عروقها، فتنهض
بعد تعثر، وتقوى بعد ضعف.
وقدم هؤلاء المصلحون النصح والتوجيه إلى السلاطين العثمانيين فى
صورة رسائل وتقارير تحمل أفكارهم، وكان فى مقدمة الناصحين
الضابط العثمانى فى البلاط السلطانى «فوُى بك»، الذى قدم تقريرًا
следующие страницы →