Полный текст (3 483 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
العربى»، وكانت تلك المواجهة أحد الأسس الثابتة فى السياسة
الحربية للعثمانيين، فاستولى «أويس باشا» والى «اليمن» على
«قلعة تعز» سنة (٩٥٣هـ= ١٥٤٦م)، ثم نجح فى ضم صنعاء، وفى
الوقت نفسه حاصر «بيرى رئيس» «قلعة هرمز» التى كان يسيطر
عليها البرتغاليون، لكنه لم ينجح فى الاستيلاء عليها، فدخل ميناء
«بندر عباس» الإيرانى، واعترفت إمارات «عمان» و «قطر»
و «البحرين» بتبعيتهم للدولة العثمانية، على حين ظلَّت مسقط تنتقل
من السيطرة العثمانية إلى الاحتلال البرتغالى، حتى نجح العثمانيون
فى إخراج البرتغاليين منها نهائيا فى سنة (١٠٦٠هـ= ١٦٥٠م).
وقد أدت هذه السياسة فى مواجهة البرتغاليين إلى الحد من عربدتهم
فى المياه الإسلامية، ولم يعد ممكنًا أن يجتاز البرتغاليون «باب
المندب» وسط السيطرة العثمانية.
وفاة السلطان سليمان القانونى:
وفى (صفر ٩٧٤هـ= سبتمبر ١٥٦٦م) اشتد المرض بالسلطان «سليمان»
وهو يحاصر مدينة «سيكتوار» المجرية، ثم تُوفى فى (٢٠ من صفر
سنة ٩٧٤هـ= ٥ من سبتمبر سنة ١٥٦٦م) بعد أن قضى فى الحكم ٤٦
عامًا قضاها فى توسيع دولته وإعلاء شأنها، حتى بلغت فى أيامه
أعلى درجات القوة والكمال، وفى وضع النظم الداخلية للدولة حتى
اشتهر بلقب «القانونى».
نظام الإقطاع:
لم يكن نظام الإقطاع الحربى أسلوبًا جديدًا ابتكرته العقلية
العثمانية، ولم تكن أول من يستخدمه، بل إن المتصفح لصفحات
التاريخ يجد أن هذا النظام عُرف على عهد الدولة السلجوقية التى
كانت تحكم قبل الدولة العثمانية، كما أنه عُرف فى «مصر» على
عهد الناصر «صلاح الدين الأيوبى» الذى نقله من «الدولة الزنكية»
فى «الموصل» و «حلب»، ولكن الفرق بين النظام الإقطاعى فى
«مصر» وفى الدولة العثمانية هو: أن «صلاح الدين الأيوبى» نجح
إلى حد بعيد فى حماية الفلاحين الذين يخضعون لهذا النظام، فحدد
الإيجارات والجبايات التى يدفعها من يعطى له الإقطاع، وكان يراقب
стр. 912
هذا مراقبة شديدة؛ منعًا لاستغلال العسكريين للفلاحين ولذلك أطلقت
العبارة المشهورة:
«إن السادة الإقطاعيين العسكريين فى العصر الأيوبى كانوا فى
نعمة محدودة».
كما أن هذا النظام ظل معمولا به على عهد دولة المماليك فى
«مصر»، حتى إنه أطلق على ديوان الجيش اسم «ديوان الإقطاع».
الإقطاع الحربى فى الدولة العثمانية:
كان السلطان يمنح أرضًا زراعية لأفراد من سلاح الخيالة (الفرسان)
يستقرون فيها، ويشرفون على زراعتها بمساعدة الفلاحين، الذين
كانوا يتولون زراعتها بصفتهم مستأجرين، وذلك مقابل أن ينضموا
إلى الجيش بخيولهم وأسلحتهم عند نشوب أى حرب، وكان على كل
فارس من هؤلاء الفرسان أن يقدم إلى الجيش وقت الحرب عددًا من
الفرسان، يتراوح بين اثنين وأربعة، بخيولهم وأسلحتهم، وكان عدد
هؤلاء الفرسان الإقطاعيين يتناسب تناسبًا طرديا مع مساحة الإقطاع
الحربى، ومع الإيراد الذى تغله هذه الأرض الإقطاعية، وكانت هذه
الأراضى تسمى إقطاعات، وكان يطلق على من يحصل عليها عن
طريق الإقطاع الحربى اسم «السباهية الإقطاعية»، وكان هؤلاء لا
يتقاضون مرتبات نقدية من الحكومة، بل كانوا يعتمدون فى معيشتهم
على المحاصيل الزراعية التى تغلها لهم الإقطاعات الممنوحة؛ ولذلك
كانوا يمدون الفلاحين عادة بالماشية والبذور فى مقابل حصولهم
على نصف المحصول، كما كانوا يعتمدون على حصيلة العشور
وغيرها من الضرائب المقررة على الفلاحين - الأرض أو المحاصيل -
ويقومون بجبايتها منهم لحسابهم، وكانت الإيرادات التى يستولون
عليها يطلق عليها بالمصطلح التركى (ماله مقاتلهـ) بمعنى مال
المقاتلة.
وكانت الأراضى الإقطاعية تنقسم إلى:
١ - إقطاعات صغيرة نسبيا، وتسمى (تيمار)، وتحقق لصاحبها إيرادًا
يبلغ ثلاثة آلاف أقجة، وهى عملة عثمانية من الفضة.
٢ - إقطاعات أكبر مساحة من الأولى وتسمى (زعامت)، يمنحها
السلطان للفارس إذا أظهر كفاية قتالية، وكان يطلق على صاحبها
стр. 913
(زعيم)، وكان هذا الإقطاع يدر ربحًا على صاحبه يصل إلى مائة ألف
أقجة، وذلك مقابل أن يقدم للجيش وقت الحرب عددًا من الفرسان
بخيولهم وأسلحتهم، وكان هذا العدد يتحدد بنسبة فارس عن كل
خمسة آلاف أقجة.
وكان هذان النوعان من الإقطاع الحربى يخضعان لنظام التفتيش الذى
يقوم به موظفو الحكومة المختصون، ويسمون (الدفترداريين)، وكانت
تربية الخيول والعناية بها وتدريبها تدريبًا متواصلاً أمورًا تعد فى
مقدمة واجبات صاحب الإقطاع الحربى، فإذا تبين لموظفى الحكومة
فى أثناء دوراتهم التفتيشية على الإقطاعات الحربية إهمال أو تراخٍ
من صاحب الإقطاع فى تربية الخيول، كان هذا الإهمال أو التراخى
سببًا كافيًا لانتزاع الإقطاع منه.
وكانت الإقطاعات التى من نوع (تيمارات) و (زعامات) توجد فى
ولايات الدولة المحكومة من «إستانبول» رأسًا، سواء فى «أوربا»
أو فى «آسيا»، ومع ذلك فلم تطبق الدولة هذا النظام على جميع تلك
الولايات، ومن الأقاليم التى طبق فيها نظام الإقطاع الحربى:
«الروملى»، «بودا» (بودابست)، «البوسنة»، «طمسفار»، «ديار
بكر»، «أرضروم»، «دمشق»، «حلب»، «بغداد»، «شهر زور»،
«إيالات الأناضول»، «جزر الأرخبيل»، «فرمان»، «مرعش»،
«سيواس».
٣ - إقطاع أكبر مساحة من النوعين الأولين ويسمى (خاصا) وكان هذا
الإقطاع يُمنح للولاة الذين فى الخدمة الحكومية، فإذا ما تركوا
مناصبهم نتيجة الوفاة أو العزل أو الترقية إلى منصب آخر، نزع منهم
الإقطاع (الخاص). وجدير بالذكر أن بعض (التيمارات) و (الزعامات)
كانت تُمنح لبعض شاغلى المناصب الكبرى فى الدولة، فكانت تشبه
الإقطاع (الخاص) الذى كان يرتبط بالمناصب.
٤ - الإقطاعات السلطانية الخاصة: وكان يطلق على هذه الإقطاعات
اسم (خواص همايون)،وكانت أكبر وأهم الإقطاعات جميعًا من حيث
المساحة وجودة الأرض، وكان السلطان يمنح أجزاء منها لبعض
أعضاء الأسرة الحاكمة من أميرات وسيدات من حريمه.
стр. 914
٥ - إقطاعات اقتصادية: وكانت تخصص للإنفاق العسكرى على أفراد
حرس الحصون، والسلاح البحرى، والحاميات المحلية وغيرها، وكان
يطلق على هذا الإقطاع اسم (أوجاقلقات).
كيفية توزيع الإقطاعات الحربية:
- خمس مساحة الإقطاع على القسم الأول (التيمارات).
- عشر مساحة الإقطاع على القسم الثانى (الزعامات).
- خمس مساحة الإقطاع على القسم الثالث (الخواص).
- عشر مساحة الإقطاع على القسم الرابع (الأجاقلقات).
- خمس أوقاف.
أهمية النظام الإقطاعى:
ساعد هذا النظام على التوسع فى زراعة مساحات شاسعة من
الأراضى داخل الأقاليم العثمانية فى «أوربا» وفى «آسيا»، وأدى
إلى اطمئنان الدولة العثمانية؛ بسبب حرص أصحاب هذه الإقطاعات
على بذل أقصى ما لديهم من جهد فى سبيل زراعة هذه المساحات،
وحصول الدولة العثمانية على عدد كبير من الفرسان دون أى تكلفة
تذكر، فقد كان كل صاحب إقطاع يجهز عددًا من الفرسان بتجهيزاتهم
وأسلحتهم.
النظام المالى:
انقسم النظام المالى فى عهد الدولة العثمانية إلى قسمين، هما:
١ - ميرى، أى الدخل والمنصرف العام، ويتكون من: دخل الأرض
الزراعية، والجزية، ورسوم التجارة، ويديره «دفتردار».
٢ - خزنة، أى مخصصات السلطان، ويديرها «خزنة وكيلى»، ويتجمع
دخلها فى «آل خزنة»، ويديرها موظفو السلطان الخصوصيون.
ويضاف إلى النوع الأول ما كان يتبقى من مال الوقف و «الجزية»
وكان يدفعها أميرا الأفلاق والبغدان.
وكانت الأقاليم المشهورة بالخصب والحبوب مثل «مصر» ترسل هبة
من القمح تمثل (١٢/ ١) من المحصول، وفى أغلب الأحيان لم يكن فى
وسع الزراع تصدير القمح أو نقله إلى خارج حدود الإقليم، بل كانوا
يجبرون على بيع الفائض عنهم للحكومة نظير ثمن محدد.
وكانت تقع مصروفات القضاء على المتقاضين؛ إذ كان القضاة
يأخذون رسمًا لأنفسهم بدلا من أخذهم رواتب من الدولة.
стр. 915
الفصل الرابع
*العثمانيون فى عهدهم الثانى
-الإصلاح عن طريق إحياء الإسلام:
كانت الدولة العثمانية ملء السمع والبصر، وكانت القوة الدولية
العظمى التى تؤثر فى مجرى الأحداث العالمية، وضمَّت بين جوانحها
أقوامًا من مختلف الأجناس والأعراق واللغات، وامتد عمرها فى
التاريخ قرونًا طويلة، وأثمرت حضارة مزدهرة، كانت خلاصة المدنية
الإسلامية على مدى القرون التى سبقتها، ثم أتى على الدولة حين
من الدهر وجدت نفسها لا تستطيع التقدم والفتح ومواصلة المد
الإسلامى، بعد أن توغلت فى «أوربا»، فقد توقف السيل العثمانى
أمام أسوار «فيينا» عاصمة «النمسا»، وعندئذٍ نظر العثمانيون إلى
أنفسهم، وأيقنوا أن هناك خطأ يستوجب الإصلاح.
وقد لاحظ علماء الدولة العثمانية ومصلحوها، ابتداءً من عهد السلطان
«مراد الثالث» أن الفساد قد استشرى فى أجهزة الدولة، وكثر التمرد
فى الأقاليم التابعة لها، وما صاحب ذلك من ثورة وفوضى وفتنة، بل
وظهر التمرد والثورة فى عاصمة الخلافة نفسها، مما أحدث الخوف
على سلامة الدولة ووحدتها السياسية، ولذا أصبحت هناك حاجة
ماسة إلى الإصلاح، وضرورة ملحة لعلاج الخلل الذى بدأ يطل برأسه،
ويكاد يعصف بالدولة ويعرض مكانتها وهيبتها للاهتزاز، وأصبحت
هذه الحاجة هى الشغل الشاغل لجهاز الحكم فى عهد الخليفتين
«عثمان الثانى»، و «مراد الرابع».
واستند الفكر الإصلاحى فى بادئ الأمر إلى استلهام الإسلام ومبادئه
ونظمه فى عملية إصلاح الخلل، وأيقن المصلحون العثمانيون أن
تطبيق الشريعة الإسلامية فى مختلف مؤسسات الدولة سوف يعيد لها
قدرتها، ويجدد شبابها ويبعث القوة والحيوية فى عروقها، فتنهض
بعد تعثر، وتقوى بعد ضعف.
وقدم هؤلاء المصلحون النصح والتوجيه إلى السلاطين العثمانيين فى
صورة رسائل وتقارير تحمل أفكارهم، وكان فى مقدمة الناصحين
الضابط العثمانى فى البلاط السلطانى «فوُى بك»، الذى قدم تقريرًا
стр. 916
إلى السلطان يقول فيه: «إن تطبيق الشريعة الإسلامية وأحكامها
بقوة وحزم هو العامل الأساسى فى وقف تدهور الدولة وحفظ الأمن،
ووقف التمرد والفوضى فى البلاد، ومن ثم تستطيع الدولة التقاط
أنفاسها؛ لتتفرغ لإصلاح نفسها، وأن المسلمين إذا استجابوا
لدواعى الشرع بقوة سيرجعون إلى عهد الفتوحات».
الإصلاح عن طريق الأخذ بالنموذج الغربى:
وفى منتصف القرن الثانى عشر الهجرى بلغت الدولة العثمانية أشد
حالات فسادها وضعفها، فى الوقت الذى كانت فيه «أوربا» تسير
بخطى واثقة نحو التقدم والمدنية؛ لذا قام بعض المفكرين العثمانيين
بالدعوة إلى ضرورة الاستفادة من التقدم الأوربى، والأخذ بأسباب
حضارتهم؛ لضمان المحافظة على وحدة الدولة، وصون حياتها،
والاطمئنان على دوامها واستمرارها.
وأول حركة إصلاحية تبنت هذا المفهوم كانت فى عهد السلطان
«أحمد الثالث» الذى يذكر فى المصادر العثمانية باسم «عصر زهور
شقائق النعمان» دلالة على الأخذ بالمظهر دون الجوهر، وإشارة إلى
الاهتمام الزائد والعناية الفائقة بهذه الزهور فى كل أنحاء العاصمة
العثمانية.
ويمثل هذا العهد بحركته الإصلاحية التى أخذت بالوجهة الغربية؛
بداية نفوذ الثقافة والحضارة الغربيتين فى الدولة العثمانية، وتجمع
حول السلطان وصدره الأعظم بطانة من المثقفين المؤمنين بهذه
الوجهة، وأن الحل يكمن فى الأخذ بالحضارة الأوربية، ولذا أرسلت
الدولة سفراء إلى «باريس» و «فيينا» لتعرف حضارتيهما، ودراسة
أسباب التقدم وعوامل النهضة هناك، ومن أشهر سفراء هذا العهد
«محمد ُلبى» الذى سافر إلى «فرنسا» سنة (١١٣٢هـ= ١٧٢٠م).
وقد شجع هذا العهد العثمانيين على تقليد الغرب ومحاكاة الحياة
الأوربية، فأخذ السلاطين يشيدون القصور الفخمة، وظهر فى البلاد
نمط جديد من الحياة، يميل إلى الإسراف والعيش المترف، والشغف
بارتداء الملابس الفخمة المحلاة بالجواهر والأحجار الكريمة.
стр. 917
وأدت هذه السياسة، بالإضافة إلى فرض الضرائب الباهظة، إلى
ظهور حالة من الاستياء والشعور بعدم الرضا تجاه السلطان
وإدارته، وساد البلاد نوع من العصيان الشعبى، ونفور المحافظين من
فكرة الإصلاح الذى يستلهم النموذج الغربى، وفتح باب التحالف مع
«الإنكشارية» للوقوف ضد كل إصلاح يتخذ «أوربا» مثالا يُحتذى، أيا
كانت فائدته.
وكان من أسباب الضيق بحركة الإصلاح هذه: احتلال أهل الذمة
مواقع خاصة فى مؤسسات الدولة العثمانية، بحيث أصبحوا يتميزون
عن الموظفين المسلمين.
إصلاح الجيش:
تنبه الساسة العثمانيون إلى أن ضعف الدولة يعود إلى عدم
مسايرتها لنواحى التقدم التى شهدتها «أوربا»،وأثبتت لهم هزيمة
الدولة المخزية فى حربها مع «روسيا» سنة (١١٨٨هـ= ١٧٧٤م) هذه
الحقيقة، فلم يعد هناك مفر من الاقتباس من الحضارة الغربية، وبخاصة
فى المجالات العسكرية، فاستعان العثمانيون بمستشار عسكرى
فرنسى هو «البارون دى توت»، لتدريب فرقتى المدفعية
والمهندسين.
وقد نجح هذا المستشار فى إنشاء فرقة جديدة للمدفعية سريعة
الطلقات سنة (١١٨٨هـ= ١٧٧٤م) ضمت (٢٥٠) جنديا وضابطًا، وفى بناء
مصنع لهذه المدافع، وإنشاء مدارس عسكرية حديثة، ومدرسة لتعليم
الرياضيات الحديثة، وأعيدت المطبعة، وجرى ترجمة المزيد من الكتب
الفرنسية العسكرية.
وشهد عصر «سليم الثالث» بدايات التعليم العسكرى على النمط
الغربى، وما ارتبط به من اقتباس المعرفة الأوربية؛ حيث طلب السلطان
نفسه من «لويس السادس عشر» أن تساعده «فرنسا» فى إعادة
بناء الجيش العثمانى، كما أنه أوجد حوله هيئة جديدة من الإداريين
العسكريين المؤمنين بالإصلاح، وقد رفع هؤلاء مجموعة من التقارير
المتصلة بأوضاع الإمبراطورية، وما يجب عمله لإنقاذها، وقد ركزت
معظم هذه التقارير على الإصلاح العسكرى، وأشارت إلى ضرورة
إعادة «وجاق الإنكشارية» وغيره من الفرق إلى تنظيمها الأول، وأن
стр. 918
تتوافر للجيش أسلحة حديثة، وأساليب تمكنه من الوقوف أمام
الجيوش الأوربية، بالإضافة إلى تخفيض أعداد الجنود الإنكشارية إلى
(٣٠٠٠٠) جندى، لتحسين كفاءتهم ونظامهم، وبذل الجهود لإنتاج
بنادق وذخائر على النمط الأوربى.
وقام السلطان «سليم الثالث» بإنشاء فرقة عسكرية جديدة، أطلق
عليها «النظام الجديد»،توخَّى لها أن تتلقَّى تدريباتها على النمط
الأوربى الحديث، وجعل لها خزانة خاصة تنفق عليها، وتستمد
مواردها من الإقطاعات المجاورة، ومن الضرائب الجديدة التى فُرضت
على المشروبات الروحية وتجارة التبغ والبن، وفرض على هذه
الفرقة ارتداء الملابس الأوربية، وتلقت تدريباتها على أيدى خبراء من
«فرنسا» و «إنجلترا»، استقدمهم السلطان لهذا الغرض.
وأدخلت على أسطول الدولة العثمانية إصلاحات تشبه التى أدخلت
على القوات البرية، فجرى توسيع الترسانة الرئيسية بتوجيه من
المهندسين الفرنسيين، وأنشئت ترسانات فى الأقاليم، وأصلحت
السفن القديمة، وبنيت أعداد كبيرة من السفن الحديثة وفق أحدث
الطرز فى المعمار البحرى، وطورت الدراسات البحرية.
عهد السلطان محمود الثانى:
وُلد السلطان «محمود» سنة (١١٩٩هـ= ١٧٨٤م)، وتقلد مقاليد الخلافة
العثمانية وهو فى الرابعة والعشرين من عمره، فقلّد «مصطفى
البيرقدار» منصب الصدارة العظمى، وطلب منه إصلاح نظام
«الإنكشارية» فاعترضوا عليه، ووقع الخلاف بينهم وبين السلطان،
وأرادوا إعادة الخليفة «مصطفى الرابع» المعزول، لكنه قتل وهم
يحاصرون الصدر الأعظم فى قصره الذى أحرقوه وهو بداخله.
وقد رأى السلطان «محمود» أن نجاح الإصلاح فى دولته يجب أن
يكون شاملاً لكل النظم العثمانية ومؤثرًا فى المجتمع، ولا يقتصر على
المجال العسكرى، ولذا يجب إزالة النظم القديمة، حتى لا تعترض
طريق الإصلاح، والتخطيط الدقيق للإصلاح، وإيجاد الضمانات اللازمة
التى تكفل نجاحه قبل القيام به.
وقد نجح السلطان «محمود» فى القضاء على فرقة «الإنكشارية»،
стр. 919
التى قامت بالتمرد وإثارة الجماهير ضد الإجراءات المتصلة بإصلاح
الجيش، وبخاصة فيما يتعلق بارتداء القوات الجديدة للملابس الأوربية،
لكن الشعب العثمانى وقف ضدهم، فى الوقت الذى استعد فيه
السلطان «محمود» لمواجهتهم، مما مكنه من القضاء عليهم تمامًا،
وأنشأ جيشًا قويا يتولى إمرته قائد عام، كان قوامه (١٢٠٠٠) جندى
فى العاصمة، وقوات أخرى فى الولايات.
وكما ارتبط التعليم لدى «محمد على» بالجيش ارتبط بالجيش أيضًا عند
«محمود الثانى»، الذى حاول الاقتداء بواليه الناجح، فأرسل البعثات
إلى «أوربا» لتلقى العلوم العسكرية خاصة، وأنشأ المدارس الحديثة،
وعنى بتعليم اللغتين العربية والفرنسية والجغرافيا، والتاريخ
والرياضيات والعلوم.
وحاول السلطان إصلاح أجهزة الدولة المركزية، فوضع الأوقاف تحت
إشرافه، وألغى «التيمارات»، وضمها إلى أملاك السلطان، وأجرى
أول إحصاء للأراضى العثمانية فى العصر الحديث، وأجرى تحسينات
على شبكة المواصلات، فأنشأ كثيرًا من الطرق الجديدة، وأدخل
البرق، وخطوط السكك الحديدية، كما أنشأ جريدة رسمية للدولة.
وبعد وفاة السلطان «محمود» تولى ابنه «عبد المجيد» الخلافة
وعمره دون الثامنة عشرة.
التنظيمات (محاولة إحياء الدولة):
التنظيمات» كلمة عربية دخلت اللغة التركية، وتعنى فى الاصطلاح
السياسى: حركة التنظيم والإصلاح على المنهج الأوربى الغربى،
وفى الاصطلاح التاريخى: حركة الإصلاح التى حدثت فى الدولة
العثمانية فى القرن (١٣هـ= ١٩م) مهتدية بالمؤسسات والتنظيمات
الأوربية، وعرفت بهذا الاسم لأنها تميزت بتنظيم شئون الدولة وفق
أسس جديدة فى جميع المجالات.
ويمكن تعريف حركة التنظيمات العثمانية بأنها حركة ثقافية
وإصلاحية حدثت فى الدولة العثمانية فى النصف الأول من القرن
(١٩م)، ومهدت لإقامة حكم دستورى على النمط الغربى فى البلاد،
وللتقارب بين العالمين الإسلامى والمسيحى، وشملت مناحى الحياة
стр. 920
كافة فى الديار العثمانية على حساب الحضارة الإسلامية، وانتقلت
سلطة السلاطين إلى الصدر الأعظم والوزراء، وتراجعت مشيخة الإسلام
إلى درجة أقل من حيث الاعتبار والنفوذ، ثم شل عملها.
وكان الحكم العثمانى قبل صدور التنظيمات يستند إلى ثلاث دعامات
رئيسية هى:
١ - السلطنة.
٢ - الخلافة.
٣ - مشيخة الإسلام.
فكان الوزراء يأتمرون بأوامر السلطان، ويساعد «ديوان الوزراء»
السلطان فى إدارة أمور الدولة، وتقوم مشيخة الإسلام بتقديم
الشورى للسلطان.
بدأ عهد التنظيمات بصدور فرمان من السلطان «محمود الثانى» باسم
«فرمان التنظيمات الخيرية» فى (٢٦ من شعبان سنة ١٢٥٥هـ= ٤ من
نوفمبر سنة ١٨٣٩م)، وانتهى عندما تولَّى السلطان «عبد الحميد
الثانى» الخلافة سنة (١٢٩٣هـ= ١٨٧٦م)، وهى السنة التى أعلنت
فيها الدولة العثمانية ما عُرف باسم «المشروطية الأولى»، أى إعلان
دستور فى البلاد لأول مرة على النمط الغربى.
وقد أكدت التنظيمات ضرورة إيجاد ضمانات لأمن جميع رعايا الدولة
على حياتهم وشرفهم وأملاكهم، ووجوب علانية المحاكمات
ومطابقتها للوائح، وإلغاء إجراءات مصادرة الأملاك، وضرورة إيجاد
نظام ثابت للضرائب يحل محل «الالتزام»، وتوفير نظام ثابت للجندية
بحيث لا تستمر مدى الحياة، وإنما تحدد مدتها بفترة تتراوح بين أربع
وخمس سنوات.
وأدى صدور هذه التنظيمات إلى حدوث تغيرات كثيرة شملت معظم
مجالات الحياة، فأنشئت المحاكم المختلطة التى تقبل الشهادة من
المسلمين والمسيحيين على حد سواء، وتَبُتُّ فى القضايا المختلفة
التى يكون الأجانب أطرافًا فيها، وكان يعمل بتلك المحاكم قضاة
أتراك وأوربيون، كما صدر قانون تجارى على نمط القانون التجارى
الفرنسى، وأنشئت مجالس لمعاونة مجالس الولايات، يُمثَّل فيها
الأهالى.
وظلت القوانين الشرعية تطبق فى المحاكم التقليدية، وكذلك فى
المحاكم الحديثة التى تطبق القوانين الجديدة المتصلة بالمسائل
стр. 921
التجارية والجنائية، المأخوذة عن القوانين الغربية، وبخاصة القانون
الفرنسى، وبقيت القوانين الشرعية المتصلة بالأحوال الشخصية
كالطلاق والزواج بدون تعديل.
وقامت لجان يرأسها من يميلون إلى الأخذ والاقتباس عن الغرب بوضع
الخطط الشاملة التى تستهدف إقامة نظام تعليمى يشمل جميع مراحل
التعليم المختلفة، فصدر فى سنة (١٣٨٦هـ= ١٨٦٩م) قانون التعليم،
الذى قسَّم المدارس إلى مدارس عمومية وخصوصية، وجعل التعليم
العام فى المدارس الأولية إجباريا ومجانيا لمدة أربع سنوات، ودون
تفرقة بين الذكور والإناث، وتمييز بين المسلمين وغيرهم.
أما التعليم الخاص فقد تناولته المادة (١٢٩) من قانون سنة (١٢٨٦هـ=
١٨٦٩م)، واشترطت حصول مدرسى المدارس الخاصة على مؤهلات
تقرها وزارة المعارف العثمانية، وأن تقر تعيينهم السلطات التعليمية
سواء أكانت محلية أم مركزية.
وأنشئت مدارس خاصة للبنات والفقراء، كما أنشئت فى سنة
(١٢٧٦هـ= ١٨٥٩م) مدرسة جديدة لتعريب الإداريين، وتدريب المعلمين
الذين كانوا يدرسون الشئون العامة والأولية.
وقد انفصلت مدارس الحكومة رسميا عن إشراف العلماء، ووضعت تحت
إشراف وزارة المعارف ذات الصبغة العلمانية منذ سنة (١٢٨٣هـ=
١٨٦٦م)، مما أدَّى إلى ازدياد الهوة بين التعليم الدينى والتعليم
العلمانى، وتعميق الازدواج الثقافى.
وكان للمطبعة أثر كبير فى هذا التحول منذ سنة (١٢٥١هـ= ١٨٣٥م)،
فقد ازداد عدد الكتب المطبوعة، وازداد عدد الصحف والدوريات، ولعب
المسرح دوره فى نشر الأفكار الجديدة، وبخاصة بعد أن كثرت دور
المسارح، ونشطت حركة ترجمة الكتب الغربية بما فى ذلك
المسرحيات، وقد أدَّى ذلك كله إلى ظهور مسرحيات عثمانية،
ساعدت على انتشار الأفكار الجديدة، بما تهيأ لها من لغة سهلة
وجذابة، لقيت تجاوبًا من العامة، وأوجدت اتجاهًا مطلقًا إلى مقاومة
السلطة المطلقة عن طريق إعلان الدستور وإيجاد حكومة مسئولة أمام
стр. 922
برلمان منتخب وفق النمط الديمقراطى الذى عرفه الغرب وبخاصة فى
«بريطانيا».
نظام الحكم فى عهد محمود الثانى:
اتجه الإداريون العثمانيون فى عهد السلطان «محمود الثانى» (١٢٢٣ -
١٢٥٥هـ= ١٨٠٨ - ١٨٣٩م) إلى التغريب، وما يهمنا هنا أنه غيّر اسم
الصدارة العظمى إلى «باش وكالت» أى رئاسة الوزراء - كما فى
«أوربا» - وأوجد نظارتين (وزارتين) جديدتين هما المالية والأوقاف.
وقد وصف أ. «سلاد» - الذى كان يخدم الدولة العثمانية برتبة «مشاور
باشا» - مع أنه أوربى - السلطان «محمود الثانى» بأنه «قلد نقائص
الغرب كما هى وبدأ إصلاحاته للدولة من حيث ما كان يتوجب عليه
تركه» ويقصد أنه أخذ من الدول الأوربية المظهر والمداراة.
وفى عهد ابنه السلطان «عبد المجيد» أصدرت الدولة بيانًا يؤكد أن
الدولة العثمانية قد اتجهت إلى الغرب فى تغيير مظهرها وجزء كبير
من تقنينها وآليات اتخاذ القرار فيها.
مما سبق نتبين أن الدولة العثمانية كانت تدار، وكانت قراراتها تُتخذ
فى الديوان الهمايونى، وكان الديوان ينعقد برئاسة السلطان أو
الصدر الأعظم نيابة عنه، كما كان هذا الديوان يعقد فى القصر فى
المكان المسمى تحت القبة ( Kubbe Alti) واستمر هذا حتى عهد
السلطان «محمد الفاتح» الذى ثبت هذا التقليد بقانون. وقد أُلغى فى
هذه الفترة الديوان الهمايونى بوصفه نظامًا يشكل آليات اتخاذ القرار
فى الدولة العثمانية، واستبدل به النظام الأوربى، ومن ثم فقد تكوّن
رسميا بديل عن الديوان ما سمى فى عهد «محمود الثانى» باسم
«مجلس وكلا» والوكيل بالتركية بمعنى الوزير فى العربية)، ومن ثم
فقد أصبح النظام الجديد يعرف باسم مجلس الوزراء أو ما عرف باسم
«الباب العالى».
الباب العالى (مجلس الوزراء).
وهو اصطلاحًا: المجلس الذى يتشكل من شيخ الإسلام والنظار
(الوزراء)، والذى يتخذ القرار فى الأمور المتعلقة بسياسة الدولة
(العثمانية) الداخلية والخارجية والأمور المهمة ويسمى أيضًا «المجلس
стр. 923
الخاص» أو «مجلس الوزراء الخاص».
وكان يتكون من شيخ الإسلام وناظر العدلية وقائد الجيش ورئيس
شورى الدولة، وناظر الخارجية، وناظر الداخلية، وناظر البحرية،
ومشير المدفعية، وناظر المالية، وناظر الأوقاف، وناظر التجارة
والأمور النافعة (الأشغال)، وناظر المعارف، ومستشار الصدر الأعظم
العالى.
وبذلك بعد شيخ الإسلام عن استقلاله، وتوزعت الشئون الدينية بينه
وبين ناظر الأوقاف وأصبح شيخ الإسلام موظفًا كبيرًا فى الدولة.
وعلى النظام الغربى فى تكوين الدولة العثمانية أيضًا أصبح هذا
المجلس الوزارى - بعد انقلاب (يوليو/ تموز ١٩٠٨م) الذى عزل السلطان
«عبد الحميد» عن العرش- مقيدًا بقوانين ولوائح وأنظمة محددة
ومعينة ومسئولا أمام السلطان ومجلس المبعوثان (مجلس الأمة) عن
الشئون المتعلقة بسياسة الدولة الداخلية والخارجية والوظائف العامة.
السلطان عبد العزيز:
ولد فى (١٤ من شعبان ١٢٤٥هـ= ٩ من فبراير ١٨٣٠م)، وتولى الخلافة
بعد وفاة أخيه «عبد المجيد بن السلطان محمود» فى (١٧ من ذى
الحجة ١٢٧٧هـ= ٦ من يونيو ١٨٦١م)، وبعد وفاة «غالى باشا»
و «فؤاد باشا» اللذين توليا منصب الصدر الأعظم وضيقا على
السلطان، مارس السلطان «عبد العزيز» حكمه الشخصى، فاشتد سخط
العثمانيين على ممارسات السلطان الاستبدادية، وتدخُّل السلطانة
«الوالدة باشا» فى شئون الحكم، وازداد القلق بسبب سوء الأوضاع
الاقتصادية، وإعلان إفلاس الحكومة العثمانية فى أواخر سنة
(١٢٩٢هـ= ١٨٧٥م)، وهو الإفلاس الذى عُزى إلى إسراف «عبد العزيز»
وخراب ذمته هو وحاشيته.
وأما المحافظون فقد أرجعوا متاعب الدولة إلى «التنظيمات»
العلمانية، ونفوذ الأجانب، وتدخلهم فى شئون البلاد، مما أدَّى إلى
انتعاش إسلامى، كان من نتيجته التضييق على المدارس الأجنبية
وأعمال المبشرين، وطرد المعلمين والخبراء الأجانب، كما اشتدت
المطالبة بإلغاء الامتيازات الأجنبية، والوضع الذى كان يتمتع به
الأجانب.
стр. 924
وساءت أحوال الدولة الاقتصادية فى أواخر عهد السلطان «عبد
العزيز»، بحيث توقف صرف مرتبات الموظفين - بما فى ذلك
العسكريون - لعدة شهور، ولم يؤدِّ فرض ضرائب جديدة إلى معالجة
الأوضاع المتردية، لهذا سعى «مدحت باشا» إلى تحسين أوضاع
الحكومة بخلع «عبد العزيز» خاصة، ولأنه كان مؤمنًا بأن ولى العهد
الأمير «مراد الخامس» أميل إلى إعلان الدستور.
وفى (٦ من جمادى الأولى سنة١٢٩٣هـ= ٣٠ من مايو سنة ١٨٧٦م)
قامت مجموعة صغيرة من كبار موظفى الحكومة يرأسهم «مدحت
باشا» بانقلاب ضد الخليفة، عززته فتوى شيخ الإسلام، وولى
الثائرون السلطان «مراد الخامس» الذى كان قد اتصل بشباب
العثمانيين عدة سنوات.
وكان السلطان «مراد الخامس» على جانب كبير من الذكاء والثقافة
التركية، كما أبدى اهتمامًا بالأدب والعلوم والشئون الأوربية، وكان
يهوى الموسيقى الغربية، وزار «أوربا» سنة (١٢٨٤هـ= ١٨٦٧م)،
وانخرط فى سلك الماسونية، وكان أميل إلى الليبرالية والدستور
وإصلاح التعليم، وطبعه بالعلمانية.
على أن مراقبة «مراد» فى أواخر عهد عمه، وإسرافه فى الشراب
أديا إلى اختلاط عقله بالصورة التى ظهرت عليه بعد توليه الحكم،
وازداد هذا الاضطراب، حين نمى إلى علمه نبأ انتحار السلطان «عبد
العزيز»، ومقتل عدد من الوزراء على يد أتباع الأمير «يوسف عز
الدين بن عبد العزيز»، وحينئذٍ رأى الوزراء ضرورة خلع
«مراد»،وتولية أخيه «عبد الحميد» الذى كان «مدحت باشا» قد انتزع
منه وعدًا بإعلان الدستور.
стр. 925
الفصل الخامس
*السلطان عبد الحميد الثانى وانهيار الدولة
(١٨٤٣ - ١٩١٨م)
وُلد «عبد الحميد الثانى» (١٣ من شعبان عام ١٢٥٨هـ= ٢١ من سبتمبر
عام ١٨٤٢م)، وهو ابن السلطان «عبد المجيد محمود الثانى» صاحب
فرمان التنظيمات الذى ينظم الدولة العثمانية على الطراز الأوربى
وتولى العرش خلفًا لأخيه «مراد» فى (١٠ من شعبان عام ١٢٩٣هـ= ٣١
من أغسطس عام ١٨٧٦م)، وماتت أمه وهو فى الحادية عشرة من
عمره، فربته زوجة أبيه وعاملته معاملة الأم شفقة ورحمة وعناية.
درس «عبد الحميد» العلوم الأساسية فى عهده وبجانبها تعلَّم اللغة
العربية وأجادها، والفارسية وأجادها، وكان ينظم الشعر، وكان
شخصية قوية منذ صغره، كان متدينًا وسط جو أوربى يعيشه أمراء
القصر السلطانى، وحريصًا على أداء الصلاة فى أوقاتها، عفيفًا، لا
يشرب الخمر، ويمنع تدخل نساء القصر فى السياسة أو شئون الدولة
منعًا باتا، وتروى ابنته الأميرة «عائشة»:
فى اليوم التالى لتنصيب والدى السلطان عبد الحميد سلطانًا على
الدولة العثمانية قابل زوجة والده التى أحبها حبا ملأ عليه فؤاده،
وقبّل يدها، وقال لها:
بحنانك لم أشعر بفقد أمى، وأنت فى نظرى أمى لا تفترقين عنها،
ولقد جعلتك السلطانة الوالدة (وهو لقب خاص بأم السلطان) .. لكنى
أرجوكِ بإصرار ألا تتدخلى بأى شكل من الأشكال فى أى عمل من
أعمال الدولة.
وانصاعت هى لهذا الأمر تمامًا».
بدأ «عبد الحميد» حكمه الفردى بافتتاح مجلس «المبعوثان»، لكنه
سرعان ما عطله إلى أجل غير مسمى، وكان هذا التعطيل فى (١٠
من صفر عام ١٢٩٥هـ= ١٣ من فبراير عام ١٨٧٨م)، واستمر الحكم
الفردى لعبد الحميد مدة ثلاثين عامًا ونصف عام تقريبًا يعنى حتى
(١٧ من جمادى الآخرة عام ١٣٢٦هـ= ١٣ من يوليو عام ١٩٠٨م) عندما
ثار عليه الجيش، فاضطر إلى إعلان الحكم النيابى، وافتتح البرلمان
للمرة الثانية.
لكنه كان رحيمًا بالمعارضين له، يستميلهم بقدر إمكانه، وإذا نفى
стр. 926
أحدًا منهم ينفيه إلى مكان بعيد، بعد أن يمنحه منصبًا عاليًا وراتبًا
كبيرًا، فعل هذا على سبيل المثال مع «نامق كمال» الشاعر
العثمانى المعروف ومع «ضيا باشا» الأديب العثمانى الذائع الصيت.
ونسوق هنا ترجمة لقصيدة نظمها الفيلسوف التركى «رضا توفيق»
وهو من كبار رجال «الاتحاد والترقى» ومن أكبر المعارضين لحكم
«عبد الحميد»، وهذه القصيدة لم يكتبها الشاعر إلا بعد وفاة
السلطان «عبد الحميد»، يقول فيها:
عندما يذكر التاريخ اسمك.
يكون الحق فى جانبك ومعك يا أيها السلطان العظيم.
كنا نحن الذين افترينا - دون حياء.
على أعظم سياسيى العصر.
قلنا إن السلطان ظالم وإن السلطان مجنون.
قلنا لابد من الثورة على السلطان.
وصدقنا كل ما قاله لنا الشيطان.
وعملنا على إيقاظ الفتنة.
لم تكن أنت المجنون، بل نحن، ولم نكن ندرى.
علقنا القلادة على فتيل واهٍ.
لم نكن مجانين فحسب، بل كنا قد عدمنا الأخلاق.
فلقد بصقنا - أيها السلطان العظيم.
على قبلة الأجداد.
عبد الحميد ومشاكل دولته:
وقد بدأ عهد «عبد الحميد» بالمشاكل العديدة، فتمرد «الصرب»
و «الجبل الأسود»، وهو تمرد بدأ فى آخر عهد «عبد العزيز»،
واضطرب الوضع فى «جزيرة كريت» ولم يكن فى صالح الدولة.
وانتصر العثمانيون على قوات الصرب فى معركة «الكسيناج»، ولكن
عندما اقترب العثمانيون من دخول «بلجراد» إذا بروسيا توجه إنذارًا
للدولة العثمانية، فخافت الدول الغربية وعلى رأسها «إنجلترا» من
مغبّة تدخل «روسيا» وعقدت هذه الدول مؤتمر الترسانة المشهور فى
«إستانبول» فى (ذى الحجة عام ١٢٩٣هـ= ديسمبر عام ١٨٧٦م)
برياسة «صفوت باشا» وزير الخارجية العثمانية. فى هذا اليوم أعلن
«عبد الحميد الثانى» الحكم المشروطى (الديمقراطى) فى الدولة.
والواقع أن هذا المؤتمر قد أجبر الدولة العثمانية على القيام
بإصلاحات فى «البوسنة والهرسك» و «بلغاريا». وفى (٣ من المحرم
стр. 927
عام ١٢٩٤هـ= ١٨ من يناير عام ١٨٧٧م) اجتمع فى «الباب العالى»
(مجلس مكوّن من (٢٤٠) شخصًا) لدراسة مقترحات مؤتمر الترسانة، لكن
«مدحت باشا» دفع المجلس إلى رفض مقترحات الدولة، وحرَّض طلبة
العلوم الدينية العالية على القيام بمظاهرات لإجبار السلطان «عبد
الحميد» على الحرب، فقام المجلس بإجبار السلطان على التصديق
على قرار برفض مقترحات المؤتمر، فانفض السفراء وتركوا الدولة
العثمانية بمفردها تواجه «روسيا».
ولما كان «نابليون الثالث» قد أرسى دعائم الفكر القومى العرقى
فى «أوربا»، فقد استغل الروس فرصة انتشار هذا الفكر، وقاموا
بدعايات ضخمة لإنقاذ إخوانهم السلاف الواقعين تحت الحكم التركى،
وأعلنوا الحرب فى (١٠ من ربيع الآخر عام ١٢٩٤هـ= ٢٤ من أبريل عام
١٨٧٧م) على العثمانيين، وبذلك بدأت الحرب العثمانية - الروسية،
المشهورة التى استمرت من عام (١٢٩٤هـ= ١٨٧٧م) إلى عام (١٢٩٥هـ=
١٨٧٨م)، وتعد هذه الحرب نكبة من نكبات التاريخ العثمانى، فقد
رافق خسارة العثمانيين فى الأرض، مشكلة هجرة مليون مسلم
عثمانى من «بلغاريا» إلى «إستانبول»، وهذه الهجرة هى أصل
مشكلة الأقليات الإسلامية اليوم فى «بلغاريا» وغيرها من دول
«البلقان»، وعندما هاجر المليون عثمانى رافقتهم مشاكل اجتماعية
كبيرة فى الإسكان وفى المعيشة.
وأخيرًا عقدت فى (٢٧ من المحرم عام ١٢٩٥هـ= ٣١ من يناير عام
١٨٧٨م) معاهدة لإنهاء الحرب التى استمرت تسعة أشهر وسبعة أيام.
تعطيل البرلمان:
وأمام ما تصوّره «عبد الحميد» من قصور فى الرأى العام ممثلاً فى
هذا المجلس، الذى دفع بالأمة إلى الدخول فى حرب هى غير مستعدة
لها، وليست فى حاجة إليها، قام السلطان فى (١٣ من فبراير ١٨٧٨م)
بتعطيل الحياة النيابية إلى أجل غير مسمى، واضطر وزير الخارجية
العثمانية أن يوقع معاهدة «أياسطفانوس» التى فرضتها «روسيا»
على الدولة عقب هزيمتها أمامها، وقد بكى الوزير وهو يوقع
стр. 928
المعاهدة؛ لأنها كانت مجحفة بالدولة، إلا أن السلطان يذكر فى
مذكراته أنه عمل كثيرًا على تخفيف وقع هذه المعاهدة على الدولة،
بتوقيع معاهدة أخرى هى «معاهدة برلين» فى (١٠ من صفر عام
١٢٩٥هـ= ٣ من يوليو عام ١٨٧٨م) أى بعد أربعة أشهر وأحد عشر
يومًا من المعاهدة الأولى.
وفى (١٨ من جمادى الأولى عام ١٢٩٥هـ= ٢٠ من مايو عام ١٨٧٨م)
أثناء ما كان جيش الاحتلال الروسى يجثم على أراضى الدولة،
وانشغال هذه به، قام شاب يدعى «على سعاوى» مع أنصاره من
الشباب الثائر بمحاولة لخلع «عبد الحميد» وإحلال «مراد» - وكان
مريضًا مرضًا عقليا - محله إلا أن هذه المحاولة باءت بالفشل.
ديون الدولة العثمانية:
أما عن الديون العثمانية وخطورتها، فقد وصلت الديون المتبقية من
عهدى «عبد المجيد» والد «عبد الحميد»، و «عبد العزيز» عمه إلى
(٢٥٢) مليون ليرة ذهبية عام (١٢٩٨هـ= ١٨٨١م)، وكان هذا الرقم
وقتها رقمًا هائلا، وكانت كل من «إنجلترا» و «فرنسا» فى مقدمة
الدائنين. وقد نجح السلطان «عبد الحميد» فى حل مسألة الديون هذه
بتقليلها إلى النصف تقريبًا؛ لذلك كان الموظفون العثمانيون وخاصة
الضباط يتضجرون عندما يقبضون رواتبهم متأخرةً، وهذا الأمر كان من
أسباب ضيق الموظفين فى عهد «عبد الحميد».
وبعد وفاة السلطان «عبد العزيز» - عم «عبد الحميد» - بخمس سنوات،
أثار «عبد الحميد» قضية هذه الوفاة؛ ولذلك قدّم «مدحت باشا»
وأعوانه إلى المحاكمة فى «محكمة يلدير» فى (٢٩ من رجب عام
١٢٩٨هـ= ٢٧ من يونيو عام ١٨٨١م) بتهمة قتل سلطان الدولة، وأصدرت
المحكمة قرارها بالإدانة.
ثم نُقل «مدحت باشا» وصاحبه محمود جلال الدين باشا فى (١ من
رمضان عام ١٢٩٨هـ= ٢٨ من يوليو عام ١٨٨١م) بالسفينة «عز الدين»
إلى «قلعة الطائف» حيث حبسا فى السجن العسكرى هناك، واستمر
هذا الحبس سنتين وتسعة أشهر، ثم وجد «مدحت باشا» وزميله فى
السجن مقتولين خنقًا، ولم يُعرف من المحرّض على القتل، والمعروف
стр. 929
أن «إنجلترا» حاولت إنقاذ «مدحت باشا» من هذا السجن بتهريبه منه
حتى إنها خصصت سفينة عسكرية بريطانية فى «البحر الأحمر» لهذا
الغرض.
وفى (١٨ من جمادى الأولى ١٣٢٣هـ= ٢١ يوليو ١٩٠٥م) دبر الأرمن
مؤامرة لقتل السلطان «عبد الحميد» عُرفت فى التاريخ العثمانى
باسم «حادث القنبلة»، دبّرها ونفذها الأرمن وأيدها المعارضون لعبد
الحميد وبخاصة العاملون فى النشر والإعلام.
ومع هذا فقد كان حكم عبد الحميد بالنسبة إلى الدولة العثمانية عهد
استقرار. وكان الشعب يشعر بالأمان، لكن نتيجة أن السلطان كان
يربط مؤسسات الدولة بشخصه مباشرة ودائمًا، ويحدّ من الصحافة
والحريات السياسية فقد عاداه الضباط وطلبة العلوم العليا خاصة طلبة
الطبية العسكرية.
المسائل العربية فى عهد عبد الحميد:
بجيش مكوّن من (٢٣.٠٠٠) جندى فرنسى استُقدموا من «الجزائر» مع
أسطول بحرى و (٨.٠٠٠) جندى فرضت «فرنسا» حمايتها على
«تونس» ووقعت «معاهدة باردو» (قصر سعيد) فى (١٢ من جمادى
الآخرة ١٢٩٨هـ= ١٢ من مايو ١٨٨١م)، بذلك احتج الباب العالى وأخذ
الوزير «محمود صادق باشا» أمير «تونس» يطلب النجدة، فذهب إليه
أسطول عثمانى مدرّع، إلا أن هذا الأسطول اضطر إلى الانسحاب إلى
مياه «كريت»؛ لعدم التوازن فى القوى بين الأسطولين العثمانى
والفرنسى.
ولم تكن الدولة العثمانية فى الواقع قادرة على أن تدافع عن
«تونس»، وكل ما استطاعت عمله أنها لم تعترف رسميا بالاحتلال
الفرنسى، وظل «عبد الحميد» يعتبر «تونس» قطعة من الدولة
العثمانية فى السالنامة الرسمية.
وكان احتلال «بريطانيا» لمصر فى (٢ من ذى القعدة ١٢٩٩هـ= ١٥ من
سبتمبر عام ١٨٨٢م) هو الحدث الكبير الثانى فى السياسة العثمانية
الخارجية فيما يختص بالأمور العربية.
عبد الحميد والخديو إسماعيل:
إن العلاقات العثمانية المصرية كانت قد اتخذت طورًا متشددًا تجاه
إسراف الخديو «إسماعيل»، بعد أن استطاع الحصول من
стр. 930
«عبدالعزيز» على امتياز بالاقتراض الخارجى، ووصل الأمر بالخديو
إلى أنه اقترض من «إنجلترا» و «فرنسا» مبلغ مائة مليون جنيه ذهبًا
فى عشر سنوات؛ ولتقريب هذه المسألة نقول إن ديون الدولة
العثمانية كلها - بعد جهود «عبد الحميد» فى تخفيضها إلى النصف
تقريبًا - تعادل جملة اقتراضات الخديو «إسماعيل» بمفرده وهو خديو
على إيالة «مصر» العثمانية؛ مما أعطى انطباعًا لدى السلطان «عبد
الحميد» بعظم إسراف الخديو، وهذا الإسراف دفع «إسماعيل» فى
(ذى القعدة ١٢٩٢هـ= نوفمبر ١٨٧٥م) إلى طرح أسهمه الشخصية فى
«قناة السويس» للبيع، وحاولت «فرنسا» أن تشتريها، إلا أن سرعة
حركة «دزرائيلى» رئيس وزراء «بريطانيا» فى شراء هذه الأسهم
عطلت حركة «فرنسا» فى العمل، وهذا أدى إلى توقع وقوع
«مصر» فريسة للاحتلال البريطانى. ولم تكن «فرنسا» من القوة بحيث
تستطيع وقتها عمل شىء لتعطيل تحرك الإنجليز فى «مصر»، ومع
ذلك لم يجد بيع «إسماعيل» لأسهمه فى «قناة السويس» نفعًا.
كان جيش «مصر» قد بلغ أيام «إسماعيل» إلى (٣٠.٠٠٠) عسكرى ما
بين ضابط وجندى، ثم أدى تدخل الوزراء الأوربيين فى الوزارة
المصرية إلى تخفيض هذه القوة إلى (١١.٠٠٠) وتسريح (٢٥٠٠)
ضابط، وكان هذا العدد يقرب من نصف عدد ضباط الجيش، وكان عدد
الضباط المصريين قليلاً بالنسبة إلى الضباط الآخرين من رعايا الدولة
العثمانية كالألبان والأباظة والشركس وغيرهم، إلا أن أغلب الضباط
المحالين إلى التقاعد كانوا من المصريين، فاستاء هؤلاء، وبدأ فى
«مصر» - لأول مرة - الشعور بالقومية، وظهر الأميرالاى «أحمد عرابى
بك».
نتيجة لهذا الجو الجديد قام السلطان «عبد الحميد الثانى» بإصدار
إرادة سنية فى (٥ من شعبان ١٢٩٦هـ= ٢٥ من يوليو ١٨٧٩م) بعزل
الخديو «إسماعيل» باشا، وتعيين ابنه الأكبر وولى العهد «محمد
توفيق باشا» مكانه، وطلب «إسماعيل» من السلطان «عبد الحميد»
стр. 931
الإذن بالإقامة فى «إستانبول» والإفادة من أملاكه هناك، فأذن له
وأقام «إسماعيل» فى قصره فى حى «بايزيد» فى «إستانبول»،
وكذلك فى قصره الصيفى على «البسفور» فى حى «أميركان».
ومات «إسماعيل» فى «إستانبول» فى (٢٧ من رمضان ١٣١٢هـ= ٢
من مارس ١٨٩٥م) عن (٦٥) عامًا، والمعروف أن «إسماعيل» درس فى
الأكاديمية الحربية فى «باريس».
وفى علاقة «عبد الحميد» بإسماعيل أيضًا مسألة إهداء السلطان
«عبد العزيز» عم «عبد الحميد» جزيرة «ياسى آدا» - وهى جزيرة
صغيرة جميلة، بالقرب من إستانبول - إلى «إسماعيل»، وعندما
تولى «عبد الحميد» أعاد هذه الجزيرة إلى أملاك الدولة.
عبد الحميد والثورة العرابية:
أما «أحمد عرابى بك» فقد أيده «عبد الحميد» ومنحه رتبة أمير لواء
مع الباشوية، كما منحه الوسام الحميدى من الطبقة الأولى،
والمعروف أن الرتب العسكرية فى «مصر» فيما فوق أميرالاى لا
تمنح إلا من السلطان نفسه.
قام «عرابى باشا» بإنهاء عمل الموظفين الأوربيين، فاحتجَّت عليه
كل من «إنجلترا» و «فرنسا»، وقامتا بمراجعة «الباب العالى» فى
شأن إرسال قوة عسكرية إلى «مصر»، ولم يقع «عبد الحميد» فى
هذا الفخ، ورفض إرسال قوة عسكرية، لأن قمع الحركة الوطنية
المصرية بجنود أتراك لصالح الدول الأوربية وهى دول استعمارية،
كان من شأنه الإساءة إلى مقام الخلافة فى كل أرجاء العالم
الإسلامى، ويتنافى مع مبدأ الجامعة الإسلامية التى كان «عبد
الحميد» قد اتخذها سياسة له.
فى هذه الأثناء تولّى «عرابى باشا» وزارة الحربية، وفى (٢٣ من
شعبان ١٢٩٩هـ= ١١ من يوليو ١٨٨٢م) حدثت قلاقل «الإسكندرية»،
ومات عدد من الأوربيين هناك، كما جرح أربعة قناصل؛ لذلك قام
الأميرالاى «سيمور» قائد الأسطول البريطانى فى «البحر المتوسط» -
وكانت «إنجلترا» قد أعلنت أنها ستحمى الأجانب فى مصر - بضرب
«الإسكندرية» بالمدفعية البحرية ضربًا متواصلاً. وفى اليوم التالى
стр. 932
(٢٤ من شعبان= ١٢ من يوليو ١٨٨٢م) احتل «الإنجليز» المدينة، وفى
(١٢ من سبتمبر ١٨٨٢م) قام السير «جرانت ويلزلى» بالتغلب على
قوات «عرابى باشا» فى معركة «التل الكبير» فى عشرين دقيقة،
ودخل الجيش الإنجليزى القاهرة فى (١٥ من سبتمبر ١٨٨٢م)،ونفت
«بريطانيا» «أحمد عرابى» إلى «سيلان».
وكانت «بريطانيا» تردد دائمًا أنها تحتل «مصر» و «السودان» احتلالا
مؤقتًا، ولم يكن للاحتلال صفة رسمية، أو وضع قانونى، وإن كان
أمرًا واقعًا إلا أن «مصر» رسميا كانت تابعة للدولة العثمانية،
واستمرت «مصر» حتى عام (١٣٣١هـ= ١٩١٤م) - تاريخ إعلان الحماية
البريطانية عليها - ترسل متعلقات تبعيتها للعثمانيين إلى
«إستانبول» سنويا، وكذلك كان تعيين الرتب الكبيرة فوق الأميرالاى
لا يتم إلا عن طريق السلطان.
عبد الحميد ومسألة العقبة:
والمسألة الثالثة المهمة فى العلاقات العثمانية المصرية فى عهد
«عبد الحميد» تتجلى فى مسألة العقبة عام (١٣٢٤هـ= ١٩٠٦م)، فبعد
أن ضيق العثمانيون على الإنجليز حلقة العمل الاستراتيجى للاحتفاظ
بطريقهم إلى «الهند» سليمًا، وخوف «بريطانيا» من خط سكة حديد
الحجاز، خاصة بعد دخول «ألمانيا» منافسًا للقوى الأوربية فى خط
سكة حديد «بغداد»، فى تلك الفترة كان السلطان «عبد الحميد»
مشغولاً بإنشاء خط سكة حديد «مكة» الطويل، برأس مال إسلامى
وأيدٍ عاملة مسلمة، وكان خط سكة حديد الحجاز قد وصل إلى
«المدينة المنورة»، وقد ربط هذا الخط بين «إستانبول» و «دمشق»
و «المدينة».
فى هذه الفترة نفسها أنشأ السلطان مدينة «بير السبع» بين «غزة»
و «بحيرة لوط» فى جنوب «فلسطين»، وفى عام (١٣١٩هـ= ١٩٠١م)
حلت قوة تركية هناك وتكون حولها قصبة، والواقع أنها كانت
قاعدة استراتيجية عثمانية، تشرف على «شبه جزيرة سيناء»
و «الجزيرة العربية» وطريق «الحجاز» و «مصر»، وكان من شأنها
أيضًا مراقبة الإنجليز الذين كانوا يحتلون «مصر». وتشكل هذه
стр. 933
القاعدة العثمانية الاستراتيجية التى أقيمت على أطلال مهجورة
متراكمة حول بئر واحدة من بدايات مسألة العقبة.
وفى عام (١٣٢٣هـ= ١٩٠٥م) قام الإنجليز بتحريض بعض القبائل اليمنية
بالتمرد على الدولة، لكن العثمانيين استطاعوا القضاء على هذا
التمرد، عندئذٍ أدركت «بريطانيا» أنها عاجزة عن الإضرار بالعثمانيين
فى «اليمن»، وهى ولاية ذات أهمية استراتيجية على «البحر الأحمر»
و «خليج عدن»؛ لذلك قام الإنجليز باختلاق حادثة على حدود «مصر»
وكانت هذه الحادثة هى حادثة قرية تسمى «العقبة».
طلبت «إنجلترا» إرسال جنود إلى هذه القرية التى يسمح الباب
العالى بوجود جنود مصريين فيها خاصة بمناسبة أعمال الحج.
بذلك كانت «إنجلترا» تريد السيطرة على المدخل الشمالى الشرقى
للبحر الأحمر وتدخل منه إلى داخل «الجزيرة العربية».
أرسل السلطان «عبد الحميد» أحد ياورانه المخلصين وهو الأميرالاى
«رشدى بك» - باشا فيما بعد - إلى المنطقة، فسار مع طابورين من
الجنود ومدفع واحد واتجه إلى العقبة وأخلاها من الجنود المصريين
الذين كانوا فيها بعد أن أبلغهم أن هذا قرار من السلطان. وبموجب
أمر من «عبد الحميد» احتل «رشدى بك» قصبة «طابا» بعد أن
أخلاها من الجنود المصريين ليفاجئ الإنجليز بالأمر الواقع.
أدركت «إنجلترا» أنها على أبواب صدام قريب مع الدولة العثمانية
بشأن الحدود، خاصة بعد قيام الشعب المصرى فى «القاهرة» وسائر
المدن المصرية بمظاهرات تهتف بحياة «عبد الحميد» وبسقوط الاحتلال
الإنجليزى، وقدمت «إنجلترا» للباب العالى إنذارًا باحتلال «العقبة»
و «طابا» فى مدة عشرة أيام إذا لم يرسل الباب العالى إلى «رشدى
بك» تلغرافًا بإخلاء القلعتين، وقالت «إنجلترا» فى إنذارها إن من
حقها الدخول فى حرب مع الدولة إذا لم يحدث صدى إيجابى للإنذار،
ولكى تضخم «إنجلترا» المسألة أمرت أسطولها فى «المحيط
الأطلسى» بدخول «البحر المتوسط» عن طريق «جبل طارق»؛ ليكون
стр. 934
بجوار الأسطول البريطانى فى «البحر المتوسط».
أبلغ «عبد الحميد» «إنجلترا» برفضه لهذا الضغط البريطانى، وقال:
إن «مصر» جزء من الدولة العثمانية رسميا وليس لإنجلترا حق فيما
تريده، وقال: إن الحدود المصرية العثمانية لا يحلها إلا ضباط من
«مصر» ومن الدولة العثمانية.
وفى (شعبان ١٣٢٤هـ= أول أكتوبر ١٩٠٦م) قام الضباط العثمانيون
والضباط المصريون بتنظيم الحدود واستقر الأمر على أن «طابا»
مصرية.
عبد الحميد واليهود:
عندما مات «البارون هيرش» كان يأمل فى إقامة وطن ليهود
«روسيا» فى «الأرجنتين»، وعندما تدخل «تيودور هرتزل» فى
المسألة اليهودية، أصبح الأمر لا يتعلق بيهود «روسيا» فقط بل بكل
اليهود، ولم يصبح الوطن الذى يطلبونه «الأرجُنتين»، بل أصبح فى
«فلسطين»، وكانت «فلسطين» جزءًا من الدولة العثمانية.
يقول «تحسين باشا» رئيس أمناء القصر السلطانى فى عهد «عبد
الحميد»، فى مذكراته ما يلى:
«جاءت شخصية كبيرة صهيونية يهودية نمساوية إلى إستانبول،
وطلبت إقامة وطن يهودى فى سنجق القدس، وقالت هذه الشخصية:
إنها تتحدث فى هذا باسم الصهاينة، وأن روتشيلد المصرفى
المشهور، وراء هذا الأمر».
وكان أساس مطلب هذا اليهودى إقامة قرى يهودية فى «فلسطين»
فى مكان تحدده الحكومة العثمانية، ولا مانع من وجود منازل
إسلامية فى هذه القرى إذا رغبت الحكومة فى هذا، وسيتبع اليهود
القادمون من الخارج قوانين ونظم الدولة العلية (العثمانية)، وسيتم
مقابل هذا تقديم الخدمات والتسهيلات اللازمة فى مسألة الديون
العمومية، وتقديم الضمان الكافى بهذا الكتاب.
ولأن هذا اليهودى كان له وزنه واعتباره، والمسألة تتعلق بالديون
العمومية للدولة عرض الموضوع على السلطان الذى أذن بمقابلته،
وبعد هذه المقابلة التى عاد منها الصهيونى النمساوى إلى بلاده
صفر اليدين أمر السلطان «عبد الحميد» سفراء الدولة العثمانية فى
стр. 935
كل من «واشنطن» و «برلين» و «فيينا» و «لندن» و «باريس»، بتعقب
الحركة الصهيونية، وإرسال تقاريرهم أولا بأول إلى السلطان، كما
قاموا بناءً على هذا الأمر بمقابلة زعماء اليهود فى البلدان التى
يعملون بها أيضًا، بإرسال مخبرين عثمانيين متنكرين إلى
الاجتماعات الصهيونية فى «أوربا»، وإرسال قصاصات الصحف
والمجلات الأوربية المتعلقة بنشاط اليهود فى «أوربا».
وبذلك خط «عبد الحميد» بنفسه الخطوط الأساسية للسياسة
العثمانية تجاه اليهود وفهم تفكيرهم تجاه القضية الفلسطينية.
وفى (١٠ من ذى القعدة ١٣٠٧هـ= ٢٨ من يونيو ١٨٩٠م) وفى (٧ من
يوليو) من العام نفسه أصدر السلطان «عبد الحميد» إرادتين
سلطانيتين بـ: «عدم قبول الصهاينة فى الممالك الشاهانية (الأراضى
العثمانية) وإعادتهم إلى الأماكن التى جاءوا منها، وأعطى أوامره
إلى نظارة الشئون العقارية بعدم بيع أراضى للمهاجرين إلى
فلسطين».
يقول «محرم فوزى طوغاى» فى مقالة له فى (١٠ من جمادى الآخرة
عام ١٣٦٦هـ= ٢ من مايو عام ١٩٤٧م)، نشرها فى «مجلة بيوك
طوغو» التركية بعنوان «فلسطين والمسألة اليهودية» ما يلى:
«إن تصرّف عبد الحميد تجاه الحركة اليهودية بهذا الشكل المعادى
كان معناه أنه يتسبب فى هدم تاجه وهدم عرشه، ليس هذا فقط، بل
ومن ثم فى هدم الدولة العثمانية كلها».
ويقول العقيد التركى «حسام الدين أرتورك» فى كتابه «خفايا
عهدين»، نشر فى «إستانبول» عام (١٣٧٧هـ= ١٩٥٧م) ما يلى:
«قدم كل من تيودور هرتزل والحاخام الأكبر طلبًا شخصيا إلى
السلطان عبد الحميد يطلبان فيه إقامة وطن إسرائيلى مستقل فى
سنجق القدس، فما كان من عبد الحميد إلا أن طردهما».
ويعقب «نظام الدين تبه دنلى أوغلى» بالتعليق على هذه المسألة
قائلاً:
«إن تصرف السلطان عبد الحميد تجاه هرتزل بهذا الشكل كان - كما
فطن السلطان لذلك - من شأنه أن يعمل هرتزل واليهود على دعم
أعداء السلطان».
وأعداء السلطان يتمثلون فى الآتى:
стр. 936
١ - تأييد الأرمن وتدعيم حركتهم ضد السلطان «عبد الحميد».
٢ - تأييد الحركة القومية فى «البلقان» لانفصال هذه المنطقة عن
الدولة.
٣ - تأييد الحركة القومية الكردية التى ظهرت عام (١٢٩٧هـ = ١٨٨٠م)
وبدأت بمحاولات اتحاد (٣٠) عشيرة كردية متنافرة.
٤ - تأييد كل حركة استقلال عن الدولة العثمانية.
٥ - دعم قوى حركة الاتحاد والترقى ودفعها إلى قلب الأوضاع
السياسية فى الدولة.
عبد الحميد الثانى وحركة الجامعة الإسلامية:
ظهرت فكرة الجامعة الإسلامية فى النصف الثانى من القرن التاسع
عشر، واتسع ذلك المصطلح ليشمل عدة مفاهيم، فبعض المصلحين
رأى فيها دعوة للرجوع بالدين إلى ما كان عليه السلف الصالح.
والبعض فسَّرها بأنها دعوة لتحديث المفاهيم الإسلامية وتطويرها
بشكل يساير تطور الحياة الحديثة، ويتمشى مع المفاهيم الواردة من
مدنية الغرب وثقافته، ورأى ثالث رَأَى فيها دعوة إلى إحياء الخلافة
العربية القرشية من جديد، لكن من غير أن يكون لهذا الخليفة سلطة
دنيوية بل مجرد رمز دينى لوحدة المسلمين. أما الرأى الأخير والأقرب
إلى الدقة فرأى فيها تلك الدعوة التى انطلقت من عاصمة الدولة
العثمانية والتى استهدفت تشديد قبضة الدولة على ما تبقى من
ولاياتها أمام الخطر الأوربى الزاحف عليها من الغرب، وامتداد النفوذ
الأدبى للسلطان العثمانى من منطلق كونه خليفة للمسلمين وخاصة من
هم خارج حدود العالم الإسلامى، لتتبادل معهم الدولة الدعم المادى
والأدبى لمواجهة الغزو الأوربى وما أحدثته هذه الحركة من ردود
فعل متباينة بين مؤيد لها ومساند وبين معارض لها ومناهض.
تولى السلطان عبد الحميد الحكم سنة (١٢٩٣هـ= ١٨٧٦م)، وقد بلغت
أطماع الدول الغربية فى الدولة العثمانية أوجها، وأوشكت المشاكل
والفتن الداخلية أن تقوض أركان الدولة من الداخل، وأهمها «جماعة
تركيا الفتاة» التى كانت تنادى بالأخذ بالمبادئ الأوربية الغربية فى
стр. 937
كل شىء، وحاولوا إخضاع السلطان لنفوذهم كما فعلوا مع سابقيه،
إلا أنه رفض وسعى لإضعاف نفوذهم فى الدولة.
وكان انتشار تلك الأفكار فى الدولة العثمانية التى يدين سكانها
بالإسلام يشكل خطرًا على وحدتها السياسية، وكان للسلطان «عبد
الحميد» مفهوم خاص فى إدخال عناصر المدنية إلى بلاده، فهو لا
يريد حضارة الغرب بمعنى الثقافة والتراث؛ لأنه كان يرى أن للشرق
حضارته الإسلامية المتكاملة المتفوقة على الحضارة الغربية، إنما
كان يريد اقتباس ما لديهم من علوم حديثة وليس مرة واحدة، ولكن
بالتدريج.
وأدرك السلطان أنه أمام أخطاء داخلية وخارجية ورأى أن الإسلام
هو القوة الوحيدة التى تمكنه من ذلك، وفى هذا يقول: إن الإسلام
هو القوة الوحيدة التى تجعلنا أقوياء ونحن أمة حية قوية ولكن
شرط أن نصدق فى ديننا العظيم.
وكان يرى أن الحروب الصليبية ضد الدولة العثمانية دائمة ومستمرة
فلابد إذن من العمل بالإسلام على توحيد عناصر الدولة المتعددة من
عرب وترك وأكراد وغيرهم فى جبهة واحدة حتى يمكن الصمود أمام
الغرب، ويرى أن جبهة المسلمين فى الدولة العثمانية لا تكفى، ولكن
لابد من امتداد تأثير الوحدة الإسلامية إلى كل مسلمى العالم فى
«إفريقيا» و «آسيا» وغيرها.
وأيد فكرة الجامعة الإسلامية كثير من علماء الدولة العثمانية آنذاك،
منهم:
الشيخ «عاطف الإسكليبى» (١٨٧٦ - ١٩٢٦م)، والشاعر «محمد عاكف
أرصوى» (١٨٧٣ - ١٩٣٦م)، والشيخ «بديع الزمان سعيد النورسى»
(١٨٧٦ - ١٩٦٠م).
وفى بلاد الشام نادى بها:
١ - الشيخ «أبو الهدى الصيادى» (١٨٤٩ - ١٩٠٩م).
٢ - الشيخ «عبد الرحمن الكواكبى» (١٨٥٤ - ١٩٠٢م).
٣ - «السيد «محمد رشيد رضا» (١٨٦٥ - ١٩٣٥م).
٤ - «عبد القادر المغربى» (١٨٦٧ - ١٩٥٦م).
٥ - «رفيق العظم» (١٨٦٧ - ١٩٢٥م).
٦ - الأمير «شكيب أرسلان» (١٨٦٩ - ١٩٤٦م).
وفى مصر:
١ - جمال الدين الأفغانى (١٨٣٩ - ١٨٩٧م).
٢ - محمد عبده (١٨٤٩ - ١٩٠٥م).
стр. 938
٣ - مصطفى كامل (١٨٧٤ - ١٩٠٨م).
٤ - محمد فريد (١٨٦٨ - ١٩١٩م).
السلطان عبد الحميد والاتحاد والترقى:
«الاتحاد والترقى» هو أول حزب سياسى فى الدولة العثمانية ظهر
فى عام (١٣٠٨هـ= ١٨٩٠م)، وكان سريا مكونًا من خلايا طلبة الحربية،
والطبية العسكرية، ويهدف إلى معارضة حكم «عبد الحميد» والتخلص
منه، وتم اكتشاف هذا الجهاز فى سنة (١٣١٥هـ= ١٨٩٧م)، فنفى عديد
من أعضائه، وفرّ بعضهم إلى «باريس»، وأرسل السلطان «عبد
الحميد» مدير الأمن العام الفريق أول «أحمد جلال الدين باشا»، إلى
«باريس» لاستمالة أعضاء المعارضة من الاتحاديين، فنجح فى
استمالة أكثرهم ومنحهم «عبد الحميد» مناصب كبيرة فى الدولة، إلا
أن المعارضين وعلى رأسهم «أحمد رضا بك» ظلوا على معارضتهم.
وفى المدة من (٢٧ من شوال - ١ من ذى القعدة ١٣١٩هـ= ٤ - ٩ فبراير
١٩٠٢م) عقد فى «باريس» مؤتمر للأحرار العثمانيين، حضرته كل
العناصر المعارضة لحكم «عبد الحميد»، وعلى رأسهم أعضاء
«الاتحاد والترقى»، وكان من ضمن قرارات هذا المؤتمر تقسيم الدولة
العثمانية إلى حكومات مستقلة استقلالا ذاتيا على أساس عرقى
قومى، وظهر المعارضون لهذا الرأى ومنهم «أحمد رضا بك» نفسه،
إلا أن الأغلبية كانت لها قوتها فى تأييد هذا القرار.
وطالب المؤتمرون من الدول الأوربية التدخل لإنهاء حكم السلطان
«عبد الحميد» وإقصائه عن العرش. وفى داخل البلاد العثمانية
وخصوصًا فى «سلانيك» و «مناستر»، افتتح الاتحاد والترقى فروعًا
له، التحق بها الضباط الشبَّان من رتبتى «ملازم» و «يوزباشى»، ثم
بدأ دخول الضباط من الرتب الكبيرة، حتى إنه يتردد أن كل ضباط
الجيش العثمانى الثالث (فى «البلقان») كانوا فى عام (١٣٢٦هـ=
١٩٠٨م) منضمين إلى «الاتحاد والترقى»، وكان منهم أركان حرب
«قول أغاسى مصطفى كمال أفندى» (أتاتورك فيما بعد)، إلا أنه
انسحب فيما بعد من «الاتحاد والترقى».
стр. 939
وفى مذكرة لجمعية «الاتحاد والترقى» إلى قناصل الدول الأجنبية
فى الدولة العثمانية، طالبت الجمعية بتدخل دول هؤلاء القناصل
لإنهاء حكم «عبد الحميد»، وتحالفت الجمعية مع الثوار البلقانيين ضد
السلطان.
اعتقد الاتحاديون أنهم بإزالة «عبد الحميد» يستطيعون تقريب
العناصر المختلفة فى الدولة، وأن دول «أوربا» ستكف عن
مضايقاتها للدولة العثمانية، وتصور الاتحاديون أن هذه الدول
الأوربية ستتعهد بحماية الدولة العثمانية إذا انتهى حكم «عبد الحميد»
الفردى غير المشروط (غير الديمقراطى)، والذى حدث أنه عقب
المشروطية فقدت الدولة العثمانية «البوسنة والهرسك» مما أصاب
الاتحاديين بالهلع.
وفى (٢٣ من جمادى الأولى ١٣٢٦هـ= ٢٣ يوليو ١٩٠٨م) اضطر «عبد
الحميد» اضطرارًا إلى إعلان المشروطية (الثانية)، وتولت جمعية
«الاتحاد والترقى» الحكم، وأعلنت تمثلها لمبادئ الثورة الفرنسية
«الحرية - العدالة - المساواة - الأخوة».
وفى (٢٣ من رمضان ١٣٢٦هـ= ١٥ من أكتوبر ١٩٠٨م) استقلت عن
الدولة العثمانية كل من «بلغاريا» و «كريت» التى أعلنت انضمامها
لليونان فى (٦أكتوبر)، واستقلت - كما ذكرنا - «البوسنة والهرسك».
وفى (٢١ من ربيع الأول ١٣٢٧هـ= ١٣ من أبريل ١٩٠٩م) دبر الجيش
العثمانى حادثة عرفت باسم «حادث ٣١ مارس»، ثم نسبوها إلى
«عبد الحميد» وقالوا إنه أراد ثورة العناصر الرجعية ضد جمعية
«الاتحاد والترقى». واتخذ الجيش هذا ذريعة للتحرك لعزل السلطان
«عبد الحميد الثانى»، وندبوا لإبلاغه بقرار العزل وفدًا مكونًا من
أربعة أشخاص لم يكن منهم تركى ولا عربى واحد، وإنما كان على
رأس الوفد يهودى والثلاثة الآخرون: أرمنى وألبانى وجرجى.
واليهودى هو «إيمانويل قراصو» الذى لعب فيما بعد دوره المشئوم
فى الاحتلال الإيطالى لليبيا.
وتنازل السلطان «عبد الحميد» عن العرش لأخيه السلطان «محمد
رشاد» فى (٦ من ربيع الآخر ١٣٢٧هـ= ٢٧ من أبريل ١٩٠٩م) وكان
стр. 940
على السلطان «عبد الحميد» أن يركب هو وأسرته القطار إلى منفاه
فى «سلانيك» (وهى مدينة يغلب عليها الطابع اليهودى)، وكان مقر
منفى السلطان «عبد الحميد» فى هذه المدينة ذات الطابع اليهودى
فى قصر يمتلكه يهودى يسمى «ألاتينى»، إمعانًا فى إذلال «عبد
الحميد».
وفى (٢٧ من ربيع الآخر ١٣٣٦هـ= ١٠ فبراير ١٩١٨م) مات السلطان
«عبد الحميد الثانى» ابن السلطان «عبد المجيد»، عن ستة وسبعين
عامًا، واشترك فى تشييع جنازته كل شعب «إستانبول» تقريبًا.
لقد خدم السلطان «عبد الحميد» أمته ثلاثًا وثلاثين سنة، قدم خلالها
خدمات جليلة، فحفظ الدولة بعد الحرب الروسية التركية من أن تفقد
المزيد من أراضيها فى «أوربا»، وقام بإنشاء دار العلوم السياسية
والجامعة بكل فروعها، ودور المعلمين والمعلمات، ومدارس اللغات
ومدرسة الفنون النسوية، وافتتح متحف الآثار الشرقية، والمتحف
العسكرى، ومكتبة بايزيد، ومدرسة الطب، وغيرها.
وفى مجال الإصلاحات العسكرية استقدم الخبراء الألمان لتدريب
الجيش وفق الأساليب الحديثة، وأرسل البعثات العسكرية للخارج،
وجهَّز الجيش بالأسلحة الحديثة.
ويذكر له فى مجال الإنشاءات والمواصلات، إنشاؤه الخط الحديدى
الحجازى، وعددًا من الطرق فى «سوريا»، وتوسعه فى إنشاء
خطوط البرق، وجرى فى عهده بناء دار الحكومة فى «دمشق»،
والثكنة الحميدية (جامعة دمشق اليوم)، وإصلاح «الكعبة المشرفة»،
وغيرها.
الدولة العثمانية نحو الانهيار:
رأت السلطات العثمانية وعلى رأسها السلطان «وحيد الدين» أن
مصلحتها بعد هزيمتها فى الحرب العالمية الأولى أن تتعاون مع
الحلفاء وبخاصة «إنجلترا»، على اعتبار أن ذلك من شأنه أن ينقذ ما
يمكن إنقاذه، فتم حل جمعية «الاتحاد والترقى» ومصادرة أملاكها،
وحل البرلمان والحكم بمراسيم.
وكانت الدولة العثمانية قد استسلمت فى الحرب العالمية الأولى فى
عهد السلطان «وحيد الدين» بعد أن تولى الخلافة بعدة شهور فقط،
стр. 941
ونتج عن هزيمتها أن سيطر الحلفاء على «إستانبول» والمضائق،
واحتلت «اليونان» الأقسام الغربية، وضاعت البلدان العربية من يديها،
وأراد السلطان «وحيد الدين» أن ينقذ الدولة مما هى فيه، فوضع
ثقته فى «مصطفى كمال» الذى لمع نجمه أثناء الحرب، لكنه بدأ
يعمل لصالح نفسه.
وفى أثناء الحرب العالمية الأولى كان «مصطفى كمال» أنجح قادة
الميدان العثمانيين، فقد تولى فى أواخر سنة (١٣٣٢هـ= ١٩١٤م)
قيادة القوات التركية التى وكل إليها حماية «الدردنيل»، وكانت
قاعدتها الرئيسية «شبه جزيرة غاليبولى»، وبفضل شجاعته فشل
الإنزال البريطانى بها لاحتلالها، وقد جعلته هذه المعركة التى أنقذت
«الآستانة» من السقوط بطلا قوميا، فأنعم عليه بلقب «باشا».
ثم عقدت «هدنة مودانيا» فى (٩ من صفر ١٣٤٠هـ= ١٢ من أكتوبر
١٩٢١م)، اعترفت بمقتضاها حكومات الحلفاء بعودة السيادة التركية
إلى «إستانبول» و «البوغازين»، و «تراقيا الشرقية»، وأجَّلت عودة
الأتراك إلى هذه المناطق حتى توقع معاهدة الصلح.
وفى (ربيع أول ١٣٤١هـ= أول من نوفمبر سنة ١٩٢٢م) أعلن المجلس
الوطنى الكبير أن السلطنة قد زالت منذ أن احتل الإنجليز «إستانبول»
قبل ذلك بسنتين، كما أن المجلس قرر أنه هو وحده الذى يختار
الخليفة من بين أفراد أسرة «آل عثمان».
وفى (٢٦ من ربيع الأول ١٣٤١هـ= ١٧ من نوفمبر ١٩٢٢م) أجبر
السلطان «وحيد الدين» على ترك منصب السلطنة، وترك عاصمة
الخلافة إلى «مالطة» حيث أقلته بارجة حربية إنجليزية كانت راسية
بالميناء تنتظر ذلك، ونودى بالأمير «عبد المجيد بن عبد العزيز» ابن
عم «وحيد الدين» خليفة للمسلمين بعد موافقة المجلس الوطنى الكبير.
وفى (١٠ من ذى الحجة ١٣٤١هـ= ٢٤ من يوليو سنة ١٩٢٣م) جرى
التوقيع على «معاهدة لوزان»، التى نصت على عودة السيادة
التركية على ما يقرب من كل الأراضى التى تشتمل عليها تركيا الآن،
وألغيت الامتيازات الأجنبية، ونتيجة لما توصل إليه فى «معاهدة
стр. 942
لوزان» أحرز «مصطفى كمال» هيبة وسلطة كانتا لازمتين لإتمام
تشكيل الدولة الجديدة، فلما انسحبت قوات الحلفاء دخلتها القوات
التركية فى (٢٣ من صفر ١٣٤٢هـ= ٦ من أكتوبر ١٩٢٣م)،وبعد ذلك
بأسبوع أصدر المجلس الوطنى الكبير قانونًا جديدًا نص على جعل
«أنقرة» العاصمة الرسمية للدولة التركية بدلا من «إستانبول» التى
تحمل ذكريات الخلافة والسلطنة، ثم أقر المجلس قانونًا جديدًا فى
(١٨ من ربيع أول ١٣٤٢هـ= ٢٩ من أكتوبر ١٩٢٣م) نص على كون
«تركيا» جمهورية تستمد كيانها من الشعب، وانتخب «مصطفى
كمال» أول رئيس للجمهورية.
وفى (٢٣ من رجب ١٣٤٢هـ= ١ من مارس ١٩٢٤م) دعا «مصطفى كمال»
المجلس الوطنى إلى عقد جلسة وقدّم مرسومًا بطرد الخليفة، وإلغاء
الخلافة، وفصل الدين عن الدولة، واستمر الجدل والنقاش حول هذه
الخطوة فى المجلس عدة أيام، وفى صباح اليوم الثالث من شهر
مارس أذيع نبأ إلغاء الخلافة وفصل الدين عن الدولة، وأمر فى
الوقت نفسه السلطان «عبد المجيد» بمغادرة البلاد إلى «سويسرا».
وما إن تم القضاء على الخلافة حتى جرت سلسلة من التغييرات التى
استهدفت فصل الدين عن الدولة، فألغيت وزارة الأوقاف وصودرت
ممتلكاتها، وألغيت وظيفة شيخ الإسلام، ونقل الإشراف على المدارس
الدينية إلى إدارة التعليم المدنى التى أصبحت مسئولة عن التعليم
العام، ثم ألغيت المحاكم الشرعية التى انتقلت اختصاصاتها إلى
المحاكم المدنية، كما ألغيت الكتابة بالحروف العربية، واستبدلت بها
الحروف اللاتينية.
وفى سنة (١٣٥٣هـ= ١٩٣٤م) أعطيت المرأة التركية حق الانتخاب
والترشيح للمجالس النيابية، وألغيت الألقاب العربية، وفرض على
الأتراك استعمال ألقاب أسرية على النمط الغربى، وقد استهل
«مصطفى كمال» هذا الإجراء بأن أطلق على نفسه لقب «أتاتورك»
بمعنى «أبو الترك»، وجعلت العطلة الرسمية الأسبوعية يوم الأحد بدلا
من يوم الجمعة، وفرض على الأتراك ارتداء القبعة والملابس الأوربية.
стр. 943
الفصل السادس
*العرب تحت الحكم العثمانى
حكم العثمانيون العرب نحو أربعة قرون، وذلك من أوائل القرن
السادس عشر إلى أوائل القرن العشرين، وقد تقلبت أحوال العرب
فى هذه القرون وتطورت علاقاتهم بالعثمانيين؛ تبعًا لتطور الحكم
العثمانى نفسه، واتجاه الأطماع الأوربية إلى بلادهم.
فعندما فتح العثمانيون العالم العربى كان قد حل به قدر كبير من
الإعياء؛ نتيجة حروبه المتصلة مع المغول والصليبيين والبرتغال
والإسبان، واضمحلال موارده الاقتصادية؛ ونتيجة لذلك نزل عن مكان
الصدارة؛ وضعفت قوته.
وقد اعتمد العثمانيون فى فتح العالم العربى على عامل الدين؛ إذ
رأى العرب أن الوازع الدينى يدفعهم إلى الولاء للخليفة العثمانى،
أما الخروج عن واجب الولاء فإضعاف للدين والدولة؛ مما يفتح الباب
للدول الأوربية الطامعة فى بلاد العرب والمسلمين.
وقد بلغت الدولة العثمانية أقصى اتساعها وقوتها؛ عندما استولت
على معظم أجزاء العالم العربى، واستلزم ذلك تقسيم الدولة إلى
ولايات كثيرة العدد، وتقسيم كل ولاية إلى عدد من الألوية، وضم كل
لواء عددًا من المقاطعات، وعين السلطان فى كل ولاية نائبًا له يُلقب
«باشا».
وكان هؤلاء الولاة لا يعينون إلا لمدة عام، فإذا انتهى العام إما أن
ينقلوا إلى مناصب أخرى، أو يجدد لهم عامًا آخر، وقد أوجد هذا
التعيين فى نفوس هؤلاء الولاة شيئًا من القلق؛ فلم يكونوا على ثقة
ببقائهم فى مناصبهم، ولذلك لم يهتموا بوضع الخطط لإصلاح الولايات
التى يحكمونها.
وكان لكل نائب (باشا) ديوان يشير عليه فى الأمور المهمة ويتألف من
كبار الضباط والأعيان والعلماء.
وجرى العثمانيون على ترك شئون الحكم الداخلى فى الولايات
لأصحاب العصبيات الإقليمية أو العنصرية أو الدينية، كأمراء المماليك
فى «مصر»، وزعماء العشائر البدوية فى «العراق»، والأمراء
المعنيين والشهابيين فى «لبنان».
محاولات العرب للانفصال عن الدولة العثمانية:
стр. 944
احتفظ العرب بقوميتهم إلا أن عاطفة الولاء للخليفة العثمانى كانت
أقوى أثرًا من العاطفة القومية، وكانت هذه العاطفة الدينية تدعو
العرب إلى التمسك بالولاء للسلطان والدولة، فكانوا يرون أن الخروج
على الدولة خروج على الدين الإسلامى، وتفتيت لوحدته.
وكان من الطبيعى أن تحدث بعض الفتن والاضطرابات فى أنحاء
مختلفة من العالم العربى، نتيجة انتهاز بعض الحكام أو أصحاب
العصبيات الإقليمية أو العنصرية فرصة اضطراب الأحوال الداخلية فى
الدولة العثمانية؛ فقاموا ببعض المحاولات للاستقلال ببعض أقاليم
الدولة، لكن هذه المحاولات فشلت؛ لأن معظمها حركات لم تنبع من
صميم الشعب العربى؛ الذى كان يحرص على الرابطة الدينية؛ إذ قام
بها زعماء إقطاعيون؛ كان هدفهم الأول الاستحواذ على السلطة
والنفوذ، ومن أمثلة هذه الحركات:
فى «مصر»: حاول «على بك الكبير» أن يستقل عن الدولة العثمانية
فى النصف الثانى من القرن الثامن عشر، فقام بطرد الباشا العثمانى،
وتعقب القوات العثمانية، كما عمل على الاستحواذ على «سوريا» من
الحكم العثمانى وضمها إلى «مصر»، وحاول الاتصال بروسيا التى
كانت فى حرب مع الدولة العثمانية؛ ولكن هذه المحاولة فشلت.
وفى «الشام»: كانت هناك ثورات حاولت الانفصال عن الدولة
العثمانية؛ ومن أهمها ثورة الأمير «فخر الدين المعنى الثانى» فى
جبل «لبنان»، وكان زعيمًا واسع الأطماع؛ تغلَّب على منافسيه من
الزعماء الإقطاعيين، وتطلَّع إلى الاستعانة ببعض الدول الأوربية فى
الانفصال عن الدولة العثمانية، فعزمت الدولة العثمانية على القضاء
عليه، ففر هاربًا إلى أمير «توسكانا».
وعاش الأمير «فخر الدين» هو وحاشيته فى «إيطاليا» نحو خمس
سنوات، ثم رجع بعدها إلى «الشام»، وحاول السيطرة عليها مرة
أخرى، ولكن الدولة العثمانية تمكنت من القضاء على فتنته، وقبض
على «فخر الدين»، وأُرسل هو وأولاده إلى «إستانبول».
стр. 945
وقد دخل فى هذه الفترة فن الطباعة، وتعد أول مطبعة دخلت
العالم العربى هى التى أنشئت فى «لبنان»، وترتب على دخول
المطبعة وإنشاء المدارس الدينية قيام حركة ترجمة واسعة، اقترنت
بحركة إحياء الآداب وجمع مخطوطاتها وتأليف المعاجم العربية.
وظهر أيضًا فى «لبنان» فى أوائل القرن التاسع عشر شخصية بارزة
لعبت دورًا كبيرًا فى «الشام» وهى شخصية الأمير «بشير الشهابى
الكبير»، الذى حالف «محمد على» والى «مصر» ضد الدولة العثمانية،
وأعانه على فتح «الشام»، وحكمها حتى انسحبت القوات المصرية
على إثر تدخل الدول الأوربية الكبرى فى سنة (١٢٥٥ - ١٢٥٦هـ=
١٨٣٩ - ١٨٤٠م)، ونفى الأمير «بشير» إلى «مالطة»، ثم انتقل إلى
«إستانبول» حيث مات فيها.
وفى «فلسطين»: ظهر الشيخ «ضاهر العمر» وهو من شيوخ البدو
فى «فلسطين»، وكان واسع الأطماع، فمد بصره إلى خارج
«الشام»؛ حيث اتصل بعلى بك الكبير فى «مصر»، وحاول الاستعانة
بروسيا؛ لكن الدولة العثمانية تمكنت فى النهاية من القضاء على
حركته.
وفى «العراق»: نجد الباشوات المماليك قد فرضوا شخصيتهم فى
القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر، وبرزت فى «العراق»
شخصيتان مهمتان أولهما: «سليمان باشا» الذى تحدى رجال الدولة
وامتنع عن إرسال الأموال إلى «إستانبول»، وعنى بتدريب المماليك
حتى استطاعوا الاحتفاظ بالحكم من بعده.
أما الآخر فهو «داود باشا» آخر حكام المماليك فى «العراق»، فقد
تولى الحكم فى ظروف قاسية؛ حيث سادت الفتن والاضطرابات
«العراق» من الداخل، وتحفزت «إيران» لغزوه من الخارج، فاتجه
«داود باشا» إلى تنظيم إدارته، وإشاعة الرخاء وإنشاء المدارس،
كما أدخل أول مطبعة فى «العراق»، وكان «داود باشا» يضيق
بالنفوذ الإنجليزى، وبالامتيازات التى يتمتع بها الإنجليز.
وفى «اليمن»: رفض الناس حكم «الأتراك»؛ لاختلاف المذهب الدينى،
فأهل «اليمن» من الشيعة، والعثمانيون من أهل السنة؛ لهذا توالت
стр. 946
الثورات على العثمانيين، وتزعم إمام «صنعاء» حركة المقاومة ضد
العثمانيين حتى أجلاهم عن «صنعاء»، ثم عن بقية أنحاء «اليمن»
سنة (١٠٤٥هـ= ١٦٣٥م).
وبهذا كان «اليمن» أول بلد عربى استقل عن الحكم العثمانى، إلا أن
العثمانيين ظلوا يتشبثون بالسيادة على «اليمن»؛ حتى سنحت لهم
الفرصة فى سنة (١٢٨٩هـ= ١٨٧٢م) فأعادوه إلى نفوذهم.
وفى «ليبيا»: كانت هناك أسرة عثمانية اتخذت «ليبيا» موطنًا لها
هى الأسرة القرمانية، وكان مؤسسها هو «أحمد القرمانى» الذى
قضى على الثورات الداخلية التى قام بها أصحاب العصبيات داخل
البلاد، وعمل على المحافظة على وحدة «ليبيا»، وتأمين التجارة عبر
الصحراء، فدَان له حكم «ليبيا»،فحكمها حتى سنة (١١٥٨هـ= ١٧٤٥م).
وقد اهتم خلفاء «أحمد باشا» بالبحرية الليبية التى أكسبت «ليبيا»
فى عهدهم قوة ومهابة، وكانت من أهم الموارد الاقتصادية لليبيا،
وذلك لأن الدول الأوربية والولايات المتحدة الأمريكية كانوا يدفعون
لليبيا إتاوة حتى يضمنوا سلامة سفنهم التجارية فى «البحر
المتوسط»، ثم ضعف النشاط البحرى الليبى بسبب موقف الدول
الأوربية منها وعملها على القضاء عليها، فاضطربت مالية البلاد، ومد
الولاة أيديهم إلى الأجانب طلبًا للقرض.
وزاد الأمر سوءًا باحتلال «فرنسا» للجزائر سنة (١٢٤٦هـ= ١٨٣٠م)،
فأوجد بذلك خطرًا جديدًا ببلاد المغرب، هذا بالإضافة إلى اضطراب
الولاة القرمانيين فى حكم البلاد.
وانتهز السلطان «محمود الثانى» الفرصة فأرسل أسطولا فى مايو
سنة (١٢٥١هـ= ١٨٣٥م) إلى «ليبيا»، ولم يلق مقاومة كبيرة، فأعلن
تعيين والٍ جديد من قبل الدولة وعادت «ليبيا» ولاية عثمانية.
أما «الجزائر» و «تونس»: فقد استبد بالسلطة فيهما رؤساء الجند
واختاروا من بينهم حاكمًا يدعى «الداى» فى «الجزائر»، و «الباى»
فى «تونس»، وأصبحت «الجزائر» و «تونس» مستقلتين فى إدارة
شئونهما، وليس للدولة العثمانية عليهما سوى حق السيادة، وقامت
стр. 947
فى «تونس» أسرة حاكمة هى «الأسرة الحسينية» ومؤسسها
«حسين بن على» وفى عهدها استكملت «تونس» شخصيتها، فنظمت
علاقاتها بالدول الأوربية، وعقدت معها المعاهدات لتأمين تجارتها
فى «البحر المتوسط».
وفى النصف الثانى من القرن الثامن عشر تعرضت الدولة العثمانية
لأخطر حركتين كادتا تعصفان بكيانها فى البلاد العربية:
الأولى: الحركة الوهابية:
تنتمى هذه الحركة إلى الشيخ «محمد بن عبد الوهاب» المولود فى
«نجد» سنة (١١٠٨هـ= ١٦٩٦م) فى قرية «العينية»؛ حيث كان جده ثم
أبوه يتوليان منصب القضاء فيها فنشأ فى بيت علم نشأة دينية،
كان لها أثرها فى شخصيته، فقام يدعو إلى التوحيد بعد أن أكثر
من التأمل فيما آلت إليه أحوال المسلمين فى عصره، وهاله ما رآه
من البدع والخرافات التى ألصقها البعض بالدين، كالاستعانة بالموتى
والتبرك بالأشجار والأضرحة، ووجد أن التوحيد الذى يتميز به الإسلام
على سائر الأديان أصبحت تحيط به مظاهر الوثنية والشرك، فأخذ
يدعو إلى نبذ هذه البدع، فثار عليه الناس واضطهدوه فبدأ يكتب
رسالته المشهورة: «التوحيد الذى هو حق الله على العبيد».
ابن عبد الوهاب فى الدرعية:
وقد اتبعه فى البداية عدد قليل من الناس وعارضه كثير منهم، كما
تنقل أكثر من مرة خوفًا من القتل، وفرارًا من عدوان الناس؛ حتى
انتهى به المطاف فى «الدرعية»؛ حيث أيَّد أميرها «محمد بن سعود»
دعوة الشيخ، وتحالف الاثنان على العمل لنشر الدعوة الجديدة بين
المسلمين.
اتساع الحركة والتوسع السعودى:
وإلى جانب النشاط الدعوى للحركة الوهابية بدأ نشاط عسكرى ضد
المخالفين للرأى، فأخذت الدولة السعودية الجديدة تتسع، حتى
شملت معظم أنحاء «نجد» قبل وفاة «محمد بن سعود» سنة (١١٧٩هـ=
١٧٦٥م)، وبعد وفاته تولى الحكم بعده ابنه «عبد العزيز»، وفى
عهده ازدادت الحركة الوهابية قوة وانتشارًا، فتخطت حدود «نجد»،
وفى عهد «سعود بن عبد العزيز» (١٢١٨ - ١٢٢٩هـ= ١٨٠٣ - ١٨١٤م)
стр. 948
بلغ النفوذ السعودى أقصى اتساعه؛ حيث تم فتح «الحجاز»
فأصبحت الأماكن المقدسة تحت سيطرة آل سعود، ووصلت غاراتهم
إلى «الشام» و «العراق».
موقف دولة الخلافة العثمانية:
كان فى استيلاء السعوديين على الجزيرة وتهديدهم للشام
و «العراق» دوى كبير فى العالم الإسلامى، وتهديد لسمعة الدولة
العثمانية التى حاولت القضاء على هذه الحركة عن طريق ولاتها فى
«العراق» ثم «الشام» ولكن هذه الغارات باءت بالفشل.
وفى النهاية اضطر السلطان العثمانى إلى الاستعانة بوالى «مصر»
«محمد على باشا»، فتمكن عن طريق ثلاث حملات قاد إحداها بنفسه
أن يستولى على «الحجاز»، ثم «نجد»، ودخل «الدرعية» وقضى
بذلك على الدولة السعودية الأولى.
وعلى الرغم من هزيمة السعوديين وتشتيت ملكهم بقيت الدعوة
الوهابية كامنة فى النفوس، بل لقيت قبولا لتعاليمها خارج «الجزيرة
العربية»، ولقد أثبتت الدعوة الوهابية قدرتها على أن تكون دعوة
يقوم حولها ملك عربى، فقد قامت الدولة السعودية الأولى وانتشرت
بفضل أمير الدعوة الوهابية، ثم قامت الدولة السعودية الثانية بعد
انتهاء الحكم المصرى معتمدة على الدعوة الوهابية، كما اعتمد
عليها «عبد العزيز آل سعود» فى تأسيس الدولة السعودية الثالثة.
الثانية: الحملة الفرنسية على مصر:
كانت الحملة الفرنسية على «مصر» حلقة من حلقات الصراع الذى عم
القارة الأوربية فى أعقاب الثورة الفرنسية، فقد حاولت الملكيات
والإمبراطوريات فى «أوربا» القضاء على الثورة فى مهدها؛ لمنع
انتشار أفكارها فى بقية القارة، ولكن «فرنسا» بفضل جيشها
القوى وقائدها «نابليون بونابرت» تمكنت من هزيمة أكثر جيوش
«أوربا» عدا «إنجلترا» التى أفلتت من يد «نابليون»؛ بسبب موقعها
البحرى وقوة أسطولها سيد البحار فى ذلك الوقت.
هذا فى الوقت الذى كان فيه العالم العربى يعيش حالة من الجمود
والعزلة التى فرضت عليه.
وبعد صلح «كاميو فورميو» الذى قضى على نفوذ «النمسا» فى
стр. 949
«البحر المتوسط» وحصلت «فرنسا» بموجبه على بعض جزر «البحر
المتوسط»، أخذت «فرنسا» تعد العدة لغزو «إنجلترا»، لكن صعوبة
هذه الفكرة وخطورة تنفيذها جعلت «فرنسا» تفكر فى ضرب
«إنجلترا» فى تجارتها فى الشرق، فاختارت «مصر» لتكون حجر
الزاوية فى تكوين مستعمرة فرنسية، وتضرب من خلالها «إنجلترا»
فى تجارتها فى الشرق.
فقد أبحر «نابليون» من «ميناء طولون» فى (٣ من ذى الحجة سنة
١٢١٢هـ= ١٩ من مايو سنة ١٧٩٨م) على رأس أسطول «فرنسا» وجيش
تعداده نحو (٣٦) ألف جندى، واستولى فى طريقه على «جزيرة
مالطة»، ثم وصل إلى «الإسكندرية»، فاستولى عليها بعد مقاومة
عنيفة كاد «نابليون» نفسه أن يقتل فيها.
ثم توجه إلى «القاهرة»، فاستولى عليها بعد أن هزم فلول المماليك
عند منطقة «إمبابة»، وفرت بقية فلول المماليك إلى «الصعيد»
و «الشام».
قضت الحملة الفرنسية فى «مصر» نحو ثلاثة أعوام لم ينعم
الفرنسيون خلالها بالراحة والطمأنينة، فقد قامت ثورات كثيرة كان
أخطرها وأهمها ثورتا «القاهرة الأولى» و «الثانية».
كما كان السلطان العثمانى يرسل الحملة تلو الأخرى فى محاولة
لإخراج الفرنسيين من «مصر»، كما قامت «إنجلترا» بإرسال
أسطولها إلى الشواطئ المصرية؛ حيث قام بتحطيم الأسطول
الفرنسى فى معركة «أبى قير البحرية»، ونتيجة لهذه الثورات
وانقطاع الاتصالات بين فرنسا الأم وحملتها فى «مصر»، وتحطيم
الأسطول الفرنسى؛ عاد «نابليون» إلى «فرنسا» تاركًا قيادة الحملة
لخليفته «كليبر»، الذى لم يلبث أن قُتل على يد «سليمان الحلبى»
أحد طلاب الأزهر الشريف، الذى جاء إلى «مصر» ليتعلم فى
«الأزهر»، فرأى مدافع «فرنسا» تدك «الجامع الأزهر» وخيولهم
ترتع فيه، فقرر الانتقام منهم بقتل قائدهم «كليبر».
ولما تولى «مينو» قيادة الحملة كانت أحوالها قد ساءت إلى حد
كبير، ورَأََى «الإنجليز» والعثمانيين يُحكمون قبضتهم على مصر
ففاوضهم على الجلاء وغادر «الإسكندرية» بعد توقيع الصلح مع من
стр. 950
تبقى من قوات الحملة الفرنسية فى (جمادى الآخرة ١٢١٦هـ= أكتوبر
سنة ١٨٠١م) عائدًا إلى «فرنسا»،وعادت «مصر» ولاية عثمانية مرة
أخرى.
وعلى الرغم من فشل حملة «نابليون» على «مصر» فإنها كانت ذات
نتائج أدت إلى تغيير فى بنية وعقلية المنطقة، منها أنها كانت بداية
للاستعمار فى الشرق، وظهرت معها فكرة القومية العربية والشعور
القومى وفكرة الاستقلال.
следующие страницы →