← История

История · id 36578

موسوعة سفير للتاريخ الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (3 483 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

الثورات على العثمانيين، وتزعم إمام «صنعاء» حركة المقاومة ضد العثمانيين حتى أجلاهم عن «صنعاء»، ثم عن بقية أنحاء «اليمن» سنة (١٠٤٥هـ= ١٦٣٥م). وبهذا كان «اليمن» أول بلد عربى استقل عن الحكم العثمانى، إلا أن العثمانيين ظلوا يتشبثون بالسيادة على «اليمن»؛ حتى سنحت لهم الفرصة فى سنة (١٢٨٩هـ= ١٨٧٢م) فأعادوه إلى نفوذهم. وفى «ليبيا»: كانت هناك أسرة عثمانية اتخذت «ليبيا» موطنًا لها هى الأسرة القرمانية، وكان مؤسسها هو «أحمد القرمانى» الذى قضى على الثورات الداخلية التى قام بها أصحاب العصبيات داخل البلاد، وعمل على المحافظة على وحدة «ليبيا»، وتأمين التجارة عبر الصحراء، فدَان له حكم «ليبيا»،فحكمها حتى سنة (١١٥٨هـ= ١٧٤٥م). وقد اهتم خلفاء «أحمد باشا» بالبحرية الليبية التى أكسبت «ليبيا» فى عهدهم قوة ومهابة، وكانت من أهم الموارد الاقتصادية لليبيا، وذلك لأن الدول الأوربية والولايات المتحدة الأمريكية كانوا يدفعون لليبيا إتاوة حتى يضمنوا سلامة سفنهم التجارية فى «البحر المتوسط»، ثم ضعف النشاط البحرى الليبى بسبب موقف الدول الأوربية منها وعملها على القضاء عليها، فاضطربت مالية البلاد، ومد الولاة أيديهم إلى الأجانب طلبًا للقرض. وزاد الأمر سوءًا باحتلال «فرنسا» للجزائر سنة (١٢٤٦هـ= ١٨٣٠م)، فأوجد بذلك خطرًا جديدًا ببلاد المغرب، هذا بالإضافة إلى اضطراب الولاة القرمانيين فى حكم البلاد. وانتهز السلطان «محمود الثانى» الفرصة فأرسل أسطولا فى مايو سنة (١٢٥١هـ= ١٨٣٥م) إلى «ليبيا»، ولم يلق مقاومة كبيرة، فأعلن تعيين والٍ جديد من قبل الدولة وعادت «ليبيا» ولاية عثمانية. أما «الجزائر» و «تونس»: فقد استبد بالسلطة فيهما رؤساء الجند واختاروا من بينهم حاكمًا يدعى «الداى» فى «الجزائر»، و «الباى» فى «تونس»، وأصبحت «الجزائر» و «تونس» مستقلتين فى إدارة شئونهما، وليس للدولة العثمانية عليهما سوى حق السيادة، وقامت

стр. 947

فى «تونس» أسرة حاكمة هى «الأسرة الحسينية» ومؤسسها «حسين بن على» وفى عهدها استكملت «تونس» شخصيتها، فنظمت علاقاتها بالدول الأوربية، وعقدت معها المعاهدات لتأمين تجارتها فى «البحر المتوسط». وفى النصف الثانى من القرن الثامن عشر تعرضت الدولة العثمانية لأخطر حركتين كادتا تعصفان بكيانها فى البلاد العربية: الأولى: الحركة الوهابية: تنتمى هذه الحركة إلى الشيخ «محمد بن عبد الوهاب» المولود فى «نجد» سنة (١١٠٨هـ= ١٦٩٦م) فى قرية «العينية»؛ حيث كان جده ثم أبوه يتوليان منصب القضاء فيها فنشأ فى بيت علم نشأة دينية، كان لها أثرها فى شخصيته، فقام يدعو إلى التوحيد بعد أن أكثر من التأمل فيما آلت إليه أحوال المسلمين فى عصره، وهاله ما رآه من البدع والخرافات التى ألصقها البعض بالدين، كالاستعانة بالموتى والتبرك بالأشجار والأضرحة، ووجد أن التوحيد الذى يتميز به الإسلام على سائر الأديان أصبحت تحيط به مظاهر الوثنية والشرك، فأخذ يدعو إلى نبذ هذه البدع، فثار عليه الناس واضطهدوه فبدأ يكتب رسالته المشهورة: «التوحيد الذى هو حق الله على العبيد». ابن عبد الوهاب فى الدرعية: وقد اتبعه فى البداية عدد قليل من الناس وعارضه كثير منهم، كما تنقل أكثر من مرة خوفًا من القتل، وفرارًا من عدوان الناس؛ حتى انتهى به المطاف فى «الدرعية»؛ حيث أيَّد أميرها «محمد بن سعود» دعوة الشيخ، وتحالف الاثنان على العمل لنشر الدعوة الجديدة بين المسلمين. اتساع الحركة والتوسع السعودى: وإلى جانب النشاط الدعوى للحركة الوهابية بدأ نشاط عسكرى ضد المخالفين للرأى، فأخذت الدولة السعودية الجديدة تتسع، حتى شملت معظم أنحاء «نجد» قبل وفاة «محمد بن سعود» سنة (١١٧٩هـ= ١٧٦٥م)، وبعد وفاته تولى الحكم بعده ابنه «عبد العزيز»، وفى عهده ازدادت الحركة الوهابية قوة وانتشارًا، فتخطت حدود «نجد»، وفى عهد «سعود بن عبد العزيز» (١٢١٨ - ١٢٢٩هـ= ١٨٠٣ - ١٨١٤م)

стр. 948

بلغ النفوذ السعودى أقصى اتساعه؛ حيث تم فتح «الحجاز» فأصبحت الأماكن المقدسة تحت سيطرة آل سعود، ووصلت غاراتهم إلى «الشام» و «العراق». موقف دولة الخلافة العثمانية: كان فى استيلاء السعوديين على الجزيرة وتهديدهم للشام و «العراق» دوى كبير فى العالم الإسلامى، وتهديد لسمعة الدولة العثمانية التى حاولت القضاء على هذه الحركة عن طريق ولاتها فى «العراق» ثم «الشام» ولكن هذه الغارات باءت بالفشل. وفى النهاية اضطر السلطان العثمانى إلى الاستعانة بوالى «مصر» «محمد على باشا»، فتمكن عن طريق ثلاث حملات قاد إحداها بنفسه أن يستولى على «الحجاز»، ثم «نجد»، ودخل «الدرعية» وقضى بذلك على الدولة السعودية الأولى. وعلى الرغم من هزيمة السعوديين وتشتيت ملكهم بقيت الدعوة الوهابية كامنة فى النفوس، بل لقيت قبولا لتعاليمها خارج «الجزيرة العربية»، ولقد أثبتت الدعوة الوهابية قدرتها على أن تكون دعوة يقوم حولها ملك عربى، فقد قامت الدولة السعودية الأولى وانتشرت بفضل أمير الدعوة الوهابية، ثم قامت الدولة السعودية الثانية بعد انتهاء الحكم المصرى معتمدة على الدعوة الوهابية، كما اعتمد عليها «عبد العزيز آل سعود» فى تأسيس الدولة السعودية الثالثة. الثانية: الحملة الفرنسية على مصر: كانت الحملة الفرنسية على «مصر» حلقة من حلقات الصراع الذى عم القارة الأوربية فى أعقاب الثورة الفرنسية، فقد حاولت الملكيات والإمبراطوريات فى «أوربا» القضاء على الثورة فى مهدها؛ لمنع انتشار أفكارها فى بقية القارة، ولكن «فرنسا» بفضل جيشها القوى وقائدها «نابليون بونابرت» تمكنت من هزيمة أكثر جيوش «أوربا» عدا «إنجلترا» التى أفلتت من يد «نابليون»؛ بسبب موقعها البحرى وقوة أسطولها سيد البحار فى ذلك الوقت. هذا فى الوقت الذى كان فيه العالم العربى يعيش حالة من الجمود والعزلة التى فرضت عليه. وبعد صلح «كاميو فورميو» الذى قضى على نفوذ «النمسا» فى

стр. 949

«البحر المتوسط» وحصلت «فرنسا» بموجبه على بعض جزر «البحر المتوسط»، أخذت «فرنسا» تعد العدة لغزو «إنجلترا»، لكن صعوبة هذه الفكرة وخطورة تنفيذها جعلت «فرنسا» تفكر فى ضرب «إنجلترا» فى تجارتها فى الشرق، فاختارت «مصر» لتكون حجر الزاوية فى تكوين مستعمرة فرنسية، وتضرب من خلالها «إنجلترا» فى تجارتها فى الشرق. فقد أبحر «نابليون» من «ميناء طولون» فى (٣ من ذى الحجة سنة ١٢١٢هـ= ١٩ من مايو سنة ١٧٩٨م) على رأس أسطول «فرنسا» وجيش تعداده نحو (٣٦) ألف جندى، واستولى فى طريقه على «جزيرة مالطة»، ثم وصل إلى «الإسكندرية»، فاستولى عليها بعد مقاومة عنيفة كاد «نابليون» نفسه أن يقتل فيها. ثم توجه إلى «القاهرة»، فاستولى عليها بعد أن هزم فلول المماليك عند منطقة «إمبابة»، وفرت بقية فلول المماليك إلى «الصعيد» و «الشام». قضت الحملة الفرنسية فى «مصر» نحو ثلاثة أعوام لم ينعم الفرنسيون خلالها بالراحة والطمأنينة، فقد قامت ثورات كثيرة كان أخطرها وأهمها ثورتا «القاهرة الأولى» و «الثانية». كما كان السلطان العثمانى يرسل الحملة تلو الأخرى فى محاولة لإخراج الفرنسيين من «مصر»، كما قامت «إنجلترا» بإرسال أسطولها إلى الشواطئ المصرية؛ حيث قام بتحطيم الأسطول الفرنسى فى معركة «أبى قير البحرية»، ونتيجة لهذه الثورات وانقطاع الاتصالات بين فرنسا الأم وحملتها فى «مصر»، وتحطيم الأسطول الفرنسى؛ عاد «نابليون» إلى «فرنسا» تاركًا قيادة الحملة لخليفته «كليبر»، الذى لم يلبث أن قُتل على يد «سليمان الحلبى» أحد طلاب الأزهر الشريف، الذى جاء إلى «مصر» ليتعلم فى «الأزهر»، فرأى مدافع «فرنسا» تدك «الجامع الأزهر» وخيولهم ترتع فيه، فقرر الانتقام منهم بقتل قائدهم «كليبر». ولما تولى «مينو» قيادة الحملة كانت أحوالها قد ساءت إلى حد كبير، ورَأََى «الإنجليز» والعثمانيين يُحكمون قبضتهم على مصر ففاوضهم على الجلاء وغادر «الإسكندرية» بعد توقيع الصلح مع من

стр. 950

تبقى من قوات الحملة الفرنسية فى (جمادى الآخرة ١٢١٦هـ= أكتوبر سنة ١٨٠١م) عائدًا إلى «فرنسا»،وعادت «مصر» ولاية عثمانية مرة أخرى. وعلى الرغم من فشل حملة «نابليون» على «مصر» فإنها كانت ذات نتائج أدت إلى تغيير فى بنية وعقلية المنطقة، منها أنها كانت بداية للاستعمار فى الشرق، وظهرت معها فكرة القومية العربية والشعور القومى وفكرة الاستقلال.

стр. 951

الفصل السابع *بناء مصر الحديثة فى عهد محمد على خرجت الحملة الفرنسية من «مصر» بعد أن قضت على النظام المملوكى والعثمانى الذى كان قائمًا منذ أوائل القرن (١٠هـ= ١٦م)، فكانت الفرصة مواتية أمام «محمد على باشا» لكى يستفيد من تنازع النفوذين المملوكى والعثمانى فى السيطرة على مقدرات الأمور فى «مصر». رأى «محمد على» أن الوقت لم يحن ليتقدم لانتزاع السلطة فى «مصر»، فآثر التريث والعمل على التقرب إلى الشعب المصرى، الذى ظهرت فاعليته فى مقاومة الفرنسيين، فاتحد مع «إبراهيم بك» و «البرديسى بك» زعيمى المماليك، وقاموا باحتلال «القاهرة» وطرد الوالى التركى والحامية العثمانية، وظل «محمد على» يعمل فى الخفاء ويوطد صلاته بزعماء الشعب، ولكن الأمر لم يستقر للمماليك؛ حيث إنهم عادوا إلى ظلم الشعب وإرهاقه بالضرائب، فثار عليهم الشعب وتحالف معه «محمد على» وقواته التى قامت بمهاجمة المماليك فى كل مكان حتى أرغمهم على الفرار وترك «القاهرة»، وتسلم «خورشيد باشا» التركى الحكم، وأراد أن يبعد «محمد على» عن «القاهرة»؛ فثار الشعب ضده بقيادة الزعماء والعلماء، الذين اتفقوا على عزله وتولية «محمد باشا». وقام السيد «عمر مكرم» نقيب الأشراف، والشيخ «الشرقاوى» شيخ «الجامع الأزهر» بإلباسه خلعة الولاية فى (١٤ من صفر ١٢٢٠هـ= ١٣ من مايو ١٨٠٥م)، بعد أن اشترطوا عليه أن يحكم بالعدل وإقامة الأحكام والشرائع الإسلامية، وألا يفرض على الشعب ضرائب جديدة دون أن يرجع إلى زعمائه وعلمائه. حرص «محمد على» فى أول حكمه على استمالة زعماء الشعب اعترافًا بفضلهم وانتظارًا للفرصة المواتية للتخلص منهم حتى ينفرد بالحكم، واستطاع فى النهاية القضاء على هذه الزعامات الشعبية والاستبداد بالحكم. إمبراطورية «محمد على»: كان «محمد على» يحلم بإقامة إمبراطورية عربية كبرى مستغلا مواهبه الشخصية وضعف الدولة العثمانية، ومؤيدا من بعض الدول الأوربية مثل «النمسا» و «فرنسا».

стр. 952

وقد مر تكوين إمبراطورية «محمد على» بالأدوار الآتية: أولاً: الاستيلاء على شبه الجزيرة العربية: بعد ظهور دعوة الشيخ «محمد بن عبد الوهاب» الإصلاحية، التى أخذت خطا سياسيا بعد أن كانت دعوة دينية، وفشلت جهود الدولة العثمانية فى القضاء عليها؛ لجأ السلطان العثمانى إلى «محمد على» ليعاونه فى إخماد هذه الحركة. وقد استمرت الحملة المصرية على «شبه الجزيرة» سبع سنوات تمكن خلالها «محمد على» من القضاء على الحركة الوهابية ودولتها ودخول عاصمتها الدرعية، وقد أكسبت هذه الحملة «محمد على» صلة وثيقة بالعالم العربى نظرًا لسيطرته على الحرمين الشريفين. ثانيًا: السودان: اتجه «محمد على» إلى «السودان» فى سنة (١٢٣٥هـ= ١٨٢٠م) ليفتحه ويستثمر مناجم الذهب، ويسيطر على منابع النيل، فأرسل جيشه إلى «السودان» فسقطت المدن السودانية تباعًا، وقد حققت حملة «محمد على» فى «السودان» امتداد العنصر العربى فى «وسط إفريقيا» وزادت من رقعة البلاد التى يسيطر عليها. ثالثًا: حرب المورة: فى الوقت الذى كان فيه «محمد على» يوطد دعائم دولته، دعاه السلطان العثمانى ليخوض معركة ضد «بلاد المورة» التى ثارت على حكم العثمانيين، ولم تتمكن الدولة من القضاء عليها سنة (١٢٣٦هـ= ١٨٢١م)، ووافق «محمد على»، وأرسل جيوشه أملاً فى الحصول على «الشام» هدية من السلطان العثمانى، وبفضل قوة «مصر» الحربية بدأ إخماد الثورة، غير أن تدخل «روسيا» و «بريطانيا» فى الحرب وتحطيمهما للأسطول المصرى فى معركة «نوارين» جعل «محمد على» يقبل الهدنة ويسحب جيشه من «المورة». ضم بلاد الشام: تعتبر حملات جيش «محمد على» على بلاد «الشام» بقيادة ابنه «إبراهيم» أوسع الحروب التى خاضها وأكثرها شأنًا، وإذا كانت حروبه السابقة بأمر السلطان العثمانى ودفاعًا عن دولة الخلافة، فقد كانت حروب «الشام» ضد السلطان، وأوجدت الفرصة للتدخل الأوربى المباشر بينهما.

стр. 953

كان «محمد على» ينظر إلى بلاد «الشام» على أنها خط الدفاع الأول عن «مصر» من ناحية الشمال، وكان يطمع فى ضمها إلى دولته، لحماية «مصر» من الشمال، بالإضافة إلى ما تتمتع به «سوريا» من مزايا اقتصادية أهمها وجود الأخشاب وبعض المعادن التى تفتقر إليها «مصر». انتهز «محمد على» انشغال السلطان بحربه فى «أوربا»، فهاجم «سوريا» مفتعلا خلافًا مع والى «عكا» «عبد الله الجزار»، فأرسل جيوشه بقيادة ابنه «إبراهيم» إلى «الشام» فى (جمادى ١٢٤٧هـ= أكتوبر ١٨٣١م). وتطورت الحرب فدخل «إبراهيم باشا «دمشق» وهزم الأتراك فى «حمص» فى موقعة «مضيق ميلان»؛ وبذلك وصل إلى «جبال طوروس»، ثم تقابل الجيشان المصرى والتركى فى «قونية»، وكان النصر حليف جيش المصريين، وتدخلت دول غرب «أوربا»، فطلبت من «محمد على» وقف القتال وعزمت على التدخل بعد أن رأت أن «روسيا» تريد أن تتدخل فى الأمر، ثم فرضت الدول الأوربية على «محمد على» قبول اتفاق «كوتاهية» وبمقتضاه أعطى «محمد على» حكم بلاد الشام وابنه «إبراهيم» حكم «أطنة»، بشرط ألا يكون لهما الحق فى توريثهما، وبذلك قامت دولة عربية تمتد من «أطنة» شمالا إلى «بحر الجبل» بالسودان جنوبًا، ومن «الخليج» شرقًا إلى حدود «برقة» غربًا. ولم تعمر هذه الدولة العربية طويلا؛ إذ اجتمعت عليها عوامل أدت إلى انهيارها سنة (١٢٥٦هـ= ١٨٤٠م)، فلم يحظَ الحكم المصرى فى هذه البلاد بالقبول، ففى «الحجاز» و «السودان» اعتبر الأهالى جنود «محمد على» محتلين لبلادهم، وفى «الشام» استاء الأهالى من سياسة الحكم المصرى فى جمع الضرائب واحتكار تجارة الحرير، ومن ثم قاموا ببعض الثورات. كما أن السلطان العثمانى كان ساخطًا على «محمد على» وكان يعمل جاهدًا على عزله، وكانت الدول الأوربية تعارض قيام دولة عربية قوية تقف فى وجه أطماعها فى أملاك الدول العثمانية. اجتمعت كل هذه العوامل للقضاء على «محمد على»، وتمثلت فى

стр. 954

اتفاقية لندن سنة (١٢٥٦هـ= ١٨٤٠م)، والتى أجبرت فيها الدول الأوربية «محمد على» على قبول الصلح مع الدولة العثمانية والتنازل لها عن «بلاد الشام» وأعطى هو حكم «مصر» وابنه «إبراهيم» ولاية «عكا». وبذلك عادت البلاد العربية فى «الشام» و «الجزيرة العربية» إلى ما كانت عليه قبل «اتفاق كوتاهية سنة (١٢٤٩هـ= ١٨٣٣م).

стр. 955

الفصل الثامن *الاستعمار الأوربى فى الوطن العربى حتى الحرب العالمية الأولى الاستعمار: هو السيطرة التى تفرضها دولة قوية على أخرى ضعيفة، وهذه السيطرة قد تأخذ أشكالا مختلفة، مثل السيطرة العسكرية على البلاد أو السيطرة الفكرية والاقتصادية على الأمم المقهورة. وقد ادعت الدول الأوربية كذبًا أنها قامت بحركة التوسع الاستعمارى بهدف تحضير وتطوير العالم الثالث، وأن ذلك رسالة الرجل الأبيض تجاه شعوب العالم الثالث، وليس أبلغ فى الدلالة على كذب هذه الدعوى من رفض الكتاب والمفكرين الغربيين لها. كانت الدولة العثمانية فى القرنين الخامس عشر والسادس عشر قوة عظمى تسيطر على غرب ووسط «آسيا» وشمال «إفريقيا»، وجنوب شرق «أوربا»، ثم أخذت الدولة العثمانية فى الضعف وطمعت دول «أوربا» فى ممتلكاتها. الاستعمار البريطاني: أولا: الجنوب العربى: تعرض الجنوب العربى وبخاصة «عدن» لسيطرة الاستعمار المبكرة، ففى سنة (١٢١٤هـ= ١٧٩٩م) احتلت «بريطانيا» «بريم»، وعين أول مندوب بريطانى فى اليمن سنة (١٢١٦هـ= ١٨٠١م)، ثم أنشأ الإنجليز مستودعًا للفحم سنة (١٢٤٥هـ= ١٨٢٩م)، وأرادت «إنجلترا» أن تشترى مرفأ «عدن» من السلطان العثمانى ولكنه رفض واستولت عليه بالقوة فى (١٢٥٥هـ= ١٨٣٩م). وبعد افتتاح «قناة السويس» سنة (١٢٨٦هـ= ١٨٦٩م) امتد نفوذ «بريطانيا» إلى «حضرموت»، واخترعت نوعًا جديدًا للسيطرة الاستعمارية وهو فرض الحماية على كل زعماء ومشايخ المنطقة كل على حدة. ثانيًا: وادى النيل: أراد «إسماعيل باشا» والى «مصر» أن يتشبه بالمدنية الأوربية، وأن يجعل «مصر» قطعة من «أوربا»، وعمل على أن تكون له إمبراطورية إفريقية امتدت جنوبًا إلى خط الاستواء؛ حيث ضمت «دارفور» ومنابع «نهر النيل»، كما ضمت «إريتريا» و «هرر» و «الصومال» فى شرق «إفريقيا»، ولكنه مع ذلك أغرق نفسه فى الديون التى شجعته عليها دول «أوربا» حتى وقع فى أزمة مالية، فانتهزت «إنجلترا» الفرصة

стр. 956

للتدخل فى شئون «مصر» ماليا، فجاءت البعثات الغربية للمحافظة على أموال الدائنين، ثم أنشئ صندوق الدَّين للحد من حرية تصرف الدولة المصرية فى الإدارة والحكم، وكان هذا التدخل السياسى تمهيدًا للتدخل العسكرى من جانب «إنجلترا» فى عهد الخديو «توفيق»، الذى تولى بعد عزل الخديو «إسماعيل». ولما قامت الثورة العرابية بقيادة «أحمد عرابى» مطالبة بحق المصريين فى قيادة الجيش ومناصب الدولة العليا، أذعن الخديو لبعض مطالبها ثم تشكلت وزارة برئاسة «محمود سامى البارودى» تولى «عرابى» فيها نظارة الحربية، ولكن «إنجلترا» و «فرنسا» أخذتا فى تصعيد الأزمة بين الخديو ووزارة «البارودى»، ثم تطور الأمر فأرسلت «إنجلترا» و «فرنسا» أساطيلها إلى مياه «الإسكندرية» وطالبتا - فى مذكرة مشتركة - الحكومةَ المصرية بإبعاد زعماء الحركة العرابية عن «مصر» وإقالة حكومة «البارودى»، فرفض الوزراء والشعب هذه المذكرة، ولكن الخديو قبلها، وكان من الصعب تشكيل وزارة بدون «عرابى»، الذى أصبح ينال تأييد كلٍّ من الجيش والشعب، ولكن «إنجلترا» التى كانت مصممة على احتلال «مصر» بدأت أساطيلها فى ضرب «الإسكندرية» يوم (١١ من يوليو ١٨٨٢م) واضطر الجيش المصرى إلى إخلاء المدينة، ثم تقدمت القوات الإنجليزية حتى احتلت «القاهرة»، بعد أن هزمت العرابيين فى معركة «التل الكبير» فى (ذى القعدة ١٣٠٠هـ= سبتمبر ١٨٨٢م). الحركة المهدية: نشأت الحركة المهدية فى «السودان» على يد السيد «محمد أحمد المهدى»، الذى نشأ بالقرب من «دنقلة»،وحفظ القرآن الكريم وتعلم الفقه والحديث والتوحيد. نادى «المهدى» بالتمسك بكتاب الله وسنة نبيه، وهاجم الاختلاف فى الشروح والمسائل الفقهية الفرعية. وكان من أسباب قيام الحركة المهدية إرهاق حكومة «السودان» المواطنين بالضرائب، واحتكارها للمحاصيل والسلع التجارية المهمة، وإهمال السودان وعدم إرسال الإمدادات إليه أثناء انشغال «مصر»

стр. 957

بالحركة الوهابية، فاستغل أنصار «المهدى» انشغال العرابيين بالاحتلال الإنجليزى فاستولوا على «كردفان»، فقاد «هكس باشا» حملة مصرية للقضاء على المهديين، ولكن الحملة فشلت وقضى المهديون عليها، فطلب الإنجليز من الحكومة المصرية سحب قواتها من «السودان»، ولكن «شريف باشا» رئيس الوزارة رفض وقدم استقالته احتجاجًا على السياسة البريطانية، وخلفه «نوبار باشا» الذى استجاب وسحب الجيش المصرى من «السودان». ثم عهد الإنجليز إلى «غوردون باشا» بأمر الانسحاب فاستهان بأمر «المهدى» وحركته، فزحف «المهدى» إليه وحاصره فى «الخرطوم» وقتلوا «غوردون باشا»، مما كان له أثر كبير فى انتشار المهدية فى ربوع «السودان». ثم تُوفى «المهدى» فى سنة (١٣٠٣هـ= ١٨٨٥م) وخلفه «عبد الله التعايشى» الذى لم يكن على مستوى «المهدى» ونفوذه، فحاول غزو «مصر» ولكنه فشل ثم أرسل الإنجليز حملة كبيرة بقيادة «كتشنر» تمكنت من هزيمة المهدية والقضاء على حركتهم واحتلال «السودان». الاحتلال الفرنسى للمغرب العربى: أولاً: الجزائر: أرادت الحكومة الفرنسية فى عهد الملك «شارل العاشر» أن تصرف شعب «فرنسا» عن الثورة، وأن تشغله عن المشاكل الداخلية بالدخول فى مغامرات خارجية تحقق بها أمجادًا وانتصارات ترضيه بها، وكانت الجزائر فى ذلك الوقت دولة لها ديون على «فرنسا»، والتى اتخذت من قصة المذبَّة المشهورة ذريعة لاحتلال «الجزائر» فى يوليو سنة (١٢٤٦هـ= ١٨٣٠م). ولكن «الجزائر» لم تهدأ فقامت المقاومة بقيادة الأمير «عبد القادر الجزائرى» الذى أعلن قيام إمارة مستقلة فى جنوب «الجزائر»، ولكن «فرنسا» بعد عقدها معاهدة مع الأمير نقضت بنودها، وتشددت فى قتاله حتى استولت على أغلب مدن «الجزائر» فالتجأ الأمير «عبدالقادر» إلى «مراكش»، ولكن «فرنسا» أنذرت سلطان «مراكش» بعدم قبول الالتجاء، فسلم «عبد القادر» نفسه إليهم، حيث نفى إلى «دمشق» ليقضى بقية حياته بالشام. احتلال تونس:

стр. 958

أراد حكام «تونس» إدخال المدنية الغربية إلى بلادهم، ومن أجل ذلك قبلوا الاستدانة من دول «أوربا»، مما أوجد فى النهاية الفرصة للتدخل الأجنبى فى شئون «تونس». وكانت «فرنسا» هى المعنية بالدرجة الأولى بأمر «تونس»، ولكى تبرر تدخلها السافر فى أمر «تونس»، ادعت قيام إحدى القبائل التونسية بالاعتداء على عمال فرنسيين، فدخلت قوات «فرنسا» «تونس» وحاصرت العاصمة وأجبرت الباى على توقيع «اتفاقية تاردو» سنة (١٢٩٩هـ= ١٨٨١م)، والتى يعترف فيها بالحماية الفرنسية على «تونس»، وبحق «فرنسا» فى إبقاء قواتها فى الأراضى التونسية بالإضافة إلى رعاية «فرنسا» لمصالح «تونس» فى الخارج، أى قبوله احتلال «فرنسا» لتونس. ولكن الشعب التونسى رفض قبول هذه الاتفاقية وثار عليها، ولكن القوات الفرنسية المجهزة بأحدث الأسلحة أخمدت هذه الثورة بكل عنف سنة (١٣٠١هـ= ١٨٨٣م) وقيدت الباى بمعاهدة جديدة استكملت بها احتلال «تونس». احتلال مراكش: أرادت «فرنسا» أن تكون «مراكش» مكملة لمستعمراتها فى «المغرب العربى»، فدخلت فى صراع مع عدد من دول أوربا، فإسبانيا ترى فيها مجالاً حيويا لتمد سلطانها إلى الجنوب، و «إنجلترا» تريد السيطرة على «مضيق جبل طارق»، و «ألمانيا» التى دخلت حلبة الصراع الاستعمارى متأخرة تريد أن تكون «مراكش» مستعمرة لها، ولكن «إنجلترا» التى خشت من تزايد قوة البحرية الألمانية عقدت مع «فرنسا» ما عرف بالاتفاق الودى (١٣٢٢هـ= ١٩٠٤م) والذى أنهى النزاع حول «مراكش»، فقد أيدت «بريطانيا» احتلال «فرنسا» لمراكش فى مقابل عدم مطالبة «فرنسا» «إنجلترا» بالانسحاب من «مصر»، كما عقدت «فرنسا» معاهدة مع «إسبانيا» اعترفت فيها «إسبانيا» بمركز «فرنسا» فى «مراكش» فى مقابل اعتراف «فرنسا» بمركز «إسبانيا» فى منطقة الريف الساحلية المواجهة لإسبانيا. ولكن «ألمانيا» رفضت ذلك وساندت السلطان المغربى فى مطالبته باستقلال مدينة «طنجة».

стр. 959

وعقد مؤتمر الجزيرة الذى وقفت فيه «إنجلترا» و «إسبانيا» و «إيطاليا» إلى جانب «فرنسا»، وتقرر فى هذا المؤتمر الاعتراف بالنفوذ الفرنسى والإسبانى فى «مراكش». وانتظرت «فرنسا» الفرصة لاحتلال «المغرب» وواتتها الفرصة سنة (١٣٣٠هـ= ١٩١١م) عندما ثارت القبائل على السلطان «عبد الحفيظ» الذى استنجد بفرنسا التى سارعت إلى نجدته ودخلت قواتها مدينة «فاس» فى (ربيع ١٣٣٠هـ= مارس ١٩١١م)، ثم عقدت معاهدة الحماية مع السلطان «عبد الحفيظ» سنة (١٣٣١هـ= ١٩١٢م)، كما تمت التسوية بين «فرنسا» و «إسبانيا» فى (نوفمبر ١٩١٢م) وحددت مناطق نفوذ كل منهما، واتفق على أن يعين السلطان خليفة له فى منطقة الريف التى تخضع للنفوذ الإسبانى، وبذلك دخل «المغرب» تحت الاحتلال الفرنسى من ناحية، والإسبانى من ناحية أخرى. الاحتلال الإيطالى لليبيا: بعد أن أتمت «إيطاليا» وحدتها أخذت تهيئ نفسها لدخول حلبة الاستعمار الأوربى، ولكنها وجدت معظم الأقطار الإفريقية والأسيوية وقعت فريسة فى يد «إنجلترا» أو «فرنسا»، ولكنها رأت أن «ليبيا» التى تقع فى شمال «إفريقيا»، والتابعة للدولة العثمانية من الممكن أن تكون مستعمرة إيطالية، فأخذت الحكومة الإيطالية ترسل الإرساليات المختلفة من مدارس ومستشفيات وبنوك لتقرض الأهالى ثم تستولى على أراضيهم. ثم لعبت السياسة الاستعمارية دورها فأعلنت «إيطاليا» الحرب على الدولة العثمانية، وقامت باحتلال «ليبيا» سنة (١٣٣٠هـ= ١٩١١م)، لتكون مستعمرة لها، ومن أجل صرف نظر السلطان العثمانى عن «ليبيا» قامت «إيطاليا» بمهاجمة ميناء «الدردنيل» وميناء «بيروت» وساحل «اليمن»، وافتعلت ثورة فى منطقة «البلقان» لتجبر السلطان العثمانى على توقيع معاهدة سنة (١٣٣١هـ= ١٩١٢م) والتى اعترف فيها باستعمار «إيطاليا» لليبيا، مقابل اعتراف «إيطاليا» بالسيادة الروحية لتركيا، ولكن الشعب الليبى أخذ يقاوم الاحتلال عن طريق

стр. 960

الزوايا السنوسية التى نظمت حركة الجهاد أثناء الحرب العالمية الأولى، وعقدت عدة اتفاقيات حتى الحرب العالمية الثانية، حيث نالت «ليبيا» استقلالها. الحركة السنوسية: تنتسب هذه الحركة إلى مؤسسها السيد «محمد بن على السنوسى» الذى اتصل بالحركة الوهابية وتأثر بها أثناء قيامه بأداء فريضة الحج، ثم قام بإنشاء أول زاوية له بالحجاز سنة (١٢٥٣هـ= ١٨٣٧م)، ثم اتجه إلى موطنه الأصلى فى «الجزائر» سنة (١٢٥٦هـ= ١٨٤٠م)،ولكنه آثر تركها لوجود الاحتلال الفرنسى بها واتجه إلى «ليبيا»، وهناك التف حوله الأنصار والأتباع واتسعت حركته وانتشرت الزوايا السنوسية فى أنحاء «ليبيا»، وكانت تخضع للزاوية الرئيسية فى واحة «جغبوب» ثم فى «واحة الكفرة». وقد نادى «السنوسى» بالعقيدة الإسلامية الصحيحة، وتحكيم شرع الله، والعمل على محاربة البدع والمنكرات التى انتشرت فى بعض أنحاء العالم الإسلامى. كما دعا وتمسك بضرورة الانضواء تحت لواء الخلافة العثمانية على أنها الأمل الباقى لجمع المسلمين وتوحيد كلمتهم، وقد تصدى السنوسيون بكل قوة للاحتلال الإيطالى، وقادت الزوايا السنوسية حركة الجهاد ضده، وقد أحرز السنوسيون العديد من الانتصارات على القوات الإيطالية.

стр. 961

الفصل التاسع *بعض الجوانب الحضارية فى الدولة العثمانية العناية باللغة العربية: منذ أن تولى الأمير «عثمان» مؤسس الدولة العثمانية الحكم سنة (٦٨٠هـ= ١٢٨١م) وحكم (٣٧) سنة أحاط نفسه بعلماء قبيلته ومشايخها الذين كانوا يعنون بحفظ القرآن الكريم وتحفيظه، ومع تولى «أورخان» الحكم خرج التعليم من المسجد إلى المدرسة، حيث فتح أول مدرسة فى مدينة «إزميد» التى فتحها سنة (٧٢٨هـ= ١٣٢٧م)، وكان أول مدرس بها هو «داود القيصرى»، ودرست بها كثير من الكتب، فدرّس فى مادة التفسير كتابى «تفسير الكشاف» للزمخشرى، و «تفسير البيضاوى» لناصر الدين «عبد الله بن عمر البيضاوى»، وفى الحديث كتب الصحاح الستة، وهى: «صحيح البخارى»، و «صحيح مسلم»، و «سنن الترمذى»، و «سنن أبى داود»، و «سنن النسائى»، و «سنن ابن ماجه»، وكتاب «مصابيح السنة» للبغوى. ودرس فى مادة الفقه كتاب «الهداية» لشيخ الإسلام «برهان الدين على بن أبى بكر المرغنانى»، وكتاب «العناية فى شرح الوقاية» لعلاء الدين «على بن عمر الأسود»، وفى أصول الفقه كتاب «التلويح» للتفتازانى، و «منار الأنوار» للنسفى، و «المغنى» لجلال الدين عمر، و «مختصر ابن الحاجب». وتقرر فى العقائد كتاب «القاضى الإيجى»، وكتاب «النسفى» و «الطحاوى»، وفى علم الكلام كتاب «تجريد الكلام» للطوسى، و «طوالع الأنوار» للبيضاوى، و «المواقف» للإيجى، وفى علم البلاغة كتاب «مفتاح العلوم» للسكاكى، و «تلخيص المفتاح فى المعانى والبيان» للقزوينى، وفى المنطق كتاب «الإيساغوجى»، و «مطالع الأنوار» لسراج الدين الأرموى، وفى الفلك كتاب «الملخص» لمحمود بن محسن الجغمينى. ومن الكتب المقررة فى النحو: «ألفية ابن مالك» و «العوامل» للشيخ «عبد القادر الجرجانى»، و «الكافية فى النحو» لابن الحاجب، وكتب «ابن هشام»: «شذور الذهب»، و «قطر الندى»، و «مغنى اللبيب»، ودرس فى الصرف كتاب «أساس التصريف» لشمس الدين الغنارى، و «الشافية» لابن الحاجب وغيرهما.

стр. 962

وبرز كثير من علماء الدولة العثمانية فى مجال الثقافة الإسلامية المكتوبة باللغة العربية، مثل: «حاجى خليفة» صاحب كتاب «كشف الظنون عن أسامى الكتب والفنون»، وهو كتاب ببليوجرافى مهم، وله مكانته فى الدراسات العربية الإسلامية، جمع فيه أسماء (١٤٥٠٠) كتابًا لتسعة آلاف وخمسمائة مؤلف، وتناول فيه نحو (٣٠٠) فن أو علم، وقد حوى هذا الكتاب أمهات المصادر فى الفكر الإسلامى مما صنف باللغة العربية أو الفارسية أو التركية. ومن هؤلاء العلماء - أيضًا - «طاشكو برى زاده» وهو «عصام الدين أبو الخير أحمد بن مصطفى» صاحب كتاب «الشقائق النعمانية فى علماء الدولة العثمانية»، تناول فيه تراجم أكثر من (٥٠٠) عالم وشيخ من علماء الدولة العثمانية من عهد الأمير «عثمان» حتى السلطان سليمان القانونى، منهم: ابن كمال باشا «شمس الدين أحمد بن سليمان» الذى اشتهر بكثرة تآليفه ورسائله، وهو يشبه فى ذلك «السيوطى» و «ابن الجوزى» و «ابن حزم» ممن اشتهروا بكثرة مؤلفاتهم. يقول «اللكنوى» بأن لابن كمال باشا رسائل كثيرة فى فنون عديدة، لعلها تزيد على ثلاثمائة غير تصانيف له فى لغات إسلامية أخرى كالفارسية والتركية، وكان ذلك فى عهد السلطان «سليم الأول». وزخر عهد السلطان «محمد الفاتح» بالمصنفات العربية، وبخاصة أساتذته الذين قاموا بتعليمه وتثقيفه، مثل الشيخ «الكورانى»، والشيخ «خسرو»، كما ظهر فى عهد «سليمان القانونى» شيخ الإسلام «أبو السعود أفندى» صاحب التفسير المعروف «إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم». وكانت اللغة العربية هى السائدة فى جميع المدارس والجامعات العثمانية، على حين استخدمت اللغة التركية فى الأعمال الحكومية فقط. وعنى السلاطين العثمانيون بالأدب والشعر، فكان السلطان «مراد الثانى» (٨٠٥ - ٨٥٥هـ= ١٤٠٢ - ١٤٥١م) يعقد مجلسًا فى قصره، يدعو إليه الشعراء ليتسامروا ويقرضوا الشعر بين يديه، وكان يشجع حركة

стр. 963

الترجمة من العربية إلى التركية، وجعل من قصره مكانًا للمترجمين، فأصبح كأنه أكاديمية علمية. ثم خلفه ابنه «محمد الفاتح» الذى وصفه المؤرخون بأنه راعٍ لنهضة أدبية، وشاعر مجيد، وكان يجيد عدة لغات، ويداوم على المطالعة وبخاصة الكتب العربية التى ملأت مكتبته، ويعنى بالأدب عامة والشعر خاصة، ويصاحب العلماء والشعراء ويصطفيهم، وقد استوزر منهم الكثير، مثل: «أحمد باشا» و «قاسم الجزرى باشا»، وعهد إلى الشاعر الأناضولى «شهدى» أن ينظم قصيدة تصور التاريخ العثمانى باللغة الفارسية على غرار «الشاهنامة» التى نظمها «الفردوسى». وكان «محمد الفاتح» إذا سمع بعالم متبحر فى فن من الفنون فى الهند أو فى السند استماله بالإكرام، وأمده بالمال، وأغراه بالمناصب، ومثال ذلك: أنه استقدم العالم الكبير «على قوشجى السمرقندى» وكانت له شهرته فى الفلك، كما كان يرسل كل عام مالاً كثيرًا إلى الشاعر الهندى «خواجه جهان» والشاعر الفارسى «جامى». وبرع «الفاتح» نفسه فى نظم الشعر، حتى اتخذ لنفسه اسمًا شعريا يستخدمه فى أشعاره التى تعكس رقة إحساسه، ورهافة مشاعره، وتبرز تكوينه الدينى. وخلفه ابنه «بايزيد الثانى» وكان عالمًا فى العلوم العربية، وفى الفلك، ومهتما بالأدب ومكرمًا للشعراء والعلماء. وكان السلطان «سليم الأول» شغوفًا بالشعر والشعراء والعلم والعلماء، حتى إنه صحب معه فى حملته على «فارس» الشاعر «جعفر ُلبى»، واصطحب فى حملته على «مصر» و «الشام» الشاعر «ابن كمال باشا». وقد ازدهر الأدب التركى منذ القرن الثامن الهجرى، وبلغ أوجه فى القرن الحادى عشر، وتأثر بالأدب الفارسى، كما ازدهر نوع من الشعر الشعبى الموزون فى أوساط سكان «الأناضول» و «الروملى»، وساهمت الترنيمات الصوفية لشاعرهم «يونس إمره» المتوفى سنة (٧٢١هـ= ١٣٢١م) فى تجسيد هذا الأدب الذى حافظ على وجوده واستمراريته فى المراكز الصوفية، ومن هذا الشكل الشعبى

стр. 964

من الأدب التركى انطلق الأدب التركى الحديث متأثرًا به وبالأدب الغربى. التاريخ والجغرافيا: قام العثمانيون بدور جيد فى مجال التاريخ، وبدأت المحاولات الأولى لتدوين التاريخ العثمانى تدوينًا منظمًا فى عهد السلطان «بايزيد الأول» على يد المتصوف «أحمد عاشق باشا»، ثم اهتم الباب العالى منذ القرن العاشر الهجرى بكتابة التاريخ، فعين المؤرخين الرسميين أمثال «سعد الدين» المتوفى سنة (١٠٠٧هـ= ١٥٩٨م). وتعد الجغرافيا أحد العلوم التى أجاد فيها العثمانيون نسبيا، وأشهر الأعمال الجغرافية ما كتبه الرحالة البحرى أو أمير البحر «بيرى رئيس» من كتب تتضمن رحلاته فى «البحر المتوسط»، واكتشافات الإسبان والبرتغال فى «إفريقيا»، كما ألف كتابًا عن الملاحة أطلق عليه اسم «بحريت»، وفى سنة (٩١٩هـ= ١٥١٣م) رسم خريطة للمحيط الأطلسى والشواطئ الغربية من «أوربا» وأهداها للسلطان «سليم الأول» بالقاهرة، ورسم خريطة أخرى تمثل اكتشافات البرتغاليين فى «أمريكا الجنوبية» و «الوسطى» و «نيوزيلاندا»، كما أسهمت كتب «حاجى خليفة» و «أوليا ُلبى» الجغرافية إسهامًا كبيرًا فى هذا المجال. الطب: وفى مجال الطب كانت تلقى المحاضرات العلمية الطبية نظريا، ويجرى تطبيقها عمليا فى مدرسة الطب، وزاول الطلبة تدريباتهم فى المستشفيات، وكانت الكتب المقررة تشمل كتاب «ابن سينا» المشهور «القانون» وكتب «ابن عباس المقوس». وقام بالتدريس فى المدارس الطبية العثمانية عدد من العلماء والأطباء الذين تلقوا تعليمهم فى البلاد العربية و «إيران» و «تركستان»، ومن أهم الأطباء فى ذلك العصر: «قطب الدين العجمى»، والطبيب «شكر الله الشروانى»، و «يعقوب الحكيم»، و «إلياس القرامانى». نظام القضاء: كان «القاضى عسكر» هو رئيس الهيئة القضائية، وهذا المنصب استحدثه السلطان «مراد الأول»، ثم أضاف إليه السلطان «محمد الفاتح»، والسلطان «سليم الأول» قاضيين آخرين، واحدًا لأوربا،

стр. 965

والآخر لإفريقيا، ولم تكن سلطتهم تقتصر على الشئون العسكرية بل تعدتها إلى الشئون المدنية، فهم الذين يعينون القضاة ونوابهم، وكل الموظفين القضائيين الآخرين، ويشكلون محكمة الاستئناف العليا. ويأتى العلماء الكبار بعد قضاة الجيش من حيث الترتيب، وهم يؤلفون قضاة العاصمة وعواصم الولايات، ثم يليهم العلماء الصغار الذين يزاولون القضاء فى المدن الثانوية، ويليهم قضاة الدرجة الثانية وما دونها. العلماء والفقهاء: كان مفتى «إستانبول» (شيخ الإسلام) هو الشخصية الثانية التى تخضع لها الهيئات القضائية الدينية. وخضع الموظفون الدينيون فى العاصمة لسلطة المفتى مباشرة، وكان ينوب عنه فى الولايات الكبرى قضاة العسكر. وكان ترتيب الموظفين الدينيين فى الجوامع الكبرى كما يلى: الخطيب - الإمام المقيم - المؤذن، ويقوم المرشحون لهذه المناصب بالتعلم فى المدارس الدينية الكثيرة التى شيدها السلاطين، وكان الطلاب فيها ينقسمون إلى ثلاث فئات: ١ - الصوفتا. ٢ - المعيدون، حيث يحمل الطالب عند التخرج منها لقب «دانشمند» أو «عالم». ٣ - فئة «المدرس». أما مشايخ الطرق الصوفية فقد تعلقت بهم قلوب كثير من الناس، وقد سادت هذه الطرق معظم أرجاء «آسيا الصغرى» كالنقشبندية والمولوية والبكتاشية، وكان لهم دور فى تهذيب العامة، وحضهم على التمسك بالفضيلة والأخلاق الإسلامية الحميدة. ومن أشهر الفقهاء العثمانيين: «أحمد بن إسماعيل الكورانى» المتوفى سنة (٨٩٣هـ= ١٤٨٧م)، والمولى «خسرو» الذى دعى بأبى حنيفة زمانه من قبل السلطان «محمد الثانى»، وتوفى سنة (٨٨٥هـ). ومن العارفين والمتصوفة الشيخ «محمد بن حمزة» الشهير بلقب «آق شمس الدين» و «عبد الرحمن جامى» الذى توفى سنة (٨٩٨هـ= ١٤٩٢م). ومن العلوم العقلية والنقلية، ظهر اسم: «شمس الدين الفتارى» الذى خلف مكتبة بها (١٠) آلاف مجلد. العمارة عند العثمانيين: بلغ فن العمارة عند العثمانيين درجة عالية وخلَّف العثمانيون العديد

стр. 966

من الآثار العمرانية العظيمة أهمها: ١ - جامع آيا صوفيا: وهى الكنيسة السابقة التى حولها السلطان «محمد الثانى» إلى مسجد، يمثل الجامع الرئيسى فى العاصمة عقب فتح «القسطنطينية» مباشرة، وعُدِّلت لتلائم التقاليد الإسلامية، حيث غطيت الرسوم التى تمثل الفن البيزنطى، وشكل محراب وسط الجناح الجنوبى من الكنيسة، كما نصب المنبر على عمود الكنيسة الجنوبى الشرقى الكبير، وفى عهد السلطان «مراد الرابع» كتبت بعض الكلمات ذات الأحرف الكبيرة التى تحمل اسم الجلالة، واسم الرسول، والخلفاء الراشدين، وذلك على لوحات مستديرة شيدت على جدران المسجد، وهى بخط الخطاط «بيشكجى زاده مصطفى شلبى» الذى كتب حرف الألف وحده على سبيل المثال طوله عشرة أذرع، وكلها بخط متشابك بديع، وواصل باقى السلاطين إدخال تعديلاتهم وإصلاحاتهم بها. ٢ - جامع السلطان محمد: الذى شيده المهندس اليونانى «خريستو دولوس» بأمر من السلطان «محمد الثانى»، ويقع وسط العاصمة «إستانبول». ٣ - جامع السلطان أيوب: وكان السلاطين العثمانيون يتقلدون فيه مقاليد الحكم فى احتفال رسمى، وقد شيده السلطان «محمد الثانى» قرب ضريح الصحابى «أبى أيوب الأنصارى» رضى الله عنه. ٤ - مسجد بايزيد: وشيده السلطان «بايزيد»، ويعد من أبرز الآثار العمرانية التى تمتاز بنفاسة المواد البنائية الزخرفية التى جرت على الطريقة الفارسية. ٥ - جامع السليمانية، ويعد من أجمل آثار الفن المعمارى العثمانى، وشيده السلطان «سليمان»، وصممه المهندس المعمارى «سنان باشا»، على أعلى قمة جبلية فى «الأستانة». إلى جانب العديد من الجوامع العظيمة التى تزيد على الخمسمائة جامع، بخلاف المدافن والتكايا (الزوايا). أما القصور فأهمها قصر «سراى طوب قابو» التى تمتاز بفخامتها وامتدادها الواسع، ومبانيها، وحدائقها، وساحاتها الواسعة، و «سراى دولمة بهجة» على «البسفور» وتمتاز ببهوها الكبير،

стр. 967

وكانت مسكنًا للسلطان «محمد رشاد». وسراى «جراغان» وسراى «يلدز» وسراى «بكر بك» التى توفى بها السلطان «عبد الحميد الثانى» بعد خلعه. وأشهر المهندسين المعماريين فى الدولة العثمانية هو «سنان باشا»، الذى كان نصرانيا ثم أسلم وعمره (٢٣) عامًا، واشترك فى الحملات العثمانية والفتوحات فى المشرق والمغرب، واطَّلع على كثير من الطرز والأعمال المعمارية التى جذبت انتباهه فى «تبريز» و «حلب» و «بغداد» ودول «أوربا». وعندما عاد إلى «إستانبول» تولى منصب كبير معمارى الخاصة السلطانية، وأصبح المسئول عن إقامة الأعمال المعمارية من قصور وجوامع ومدارس ومطاعم وحمامات وأضرحة، وبلغت أعماله المعمارية نحو (٤٤١) عملا موزعة فى مختلف أرجاء الدولة العثمانية، منها «جامع صقوللو محمد باشا»، و «جامع رستم باشا»، و «جامع شهر زاده»، و «جامع السليمانية»، و «جامع محمد باشا البوسنوى»، إلى جانب العديد من الأعمال فى البلدان العربية، وتشهد أعماله بالأصالة ويسودها المعرفة العميقة والتكنيك الهندسى، وفهمه الكبير للفن، ورقة ذوقه، وقد مكنه كل ذلك من إضافة أشكال جديدة للفن المعمارى. وتوفى «سنان باشا» سنة (٩٦٦هـ= ١٥٥٨م) وعمره يقارب المائة عام، بعدما عاصر خمسة من سلاطين العثمانيين. فن الرسم العثمانى: لم يظهر هذا الفن إلا فى عهد السلطان «محمد الفاتح» الذى دعا فنانين إيطاليين مشهورين إلى القصر السلطانى، وأوكل إليهم إنجاز بعض اللوحات للسلطان، وليقوموا بتدريب بعض العثمانيين على هذا الفن، وكان من أشهرهم «ماستورى بافلى» و «كونستانزى دافيرارى»،وظهرت كثير من المواهب الوطنية مثل «سنان» تلميذ «ماستورى بافلى» و «حسام زاده». ومن فنانى ذلك العهد «أحمد شبلى زاده» و «بابا مصطفى» و «تاج الدين بن «حسين بالى» و «حسن شلبى». ويبدو فى هذه الأعمال أثر المدارس الإيرانية، ويبرز اسم «المطرقى» الذى رسم لوحات تمثل حملات الجيش العثمانى ومناظر القلاع

стр. 968

والموانئ والمدن؛ مما كان له أثر فى تطور فن الرسم الزيتى العثمانى. وفى عهد «سليمان الأول» وصل فن المنمنمات العثمانى إلى أوجه، وقدم «كاتب الشيرازى» - الذى اتخذ اسمًا مستعارًا هو «عارفى» - وثائق الحوادث السياسية والاجتماعية التى جرت خلال حياة «سليمان الأول»، وكتب ورسم «عارفى» عملا من مآثر السلاطين العثمانيين حتى عهده هو «شاهنامة آل عثمان» فى خمسة مجلدات. ومن فنانى المنمنمات فى ذلك العصر: «على شلبى»، و «مولى قاسم»، و «محمد البورحى» و «أوستان عثمان»، و «لطفى عبدالله» و «رئيس حيدر». وفى عهد السلطان «مراد الثالث» وصل فن المنمنمات إلى أوجه، ومن أبرز الأعمال فى عصره «خورنامه» و «شاهنشاه نامه» المؤلفة من أشعار مكتوبة بالتركية والفارسية معًا، وتحكى توضيحاتها قصة فتوحات الجيش العثمانى الظاهر، والنشاطات الاجتماعية المتعددة لذلك العصر. ووجدت فى ذلك العصر مدرسة الفن الزيتى فى «بغداد» فى نهاية القرن (١٦م)، ولكن هذا الفن سرعان ما ضعف وتدهور فى القرنين السابع عشر والثامن عشر.

стр. 969

- المراجع: * برنارد لويس: استانبول وحضارة الخلافة العثمانية - تعريب: سيد رضوان علي - الدارالسعودية للنشر والتوزيع - جدة - الطبعة الثانية - ١٩٨٢م * بول كولز: العثمانيون في أوربا - ترجمة: عبد الرحمن عبدالله الشيخ - الهيئة المصرية العامة للكتاب - القاهرة - ١٩٩٣م * حسان عالاق: موقف الدولة العثمانية من حركة الصهيونية (١٨٩٧ - ١٩٠٩م) - دار الأحد - بيروت - ١٩٣٨هـ = ١٩٧٨م * حسين خوجة: ذيل بشائر أهل الإيمان بفتوحات آل عثمان - تحقيق: الطاهر المعموري - الدار العربية للكتاب - ليبيا - بدون تاريخ * زياد أبو غنيمة: جوانب مضيئة في تاريخ العثمانيين الأتراك - دار الفرقان للنشر والتوزيع - عمان - الأردن - الطبعة الثانية - ١٤٠٦هـ = ١٩٨٦م * عبدالعزيز محمد الشناوي: الدولة العثمانية دولة إسلامية مفترى عليها - مكتبة الأنجلو المصرية - القاهرة - ١٩٨٤م * عزيز سامح التر: الأتراك العثمانيون في إفريقيا الشمالية - ترجمة: محمود علي عامر - دار النهضة العربية - بيروت - الطبعة الأولي - ١٤٠٩هـ = ١٩٨٩م * علي حسون: تاريخ الدولة العثمانية - المكتب الإسلامي - بيروت - الطبعة الثالثة - ١٤١٥هـ = ١٩٩٤م * القرماني (احمد تشيلي بن سنان الرومي): تاريخ سلاطين آل عثمان - تحقيق: بسام عبد الوهاب - دار البصائر - دمشق - الطبعة الأولي - ١٤٠٥هـ = ١٩٨٥م * محمد أنيس: الدولة العثمانية والشرق الأدنى (١٥١٤هـ = ١٩١٤م) - مكتبة الأنجلو المصرية - القاهرة - ١٩٨٤م * محمد حرب: العثمانيون في التاريخ والحضارة - المركز المصري للدراسات العثمانية وبحوث العالم التركي - القاهرة - ١٤١٤هـ = ١٩٩٤م * محمد الخير عبد القادر: نكبة الأمة العربية بسقوط الخلافة العثمانية (١٨٧٥ - ١٩٢٥م) - مكتبة وهبة - القاهرة - الطبعة الأولي - ١٤٠٥هـ = ١٩٨٥م * محمد صادق العبسي: فتح القسطنطينية - دار الحوار للنشر والتوزيع - اللاذقية - سوريا - الطبعة الأولى - ١٩٨٦م

стр. 970

* محمد عبد اللطيف البحراوي: حركة الإصلاح العثماني في عصر السلطان محمود الثاني (١٨٠٨ - ١٨٣٩م) - دار التراث - القاهرة - الطبعة الأولى - ١٣٩٨هـ = ١٩٧٨م * محمد فؤاد كوبرلي: قيام الدولة العثمانية - ترجمة: أحمد السعيد سليمان - الطبعة الثانية - الهيئة المصرية العامة للكتاب - ١٩٩٣م * محمد فريد بك: تاريخ الدولة العثمانية - تحقيق: احسان حقي - دار النفائس - بيروت - الطبعة الثانية - ١٤٠٣هـ = ١٩٨٣م * محمود ثابت الشاذلي: المسألة الشرقية - دراسة وثائقية عن الخلافة العثمانية (١٢٩٩ - ١٩٢٣م) - مكتبة وهبة - القاهرة - الطبعة الأولى - ١٤٠٩هـ = ١٩٨٩م * مصطفي حلمي: الأسرار الخفية وراء إلغاء الخلافة العثمانية - دار الدعوة - القاهرة - ١٩٨٤م * موفق بني المرجة: صحوة الرجل المريض أو السلطان عبد الحميد الثاني والخلافة الإسلامية - مؤسسة صقر الخليج للطباعة والنشر - الكويت - ١٩٨٤م * يلماز أوزتونا: تاريخ الدولة العثمانية - منشورات مؤسسة فيصل للتمويل - إستانبول - الطبعة الأولى - ١٤٠٨هـ = ١٩٨٨م * يوسف آصاف: تاريخ سلاطين آل عثمان - تحقيق بسام عبدالوهاب - دار البصائر - دمشق - الطبعة الثالثة - ١٤٠٥هـ = ١٩٨٥م

стр. 971

الجزء التاسع المسلمون في أفريقيا جنوبي الصحراء تأليف: أ. د. رجب محمد عبد الحليم أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية بجامعة القاهرة الفصل الأول *الطرق التى سلكها الإسلام إلى قارة إفريقيا - الطرق التى سلكها الإسلام إلى قارة إفريقيا (جنوب الصحراء) كثيرة ومتعددة، منها: طرق القوافل التجارية التى تربط بين شمالى القارة وبلاد السودان الغربى والأوسط (غرب إفريقيا)، ومنها الطريق الذى يبدأ من جنوبى «تونس» ويتجه إلى «بلاد الكانم والبرنو» فى حوض بحيرة «تشاد»، والطريق الذى يبدأ من جنوبى «الجزائر» ويتجه إلى «بلاد الهوسا» فى شمال «نيجيريا»، والطريق الذى يبدأ من جنوبى «مراكش» ويصل إلى مصب «نهر السنغال» ومنحنى «نهر النيجر» و «نيجيريا» و «تشاد». وطريق بحرى يسير عبر مياه «البحر الأحمر» و «خليج عدن» و «المحيط الهندى»، ويربط هذا الطريق بين «شبه الجزيرة العربية» وشرق إفريقيا، ومنه دخل الإسلام إلى شرق القارة وخاصة إلى «إريتريا» و «الصومال» و «الحبشة» و «زنجبار» وساحل شرقى إفريقيا حتى مدينة «سوفالة» جنوب «نهر الزمبيزى» فى «موزمبيق». وطريق وادى النيل وطريق درب الأربعين اللذان تدفق منهما الإسلام إلى «بلاد البجة» و «بلاد النوبة» وإلى «دار فور» وبقية «بلاد السودان الشرقى»، وهو «سودان وادى النيل» الذى يعرف الآن بجمهورية السودان. ويلاحظ أن معظم هذه الطرق طرق تجارية، ولم تستخدم كمعابر للجيوش إلا فى القليل النادر، مما يؤكد سمة الطابع السلمى لانتشار الإسلام فى قارة إفريقيا. ومما يؤكد ذلك أيضًا أن أهل القارة أنفسهم سواء أكانوا من البربر أم من الزنج والسودان هم الذين قاموا بنشر الإسلام؛ بعد أن وصلت الدعوة إلى بلدانهم وإلى ما وراءها من بلدان، ولم تكن حركات الفتح والجهاد التى حفل بها تاريخ الإسلام فى القارة خلال بعض الفترات لاسيما فى عصر الخلفاء الراشدين والأمويين من بعدهم ذات أثر كبير فى نشر الإسلام؛ إذ لم يكن هدفها نشر هذا الدين بقوة السلاح كما يدعى كثير من المستشرقين وأعداء الإسلام، وإنما كان هدفها هو إزاحة العقبة

стр. 972

التى كانت تحول دون وصول الإسلام بالحكمة والموعظة إلى أهل إفريقيا، وكانت هذه العقبة تتمثل فى جيوش الاحتلال البيزنطى، التى كانت تحتل «مصر» والساحل الشمالى لإفريقيا كله قبل فتح الإسلام لهذه البلاد. وبعد أن أنقذ المسلمون أهالى القارة من هذا الاحتلال البغيض، أصبح الطريق مفتوحًا أمام الدعوة، ومن ثم تلقفها الأفارقة بشغف وحب شديدين، واتخذت الدعوة إلى هؤلاء الأفارقة أشكالا متعددة وعلى يد أناس مختلفى الصفات والاتجاهات، منهم الدعاة الذين وهبوا حياتهم لهذا العمل العظيم، ومنهم التجار الذين جمعوا بين الدعوة والتجارة، ومنهم الحجاج الذين تأثروا بمظاهر الأخوة الإسلامية فى موسم الحج وأثَّروا فى إخوانهم وأهاليهم بعد أن عادوا من الحج مشحونين بشحنة دينية عميقة. ومنهم المهاجرون الذين أتوا فى هجرات عديدة شملت العرب وغيرهم، وحملوا معهم الإسلام والثقافة الإسلامية، ومنهم الصوفية الذين اخترقوا أعماق القارة ووصلوا إلى النجوع والكفور والقرى والغابات، وسوف نفصل الحديث عن هذه الوسائل التى انتشر الإسلام بها فى القارة الإفريقية (جنوب الصحراء): ١ - الدعاة: ويقصد بالدعاة الأفراد المسلمون الذين تلقوا قدرًا من العلوم الدينية، وعلى رأسهم الفقهاء والعلماء والمشايخ والقراء والقضاة، وكان هؤلاء يسمون فى مختلف أنحاء القارة بأسماء مختلفة، مثل المرابط، وألفا، والمعلم، والفقيه، والشيخ، وسيدنا، ومولانا. وكانوا يحظون بنصيب كبير من الاحترام والتقدير، وكانت كل قرية فى إفريقيا تقيم دارًا لاستقبالهم واستضافتهم، وكان الحكام والملوك الأفارقة سواء أكانوا مسلمين أم وثنيين يعاملونهم باحترام كبير، وكانوا يتخذون منهم مستشارين ووزراء يصرِّفون لهم أمور الدولة، مثلما كان الحال فى دولة «غانة» الوثنية، كما يقول «البكرى» الذى عاش فى القرن العاشر الميلادى. وكان هؤلاء الدعاة ينشئون الكتاتيب لتعليم الأطفال

стр. 973

الوثنيين القراءة والكتابة وبعض العلوم الأخرى، ومن ثم يصبح هؤلاء الأطفال بذرة إسلامية داخل الأسر الوثنية، وكذلك كان الدعاة ينشئون المدارس التى كانت تعد مركزًا مهما لنشر الإسلام وثقافته، وكذلك المساجد والزوايا والأربطة والخلاوى التى كان يلتقى فيها الأفارقة بالدعاة ويتلقون عنهم العلوم الدينية؛ حيث يخرجون دعاة للإسلام بين أهليهم وأقاربهم من الوثنيين. ولذلك انتشر الإسلام بين الأفارقة، خاصة بعد أن اعتنقه بعض ملوكهم الذين كانوا يتحولون تلقائيا إلى دعاة للإسلام فى بلادهم. ومن هؤلاء ملك «مالى» وملك «التكرور» وملك «سلى»، فقد نشر هؤلاء الإسلام بين شعوبهم من التكرور والسونتك والماندنجو وغيرهم من شعوب غرب القارة. وخرج من هذه الشعوب دعاة تخصصوا فى الدعوة إلى الإسلام حتى أصبحت كلمة تكرورى أوسوننكى تعنى داعية للإسلام عند شعوب هذه المنطقة. ومن أهم الدعاة الذين نشروا الإسلام بين البربر فى «الصحراء الكبرى» والتكرور فى «السنغال» والسوننك فى «غانة»، الشيخ «عبدالله بن ياسين الجزولى» المتوفَّى عام (٤٥١هـ = ١٠٥٩م)، والذى قامت على يديه «دولة المرابطين» الكبرى قبل ذلك ببضع سنين. وهناك داعية آخر قام بنشاط كبير فى حوض «نهر النيجر الأعلى» هو «أبو القاسم على بن يخلف»، الذى أسلم على يديه ملك مالى الذى اتخذ لقب المسلمانى (أى الذى أسلم)، بعد إسلامه فى القرن الحادى عشر للميلاد، وفى بلاد «الهوسا» نجد داعية إسلاميا كبيرًا هو الشيخ «محمد عبدالكريم المغيلى» المتوفَّى عام (٩٠٩هـ = ١٥٠٣م) الذى نشر الإسلام فى بلاد «الهوسا»، ثم أتى بعده بعدة قرون داعية كبير من شعب الفولانى هو الشيخ «عثمان بن فودى» الذى أتم حركة نشر الإسلام فى هذه البلاد، وخاصة «نيجيريا» و «الكاميرون». وإذا اتجهنا شرقًا ووصلنا إلى بلاد حوض «بحيرة تشاد» حيث «دولة الكانم والبرنو» نجد داعية إسلاميا عظيمًا هو الشيخ «محمد بن

стр. 974

مانى» الذى أسلم على يديه ملوك هذه البلاد فى القرن الحادى عشر للميلاد. وكذلك دخل الإسلام كثير من النوبيين وأهالى «السودان النيلى» و «دارفور» على يد دعاة وفدوا من «مصر» و «اليمن» و «الحجاز» من أمثال «غلام الله بن عائذ اليمنى»، و «حمد أبى دنانة» من «الحجاز»، والشيخ «محمد القناوى الأزهرى» من «مصر»، وتلقف الدعوة وأذاعها سودانيون من أمثال الشيخ «محمود العركى» والشيخ «صغيرون محمد بن سرحان العدوى» وغيرهم. ووفد على منطقة القرن الإفريقى وساحل شرقى إفريقيا عدد كبير من الدعاة، من أمثال «ود بن هشام المخزومى» الذى أقبل إلى بلاد «الحبشة» فى عهد «عمر بن الخطاب» - رضى الله عنه - وأنشأ أحفاده دولة إسلامية فى «إقليم شوا» وسط هضبة الحبشة، كذلك وفد دعاة من «بنى عبدالدار» أو من «بنى عقيل بن أبى طالب» إلى بلاد «الزيلع» و «الصومال» و «إريتريا» وأنشأ أحفادهم سلطنة إسلامية أخرى فى هذه البلاد تسمى «سلطنة أوفات الإسلامية». وهكذا كان للدعاة فضل كبير فى نشر الإسلام وثقافته، وفى إقامة سلطنات إسلامية فى كثير من نواحى القارة، كما سنرى ذلك فى حينه بالتفصيل فى هذا الجزء من السلسلة. ٢ - التجار: كان للتجار الدور الأول فى نشر الإسلام فى القارة بعد الدعاة، ويظهر ذلك من قول السير «توماس أرنولد» فى كتابه «الدعوة إلى الإسلام» إن التجارة والدعوة إلى الإسلام مرتبطان كل الارتباط. وقد تدفق الإسلام عبر الطرق التجارية الموصلة بين مختلف أنحاء القارة، والتى أشرنا إليها من قبل، إلى حوض نهرى «السنغال» و «النيجر» ومنطقة حوض «بحيرة تشاد»، وكذلك إلى «الصومال» و «بلاد النوبة» و «السودان» و «الحبشة»، و «ساحل شرق إفريقيا». وقد قام العرب والبربر بدور كبير فى هذا النشاط التجارى، وأصبحت مدن الشمال الإفريقى مراكز للتجارة بجانب كونها مراكز للعلم والثقافة، ووصلت إليها السلع الإفريقية، واتجه تجار العرب والبربر

стр. 975

واخترقوا الصحراء الكبرى ووصلوا إلى بلدان إفريقيا جنوب الصحراء، وكان لذلك أثره الكبير فى نشر الإسلام الذى أقبل مع قوافل التجار، وازداد انتشاره بعد أن انتقل معظم النشاط التجارى إلى أيدى السودان والزنوج أنفسهم من تجار «الفولانى» و «التكرور» و «الهوسا» و «الكانمية» والصوماليين وغيرهم من الأفارقة الذين اتخذوا التجارة حرفة رئيسية، وصار هؤلاء التجار الأفارقة دعاة للإسلام، وقلدوا المغاربة فى إقامة بعض الأسواق فى مدن معينة فى أيام معلومة. وكان هؤلاء التجار سواء كانوا من العرب أو البربر أو السودان ينزلون فى هذه الأسواق أو فى المراكز التجارية ويحتكون بالزنوج ويؤثرون فيهم بنظافتهم وأمانتهم وسلوكهم الشخصى القائم على قيم الإسلام وتقاليده السامية، وغالبًا ما ينتهى هذا الاحتكاك بدخول كثير من هؤلاء الزنوج فى الإسلام الذى كان يتركز أولا فى المدن التى ينشط فيها التجار بوجه خاص، وكانوا إذا ما استقر بهم المقام فى إحدى هذه المدن ينشئون كتاتيب أو مدارس لتعليم الإسلام وتحفيظ القرآن الكريم ويبنون المساجد التى كانت مقرا للدعوة إلى الإسلام، وقاموا فى الوقت نفسه بمزاولة نشاطهم التجارى، وكانوا أثناء الليل يحولون دكاكينهم إلى مكان يتلقى فيه الأطفال الوثنيون مبادئ القراءة والكتابة على ضوء النيران، مما حببهم إلى الأهالى الذين وثقوا بهم، مما فتح الباب أمام الإسلام كى ينتشر بينهم. وكذلك وثق بهم رجال الطبقة الأرستقراطية من الملوك والأمراء ومشايخ القبائل؛ حيث كان التجار المسلمون يُستقبلون فى بلاط هؤلاء الملوك الوثنيين بترحاب شديد؛ لسمو أخلاقهم وكريم خصالهم وخبرتهم بالسياسة وشئون الإدارة والمال، ونظرًا لأنهم كانوا يجلبون لهذه الطبقة ما كانت تحتاج إليه من سلع فاخرة، ومن ثم أضفى هؤلاء الملوك حمايتهم على هؤلاء التجار، فنعموا بالأمان والاستقرار وازداد نشاطهم بين أفراد هذه الطبقة، التى سرعان ما تحولت إلى

стр. 976

الإسلام فى عدد كبير من البلدان. ومن أهم المراكز التجارية التى أنشأها العرب أو أهالى البلاد المحليون واتخذوا منها مراكز للتجارة والدعوة: مدينة «أودغشت» فى «موريتانيا» الحالية، ومدينة «تمبكت» التى بناها المرابطون من المغاربة على ضفة نهر «النيجر» أواخر القرن الخامس الهجرى، كذلك كانت مدن: «كانو»، و «مالى»، و «جاد»، و «نجيمى» فى غرب القارة مراكز للدعوة والتجارة. وكانت مدينة «عيذاب» التى تقع على ساحل «البحر الأحمر»، ومدينة «قوص» التى تقع على «نهر النيل» فى صعيد «مصر» مراكز انطلق منها تجار الكارم إلى «الحبشة» وشرق إفريقيا، كما انطلقوا من موانى: «سواكن» و «باضع» (مصوع) و «زيلع» و «بربرة» و «مقديشيو» و «ممبسة» و «مالندى» و «كلوة» و «سوفالة»، وكلها موانئ تقع على الساحل الغربى للبحر الأحمر وعلى الساحل الشرقى لإفريقيا، ونشط التجار فى هذه المراكز التجارية كلها ووصل نشاطهم إلى أعماق القارة فى بلاد «أوغندا» و «الكونغو»، وأسلم على أيديهم أعداد كبيرة من الأفارقة. وكانت قوافل الجمال التى تحمل تجارة القارة لاتستطيع العودة من هذه المناطق الداخلية إلى المناطق الساحلية فى موسم الأمطار، فكان التجار ينتظرون الشهر أو الشهور يتاجرون ويحتكون بالأهالى؛ مما كان يؤدى إلى إسلام الكثير منهم، ثم يعودون من حيث أتوا حينما تتحسن الأحوال الجوية، هذا فى الوقت الذى أصبح التجار المحليون المقيمون دائمًا فى بلدان القارة عُمُدًا للدعوة الإسلامية. ٣ - الحجاج: نتيجة للنشاط التجارى الواسع الذى أشرنا إليه والذى ساد شمال القارة، ووسطها وغربها وشرقها وما نتج عنه من انتشار الإسلام والثقافة الإسلامية؛ نشطت قوافل الحج التى كانت فى الوقت نفسه قوافل للتجارة التى كان يمارسها الحجاج على طول طريقهم إلى الأراضى المقدسة، وقوافل لتحصيل العلم عن طريق الالتقاء بعلماء البلدان التى يمرون بها، فكانت تخرج من غرب القارة قوافل عديدة

стр. 977

على رأسها ملوك هذه البلدان، الذين كانوا يحرصون على أداء هذه الفريضة رغم ما كانوا يتكبدونه من مشاق ومتاعب، نظرًا لطول الطريق ومخاطره ووعورته، لكنهم كانوا يخرجون فى رحلة قد تستغرق عامًا أو عامين ويلتقون فى موسم الحج بإخوانهم المسلمين على اختلاف بلادهم وألسنتهم وألوانهم، فيشعرون جميعًا بالأخوة الإسلامية، ويشعر الإفريقى بانتمائه إلى عالم إسلامى واسع، وبأخوته لمسلمى ذلك العالم، فتتحطم الحواجز العرقية والقبلية واللغوية والاجتماعية، ويصبح الجميع شعبًا واحدًا يتكلمون بعبارات واحدة، ويتجهون إلى قبلة واحدة، ومن ثم أصبح خروج المسلمين من غرب إفريقيا ووسطها وشرقها جماعات وفرادى إلى الحج، واتصالهم بالشعوب الإسلامية المختلفة فى بلاد الحجاز أو أثناء رحلة الذهاب والعودة تأكيدًا لروح الأخوة الإسلامية التى فرضها الإسلام، فيعود هؤلاء الأفارقة ممتلئين بالحماسة لنشر هذا الدين، وَوَقْف جهودهم على إعلاء شأنه فى بلادهم وما جاورهم من البلاد الوثنية، خاصة أن هؤلاء الحجاج كانوا يعودون محملين بالكتب الدينية التى تزيد من علم الأفارقة وثقافتهم كما كانوا يعودون أحيانًا مصحوبين ببعض الدعاة والفقهاء والتجار من غير الأفارقة، مما كان له أثره فى نشر الإسلام، لاسيما وأنهم كانوا يقومون بإنشاء المدارس لتعليم اللغة العربية وتحفيظ القرآن الكريم ونشر الإسلام بين الوثنيين، ونشر عقائده الصحيحة بين المسلمين الأفارقة. وكان المسلمون الجدد من هؤلاء الأفارقة يرون ارتفاع المكانة الاجتماعية لإخوانهم وأقربائهم من الذين أدوا هذه الفريضة، فيقدمون هم الآخرون عليها، ولذلك تعددت قوافل الحج التى كانت تخرج من هذه البلدان، والتى كانت تضم آلافًا مؤلفة وعلى رأسها الملوك والحكام فى أحيان كثيرة. ومن أشهر الملوك الذين أدوا هذه الفريضة من حكام إفريقيا «منسا موسى» سلطان «مالى الإسلامية»، الذى خرج إلى الحج من هذا

стр. 978

المكان النائى فى غرب القارة على رأس موكب كبير تحدث عنه المؤرخون، وذلك فى عام (٧٢٣هـ = ١٣٢٣م) إذ كان موكبه يضم أكثر من عشرة آلاف حاج، وكان يحمل معه كميات كبيرة من الذهب الخام، أهدى منه إلى سلطان «مصر» وأمرائها وموظفيها، كما أفاض منه على فقراء «مكة» و «المدينة»، ومَنَحَ عن سعة حتى قيل إن قيمة الذهب انخفضت فى «مصر» انخفاضًا ملحوظًا لكثرة ما أنفقه فيها. كذلك تحدثنا المصادر بأن ملوك «سلطنة صنغى الإسلامية» التى خلفت سلطنة «مالى» فى غرب إفريقيا قاموا بأداء هذه الفريضة، ومن أشهرهم السلطان «أسكيا محمد الأول» فى عام (٤٩٥هـ = ١١٠١م)، وقد أدى بعض سلاطين «الكانم» و «البرنو» الذين كانت دولتهم تقوم حول «بحيرة تشاد» الحج ثلاث مرات، وبعضهم تُوفِّى أثناء الذهاب أو العودة ودفن فى «مصر». وكان حكام بلاد «السودان النيلى»، و «الصومال» و «الحبشة» وشرق إفريقيا بصفة عامة يؤدون هذه الفريضة فى سهولة ويسر، نظرًا لقربهم من بلاد «الحجاز»، وكانوا يحرصون على ذكر لقب الحاج قبل أسمائهم مثلما كان يفعل إخوانهم فى شمال إفريقيا وغربها، حتى السلاطين أنفسهم؛ مما يدل على أهمية هذه الشعيرة لديهم، وعلى أن تأثيرها فى نفوسهم كان قويا، ولذلك كانوا يعودون من هذه الرحلة ممتلئين حماسة للإسلام ولنشره بين من لم يعتنقه من الوثنيين فى بلادهم وقراهم. ٤ - الهجرات: كان لتحركات القبائل وهجراتها سواء أكانت عربية أم بربرية أم سودانية وزنجية دور كبير فى نشر الإسلام وثقافته، واللغة العربية وثقافتها فى القارة الإفريقية. ومن أهم هذه الهجرات هجرات العرب إلى بلدان القارة المختلفة، وكانت «مصر» هى القاعدة والمنطلق الذى انطلقت منه هذه الهجرات العربية غربًا إلى شمال إفريقيا، وبلاد «النوبة» و «السودان»، فقد هاجرت جماعات عربية من «ربيعة» و «جهينة» و «بلى» إلى «أرض البجة» منذ منتصف القرن السابع للميلاد، ونجحوا فى نشر الإسلام

стр. 979

بين الأهالى، ودفعت شهرة «وادى العلاقى» الذى يقع فى الصحراء الشرقية بين «أسوان» و «البحر الأحمر» بالذهب والزمرد إلى جذب جماعات كبيرة من «ربيعة» و «جهينة» منذ عام (٢٣٨هـ = ٨٥٢م) إلى هذه المنطقة، حيث استقر العرب هناك وتزاوجوا مع «البجة» وأقاموا إمارة عربية مدت نفوذها إلى «أسوان» وشمال «بلاد النوبة»؛ حيث صاهروا حكام مملكة «مَقُرة» النوبية المسيحية، ونتج عن ذلك انتقال الحكم إلى هؤلاء العرب من الذين عرفوا باسم «بنى كنز» نسبة إلى لقب كان قد أطلقه أحد الخلفاء الفاطميين فى «مصر» على أحد أمرائهم نظير مساعدته لهذا الخليفة فى القضاء على أحد الثائرين والخارجين على دولته فى صعيد «مصر». وتطورت أحوال «بنى كنز» هؤلاء حتى استطاعوا أن يقيموا دولة «بنى كنز» العربية فى «بلاد النوبة» واتخذوا «دنقلة» عاصمة لهم منذ عام (٧٢٣هـ = ١٣٢٣م). وبقيام هذه الدولة انفتح باب الهجرة العربية على مصراعيه، فهاجرت قبائل عربية كثيرة إلى وسط «السودان»، وأقاموا بين نهرى «النيل الأبيض» و «الأزرق»، وتحالفوا مع قبائل سودانية تسمى «الفونج»، واستطاعوا أن ينشئوا معًا دولة إسلامية أخرى هى دولة «الفونج» التى كانت عاصمتها «سنار»، وذلك عام (٩١١هـ = ١٥٠٥م). كذلك هاجرت قبائل عربية كثيرة من «مصر» إلى مملكة «دارفور» الوثنية منذ القرن الحادى عشر للميلاد، ووفدت إلى هذه المملكة هجرات عربية أخرى من «تونس» و «شمال إفريقيا»، واختلط هؤلاء المهاجرون بالأهالى وصاهروا ملوك «دارفور»، ونتج عن هذه المصاهرة انتقال الحكم إليهم، فأصبحت «دارفور» سلطنة عربية إسلامية منذ عام (٨٤٩هـ = ١٤٤٥م). كذلك تواصلت الهجرات العربية إلى بلاد «الزيلع» و «الحبشة»، وهى المنطقة التى تعرف الآن باسم منطقة القرن الإفريقى. ومنها هجرة «ود بن هشام المخزومى» فى عصر «عمر بن الخطاب» - رضى الله عنه - وقد تبع ذلك هجرات عربية استقرت على طول ساحل هذه

стр. 980

المنطقة، وأقامت فى المدن الساحلية التجارية، مثل «سواكن» و «باضع» (مصوع) و «زيلع» و «بربرة»، وانطلقت إلى الداخل وسكنت مع الأهالى واشتغلت بالتجارة والزراعة والرعى، وازداد عددها حينًا بعد حين حتى تمكنت من إقامة سلطنات إسلامية، مثل «سلطنة شوا» و «سلطنة أوفات» و «سلطنة عدل» الإسلامية. وقد ازدادت هجرات العرب على ساحل شرق إفريقيا وأنشئوا مراكز تجارية بطول هذا الساحل، حتى قال بعض المؤرخين إنهم أنشئوا ستا وثلاثين مدينة، بدءًا من «مقديشيو» فى «الصومال» وحتى «سوفالة» جنوب نهر «الزمبيزى» فى «موزمبيق». ومن أشهر هذه الهجرات هجرة «سليمان» و «سعيد» ابنى «عباد بن عبد بن الجلندى»، وكانا ملكين فى «عُمان»، واضطرتهما ظروف القتال مع «الحجاج بن يوسف الثقفى»، الذى أراد أن يفرض نفوذه على «عمان» بالقوة المسلحة، إلى ترك وطنهما والاتجاه فى سفن إلى ساحل شرق إفريقيا؛ حيث وصلا ومن معهما من رجال وجند وأهالى إلى جزر «أرخبيل لامو» التى تقع فى دولة «كينيا» الآن، وذلك فى الفترة (٧٥ - ٨٥هـ = ٦٩٤ - ٧٠٤م)، واستقروا هناك وأنشئوا إمارة صغيرة كان لها أثرها فى نشر الإسلام بين الأهالى الموجودين فى تلك المنطقة. كذلك هاجر بعض الشيعة الزيدية إثر مقتل إمامهم «زيد بن على زين العابدين بن الحسين بن على بن أبى طالب» - رضى الله عنهم أجمعين - فى عام (١٢٢هـ= ٧٤١م) على يد الخليفة الأموى «هشام بن عبدالملك»، فاضطر أتباعه بعد مقتله إلى الهجرة خوفًا من اضطهاد الحكام لهم، فوصلوا إلى ساحل «بنادر» بالصومال، وأقاموا هناك نحو مائتى عام أرسوا فيها قواعد الإسلام والثقافة الإسلامية بين الصوماليين. ولم تلبث أن وفدت هجرة أخرى إلى هذا المكان نفسه تعرف باسم هجرة الإخوة السبعة، جاءت من «الأحساء» فى عام (٢٩٢هـ = ٩٠٤م) ووصلت إلى ساحل «بنادر» بالصومال، بعد أن ضاق بهم المقام فى منطقة الخليج؛ نتيجة لصراعات سياسية ومذهبية، وكان هؤلاء الإخوة

стр. 981

من قبيلة «الحارث» العربية، ولما وصلوا إلى هذا الساحل استطاعوا أن يطردوا الزيدية إلى الداخل. وأن ينشئوا مدينة «مقديشيو» فى عام (٢٩٥هـ= ٩٠٧م) ويتخذوها عاصمة لدولتهم التى أقاموها هناك، والتى كانت تعرف باسم «سلطنة مقديشيو الإسلامية». وبذلك ظهر إلى الوجود مركز إسلامى كبير كان له أثره القوى فى نشر الإسلام لا بين الصوماليين فحسب، بل بين كثير من سكان شرق إفريقيا كله. وقد أعقب تلك الهجرة هجرة شيرازية فارسية أتت من «شيراز» بإيران، كان على رأسها أمير يدعى «على بن حسن بن على الشيرازى»، وذلك فى عام (٣٦٥هـ = ٩٧٥م) نتيجة خلافات وقعت بينه وبين إخوته فى «شيراز»، اضطرته إلى الهجرة هو وأتباعه ورجاله فى سبع سفن ضخمة إلى شرق إفريقيا؛ حيث استقر بهم المقام فى جزيرة «كلوة» التى تتبع دولة «تنزانيا» الآن، واستطاع أن يؤسس سلطنة إسلامية تسمى «كلوة»، ظل يحكمها هو وأحفاده نحو قرنين من الزمان حتى أتت هجرة عربية أخرى من «اليمن» من «بنى الحسن بن طالوت المهدلى»، وحكمت هذه السلطنة، ومن ثم تغلبت الصبغة العربية فيها على الصبغة الشيرازية الفارسية واستمرت هذه السلطنة قائمة حتى جاء البرتغاليون وتغلبوا عليها فى عام (٩١١هـ = ١٥٠٥م). ونتيجة لهذه الهجرات العربية المتتابعة انتشر الإسلام واللغة العربية بين السكان المحليين فى منطقة «القرن الإفريقى»، وفى منطقة الساحل الشرقى لإفريقيا، وكذلك فى الجزر المواجهة لهذا الساحل، مثل «جزيرة زنجبار»، و «جزر القمر»، و «جزيرة مدغشقر» (مالاجاش الآن) وغيرها من الجزر، وتكوَّن عالم إسلامى واضح المعالم والقسمات، نشأت فيه دول وسلطنات إسلامية ظلت موجودة حتى اصطدمت بالبرتغاليين والأحباش، ثم بالاستعمار الأوروبى فى العصر الحديث. كذلك خرجت هجرات عربية من «مصر» فى اتجاه الغرب إلى بلاد المغرب العربى منذ عصر الفتوحات الإسلامية فى القرن الأول للهجرة،

стр. 982

وظلت هذه الهجرات تتتابع حتى القرن الخامس للهجرة؛ حيث نزح من «مصر» إلى هناك «بنو هلال» و «بنو سليم»، ولاشك أن الحكم العربى الإسلامى لهذه البلاد بالإضافة إلى هذه الهجرات قد أديا فى النهاية إلى تعريب أهل البلاد الأصليين، فانتشرت بينهم اللغة العربية وأصبحت لسانهم، وغدت هذه البلاد بلدانًا عربية إسلامية، وقد انطلقت من هذه البلاد هجرات عربية لكنها كانت قليلة العدد قليلة الأفراد، اتجهت جنوبًا إلى الصحراء الكبرى ومنها إلى حوض «نهر السنغال» و «النيجر»، وحوض «بحيرة تشاد» مثل «بنى جذام» و «بنى حسان» و «بنى معقل» و «أولاد سليمان» و «جهينة» وغيرهم، واستقرت هذه القبائل هناك ولاتزال توجد إلى الآن بعض هذه القبائل التى تحتفظ بأصولها العربية، ولكن نظرًا لقلة هذه الهجرات وقلة عدد أفرادها فإنها لم تؤدِّ إلى انتشار اللغة العربية بين الأهالى هناك، وكانت لغة العلم والتعليم والتجارة والوثائق الرسمية للدولة فقط، ولما جاء الاستعمار الأوربى إلى هذه البلاد حارب هذه اللغة وحارب الإسلام بكل ما يستطيع من قوة، ولايزال يحاربه رغم الاستقلال. وإذا كان العرب قد هاجروا إلى البلدان الإفريقية فى مختلف أنحاء القارة، وكان لهم أثرهم الكبير فى نشر الإسلام ولغته وثقافته، وكذلك فى إقامة سلطنات إسلامية، فقد كان لهجرات البربر أثر كبير أيضًا فى هذه الميادين، وخاصة «بربر صنهاجة»، الذين كانوا يسكنون الصحراء الكبرى، واستطاعوا نتيجة لجهود داعية عظيم أشرنا إليه وهو الشيخ «عبدالله بن ياسين الجزولى» أن يقيموا «دولة المرابطين» منذ عام (٤٤٨هـ = ١٠٥٦م)، وأن يضموا إليها «بلاد المغرب الأقصى» و «بلاد الأندلس»، ثم «مملكة غانة» الوثنية، وانطلق دعاتهم بين أهالى «غانة» و «السودان الغربى» ينشرون الإسلام، كذلك وفد كثير من قبائل البربر الأخرى إلى هذه البلاد مهاجرين إليها، واستقروا فيها وأنشئوا المدن والمراكز التجارية مثل مدينة

стр. 983

«أودغشت» ومدينة «تمبكت» وغيرهما. كما هاجرت قبائل من البربر منذ ما قبل الإسلام إلى حوض «بحيرة تشاد» وأقامت دولة تسمى «دولة الكانم والبرنو»، ولم يلبث ملوك هذه الدولة أن اعتنقوا الإسلام فى أواخر القرن الحادى عشر للميلاد، وظلوا يحكمون هذه البلاد وينشرون الإسلام فيها حتى القرن التاسع عشر. كذلك كان لهجرات النوبيين والصوماليين والجلا والأعفار والزنوج أثر كبير فى نشر الإسلام فى منطقة «القرن الإفريقى»، وفى «ساحل شرق إفريقيا»، وكانت هذه الهجرات وراء توسع السلطنات الإسلامية التى قامت فى هذه المنطقة، وساعدتها فى رد عدوان الأحباش على المسلمين فى منطقة «القرن الإفريقى» وخاصة فى القرن السادس عشرالميلادى. ٥ - الطرق الصوفية: ارتبط نشاط الدعوة إلى الإسلام لاسيما فى غرب إفريقيا وشرقها بانتشار الطرق الصوفية، وخاصة بين المشتغلين بالتجارة، وكانت هذه الطرق قد بزغ نجمها فى الأفق منذ أن تعرض العالم الإسلامى لخطر الإستعمار الأوروبى الحديث بدءًا من القرن السادس عشر الميلادى، واستطاعت الطرق الصوفية أن تُسهم إسهامًا كبيرًا فى الدعوة إلى مقاومة الاستعمار، وكذلك فى الدعوة إلى الوحدة الدينية، وفى نشر الإسلام بين من لم يعتنقه، ونتيجة لذلك جذبت هذه الطرق إليها كثيرًا من الشباب الأفارقة. ففى شرق إفريقيا وبلاد «سودان وادى النيل» ظهرت «الطريقة الميرغنية» فى القرن التاسع عشر للميلاد والتى كان لها تأثيرها الكبير على الناس هناك، وكانت قد ظهرت قبلها بعدة قرون «الطريقة القادرية والشاذلية والرفاعية»، وانتشر أتباع هذه الطرق على طول الساحل الشرقى لإفريقيا، وفى الجزر المواجهة له وكذلك فى المناطق الداخلية. وفى سنة (١٢٥٣هـ = ١٨٣٧م) ظهرت فى شمال إفريقيا الطريقة السنوسية على يد الفقيه الجزائرى «محمد بن على السنوسى»، الذى استطاع أن يقيم دولة دينية فى الأراضى الليبية، دون أن يريق قطرة

стр. 984

دم واحدة، وتمكنت هذه الطريقة من خلال أتباعها وزواياها التى انتشرت فى إفريقيا جنوب الصحراء أن تنشر الإسلام بين العديد من القبائل الإفريقية الوثنية، مثل قبيلة «بيلى» التى كانت تسكن منطقة «إنيدى» شرق «بوركو» فى شمال «نيجيريا»، وعمّقت الإسلام بين جماعات «التِّدَا» فى شمال «بحيرة تشاد». وكان للسنوسيين فضل كبير فى نشر الإسلام فى «واداى»، التى تقع شرق «بحيرة تشاد»، وبين قبائل «الجلا» فى «الحبشة»؛ حيث كانوا يشترون العبيد أو الأطفال ثم يحررونهم ويرسلونهم إلى مركز الطريقة الرئيسى فى «واحة جغبوب» فى الصحراء الكبرى بين «مصر» و «ليبيا»، فيتعلمون ثم يعودون إلى بلادهم دعاة للإسلام. كذلك كان لأتباع «الطريقة القادرية» التى انتشرت فى شمال إفريقيا وغربها أثر كبير فى نشر الإسلام فى هذه البلاد، فقد اتخذ أتباعها من مدينة «ولاتة» بموريتانيا أول مركز لهم فى تلك البلاد منذ القرن الخامس عشر الميلادى ثم لجئوا إلى «تمبكت»، وانتشر أتباعهم ودعاتهم فى أنحاء «السودان الغربى»، وكذلك فى منطقة «القرن الإفريقى» وساحل «شرق إفريقيا»، ووصل أتباعها فى الداخل حتى «الكونغو»، وكان أتباع هذه الطريقة يقومون بتأسيس المدارس لتعليم الدين ونشر الإسلام، ويرسلون نوابغ الطلاب إلى مدارس «القيروان» و «تونس» و «فاس» و «الأزهر»، وغيرها، فإذا ما أتموا دراستهم عادوا إلى أوطانهم دعاة للإسلام. ومن الطرق الأخرى التى انتشرت فى القارة «الطريقة التيجانية» التى أنشأها «أبو العباس أحمد بن محمد المختار بن سالم التيجانى» المتوفى عام (١٢٣١هـ = ١٨١٥م)، وقد قام أتباعه بنشر هذه الطريقة بين رجال القوافل والتجار، فانتشرت تعاليمها فى حوض «السنغال» وفى «تمبكت» وفى سائر أنحاء غرب إفريقيا، وظهرت هذه الطريقة أيضًا فى «السودان النيلى» وشرق إفريقيا على يد بعض التيجانية القادمين من غرب إفريقيا. وقد انخرط فى سلك هذه الطريقة علية

стр. 985

القوم فى «الحبشة»، مثل سلطان «جمة» «أبى جفار»، و «الرأس على» نائب الإمبراطور الحبشى، وعمل هذان الرجلان على نشر الإسلام بين الوثنيين من الأحباش، ونجحا فى ذلك نجاحًا عظيمًا فتحول معظم سكان الولايات الوسطى والشمالية فى «الحبشة» إلى الإسلام. ٦ - طبيعة الإسلام: ذلك أن الإسلام لم يُفرض كما رأينا على الشعوب الوثنية الإفريقية فرضًا، إنما حمله قوم من أهل إفريقيا نفسها، اتخذوا صفة التجار أو المعلمين أو الدعاة أو الصوفية، فليس غريبًا أن يلقى قبولا منهم، فهو فى نظرهم دين إفريقى غير دخيل، والدعوة إليه تتم بالطرق السلمية وليس بالغزو المسلح كما فعل الاستعمار الأوربى فى العصر الحديث. كما أن الإسلام لم يستعبد هذه الشعوب، إنما أشعرها بالعزة والكرامة، فخلق منها دولا كبرى وقوى فيها النزعة إلى الحرية والاستقلال، ولم يقضِ على نظمها المحلية بل تواءم معها وخلق منها ومن تقاليده تقاليد إسلامية الطابع إفريقية الروح. ومن ثم تقَبَّله الأفارقة، خاصة أن الإسلام لم يكن دينًا أخرويا فحسب، وإنما كان دينًا وحضارة تقوم على أساس تعمير الدنيا والفوز بالآخرة، ومن ثم لزم أن يَنشر الإسلام نور العلم والثقافة بين أتباعه ومعتنقيه، فارتبط الإسلام بالعلم والتعليم منذ البداية، وكان الإفريقى لا يكاد يسلم حتى يتعلم القراءة والكتابة ويرتفع قدره اجتماعيا كلما زادت ثقافته، ولذلك سمعنا عن عدد كبير من العلماء الأفارقة الذين ظهروا فى مختلف ميادين العلم والثقافة، ولم يكونوا فى ذلك أقل من إخوانهم علماء المغاربة أو المشارقة، زد على ذلك أن الإسلام لم يعترف بالتفرقة العنصرية، فهو لايعرف حواجز الطبقات أو العرق أو اللون، ولا يميز بين إنسان وآخر على أساس اللون أو الثروة، لأن معيار التفاضل فى الإسلام هو التقوى والعمل الصالح، ولذلك أقبل الأفارقة على اعتناقه، فوحَّد بينهم وقضى على عناصر الفرقة
следующие страницы →